Verse. 2013 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَضَرَبَ اللہُ مَثَلًا قَرْيَۃً كَانَتْ اٰمِنَۃً مُّطْمَىِٕنَّۃً يَّاْتِيْہَا رِزْقُہَا رَغَدًا مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِاَنْعُمِ اللہِ فَاَذَاقَہَا اللہُ لِبَاسَ الْجُوْعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوْا يَصْنَعُوْنَ۝۱۱۲
Wadaraba Allahu mathalan qaryatan kanat aminatan mutmainnatan yateeha rizquha raghadan min kulli makanin fakafarat bianAAumi Allahi faathaqaha Allahu libasa aljooAAi waalkhawfi bima kanoo yasnaAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وضرب الله مثلاً» ويبدل منه «قرية» هي مكة والمراد أهلها «كانت آمنة» من الغارات لا تهاج «مطمئنة» لا يحتاج إلى الانتقال عنها لضيق أو خوف «يأتيها رزقها رغدا» واسعا «من كل مكان فكفرت بأنعم الله» بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم «فأذاقها الله لباس الجوع» فقحطوا سبع سنين «والخوف» بسرايا النبي صلى الله عليه وسلم «بما كانوا يصنعون».

112

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة هددهم أيضاً بآفات الدنيا وهو الوقوع في الجوع والخوف، كما ذكره في هذه الآية. المسألة الثانية: المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة سواء كان ذلك الشيء موجوداً أو لم يكن موجوداً وقد يضرب بشيء موجود معين، فهذه القرية التي ضرب الله بها هذا المثل يحتمل أن تكون شيئاً مفروضاً ويحتمل أن تكون قرية معينة، وعلى هذا التقدير الثاني فتلك القرية يحتمل أن تكون مكة أو غيرها، والأكثرون من المفسرين على أنها مكة، والأقرب أنها غير مكة لأنها ضربت مثلاً لمكة، ومثل مكة يكون غير مكة. المسألة الثالثة: ذكر الله تعالى لهذه القرية صفات: الصفة الأولى: كونها آمنة أي ذات أمن لا يغار عليهم كما قال: { أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 67] والأمر في مكة كان كذلك، لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض. أما أهل مكة، فإنهم كانوا أهل حرم الله، والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم. واعلم أنه يجوز وصف القرية بالأمن، وإن كان ذلك لأهلها لأجل أنها مكان الأمن وظرف له، والظروف من الأزمنة والأمكنة توصف بما حلها، كما يقال: طيب وحار وبارد. والصفة الثانية: قوله: {مُّطْمَئِنَّةً } قال الواحدي: معناه أنها قارة ساكنة فأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق. أقول: إن كان المراد من كونها مطمئنة أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الخوف، فهذا هو معنى كونها آمنة، وإن كان المراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الضيق، فهذا هو معنى قوله: {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ } وعلى كلا التقديرين فإنه يلزم التكرار. والجواب: أن العقلاء قالوا: شعر : ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية تفسير : قوله: {ءَامِنَةً } إشارة إلى الأمن، وقوله: {مُّطْمَئِنَّةً } إشارة إلى الصحة، لأن هواء ذلك البلد لما كان ملائماً لأمزجتهم اطمأنوا إليه واستقروا فيه، وقوله: {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ } إشارة إلى الكفاية. قال المفسرون وقوله: {مِّن كُلِّ مَكَانٍ } السبب فيه إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام وهو قوله: { أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مّنَ ٱلثَّمَرٰتِ } تفسير : [إبراهيم: 37] ثم إنه تعالى لما وصف القرية بهذه الصفات الثلاثة قال: {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ } الأنعم جمع نعمة مثل أشد وشدة أقول ههنا سؤال: وهو أن الأنعم جمع قلة، فكان المعنى: أن أهل تلك القرية كفرت بأنواع قليلة من النعم فعذبها الله، وكان اللائق أن يقال: إنهم كفروا بنعم عظيمة لله فاستوجبوا العذاب، فما السبب في ذكر جمع القلة؟ والجواب: المقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى يعني أن كفران النعم القليلة لما أوجب العذاب فكفران النعم الكثيرة أولى بإيجاب العذاب، وهذا مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب، ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به وبالغوا في إيذائه فلا جرم سلط الله عليهم البلاء. قال المفسرون: عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والقد، أما الخوف فهو أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم. ونقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابـي الأديب: هل يذاق اللباس؟ قال ابن الأعرابـي: لا باس ولا لباس يا أيها النسناس، هب أنك تشك أن محمداً ما كان نبياً أما كان عربياً وكان مقصود ابن الراوندي الطعن في هذه الآية، وهو أن اللباس لا يذاق بل يلبس فكان الواجب أن يقال: فكساهم الله لباس الجوع، أو يقال: فأذاقهم الله طعم الجوع. وأقول جوابه من وجوه: الوجه الأول: أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان. أحدهما: أن المذوق هو الطعم فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع. والثاني: أن ذلك الجوع كان شديداً كاملاً فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات، فأشبه اللباس. فالحاصل أنه حصل في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق، وحالة تشبه الملبوس، فاعتبر الله تعالى كلا الاعتبارين، فقال: {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ }. والوجه الثاني: أن التقدير أن الله عرفها لباس الجوع والخوف إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة وأصل الذوق بالفم، ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف وهو الاختبار، تقول: ناظر فلاناً وذق ما عنده. قال الشاعر: شعر : ومن يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إلينا عذبها وعذابها تفسير : ولباس الجوع والخوف هو ما ظهر عليهم من الضمور وشحوب اللون ونهكة البدن وتغير الحال وكسوف البال فكما تقول: تعرفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان، كذلك يجوز أن تقول: ذقت لباس الجوع والخوف على فلان. والوجه الثالث: أن يحمل لفظ اللبس على المماسة، فصار التقدير: فأذاقها الله مساس الجوع والخوف. ثم قال تعالى: {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبـي صلى الله عليه وسلم حين كذبوه وأخرجوه من مكة وهموا بقتله. قال الفراء: ولم يقل بما صنعت، ومثله في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: { أية : فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 4] ولم يقل قائلة، وتحقيق الكلام أنه تعالى وصف القرية بأنها مطمئنة يأتيها رزقها رغداً فكفرت بأنعم الله، فكل هذه الصفات، وإن أجريت بحسب اللفظ على القرية، إلا أن المراد في الحقيقة أهلها، فلا جرم قال في آخر الآية: {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ }، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً} هذا متصل بذكر المشركين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على مشركي قريش وقال: «حديث : اللَّهُمّ ٱشْدُدْ وطأتك على مُضَرَ وٱجعلها عليهم سِنينَ كِسنِي يوسف»تفسير : . فابتُلُوا بالقحط حتى أكلوا العظام، ووجّه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً ففرّق فيهم. {كَانَتْ آمِنَةً} لا يُهاج أهلها. {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ} من البر والبحر؛ نظيره {أية : يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [القصص: 57] الآية. {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ} الأنعم: جمع النِّعمة؛ كالأَشُدّ جمع الشِّدة. وقيل: جمع نُعْمَى؛ مثل بؤسى وأبؤس. وهذا الكفران تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم. {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ} أي أذاق أهلها. {لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ} سماه لباساً لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس. {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} أي من الكفر والمعاصي. وقرأه حفص بن غياث ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق والحسن وأبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث وعبيد وعباس «والخوفَ» نصبا بإيقاع أذاقها عليه، عطفاً على «لباسَ الجوعِ» أي أذاقها الله لباس الجوع وأذاقها الخوف. وهو بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم سراياه التي كانت تُطيف بهم. وأصل الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء. وضرب مكة مثلاً لغيرها من البلاد؛ أي أنها مع جوار بيت الله وعمارة مسجده لمّا كفر أهلها أصابهم القَحْط فكيف بغيرها من القرى. وقد قيل: إنها المدينة، آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كفرت بأنْعُم الله لقتل عثمان بن عفان، وما حدث بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتن. وهذا قول عائشة وحفصة زَوْجَي النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنه مَثَل مضروب بأيّ قرية كانت على هذه الصفة من سائر القُرَى.

البيضاوي

تفسير : {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً} أي جعلها مثلاً لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا، فأنزل الله بهم نقمته، أو لمكة. {كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً} لا يزعج أهلها خوف. {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا } أقواتها. {رَغَدًا } واسعاً. {مِّن كُلِّ مَكَانٍ} من نواحيها. {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ } بنعمه جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس. {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ } استعار الذوق لإدراك أثر الضرر، واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف، وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له كقول كثير:شعر : غمرُ الرِّدَاءِ إِذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكَا غلقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَابُ المال تفسير : فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لمَّا يلقى عليه، وأضاف إليه الغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء نظراً إلى المستعار له، وقد ينظر إلى المستعار كقوله:شعر : يُنَازِعْني رِدَائي عَبْدُ عَمْرو رُوَيْدَكَ يَا أَخَا عَمْرُو بن بَكْرِ لِي الشَّطرُ الَّذِي مَلَكت يَمِيني وَدُونَكَ فَاعْتَجِرْ مِنْهُ بِشَطْرٍ تفسير : استعار الرداء لسيفه ثم قال فاعتجر نظراً إلى المستعار. {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} بصنيعهم.

ابن كثير

تفسير : هذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمناً لا يخاف، كما قال تعالى: {أية : وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً} تفسير : [القصص: 57]، وهكذا قال ههنا: {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا} أي: هنيئاً سهلاً {مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ} أي: جحدت آلاء الله عليها، وأعظمها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } تفسير : [إبراهيم:28-29] ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما، فقال: {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ} أي: ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليهم ثمرات كل شيء، ويأتيها رزقها رغداً من كل مكان، وذلك لمَّا استعصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا إلا خلافه، فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العلهز، وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه. وقوله: {وَٱلْخَوْفِ} وذلك بأنهم بدلوا بأمنهم خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين هاجروا إلى المدينة؛ من سطوته وسراياه وجيوشه، وجعل كل ما لهم في دمار وسفال حتى فتحها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله فيهم منهم، وامتن به عليهم في قوله: {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 164] الآية. وقوله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَّسُولاً} تفسير : [الطلاق:10-11] الآية، وقوله: {أية : كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ فَٱذْكُرُونِىۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } تفسير : [البقرة:151-152] وكما أنه انعكس على الكافرين حالهم، فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرغد، فبدل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمناً، ورزقهم بعد العيلة، وجعلهم أمراء الناس وحكامهم وسادتهم وقادتهم وأئمتهم، وهذا الذي قلناه من أن هذا المثل ضرب لأهل مكة قاله العوفي عن ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحكاه مالك عن الزهري رحمهم الله. وقال ابن جرير: حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا عبد الرحمن بن شريح: أن عبد الكريم بن الحارث الحضرمي حدثه: أنه سمع مشرح بن هاعان يقول: سمعت سليم بن نمير يقول: صدرنا من الحج مع حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وعثمان رضي الله عنه محصور بالمدينة، فكانت تسأل عنه ما فعل؟ حتى رأت راكبين، فأرسلت إليهما تسألهما، فقالا: قتل، فقالت حفصة: والذي نفسي بيده إنها القرية - تعني المدينة - التي قال الله تعالى: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ} قال ابن شريح: وأخبرني عبيد الله بن المغيرة عمن حدثه أنه كان يقول: إنها المدينة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } ويبدل منه {قَرْيَةٌ } هي مكة والمراد أهلها {كَانَتْ ءامِنَةً } من الغارات لا تهاج {مُّطْمَئِنَّةً } لا يحتاج إلى الانتقال عنها لضيق أو خوف {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا } واسعا {مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ } بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ } فقحطوا سبع سنين {وَٱلْخَوْفِ } بسرايا النبي صلى الله عليه وسلم {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً } قد قدّمنا أن ضرب مضمن معنى جعل، حتى تكون {قرية} المفعول الأوّل و{مثلاً} المفعول الثاني، وإنما تأخرت {قرية} لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها. وقدّمنا أيضاً أنه يجوز أن يكون {ضرب} على بابه غير مضمن، ويكون {مثلاً} مفعوله الأوّل وقرية بدلاً منه. وقد اختلف المفسرون هل المراد بهذه القرية قرية معينة، أو المراد قرية غير معينة؟ بل كل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة؟ فذهب الأكثر إلى الأول وصرحوا بأنها مكة، وذلك لما دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : اللّهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف»تفسير : ، فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، والثاني: أرجح، لأن تنكير قرية يفيد ذلك، ومكة تدخل في هذا العموم البدليّ دخولاً أوّلياً. وأيضاً يكون الوعيد أبلغ، والمثل أكمل، وغير مكة مثلها. وعلى فرض إرادتها، ففي المثل إنذار لغيرها من مثل عاقبتها. ثم وصف القرية بأنها {كَانَتْ ءامِنَةً } غير خائفة {مُّطْمَئِنَّةً } غير منزعجة، أي: لا يخاف أهلها ولا ينزعجون {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا } أي: ما يرتزق به أهلها {رَغَدًا } واسعاً {مّن كُلّ مَكَانٍ } من الأمكنة التي يجلب ما فيها إليها {فَكَفَرَتْ } أي: كفر أهلها {بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ } التي أنعم بها عليهم، والأنعم: جمع نعمة كالأشدّ جمع شدّة. وقيل: جمع نعمى مثل بؤسى وأبؤس. وهذا الكفر منهم هو كفرهم بالله سبحانه وتكذيب رسله {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ } أي: أذاق أهلها {لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ } سمي ذلك لباساً لأنه يظهر به عليهم من الهزال، وشحوبة اللون، وسوء الحال، ما هو كاللباس، فاستعير له اسمه، وأوقع عليه الإذاقة، وأصلها الذوق بالفم. ثم استعيرت لمطلق الاتصال مع إنبائها بشدّة الإصابة لما فيها من اجتماع الإدراكين: إدراك اللمس، والذوق. روي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي - إمام اللغة والأدب - هل يذاق اللباس؟ فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس، هب أن محمداً ما كان نبياً أما كان عربياً؟ كأنه طعن في الآية بأن المناسب أن يقال: فكساها الله لباس الجوع، أو فأذاقها الله طعم الجوع، فرد عليه ابن الأعرابي. وقد أجاب علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف، لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له، وهو الجوع والخوف؛ لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه غيره، فكانت الاستعارة مجرّدة. ولو قال: فكساها كانت مرشحة. قيل: وترشيح الاستعارة، وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة، إلاّ أن للتجريد ترجيحاً من حيث أنه روعي جانب المستعار له، فازداد الكلام وضوحاً. وقيل: إن أصل الذوق بالفم، ثم قد يستعار، فيوضع موضع التعرف والاختبار. ومن ذلك قول الشاعر:شعر : ومن يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إلينا عذبها وعذابها تفسير : وقرأ حفص بن غياث ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق وأبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث بنصب الخوف عطفاً على لباس، وقرأ الباقون بالضم عطفاً على الجوع، قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلاّ قوله: {يَصْنَعُونَ } تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها. {وَلَقَدْ جَاءهُمْ } يعني: أهل مكة {رَسُولٌ مّنْهُمْ } من جنسهم يعرفونه ويعرفون نسبه، فأمرهم بما فيه نفعهم ونهاهم عما فيه ضرهم {فَكَذَّبُوهُ } فيما جاء به {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ } النازل بهم من الله سبحانه، والحال أنهم في حال أخذ العذاب لهم {ظَـٰلِمُونَ } لأنفسهم بإيقاعها في العذاب الأبديّ، ولغيرهم بالإضرار بهم وصدّهم عن سبيل الله، وهذا الكلام من تمام المثل المضروب. وقيل: إن المراد بالعذاب هنا هو الجوع الذي أصابهم، وقيل: القتل يوم بدر. ثم لما وعظهم الله سبحانه بما ذكروه من حال أهل القرية المذكورة، أمرهم أن يأكلوا مما رزقهم الله من الغنائم ونحوها، وجاء بالفاء للإشعار بأن ذلك متسبب عن ترك الكفر. والمعنى: أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر، فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة، واتركوا الخبائث وهو الميتة والدم {وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ } التي أنعم بها عليكم واعرفوا حقها {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } ولا تعبدون غيره، أو إن صحّ زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة التي زعمتم عبادة الله تعالى. وقيل: إن الفاء في {فكلوا} داخلة على الأمر بالشكر، وإنما أدخلت على الأمر بالأكل، لأن الأكل ذريعة إلى الشكر. {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } كرّر سبحانه ذكر هذه المحرمات في البقرة والمائدة والأنعام، وفي هذه السورة قطعاً للأعذار، وإزالة للشبهة، ثم ذكر الرخصة في تناول شيء مما ذكر فقال: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وقد تقدّم الكلام على جميع ما هو مذكور هنا مستوفى. ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدّم، فقال: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ } قال الكسائي، والزجاج: "ما" هنا مصدرية. وانتصاب الكذب بـ {لا تقولوا} أي: لا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم، ومعناه: لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة، ويجوز أن تكون "ما" موصولة، والكذب منتصب بـ {تصف} أي: لا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه {هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ } فحذف لفظة فيه لكونه معلوماً، فيكون قوله: {هذا حلال وهذا حرام} بدلاً من الكذب، ويجوز أن يكون في الكلام حذف بتقدير القول: أي ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم، فتقول: هذا حلال وهذا حرام، أو قائلة: هذا حلال وهذا حرام، ويجوز أن ينتصب الكذب أيضاً بـ {تصف} وتكون "ما" مصدرية، أي: لا تقولوا: هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب. وقرىء "الكذب" بضم الكاف والذال والباء على أنه نعت للألسنة، وقرأ الحسن بفتح الكاف وكسر الذال والباء نعتاً لـ"ما". وقيل: على البدل من "ما" أي: ولا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام، واللام في {لّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } هي لام العاقبة، لا لام العرض، أي: فيتعقب ذلك افتراؤكم على الله الكذب بالتحليل والتحريم، وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } أي افتراء كان {لاَ يُفْلِحُونَ } بنوع من أنواع الفلاح، وهو الفوز بالمطلوب، وارتفاع {مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ } على أنه خبر مبتدأ محذوف. قال الزجاج: أي متاعهم متاع قليل، أو هو مبتدأ خبره محذوف، أي: لهم متاع قليل {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يردّون إليه في الآخرة. ثم خصّ محرمات اليهود بالذكر فقال: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا } أي: حرمنا عليهم خاصة دون غيرهم {مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ } بقولنا: {أية : حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } تفسير : [الأنعام: 146]، الآية، و{مِن قَبْلُ } متعلق بـ {قصصنا} أو بـ {حرمنا} {وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ } بذلك التحريم، بل جزيناهم ببغيهم {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث فعلوا أسباب ذلك فحرّمنا عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم. ثم بيّن سبحانه أن الافتراء على الله سبحانه ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة فقال: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } أي: متلبسين بجهالة، وقد تقدّم تفسير هذه الآية في سورة النساء {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ } أي: من بعد عملهم للسوء، وفيه تأكيد، فإن "ثم" قد دلت على البعدية، فأكدها بزيادة ذكر البعدية {وَأَصْلَحُواْ } أعمالهم التي كان فيها فساد بالسوء الذي عملوه، ثم كرّر ذلك تأكيداً وتقريراً فقال: {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } أي: من بعد التوبة {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } كثير الغفران، واسع الرحمة. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً } قال: يعني مكة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية في الآية مثله. وزاد فقال: ألا ترى أنه قال {وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ }. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: القرية التي قال الله {كَانَتْ ءامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً } هي يثرب. قلت: ولا أدري أي دليل دله على هذا التعيين، ولا أيّ قرينة قامت له على ذلك، ومتى كفرت دار الهجرة ومسكن الأنصار بأنعم الله، وأيّ وقت أذاقها الله لباس الجوع والخوف، وهي التي تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد كما صحّ ذلك عن الصادق المصدوق. وصحّ عنه أيضاً أنه قال: «حديث : والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ } الآية، قال: في البحيرة والسائبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ } إلى آخر الآية، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا. قلت: صدق رحمه الله، فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتياً من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما يقع كثيراً من المؤثرين للرأي المقدّمين له على الرواية، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنّة كالمقلدة، وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاويهم ويمنعوا من جهالاتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير، فضلوا وأضلوا، فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل:شعر : كبهيمة عمياء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق الجائر تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: عسى رجل أن يقول: إن الله أمر بكذا، أو نهى عن كذا، فيقول الله عزّ وجلّ له: كذبت. أو يقول: إن الله حرّم كذا أو أحلّ كذا، فيقول الله له: كذبت. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ } قال: في سورة الأنعام. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة مثله، وقال: حيث يقول: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ } إلى قوله: {أية : وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } تفسير : [الأنعام: 146].

ابن عطية

تفسير : قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة والقرية المضروب بها المثل مكة كانت بهذه الصفة التي ذكر الله لأنها كانت لا تغزى ولا يغير عليها أحد. وكانت الأرزاق تجلب إليها، وأنعم الله عليها رسوله والمراد بهذه الضمائر كلها أهل القرية، فكفروا بأنعم الله في ذلك وفي جملة الشرع والهداية، فأصابتهم السنون والخوف، وسرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته، هذا إن كانت الآية مدنية وإن كانت مكية فجوع السنين وخوف العذاب من الله بحسب التكذيب. قال القاضي أبو محمد: وإن كانت هي التي ضربت مثلاً فإنما ضربت لغيرها مما يأتي بعدها ليحذر أن يقع فيما وقعت هي فيه، وحكى الطبري عن حفصة أم المؤمنين أنها كانت تسأل في وقت حصر عثمان بن عفان رضي الله عنه ما صنع الناس وهي صادرة من الحج من مكة، فقيل لها قتل فقالت: والذي نفسي بيده، إنها القرية تعني المدينة التي قال الله لها، {وضرب الله مثلاً} الآية. قال القاضي أبو محمد: فأدخل الطبري هذا على أن حفصة قالت: إن الآية نزلت في المدينة وإنها هي التي ضربت مثلاً، والأمر عندي ليس كذلك وإنما أرادت أن المدينة قد حصلت في محذور المثل وحل بها ما حل بالتي جعلت مثلاً، وكذلك يتوجه عندي في الآية أنها قصد بها قرية غير معينة، جعلت مثلاً مكة على معنى التحذير لأهلها ولغيرها من القرى إلى يوم القيامة، و {رغداً} نصب على الحال و {أنعم} جمع نعمة كشدة وأشد كذا قال سيبويه وقال قطرب {أنعم} جمع نعم وهي بمعنى التنعيم، يقال هذه أيام طعم ونعم وقوله {فأذاقها الله لباس الجوع} استعارات أي لما باشرهم ذلك صار كاللباس وهذا كقول الأعشى: [المتقارب] شعر : إذا ما الضجيع ثنى جيدها تثنّتْ عليه فصارت لباسا تفسير : ونحوه قوله تعالى: {أية : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} تفسير : [البقرة: 187]، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : وقد لبست بعد الزبير مجاشع ثياب التي حاضت ولم تغسل الدما تفسير : كأن العار لما باشرهم وألصق بهم جعلهم لبسوه، قوله "أذاقها" نظير قوله تعالى {أية : ذق إنك أنت العزيز الكريم} تفسير : [الدخان: 49] ونظير قول الشاعر: شعر : دونك ما جنيته فأحسن وذق تفسير : وقرأ الجمهور: "والخوفِ" عطفاً على {الجوع} وقرأ أبو عمرو: بخلاف عنه "والخوفَ" عطفاً على قوله {لباس}، وفي مصحف أبي بن كعب "لباس الخوف والجوع"، وقرأ ابن مسعود، "فأذاقها الله الخوف والجوع" ولا بذكر {لباس}، والضمير في {جاءهم} لأهل مكة، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم، و {العذاب} الجوع وأمر بدر ونحو ذلك إن كان التمثيل بمكة وكانت الآية مدنية، وإن كانت مكية فهو الجوع فقط، وذكر الطبري أنه القتل ببدر، وهذا يقتضي أن الآية نزلت بالمدينة، وإن كان التمثيل بمدينة قديمة غير معينة، فيحتمل أن يكون الضمير في {جاءهم} لأهل تلك المدينة، ويكون هذا مما جرى فيها كمدينة شعيب وغيره ويحتمل أن يكون الضمير المذكور لأهل مكة وتأمل. وقوله {فكلوا مما رزقكم الله} الآية، هذا ابتداء كلام آخر، ومعنى حكم، والفاء في قوله {فكلوا} الصلة الكلام واتساق الجمل خرج من ذكر الكافرين والميل عليهم إلى أمر المؤمنين بشرع ما فوصل الكلام بالفاء وليست المعاني موصولة، هذا قول، والذي عندي أن الكلام متصل المعنى، أي وأنتم المؤمنون لستم كهذه القرية، {فكلوا} واشكروا الله على تباين حالكم من حال الكفرة وهذه الآية هي بسبب أن الكفار كانوا سنوا في الأنعام سنناً وحرموا بعضاً وأحلوا بعضاً فأمر الله تعالى المؤمنين بأكل جميع الأنعام التي رزقها الله عباده وقوله {حلالاً} حال، وقوله {طيباً} أي مستلذاً، ووقع النص في هذا على المستلذات ففيه ظهور النعمة وهو عظم النعم وإن كان الحلال قد يكون غير مستلذ، ويحتمل أن يكون الطيب بمعنى الحلال وكرره مبالغة وتوكيداً وباقي الآية بين، قوله {إن كنتم إياه تعبدون} إقامة للنفوس كما تقول لرجل: إن كنت من الرجال فافعل كذا، على معنى إقامة نفسه، وذكر الطبري: أن بعض الناس قال نزلت هذه الآية خطاباً للكافر عن طعام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إليهم في جوعهم، وأنحى الطبري على هذا القول وكذلك هو فاسد من غير وجه.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً} مكة، وسمي الجوع والخوف لباساً، لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس، بلغ بهم القحط أن أكلوا القد والعلهز وهو الوبر يخلط بالدم "والقراد ثم" يؤكل "ع"، أو المدينة آمنت بالرسول صلى الله عليه وسلم ثم كفرت بعده بقتل عثمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ وما حدث فيها من الفتن قالته حفصة، أو كل مدينة كانت على هذه الصفة من سائر القرى.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً...} الآية: قال ابن عبَّاس: القرية؛ هنا مكَّة، والمراد الضمائر كلِّها في الآيةِ أهْلُ القرية، ويتوجَّه عنْدِي في الآيةُ أنها قُصِدَ بها قريةٌ غير معَّينة جُعِلَتْ مثلاً لمكَّة، على معنى التحذير، لأهلها ولغيرها مِنَ القُرَى إِلى يوم القيامة وهو الذي يُفْهَمُ من كلام حَفْصَةَ أمِّ المؤُمنين، و «أَنعَم» جمع نِعْمة. وقوله سبحانه: {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ} استعاراتٌ، أي: لما باشرهم ذلك، صار كاللِّباس، والضميرُ في {جَاءَهُمْ} لأهل مكَّة، والرسولُ محمَّد صلى الله عليه وسلم، و{ٱلْعَذَابُ}: الجوعُ وأَمْرُ بَدْرٍ ونحو ذلك، إن كانت الآية مدنيةً، وإن كانَتْ مكِّية، فهو الجوع فقطْ. وقوله سبحانه: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلالاً طَيِّباً...} الآية: هذا ابتداءُ كلامٍ آخر، أي: وأنتم أيها المؤمنون، لستُمْ كهذه القريةِ فكُلُوا واشْكُروا اللَّه على تباين حَالِكم، من حال الكَفَرة، وقوله: {حَلَـٰلاً } حالٌ، وقوله: {طَيِّباً }: أي مستَلَذًّا؛ إذ فيه ظهورُ النعمةِ، ويحتمل أن يكون «الطَّيْب» بمعنى الحلالِ، كُرِّر مبالغة وتَأكيداً.

ابن عادل

تفسير : قوله - تعالى -: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً} الآية. اعلم أنه - تعالى - هدَّد الكفار بالوعيد الشَّديد في الآخرة، وهدَّدهم أيضاً بآفاتِ الدنيا، وهي الوقوع في الجوع والخوف؛ كما ذكر - تعالى - في هذه الآية. واعلم أن المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معيَّنة، سواءٌ كان ذلك الشيء موجوداً أو لم يكن، وقد يضرب بشيء موجود معيَّن، فهذه القرية يحتمل أن تكون موجودة ويحتمل أن تكون غير موجودة. فعلى الأول، قيل: إنها مكَّة، كانت آمنة، لا يهاجُ أهلها ولا يغار عليها، مطمئنة قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتجاع كما يفعله سائر العرب، {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ} يحمل إليها من البرِّ والبحر، {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ} جمع النِّعمة، وقيل: جمع نُعمى، مثل: بؤسَى وأبؤس فأذاقهم لباس الجوع، ابتلاهم الله بالجوع سبع سنين، وقطعت العرب عنهم المِيرة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جهدوا وأكلوا العظام المحرقة، والجيف، والكلاب الميِّتة والعلهز: وهو الوبر يعالج بالدَّم. قال ابن الخطيب: والأقرب أنَّها غير مكَّة؛ لأنها ضربت مثلاً لمكَّة، ومثل مكَّة يكون غير مكَّة. وهذا مثل أهل مكة؛ لأنَّهم كانوا في الطمأنينة والخصب، ثم أنعم الله عليهم بالنِّعمة العظيمة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به، وبالغوا في إيذائه، فسلَّط الله عليهم البلاء، وعذَّبهم بالجوع سبع سنين، وأمَّا الخوف فكان يبعث إليهم السَّرايا فيغيرون عليهم. وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: أنه - تعالى - وصف القرية بصفات: أحدها: كونها آمنة، والمراد: أهلها، لأنها مكان الأمن، ثم قال "مُطْمَئنَّةً"، والاطمئنان هو الأمن، فلزم التَّكرار. والجواب: أن قوله: "آمِنَةً" إشارة إلى الأمن، وقوله: "مُطْمَئِنَّةً" إشارة إلى الصحَّة؛ لأن هواء هذه البلد لمَّا كان ملائماً لأمزجتهم، فلذلك اطمأنُّوا واستقرُّوا فيه؛ قال العقلاء: [الرجز] شعر : 3364- ثَلاثَةٌ ليْسَ لهَا نِهايَهْ الأمْنُ والصِّحَّةُ والكِفايَهْ تفسير : السؤال الثاني: الأنعم جمع قلَّة، فكان المعنى: أنّ أهْلَ تلك القريةِ كفرت بأنواعٍ قليلة من نعم الله، فعذبها الله، وكان اللائقُ أن يقال: إنهم كفروا بنعم عظيمة لله تعالى، فاستوجبوا العذاب، فما السَّبب في ذكر جمع القلَّة؟. والجواب: أن المقصود التَّنبيه بالأدنى على الأعلى، يعني: أنَّ كفران النِّعم القليلة لما أوجب العذاب، فكفران النِّعم الكثيرة أولى بإيجاب العذاب. و "أنْعُم" فيها قولان: أحدهما: أنها جمع "نِعْمة"؛ نحو: "شِدَّة وأشُدّ". قال الزمخشري: "جمع نِعْمَة على ترك الاعتداد بالتاء؛ كدِرْع وأدْرُع". وقال قطرب: هي جمع "نُعْم"، والنُّعم: النَّعيم؛ يقال: "هذه أيَّام طُعْمٍ ونُعْمٍ فلا تَصُومُوا". السؤال الثالث: نقل أن ابن الرَّاونْدِي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللِّباس؟ قال ابن الأعرابي: لا باس ولا لباس؛ يا أيُّها النِّسْنَاس، هب أنَّك تشكُّ أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان نبيًّا أَوَما كان عربيًّا؟ وكان مقصود ابن الرَّاوندِي الطَّعنَ في هذه الآية، وهو أن اللِّباس لا يذاق بل يلبس، فكان الواجب أن يقال: فكساهم الله لِبَاس الجوع، أو يقال: فأذاقهم الله طعم الجوع. والجواب: من وجوه: الأول: أن ما أصابهم من الهزال والشحوب، وتغيير ظاهرهم عمَّا كانوا عليه من قبل كاللِّباس لهم. الثاني: أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان: أحدهما: المذوق هو الطَّعام، فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع. والثاني: أن ذلك الجوع كان شديداً كاملاً، فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهاتِ، فأشبه اللِّباس. فالحاصل أنه حصل في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق، وحالة تشبه الملبوس، فاعتبر تعالى كلا الاعتبارين، فقال: {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ}. الثالث: أن التقدير: عرفها الله لباس الجوع والخوف، إلا أنه - تعالى - عبَّر عن التعريف بلفظ الإذاقة، وأصل الذَّوق بالفم، ثم يستعار فيوضع موضع التعريف والاختيار الذَّواق بالفم، تقول: ناظر فلاناً وذُقْ ما عنده؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3365- ومَنْ يَذُقِ الدُّنْيَا فإنِّي طَعِمْتُها وسِيقَ إليْنَا عَذْبُهَا وعَذابُهَا تفسير : ولباس الجوع والخوف: ما ظهر عليهم من الضمور، وشحوب اللون، ونهكة البدن وتغيُّر الحال؛ كما تقول: تعرَّفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان، فكذلك يجوز أن تقول: ذقتُ لباس الجوع والخوف على فلان. الرابع: أن يحمل لفظ اللباس على المماسَّة، فصار التقدير: فأذاقها الله مساس الجوع والخوف. ثم قال - تعالى -: {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يريد تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من مكَّة وهمهم بقتله صلى الله عليه وسلم. قال الفراء: ولم يقل بما صنعت، ومثله في القرآن كثير؛ كقوله: {أية : فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 4] ولم يقل: قائلة. وتحقيق الكلام: أنه - تعالى - وصف القرية بأنَّها مطمئنَّة يأتيها رزقها رغداً فكفرت بأنعم الله، فكلّ هذه الصِّفات وإن أجريت بحسب اللفظ على القرية، إلا أن المراد في الحقيقة أهل القرية، فلذلك قال: {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}. قوله: "والخَوْفِ" العامة على جرِّ "الخَوْفِ" نسقاً على "الجُوعِ"، وروي عن أبي عمرو نصبه، وفيه [أوجه]: أحدها: أنه يعطف على "لِباسَ". الثاني: أنه يعطف على موضع الجوع؛ لأنه مفعول في المعنى للمصدر، التقدير أي: ألبسهم الجوع والخوف، قاله أبو البقاء. وهو بعيد؛ لأن اللباس اسم ما يلبس وهو استعارة بليغة. الثالث: أن ينتصب بإضمار فعل؛ قاله أبو الفضل الرَّازي. الرابع: أن يكون على حذف مضافٍ، أي: ولباس الخوف، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، قاله الزمخشري. ووجه الاستعارة ما قال الزمخشري: "فإن قلت: الإذاقة واللباس استعارتان، فما وجه صحَّتهما والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار فما وجه صحَّة إيقاعها عليه؟. قلت: الإذاقة جرت عندهم مجرى الحقيقة؛ لشيوعها في البلايا، والشدائد، وما يمس الناس منها، فيقولون: ذاق فلانٌ البؤس والضر وإذاقة العذاب شبَّه ما يُدْرك من أثر الضَّرر والألم، بما يُدْرَك من طعم المُرّ والبشع، وأما اللِّباس فقد شُبِّه به؛ لاشتماله على اللاَّبس ما غشي الإنسان، والتبس به من بعض الحوادث، وأمَّا إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنَّه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس؛ فكأنه قيل: فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف، ولهم في هذا طريقان: أحدهما: أن ينظروا فيه إلى المستعار له، كما نظروا إليه ههنا؛ ونحوه قول كثيرة عزَّة: [الكامل] شعر : 3366- غَمْرُ الرِّدَاءِ إذَا تَبسَّمَ ضَاحِكاً غَلقَتْ لِضَحْكتِهِ رِقَابُ المَالِ تفسير : استعار الرداء للمعروف، لأنه يصون عرض صاحبه صون الرِّداء لما يلقى عليه، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنَّوال لا وصف الرداء؛ نظراً إلى المستعار له. والثاني: أن ينظر فيه إلى المستعار؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3367- يُنَازِعُنِي رِدائِي عَبْدُ عَمرٍو رُوَيْدكَ يا أخَا عَمْرِو بِنِ بَكْرِ لِيَ الشَّطْرُ الذي مَلكَتْ يَمِينِي ودُونكَ فاعْتَجِرْ مِنْهُ بشَطْرِ تفسير : أراد بردائه: سيفه، ثم قال: "فاعْتَجِرْ منهُ بِشطْرٍ" فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقال: فكساهم لباس الجوع والخوف، ولقال كثير: صافي الرِّداء إذا تبسَّم ضاحكاً" انتهى. وهذا نهاية ما يقال في الاستعارة. وقال ابن عطية: لمَّا باشرهم، صار ذلك كاللِّباس؛ وهذا كقول الأعشى: [المتقارب] شعر : 3368- إذَا ما الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدهَا تَثَنَّتْ عَليْهِ فَكانَتْ لِبَاسَا تفسير : ومثله قوله - تعالى -: {أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} تفسير : [البقرة: 187]؛ ومثله قول الشاعر: [الطويل] شعر : 3369- وَقَدْ لَبِستْ بَعْدَ الزُّبَيْرِ مُجاشِعٌ لِباسَ الَّتي حَاضَتْ ولمْ تَغْسل الدِّمَا تفسير : كأن العار لما باشرهم ولصق بهم، كأنهم لبسوه. وقوله: "فأذَاقَهَا" نظير قوله {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49]؛ ونظيره قول الشاعر: [الرجز] شعر : 3370- دُونَكَ ما جَنَيْتَهُ فاحْسُ وذُقْ تفسير : وفي قراءة عبد الله: "فأذاقها الله الخوف والجوع" وفي مصحف أبيّ: "لِبَاسَ الخَوفِ والجُوعِ". قوله: {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} يجوز أن تكون "مَا" مصدريَّة أو بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: بسبب صنعهم، أو بسبب الذي كانوا يصنعونه. والواو في "يَصْنعُونَ" عائدة على "أهْل" المقدَّر قبل "قَرْيةٍ"، ونظيره قوله: {أية : أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ}تفسير : [الأعراف: 4] بعد قوله: {أية : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا}تفسير : [الأعراف: 4]. قوله - تعالى -: {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ} الآية لما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: "ولقَدْ جَاءَهُم" يعني: أهل مكة، "رسُولٌ مِنهُمْ"، أي: من أنفسهم يعني: محمَّداً صلى الله عليه وسلم {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ} قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه -: يعني الجوع. وقيل: القتل يوم بدر، والأول أولى؛ لقوله - تعالى - بعده: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}، أي: إنَّ ذلك الجوع بسبب كفرهم، فاتركوا الكفر حتى تأكلوا. وقوله: {أية : مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [المائدة: 88]، أي من [الغنائم]؛ قاله ابن عبَّاس - رضي اله عنه -. وقال الكلبي: "إن رؤساء مكَّة كلَّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهدوا، وقالوا: عاديت الرِّجال، فما بال النِّساء والصِّبيان؟ وكانت الميرة قد قطعت عنهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن بحمل الطعام إليهم". قوله تعالى: {وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} صرَّح هنا بالنِّعمة؛ لتقدم ذكرها مع من كفر بها، ولم يجىء ذلك في البقرة، بل قال: {أية : وَٱشْكُرُواْ لِلَّهِ} تفسير : [البقرة: 172] لما تقدَّم ذلك، وتقدَّم نظير ما هنا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ يعني مكة‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وضرب الله مثلاً قرية‏} ‏ قال‏:‏ هي مكة، ألا ترى أنه قال‏:‏ ‏ {‏ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه‏}‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏قرية كانت آمنة‏} ‏ قال‏:‏ مكة‏.‏ ألا ترى إلى قوله‏:‏ ‏ {‏ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب‏} ‏ قال‏:‏ أخذهم الله بالجوع والخوف والقتل الشديد‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فأذاقها الله لباس الجوع والخوف‏} ‏ قال‏:‏ فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه‏} ‏ قال‏:‏ أي والله يعرفون نسبه وأمره‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن سليم بن عمر قال‏:‏ صحبت حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خارجة من مكة إلى المدينة، فأخبرت أن عثمان قد قتل فرجعت‏.‏ وقالت‏:‏ ارجعوا بي، فوالذي نفسي بيده إنها للقرية التي قال الله‏:‏ ‏ {‏قرية كانت آمنة مطمئنة‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ إلى آخر الآية‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب‏.‏ قال‏:‏ القرية التي قال الله‏:‏ ‏ {‏كانت آمنة مطمئنة‏}‏ هي يثرب‏.

القشيري

تفسير : فراغ القلبِ من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر عبدٌ بهذه النعمة بأَن فتح على نَفْسِه بابَ الهوى، وانجرف في فساد الشهوة، شَوَّشَ الله عليه قلبه، وسَلَبَه ما كان يَجِدُه من صفاء وقته؛ لأنَّ طوارقَ النفسِ تُوجِبْ غروبَ شوارقِ القلب، وفي الخبر: "حديث : إذا أقبل الليلُ من ها هنا أدبر النهارُ من ها هنا"تفسير : . وكذلك القلبُ إذا انقطع عنه معهودُ ما كان الحقُّ أتاحه له أصابه عطَشٌ شديد ولهبٌ عظيم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ} القربة المطمئنة قلب العارف الصادق المطمئن بذكر الله بل لله طمأنينته حين شاهده بكشف جماله وجلاله امر بلطف الله عن قهر الله وبرعايته عن طوارق الوسواس وشوارق الهواجس ياتى عليه رزق المعرفة و المحبة وبرد الانس والمشاهدة من كشف الذات وجميع الصفات رزقا رغدا بحيث لا كدر فيه ولا كدورة عليه من قتام الهجران وظلمة الحرمان فاذا اراد الحق سبحانه اتمام النعمة عليه رفع عنه الخطا والنسيان والظن والحسبان حتى لا يشتغل الا بمراعاة اسراره ومداركة لطائف انواره واذا اراد به الامتحان وضع عليه النسيان واغلق عليه ابواب فتوح المشاهدة حتى يذوق طعم وبال الهجران ويسقط فى ورطة الحرمان ويكون خائفا بعد ان يكون آمنا وفائزا بعد ان يكون ساكنا بقوله {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} قال الاستاد فرغ القلب عن الاشتغال نعمة عظيمة اذا كفر عبد هذه النعمة بان فتح على نفسه باب الهوى وانجر فى قياد الشهوات شوّش الله عليه نعمة قلبه وسلبه ما كان يجده من صفاء وقته فان طوارق النفس اوجب غروب شوارق القلب.

اسماعيل حقي

تفسير : {وضرب الله مثلا قرية} اى قصة اهل قرية كانت فى قرى الاولين وهى ايلة كما فى الكواشى وهى بلد بين ينبع ومصر وضرب المثل صنعه واعتماله ولذا قال الكاشفى فى تفسيره [وبيدا كرد خدا مثلى] ولا يتعدى الا الى مفعول واحد وانما عدى الى اثنين لتضمينه معنى الجعل وتأخير قرية مع كونها مفعولا اولا لئلا يحول المفعول الثانى بينها وبين صفتها وما يترتب عليها اذا لتأخير عن الكل مخل بتجاذب اطراف النظم وتجاوبها. والمعنى جعل اهلها مثلا لاهل مكة خاصة او لكل قوم انعم الله عليهم فاطرتهم النعمة ففعلوا ما فعلوا فبدل الله بنعمتهم نقمة ودخل فيهم اهل مكة دخولا اوليا {كانت آمنة} ذات امن من كل مخوف. قال الكاشفى [ايمن ازنزول قياصره وقصه جبابره] {مطمئنة}{ارميده واهل آن آسوده]. قال فى الكواشى لا ينتقلون عنها الى غيرها لحسنها {يأتيها لرزقها} اقوات اهلها صفة ثانية لقرية وتغير سبكها عن الصفة الاولى لما ان اتيان رزقها متجدد وكونها آمنة مطمئنة ثابت مستمر {رغدا} وسعا {من كل مكان} من نواحيها من البر والبحر {فكفرت} اى كفر اهلها {بانعم الله} اى بنعمه جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وادرع والمراد بهانعمة الرزق والامن المستمر وايثار جمع القلة للايذان بان كفران نعمة قليلة حيث اوجب هذا العذاب فما ظنك بكفران نعم كثيرة - روى - ان اهل ايلة كانوا يستنجون بالخبز كمافى الكواشى. يقول الفقير الخبز هو الاصل بين النعم الالهية ولذا امر آدم عليه السلام الذى هو اصل البشر بالحراثة فمن كفر به فقد كفر بجميع النعم تعرض لزوالها وكذا الاعتقاد الصحيح الذى عليه اهل السنة والجماعة هو الاساس المبنى عليه قبول الاعمال الصالحة فمن افسد اعتقاده فقد افسد دينه وتعرض لسخط الله تعالى شعر : بآب زمزم اكرشست خرقه زاهد شهر جه سود ازان جوندارد طهارت ازلى تفسير : والمقصود طهارة الوجود والقلب عن لوث الانية والتعلق بغير الله تعالى {فاذاقها الله} اى اذاق اهلها. وبالفارسية {بس بجشانيد خداى تعالى اهل آنرا] واصل الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء والاختبار كما فى تفسير ابى الليث (لباس الجوع) حتى اكلوا ما تغوطوه لان الجزاء من جنس العمل. قال فى الاسئلة المقحمة فى الاجوبة المفحمة كيف سمى الجوع لباسا قيل لانه يظهر من الهزال وشحوب اللون وضيق الحال ما هو كاللباس {والخوف}. قال فى الارشاد شبه اثر الجوع والخوف وضرهما المحيط بهم باللباس الغاشى للابس فاستعير له اسمه واوقع عليه الاذاقة المستعارة لمطلق الايصال المنبئة عن شدة الاصابة بما فيها من اجتماع ادراك الملامسة والذائقة على نهج التجريد فانها لشيوع استعمالها فى ذلك وكثرة جريانها على الالسنة جرت مجرى الحقيقة {بما كانوا يصنعون} فيما قبل من الكفران ثم بين ان ما فعلوه من كفران النعم لم يكن مزاحمة منهم لقضية العقل فقط بل كان ذلك معارضة لحجة الله على الخلق ايضا فقال {لقد جاءهم} اى اهل تلك القرية {رسول منهم} اى من جنسهم يعرفونه باصله ونسبه فاخبرهم بوجوب الشكر على النعمة وانذرهم سوء عاقبة الكفران {فكذبوه} فى رسالته {فاخذهم العذاب} المستأصل غب ما ذاقوا نبذة من ذلك {وهم ظالمون} حال كونهم ظالمين بالكفران والتكذيب حيث جلعوا الاول موضع الشكر والثانى موضع التصديق وترتيب العذاب على التكذيب جرى على سنة الله تعالى كما قال {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } تفسير : قال ابن عباس رضى الله عنهما هذا المثل لاهل مكة فانهم كانوا فى حرم آمن ويتخطف الناس من حولهم وما يمر ببالهم طيف من الخوف وكانت تجيى اليه ثمرات كل شئ ولقد جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله "حديث : اللهم اعنى عليهم بسبع كسبع يوسف"تفسير : ما اصابهم من القحط والجدب حتى اكلوا الجيف والكلاب الميتة والجلود والعظام المحرقة والعلهز وهو الوبر والدم اى يخلط الدم باوبار الابل ويشوى على النار وصار الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كالدخان من الجوع. وقد ضاقت عليهم الارض بما رحبت من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة حيث كانوا يغيرون على مواشيهم وعيرهم وقوافلهم فوقعوا فى خوف عظيم من اهل الاسلام حتى تركوا سفر الشام والتردد اليه ثم اخذهم يوم بدر ما اخذهم من العذاب. وفى الآية اشارة الى ان النفس الامارة بالسوء اذا كفرت فى قرية شخص الانسان بنعم الطاعات والتوفيق واتبعت هواها وتمتعت بشهواتها ابتليت بانقطاع ميرة الحق واكل جيفة الدنيا وميتة المستلذات وخوف العذاب بسوء صنيعها فلا بد للسالك ان يقتفى اثر رسول الخاطر الروحانى المؤيد للإلهام الربانى ويترك الاقتداء بالنفس والشيطان فإنهما يجران إلى الأخلاق الذميمة المستتبعة للآثار القبيحة وقد بعث النبى صلى الله عليه وسلم لاتمام الاخلاق الحميدة على وفق الشريعة كما قال "حديث : بعثت لاتمم مكارم الاخلاق"تفسير : والمكارم جمع مكرمة كالمصالح جميع مصلحة واضافته الى الاخلاق من قبيل اضافة الصفة الى الموصوف اى بعثت لاتمم الاخلاق الكريمة والشيم الحسنة وذلك ان الانبياء عليهم السلام كل واحد منهم مبعوث لسر وحكمة الهية راجعة الى تكميل البشر وتحسين اخلاقهم ونبينا عليه السلام مبعوث لتتميم تلك الاخلاق الكريمة وتكميلها على وجه التفصيل ولهذا جاء بشرع جامع لجميع جهات الحسن وهذا سر قوله "لا نبى بعدى" فمن ادعى نبيا بعده جهل بقدره وقدر علماء امته كما لا يخفى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {قرية}: بدل من: {مثلاً}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وضرب اللهُ مثلاً}، ثم فسره بقوله: {قريةً}: مكة، وقيل: غيرها. {كانت آمنة} من الغارات، لا تُهَاجُ، {مطمئنة} لا تحتاج إلى الانتقال عند الضيق أو الخوف، {يأتيها رزقها}: أقواتها {رغدًا}: واسعًا {من كل مكان} من نواحيها، {فكفرتُ بأنعُم الله}؛ بطرت بها، أو بنبي الله، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، {فأذاقها اللهُ لباسَ الجوع والخوف}، استعار الذوق لإدراك أثر الضرر، واللباس لِمَا غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف، أما الإذاقة فقد كثر استعمالها في البلايا حتى صارت كالحقيقة، وأما اللباس فقد يستعيرونه لما يشتمل على الشيء ويستره؛ يقول الشاعر: شعر : غَمْرُ الرِّدَاءِ إِذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكًا غَلِقَتْ لِضحكَتِهِ رِقَابُ المَالِ تفسير : فقد استعار الرداء للمعروف، فإنه يصون عِرْضَ صاحبه صون الرداء؛ لما يلقى عليه، والمعنى: أنهم لما كفروا النعم أنزل الله بهم النقم، فأحاط بهم الخوف والجوع إحاطة الثوب بمن يستتر به، فإن كانت مكة، فالخوف من سرايا النبي صلى الله عليه وسلم وغاراته عليهم، وإن كان غيرها، فمن كل عدو، وذلك بسبب ما كانوا يصنعون من الكفر والتكذيب. {ولقد جاءهم رسولٌ منهم}، يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم، والضمير لأهل مكة. عاد إلى ذكرهم بعد ذكر مثَلِهم. {فكذَّبوه فأخذهم العذاب}: الجوع والقحط، ووقعة بدر، {وهم ظالمون}؛ ملتبسون بالظلم، غير تائبين منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ضرب الله مثلاً؛ قلبًا كان آمنًا مطمئنًا بالله، تأتيه أرزاق العلوم والمواهب من كل مكان، فكفر نعمة الشيخ، وخرج من يده قبل كماله، فأذاقه الله لباس الفقر بعد الغنى بالله، والخوف من الخلق، وفوات الرزق، بعد اليقين؛ بسبب ما صنع من سوء الأدب وإنكار الواسطة، ولو خرج إلى من هو أعلى منه؛ لأن من بان فضله عليك وجبت خدمته عليك، ومن رزق من باب لزمه. وهذا أمر مُجرب عند أهل الذوق بالعيان، وليس الخبر كالعيان، هذا إن كان أهلاً للتربية، مأذونًا له فيها، جامعًا بين الحقيقة والشريعة، وإلا انتقل عنه إلى من هو أهل لها، وبالله التوفيق. ثم أمر بالشكر الذي هو قيد النعم

الطوسي

تفسير : التقدير ضرب الله مثلاً مثل قرية، وقيل في القرية التي ضرب الله بها هذا المثل قولان: احدهما - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: إِنها مكة، لأنها كانت بهذه الصفات التي ذكرها الله. وقال آخرون: اي قرية كانت على هذه الصفة، فهذه صورتها. وقوله {كانت آمنة مطمئنة} أي يأمن الناس فيها على نفوسهم واموالهم لا يخافون الغارة والنهب، كما يخاف سائر العرب، ويطمئنون فيها، لا يحتاجون فيها ان ينتجعوا الى غيرها، كما يحتاج غيرهم اليه، وكان مع ذلك يجيؤها رزقها، اي رزق اهلها من كل موضع، لأنه كان يجلب اليها تفضلا منه تعالى {فكفرت بأنعم الله} والمراد كفر اهلها، {بأنعم الله}. وانما اضاف الكفر الى القرية مجازا، ولذلك أنث الفعل. وقيل في واحد انعم الله ثلاثة اقوال: احدها - يقال نعمة وانعم كشدة وأشُدّ. الثاني - في جمع النعم كما قالوا أيام طعم ونعم ومثله ودّ وأودّ. الثالث - نعماء كما جمعوا بأساء وابؤس وضراء واضر؛ وقالوا أشُد جمع شُدّ قال الشاعر. شعر : وعندي قروض الخير والشر كله فبؤس لدى بؤسى ونعمى بأنعم تفسير : وقوله {فأذاقها الله لباس الجوع} انما سماه لباس الجوع، لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوب اللون وسوء الحال ما هو كاللباس. وقيل انهم شملهم الجوع والخوف كما شمل اللباس البدن. وقيل ان القحط دام بهم سنين وبلغ بهم الى ان اكلوا القد والطهن، وهو الوبر يخلط بالدم والقراد، ثم يؤكل، وانما يقال لصاحب الشدة: دق، لانه يجده وجدان الذائق في تفقده له، ولانه يتجدد عليه إِدراكه كما يتجدد على الذائق، وهم مع ذلك خائفون وجلون من النبي صلى الله عليه وسلم. واصحابه يغيرون على قوافلهم وتجاراتهم {جزاء بما كانوا يصنعون} من الكفر والشرك وتكذيب الرسل، واجرى الخطاب من أول الآية الى ها هنا على التأنيث إِضافة إِلى القرية، ثم قال - ها هنا - {بما كانوا يصنعون} على المعنى أي بما كان أهلها يصنعون. وروي عن ابي عمرو انه قرأ {لباس الجوع والخوف} بالنصب، كأنه ضمن فعل إِرزاقهم الله لباس الجوع، قاذفاً في قلوبهم الخوف، لأن الله تعالى لم يبعث النبي بالقحط والجوع والخوف، فقد قذف في قلوبهم الرعب من النبي وسراياه.

الجنابذي

تفسير : {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} لتنبيه المنعمين الكافرين بانعم الله {قَرْيَةً} حال قرية {كَانَتْ آمِنَةً} من كلّ ما يخاف من بطش الاعداء وضيق المعيشة وآلام الابدان وغموم النّفوس {مُّطْمَئِنَّةً} لا يزعج اهلها مزعج {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً} واسعاً {مِّن كُلِّ مَكَانٍ} ما يوجد فيه وتحتاج القرية اليه {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ} بالغفلة عن المنعم والبطر بالنّعم بدل الخضوع للمنعم {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ} جزاء لكفرانهم وبطرهم والجوع استعارة بالكناية او قرينة للاستعارة التّحقيقيّة فى اللّباس او تشبيه من قبيل لجين الماء وكذا الاذاقة امّا استعارة تحقيقيّة او ترشيح لاستعارة الجوع {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} من الكفران والبطر وقد ذكر فى الاخبار انّ هذه القرية كانت كثيرة النّعم حتّى كانوا يستنجون بالعجين ويقولون: انّه الين فأجدبت حتّى احتاجوا الى اكل ما كانوا يستنجون به.

الهواري

تفسير : قوله: { وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ}. فالقرية مكة، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كفروا بأنعم الله فكذبوا رسوله ولم يشكروا وهم (أية : الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) تفسير : [إبراهيم:28]. وأما قوله: {فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} فإنه الجوع الذي عذبوا به بمكة قبل عذابهم يوم بدر، ثم عذبهم بالسيف قوم بدر. وأما الخوف فبعدما خرج النبي عنهم. قوله: { فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّباً} يعني المؤمنين؛ ما أحلّ الله لهم من الرزق ومن الغنيمة وغيرها. { وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}. قال: { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} أي: ذبائح المشركين، ثُمَّ أحلّ ذبائح أهل الكتاب من المشركين. قوله: { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة وسورة الأنعام. قوله: { وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ} نزلت هذه الآية في المشركين لما حرموا من الأنعام والحرث وما استحلّوا من أكل الميتة، ثم صارت للناس عامة. تقدّم إليهم ألا يستحلوا التّقَوُّلَ على الله، ولا يفتروا الكذب فيحلّوا ما حرّم الله، ويحرِّموا ما أحلّ الله بالادّعاء على الله والكذب عليه فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ} من المشركين فيما حرّموا من الأنعام والحرث وما استحلوا من أكل الميتة، وممن ادعى من أهل القبلة على الله الكذب، ودان بالأباطيل، واستحلّ وحرّم ما لم يحلّ الله ولم يحرّمه { لاَ يُفْلِحُونَ} جميعاً. وهو كقوله: (أية : قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) تفسير : [يونس:59].

اطفيش

تفسير : {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً} لكل من أبطر النعمة الواسعة وكفر فانتقم الله منه أو لأَهل مكة، {قَرْيَةً} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور وهى مكة على أن المضروب لهم المثل غير أهلها ممن أبطر النعمة فأَهلك خوفهم بالسنين التى أصابت أهل مكة أو على أن المضروب لهم المثل هم أهل مكة، خوفهم بالسنين التى أصابتهم ليزدجروا فلا تصيبهم مرة أخرى، والذى يفهم من كلام حفصة رضى الله عنها أن القرية غير مكة، خوف أهل مكة أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل تلك القرية من السنين، وذلك قيل هو قبل أن تصيبهم سنون فلما لم يزدجروا أصابتهم، وقيل بعده خوفهم أن يعود إليهم مثلها وهذه القرية التى هى غير مكة ذكرت على سبيل الفرض والتقدير لا قرية موجودة معينة ويحتمل أن تكون معينة لأَن المثل يضرب بالموجود وغيره والمعين والمبهم واختار بعضهم أنها مكة، وقال الحسن إِنها قرية للأوائل وسع الله على أهلها حتى أنهم يستنجون بالخبز أى يزيلون به النجو وهو البول أو الغائط يعنى يتمسحون به ويستجمرون به {كَانَتْ آمِنَةً} من الغارات والقتال والإِخراج، {مُطْمَئِنَّةً} ثابتة لا تحتاج للانتقال لضيق أو خوف أو طلب كلأ وإِسناد الأَمن فى الاطمئنان إِلى القرية مجاز عقلى لأَن الآمن المطمئن فى الحقيقة هو أهلها وأسند ذلك إِليها لأَنها محلهم أو ذلك مجاز بالحذف أى آمنا أهلها مطمئناً أهلها فحذف المضاف وكذا فى قوله فكفرت وكذا النسبة الإِيقاعية فى قوله {يَأْتِيها رزقها} وقوله {فأَذاقها الله} فى ذلك كله الوجهان وزعم بعض أن القرية تطلق على أهلها حقيقة أيضاً، {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً} أى واسعاً {مِّن كُلِّ مَكَانٍ} من نواحيها براً وبحراً كما قال الله {أية : يجبى إِليه ثمرات كل شىء} تفسير : فى شأْن مكة والحرم بدعوة إِبراهيم وارزقهم من الثمرات، {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ} جمع نعمة بإِلغاء التاء فى المفرد كدرع وأدرع وجمع نعم بضم فإِسكان كبؤس وأبؤس {فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} فالخوف بالسنين التى دعا بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليهم إِذا قال: "حديث : اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف عليه السلام" تفسير : حتى اكلوا العظم المحرق والجيفة والكلب والوبر المعالج بالدم. يرى أحدهم الجو كالدخان من الجوع وقالوا إِن زال ذلك عنا آمنا. فزال فلم يؤمنوا وذلك قبل الهجرة وقيل إِنه بعدها وأنه أمر أيضاً بقطع الميرة عنهم فأرسل إليه رؤساء مكة: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان فأذن للناس فى حمل الطعام إِليهم وأما الخوف فعلى أن ذلك قبل الهجرة فبغير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو بعدها فسراياه التى تغير وتقتل بقتال بدر وقد علمت أن بعضاً يقول القرية غير مكة، وإِن قلت ما وجه لباس الجوع والخوف قلت رويت عن شيخنا الحاج إِبراهيم بن يوسف حفظه الله فى شرح السمرقندية وغيره عند قراءتى عليه قراءة تحقيق أنه شبه النحافة واصفرار اللون من جوع وخوف باللباس بجامع الاشتمال فإِن النحافة والاصفرار يشتملان على الحسد كاشتمال اللباس عليه فاستعير لهما لفظ اللباس استعارة أصلية تحقيقية تصريحية وشبه ما يدرك من الأَلم بالطعم المر بجامع الكراهة، تشبيها غير مصرح به فيكون لفظ اللباس استعارة مكية على مذهب السكاكى فقد اجتمعت المصرحة والمكنية، وأما على مذهب السلف فالمكنية هى لفظ المشبه به غير المذكور، وأما على مذهب الخطيب القزوينى فالمكنية التشبيه المضمر وإِثبات الإِذاقة للباس بطريق النسبة الإِيقاعية تخييل فقد اجتمعت المصرحة والمكنية والتخييلية، وأعلم أنى قد أطلق النسبة الإِيقاعية على نفس وقوعه الفعل على المفعول، وقد أطلقها على نفس صدور الفعل المتعدى لفظه وقوله أذاق بمنزلة الأَظفار للمنية فلا يكون ترشيحاً وكلام الكشاف مشعر بأَنه لفظ اللباس استعارة تحقيقية ويحتمل أن يكون عقلية، ويحتمل أن يكون حسية لأَنه قال شبه ما غشى الإِنسان وألبس به من بعض الحوادث باللباس لاشتماله على اللابس والحادث الذى غشيه يحتمل أن يريد له الضرر الحاصل من الجوع، فيكون عقلية وإِنما يريد به امتقاع اللون ورثاثة الهيئة، قال نظر هنا إِلى لفظ المستعار له فعبر بالإِذاقة ولو نظر إِلى لفظ المستعار لقال فكساهم لباس الجوع والخوف، وذكر القاضى وغيره أن الذوق مستعار لإِدراك أثر الضرر واللباس للجوع والخوف مشتملين على الإِنسان وذكر الإِذاقة نظراً للمستعار له كقول كثير: شعر : غمر الرداء إِذا تبسم ضاحكاً غلقت لضحكته رقاب المال تفسير : فإِنه استعار الرد المعروف لأَنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه، وأضاف إِليه الغمر الذى هو وصف المعروف والنوال غمر الرداء كناية عن كثرة العطاء والغلق بالمعجمة الاستحقاق أى إِذا ضحك المسئول ضحكة أيقن السائل أنه بذلك التبسم استغلق رقاب ماله ولو نظر إِلى المستعار لقال سابغ الرداء وقد ينظر إِلى المستعار كقوله: شعر : أينازعنى ردائى عبد عمرو رويدك يا أخا عمرو بن بكر لى الشطر الذى ملكت يمينى ودونك فاعتجر منه بشطر تفسير : استعار الرداء لسيفه فقال فاعتجر نظر إِلى المستعار ولو نظر إلى المستعار له لقال فاقتطع منه بشطر والاعتجار بالراء المهملة لف العمامة على الرأس أى يجاذبنى سيفى عبد عمر ويريد أن يأخذه منى فقلت رويدك فلى النصف الأعلى الذى هو فى يمينى وخذ أنت النصف الآخر منه فلفه على رأسك ويجوز فى الآية أن يقال أن المذوق هو العظام فلما فقد صاروا كأنهم يذوقون الجوع، وأن يقال ذلك أن الجوع شديد كأَنه أحاط بهم من كل جهة إِحاطة اللباس وأن يقال معناها عرفها الله أثر الجوع والخوف، يقال ناظرنى فلان وذقت ما عنده أى عرفته وأن يقال أمنها الله أثر الجوع والخوف، وقرأ بعضهم لباس الخوف والجوع بتقديم الخوف وقرأ بعضهم لباس الجوع والخوف بنصب الخوف أى ولباس الخوف، فحذف المضاف وناب عنه المضاف إِليه {بِمَا كَانُوا} ما مصدرية أى بكونهم {يَصْنَعُونَ} من الكفر والظلم والمعاصى أو بمعنى الذى أى بما كانوا يصنعونه من ذلك تعوذ بالله من مفاجأة النقمة والموت على الغفلة كما فعل بهم وذكره فى قوله عز وجل: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ}

اطفيش

تفسير : {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً} مثلا مفعول ثان، وقدم التشويق إلى ما به الضرب، وقرية مفعول أول أى صيَّر الله قرية مثلا، والمراد نفس القرية أو أهلها على حذف مضاف، أو أهلها تسمية لهم بها لحلولهم بها، أو وضعت لهم اسمًا كما وضعت للمحل، والمثل كلام شبه مضر به بمورده الكلام على القرية، ورد فيها وما أشبهها مضرب يمثل له بها، والقرية مكة، وقيل مطلق قرية، لا مخصوصة، وذكر ابن عباس أنها مكة، ورجحه أبو حيان لمناسبة، ولقد جاءهم رسول منهم أصابها القحط بعد أن كانت راغدة العيش بالطائف وجدة، وما قاربها من القرى، وقوافلهم من اليمن والشام، وأصابتها الغارات ممن حولها قبل الهجرة، أو تخوفوها ولو لم تكن بعد الاطمئنان من الخوف، كما قال الله عز وجل: {كَانَتْ آمِنَةً} من الخوف {مُطْمَئِنَّةً} لا يحتاج إِلى الانتقال عنها {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا} واسعًا {مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} بحر وبر {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ} بدين الله ونبيه صلى الله عليه وسلم، أو أنعمه البدنية والمالية، والاحترام والمفرد نعمة، كأنه بلا تاء كدرع وأدرع، أو نعم بضم فإسكان كبؤس وأبؤس، أو نعماء كبأساء وأبؤس واختار بعض أنه اسم جمع، وكان من أوزان القلة، والمراد الكثرة تلويحًا بأن العقاب المذكور مستحق بالقليل، فكيف بالكثير، والمراد بالقرية أهلها على حذف مضاف فيها، وفى ضمائرها بعدها، أو اسم محل لحال، أو وضع اللفظ لهم كما وضع لها على الاشتراك. {فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} أحاط عليهم بالرقة والصفرة ظاهرين عليهم ظهور اللباس على البدن، وأصل الإذاقة الإطعام الأول، ليختبر، ثم استعمل فى مطلق الإطعام، ثم فى مطلق الإصابة والابتلاء أو فى هذا بعد الإِطعام الأول إطلاقًا للمقيد على المطلق، أو استعار الإذاقة للإبلاغ إِلى إِدراك أثر الضرر، فاللباس لنحو الزرقة والصفرة استعارة ثانية، وشبه الجوع والخوف بالمطعوم البشع، ورمز إِليه بالإذاقة، فهذه ثالثة مكنية، فإنه لا يخفى أن الإذاقة للمطعوم والمشروب لا للجوع والخوف، وإذا اعتبرنا شيوع الإذاقة بمعنى الإصابة حتى كأنها حقيقة لها، كانت تجريدًا للاستعارة، ولو قيل فكساها كان ترشيحًا، وإن شئت ففى اللباس استعارتان: مصرحة إذ شبه ما غشى الإنسان عند الجوع به لجامع الاشتمال، ومكنية إِذ شبه ما غشيه بالطعم المر بجامع الكراهة والقربة، الإذاقة وهى تخييل. {بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} فيما مضى أو استمروا عليه بأشياء يصنعونها، أو بالأشياء التى يصنعونها من المحرمات، أو بكونهم يصنعون الصنع الفاسد، والواو لأهل القرية المعبر عنهم بلفظ القرية، أو باسم مقدر مضاف إليها، أو للقرينة على التجوز، روعى لفظها فيما مر، المعنى الآن وكذا فى الهاءات بعد، وعبر بالصنع تلويحًا بأَن الشر فيهم راسخ كرسوخ الصنعة لصاحبها، والمشهور أن ذلك بعد الهجرة. والجمهور أنها نزلت فى المدينة وصحح، وجعلت فى سورة مكية، وعلى أنها فى مكة مع أنه يقع ذلك بعد الهجرة، فإخبار بما سيقع، كانت مكة آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، ولما أصروا على الكفر حتى ألجئوه صلى الله عليه وسلم إِلى الهجرة، أصابهم القحط سبع سنين: بقطع المطر، وقطع صلى الله عليه وسلم من يأتيهم من العرب بالطعام، حتى أكلوا العظام المحرقة، والجيف والكلاب، وما جاف من الميتة والوبر المخلوط بالدم، يرون شبه الدخان من الجوع، وكان يبعث إِليهم السرايا يقطعون الطريق ويخوفونهم، وأرسلوا إِليه أبا سفيان وجماعة من رؤسائهم، دأبك أن تأمر بالمعروف، وصلة الرحم، والعفو. والآن عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان، وقد هلك قومك فادع الله لهم، فدعا وأمر بحمل الطعام إليهم وقيل مطلق قرية صفتها ذلك لا خصوص مكة، مثل بها، فإن المثل قول يسمى مضربًا يشبه قولا آخر يسمى مورداً فى شئ ليبين أحدهما بالآخر، هو المورد.

الالوسي

تفسير : {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً} أي أهل قرية وذلك إما بإطلاق القرية وإرادة أهلها وإما بتقدير مضاف، وانتصابه على أنه مفعول أول ـ لضرب ـ على تضمينه معنى الجعل، وأخر لئلا يفصل الثاني بين الموصوف وصفته وما يترتب عليها، وتأخيره عن الكل مخل بتجاوب أطراف النظم الجليل وتجاذبه، ولأن تأخير ما حقه التقديم مما يورث النفس شوقاً لوروده لا سيما إذا كان في المقدم ما يدعو إليه كما هنا فيتمكن عند وروده فضل تمكن، وعن الزجاج أن النصب على البدلية والأصل عنده ضرب الله مثلاً مثل قرية فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والمراد بالقرية إما قرية محققة من قرى الأولين، وإما مقدرة ووجود المشبه به غير لازم، ولم يجوز ذلك أبو حيان لمكان {أية : وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْهُمْ } تفسير : [النحل: 113] وأنت تعلم أنه غير مانع. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد أنها مكة، وروي هذا عن ابن زيد وقتادة وعطية، وأخرج ابن أبـي حاتم وغيره عن سليم بن عمر قال: صحبت حفصة زوج النبـي صلى الله عليه وسلم وهي خارجة من مكة إلى المدينة فأخبرت أن عثمان قد قتل فرجعت وقالت: ارجعوا بـي فوالذي نفسي بيده إنها للقرية التي قال الله تعالى وتلت ما في الآية، ولعلها أرادت أنها مثلها؛ ويمكن حمل ما روي عن الحبر ومن معه على ذلك، والمعنى جعلها الله تعالى مثلاً لأهل مكة أو لكل قوم أنعم الله تعالى عليهم فأبطرتهم النعمة ففعلوا ما فعلوا فجوزوا بما جوزوا، ودخل فيهم أهل مكة دخولاً أولياً. ولعله المختار. {كَانَتْ ءامِنَةً } قيل: ذات أمن لا يأتي عليها ما يوجب الخوف كما يأتي على بعض القرى من إغارة أهل الشر عليها وطلب الإيقاع بها {مُّطْمَئِنَّةً } ساكنة قارة لا يحدث فيها ما يوجب الانزعاج كما يحدث في بعض القرى من الفتن بين أهاليها ووقوع بعضهم في بعض فإنها قلما تأمن من إغارة شرير عليها وهيهات هيهات أن ترى شخصين متصادقين فيها:شعر : والمرء يخشى من أبيه وابنه ويخونه فيها أخوه وجاره تفسير : وقيل: يفهم من كلام بعضهم أن الاطمئنان أثر الأمن ولازمه من حيث إن الخوف يوجب الانزعاج وينافي الاطمئنان، وفي «البحر» أنه زيادة في الأمن {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا} أقواتها {رَغَدًا} واسعاً {مّن كُلّ مَكَانٍ} من جميع نواحيها، وغير أسلوب هذه الصفة عما تقدم إلى ما ترى لما أن إتيان الرزق متجدد وكونها آمنة مطمئنة ثابت مستمر، وذكر الإمام أن الآية تضمنت ثلاث نعم جمعها قولهم:شعر : ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية تفسير : فآمنة إشارة إلى الأمن و {مُّطْمَئِنَّةً} إلى الصحة و {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا } الخ إلى الكفاية، وجعل سبب الاطمئنان ملاءمة هواء البلد لأمزجة أهله وفيه تأمل {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ } جمع نعمة كشدة وأشد على ترك الاعتداد بالتاء لأن المطرد جمع فعل على أفعال لا فعلة، وقال الفاضل اليمني: اسم جمع للنعمة، وقطرب جمع نعم بضم النون كبؤس وأبؤس، والنعم عنده بمعنى النعيم، وحمل على ذلك قولهم: هذا يوم طعم ونعم، وعند غيره بمعنى النعمة، والمراد بالنعم ما تضمنته الآية قبل؛ ولعله في قوة نعم كثيرة بل هو كذلك، وفي إيثار جمع القلة إيذان بأن كفران نعم قليلة أوجبت هذا العذاب فما ظنك بكفران نعم كثيرة. {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ}/ شبه أثر الجوع والخوف وضررهما الغاشي باللباس بجامع الإحاطة والاشتمال فاستعير له اسمه وأوقع عليه الإذاقة المستعارة للإصابة، وأوثرت للدلالة على شدة التأثير التي تفوت لو استعملت الإصابة، وبينوا العلاقة بأن المدرك من أثر الضرر شبه بالمدرك من طعم المر البشع من باب استعارة محسوس لمعقول لأن الوجدانيات لزت في قرن العقليات، وكذا يقال في الأول، ولشيوع استعمال الإذاقة في ذلك وكثرة جريانها على الألسنة جرت مجرى الحقيقة ولذا جعل إيقاعها على اللباس تجريداً، فإن التجريد إنما يحسن أو يصح بالحقيقة أو ما ألحق بها من المجاز الشائع، فلا فرق في هذا بين أذاقها إياه وأصابها به، وإنما لم يقل: فكساها إيثاراً للترشيح لئلا يفوت ما تفيده الإذاقة من التأثير والإدراك وطعم الجوع لما في اللباس من الدلالة على الشمول وصاحب "المفتاح" حمل اللباس على انتقاع اللون ورثاثة الهيئة اللازمين للجوع والخوف، والاستعارة حينئذ من باب استعارة المحسوس للمحسوس، وما ذكر أولاً أولى إذ لا يجل موقع الإذاقة وتكون الإصابة أبلغ موقعاً. ونقل عن الأصحاب أن لفظ اللباس عندهم تخييل، وبين ذلك بأن يشبه الجوع والخوف في التأثير بذي لباس قاصد للتأثير مبالغ فيه فيخترع له صورة كاللباس ويطلق عليها اسمه واعترض بأن ذلك لا يلائم بلاغة القرآن العظيم لأن الجوع إذا شبه بالمؤثر القاصد الكامل فيما تولاه ناسب أن تخترع له صورة ما يكون آلة للتأثير لا صورة اللباس الذي لا مدخل له فيه، وتعقب بأن صاحب "المفتاح" يرى أن التخييلية مستعملة في أمر وهمي توهمه المتكلم شبيهاً بمعناه الحقيقي فاللباس إذا كان تخييلاً يجوز أن يكون المراد به أمراً مشتملاً على الجوع اشتمال اللباس كالقحط ومشتملاً على الخوف كإحاطة العدو فلا وجه لقوله: صورة اللباس مما لا دخل له في التأثير، والقول بأنه لا يناسب مع الفاعل إلا ذكر الآلة للتأثير ما لم يصرح به أحد من القوم ولا يتأتى التزامه في كل مكنية، ألا تراك لو قلت: مسافة القريض ما زال يطويها حتى نزل ببابه على تشبيه المدح بمسافر ثبت له المسافة تخييلاً وما بعده ترشيح كانت استعارة حسنة وليس قرينتها آلة لذلك الفاعل بل أمر من لوازمه، ومثله كثير في كلام البلغاء اهـ. وأنت تعلم أن هذا على ما فيه لا يفيد عند صحيح التخيل تمييز ما نقل عن الأصحاب على ما ذكر أولاً ولا مساواته له، والمشهور أن في {لِبَاسَ} استعارتين تصريحية ومكنية، وبين ذلك بأن شبه ما غشي الإنسان عند الجوع والخوف من أثر الضرر من حيث الاشتمال باللباس فاستعير له اسمه ومن حيث الكراهة بالطعم المر البشع فيكون استعارة مصرحة نظر إلى الأول ومكنية إلى الثاني وتكون الإذاقة تخييلاً، وفيه بحث مشهور بين الطلبة، وجوز أن يكون لباس {ٱلْجُوعِ} كلجين الماء أي أذاقها الله الجوع الذي هو في الإحاطة كاللباس، والأول أيضاً أولى، ومثل ذلك قول كثير:شعر : غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المال تفسير : فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه وأضاف إليه الغمر وهو في وصف المعروف استعارة جرت مجرى الحقيقة وحقيقته من الغمرة وهي معظم الماء وكثرته، وتقديم الجوع الناشيء من فقدان الرزق على الخوف المترتب على زوال الأمن المقدم فيما تقدم على إتيان الرزق لكونه أنسب بالإذاقة أو لمراعاة المقارنة بين ذلك وبين إتيان الرزق. وفي مصحف أبـي {لِبَاسَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ} بتقديم الخوف، وكذا قرأ عبد الله إلا أنه لم يذكر اللباس وعد ذلك أبو حيان تفسيراً لا قراءة، وروى العباس عن أبـي عمرو أنه قرأ {والخوف} بالنصب عطفاً على {لباس}/ وجعله الزمخشري على حذف مضاف وإقامة المضاف مقامه أي ولباس الخوف. وقال صاحب «اللوامح» يجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل، وفي مقابلة ما تقدم بالجوع والخوف فقط ما يشير إلى عد الأمن والاطمئنان كالشيء الواحد وإلا فكان الظاهر فأذاقها الله لباس الجوع والخوف والانزعاج {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } فيما قبل أو على وجه الاستمرار وهو الكفران المذكور، و {ما} موصولة والعائد محذوف أي يصنعونه، وجوز أن تكون مصدرية والباء على الوجهين سببية والضميران قيل: عائدان على ـ أهل ـ المقدر المضاف إلى القرية بعد ما عادت الضمائر السابقة إلى لفظها، وقيل: عائدان إلى القرية مراداً بها أهلها. وفي "إرشاد العقل السليم" أسند ما ذكر إلى أهل القرية تحقيقاً للأمر بعد إسناد الكفران إليها وإيقاع الإذاقة عليها إرادة للمبالغة، وفي صيغة الصنعة إيذان بأن كفران الصنيعة صنعة راسخة لهم وسنة مسلوكة.

سيد قطب

تفسير : سبق أن ضرب الله في هذه السورة مثلين لتقريب حقيقة من حقائق العقيدة. وهو يضرب هنا مثلا لتصوير حال مكة، وقومها المشركين، الذين جحدوا نعمة الله عليهم. لينظروا المصير الذي يتهددهم من خلال المثل الذي يضربه لهم. ومن ذكر النعمة في المثل، وهي نعمة الرزق الرغد مع الأمن والطمأنينة ينتقل السياق بهم إلى الطيبات التي يحرمونها عليهم اتباعا لأوهام الوثنية، وقد أحلها الله لهم، وحدد المحرمات وبينها وليست هذه منها. وذلك لون من الكفر بنعمة الله، وعدم القيام بشكرها. يتهددهم بالعذاب الأليم من أجله، وهو افتراء على الله لم ينزل به شريعة. وبمناسبة ما حرم على المسلمين من الخبائث، يشير إلى ما حرم على اليهود من الطيبات. بسبب ظلمهم. جعل هذا التحريم عقوبة لهم على عصيانهم ولم يكن محرما على آبائهم في عهد إبراهيم الذي كان أمة قانتا لله حنيفا، ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم، فكانت حلالا له الطيبات ولبنيه من بعده، حتى حرم الله بعضها على اليهود في صورة عقوبة لهم خاصة. ومن تاب بعد جهالته فالله غفور رحيم. ثم جاء دين محمد امتدادا واتباعا لدين إبراهيم، فعادت الطيبات حلالا كلها. وكذلك السبت الذي منع فيه اليهود من الصيد. فإنما السبت على أهله الذين اختلفوا فيه ففريق كف عن الصيد وفريق نقض عهده فمسخه الله وانتكس عن مستوى الإنسانية الكريم. وتختم السورة عند هذه المناسبة بالأمر إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة. وأن يجادلهم بالتي هي أحسن. وأن يلتزم قاعدة العدل في رد الاعتداء بمثله دون تجاوز.. والصبر والعفو خير. والعاقبة بعد ذلك للمتقين المحسنين لأن الله معهم، ينصرهم ويرعاهم ويهديهم طريق الخير والفلاح. {وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه، فأخذهم العذاب وهم ظالمون}.. وهي حال أشبه شيء بحال مكة. جعل الله فيها البيت، وجعلها بلدا حراما من دخله فهو آمن مطمئن، لا تمتد إليه يد ولو كان قاتلا، ولا يجرؤ أحد على إيذائه وهو في جوار بيت الله الكريم. وكان الناس يتخطفون من حول البيت وأهل مكة في حراسته وحمايته آمنون مطمئنون. كذلك كان رزقهم يأتيهم هينا هنيئا من كل مكان مع الحجيج ومع القوافل الآمنة، مع أنهم في واد قفر جدب غير ذي زرع، فكانت تجبى إليهم ثمرات كل شيء فيتذوقون طعم الأمن وطعم الرغد منذ دعوة إبراهيم الخليل. ثم إذا رسول منهم، يعرفونه صادقا أمينا، ولا يعرف عنه ما يشين، يبعثه الله فيهم رحمة لهم وللعالمين، دينه دين إبراهيم باني البيت الذي ينعمون في جواره بالأمن والطمأنينة والعيش الرغيد؛ فإذا هم يكذبونه، ويفترون عليه الافتراءات، وينزلون به وبمن اتبعوه الأذى. وهم ظالمون. والمثل الذي يضربه الله لهم منطبق على حالهم، وعاقبة المثل أمامهم. مثل القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله، وكذبت رسوله {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} وأخذ قومها العذاب وهم ظالمون. ويجسم التعبير الجوع والخوف فيجعله لباسا؛ ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقا، لأن الذوق أعمق أثرا في الحس من مساس اللباس للجلد. وتتداخل في التعبير استجابات الحواس فتضاعف مس الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في النفوس. لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون. وفي ظل هذا المثل الذي تخايل فيه النعمة والرزق، كما يخايل فيه المنع والحرمان، يأمرهم بالأكل مما أحل لهم من الطيبات وشكر الله على نعمته إن كانوا يريدون أن يستقيموا على الإيمان الحق بالله، وأن يخلصوا له العبودية خالصة من الشرك، الذي يوحي إليهم بتحريم بعض الطيبات على أنفسهم باسم الآلهة المدعاة: {فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً، واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون}. ويحدد لهم المحرمات على سبيل الحصر. وليس منها ما يحرمونه على أنفسهم من رزق الله من بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حام: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به}.. وهي محرمة إما لأن فيها أذى للجسم والحس كالميتة والدم ولحم الخنزير، أو أذى للنفس والعقيدة كالذي توجه به ذابحه لغير الله. {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم} فهذا الدين يسر لا عسر. ومن خاف على نفسه الموت أو المرض من الجوع والظمأ فلا عليه أن يتناول من هذه المحرمات قدر ما يدفع الضرر (على خلاف فقهي ذكرناه من قبل) غير باغ على مبدأ التحريم ولا متجاوز قدر الضرورة التي أباحت المحظور. ذلك حد الحلال والحرام الذي شرعه الله في المطعومات، فلا تخالفوه اتباعاً لأوهام الوثنية، ولا تكذبوا فتدعوا تحريم ما أحله الله. فالتحريم والتحليل لا يكونان إلا بأمر من الله. فهما تشريع. والتشريع لله وحده لا لأحد من البشر. وما يدعي أحد لنفسه حق التشريع بدون أمر من الله إلا مفتر، والمفترون على الله لا يفلحون: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب: هـذا حلال وهـذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. متاع قليل ولهم عذاب أليم}.. لا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم وتحكيه: هذا حلال وهذا حرام. فهذا حلال وهذا حرام حين تقولونها بلا نص هي الكذب عينه، الذي تفترونه على الله. والذين يفترون على الله الكذب ليس لهم إلا المتاع القليل في الدنيا ومن ورائه العذاب الأليم، والخيبة والخسران.. ثم يجرؤ ناس بعد ذلك على التشريع بغير إذن من الله، وبغير نص في شريعته يقوم عليه ما يشرعونه من القوانين، وينتظرون أن يكون لهم فلاح في هذه الأرض أو عند الله! فأما ما حرمه الله على اليهود في قوله من قبل في سورة الأنعام. {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما، أو الحوايا أو ما اختلط بعظم}تفسير : فقد كان عقوبة خاصة بهم لا تسري على المسلمين: {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل، وما ظلمناهم ولـكن كانوا أنفسهم يظلمون. ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة، ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا. إن ربك من بعدها لغفور رحيم}.. ولقد استحق اليهود تحريم هذه الطيبات عليهم بسبب تجاوزهم الحد ومعصيتهم لله. فكانوا ظالمين لأنفسهم لم يظلمهم الله. فمن تاب ممن عمل السوء بجهالة ولم يصر على المعصية، ولم يلج فيها حتى يوافيه الأجل؛ ثم أتبع التوبة القلبية بالعمل فإن غفران الله يسعه ورحمته تشمله. والنص عام يشمل التائبين العاملين من اليهود المذنبين وغيرهم إلى يوم الدين. وبمناسبة ما حرم على اليهود خاصة، ومناسبة ادعاء مشركي قريش أنهم على ملة إبراهيم فيما يحرمونه على أنفسهم ويجعلونه للآلهة، يعرج السياق على إبراهيم ـ عليه السلام ـ يجلو حقيقة ديانته، ويربط بينها وبين الدين الذي جاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويبين ما اختص به اليهود من المحظورات التي لم تكن على عهد إبراهيم. {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم؛ وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين. ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين. إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه، وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}. والقرآن الكريم يرسم إبراهيم ـ عليه السلام ـ نموذجاً للهداية والطاعة والشكر والإنابة لله. ويقول عنه هنا: إنه كان أمة. واللفظ يحتمل أنه يعدل أمة كاملة بما فيها من خير وطاعة وبركة. ويحتمل أنه كان إماماً يقتدى به في الخير. وورد في التفسير المأثور هذا المعنى وذاك. وهما قريبان فالإمام الذي يهدي إلى الخير هو قائد أمة وله أجره وأجر من عمل بهدايته فكأنه أمة من الناس في خيره وثوابه لا فرد واحد. {قانتاً لله} طائعاً خاشعاً عابداً {حنيفاً} متجها إلى الحق مائلاً إليه {ولم يك من المشركين} فلا يتعلق به ولا يتمسح فيه المشركون! {شاكراً لأنعمه} بالقول والعمل. لا كهؤلاء المشركين الذين يجحدون نعمة الله قولاً، ويكفرونها عملاً، ويشركون في رزقه لهم ما يدعون من الشركاء، ويحرمون نعمة الله عليهم اتباعاً للأوهام والأهواء. {اجتباه} اختاره {وهداه إلى صراط مستقيم} هو صراط التوحيد الخالص القويم. ذلك شأن إبراهيم الذي يتعلق به اليهود ويتمسح به المشركون. {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} فكان ذلك وصل ما انقطع من عقيدة التوحيد، ويؤكدها النص من جديد على أن إبراهيم {وما كان من المشركين} فالصلة الحقيقية هي صلة الدين الجديد. فأما تحريم السبت فهو خاص باليهود الذين اختلفوا فيه، وليس من ديانة إبراهيم، وليس كذلك من دين محمد السائر على نهج إبراهيم: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} وأمرهم موكول إلى الله {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}. ذلك بيان المشتبهات في العلاقة بين عقيدة التوحيد التي جاء بها إبراهيم من قبل، وكملت في الدين الأخير، والعقائد المنحرفة التي يتمسك بها المشركون واليهود. وهو بعض ما جاء هذا الكتاب لتبيانه. فليأخذ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في طريقه يدعو إلى سبيل ربه دعوة التوحيد بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل المخالفين في العقيدة بالتي هي أحسن. فإذا اعتدوا عليه وعلى المسلمين عاقبهم بمثل ما اعتدوا. إلا أن يعفو ويصبر مع المقدرة على العقاب بالمثل؛ مطمئناً إلى أن العاقبة للمتقين المحسنين. فلا يحزن على من لا يهتدون، ولا يضيق صدره بمكرهم به وبالمؤمنين: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين. وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر وما صبرك إلا بالله. ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون}.. على هذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها، ويعين وسائلها وطرائقها، ويرسم المنهج للرسول الكريم، وللدعاة من بعده بدينه القويم فلننظر في دستور الدعوة الذي شرعه الله في هذا القرآن. إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله. لا لشخص الداعي ولا لقومه. فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله. والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها. فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه. وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية. فإن الرفق في الموعظة كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ. وبالجدل بالتي هي أحسن. بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح. حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق. فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة، وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس، فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلاً عن هيبتها واحترامها وكيانها. والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة، وقيمته كريمة، وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها، والاهتداء إليها. في سبيل الله، لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر! ولكي يطامن الداعية من حماسته واندفاعه يشير النص القرآني إلى أن الله هو الأعلم بمن ضل عن سبيله وهو الأعلم بالمهتدين. فلا ضرورة للجاجة في الجدل إنما هو البيان والأمر بعد ذلك لله. هذا هو منهج الدعوة ودستورها ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والجدل بالحجة. فأما إذا وقع الاعتداء على أهل الدعوة فإن الموقف يتغير، فالاعتداء عمل مادي يدفع بمثله إعزازاً لكرامة الحق، ودفعاً لغلبة الباطل، على ألا يتجاوز الرد على الاعتداء حدوده إلى التمثيل والتفظيع، فالإسلام دين العدل والاعتدال، ودين السلم والمسالمة، إنما يدفع عن نفسه وأهله البغي ولا يبغي {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}. وليس ذلك بعيداً عن دستور الدعوة فهو جزء منه. فالدفع عن الدعوة في حدود القصد والعدل يحفظ لها كرامتها وعزتها، فلا تهون في نفوس الناس. والدعوة المهينة لا يعتنقها أحد، ولا يثق أنها دعوة الله. فالله لا يترك دعوته مهينة لا تدفع عن نفسها، والمؤمنون بالله لا يقبلون الضيم وهم دعاة لله والعزة لله جميعاً. ثم إنهم أمناء على إقامة الحق في هذه الأرض وتحقيق العدل بين الناس، وقيادة البشرية إلى الطريق القويم، فكيف ينهضون بهذا كله وهم يعاقبون فلا يعاقبون، ويعتدى عليهم فلا يردون؟!. ومع تقرير قاعدة القصاص بالمثل، فإن القرآن الكريم يدعو إلى العفو والصبر، حين يكون المسلمون قادرين على دفع الشر ووقف العدوان، في الحالات التي قد يكون العفو فيها والصبر أعمق أثراً. وأكثر فائدة للدعوة. فأشخاصهم لا وزن لها إذا كانت مصلحة الدعوة تؤثر العفو والصبر. فأما إذا كان العفو والصبر يهينان دعوة الله ويرخصانها، فالقاعدة الأولى هي الأولى. ولأن الصبر يحتاج إلى مقاومة للانفعال، وضبط للعواطف، وكبت للفطرة، فإن القرآن يصله بالله ويزين عقباه: {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر وما صبرك إلا بالله}.. فهو الذي يعين على الصبر وضبط النفس، والاتجاه إليه هو الذي يطامن من الرغبة الفطرية في رد الاعتداء بمثله والقصاص له بقدره. ويوصي القرآن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي وصية لكل داعية من بعده، الا يأخذه الحزن إذا رأى الناس لا يهتدون، فإنما عليه واجبه يؤديه، والهدى والضلال بيد الله، وفق سنته في فطرة النفوس واستعداداتها واتجاهاتها ومجاهدتها للهدى أو للضلال. وألا يضيق صدره بمكرهم فإنما هو داعية لله، فالله حافظه من المكر والكيد، لا يدعه للماكرين الكائدين وهو مخلص في دعوته لا يبتغي من ورائها شيئاً لنفسه.. ولقد يقع به الاذى لامتحان صبره، ويبطئ عليه النصر لابتلاء ثقته بربه، ولكن العاقبة مظنونة ومعروفة {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} ومن كان الله معه فلا عليه ممن يكيدون وممن يمكرون. هذا هو دستور الدعوة إلى الله كما رسمه الله. والنصر مرهون باتباعه كما وعد الله. ومن أصدق من الله؟.

ابن عاشور

تفسير : عطف عظة على عظة. والمعطوف عليها هي جمل الامتنان بنعم الله تعالى عليهم من قوله: {أية : وما بكم من نعمة فمن الله} تفسير : [النحل: 53] وما اتّصل بها إلى قوله: {أية : يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون} تفسير : [سورة النحل: 83]. فانتقل الكلام بعد ذلك بتهديد من قوله: {أية : ويوم نبعث من كل أمة شهيداً} تفسير : [سورة النحل: 84]. فبعد أن توعّدهم بقوارع الوعيد بقوله: {أية : ولهم عذاب أليم} تفسير : [سورة النحل: 104] وقوله: {أية : فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} تفسير : [سورة النحل: 106] إلى قوله {أية : لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون} تفسير : [سورة النحل: 109] عاد الكلام إلى تهديدهم بعذاب في الدنيا بأن جعلهم مضرب مثل لقرية عذبت عذاب الدنيا، أو جعلهم مثَلاً وعظة لمن يأتي بمثل ما أتوا به من إنكار نعمة الله. ويجوز أن يكون المعطوف عليها جملة {أية : يوم تأتي كل نفس} تفسير : [سورة النحل: 111] الخ. على اعتبار تقدير (اذكر)، أي اذكر لهم هول يوم تأتي كل نفس تجادل الخ. وضرب الله مثلاً لعذابهم في الدنيا شأن قرية كانت آمنة الخ. و{ضربَ}: بمعنى جعل، أي جعل المركّب الدّال عليه وكوّن نظمه، وأوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم كما يقال: أرسل فلان مثلاً قوله: كيْت وكيْت. والتعبير عن ضرب المثل الواقع في حال نزول الآية بصيغة الماضي للتشويق إلى الإصغاء إليه، وهو من استعمال الماضي في الحال لتحقيق وقوعه، مثل {أية : أتى أمر الله} تفسير : [سورة النحل: 1] أو لتقريب زمن الماضي من زمن الحال، مثل قد قامت الصلاة. ويجوز أن يكون {ضرب} مستعملاً في معنى الطلب والأمر، أي اضرب يا محمد لقومك مثلاً قرية إلى آخره، كما سيجيء عند قوله تعالى {أية : ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء} تفسير : في سورة الزمر (29). وإنما صيغ في صيغة الخبر توسّلاً إلى إسناده إلى الله تشريفاً له وتنويهاً به. ويفرّق بينه وبين ما صيغ بصيغة الطلب نحو {أية : واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية} تفسير : [سورة يس: 13] بما سيذكر في سورة الزمر فراجعه. وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً} تفسير : في سورة البقرة (26)، وقوله في سورة إبراهيم (24) {أية : ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة}.تفسير : وجُعل المثلُ قريةً موصوفة بصفات تبيّن حالها المقصود من التمثيل، فاستغني عن تعيين القرية. والنكتة في ذلك أن يصلح هذا المثل للتعريض بالمشركين باحتمال أن تكون القرية قريتهم أعني مكة بأن جعلهم مثلاً للناس من بعدهم. ويقْوَى هذا الاحتمالُ إذا كانت هذه الآية قد نزلت بعد أن أصاب أهلَ مكّة الجوع الذي أنذروا به في قوله تعالى: {أية : فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم} تفسير : [سورة الدخان: 10 - 11]. وهو الدخان الذي كان يراه أهل مكة أيام القحط الذي أصابهم بدعاء النبي. ويؤيد هذا قوله بعد {أية : ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون} تفسير : [سورة النحل: 113]. ولعلّ المخاطب بهذا المثل هم المسلمون الذين هاجروا من بعد ما فُتنوا، أي أصحاب هجرة الحبشة تسليةً لهم عن مفارقة بلدهم، وبعثاً لهم على أن يشكروا الله تعالى إذ أخرجهم من تلك القرية فسلموا مما أصاب أهلها وما يصيبهم. وتقدّم معنى القرية عند قوله تعالى: {أية : أو كالذي مرّ على قرية} تفسير : في سورة البقرة (259). والمراد بالقرية أهلها إذ هم المقصود من القرية كقوله: {أية : واسأل القرية} تفسير : [سورة يوسف: 82]. والأمن: السلامة من تسلّط العدو. والاطمئنان: الدّعة وهدوء البال. وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : ولكن ليطمئنّ قلبي} تفسير : في سورة البقرة (260)، وقوله: {أية : فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} تفسير : في [سورة النساء: 103]. وقدم الأمن على الطمأنينة إذ لا تحصل الطمأنينة بدونه، كما أن الخوف يسبّب الانزعاج والقلق. وقوله: {يأتيها رزقها رغداً} تيسير الرزق فيها من أسباب راحة العيش، وقد كانت مكّة كذلك. قال تعالى: {أية : أو لم نمكّن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء} تفسير : [سورة القصص: 57]. والرزق: الأقوات. وقد تقدم عند قوله: {أية : لا يأتيكما طعام ترزقانه} تفسير : في سورة يوسف (37). والرّغد: الوافر الهنيء. وتقدم عند قوله: {أية : وكلا منها رغداً حيث شئتما} تفسير : في سورة البقرة (35). و{من كل مكان} بمعنى من أمكنة كثيرة. و{كل} تستعمل في معنى الكثرة، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} تفسير : في سورة الأنعام (25). والأنعمُ: جمع نعمة على غير قياس. ومعنى الكفر بأنعم الله: الكفر بالمنعِم، لأنهم أشركوا غيره في عبادته فلم يشكروا المنعم الحَقّ. وهذا يشير إلى قوله تعالى: {أية : يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون} تفسير : [سورة النحل: 83]. واقتران فعل {كفرت} بفاء التعقيب بعد {كانت آمنة مطمئنة} باعتبار حصول الكفر عقب النعم التي كانوا فيها حين طرأ عليهم الكفر، وذلك عند بعثة الرسول إليهم. وأما قَرْن {فأذاقها الله لباس الجوع} بفاء التعقيب فهو تعقيب عُرفي في مثل ذلك المعقّب لأنّه حصل بعد مضي زمن عليهم وهم مصرّون على كفرهم والرسول يكرّر الدعوة وإنذارهم به، فلما حصل عقب ذلك بمدة غير طويلة وكان جزاءً على كفرهم جعل كالشيء المعقّب به كفرهم. والإذاقة: حقيقتها إحساس اللسان بأحوال الطعوم. وهي مستعارة هنا وفي مواضع من القرآن إلى إحساس الألم والأذى إحساساً مَكيناً كتمكّن ذوق الطعام من فم ذائقه لا يجد له مدفعاً، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : ليذوق وبال أمره} تفسير : في سورة العقود (95). واللباس: حقيقته الشيء الذي يلبس. وإضافته إلى الجوع والخوف قرينة على أنه مستعار إلى ما يغشَى من حالة إنسان ملازمةٍ له كملازمة اللباس لابسَه، كقوله تعالى: {أية : هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ} تفسير : [سورة البقرة: 187] بجامع الإحاطة والملازمة. ومن قبيلها استعارة (البِلى) لزوال صفة الشخص تشبيهاً للزوال بعد التمكّن ببلى الثوب بعد جدته في قول أبي الغول الطهوي:شعر : ولا تَبلَى بسالتهم وإن هم صُلوا بالحرب حيناً بعد حين تفسير : واستعارة سلّ الثياب إلى زوال المعاشرة في قول امرىء القيس:شعر : فسُلي ثيابي عن ثيابكِ تَنْسِل تفسير : ومن لطائف البلاغة جعل اللباس لباس شيئين، لأن تمام اللبسة أن يلبس المرء إزاراً ودرعاً. ولما كان اللباس مستعاراً لإحاطة ما غشيهم من الجوع والخوف وملازمتهِ أريد إفادة أن ذلك متمكّن منهم ومستقرّ في إدراكهم استقرار الطعام في البَطن إذ يُذاق في اللسان والحلق ويحسّ في الجَوف والأمعاء. فاستعير له فعل الإذاقة تمليحاً وجمعاً بين الطعام واللباس، لأن غاية القرى والإكرام أن يُؤْدَب للضيف ويُخلع عليه خلعة من إزار وبرد، فكانت استعارتان تهكّميتان. فحصل في الآية استعارتان: الأولى: استعارة الإذاقة وهي تبعية مصرحة، والثانية: اللباس وهي أصليّة مصرّحة. ومن بديع النظم أن جعلت الثانية متفرّعة على الأولى ومركّبة عليها بجعل لفظها مفعولاً للفظ الأولى. وحصل بذلك أن الجوع والخوف محيطان بأهل القرية في سائر أحوالهم وملازمان لهم وأنهم بالغان منهم مبلغاً أليماً. وأجمل {بما كانوا يصنعون} اعتماداً على سبق ما يبيّنه من قوله: {فكفرت بأنعم الله}.

الشنقيطي

تفسير : قال بعض أهل العلم: "إن هذا مثلٌ ضربه الله لأهل مكة"، وهو رواية العوفي عن ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحكاه مالك عن الزهري رحمهم الله، نقله عنهم ابن كثير وغيره. وهذه الصفات المذكورة التي اتصفت بها هذه القرية - تتفق مع صفات أهل مكة المذكورة في القرآن. فقوله عن هذه القرية {كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّة} قال نظيره عن أهل مكة. كقوله: {أية : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً}تفسير : [القصص: 57] الآية، وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 67] الآية، وقوله: {أية : وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف}تفسير : [قريش: 4]، وقوله: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}تفسير : [آل عمران: 97]، وقوله: {أية : وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}تفسير : [البقرة: 125] الآية، وقوله: {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ} قال نظيره عن أهل مكة أيضاً كقوله: {أية : يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [القصص: 57]، وقوله: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}تفسير : [قريش: 1-4] فإن رحلة الشتاء كانت إلى اليمن، ورحلة الصيف كانت إلى الشام، وكانت تأتيهم من كلتا الرحلتين أموال وأرزاق. ولذا أتبع الرحلتين بامتنانه عليهم: بأن أطعمهم من جوع. وقوله في دعوة إبراهيم: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ}تفسير : [البقرة: 126] {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ}تفسير : [إبراهيم: 37] الآية. وقوله: {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ} ذكر نظيره عن أهل مكة في آيات كثيرة. كقوله:{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ} [إبراهيم: 28]. وقد قدمنا طرفاً من ذلك في الكلام على قوله تعالى: { أية : يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا}تفسير : [النحل: 83] الآية. وقوله: {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} وقع نظيره قطعاً لأهل مكة. لما لجوا في الكفر والعناد، ودعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال:"حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف" تفسير : فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء، حتى أكلوا الجيف والعلهز. (وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه)، وأصابهم الخوف الشديد بعد الأمن. وذلك الخوف من جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغزواته وبعوثه وسراياه. وهذا الجوع والخوف أشار لهما القرآن على بعض التفسيرات. فقد فسر ابن مسعود آية (الدخان) بما يدل على ذلك. قال البخاري في صحيحه: باب { أية : فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الدخان: 10] فارتقب: فانتظر، حدثنا عبدان، عن أبي حمزة عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله قال: مضى خمس: الدخان، والروم والقمر، والبطشة، واللزام. { أية : يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ }تفسير : [الدخان: 11] حدثنا يحيى، حدثنا أبو معاوية. عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: "إنما كان هذا لأن قريشاً لما استعصوا على النبى صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف. فأصبهم قحط وجهد، حتى أكلوا العظام. فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد. فأنزل الله تعالى { أية : فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ }تفسير : [الدخان: 10-11] حديث : فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر فإنها قد هلكت! قال: "لمضر؟! إنك لجريء!"تفسير : فاستسقى فسقوا. فنزلت { أية : إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ}تفسير : [الدخان: 15] فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية. فأنزل الله عز وجل: { أية : يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ}تفسير : [الدخان: 16] يعني يوم بدر. باب قوله تعالى: { أية : رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُون}تفسير : [الدخان: 12] حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: دخلت على عبد الله فقال: "إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم، إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}تفسير : [ص: 86] إن قريشاً لما غلبوا النَّبي صلى الله عليه وسلم واستعصوا عليه قال:"حديث : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" تفسير : فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد، حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع قالوا. { أية : رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُون}تفسير : [الدخان: 12] فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا. فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر. فذلك قوله: { أية : يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الدخان: 10] إلى قوله جل ذكره { أية : إِنَّا مُنتَقِمُونَ}تفسير : [الدخان: 16] انتهى بلفظه من صحيح البخاري. وفي تفسير ابن مسعود رضي الله عنه لهذه الآية الكريمة - ما يدل دلالة واضحة أن ما أذيقت هذه القرية المذكورة في (سورة النحل) من لباس الجوع أذيقه أهل مكة، حتى أكلوا العظام، وصار الرجل منهم يتخيل له مثل الدخان من شدة الجوع. وهذا التفسير من ابن مسعود رضي الله عنه له حكم الرفع. لما تقرر في علم الحديث: من أن تفسير الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع. كما أشار له صاحب طلعة الأنوار بقوله: شعر : تفسير صاحب له تعلق بالسبب الرفع له محقق تفسير : وكما هو معروف عند أهل العلم. وقد قدمنا ذلك في (سورة البقرة) في الكلام: على قوله تعالى: { أية : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّه}تفسير : [البقرة: 222]. وقد ثبت في صحيح مسلم أن الدخان من أشراط الساعة. ولا مانع من حمل الآية الكريمة على الدخانين: الدخان الذي مضى، والدخان المستقبل - جمعاً بين الأدلة. وقد قدمنا أن التفسيرات المتعددة في الآية إن كان يمكن حمل الآية على جميعها فهو أولى. وقد قدمنا أن ذلك هو الذي حققه أبو العباس بن تيمية رحمه الله في رسالته، في علوم القرآن، بأدلته. وأما الخوف المذكور في آية النحل - فقد ذكر جل وعلا مثله عن أهل مكة أيضاً على بعض تفسيرات الآية الكريمة التي هي { أية : وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ}تفسير : [الرعد: 31] فقد جاء عن جماعة من السلف تفسير القارعة التي تصيبهم بسرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال صاحب الدر المنثور: أخرج الفريابي وابن جرير، وابن مردويه من طريق عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {تصيبهم بما صنعوا قارعة} قال السرايا". وأخرج الطيالسي وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: { أية : وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ}تفسير : [الرعد: 31] قال: سرية { أية : أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ }تفسير : [الرعد: 31] قال: أنت يا محمد { أية : حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ}تفسير : [الرعد: 31] قال فتح مكة". وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه في قوله "{تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} قال سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم {أَوْ تَحُلُّ} يا محمد { قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ}". وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ، والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد رضي الله عنه قال: "{القارعة} السرايا {أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ} قال الحديبية {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ} قال: فتح مكة". وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا} الآية - نزلت بالمدينة في سرايا النَّبي صلى الله عليه وسلم. أو تحل أنت يا محمد قريباً من دارهم اهـ محل الغرض منه. فهذا التفسير المذكور في آية (الرعد) هذه، والتفسير المذكور قبله في آية (الدخان) - يدل على أن أهل مكة أبدلوا بعد سعة الرزق بالجوع، وبعد الأمن والطمأنينة بالخوف. كما قال في القرية المذكورة {كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}. وقوله في القرية المذكورة {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ} الآية - لا يخفي أنه قال مثل ذلك عن قريش في آيات كثيرة. كقوله{ أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}تفسير : [التوبة: 128] الآية، وقوله { أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 164] الآية. والآيات المصرحة بكفرهم وعنادهم كثيرة جداً كقوله: { أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}تفسير : [ص: 5] { أية : وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ}تفسير : [ص: 6] الآية، وقوله: { أية : وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا}تفسير : [الفرقان: 41-42] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. فمجموع ما ذكرنا يؤيد قول من قال: إن المراد بهذه القرية المضروبة مثلاً في آية (النحل)، هذه: هي مكة. وروي عن حفصة وغيرها: "أنها المدينة، قالت ذلك لما بلغها قتل عثمان رضي الله عنه" وقال بعض العلماء: هي قرية غير معينة، ضربها الله مثلاً للتخويف من مقابلة نعمة الأمن والاطمئنان والرزق، بالكفر والطغيان. وقال من قال بهذا القول: إنه يدل عليه تنكير القرية في الآية الكريمة في قوله: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً} الآية. قال مقيده عفا الله عنه: وعلى كل حال، فيجب على كل عاقل أن يعتبر بهذا المثل، وألا يقابل نعم الله بالكفر والطغيان. لئلا يحل به ما حل بهذه القرية المذكروة. ولكن الأمثال لا يعقلها عن الله إلا من أعطاه الله علماً. لقوله: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 43]. وفي قوله في هذه الآية الكريمة {قرية} وجهان من الإعراب. أحدهما - أنه بدل من قوله {مثلاً}. الثاني - أن {ضرب} مضمن معنى جعل، وأن {قرية} هي المفعول الأول، و{مثلاً} المفعول الثاني, وإنما أخرت قرية لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها المذكورة في قوله: {كانت آمنة..} الخ. وقوله في هذه الآية الكريمة: {مطمئِنة} أي لا يزعجها خوف. لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف. وقوله: {رغداً} أي واسعاً لذيذاً. والأنعام قيل جمع نعمة كشدة وأشد. أو على ترك الاعتداد بالتاء. كدرع وأدرع. أو جمع نعم كبؤس وأبؤس. كما تقدم في (سورة الأنعام) في الكلام على قوله: { أية : حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}تفسير : [الأنعام: 152] الآية. وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، هو أن يقال: كيف أوقع الإذاقة على اللباس في قوله {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ} الآية. وروي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب: هل يُذاق اللباس؟! يريد الطعن في قوله تعالى {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ} الآية. فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس! هب أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما كان نبياً! أما كان عربياً؟ قال مقيده عفا الله عنه: والجواب عن هذا السؤال ظاهر، وهو أنه أطلق اسم اللباس على ما أصابهم من الجوع والخوف. لأن آثار الجوع والخوف تظهر على أبدانهم، وتحيط بها كالباس. ومن حيث وجدانهم ذلك اللباس المعبٍّر به عن آثار الجوع والخوف، أوقع عليه الإذاقة، فلا حاجة إلى ما يذكره البيانيون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة وقد أوضحنا في رسالتنا التي سميناها (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز): أنه لا يجوز لأحد أن يقول إن في القرآن مجازاً، وأوضحنا ذلك بأدلته، وبينا أن ما يسميه البيانيون مجازاً أنه أسلوب من أساليب اللغة العربية. وقد اختلف أهل البيان في هذه الآية، فبعضهم يقول: فيها استعارة مجردة. يعنون أنها جيء فيها بما يلائم المستعار له. وذلك في زعمهم أنه استعار اللباس لما غشيهم من بعض الحوادث كالجوع ولخوف، بجامع اشتماله عليهم كاشتمال اللباس على اللابس على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية التحقيقية، ثم ذكر الوصف، الذي هو الإذاقة ملائماً للمستعار له، الذي هو الجوع والخوف. لأن إطلاق الذوق على وجدان الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة لكثرة الاستعمال. فيقولون: ذاق البؤس والضر، وأذاقه غيره إياهما. فكانت الاستعارة مجردة لذكر ما يلائم المستعار له، الذي هو المشبه في الأصل في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة. ولو أريد ترشيح هذه الاستعارة في زعمهم لقيل: فكساها. لأن الإتيان بما يلائم المستعار منه الذي هو المشبه به في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة يسمى "ترشيحاً" والكسوة تلائم اللباس، فذكرها ترشيح للاستعارة. قالوا: وإن كانت الاستعارة المرشحة أبلغ من المجردة، فتجريد الاستعارة في الآية أبلغ. من حيث إنه روعي المستعار له الذي هو الخوف والجوع، وبذكر الإذاقة المناسبة لذلك ليزداد الكلام وضوحاً. وقال بعضهم: هي استعارة مبنية على استعارة. فإنه أولاً استعار لما يظهر على أبدانهم من الاصفرار والذبول والنحول اسم اللباس، بجامع الإحاطة بالشيء والاشتمال عليه، فصار اسم اللباس مستعاراً لآثار الجوع والخوف على أبدانهم، ثم استعار اسم الإذاقة لما يجدونه من ألم ذلك الجوع والخوف، المعبر عنه باللباس، بجامع التعرف والاختبار في كل من الذوق بالفم، ووجود الألم من الجوع والخوف. وعليه ففي اللباس استعارة أصلية كما ذكرنا. وفي الإذاقة المستعارة لمس ألم الجوع، والخوف استعارة تبعية. وقد ألممنا هنا بطرف قليل من كلام البيانيين هنا ليفهم الناظر مرادهم، مع ان التحقيق الذي لا شك فيه: أن كل ذلك لا فائدة فيه، ولا طائل تحته، وأن العرب تطلق الإذاقة على الذوق وعلى غيره من وجود الألم واللذة، وأنها تطلق اللباس على المعروف، وتطلقه على غيره مما فيه معنى اللباس من الاشتمال. كقوله: {أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنّ}تفسير : [البقرة: 187]، وقول الأعشى: شعر : إذا ما الضجيع ثنى عطفها ثتنت عليه فكانت لباسا تفسير : وكلها أساليب عربية. ولا إشكال في أنه إذا أطلق اللباس على مؤثر مؤلم يحيط بالشخص إحاطة اللباس، فلا مانع من إيقاع الإذاقة على ذلك الألم المحيط المعبر باسم اللباس. والعلم عند الله تعالى.

القطان

تفسير : رغدا: كثيرا واسعا. بأنعم الله: بنعم الله. في هاتين الآيتين مثلٌ يضربه الله لأهل مكة ولكل من يأتي بعدهم ممن يجحدون النعم ويكفرون بها وهم آمنون مطمئنون ولا يعتبرون، فبين الله صفةً لقريةٍ كان اهلُها آمنين من العدو، يأتيها الرزق الكثير من كل مكان، فكفروا بنعم الله ولم يشكروه، فعاقبهم الله بالمصائب التي أحاطت بهم، وذاقوا مرارة الجوع والخوف بعد الغنى والأمن. وقد جاءهم رسول منهم، فكذّبوه عناداً وحسدا، فأخذهم العذاب واستأصل شأفتهم، بسبب ظلمهم وكفرهم. فهذا المثل ينطبق على اهل مكة حيث كانوا آمنين مطمئنين، فيها بيتُ الله الحرام وجميع العرب، يعظّمونه ومَن دخَلَه كان آمنا لا يجرؤ احد على إيذائه، وكان الناس يصِلهم الأذى من حولهم، واهلُ مكة في حراسة البيت وحمايته آمنون مطمئنون كذلك كان رِزقهم يأتيهم من كل مكان مع الحجيج والقوافل منذ دعوة ابراهيم الخليل. وجاءهم رسول منهم يعرفونه صادقاً أميناً يدعوهم الى ما فيه كل الخير لهم وللناس أجمعين فكذّبوه، فأذهبَ اللهُ هيبتهم، ونصر رسوله عليهم، وعادت مكة الى حظيرة الاسلام.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمِنَةً} {فَأَذَاقَهَا} {مُّطْمَئِنَّةً} (112) - جَعَلَ اللهُ تَعَالَى حَالَ أَهْلِ مَكَّةَ مِثْلَ حَالِ هَذِهِ القَرْيَةِ، التِي كَانَتْ آمِنَةً لاَ تَخَافُ عَدُوّاً، وَقَدْ تَدَفَّقَ الرِّزْقُ الوَفِيرُ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَكَفَرَ أَهْلُهَا بِأَنْعُمِ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ، وَأَذَاقَهُمْ مَرَارَةَ الجُوعِ. كَذَلِكَ كَانَ أَهْلُ مَكَّة، فَقَدْ كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِها، وَمَنْ دَخَلَهَا كَانَ آمِناً، لاَ يَخَافُ شَيْئاً، وَكَانَ الرِّزْقُ الوَفِيرُ يَتَدَفَّقُ عَلَيْهَا هَنِيئاً سَهْلاً مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَمَكَانٍ، فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ، وَجَحَدَتْ بِهَا، وَأَعَظْمُ هَذِهِ النِّعَمِ هِيَ بِعْثَةُ رَسُولٍ مِنْهُمْ. وَلِهذا بَدَّلَ اللهُ أَهْلَهَا بِحَالَيْهِمْ (الأَمْنِ وَالعَيْشِ الرَّغِيدِ)، بِحَالَيْنِ جَدِيدَيْنِ، هُمَا: (الجُوعُ وَالخَوْفُ - لِبَاسَ الجُوْعِ وَالخَوْفِ) فَقَدْ جَاءَتْهُمْ سِنُونَ شِدَادٌ فَجَاعُوا، وَهَاجَرَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ إِلى المَدِينَةِ فَكَانَتْ سَرايا المُسْلِمِينَ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى قَوَافِلِهِمْ إِلى الشَّامِ، فَخَافُوا. وَكُلُّ ذلِكَ كَانَ عِقَاباً لَهُمْ مِنَ اللهِ بِسَبَبِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ، وَبَغْيِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ رَبِّهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى بعد أنْ تكلَّم عن الإيمان بالله والإيمان بصدق رسوله في البلاغ عنه، واستقبال منهج الله في الكتاب والسنة، وتكلم عن المقابل لذلك من الكفر واللجاج والعناد لله وللرسول وللمنهج. أراد سبحانه أنْ يعطينا واقعاً ملموساً في الحياة لكل ذلك، فضرب لنا هذا المثل. ومعنى المثل: أن يتشابه أمران تشابهاً تاماً في ناحية معينة بحيث تستطيع أن تقول: هذا مثل هذا تماماً. والهدف من ضرب الأمثال أنْ يُوضِّح لك مجهولاً بمعلوم، فإذا كنتَ مثلاً لا تعرف شخصاً نتحدث عنه فيمكن أن نقول لك: هو مثل فلان - المعلوم لك - في الطول ومثل فلان في اللون .. إلخ من الصور المعلومة لك، وبعد أن تجمع هذه الصور تُكوِّن صورة كاملة لهذا الشخص الذي لا تعرفه. لذلك، فالشيء الذي لا مثيلَ له إياك أن تضرب له مثلاً، كما قال الحق سبحانه: {أية : فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [النحل: 74]. لأنه سبحانه لا مثيل له، ولا نظير له، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وهو سبحانه الذي يضرب المثل لنفسه، أما نحن فلا نضرب المثل إلا للكائنات المخلوقة له سبحانه. لذلك نجد في القرآن الكريم أمثالاً كثيرة توضح لنا المجهول بمعلوم لنا، وتوضح الأمر المعنوي بالأمر الحسيِّ الملموس لنا. ومن ذلك ما ضربه الله لنا مثلاً في الإنفاق في سبيل الله، وأن الله يضاعف النفقة، ويُخلِف على صاحبها أضعافاً مضاعفة، فانظر كيف صوَّر لنا القرآن هذه المسألة: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 261]. وهكذا أوضح لنا المثل الأمر الغيبي المجهول بالأمر المحسِّ المُشَاهد الذي يعلمه الجميع، حتى استقرَّ هذا المجهول في الذهن، بل أصبح أمراً مُتيقّناً شاخصاً أمامنا. والمتأمل في هذا المثل التوضيحي يجد أن الأمر الذي وضّحه الحق سبحانه أقوى في العطاء من الأمر الذي أوضح به، فإنْ كانت هذه الأضعاف المضاعفة هي عطاء الأرض، وهي مخلوقة لله تعالى، فما بالك بعطاء الخالق سبحانه وتعالى؟ وكلمة (ضَرَبَ) مأخوذة من ضَرْب العملة، حيث كانت في الماضي من الذهب أو الفضة، ولخوف الغش فيها حيث كانوا يخلطون الذهب مثلاً بالنحاس، فكان النقاد أي: الخبراء في تمييز العملة يضربونها أي: يختمون عليها فتصير مُعتمدة موثوقاً بها، ونافذة وصالحة للتداول. كذلك إذا ضرب الله مثلاً لشيء مجهول بشيء معلوم استقرَّ في الذهن واعتُمِد. فقال تعالى في هذا المثل: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً ..} [النحل: 112]. الهدف من ضرب هذا المثل أن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يوضح لنا أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بشتى أنواع النعم فجحدها، ولم يشكره عليها، ولم يُؤدِّ حقَّ الله فيها، واستعمل نعمة الله في معصيته فقد عرَّضها للزوال، وعرَّض نفسه لعاقبة وخيمة ونهاية سيئة، فقيَّد النعمة بشكرها وأداء حق الله فيها، لذلك قال الشاعر: شعر : إذَا كُنْتَ في نعمةٍ فَارْعَها فَإِنَّ المَعَاصِي تُزيلُ النِّعم وحَافِظْ عليها بشُكْرِ الإلهِ فَإنَّ الإلَه شَدِيدُ النِّقَم تفسير : ولكن، القرية التي ضربها الله لنا مثلاً هنا، هل هي قرية معينة أم المعنى على الإطلاق؟ قد يُراد بالقرية قرية معينة كما قال البعض إنها مكة، أو غيرها من القرى، وعلى كلٍّ فتحديدها أمر لا فائدة منه، ولا يُؤثِّر في الهدف من ضَرْب المثل بها. والقرية: اسم للبلد التي يكون بها قِرىً لمن يمرُّ بها، أي: بلد استقرار. وهي اسم للمكان فإذا حُدِّث عنها يراد المكين فيها، كما في قوله تعالى: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ..} تفسير : [يوسف: 82]. فالمراد: اسأل أهل القرية؛ لأن القرية كمكان لا تُسأل .. هكذا قال علماء التفسير، على اعتبار أن في الآية مجازاً مرسلاً علاقته المحلية. ولكن مع تقدُّم العلم الحديث يعطينا الحق تبارك وتعالى مدداً جديداً، كما قال سبحانه: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ ..} تفسير : [فصلت: 53]. والآن تطالعنا الاكتشافات بإمكانية التقاط صور وتسجيل أصوات السابقين، فمثلاً يمكنهم بعد انصرافنا من هذا المكان أن يُسجِّلوا جلستنا هذه بالصوت والصورة. ومعنى ذلك أن المكان يعي ويحتفظ لنا بالصور والأصوات منذ سنوات طويلة، وعلى هذا يمكن أن نقول: إن القرية يمكن أنْ تُسأل، ويمكن أن تجيب، فلديها ذاكرة واعية تسجِّل وتحتفظ بما سجَّلته، بل وأكثر من ذلك يتطلعون لإعادة الصور والأصوات من بَدْء الخليقة على اعتبار أنها موجودة في الجو، مُودعة فيه على شكل موجات لم تُفقد ولم تَضِع. وما أشبه هذه الموجات باندياح الماء إذا ألقيتَ فيه بحجر، فينتج عنه عدة دوائر تبتعد عن مركزها إلى أنْ تتلاشى بالتدريج. إذن: يمكن أن يكون سؤال القرية على الحقيقة، ولا شك أن سؤال القرية سيكون أبلغ من سؤال أهلها، لأن أهلها قد يكذبون، أما هي فلا تعرف الكذب. وبهذا الفهم للآية الكريمة يكون فيها إعجاز من إعجازات الأداء القرآني. وقوله تعالى: {كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً ..} [النحل: 112]. آمنةً: أي في مَأْمَن من الإغارة عليها من خارجها، والأمن من أعظم نِعَم الله تعالى على البلاد والعباد. وقوله: {مُّطْمَئِنَّةً ..} [النحل: 112]. أي: لديها مُقوِّمات الحياة، فلا تحتاج إلى غيرها، فالحياة فيها مُستقرَّة مريحة، والإنسان لا يطمئن إلا في المكان الخالي من المنغِّصات، والذي يجد فيه كل مقومات الحياة، فالأمن والطمأنينة هما سِرُّ سعادة الحياة واستقرارها. وحينما امتنَّ الله تعالى على قريش قال: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 1-4]. فطالما شبعت البطن، وأمنتْ النفس استقرت بالإنسان الحياة. والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا صورة مُثْلى للحياة الدنيا، فيقول: "حديث : مَنْ أصبح معافىً في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ". تفسير : ويصف الحق سبحانه هذه القرية بأنها: {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ ..} [النحل: 112]. معلوم أن الناس هم الذين يخرجون لطلب الرزق، لكن في هذه القرية يأتي إليها الرزق، وهذا يُرجِّح القول بأنها مكة؛ لأن الله تعالى قال عنها: {أية : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [القصص: 57]. ومن تيسَّر له العيش في مكة يرى فيها الثمرات والمنتجات من كل أنحاء العالم، وبذلك تمَّتْ لهم النعمة واكتملتْ لديهم وسائل الحياة الكريمة الآمنة الهانئة، فماذا كان منهم؟ هل استقبلوها بشكر الله؟ هل استخدموا نعمة عليهم في طاعته ومَرْضاته؟ لا .. بل: {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ ..} [النحل: 112]. أي: جحدت بهذه النعم، واستعملتها في مصادمة منهج الله وشريعته، فكانت النتيجة: {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]. وكأن في الآية تحذيراً من الحق سبحانه لكل مجتمع كفر بنعمة الله، واستعمل النعمة في مصادمة منهجه سبحانه، فسوف تكون عاقبته كعاقبة هؤلاء. {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ ..} [النحل: 112]. من الذوق، نقول: ذاق وتذوَّق الطعام إذا وضعه على لسانه وتذوَّقه. والذَّوْق لا يتجاوز حلمات اللسان. إذن: الذوْق خاصٌّ بطعْم الأشياء، لكن الله سبحانه لم يقُلْ: أذاقها طعم الجوع، بل قال: {لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ ..} [النحل: 112]. فجعل الجوع والخوف وكأنهما لباسٌ يلبسه الإنسان، والمتأمل في الآية يطالع دِقّة التعبير القرآني، فقد يتحول الجوع والخوف إلى لباس يرتديه الجائع والخائف، كيف ذلك؟ الجوع يظهر أولاً كإحساس في البطن، فإذا لم يجد طعاماً عوّض من المخزون في الجسم من شحوم، فإذا ما انتهتْ الشحوم تغذَّى الجسم على اللحم، ثم بدأ ينحت العظام، ومع شدة الجوع نلاحظ على البشرة شحوباً، وعلى الجلد هُزَالاً وذبولاً، ثم ينكمش ويجفّ، وبذلك يتحول الجوع إلى شكل خارجي على الجلد، وكأنه لباس يرتديه الجائع. وتستطيع أن تتعرف على الجوع ليس من بطن الجائع، ولكن من هيئته وشُحوب لونه وتغيُّر بشرته، كما قال تعالى عن الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض: {أية : تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ..} تفسير : [البقرة: 273]. وكذلك الخوف وإنْ كان موضعه القلب، إلا أنه يظهر على الجسم كذلك، فإذا زاد الخوف ترتعد الفرائص، فإذا زاد الخوف يرتعش الجسم كله، فيظهر الخوف عليه كثوب يرتديه. وهكذا جَسَّد لنا التعبير القرآني هذه الأحاسيس الداخلية، وجعلها محسوسة تراها العيون، ولكنه أدخلها تحت حاسَّة التذوق؛ لأنها أقوى الحواسّ. وفي تشبيه الجوع والخوف باللباس ما يُوحي بشمولهما الجسم كله، كما يلفّه اللباس فليس الجوع في المعدة فقط، وليس الخوف في القلب فقط. ومن ذلك ما اشتُهِر بين المحبين والمتحدثين عن الحب أن محله القلب، فنراهم يتحدثون عن القلوب، كما قال الشاعر: شعر : خَطَرَاتُ ذِكْرِكَ تَسْتَسِيغُ مَودَّتي فَأُحِسُّ مِنْها في الفُؤادِ دَبِيبَا تفسير : فإذا ما زاد الحب وتسامى، وارتقت هذه المشاعر، تحوَّل الحب من القلب، وسكَن جميع الجوارح، وخالط كل الأعضاء، على حَدِّ قول الشاعر: شعر : لاَ عُضْو لِي إِلاَّ وَفِيهِ صَبَابةٌ فَكأنَّ أَعْضَائِي خُلِقْنَ قُلُوبَا تفسير : وقوله: {بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]. أي: أن الحق سبحانه ما ظلمهم وما تجنَّى عليهم، بل ما أصابهم هو نتيجة عملهم وصدودهم عن سبيل الله، وكفرهم بأنعمه، فحبسها الله عنهم، فهم الذين قابلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصُّدود والجحود والنكران، وتعرَّضوا له ولأصحابه بالإيذاء وبيَّتوا لقتله، حتى دعا عليهم قائلاً: "حديث : اللهم اشْدُدْ وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". تفسير : فاستجاب الحق سبحانه لنبيه، وألبسهم لباس الجوع والخوف، حتى إنهم كانوا يأكلون الجيف، ويخلطون الشعر والوبر بالدم فيأكلوه. وظلوا على هذا الحال سبع سنين حتى ضَجُّوا، وبلغ بهم الجَهْد والضَّنْك مُنْتهاه، فأرسلوا وفداً منهم لرسول الله، فقالوا: هذا عملك برجال مكة، فما بال صبيانها ونسائها؟ فكان صلى الله عليه وسلم يرسل لهم ما يأكلونه من الحلال الطيب. أما لباس الخوف فتمثَّل في السرايا التي كان يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لترهبهم وتزعجهم؛ ليعلموا أن المسلمين أصبحتْ لهم قوة وشوكة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً} يعني مكةَ. تفسير : وقوله تعالى: {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً} معناهُ وَاسِعٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذه القرية هي مكة المشرفة التي كانت آمنة مطمئنة لا يهاج فيها أحد، وتحترمها الجاهلية الجهلاء حتى إن أحدهم يجد قاتل أبيه وأخيه، فلا يهيجه مع شدة الحمية فيهم، والنعرة العربية فحصل لها من الأمن التام ما لم يحصل لسواها وكذلك الرزق الواسع. كانت بلدة ليس فيها زرع ولا شجر، ولكن يسر الله لها الرزق يأتيها من كل مكان، فجاءهم رسول منهم يعرفون أمانته وصدقه، يدعوهم إلى أكمل الأمور، وينهاهم عن الأمور السيئة، فكذبوه وكفروا بنعمة الله عليهم، فأذاقهم الله ضد ما كانوا فيه، وألبسهم لباس الجوع الذي هو ضد الرغد، والخوف الذي هو ضد الأمن، وذلك بسبب صنيعهم وكفرهم وعدم شكرهم {أية : وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }.

همام الصنعاني

تفسير : 1510- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً}: [الآية: 112]، قال: هي مكة.