Verse. 2014 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَلَقَدْ جَاۗءَہُمْ رَسُوْلٌ مِّنْہُمْ فَكَذَّبُوْہُ فَاَخَذَہُمُ الْعَذَابُ وَہُمْ ظٰلِمُوْنَ۝۱۱۳
Walaqad jaahum rasoolun minhum fakaththaboohu faakhathahumu alAAathabu wahum thalimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد جاءهم رسول منهم» محمد صلى الله عليه وسلم «فكذبوه فأخذهم العذاب» الجوع والخوف «وهم ظالمون».

113

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر المثل ذكر المـمثل فقال: {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ } يعني أهل مكة {رَسُولٌ مِّنْهُمْ } يعني من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني الجوع الذي كان بمكة. وقيل: القتل يوم بدر، وأقول قول ابن عباس أولى لأنه تعالى قال بعده: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } يعني أن ذلك الجوع إنما كان بسبب كفركم فاتركوا الكفر حتى تأكلوا، فلهذا السبب قال: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: فكلوا يا معشر المسلمين مما رزقكم الله يريد من الغنائم. وقال الكلبـي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهدوا وقالوا عاديت الرجال فما بال النسوان والصبيان. وكانت الميرة قد قطعت عنهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن في حمل الطعام إليهم فحمل إليهم العظام فقال الله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـلاً طَيّباً } والقول ما قال ابن عباس رضي الله عنهما ويدل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: { أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ } تفسير : [النحل: 115] الآية يعني أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ} هذا يدل على أنها مكة. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ} وهو الجوع الذي وقع بمكة. وقيل: الشدائد والجوع منها.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مّنْهُمْ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، والضمير لأهل مكة عاد إلى ذكرهم بعد ما ذكر مثلهم. {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ} أي حال التباسهم بالظلم والعذاب ما أصابهم من الجدب الشديد، أو وقعة بدر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْهُمْ } محمد صلى الله عليه وسلم {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ } الجوع والخوف {وَهُمْ ظَٰلِمُونَ }.

النسفي

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ } أي محمد صلى الله عليه وسلم {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ } أي في حال التباسهم بالظلم قالوا: إنه القتل بالسيف يوم بدر. رُوى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه إلى أهل مكة في سني القحط بطعام ففرق فيهم فقال: «حديث : الله لهم بعد أن أذاقهم الجوع»تفسير : {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } على يدي محمد صلى الله عليه وسلم {حَلَـٰلاً طَيِّباً } بدلاً عما كنتم تأكلونه حراماً خبيثاً من الأموال المأخوذة بالغارات والغصوب وخبائث الكسوب {وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } تطيعون أو إن صح زعمكم أنكم تعبدون الله بعبادة الآلهة لأنها شفعاؤكم عنده. ثم عدد عليهم محرمات الله ونهاهم عن تحريمهم وتحليلهم بأهوائهم فقال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} «إنما» للحصر أي المحرم هذا دون البحيرة وأخواتها وباقي الآية قد مر تفسيره {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ } هو منصوب بـ {لا تقولوا} أي ولا وتقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم: {أية : مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلانْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا }تفسير : [الأنعام: 139] من غير استناد ذلك الوصف إلى الوحي أو إلى القياس المستنبط منه. واللام مثلها في قولك لا تقولوا لما أحل الله هو حرام. وقوله {هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ } بدل من الكذب ولك أن تنصب {الكذب} بـ {تصف} وتجعل «ما» مصدرية وتعلق {هذا حلال وهذا حرام}. بـ {لا تقولوا} أي و لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام وهذا لوصف ألسنتكم الكذب، أي ولا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ويجول في أفواهكم لا لأجل حجة وبينة ولكن قول ساذج ودعوى بلا برهان. وقوله {تصف ألسنتكم الكذب} من فصيح الكلام جعل قولهم كأنه عين الكذب فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته وصورته بصورته كقولك «وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر» واللام في {لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } من التعليل الذي لا يتضمن معنى الفرض {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ }

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءهُمْ} من تتمة المثَل، جيء بها لبـيان أن ما فعلوه من كفران النعم لم يكن مزاحمةً منهم لقضية العقلِ فقط بل كان ذلك معارضةً لحجة الله على الخلق أيضاً، أي ولقد جاء أهلَ تلك القرية {رَسُولٌ مّنْهُمْ} أي من جنسهم يعرِفونه بأصله ونسبِه فأخبرهم بوجوب الشكرِ على النعمة وأنذرهم سوءَ عاقبة ما يأتون وما يذرون {فَكَذَّبُوهُ} في رسالته أو فيما أخبرهم به مما ذكر، فالفاءُ فصيحةٌ وعدم ذكرِه للإيذان بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تلعثم {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ} المستأصِلُ لشأفتهم غِبَّ ما ذاقوا نُبذةً من ذلك {وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ} أي حالَ التباسهم بما هم عليه من الظلم الذي هو كفرانُ نعمِ الله تعالى وتكذيبُ رسوله غيرَ مُقلعين عنه بما ذاقوا من مقدماته الزاجرةِ عنه، وفيه دَلالةٌ على تماديهم في الكفر والعِناد وتجاوزِهم في ذلك كلَّ حدَ معتاد. وترتيبُ العذاب على تكذيب الرسول جرى على سنة الله تعالى حسبما يرشد إليه قولُه سبحانه: { أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] وبه يتم التمثيلُ فإن حالَ أهل مكةَ ـ سواءٌ ضُرب المثلُ لهم خاصة أو لمن سار سيرتَهم كافةً ـ محاذيةٌ لحال أهلِ تلك القريةِ حذوَ القذة بالقذة من غير تفاوت بـينهما ولو في خصلة فَذّة، كيف لا وقد كانوا في حرم آمنٍ ويُتخطف الناسُ من حولهم وما يمر ببالهم طيفٌ من الخوف وكانت تُجبىٰ إليه ثمراتُ كل شيء، ولقد جاءهم رسولٌ منهم وأيُّ رسول، يحار في إدراك سموِّ رتبتِه العقولُ صلى الله عليه وسلم ما اختلف الدبور والقبور، فكفروا بأنعم الله وكذبوا رسوله عليه السلام فأذاقهم الله لباسَ الجوعِ والخوف حيث أصابهم بدعائه عليه السلام بقوله: « حديث : اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسبْعٍ كسبع يوسفَ » تفسير : ما أصابهم من جدب شديدٍ وأزمة خصّت كلَّ شيء حتى اضطرتهم إلى أكل الجِيف والكلابِ الميتة والعظامِ المحرقة والعلهز وهو الوبرُ المعالَجُ بالدم وقد ضاقت عليهم الأرضُ بما رحبت من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانوا يُغيرون على مواشيهم وعِيرهم وقوافلهم، ثم أخذهم يومَ بدرٍ ما أخذهم من العذاب. هذا هو الذي يقتضيه المقام ويستدعيه حسنُ النظام، وأما ما أجمع عليه أكثرُ أهل التفسير من أن الضمير في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءهُمْ} لأهل مكةَ ـ قد ذُكر حالُهم صريحاً بعد ما ذكر مَثلُهم وأن المرادَ بالرسول محمدٌ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وبالعذاب ما أصابهم من وقعة بدر ـ فبمعزل من التحقيق، كيف لا وقوله سبحانه: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} مفرّعٌ على نتيجة التمثيل وصدٌّ لهم عما يؤدّي إلى مثل عاقبته، والمعنى وإذ قد استبان لكم حالُ من كفر بأنعم الله وكذّب رسوله وما حل بهم بسبب ذلك من اللتيا والتي أولاً وآخِراً فانتهُوا عما أنتم عليه من كفران النعم وتكذيبِ الرسول عليه السلام كيلا يحِلَّ بكم مثلُ ما حل بهم واعرِفوا حقَّ نِعم الله تعالى وأطيعوا رسولَه عليه السلام في أمره ونهيه وكلوا من رزق الله حال كونه {حَلَـٰلاً طَيّباً} وذروا ما تفترون من تحريم البحائرِ ونحوها {وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} واعرِفوا حقها ولا تقابلوها بالكفران، والفاءُ في المعنى داخلةٌ على الأمر بالشكر وإنما أُدخلت على الأمر بالأكل لكون الأكل ذريعةً إلى الشكر، فكأنه قيل: فاشكروا نعمةَ الله غِبَّ أكلها حلالاً طيباً، وقد أُدمج فيه النهيُ عن زعم الحرمة، ولا ريب في أن هذا إنما يُتصوّر حين كان العذابُ المستأصِل متوقَّعاً بعدُ وقد تمهّدت مباديه، وبعد ما وقع فمن ذا الذي يُحذَّر ومن ذا الذي يُؤمر بالأكل والشكر؟ وحمْلُ قوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ} على الإخبار بذلك قبل الوقوعِ يأباه التصدّي لاستصلاحهم بالأمر والنهي، وتوجيهُ خطاب الأمرِ بالأكل إلى المؤمنين ـ مع أن ما يتلوه من خطاب النهي متوجّهٌ إلى الكفار، كما فعله الواحديُّ حيث قال: فكلوا أنتم يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله من الغنائم ـ مما لا يليق بشأن التنزيلِ الجليل {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أي تطيعون أو إن صح زعمُكم أنكم تقصِدون بعبادة الآلهة عبادتَه تعالى.

القشيري

تفسير : كما جاءهم الرسولُ جهراً فإنه تتأدَّى إليهم منْ قِبَل خواطرهم إشاراتٌ تترى، فمَنْ لم يستجِبْ لتلك الإشارات بالوفاق والإعتاق أخذه العذابُ من حيث لا يشعر.

الطوسي

تفسير : قوله {ولقد جاءهم رسول منهم} يعني اهل مكة بعث الله منهم رسولاً من صميمهم، لا من غيرهم {فكذبوه} وجحدوا نبوته {فأخذهم العذاب وهم ظالمون} أي في حال كفرهم ظالمين اخذهم العذاب، وعذابهم هو ما سلط الله تعالى النبيّ والمؤمنين حتى قتلوهم يوم بدر وغيره من الايام، وما حل بهم من أنواع العذاب من جهته من الخوف والجوع الذي تقدم ذكره. ومن قال: المراد بالقرية غير مكة قال: هو صفة تلك القرية التي بعث الله رسولاً منهم، ثم خاطب المؤمنين، فقال {كلوا} فصيغته وإِن كان صيغة الأمر، فالمراد به الإباحة، لأن الأكل غير واجب إِلاّ عند الخوف من تلف النفس، ولا مندوب اليه إِلا في بعض الاحوال {ممّا رزقكم الله} أي ملككم التصرف فيه على وجه ليس لاحد منعكم منه {حلالاً} أي جعله لكم {حلالاً طيباً واشكروا نعمة الله} واعترفوا بها {إن كنتم إِياه تعبدون} اي ان كنتم تعبدون الله دون غيره وليس المعنى ان كنتم تعبدون غيره، فلا تشكروه، بل المعنى انه لا يصح لأحد أن يشكره إِلاّ بأن يوجه العبادة اليه تعالى وحده.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَٱشْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} ولا تكفروا ولا تبطروا كما كفرت اهل تلك القرية {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قد سبق فى سورة البقرة وفى غيرها تفسير الآية وانّ الحصر بالاضافة الى ما قالوا من حرمة البحيرة والسّائبة وغيرها وليس مطلقاً حتّى يرد الاشكال بلزوم تحليل المحرّمات.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {ولقد جاءهم رسول منهم} أي جاء أهل تلك القرية التي تقدم ذكرها، وكانت في الأمم الماضية رسل {فكذبوه فأخذهم العذاب} يعني عذاب الاستئصال، وقيل: المراد مكة جاءهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والعذاب ما نالهم من القتل يوم بدر، وقيل: ما نالهم من القحط والجوع بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {فكلوا مما رزقكم}، قيل: خطاب لأهل، وقيل: عام، قال الحاكم: وهو الوجه لأن المعتبر بمطلق اللفظ مما رزقكم أعطاكم {حلالاً طيباً} والطيب ما اكتسبه من وجوهه {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} زائد على الشبع ولا عاد في أكله، وقيل: غير باغ على إمام ولا عاد في معصية {فإن الله غفور رحيم} {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب} أي لا تقولوا على الكذب وذكر اللسان لأنه يتكلم: أي لما تقول ألسنتكم من الكذب {هذا حلال وهذا حرام}، قيل: أراد البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقيل: بل حرموا جميع وحللوا بخلاف أمر الله {لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب} أي يكذبون على الله في إضافة التحريم اليه {لا يفلحون} لا ينجون من عذاب الله ولا ينالون خيراً {متاع قليل} يعني الذين هم فيه من الدنيا شيء قليل ينتفعون {ولهم} في الآخرة {عذاب أليم} موجع {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} يعني ما نزل في سورة الأنعام قوله: {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر وما ظلمناهم} تفسير : [الأنعام: 146] بتحريم ذلك {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا} الآية نزلت في قوم أسلموا فقبل الله منهم توبتهم {للذين عملوا السوء بجهالة} السيئات وغلبت الشهوات عليه والمعاصي {ثم تابوا من بعد ذلك} أي ندموا على ما فعلوا {وأصلحوا} الأعمال بالتوبة، وقيل: أصلحوا ما بينهم وبين الله.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ} أى أهل تلك القرية المضروب بها المثل مكة أو غيرها {رَسُولٌ مِّنْهُمْ} من أهل تلك القرية يعرفون نسبه وصدقه سواء قلنا إِنه رسولنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو غيره من الرسل قبلهُ إِلى غير أهل مكة، وقيل الكلام هنا عائد إِلى أهل مكة ورسولنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ذكر مثلهم {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ} الجوع والخوف وقيل القتل يوم بدر وقيل الجوع ويوم بدر ونحو ذلك إِن كانت الآية مدنية وإِن كانت مكية فالجوع فقط قيل والأَول أولى {وَهُمْ ظَالِمُونَ} أى حال التباسهم بالظلم وعدم إِقلاعهم عنه والظلم كفر والمعاصى لما وعظ أهل مكة بما ذكر من حال القرية وما وقع بها لسوء صنيعها وكفرها وصل ذلك بالفاء فقال: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللهُ حَلاَلاً}.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ} أى جاء أهل القرية مكة، سواء فسرة القرية بها أو بمطلق قرية. {رَسُولٌ مِنْهُمْ} من نسبهم محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا أدل على أن القرية مكة. {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ} المعهود الجوع والخوف، أو قتلهم فى بدر وأسرهم أو كل ذلك، ولو وقع القتل والأسر المذكور بعد الهجرة لما مر من الإخبار بالغيب فى مكة، بما سيقع وكأنه وقع وانقطع لتحقق الوقوع. {وَهُمْ ظَالِمُونَ} أنفسهم بالكفر وغيرهم به وبسائر مضارهم، وكل ما فعلوا من سوء مضرة عليهم حياة وموتًا.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءهُمْ} من تتمة التمثيل، والضمير فيه عائد على من عاد إليه الضميران قبله، وجيء بذلك لبيان أن ما صنعوه من كفران أنعم الله تعالى لم يكن مزاحمة منهم لقضية العقل فقط بل كان ذلك معارضة لحجة الله تعالى على الخلق أيضاً أي ولقد جاء أهل تلك القرية {رَسُولٌ مّنْهُمْ } أي من جنسهم يعرفونه بأصله ونسبه فأخبرهم بوجوب الشكر على النعمة وأنذرهم بسوء عاقبة ما هم عليه {فَكَذَّبُوهُ} في رسالته أو فيما أخبرهم به مما ذكر، فالفاء فصيحة وعدم ذكر ما أفصحت عنه للإيذان بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تلعثم {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ} المستأصل لشأفتهم غب ما ذاقوا منه ما سمعت {وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ} أي حال التباسهم بالظلم وهو الكفران والتكذيب غير مقلعين عنه بما ذاقوا من المقدمات الزاجرة عنه، وفيه دلالة على تماديهم في الكفر والعناد وتجاوزهم في ذلك كل حد معتاد. وترتيب أخذ العذاب على تكذيب الرسول جرى على سنة الله تعالى حسبما يرشد إليه قوله سبحانه: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15] وبه يتم التمثيل فإن حال أهل مكة سواء ضرب المثل لهم خاصة أو لهما ولمن سار سيرتهم كافة أشبه بحال أهل تلك القرية من الغراب بالغراب فقد كانوا في حرم آمن يتخطف الناس من حولهم ولا يمر ببالهم طيف من الخوف ولا يزعج قطا قلويهم مزعج وكانت تجيء إليه ثمرات كل شيء ولقد جاءهم رسول منهم وأي رسول تحار في إدراك سمو مرتبته العقول صلى الله عليه وسلم ما اختلف الدبور والقبول فأنذرهم وحذرهم فكفروا بأنعم الله تعالى وكذبوه عليه الصلاة والسلام فأذاقهم الله تعالى لباس الجوع والخوف حيث أصابهم بدعائه صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف»تفسير : ما أصابهم من جدب شديد وأزمة ما عليها مزيد فاضطروا إلى أكل الجيف والكلاب الميتة والعظام المحروقة والعلهز وهو طعام يتخذ في سني المجاعة من الدم والوبر وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانوا يغيرون على مواشيهم وعيرهم وقوافلهم ثم أخذهم يوم بدر ما أخذهم من العذاب هذا ما اختاره شيخ الإسلام وقال: إنه الذي يقتضيه المقام ويستدعيه النظام، وأما ما أجمع عليه أكثر أهل التفسير من أن الضمير في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءهُمْ} لأهل مكة والكلام انتقال إلى ذكر حالهم صريحاً بعد ذكر مثلهم وأن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وبالعذاب ما أصابهم من الجدب ووقعة بدر فبمعزل عن التحقيق كيف لا وقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ...}.

ابن عاشور

تفسير : لما أخبر عنهم بأنهم أذيقوا لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، وكان إنما ذكر مِن صُنعهم أنهم كفروا بأنعم الله، زيد هنا أن ما كانوا يصنعون عامّ لكل عمل لا يرضي الله غير مخصوص بكفرهم نعمةَ الله، وإن من أشنع ما كانوا يصنعون تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه منهم. وذلك أظهر في معنى الإنعام عليهم والرّفق بهم. وما من قرية أُهلكت إلا وقد جاءها رسول من أهلها {أية : وما كان ربّك مهلك القرى حتى يبعث في أمّها رسولاً يتلو عليهم آياتنا} تفسير : [سورة القصص: 59]. والأخذ: الإهلاك. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون} تفسير : في سورة الأعراف (95). وتأكيد الجملة بلام القسم وحرفِ التّحقيق للاهتمام بهذا الخبر تنبيهاً للسامعين المعرّض بهم لأنه محل الإنذار. وتعريف {العذاب} للجنس، أي فأخذهم عذاب كقوله: {أية : وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء لعلّهم يضرّعون ثم بدّلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مسّ آباءنا الضرّاء والسرّاء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون} تفسير : [سورة الأعراف: 95].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 113- ولقد جاءهم رسول منهم فكان يجب عليهم شكر اللَّه على ذلك، ولكنهم كذبوه عناداً وحسداً، فأخذهم العذاب حال تلبسهم بالظلم، وبسبب هذا الظلم. 114- إذا كان المشركون يكفرون بنعم الله فيبدلها بؤسا، فاتجهوا - أيها المؤمنون - إلى الشكر، وكلوا مما رزقكم اللَّه، وجعله حلالا طيبا لكم، ولا تحرموه على أنفسكم، واشكروا نعمة اللَّه عليكم بطاعته - وحده - إن كنتم تخصونه حقا بالعبادة. 115- فإن اللَّه لم يحرم عليكم إلا أكل الميتة، والدم الذى ينزل من الحيوان عند ذبحه، ولحم الخنزير، وما ذبح لغير اللَّه، فمن ألجأته ضرورة الجوع إلى تناول شئ مما حرَّمه اللَّه عليكم غير طالب له، ولا يتجاوز فى أكله حد إزالة الضرورة، فإن اللَّه لا يؤاخذه على ذلك، لأنه - سبحانه - غفور لعباده يغفر لهم ما يقعون فيه من أخطاء لا يصرون عليها، رحيم بهم حين منعهم مما يضرهم، وأباح لهم ما يحفظ حياتهم. 116- وإذا كان اللَّه قد بيَّن حكم الحلال والحرام، فالتزموا ما بيَّن لكم، ولا تجرءوا على التحليل والتحريم انطلاقاً وراء ألسنتكم، فتقولوا: هذا حلال وهذا حرام، فتكون عاقبة قولكم هذا: أنكم تفترون على اللَّه الكذب، وتنسبون إليه ما لم يقله، إن الذين يفترون على اللَّه الكذب لا يفوزون بخير ولا فلاح. 117- وإذا كانوا يجرون بذلك وراء شهواتهم ومنافعهم الدنيوية فإن تمتعهم بها قليل زائل، ولهم فى الآخرة عذاب شديد.

د. أسعد حومد

تفسير : {ظَالِمُونَ} (113) - لَقَدْ مَنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِأَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُوْلاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ اللهِ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِمِنَنِ اللهِ عَلَيْهِمْ، إِذْ جَعَلَ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَشْكُرُوا اللهَ عَلَى هذِهِ النِّعْمَةِ، وَلَكِنَّهُمْ بَدَلاً مِنَ الشُّكْرِ كَذَّبُوا الرَّسُولَ، وَاسْتَكْبَرُوا، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ، وَأَذَلَّهُمُ اللهُ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَبَغْيِهِمْ، فَهُزِمُوا فِي بَدْرٍ، وَتَتَالَتْ هَزَائِمُهُمْ حَتَّى فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم .

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : رأينا كيف كانت النعمة تامة على أهل مكة، وقد تمثلت هذه النعمة في كَوْنها آمنة مطمئنة، وهذه نعمة مادية يحفظ الله بها القالب الإنساني، لكنه ما يزال في حاجة إلى ما يحفظ قِيَمه وأخلاقه. وهذه هي نعمة النعم، وقد امتنَّ الله عليهم بها حينما أرسل فيهم رسولاً منهم، فما فائدة النعم المادية في بلد مهزوزة القيم، مُنْحلة الأخلاق، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُقوِّم ما اعوجّ من سلوكهم، ويُصلح ما فسد من قِيَمهِم ومبادئهم. وقوله: {مِّنْهُمْ ..} [النحل: 113]. أي: من جنسهم، وليس غريباً عنهم، وليس من مُطْلق العرب، بل من قريش أفضل العرب وأوسطها. يقول تعالى: {فَكَذَّبُوهُ ..} [النحل: 113]. وكان المفترض فيهم أن يستقبلوه بما علموا عنه من صفات الخير والكمال، وبما اشتهر به بينهم من الصدق والأمانة، ولكنهم كما كفروا بالنعم المادية كفروا أيضاً بالنعم القيمية متمثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ ..} [النحل: 113]. مَنِ الذي أخذهم؟ لم تقُلْ الآية: أخذهم الله بالعذاب، بل: أخذهم العذاب، كأن العذابَ نفسه يشتاق لهم، وينقضُّ عليهم، ويسارع لأخذهم، ففي الآية تشخيص يُوحي بشدة عذابهم. كما قال تعالى في آية أخرى: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30]. ثم يقول تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ...}.