١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
114
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} أي كلوا يا معشر المسلمين من الغنائم. وقيل: الخطاب للمشركين؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث إليهم بطعام رِقّةً عليهم، وذلك أنهم لما ٱبتُلُوا بالجوع سبع سنين، وقطع العرب عنهم المِيرَة بأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أكلوا العظام المحرَقة والجِيفة والكلاب الميتة والجلود والعِلْهِز، وهو الوَبَر يعالج بالدّم. ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جُهدوا وقالوا: هذا عذاب الرجال فما بال النساء والصبيان. وقال له أبو سفيان: يا محمد، إنك جئت تأمر بصلة الرَّحِم والعفو، وإن قومك قد هلكوا؛ فٱدع الله لهم. فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذِن للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعدُ مشركون.
البيضاوي
تفسير : {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـلاً طَيّباً} أمرهم بأكل ما أحل الله لهم وشكر ما أنعم عليهم بعدما زجرهم عن الكفر وهددهم عليه بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم، صداً لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة. {وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } تطيعون، أو إن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادته. {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لما أمرهم بتناول ما أحل لهم عدد عليهم محرماته ليعلم أن ما عداها حل لهم، ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم فقال: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ } كما قالوا {أية : مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا } تفسير : [الأنعام: 139] الآية، ومقتضى سياق الكلام وتصدير الجملة بإنما حصر المحرمات في الأجناس الأربعة إلا ما ضم إليه دليل: كالسباع والحمر الأهلية، وانتصاب {ٱلْكَذِبَ } بـ {لاَ تَقُولُواْ } و {هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ } بدل منه أو متعلق بتصف على إرادة القول أي: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقولوا هذا حلال وهذا حرام، أو مفعول {لاَ تَقُولُواْ }، و {ٱلْكَذِبَ } منتصب بـ {تَصِفُ } وما مصدرية أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب أي: لا تحرموا ولا تحللوا بمجرد قول تنطق به ألسنتكم من غير دليل، ووصف ألسنتهم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب كأن حقيقة الكذب كانت مجهولة وألسنتكم تصفها وتعرفها بكلامهم هذا، ولذلك عد من تصحيح الكلام كقولهم: وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر. وقرىء {ٱلْكَذِبَ } بالجر بدلاً من «ما»، و {ٱلْكَذِبَ } جمع كذوب أو كذاب بالرفع صفة للألسنة وبالنصب على الذم أو بمعنى الكلم الكواذب. {لّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } تعليل لا يتضمن الغرض. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } لما كان المفتري يفتري لتحصيل مطلوب نفي عنهم الفلاح وبينه بقوله: {مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ } أي ما يفترون لأجله أو ما هم فيه منفعة قليلة تنقطع عن قريب. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة. {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ } أي في سورة «الأنعام» في قوله: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } تفسير : [الأنعام: 146] {مِن قَبْلُ} متعلق بـ {قَصَصْنَا } أو بـ {حَرَّمْنَا }. {وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ} بالتحريم. {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه، وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم وأنه كما يكون للمضرة يكون للعقوبة. {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } بسببها أو ملتبسين بها ليعم الجهل بالله وبعقابه وعدم التدبر في العواقب لغلبة الشهوة، والسوء يعم الافتراء على الله وغيره. {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } من بعد التوبة. {لَغَفُورٌ } لذلك السوء. {رَّحِيمٌ } يثيب على الإنابة. {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً } لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا مفرقة في أشخاص كثيرة كقوله:شعر : لَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِدٍ تفسير : وهو رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي جادل فرق المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائغة بالحجج الدامغة، ولذلك عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن في النبوة وتحريم ما أحله، أو لأنه كان وحده مؤمناً وكان سائر الناس كفاراً. وقيل هي فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والنخبة من أمه إذا قصده، أو اقتدى به فإن الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ويقتدون بسيرته كقوله: {أية : إِنّي جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } تفسير : [البقرة: 124] {قَـٰنِتًا لِلَّهِ} مطيعاً له قائماً بأوامره. {حَنِيفاً } مائلاً عن الباطل. {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } كما زعموا فإن قريشاً كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطيب، وبشكره على ذلك، فإنه المنعم المتفضل به ابتداء، الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، ثم ذكر تعالى ما حرمه عليهم مما فيه مضرة لهم في دينهم ودنياهم؛ من الميتة والدم ولحم الخنزير {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} أي: ذبح على غير اسم الله، ومع هذا {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} إليه، أي: احتاج من غير بغي ولا عدوان، {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية عن إعادته، ولله الحمد. ثم نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم؛ من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك؛ مما كان شرعاً لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئاً مما حرم الله، أو حرم شيئاً مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه، و(ما) في قوله: {لِمَا تَصِفُ} مصدرية، أي: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم، ثم توعد على ذلك فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} أي: في الدنيا، ولا في الآخرة، أما في الدنيا، فمتاع قليل، وأما في الآخرة، فلهم عذاب أليم؛ كما قال: {أية : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } تفسير : [لقمان: 24] وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَـٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} تفسير : [يونس:69-70].
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَكُلُواْ } أيها المؤمنون {مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَلاً طَيّباً وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ثم إنّ ربّك للذين عملوا السُّوء بجهالةٍ} فيه وجهان: أحدها: بجهالة أنها سوء. الثاني: بجهالة لغلبة الشهوة عليهم مع العلم بأنها سوء. ويحتمل ثالثاً: أنه الذي يعجل بالإقدام عليها ويعد نفسه بالتوبة. {ثم تابوا مِنْ بعد ذلك وأصْلَحوا} لأنه مجرد التوبة من السالف إذا لم يصلح عمله في المستأنف لا يستحق ولا يستوجب الثواب.
البقاعي
تفسير : ولما تقرر بما مضى من أدلة التوحيد، فثبت ثباتاً لا يتطرق إليه شك أن الله هو الإله وحده كما أنه هو الرازق وحده، ونبههم على دقائق في تقديره للأرزاق تدل على عظمته وشمول علمه وقدرته واختياره، فثبت أنهم ظالمون فيما جعلوا للأصنام من رزقه، وأنه ليس لأحد أن يتحرك إلا بأمره سبحانه، وختم ذلك بهذا المثل المحذر من كفران النعم، عقبه بقوله تعالى صاداً لهم عن أفعال الجاهلية: {فكلوا} أي فتسبب عن جميع ما مضى أن يقال لهم: كلوا {مما رزقكم الله} أي الذي له الجلال والجمال مما عده لكم في هذه السورة وغيرها، حال كونه {حلالاً طيباً} أي لا شبهة فيه ولا مانع بوجه {واشكروا نعمت الله} أي الذي له صفات الكمال حذراً من أن يحل بكم ما أحل بالقرية الممثل بها {إن كنتم إياه} أي وحده {تعبدون *} كما اقتضته هذه الأدلة، لأن وحده هو الذي يرزقكم وإلا عاجلكم بالعقوبة لأنه ليس بعد العناد عن البيان إلا الانتقام، فصار الكلام في الرزق والتقريع على عدم الشكر مكتنفاً الأمثال قبل وبعد. ولما كان الإذن إنما هو في بعض الرزق في الحال المذكور فاحتيج إلى معرفته، وكانت المباحات أكثر من المحظورات، حصر القليل ليعلم منه الكثير، لأن كل ضدين معروفين إجمالاً عُين أحدهما، عرف من تعيينه الآخر، فقال تعالى: {إنما حرم} أي الله الذي لا أمر لأحد معه {عليكم الميتة} التي بينت على لسان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها ميتة وإن ذكيت {والدم ولحم الخنزير} خصه بالذكر بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله كالدين {وما أهل} أي بأيّ إهلال كان من أي مهل كان. ولما كان مقصود السورة لبيان الكمال، كان تقديم غيره لتقبيح حال المعتنى به أولى فقال تعالى: {لغير الله} أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه {به}. ولما كان الإنسان قد يضطر إلى أكل كلّ ما يمكن أكله، بين لهم أنه رفق بهم فأباح لهم سد الرمق من الحرام فقال تعالى: {فمن اضطر} أي كيفما وقع له الاضطرار {غير باغ} على مضطر آخر {ولا عاد} سدَّ الرمق. ولما كان الإذن في الأكل من هذه الأشياء حال الضرورة إنما هو رخصة، وكانت الشهوة داعية إلى ما فوق المأذون فيه قال تعالى: {فإن الله} أي المختص بصفات الكمال، بسبب تناوله منها على ما حده {غفور رحيم *} فمن زاد على ما أذن له فيه فهو جدير بالانتقام.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلالاً طَيِّباً} [الآية: 114]. سمعت أبا بكر الرازى قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن سعيد القرشى يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: الحلال على ستة أوجه: إمام عادل، وتاجر صادق، وزارع متوكل، وغازٍ غير خائف، وعالم ناصح، وزاهد مخلص، فإذا اجتمع هؤلاء الستة فى دار فإن كل الحلال يدور بينهم.
القشيري
تفسير : الحلالُ الطيبُ ما يتناوله العبدُ على شريطة الإذن بشاهد الذكر على قضية الأدب في ترك الشبهة، وحقيقةُ الشكر على النعمةِ الغيبةُ عن شهودِ النعمة بالاستغراق في شهود المنعِم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فكلوا مما رزقكم الله} اى واذ قد استبان لكم يا اهل مكة حال من كفر بانعم الله وكذب رسوله وما حل بهم بسبب ذلك من اللتيا التى اولا وآخرا فانتهوا عما انتم عليه من كفران النعم وتكذيب الرسول كيلا يحل بكم مثل ما احل بهم واعرفوا حق نعم الله واطيعوا رسوله فى امره ونهيه كلوا من رزق الله من الحرث والانعام وغيرهما حال كونه {حلالا طيبا} اى لذيذا تستطيبه النفوس وذروا ما تفترون من تحريم البحائر ونحوها فحلالا حال من ما رزقكم الله ويجوز ان يكون مفعولا كلوا. وفيه اشارة الى ان انوار الشريعة واسرار الحقيقة رزق معنوى للعاشق الصادق وما قبلته الشريعة والحقيقة فهو حلال طيب وما ردته فهو حرام خبيث ولذا قيل. شعر : علم دين فقهست وتفسير وحديث هركه خواند غيرازين كردد خبيث تفسير : اى العلم المقبول النافع هذه العلوم وما شهدت هى له بالقبول من الظاهر والبواطن {واشكروا نعمة الله} واعرفوا حقها ولا تقابلوها بالكفران والفناء فى المعنى داخلة على الامر بالشكر وانما دخلت على الامر بالاكل لكون الاكل ذريعة الى الشكر فكأنه قيل فاشكروا نعمة الله غب اكلها حلالا طيبا {إن كنتم إياه تعبدون} اى تطيعون وتريدون رضاه ان تستحلوا ما أحل الله وتحرموا ما حرم الله.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {الكذب}: مفعول بتقولوا، و {هذا حلال وهذا حرام}: بدل منه، أي: لا تقولوا الكذب، وهو قولكم: {هذا حلال وهذا حرام}، و {ما} في قوله: {لما تصف}؛ ويجوز أن ينتصب الكذب بـ {تصف}، ويكون "ما" مصدرية. ويكون قوله: {هذا حلال وهذا حرام} معمولاً لتقولوا، أي: لا تقولوا: هذا كذا وهذا كذا؛ لأجل وصف ألسنتكم الكذب. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيبًا}، أمرهم بأكل ما أحل لهم، وشُكر ما أنعم عليهم، بعد ما زجرهم عن الكفر، وهددهم عليه، بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم؛ صدًا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة. قاله البيضاوي: {واشكروا نعمتَ الله}؛ لتدوم لكم {إن كنتم إياه تعبدون} فلا تنسبوا نعمه إلى غيره، كشفاعة الأصنام وغيرها. {إنما حرّم عليكم الميتةَ والدمَ ولحم الخنزيرِ وما أهلّ لغير الله به فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فإن الله غفور رحيم}، تقدم تفسيرها في البقرة والمائدة. قال البيضاوي: أمرهم بتناول ما أحل لهم، وعدد عليهم محرماته، ليعلم أن ما عداها حل لهم. ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم بقوله: {ولا تقولوا لما تَصفُ ألسنتُكم الكذبَ هذا حلالٌ وهذا حرام} لما لم يحله الله ولم يحرمه، كما قالوا: {أية : مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا...} تفسير : [الأنعام: 139] الآية. هـ. تقولون ذلك؛ {لتفتروا على الله الكذب} بنسبة ذلك إليه. {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} أبدًا؛ لأنهم تعجلوا فلاح الدنيا بتحصيل أهوائهم، فحُرموا فلاح الآخرة، ولذلك قال: {متاع قليل} أي: لهم تمتع في الدنيا قليل، يفنى ويزول. {ولهم عذاب أليم} في الآخرة. {وعلى الذين هادوا حرّمنا ما قصَصنَا عليك من قبل} في سورة الأنعام بقوله {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} تفسير : [الأنعام: 146] الآية، {وما ظلمناهم} بالتحريم، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}؛ حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه. ذكر الحق تعالى ما حرم على المسلمين، وما حرم على اليهود؛ ليعلم أن تحريم ما عدا ذلك افتراء على الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق - جلّ جلاله -، لمن بقي على العهد؛ من شكر النعم؛ بالإقرار بفضل الواسطة: {فكلوا مما رزقكم الله} من قوت اليقين وفواكه العلوم، {واشكروا نعمة الله} إن كنتم تخصونه بالعبادة وإفراد الوجهة. إنما حرَّم عليكم ما يشغلكم عنه، كجيفة الدنيا والتهارج عليها، ونجاسة الغفلة، وما يورث القساوة والبلادة، وقلة الغيرة على الحق، وما قبض من غير يد الله، أو ما قصد به غير وجه الله، إلا وقت الضرورة فإنها تبيح المحذور. والله تعالى أعلم. ثم حض على التوبة لمن وقع في شيء من هذا
اطفيش
تفسير : {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللهُ حَلاَلاً} لا حرام {طَيِّباً} مستلذا أو بمعنى حلال كرر تأكيدا، وذلك عام. وقال الكلبى المراد الطعام الذى أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحمله إِليهم بعد منعه عنهم كما مر {وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ} بتوحيده وعبادته وقيل النعمة النبى {إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} تريدون عبادته فإن عبادته لا تكون إِلا بالتوحيد وامتثال الأَمر واجتناب النهى، أو المعنى إِن صح زعمكم أنكم ما تقصدون بعبادة الأَصنام إِلا عبادته فتشفع لكم عنده لأَن عبادته لا تمكن مع عبادة الأَصنام. وقال ابن عباس رضى الله عنهما الخطاب فى فكلوا مما رزقكم الله إِلخ للمؤمنين والرزق ما أحل الله لهم بفضله من الغنائم ونسب للجمهور وصحح، والصحيح عندى لما ذكرته أولا وأما أمرهم بالأكل مما رزقهم الله حلالا ذكر لهم ما حرمه ليعلم أن ما عداه حلال فقال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ..}.
اطفيش
تفسير : {فَكُلُوا} خطاب للمؤمنين. {مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا} من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى والغنائم، ولم تحل لمن قبلكم، وكل ما لم تحرمه فهو على أصله من الحل لكم، ولا تحرموا على أنفسكم ما يلذ من الطعام، ووصف الحلال بالطيب، تلويح بأن مرجع الطيب الحلال، فكل حلال طيب ولو غير مستلذ، وذلك كالصفة الكاشفة، وظاهر اللفظ أن مما رزقه الله حرامًا خبيثًا، وليس ذلك مراداً هنا، ولم يصح فى نفس الأمر لأنه لا يأمرنا بأكل غير الحلال، إلا أنه قد يكون فى بلد الإنسان حرام لم يعلم أنه حرام، ولا يدرك بالعلم أنه حرام فيحل له، وقد أمره الله بأكله إذ ساقه إلى يده، ولم يعلمه بأنه حرام، ولا يدرك بالعلم أنه حرام. قال ابن عباس: فكلوا يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله يريد للغنائم حلالا طيبًا لكم، لم تحل لأحد قبلكم، والفاء تفريع، قد كفر الكفار بالنعم، فكلوها أنتم شاكرين كما قال: {وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ} عليكم {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} وقيل: الخطاب فى ذلك للمشركين، أى كلوا مما سرد إليكم رسولى بعد المنع، واشكروا نعمة الله، ولا تكفروها، وإن كنتم تعبدون غير الله معه فلستم بشاكريها، فإن عبادة غير الله معه كفر لها، لأن غيره لم يرزقكم بعبادته حرام ولو ادعيتم أنها عبادة لله لكذبتم، ليست عبادة له تعالى ولا شفاعة منها لكم، والشرطية تأكيد لما سبق، فإما إِن تحمل العبادة على الطاعة لتطلق قوله كلوا، أو تجرى على حقيقتها على زعمهم الكاذب إِن آلهتهم شفعاؤهم عند الله، فعبادتها ظاهرًا عبادته فى الحقيقة، لأنه المستحق لها، وما عداه ذريعة له، هذا زعمهم، وتمام العبادة بالشكر، وما لم يحرمه الله حلال كما ذكر فى الأصول أن السكوت فى موضع البيان بيان أى بيان أن حكم ما عدا المذكورات مخالف لحكم المذكورات.
الالوسي
تفسير : {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} مفرع على نتيجة التمثيل وصد لهم عما يؤدي إلى مثل عاقبته، والمعنى وإذ قد استبان لكم حال من كفر بأنعم الله تعالى وكذب رسوله وما حل بهم بسبب ذلك من اللتيا والتي أولاً وآخراً فانتهوا عما أنتم عليه من كفران النعم وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم كيلا يحل بكم ما حل بهم واعرفوا حق نعم الله تعالى وأطيعوا الرسول عليه الصلاة والسلام في أمره ونهيه فكلوا من رزق الله تعالى حال كونه {حَلَـٰلاً طَيّباً} وذروا ما تفترون من تحريم البحائر ونحوها {وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} واعرفوا حقها ولا تقابلوها بالكفران. والفاء في المعنى داخلة على الأمر بالشكر وإنما دخلت على الأمر بالأكل لكون الأكل ذريعة إلى الشكر فكأنه قيل: فاشكروا نعمة الله غب أكلها حلالاً طيباً وقد أدمج فيه النهي عن زعم الحرمة ولا ريب في أن هذا إنَّما يتصور حين كان العذاب المستأصل متوقعاً بعد وقد تمهدت مبادية وأما بعدما وقع فمن ذا الذي يحذر ومن ذا الذي يحذر ومن ذا الذي يؤمر بالأكل والشكر وحمل قوله تعالى: {أية : فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ } تفسير : [النحل: 113] على الإخبار بذلك قبل الوقوع يأباه التصدي لاستصلاحهم بالأمر والنهي وإن لم يأباه التعبير بالماضي لأن استعماله في المستقبل المتحقق الوقوع مجازاً كثير. وتوجيه خطاب الأمر بالأكل إلى المؤمنين مع أن ما يتلوه من خطاب النهي متوجه إلى الكفار كما فعل الواحدي قال: فكلوا أنتم يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله تعالى من الغنائم مما لا يليق بشأن التنزيل اهـ. وتعقب بأنه بعد ما فسر العذاب بالعذاب المستأصل للشأفة كيف يراد به ما وقع في بدر وما بقي منهم أضعاف ما ذهب وإن كان مثل ذلك كافياً في الاستئصال فليكن المحذر والمأمور الباقي منهم، وما ذكره عن الواحدي من توجيه خطاب الأمر بالأكل للمؤمنين رواه الإمام عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ثم نقل عن الكلبـي ما يستدعي أن الخطاب لأهل مكة حيث قال: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال الصبيان والنساء وكانت الميرة قد قطعت عنهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن في الحمل إليهم فحمل الطعام إليهم فقال الله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} الخ ثم قال: والقول ما قال ابن عباس يدل عليه قوله تعالى فيما بعد: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ } تفسير : [النحل: 115] الخ يعني إنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهو الميتة والدم اهـ. وفي «التفسير الخازني» أن كون الخطاب للمؤمنين من أهل المدينة هو الصحيح فإن الصحيح أن الآية مدنية كما قال مقاتل وبعض المفسرين، والمراد بالقرية مكة وقد ضربها الله تعالى لأهل المدينة يخوفهم ويحذرهم أن يصنعوا مثل صنيعهم فيصيبهم ما أصابهم من الجوع والخوف ويشهد لصحة ذلك أن الخوف المذكور في الآية كان من البعوث والسرايا التي كانت يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول جميع المفسرين لأن النبـي عليه الصلاة والسلام لم يؤمر بالقتال وهو بمكة وإنما أمر به وهو بالمدينة فكان صلى الله عليه وسلم يبعث البعوث إلى مكة يخوفهم بذلك وهو بالمدينة، والمراد بالعذاب ما أصابهم من الجوع والخوف وهو أولى من أن يراد به القتل يوم بدر، والظاهر أن قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ جَاءهُمْ } تفسير : [النحل: 113] الخ عنده كما هو عند الجمهور انتقال من التمثيل بهم إلى التصريح بحالهم الداخلة فيه وليس من تتمته فإنه على ما قيل خلاف المتبادر إلى الفهم. نعم كون خطاب النهي فيما بعد للمؤمنين بعيد غاية البعد، وجعله للكفار/ مع جعل خطاب الأمر السابق للمؤمنين بعيد أيضاً لكن دون ذلك. وادعى أبو حيان أن الظاهر أن خطاب النهي كخطاب الأمر للمكلفين كلهم، ونقل كون خطاب للنهي لهم عن العسكري، وكونه للكفار عن الزمخشري وابن عطية والجمهور، ولعل الأولى ما ذكره شيخ الإسلام إلا أن تقييد العذاب بالمستأصل ودعوى أن حال أهل مكة كحال أهل تلك القرية حذو القذة بالقذة من غير تفاوت بينهما ولو في خصلة فذة لا يخلو عن شيء من حيث أن أهل مكة لم يستأصلوا فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك. {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} تطيعون أو إن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادته سبحانه ومن قال؛ إن الخطاب للمؤمنين أبقى هذا على ظاهره أي إن كنتم تخصونه تعالى بالعبادة، والكلام خارج مخرج التهييج.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على الموعظة وضربِ المثل، وخوطب به فريق من المسلمين كما دلّ عليه قوله: {أية : إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة} تفسير : [سورة النحل: 114، 115] إلى آخره. ولعلّ هذا موجّه إلى أهل هجرة الحبشة إذ أصبحوا آمنين عند ملك عادل في بلد يَجدون فيه رزقاً حلالاً وهو ما يُضافون به وما يكتسبونه بكدّهم، أيْ إذا علمتم حال القرية الممثّل بها أو المعرّض بها فاشكروا الله الذي نجّاكم من مثل ما أصاب القرية، فاشكروا الله ولا تكفروه كما كفر بنعمته أهل تلك القرية. فقوله: {واشكروا نعمت الله} مقابل قوله في المثل: {أية : فكفرت بأنعم الله} تفسير : [سورة النحل: 112] إن كنتم لا تعبدون غيره كما هو مقتضى الإيمان. وتعليق ذلك بالشرط للبعث على الامتثال لإظهار صدق إيمانهم. وإظهار اسم الجلالة في قوله: {واشكروا نعمت الله} مع أن مقتضى الظاهر الإضمار لزيادة التذكير، ولتكون جملة هذا الأمر مستقلّة بدلالتها بحيث تصحّ أن تجري مجرى المثل. وقيل: هذه الآية نزلت بالمدينة (والمعنى واحد) وهو قول بعيد. والأمر في قوله: {فكلوا} للامتنان. وإدخال حرف التفريع عليه باعتبار أن الأمر بالأكل مقدمة للأمر بالشكر وهو المقصود بالتّفريع. والمقصود: فاشكروا نعمة الله ولا تكفروها فيحلّ بكم ما حلّ بأهل القرية المضروبة مثلاً. والحلال: المأذون فيه شرعاً. والطيّب: ما يطيب للناس طعمه وينفعهم قُوتهُ.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فكلوا: أي أيها الناس. حلالاً طيباً: أي غير حرام ولا مستقذر. واشكروا نعمة الله عليكم: أي بعبادته وبالانتهاء إلى ما أحل لكم عما حرمه عليكم. إن كنتم إياه تعبدون: أي إن كنتم تعبدونه وحده فامتثلوا أمره، فكلوا مما أحل لكم وذروا ما حرم عليكم. الميتة: أي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير تذكية شرعية. والدم: أي الدم المسفوح السائل لا المختلط باللحم والعظم. وما أهل لغير الله به: أي ما ذكر عليه غير اسم الله تعالى. غير باغٍ ولا عاد: أي غير باغ على أحد، ولا عادٍ أي متجاوز حد الضرورة. ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب: أي لا تحللوا ولا تحرموا بألسنتكم كذباً على الله فتقولوا هذا حلال وهذا حرام بدون تحليل ولا تحريم من الله تعالى. وعلى الذين هادوا: أي اليهود. حرمنا ما قصصنا عليك من قبل: أي في سورة الأنعام. معنى الآيات: امتن الله عز وجل على عباده، فأذن لهم أن يأكلوا مما رزقهم من الحلال الطيب ويشكروه على ذلك بعبادته وحده وهذا شأن من يعبد الله تعالى وحده، فإنه يشكره على ما أنعم به عليه، وقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} فلا تحرموا ما لم يحرم عليكم كالسائبة والبحيرة والوصيلة التي حرمها المشركون افتراء على الله وكذبا. وقوله {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} منكم أي خاف على نفسه ضرر الهلاك بالموت لشدة الجوع وكان {غَيْرَ بَاغٍ} على أحد ولا معتدٍ ما أحل له إلى ما حرم عليه فليأكل ما يدفع به غائلة الجوع ولا إثم عليه {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيغفر للمضطر كما يغفر للتائب ويرحم المضطر فيأذن له في الأكل دفعاً للضرر رحمة به كما يرحم من أناب إليه. وقوله: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} أي ينهاهم عن التحريم والتحليل من تلقاء أنفسهم بأن يصفوا الشيء بأنه حلالٌ أو حرامٌ لمجرد قولهم بألسنتهم الكذب: هذا حلال وهذا حرام كما يفعل المشركون فحللوا وحرموا بدون وحي إلهي ولا شرع سماوي. ليؤول قولهم وصنيعهم ذلك إلى الإِفتراء على الله والكذب عليه. مع أن الكاذب على الله لا يفلح أبداً لقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ} وإن تمتعوا قليلاً في الدنيا بمالٍ أو ولد أو عزةٍ وسلطان فإن ذلك متاع قليل جداً ولا يعتبر صاحبه مفلحاً ولا فائزاً. فإن وراء ذلك العذاب الآخروي الأليم الدائم الذي لا ينقطع. وقوله تعالى: {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} يخاطب الله تعالى رسوله فيقول: كما حرمنا على هذه الأمة المسلمة الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، حرمنا على اليهود ما قصصنا عليك من قبل في سورة الأنعام. إذ قال تعالى {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} تفسير : [الآية: 146]. وحرم هذا الذي حرم عليهم بسبب ظلمٍ منهم فعاقبهم الله فحرم عليهم هذه الطيبات التي أحلها لعباده المؤمنين. ولذا قال تعالى {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- يجب مقابلة النعم بالشكر فمن غير العدل أن يكفر العبد نعم الله تعالى عليه فلا يشكره عليها بذكره وحمده وطاعته بفعل محابه وترك مساخطه. 2- بيان المحرمات من المطاعم وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله. 3- بيان الرخصة في الأكل من المحرمات المذكورة لدفع غائلة الموت. 4- حرمة التحريم والتحليل بغير دليل شرعي قطعي لا ظني إلا ما غلب على الظن تحريمه. 5- حرمة الكذب على الله وأن الكاذب على الله لا يفلح في الآخرة وفلاحه في الدنيا جزيء قليل لا قيمة له.. هذا إن أفلح. 6- قد يحرم العبد النعم بسبب ظلمه فكم حرمت أمة الإِسلام من نعم بسبب ظلمها في عصور انحطاطها.
القطان
تفسير : {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَٱشْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}. بعد ان بين الله حال الجاحدين بنعمة الله وكيف عاقبهم، يقول للمؤمنين: اذا كان المشركون يكفرون بنعم الله فيبدّلها بؤساً وعذابا، فكلوا ما رزقكم الله من الحلال، واشكروه على ما أنعم عليكم ان كنتم تعبدونه بإخلاص. وبعد ان امرهم بالاكل من الحلال الطيب بيّن ما حرم عليهم فقال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة وفي الآية 4 من سورة المائدة بأوسع من ذلك. {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ}. ولا تحللوا ان تحرموا كذباً وزورا دون استناد الى دليل، لتفتروا الكذب على الله. ثم اوعد المفترين وهددهم اشد التهديد فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ}. ان الذين يختلقون الكذب على الله من عند انفسهم لا يفوزون بخير ولا فلاح. ثم بين ان ما يحصل لهم من المنافع بالافتراء على الله ليس شيئا مذكورا اذا قيس بالضرر الذي يحصل منه فقال: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. ان ما يحصلون عليه من الفوائد بسبب جرأتهم وكذبهم شيء قليل من المنافع يتمتعون به، ولهم في الآخرة عذاب شديد. {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. في هذه الآية اشارة الى ما تقدم في سورة النساء: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ...} تفسير : [النساء:160] وما ظلمناهم بتحريم ذلك عليهم ولكن ظلموا انفسَهم بمعصيتهم لربهم وتجاوزِهم حدوده. ثم بين الله تعالى ان الافتراء على الله وانتهاك حرماته لا يمنع من التوبة التي يتقبلها الله منهم، ويغفر لهم رحمة منه وتفضلا فقال: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ان الله تعالى غفور رحيم: {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} تفسير : [الانعام: 54]، فمن تاب واصلح فان يغفر له، وباب التوبة عنده مفتوح دائما للخاطئين.
د. أسعد حومد
تفسير : {حَلالاً} {نِعْمَتَ} (114) - فَكُلُوا يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ التِي أَحَلَّهَا لَكُمْ، وَذَرُوا مَا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الخَبَائِثِ، وَاشْكُرُوا رَبَّكُمْ عَلَى نِعَمِهِ وَآلاَئِهِ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، وَلاَ تُشْرِكُونَ مَعَهُ فِي العِبَادَةِ أَحَداً، فَهُوَ المَعْبُودُ المُنْعِمُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قُلْنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما اشتد الحال بأهل مكة حتى أكلوا الجيف، كان يرسل إليهم ما يأكلونه من الحلال الطيب رحمة منه صلى الله عليه وسلم بهم فيقول: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ..} [النحل: 114]. أي: أن هذا الرزق ليس من عندي، بل من عند الله. {حَلالاً طَيِّباً ..} [النحل: 114]. ذلك لأنهم كانوا قبل ذلك لا يتورَّعون عن أكل ما حرم الله، ولا عن أكل الخبيث، فأراد أن يُنبِّههم أن رِزْق الله لهم من الحلال الطيب الهنيىء، فيبدلهم الحلال بدل الحرام، والطيب بدل الخبيث. وقوله تعالى: {وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ..} [النحل: 114]. وهنا إشارة تحذير لهم أنْ يقعوا فيما وقعوا فيه من قَبْل من جُحود النعمة ونكْرانها والكفر بها، فقد جَرَّبوا عاقبة ذلك، فنزع الله منهم الأمْنَ، وألبسهم لباسَ الخوف، ونزع منهم الشِّبَع ورَغَد العيش، وألبسهم لباس الجوع، فخذوا إذن عبرة مما سلف: {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114]. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى عباده بأكل ما رزقهم الله من الحيوانات والحبوب والثمار وغيرها. { حَلالا طَيِّبًا } أي: حالة كونها متصفة بهذين الوصفين بحيث لا تكون مما حرم الله أو أثرا عن غصب ونحوه. فتمتعوا بما خلق الله لكم من غير إسراف ولا تَعَدٍّ. { وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ } بالاعتراف بها بالقلب والثناء على الله بها وصرفها في طاعة الله. { إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } أي إن كنتم مخلصين له العبادة، فلا تشكروا إلا إياه، ولا تنسوا المنعم. { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ } الأشياء المضرة تنزيها لكم، وذلك: كـ { الْمَيْتَةَ } ويدخل في ذلك كل ما كان موته على غير ذكاة مشروعة، ويستثنى من ذلك ميتة الجراد والسمك. { وَالدَّمَ } المسفوح وأما ما يبقى في العروق واللحم فلا يضر. { وَلَحْمَ الْخِنزيرِ } لقذارته وخبثه وذلك شامل للحمه وشحمه وجميع أجزائه. { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } كالذي يذبح للأصنام والقبور ونحوها لأنه مقصود به الشرك. { فَمَنِ اضْطُرَّ } إلى شيء من المحرمات -بأن حملته الضرورة وخاف إن لم يأكل أن يهلك- فلا جناح عليه إذا لم يكن باغيا أو عاديا، أي: إذا لم يرد أكل المحرم وهو غير مضطر، ولا متعد الحلال إلى الحرام، أو متجاوز لما زاد على قدر الضرورة، فهذا الذي حرمه الله من المباحات. { وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ } أي: لا تحرموا وتحللوا من تلقاء أنفسكم، كذبا وافتراء على الله وتقولا عليه. { لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ } لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا بد أن يظهر الله خزيهم وإن تمتعوا في الدنيا فإنه { مَتَاعٌ قَلِيلٌ } ومصيرهم إلى النار { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. فالله تعالى ما حرم علينا إلا الخبيثات تفضلا منه، وصيانة عن كل مستقذر. وأما الذين هادوا فحرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بسبب ظلمهم عقوبة لهم، كما قصه في سورة الأنعام في قوله: {أية : وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):