Verse. 2016 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

اِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَۃَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيْرِ وَمَاۗ اُہِلَّ لِغَيْرِ اللہِ بِہٖ۝۰ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَّلَا عَادٍ فَاِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۱۱۵
Innama harrama AAalaykumu almaytata waalddama walahma alkhinzeeri wama ohilla lighayri Allahi bihi famani idturra ghayra baghin wala AAadin fainna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم».

115

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه الآية إلى آخرها مذكورة في سورة البقرة مفسرة هناك ولا فائدة في الإعادة وأقول: إنه تعالى حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة في هذه السورة لأن لفظة: {إِنَّمَا } تفيد الحصر وحصرها أيضاً في هذه الأربعة في سورة الأنعام في قوله تعالى: { أية : قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ } تفسير : [الأنعام: 145] وهاتان السورتان مكيتان، وحصرها أيضاً في هذه الأربعة في سورة البقرة لأن هذه الآية بهذه اللفظة وردت في سورة البقرة وحصرها أيضاً في سورة المائدة فإنه تعالى قال في أول هذه السورة: { أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [المائدة: 1] فأباح الكل إلا ما يتلى عليهم. وأجمعوا على أن المراد بقوله: {عَلَيْكُمْ } هو قوله تعالى في تلك السورة: { أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } تفسير : [المائدة: 3] فذكر تلك الأربعة المذكورة في تلك السور الثلاثة ثم قال: { أية : وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } تفسير : [المائدة: 3] وهذه الأشياء داخلة في الميتة، ثم قال: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } وهو أحد الأقسام الداخلة تحت قوله: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } فثبت أن هذه السور الأربعة دالة على حصر المحرمات في هذه الأربع سورتان مكيتان، وسورتان مدنيتان، فإن سورة البقرة مدنية. وسورة المائدة من آخر ما أنزل الله تعالى بالمدينة، فمن أنكر حصر التحريم في هذه الأربع إلا ما خصه الإجماع والدلائل القاطعة كان في محل أن يخشى عليه، لأن هذه السورة دلت على أن حصر المحرمات في هذه الأربع كان شرعاً ثابتاً في أول أمر مكة وآخرها، وأول المدينة وآخرها وأنه تعالى أعاد هذا البيان في هذه السور الأربع قطعاً للأعذار وإزالة للشبهة، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : تقدم في «البقرة» القولُ فيها مستوفًى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ }.

ابن عطية

تفسير : حصرت {إنما} هذه المحرمات وقت نزول الآية، ثم نزلت المحرمات بعد ذلك وقرأ جمهور الناس: "الميْتة"، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: "الميّتة" وهذا هو الأصل وتخفيف الياء طارىء عليه، والعامل في نصبها {حرم}، وقرأت فرقة "الميتةُ" بالرفع على أن تكون {ما} بمعنى الذي. قال القاضي أبو محمد: وكون {ما} متصلة بـ {إن} يضعف هذا ويحكم بأنها حاصرة و {ما} كافة، وإذا كانت بمعنى الذي فيجب أن تكون منفصلة، وذلك خلاف خط المصحف، وقرأ الجمهور "حرم" على معنى حرم الله، وقرأت فرقة "حُرِّم" على ما لم يسم فاعله، وهذا برفع "الميتةُ" ولا بد. قال القاضي أبو محمد: و {الميتة} المحرمة هي ما مات من حيوان البر الذي له نفس سائلة حتف أنفه، وأما ما ليس له نفس سائلة كالجراد والبراغيث والذباب ودود التين وحيوان الفول وما مات من الحوت حتف أنفه وطفا على الماء ففيه قولان في المذهب، وما مات حتف أنفه من الحيوان الذي يعيش في الماء وفي البر كالسلاحف ونحوها ففيه قولان والمنع هنا أظهر إلا أن يكون الغالب عليه العيش في الماء {والدم} المحرم هو المنسفح الذي يسيل إن ترك مفرداً وأما ما خالط اللحم وسكن فيه فحلال طبخ ذلك اللحم فيه، ولا يكلف أحد تتبعه، ودم الحوت مختلف فيه وإن كان ينسفح لو ترك، {ولحم الخنزير} هو معظمه والمقصود الأظهر فيه، فلذلك خصه بالذكر، وأجمعت الأمة على تحريم شحمه وغضاريفه ومن تخصيصه استدلت فرقة على جواز الانتفاع بجلده إذا دبغ ولبسه، والأولى تحريمه جملة، وأما شعره فالانتفاع به مباح، وقالت فرقة ذلك غير جائز، والأول أرجح، وقوله: {وما أهل لغير الله به} يريد كل ما نوي بذبحه غير التقرب إلى الله والقرب إلى سواه، وسواء تكلم بذلك على الذبيحة أو لم يتكلم، لكن خَرجت العبارة عن ذلك بـ {أهلّ} ومعناه صحيح على عادة العرب وقصد الغض منها وذلك أنها كانت إذا ساقت ذبيحة إلى صنم جهرت باسم ذلك الصنم وصاحت به، وقوله: {فمن اضطر} قالت فرقة: معناه أكره وقال الجمهور: معناه اضطره جوع واحتياج، وقرأت فرقة "فمنُ" بضم النون "اضطُر" بضم الطاء، وقرأت فرقة "فمنِ" بكسر النون "اضطِر" بكسر الطاء، على أن الأصل اضطرت، فنقلت حركة الراء إلى الطاء وأدغمت الراء في الراء، وقالت فرقة: "الباغي" صاحب البغي على الإمام، أو في قطع الطريق وبالجملة في سفر المعاصي، و"العادي" بمعناه في أنه ينوي المعصية، وقال الجمهور: {غير باغ} معناه غير مستعمل لهذه المحرمات مع وجود غيرها، {ولا عاد} معناه لا يعدو حدود الله في هذا، وهذا القول أرجح وأعم في الرخصة، وقالت فرقة: {باغ} و {عاد} في الشبع والتزود، واختلف الناس في صورة الأكل من الميتة، فقالت فرقة: الجائز من ذلك ما يمسك الرمق فقط، وقالت فرقة: بل يجوز الشبع التام، وقالت فرقة منهم مالك رحمه الله: يجوز الشبع والتزود، وقال بعض النحويين في قوله {عاد} إنه مقلوب من عائد، فهو كشاكي السلاح وكيوم راح وكقول الشاعر: لأن بها الأشياء والعنبري، وقوله: {فإن الله غفور رحيم}، لفظ يقتضي منه الإباحة للمضطر، وخرجت الإباحة في هذه الألفاظ تحرجاً وتضييقاً في أمرها ليدل الكلام على عظم الخطر في هذه المحرمات، فغاية هذا المرخص له غفران الله له وحطه عنه ما كان يلحقه من الإثم لولا ضرورته. قال القاضي أبو محمد: وهذا التحريم الذي ذكرناه يفهمه الفصحاء من اللفظ وليس في المعنى منه شيء وإنما هو إيماء، وكذلك جعل في موضع آخر غايته أن لا إثم عليه، وإن كان لا إثم عليه وقوله هو له مباح يرجعان إلى معنى واحد فإن في هيئة اللفظين خلافاً.

ابن عادل

تفسير : قوله - تعالى -: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ} الآية وقد تقدَّم الكلام عليها في سورة البقرة، وحصر المحرَّمات في هذه الأشياء الأربعة مذكور عليها في سورة الأنعام؛ عند قوله - تعالى -: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} تفسير : [الأنعام: 145]، وفي سورة المائدة في قوله: {أية : أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [المائدة: 1]، وأجمعوا على أن المراد بقوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} هو قوله - تعالى - في سورة البقرة: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 173] وقوله - تعالى -: {أية : وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} تفسير : [المائدة: 3] فهذه الأشياء داخلة في الميتة. ثم قال - تعالى -: {أية : وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ}تفسير : [المائدة: 3] وهذا أحد الأقسام الداخلة تحت قوله {أية : وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 173]، فثبت أن هذه السُّور الأربعة دالَّة على حصر المحرَّمات، فيها سورتان مكِّيتان، وسورتان مدنيَّتان، فإن البقرة مدنيّة، وسورة المائدة من آخر ما أنزل الله تعالى بالمدينة، فمن أنكر حصر التحريم في هذه الأربعة، إلا ما خصَّه الإجماع والدلائل القاطعة كان في محلِّ أن يخشى عليه؛ لأن هذه السورة دلَّت على أن حصر المحرَّمات في هذه الأربعة كان مشروعاً ثابتاً في أول زمان مكَّة وآخره، وأول زمان المدينة وآخره وأنه - تعالى - أعاد هذا البيان في هذه السورة، قطعاً للأعذار وإزالة للرِّيبة. قوله - تعالى -: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ} الآية لما حصر المحرَّمات في تلك الأربعة، بالغ في تأكيد زيادة الحصر، وزيف طريقة الكفَّار في الزِّيادة على هذه الأشياء الأربعة تارة، وفي النُّقصان عنها أخرى؛ فإنَّهم كانوا يُحرِّمُونَ البَحيرةَ والسَّائبة والوَصِيلةَ والحَام، وكانوا يقولون: {أية : مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا} تفسير : [الأنعام: 139] فقد زادوا في المحرَّمات وزادوا أيضاً في المحلَّلات؛ لأنهم حلَّلوا الميتة، والدَّم، ولحم الخنزير، وما أهلَّ به لغير الله، فبيَّن - تعالى - أن المحرَّمات هذه هي الأربعة، وبيَّن أن الأشياء التي يقولون: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ، كذبٌ وافتراء على الله تعالى، ثم ذكر الوعيد الشديد على هذا الكذب. قوله: "الكَذِبَ" العامة على فتح الكاف، وكسر الذَّال، ونصب الباء، وفيه أربعة أوجه: أظهرها: أنه منصوب على المفعول به، وناصبه: "تَصِفُ"، و "مَا" مصدرية ويكون معمول القول الجملة من قوله: {هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ}، و "لِمَا تَصفُ" علّة للنَّهْي عن قول ذلك، أي: ولا تقولوا: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ؛ لأجل وصف ألسنتكم بالكذب، وإلى هذا نحا الزجاج [رحمه الله تعالى] والكسائي. والمعنى: لا تحلِّلُوا ولا تحرِّمُوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجَّة. فإن قيل: حمل الآية عليه يؤدِّي إلى التَّكرار؛ لأن قوله: {لِّتَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} عين ذلك. فالجواب: أن قوله: {لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ} ليس فيها بيان أنه كذبٌ على الله تعالى، فأعاد قوله: {لِّتَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} ليحصل فيه هذا البيان الزَّائد؛ ونظائره في القرآن كثيرة وهو أنه تعالى يذكر كلاماً، ثم يعيده بعينه مع فائدة زائدة. الثاني: أن ينتصب مفعولاً به للقول، ويكون قوله: "هذَا حَلالٌ" بدلاً من "الكَذِب"؛ لأنه عينه، أو يكون مفعولاً بمضمر، أي: فيقولوا: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ، و "لِمَا تَصِفُ" علَّة أيضاً، والتقدير: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم، وهل يجوز أن تكون المسألة من باب التَّنازع على هذا الوجه؛ وذلك أن القول يطلب الكذب، و "تَصِفُ" أيضاً يطلبه، أي: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم، وفيه نظر. الثالث: أن ينتصب على البدل من العائد المحذوف على "مَا"، إذا قلنا: إنَّها بمعنى الذي، والتقدير: لما تصفه، ذكر ذلك الحوفي وأبو البقاء رحمهما الله تعالى. الرابع: أن ينتصب بإضمار أعني؛ ذكره أبو البقاء، ولا حاجة إليه ولا معنى عليه. وقرأ الحسن، وابن يعمر، وطلحة: "الكَذبِ" بالخفض، وفيه وجهان: أحدهما: أنه بدلٌ من الموصول، أي: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب، أو للذي تصفه ألسنتكم الكذب، جعله نفس الكذب؛ لأنَّه هو. والثاني: - ذكره الزمخشري -: أن يكون نعتاً لـ "مَا" المصدرية. ورده أبو حيَّان: بأن النُّحاة نصُّوا على أن المصدر المنسبك من "أنْ" والفعل لا ينعت؛ لا يقال: يُعْجِبني أن تخرج السريع، ولا فرق بين باقي الحروف المصدرية وبين "أنْ" في النَّعت. وقرأ ابن أبي عبلة، ومعاذ بن جبل - رحمهما الله -: بضمِّ الكاف والذَّال، ورفع الباء صفة للألسنة، جمع كذوب؛ كصَبُور وصُبُر، أو جمع كَاذِب، كشَارِف وشُرُف، أو جمع كَذَّاب؛ نحو "كتَّاب وكُتُب"، وقرأ مسلمة بن محارب فيما نقله ابن عطيَّة كذلك، إلا أنه نصب الباء، وفيه ثلاثة أوجهٍ ذكرها الزمخشري: أحدها: أن تكون منصوبة على الشَّتم، يعني: وهي في الأصل نعت للألسنة؛ كما في القراءة قبلها. الثاني: أن تكون بمعنى الكلم الكواذب، يعني: أنها مفعول بها، والعامل فيها إما "تَصِفُ"، وإمَّا القول على ما مرَّ، أي: لا تقولوا الكلم الكواذب أو لما تصف ألسنتكم الكلم الكواذب. الثالث: أن يكون جمع الكذاب، من قولك: كذب كذاباً، يعني: فيكون منصوباً على المصدر؛ لأنه من معنى وصف الألسنة، فيكون نحو: كُتُب في جمع كِتَاب. وقد قرأ الكسائي: "ولا كِذَاباً" بالتخفيف، كما سيأتي في سورة النبأ إن شاء الله - تعالى -. واعلم أن قوله: {تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ} من فصيح الكلام وبليغه، كأن ماهيَّة الكذب وحقيقته مجهولة، وكلامهم الكذب يكشف عن حقيقة الكذب، ويوضِّح ماهيته، وهذه مبالغة في وصف كلامهم بكونه كذباً؛ ونظيره قول ابي العلاء المعريِّ: [الوافر] شعر : 3371- سَرَى بَرْقُ المَعرَّةِ بَعْدَ وَهْنٍ فَباتَ بِرامَةٍ يَصِفُ الكَلالا تفسير : المعنى: إذا سرى ذلك البرق يصف الكلال، فكذا هاهنا. فصل وروى الدَّارمي بإسناده عن الأعمش قال: "ما سمعت إبراهيم قط يقول: حلالاً ولا حراماً، ولكن كان يقول: كانوا يتكرَّهون، وكان يستحبُّون" وقال ابن وهب: قال مالك: لم يكن من فتيا النَّاس أن يقولوا: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ، ولكن يقولوا: إيَّاكم كذا وكذا، لم أكن لأصنع هذا، ومعنى هذا: أن التَّحليل والتَّحريم إنَّما هو لله - عز وجل - وليس لأحد أن يقول أو يصرِّح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يكون الباري - سبحانه وتعالى - فيخبر بذلك عنه، فأما ما يئول إليه اجتهاده، فإنه يحرم عليه أن يقول ذلك، بل يقول: إني أكره كما كان مالك - رضي الله عنه - يفعل. قوله: "لِتَفْتَرُوا" في هذه اللاَّم ثلاثة أوجه: أحدها: قال الواحدي: إنه بدلٌ من "لِما تَصِفُ"؛ لأن وصفهم الكذب هو افتراءٌ [على الله]. قال أبو حيَّان: "وهو على تقدير جعل "ما" مصدرية، أما إذا كانت بمعنى الذي، فاللاَّم فيها ليست للتَّعليل، فيبدل منها ما يفهم التعليل، وإنَّما اللام في "لِمَا" متعلِّقة بـ "لا تَقُولوا" على حدِّ تعلقها في قولك: لا تقولوا لما أحل الله هذا حرام، أي: لا تسمُّوا الحلال حراماً، وكما تقول: لا تقل لزيد: عمرو أي: لا تطلق عليه هذا الاسم". قال شهاب الدين: وهذا وإن كان ظاهراً، إلا أنه لا يمنع من إرادة التعليل وإن كانت بمعنى الذي. الثاني: أنها للصَّيرورة؛ إذ لم يفعلوه لذلك الغرض؛ لأن ذلك الافتراء ما كان غرضاً لهم. والمعنى: أنهم كانوا ينسبون ذلك التحريم والتحليل إلى الله - تعالى - ويقولون: إن الله أمرنا بذلك. قال ابن الخطيب: فعلى هذا تكون لام العاقبة؛ كقوله - تعالى -: {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَنا} تفسير : [القصص: 8]. الثالث: أنها للتعليل الصريح، ولا يبعد أن يصدر عنهم مثل ذلك. ثم إنَّه - تعالى - أوعد المفترين فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} ثم بيَّن أن ما هم فيه من [متاع] الدنيا يزول عنهم عن قربٍ، فقال: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} قال الزجاج: معناه: متاعهم قليلٌ. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بل متاع كلِّ الدنيا متاع قليل، ثم يردُّون إلى عذاب أليم. وفي "متاعٌ" وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ، و "قَليلٌ" خبره. وفيه نظر؛ للابتداء بالنَّكرة من غير مسوِّغ، فإن ادُّعي إضافة نحو: متاعهم قليلٌ، فهو بعيد جدًّا. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: بقاؤهم، أو عيشهم، أو منفعتهم فيما هم عليه.

السيوطي

تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏إنما حرم عليكم الميتة‏} ‏ قال‏:‏ إن الإسلام دين مطهر، طهره الله من كل سوء وجعل لك فيه يا ابن آدم سعة إذا اضطررت إلى شيء من ذلك‏.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} تعليلٌ لحِلّ ما أمرهم بأكله مما رزقهم، أي إنما حرم هذه الأشياءَ دون ما تزعُمون حرمتَه من البحائر والسوائبِ ونحوِها {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} بما اعتراه من الضرورة فتناول شيئاً من ذلك {غَيْرَ بَاغٍ} أي على مضطر آخرَ {وَلاَ عَادٍ} أي متجاوزٍ قدرَ الضرورة {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لا يؤاخذه بذلك، فأُقيم سببُه مُقامه، وفي التعرض لوصف الربوبـية إيماءٌ إلى علة الحكمِ وفي الإضافة إلى ضميره عليه السلام إظهارٌ لكمال اللطفِ به عليه السلام، وتصديرُ الجملة بإنما لحصر المحرماتِ في الأجناس الأربعة إلا ما ضُمّ إليه كالسّباع والحمُر الأهلية، ثم أكّد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم فقال: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ} اللامُ صلةٌ مِثلُها في قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ} تفسير : [البقرة: 154] أي لا تقولوا في شأن ما تصفه ألسنتُكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم: {أية : مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا} تفسير : [الأنعام: 139] من غير ترتب ذلك الوصفِ على ملاحظةٍ وفكر فضلاً عن استناده إلى وحي أو قياس مبنيَ عليه {ٱلْكَذِبَ} منتصب بلا تقولوا، وقولُه تعالى: {هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ} بدلٌ منه ويجوز أن يتعلق بتصفُ على إرادة القولِ، أي لا تقولوا لما تصف ألسنتُكم فتقولُ: هذا حلالٌ وهذا حرام، وأن يكون مَقولُ المقدرِ حالاً من ألسنتكم، أي قائلةً هذا حلال الخ، ويجوز أن ينتصب الكذبَ بتصف ويتعلق هذا حلال الخ بلا تقولوا، واللامُ للتعليل وما مصدريةٌ، أي لا تقولوا: هذا حلالٌ وهذا حرام لوصف ألسنتِكم الكذبَ أي لا تُحِلوا ولا تحرّموا لمجرد وصفِ ألسنتكم الكذبَ وتصويرِها له بصورة مستحسنة وتزيـينِها له في المسامع كأن ألسنتَكم لكونها منشأً للكذب ومنبعاً للزور شخصٌ عالمٌ بكنهه ومحيطٌ بحقيقته يصفه للناس ويعرِّفه أوضحَ وصفٍ وأبـينَ تعريف، على طريقة الاستعارة بالكناية كما يقال وجهُه يصفُ الجمالَ وعينُه تصف السحرَ، وقرىء بالجر صفةً (لما) مع مدخولها كأنه قيل: لوصفها الكذبِ بمعنى الكاذبِ كقوله تعالى: { أية : بِدَمٍ كَذِبٍ} تفسير : [يوسف، الآية 18] والمرادُ بالوصف وصفُها البهائمَ بالحل والحرمة، وقرىء الكُذُبُ جمع كَذوب بالرفع صفةٌ للألسنة وبالنصب على الشتم، أو بمعنى الكلِمِ الكواذب، أو هو جمعُ الكذاب من قولهم: كذب كذاباً ذكره ابن جني {لّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} فإن مدارَ الحِلّ والحُرمة ليس إلا أمرُ الله تعالى فالحكمُ بالحل والحرمةِ إسنادٌ للتحليل والتحريم إلى الله سبحانه من غير أن يكون ذلك منه، واللامُ لام العاقبة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} في أمر من الأمور {لاَ يُفْلِحُونَ} لا يفوزون بمطالبهم التي ارتكبوا الافتراءَ للفوز بها.

القشيري

تفسير : يُبَاحُ تناولُ المحرماتِ عند هجوم الضرورات حسب بيان الشرع، ولا يُرَخَّصُ في ذلك إلا على أوصاف مخصوصة، وبِقَدْرِ ما يَسُدُّ الرَّمق، كذلك عند استهلاكِ العبدِ بغلبات الحقيقة لا بدّ من رجوعه إلى حال الصحو بقدر ما يؤدى الفرض الواجب عليه، ثم لا يُمكَّن من التعريج في أَوْطان التفرقة والتمييز بعد مضي أوقات الصحو من أجل أداء الشرع، كما قيل: شعر : فإنْ تَكُ منه غيبة بعد غيبةٍ فإنَّ إليه بالوجود إيابي

اسماعيل حقي

تفسير : {انما حرم عليكم الميتة} اى اكلها وهى ما تلحقه الذكاة. وبالفارسية [مردار] فاللحم القديد المجلوب الى الروم من افلاق حرام لانهم انما يضربون رأس البقر بالمقمعة ولا يذكون {والدم} المسفوح اى المصبوب من العروق واما المختلط باللحم فمعفوا والاولى غسله {ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به} اى رفع الصوت للصنم به وذلك قول اهل الجاهلية باللات والعزى اى انما حرم هذه الاشياء دون ما تزعمون حرمته من البحائر والسوائب ونحوهما وتنحصر المحرمات فيها الا ما ضمه اليها دليل كالسباع والحمر الاهلية - روى - انه عليه السلام نهى عن اكل ذى مخلب من الطيور وكل ذى ناب من السباع - روى - خالد بن الوليد رضى الله عنه انه عليه السلام نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير. وفيه حجة لابى حنيفة على صاحبيه فى تحليلهما اكل لحوم الخيل وما روياه عن جابر رضى الله عنه انه قال نهى النبى عليه السلام عن لحوم الحمر الاهلية واذن فى لحم الخيل معارض لحديث خالد والترجيح للمحرم كذا فى حواشى الفاضل سنان جلبى. والاشارة ان الميتة جيفة الدنيا والحيوان هى الدار الآخرة ولو لم يكن للآخرة حباة لكانت جيفة [جيفهرا برى مرد كيش جيفه كويند نى براى بوى زشت وصورت قبيحة] فاعرف: وفى المثنوى شعر : آن جهان جون ذره ذره زنده اند نكته دانند وسخن كوينده اند ر جهان مرده شان آرام نيست كين علف جز لائق انعام نيست هر كرا كلشن بود بزم وطن كى خورد او باده اندر كولخن جاى روح باك عليين بود كرم باشد كش وطن سركين بود تفسير : وان الدم شهوات الدنيا. ولحم الخنزير الغيبة والحسد والظلم. وما اهل لغير الله به مباشرة كل عمل مباح لالله وللتقرب اليه بل لهوى النفس وطلب حظوظها كما فى التأويلات النجمية {فمن اضطر} الاضطرار الاحتياج الى الشئ واضطراه اليه احوجه والجأه فاضطر بضم الطاء والضرورة الحاجة. قال الكاشفى [بس هركه بيجاره شود ومحتاج كردد بخوردن يكى از محرمات] فتناول شيئا من ذلك حال كونه {غير باغ} اى على مضطر آخر بالاستئثار عليه فان هلاك الآخر ليس باولى من هلاكه فهو حال من فعل مقدر كما اشير اليه. والباغى من البغى يقال بغى عليه بغيا علا وظلم {ولا عاد} اى متجاوز قدر الضوررة وسد الجوع يقال عدا الامر وعنه جاوزه {فان الله غفور رحيم} اى لا يؤاخذه بذلك فاقيم سببه مقامه. قال فى التأويلات النجمية {فمن اضطر} الى نوع منها مثل طلب القوت بالكسب الحلال او التأهل للتوالد والتناسل او الاختلاط مع الخلق للمناصحة والامر بالمعروف والنهى عن المنكر وغير ذلك من ابواب البرغير معرض عن طلب الحق ولا مجاوز عن حد الطريقة {فان الله غفور} لما اضطروا اليه {رحيم} على الطالبين بان يبلغهم مقاصدهم. واعلم ان مواضع الضرورة مستثناة ولذا قال فى التهذيب يجوز للعليل شرب البول والدم للتداوى اذا اخبره طبيب مسلم ان شفاءه فيه ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه. واجاز بعضهم استشارة اهل الكفر فى الطب اذا كانوا من اهله كما فى انسان العيون. والاولى التجنب عنه لان المؤمن ولى الله والكافر عدو الله ولا خير لولى من عدو الله فلا بد للمريض من المراجعة الى المجالس واهل الوقوف والتجربة: قال الصائب: شعر : بى دردان علاج دردخون جستن بآن ماند كه خار از بابرون آردكسى بانيش عقربها تفسير : وفى الاشباه يرخص للمريض التداوى بالنجاسات وبالخمر على احد القولين واختار قاضيخان عدمه واساغة اللقمة بها اذا غص اتفاقا واباحة النظر للطبيب حتى للعورة والسوءتين انتهى. قال الفقيه ابو الليث رحمه الله يستحب للرجل ان يعرف من الطب مقدار ما يمتنع به عما يضر ببدنه انتهى. - روى - عن على كرم الله وجهه انه قال لحم البقر داء ولبنها شفاء وسمنها دواء وقد صح عن النبى عليه السلام انه ضحى عن نسائه بالبقر. قال الحليمى هذا ليبس الحجاز ويبوسه لحم البقر ورطوبة لبنها وسمنها فكأنه يرى اختصاص ذلك به وهذا التأويل مستحسن والا فالنبى عليه السلام لا يتقرب الى الله تعالى بالداء فهو انما قال ذلك فى البقر كما قال "حديث : عليكم بألبان البقر وسمنانها واياكم ولحومها فان ألبانها وسمنانها دواء وشفاء ولحومها داء"تفسير : لتلك اليبوسة. وجوبا آخر انه ضحى بالبقر لبيان الجواز او لعدم تيسر غيره كذا فى المقاصد الحسنة للامام السخاوى.

الطوسي

تفسير : قد بينا تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة وهو ان الله حرم الميتة، وهو ما لم يذكّ مما فيه نفس سائلة. {ولحم الخنزير} وبينا أن الخنزير جميعه حرام، وانما خص اللحم تغليظاً، {وما أهل لغير الله به} والمعنى ما ذكر غير الله على تذكيته، لانهم كانوا يذبحونها للاصنام، ثم استثنى المضطر الى تناول ذلك خوف التلف، فأباح جميع ذلك له، واستثنى من المضطرين البغاة، فلم يبحها لهم، وقد بينا الخلاف فيه، وان قول مجاهد وما ذهب اليه أصحابنا هو من خرج على امام عادل. وقال قوم: معناه غير باغ بذلك الشبع والتقوي به على معصية {ولا عاد} اي يتعدى فيه ما يجوز له. وفي تفسيرنا: أن معنى ولا عاد ما ذهب اليه الحسن، وغيره ان الذي يخرج للاعتداء على الناس من قطاع الطريق، فانهم لا يرخّصون ان يأكلوا، ذلك على وجه. ثم اخبر {فإن الله غفور رحيم} اي ستار على عباده معاصيهم {رحيم} بهم بأن يغفرها لهم، بالتوبة تارة وتفضلا منه ابتداء تارة أخرى، والمعنى إِنه لا يعاقب من تناول ما حرم عليه في حال الضرورة. والاهلال رفع الصوت بالكلام، ومنه الهلال لرفع الصوت بالتكبير عند رؤيته وشبه به صوت الصبي عند الولادة وكل ما ذكر عليه اسم معبود غير الله لا يحل أكله.

اطفيش

تفسير : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} رفع الصوت لغير الله به، كقول المشرك عند الذبح أو النحر باسم اللات أو باسم العزى فإِن رفع الصوت باسم غير الله فى التذكية رفع بالمذكى لأَن الاسم ذكر فى شأنه أو كانوا يذكرون اسم المذكور ويرفعون به صوتهم ويتقربون به للصنم {فَمَن اضْطُرَّ} الحى إِلى أكل ذلك بالجوع المودى إِلى موت أو زوال عضو أو منفعته {غَيْرَ بَاغٍ} على مضطر مثله {وَلاَ عَادٍ} مجاوز فى الأكل قدر الضرورة المنجية {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وتقدم الكلام على الآية فى محله، ثم أكد حصر المحرمات بالنهى عن التحليل والتحريم بأهوائهم وجهالاتهم دون اتباع ما شرع الله على لسان نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتِكُمُ الْكَذِبَ}.

اطفيش

تفسير : {إِنّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} رفع الصوت به عند الذكاة لغير الله وحده، أو لغير الله مع الله، والحصر إضافى معتبر فيه البحيرة، وما معها كأنه قيل: إنما حرم عليكم الميتة إلخ لا البحيرة إلخ فلا يشكل باقى المحرمات، ويمكن دخول ما بقى فى المائدة فى الميتة هنا. وعن خالد بن الوليد: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحُمُر والبغال والخيل. وعن جابر بن عبد الله: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحُمُر الأهلية، وأذن فى لحم الخيل، فيقال: منع من الحُمُر للإنجاس، فلو صينت لحلت، ونهى عن لحم الخيل لتبقى للقتال، وهو فى نفسه حلال، ونهى صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذى مخلب من الطيور، وكل ذى ناب من السباع، وقيل: الحصر حقيقى، وما فى المائدة داخل هنا كما رأيت، فيحل القرد والفيل، والحمر، والبغال، والخيل، وسباع الطير، والوحش وما ورد فيها النهى، فتنزيه لا تحريم، أو وجه كما رأيت. {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} إِلى أكل من بعض تلك المحرمات. وكذا غيرها من سائر المحرمات. {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ} له فى أكله {رَحِيمٌ} عليه بها، وأفهمت الآية أنه إن اضطر هو باغيًا على مضطر آخر ينزع عنه ما وجد من ذلك. أو باغيًا بقطع طريق، أو خروج عن والٍ محق، أو اضطر متعديًا إِلى أكثر من سد الرمق يأكل أكثر، أو استصحاب منها ونحو ذلك من سفر المعصية لم يبح له الأكل، وإن تاب الباغى أو العادى حل له سد الرمق من ذلك، والله يقول بالآية السابقة: إن المحرم ما حرمه الله جل وعلا، لا ما تصفه ألسنتكم بالحرمة من عند أنفسكم فانتهوا عن التشرع بما لم يأذن به الله عز وجل كما قال: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتِكُمُ} لا تقولوا فى شأن وصف ألسنتكم {الْكَذِبَ} مفعول لتصف كأن كلامهم أصل فى الكذب مبين لمطلقه كما تقول وجهها يصف الحسن، وعينها يصف السحر، وليس حقيقة الكذب وراء ذلك، ولا يجوز أن يكون بدل اشتمال من هاء تصفه إن قدرت إلا على ضعف، فالأولى خلافه، وما مصدرية، وإن جعلناها اسما فالمفعول محذوف أى فيما تصفه، والكذب مفعول لتقولوا بمعنى تذكروا، وأيضًا الكذب مراد به الجملة، فصح نصبه بالقول بلا تأويل بالذكر، ألا ترى أنه أبدله منه الجملة وهى قوله: {هَذَا} كالميتة والدم {حَلاَلٌ وَهَذَا} كالبحيرة {حَرَامٌ} أو هو مفعول لتصف ألسنتكم، وهذا حلال إلخ مفعول لتقولوا، والجملة المحكية بالقول مطلقًا مفعول به، أو مفعول مطلق، فإن معنى قلت: قام زيد قلت قولا هو قولك: قام زيد، ووجه المفعول أن المعنى أحدثت قولك: قام زيد أو يقدر تقولوا هذا حلال وهذا حرام، وهذا القول المقدر بيان للقول المذكور. {لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ} إِنه حلل كذا أو حرّم كذا، واللام للعاقبة بمعنى أن مرجع قولهم إلى اتضاح أنه افتراء، وببعد قصد التعليل، لأن المعنى عليه فقوله هذا حلال، وهذا حرام، لأجل أن نكون كاذبين على الله عز وجل، ولا فائدة لهم فى قصد هذا، ولا يسوغه قولهم: الله أمرنا بها إلا على قصد ما ينجر إليه قولهم: إنا نفترى على الله فيؤخذ قولنا، والكذب مفعول مطلق لتفتروا، أو مفعول به لتفتروا، ولا يتكرر قوله: لتفتروا مع قوله: لما تصف، لأنه ليس فى قوله: {لما تصف ألسنتكم الكذب} بمعنى أن كذب على الله، وأَيضًا لام العاقبة ليست بمعنى فى مجاز تعليقهما معاً فتقولوا: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} فى الدنيا ولا فى الآخرة.

الالوسي

تفسير : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} تعليل لحل ما أمرهم بأكله مما رزقهم، والحصر إضافي على ما قال غير واحد أي إنما حرم أكل هذه الأشياء دون ما تزعمون من البحائر والسوائب ونحوها فلا ينافي تحريم غير المذكورات كالسباع والحمر الأهلية، وقيل: الحصر على ظاهره والسباع ونحوها لم تحرم قبل وإنما حرمت بعد وليس الحصر إلا بالنظر إلى الماضي، وقال الإمام: "إنه تعالى حصر المحرمات في الأربع في هذه السورة وفي سورة الأنعام [145] بقوله سبحانه: {أية : قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } تفسير : الخ وهما مكيتان وحصرها فيها أيضاً في البقرة [173] وكذا في المائدة [1] فإنه تعالى قال فيها: {أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : فأباح الكل إلا ما يتلى عليهم، وأجمعوا على أن المراد بما يتلى هو قوله تعالى في تلك السورة: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } تفسير : [المائدة: 3] وما ذكره تعالى من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع داخل في الميتة وما ذبح على النصب داخل فيما أهل به لغيره الله، فثبت أن هذه السور الأربع دالة على حصر المحرمات في هذه الأربع، وسورتا النحل والأنعام مكيتان وسورتا البقرة والمائدة مدنيتان، والمائدة من آخر ما نزل بالمدينة فمن أنكر حصر التحريم في الأربع إلا ما خصه الإجماع والدلائل القاطعة كان في محل أن يخشى عليه لأن هذه السور دلت على أن حصر المحرمات فيها كان مشروعاً ثابتاً في أول أمر مكة وآخرها وأول المدينة وآخرها، وفي إعادة البيان قطع للأعذار وإزالة للشبه اهـ فتفطن ولا تغفل. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} أي دعته ضرورة المخمصة إلى تناول شيء من ذلك {غَيْرَ بَاغٍ} على مضطر آخر {وَلاَ عَادٍ} متعد قدر الضرورة وسد الرمق {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لا يؤاخذه سبحانه بذلك فأقيم سببه مقامه، ولتعظيم أمر المغفرة والرحمة جيء بالاسم الجليل، وقد سها شيخ الإسلام فظن أن الآية {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 145] فبين سر التعرض لوصف الربوبية والإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم وسبحان من لا يسهو. واستدل بالآية على أن الكافر مكلف بالفروع، ثم إنه تعالى أكد ما يفهم من الحصر بالنهي عن التحريم والتحليل بالأهواء فقال عز قائلاً: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ...}.

ابن عاشور

تفسير : هذه الجملة بيان لمضمون جملة {أية : فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً} تفسير : [سورة النحل: 114] لتمييز الطيّب من الخبيث، فإن المذكورات في المحرّمات هي خبائث خُبثاً فطرياً لأن بعضها مفسد لتولد الغذاء لما يشتمل عليه من المضرّة. وتلك هي الميتة، والدم، ولحم الخنزير؛ وبعضها مناففٍ للفطرة وهو ما أهلّ به لغير الله لأنه مناففٍ لشكر المنعم بها، فالله خلق الأنعام، والمشركون يذكرون اسم غير الله عليها. ولإفادة بيان الحلال الطيّب بهذه الجملة جيء فيها بأداة الحصر، أي ما حرّم عليكم إلا الأربعَ المذكورات، فبقي ما عداها طيّباً. وهذا بالنظر إلى الطيِب والخُبث بالذات. وقد يعرض الخبث لبعض المطعومات عرضاً. ومناسبة هذا التحديد في المحرّمات أن بعض المسلمين كانوا بأرض غُربة وقد يؤكل فيها لحم الخنزير وما أهلّ به لغير الله، وكان بعضهم ببلد يؤكل فيه الدم وما أهلّ به لغير الله. وقد مضى تفسير نظير هذه الآية في سورة البقرة والأنعام.

د. أسعد حومد

تفسير : (115) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى مَا حَرَّمَ عَلَى المُؤْمِنينَ مِنَ الطَّعَامِ مِمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَدُنْيَاهُمْ، مِنَ المَيْتَةِ وَلَحْمِ الخِنْزِيرِ وَالدَّمِ المَسْفُوحِ، وَمَا ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ. فَمَنْ اضَطُرَّ إِلَى أَكْلِ شَيءٍ مِنْ هذِهِ الأَشْيَاءِ المُحَرَّمَةِ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فِي حُدُودِ إِزَالَةِ الضَّرُورَةِ، لِيَقِيَ نَفْسَهُ الهَلاَكَ، وَدُونَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّداً العُدْوَانَ وَالبَغْيَ، وَتَجَاوُزَ مَا حَرَّمَ اللهُ، فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. الدَّمَ المَسْفُوحَ - السَّائِلَ أَوِ المُهْرَاقَ. لَحْمَ الخِنْزِيرِ - بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ. أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ - ذُكِرَ عِنْدَ ذَبْحِهِ اسْمٌ غَيْرُ اسْمِ اللهِ. اضْطُرَّ - أَلْجَأَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلى التَّنَاوُلِ مِنْهُ. غَيْرَ بَاغٍ - غَيْرُ طَالِبٍ لِلْحَرَامِ لِلَذَّةٍ. عَادٍ - مُتَجَاوِزٍ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ، وَيُزِيلُ الضَّرُورَةَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى بعد أنْ قال: {أية : فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلالاً طَيِّباً ..} تفسير : [النحل: 114]. أراد أن يُكرِّر معنًى من المعاني سبق ذكره في البقرة والمائدة، فقال في البقرة: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [البقرة: 173]. وقال تعالى في سورة المائدة: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ..} تفسير : [المائدة: 3]. وهذه الأشياء كنتم تأكلونها وهي مُحرّمة عليكم، والآن ما دُمْنَا ننقذكم، ونجعل لكم معونة إيمانية من رسول الله، فكلوا هذه الأشياء حلالاً طيباً. ولكن، لماذا كرَّر هذا المعنى هنا؟ التكرار هنا لأمرين: الأول: أنه سبحانه لا يريد أنْ يعطيهم صورة عامة بالحكم، بل صورة مُشخَّصة بالحالة؛ لأنهم كانوا جَوْعى يريدون ما يأكلونه، حتى وإنْ كانت الجيف، ولكن الإسلام يُحرِّم الميتة، فأوضح لهم أنكم بعد ذلك ستأكلون الحلال الطيب. ثانياً: أن النص يختلف، ففي البقرة: {أية : وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 173]. وهنا: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ..} [النحل: 115]. وليس هنا من قبيل التفنُّن في الأسلوب، بل المعنى مختلف تماماً؛ ذلك لأن الإهلال هو رَفْع الصوت عند الذبح، فكانوا يرفعون أصواتهم عند الذبح، ولكن والعياذ بالله يقولون: باسم اللات، أو باسم العُزّى، فيُهلون بأسماء الشركاء الباطلين، ولا يذكرون اسم الله الوهاب. فمرَّة يُهلُّون به لغير الله، ومرة يُهِلُّون لغير الله به. كيف ذلك؟ قالوا: لأن الذبْح كان على نوعين: مرة يذبحون للتقرُّب للأصنام، فيكون الأصل في الذبح أنه أُهِلَّ لغير الله به. أي: للأصنام. ومرَّة يذبحون ليأكلوا دون تقرُّب لأحد، فالأصل فيه أنه أُهِلَّ به لغير الله. إذن: تكرار الآية لحكمة، وسبحان مَنْ هذا كلامه. وقوله: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ..} [النحل: 115]. الاضطرار: أَلاَّ تجد ما تأكله، ولا ما يقيم حياتك. والحق سبحانه وتعالى يعطينا هنا رخصة عندما تُلجِئنا الضرورة أن نأكل من هذه الأشياء المحرَّمة بقدر ما يحفظ الحياة ويسُدُّ الجوع، فمَعنى (غَيْر بَاغٍ) غير مُتجاوزٍ للحدِّ، فلو اضطررْتَ وعندك مَيْتة وعندك طعام حلال، فلا يصحّ أن تأكل الميتة في وجود الحلال. {وَلاَ عَادٍ} [النحل: 115]. أي: ولا مُعْتَدٍ على القدر المرخَّص به، وهو ما يمسك الحياة ويسُدُّ جوعك فقط، دون شِبَع منها. ويقول تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 115]. وفي البقرة: {أية : فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ..} تفسير : [البقرة: 173]. فالمعنى واحد، ولكن هنا ذكر المغفرة والرحمة، وهناك ذكر سببهما. وتجد الإشارة هنا إلى ما يتشدَّق به البعض من الملاحدة الذين يبحثون في القرآن عن مَغْمز، فيقولون: طالما أن الله حرَّم هذه الأشياء، فما فائدتها في الكون؟ نقول: أتظنون أن كل موجود في الكون وُجِد ليُؤكل، أليس له مهمة أخرى؟ ومن ورائه مصلحة أخرى غير الأَكْل، فإنْ حرَّم الإسلام أكْله فقد أباح الانتفاع به من وجه آخر. فالخنزير مثلاً حَرَّم الله أكْله، ولكن خلَقه لمهمة أخرى، وجعل له دَوْراً في نظافة البيئة، حيث يلتهم القاذورات، فهو بذلك يُؤدِّي مهمة في الحياة. وكذلك الثعابين لا نأكلها، ولها مهمة في الحياة أيضاً، وهي أنْ تُجهِّز لنا السُّم في جوفها، وبهذا السم تعالج بعض الداءات والأمراض، وغير ذلك من الأمثلة كثير. وكذلك يجب أنْ نعلمَ أن الحق سبحانه ما حرَّم علينا هذه الأشياء إلا لحكمة، وعلى الإنسان أن يأخذ من واقع تكوينه المادي وتجاربه ما يُقرِّب له المعاني القيمية الدينية، فلو نظر إلى الآلات التي تُدار من حوله من ماكينات وسيارات وطائرات وخلافه لوجد لكل منها وقوداً، ربما لا يناسب غيرها، حتى في النوع الواحد نرى أن وقود السيارات وهو البنزين مثلاً لا يناسب الطائرات التي تستخدم نفس الوقود، ولكن بدرجة نقاء أعلى. إذن: لكل شيء وقود مناسب، وكذلك أنت أيها الإنسان لك وقودك المناسب لك، وبه تستطيع أداء حركتك في الحياة، وأنت صَنْعة ربك سبحانه، وهو الذي يُحدِّد لك ما تأكله وما لا تأكله، ويعلم ما يُصلحك وما يضرُّك. والشيء المحرَّم قد يكون مُحرَّماً في ذاته كالميتة لما فيها من ضرر، وقد يكون حلالاً في ذاته، ولكنه مُحرَّم بالنسبة لشخص معين، كأن يُمنعَ المريض من تناول طعام ما؛ لأنه يضرُّ بصحته أو يُؤخِّر شفاءه، وهو تحريم طارىء لحين زوال سببه. وصورة أخرى للتحريم، وهي أن يكون الشيء حلالاً في ذاته ولا ضررَ في تناوله، ومع ذلك تحرمه عقوبةً، كما تفعل في معاقبة الطفل إذا أساء فنحرمه من قطعة الحلوى مثلاً. إذن: للتحريم أسباب كثيرة، سوف نرى أمثلة منها قريباً. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا ...}.

الجيلاني

تفسير : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ} أي: اعلموا ما حرَّم عليكم ربكم في دينكم إلاَّ الميتة المائتة حتف أنفه بلا تزكية وتسمية {وَٱلْدَّمَ} المسفوح السائل من الحيوانات المباحة {وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} وسُمِّي عليه من أسماء الأصنام {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} منكم أيها المؤمنون إلى أكل هذه المحرمات، حال كونه {غَيْرَ بَاغٍ} خارج على السلطان العادل، المقيم للشرائع والأحكام {وَلاَ عَادٍ} مجاوزٍ عن الحدود الشرعية لغرضٍ فاسدٍ من أنواع المعاصي، وقطع الطريق والإباق {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على سرائر عباده وضمائرهم {غَفُورٌ} يستر زلتهم الاضطرارية {رَّحِيمٌ} [النحل: 115] يقبل توبتهم عنها. ثمَّ نهاهم سبحانه عن التقويل بالأقوال الفاسدة من تلقاء أنفسهم، ومقتضى أهوائهم، كما يقول المشركون المسرفون، فقال: {وَلاَ تَقُولُواْ} أيها المتدينون بدين الإسلام المنزل على خير الأنام {لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ} أي: شيء نصف ومراءً، بأن تقولوا: {هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ} وتنسبوه إلى الله {لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} تزينناً لقولكم الباطل، وترويجاً له، كما قالوا: {أية : مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا}تفسير : [الأنعام: 139]، {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ} وينسبون {عَلَىٰ ٱللَّهِ} المنزه عن مطلق الأباطيل {ٱلْكَذِبَ} ظلماً وزوراً {لاَ يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] ولا يفوزون بخير الدارينز إذ نفعهم فيما يفترون ويكذبون {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} ومنفعةً صغيرةً لا اعتداد بها {وَلَهُمْ} بسبب ذلك في النشأة الأخرى {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 117] مؤلمٌ مؤيدٌ لا نجاة لهم منه أصلاً. {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} في سورة الأنعام، حيث قلنا: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}تفسير : [النعام: 146] {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} في تحريم ما حرمنا عليهم {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118] أي: هم يظلمون أنفسهم بارتكاب المعاصي والمناهي، وترك المأمورات والمندوبات؛ لذلك عُوقبوا وأُخذوا بما أُخذوا. {ثُمَّ} بشِّر سبحانه على عموم أصحاب المعاصي والآثام بالعفو والمغفرة، والشفقة عليهم بعدما تابوا وندموا عما هم عليهم مخلصين، فقال لحبيبه: {إِنَّ رَبَّكَ} الذي يعثك يا أكمل الرسل إلى كافة البرايا بشيراً ونذيراً، يحسن ويرحم {لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ} أي: الفعلة القبيحة، والديدنة الشنيعة المذمومة في الشرع، مع كونهم في حين ارتكابها ملتبسين {بِجَهَالَةٍ} ناشئةٍ من عدم التدبر والتأمل بوخامة عواقبها شرعاً مع تدينهم، وقبولهم بأحكام الشريعة، وكانوا ممن لا يؤمن، ولا يقبل ما رود به الشرع {ثُمَّ تَابُواْ} وندموا {مِن بَعْدِ} ارتكاب {ذَلِكَ} السوء {وَأَصْلَحُوۤاْ} بالتوبة والاستغفار ما أفسدوا على نفوسهم بالفساد والإصرار {إِنَّ رَبَّكَ} المحسن المفضل على التائب المخلص {مِن بَعْدِهَا} أ ي: بعد التوبة والندم {لَغَفُورٌ} يستر ذلتهم {رَّحِيمٌ} [النحل: 119] يقبل توبتهم. ثمَّ أشار سبحانه إلى فضائل خليله - صلوات الرحمن عليه وسلامه - وكمال كرامته، نجابة فطرته، وطهارة أصله وطينته، وعلو شأ،ه ورتبته، وارتفاع قدره ومنزلته - فقال: {إِنَّ} جدّك يا أكمل الرسل {إِبْرَاهِيمَ} الذي اختاره الله لخلته، واصطفاه لرسالته {كَانَ أُمَّةً} أي: إماماً مقتدىً، لائقاً للقدوة بالأمور الدينية؛ لأنه كان {قَانِتاً} مطيعاً {لِلَّهِ} راغباً إلى امتثال مأموراته، واجتناب منهياته {حَنِيفاً} مائلاً عن الأديان الباطلة، والآراء الفاسدة {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] في حالٍ من الأحوال. بل هو رأس الموحدينن، ورئيس التحقق واليقين {شَاكِراً لأَنْعُمِهِ} أي: صارفاً لنعم الله إلى ما خلقه سبحانه لأجله على الوجه الأعدل الأقوم بلا تبذيرٍ وتقتيرٍ، طالباً فيه رضاء الله بلا شائبةٍ من الرياء والسمعة؛ لذلك {ٱجْتَبَاهُ} واختاره للرسالة العامة {وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [النحل: 121] موصلٍ إلى توحيده بلا عوجٍ وانحرافٍ. {وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا} من لدنا تفضلاً عليه وإحساناً {حَسَنَةً} صورية إلى حيث لا تنقطع آثار إنفاقه وجُوده إلى يوم القيامة {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [النحل: 122] لقبولنا، الواصلين إلى صفاء توحيدنا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ} [النحل: 115] أن تطلبوه من غيره وهو {ٱلْمَيْتَةَ} [النحل: 115] أي: جيفة الدنيا {وَٱلْدَّمَ} [النحل: 115] أي: شهواتها {وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ} [النحل: 115] أي: الغيبة والحسد والظلم والمظالم {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} [النحل: 115] وهو مباشرة عمل مباح لا لله ولا للتقرب إليه، بل لهوى النفس وطلب حظوظها {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} [النحل: 115] إلى نوع منها مثل طلب القوت بالكسب الحلال والتأهل للتوالد والتناسل أو الاختلاط مع الخلق للمناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من أبواب البر {غَيْرَ بَاغٍ} [النحل: 115] أي: غير معرض عن طلب الخلق {وَلاَ عَادٍ} [النحل: 115] أي: مجاوز عن حد الطريقة {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 115] أي: مجاوز عن حد الطريقة {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} [النحل: 115] لما اضطروا إليه {رَّحِيمٌ} [النحل: 115] على الطالبين بأن يبلغهم مقاصدهم. وفي قوله: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ} [النحل: 116] إشارة إلى ما تقولت النفوس بالحسنات والغرور: إنا قد بلغنا إلى مقام يكون علينا بعض المحرمات الشرعية حلالاً، وبعض المحللات حرماً {لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} [النحل: 116] إنه أعطانا هذا المقام كما هو من عادة أهل الإباحة {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} [النحل: 116] إنه أعطانا هذا المقام كما بإعطاء مقام وحال لم يعطهم بعد {لاَ يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] بأن يعطيهم أبداً والله أعلم. {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} [النحل: 117] أي: التمتع بما يفترون على الله يكون زماناً قليلاً في الدنيا {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 117] بالحرمان عن مقاصدهم وجزاء الافتراء. وفي قوله: {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} [النحل: 118] إشارة إلى أهل الطلب يعمي أنهم لما توجهوا إلى حضرتنا بصدق الطلب حرمنا عليهم موانع الوصول وهي {مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} أي: أشرنا إليك بتحريمها على نفسك في بدء نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} [النحل: 118] بتحريم ذلك عليهم، بل أنعمنا به عليهم {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118] بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا بتسويل النفس وسوسة الشيطان. {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ} [النحل: 119] وهو الإعراض {بِجَهَالَةٍ} أي: بجهالة قدر الإقبال على الله، وإثم الإعراض عنه {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ} [النحل: 119] أي: رجعوا عن الإعراض، وأقبلوا على الله بصدق الطلب وإخلاص العمل {ۤاْ} [النحل: 119] بالإقبال ما أفسدوا بالإعراض {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} [النحل: 119] أي: بعد المراجعة والإصلاح {لَغَفُورٌ} [النحل: 119] متدارك بصفة المغفرة ما فاتهم من كمالات المعرفة {رَّحِيمٌ} [النحل: 119] بهم أن يدخلهم في رحمته بجذبات عنايته.