Verse. 2017 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَلَا تَــقُوْلُوْا لِمَا تَصِفُ اَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ ھٰذَا حَلٰلٌ وَّھٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوْا عَلَي اللہِ الْكَذِبَ۝۰ۭ اِنَّ الَّذِيْنَ يَفْتَرُوْنَ عَلَي اللہِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُوْنَ۝۱۱۶ۭ
Wala taqooloo lima tasifu alsinatukumu alkathiba hatha halalun wahatha haramun litaftaroo AAala Allahi alkathiba inna allatheena yaftaroona AAala Allahi alkathiba la yuflihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم» أي لوصف ألسنتكم «الكذب هذا حلال وهذا حرام» لما لم يحله الله ولم يحرمه «لتفتروا على الله الكذب» بنسبة ذلك إليه «إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون».

116

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حصر المحرمات في تلك الأربع بالغ في تأكيد ذلك الحصر وزيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه الأربع، وفي النقصان عنها أخرى، فإنهم كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكانوا يقولون ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، فقد زادوا في المحرمات وزادوا أيضاً في المحللات وذلك لأنهم حللوا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله تعالى، فالله تعالى بين أن المحرمات هي هذه الأربعة، وبين أن الأشياء التي يقولون إن هذا حلال وهذا حرام كذب وافتراء على الله، ثم ذكر الوعيد الشديد على هذا الكذب، وأقول: إنه تعالى لما بين هذا الحصر في هذه السور الأربع، ثم ذكر في هذه الآية أن الزيادة عليها والنقصان عنها كذب وافتراء على الله تعالى وموجب للوعيد الشديد علمنا أنه لا مزيد على هذا الحصر، والله أعلم. المسألة الثانية: في انتصاب الكذب في قوله: {لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ } وجهان. الأول: قال الكسائي والزجاج: (ما) مصدرية، والتقدير: ولا تقولوا: لأجل وصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام نظيره أن يقال: لا تقولوا: لكذا كذا وكذا. فإن قالوا: حمل الآية عليه يؤدي إلى التكرار، لأن قوله تعالى: {لّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } عين ذلك. والجواب: أن قوله: {لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ } ليس فيه بيان كذب على الله تعالى فأعاد قوله: {لّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } ليحصل فيه هذا البيان الزائد ونظائره في القرآن كثيرة. وهو أنه تعالى يذكر كلاماً ثم يعيده بعينه مع فائدة زائدة. الثاني: أن تكون (ما) موصولة، والتقدير ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، وحذف لفظ فيه لكونه معلوماً. المسألة الثالثة: قوله تعال: {تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ } من فصيح الكلام وبليغه كأن ماهية الكذب وحقيقته مجهولة وكلامهم الكذب يكشف حقيقة الكذب ويوضح ماهيته، وهذا مبالغ في وصف كلامهم بكونه كذباً، ونظيره قول أبـي العلاء المعري: شعر : سرى برق المعرة بعد وهن فبات برامة يصف الكلالا تفسير : والمعنى: أن سرى ذلك البرق يصف الكلال فكذا ههنا، والله أعلم. ثم قال تعالى: {لّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } المعنى: أنهم كانوا ينسبون ذلك التحريم والتحليل إلى الله تعالى ويقولون: إنه أمرنا بذلك. وأظن أن هذا اللام ليس لام الغرض، لأن ذلك الافتراء ما كان غرضاً لهم بل كان لام العاقبة كقوله تعالى: { أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص: 8] قال الواحدي: وقوله: {لّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } بدل من قوله: {لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ } لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله تعالى، ففسر وصفهم الكذب بالافتراء على الله تعالى، ثم أوعد المفترين، وقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } ثم بيّن أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب، فقال: {مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ } قال الزجاج: المعنى متاعهم متاع قليل، وقال ابن عباس: بل متاع كل الدنيا متاع قليل، ثم يردون إلى عذاب أليم، وهو قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.

القرطبي

تفسير : فيـه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: {لِمَا تَصِفُ} ما هنا مصدرية، أي لوصف. وقيل: اللام لام سبب وأجل، أي لا تقولوا لأجل وصفكم «الكذب» بنزع الخافض، أي لما تصف ألسنتكم من الكذب. وقرىء «الكُذُبُ» بضم الكاف والذال والباء، نعتاً للألسنة، وقد تقدّم. وقرأ الحسن هنا خاصّةً «الكَذِبِ» بفتح الكاف وخفض الذال والباء، نعتاً «لما»؛ التقدير: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذبِ. وقيل على البدل من ما؛ أي ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على اللَّهِ الكذب. الآية خطاب للكفار الذين حرّموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كان ميتة. فقوله «هذا حلال» إشارة إلى ميتة بطون الأنعام، وكل ما أحلّوه. وقوله «هذا حرام» إشارة إلى البحائر والسوائب وكل ما حرّموه. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ} أي ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عن قريب. وقال الزجاج: أي متاعهم متاع قليل. وقيل: لهم متاع قليل ثم يردون إلى عذاب أليم. الثانية ـ أسند الدّارِمِيّ أبو محمد في مسنده أخبرنا هارون عن حفص عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم قطّ يقول حلال ولا حرام، ولكن كان يقول: كانوا يكرهون وكانوا يستحبون. وقال ابن وهب قال مالك: لم يكن من فُتْيَا الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولوا إيّاكم كذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا. ومعنى هذا: أن التحليل والتحريم إنما هو لله عز وجل، وليس لأحد أن يقول أو يصرّح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يكون البارىء تعالى يخبر بذلك عنه. وما يؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول: إني أكره (كذا). وكذلك كان مالك يفعل اقتداءً بمن تقدم من أهل الفتوى. فإن قيل: فقد قال فيمن قال لزوجته أنت عليّ حرام إنها حرام ويكون ثلاثاً. فالجواب أن مالكاً لمّا سمع عليّ بن أبي طالب يقول إنها حرام اقتدى به. وقد يقوى الدليل على التحريم عند المجتهد فلا بأس عند ذلك أن يقول ذلك، كما يقول إن الربا حرام في غير الأعيان الستة، وكثيراً ما يطلق مالك رحمه الله؛ فذلك حرام لا يصلح في الأموال الرّبوية وفيما خالف المصالح وخرج عن طريق المقاصد لقوة الأدلة في ذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ } أي لوصف ألسنتكم {ٱلْكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ } لما لم يحلّه الله ولم يحرّمه {لّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } بنسبة ذلك إليه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ }.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية مخاطبة للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كانت ميتة يدل على ذلك قوله حكاية عنهم {أية : وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} تفسير : [الأنعام: 139] والآية تقتضي كل ما كان لهم من تحليل وتحريم فإنه كله افتراء منهم، ومنه ما جعلوه في الشهور، وقرأ السبعة وجمهور الناس "الكَذِبَ" بفتح الكاف وكسر الذال وفتح الباء، و"ما" مصدرية فكأنه قال لوصف ألسنتكم الكذب، وقرأ الأعرج وأبو طلحة وأبو معمر والحسن، "الكذبِ" بخفض الباء على البدل من "ما"، وقرأ بعض أهل الشام ومعَاذ بن جبل وابن أبي عبلة "الكُذُبُ" بضم الكاف والذال والباء على صفحة الألسنة، وقرأ مسلمة بن محارب "الكذبَ" بفتح الباء "الكُذُبَ" بفتح الباء على أنه جمع كذاب ككتب في جمع كتاب، وقوله {هذا حلال} إشارة إلى ميتة بطون الأنعام وكل ما أحلوا، وقوله {وهذا حرام} إشارة إلى البحائر والسوائب وكل ما حرموا، وقوله {لتفتروا على الله الكذب}، إشارة إلى قولهم في فواحشهم التي هذه إحداها، وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد أنه كان شرعهم لاتباعهم سنناً لا يرضاها الله افتراء عليه، لأن من شرع أمراً فكأنه قال لأتباعه هذا هو الحق، وهذا مراد الله، ثم أخبرهم الله {إن الذين يفترون على الله الكذب} لا يبلغون الأمل، و"الفلاح" بلوغ الأمل، فطوراً يكون في البقاء كما قال الشاعر، والصبح والمسى لافلاح معه، ويشبه أن هذه الآية من هذا المعنى، يقوي ذلك قوله {متاع قليل}، وقد يكون في المساعي ومنه قول عبيد: بالرجز] شعر : أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضعف وقد يخدع الأريب تفسير : وقوله {متاع قليل} إشارة إلى عيشهم في الدنيا، {ولهم عذاب أليم} بعد ذلك في الآخرة. وقوله {وعلى الذين هادوا} الآية، لما قص تعالى على المؤمنين ما حرم عليهم أعلم أيضاً بما حرم على اليهود ليبين تبديلهم الشرع فيما استحلوا من ذلك وفيما حرموا من تلقاء أنفسهم، وقولهم {ما قصصنا عليك}، إشارة إلى ما في سورة الأنعام "من ذي الظفر والشحوم" الآية: {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} تفسير : [الأنعام: 146] وقوله {وما ظلمناهم} أي لم نضع العقوبة بتحريم تلك الأشياء عليهم في غير موضعها، بل هم طرقوا إلى ذلك وجاء من تسبيبهم بالمعاصي ما أوجب ذلك. وقوله {ثم إن ربك للذين عملوا السوء} هذه آية تأنيس لجميع العالم، أخبر الله تعالى فيها أنه يغفر للتائب، والآية إشارة إلى الكفار الذين افتروا على الله وفعلوا الأفاعيل المذكورة، فهم إذا تابوا من كفرهم بالإيمان وأصلحوا من أعمال الإسلام غفر الله لهم، وتناولت هذه الآية بعد ذلك كل واقع تحت لفظها من كافر وعاص. وقالت فرقة "الجهالة" العمد، و"الجهالة" عندي في هذا الموضع ليست ضد العلم بل هي تعدي الطور وركوب الرأس، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أو أجهل أو يجهل علي" تفسير : . وهي التي في قول الشاعر: [الوافر] شعر : ألا لا يجهلنْ أحد علينا فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا تفسير : والجهالة التي هي ضد العلم تصحب هذه الأخرى كثيراً، ولكن يخرج منها المتعمد وهو الأكثر، وقلما يوجد في العصاة من لم يتقدم له علم بخطر المعصية التي يواقع. والضمير في {بعدها} عائد على التوبة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ...} الآية: هذه الآية مخاطَبَةٌ للكفَّار الذينَ حرَّموا البحائر والسَّوائب، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» ومعنى الآية: لا تصفوا الأعيان بأنها حلالٌ أو حرامٌ مِنْ قِبَلِ أنفسكم، إِنما المحرِّم والمحلِّل هو اللَّه سبحانه، قال ابن وَهْب: قال مالكٌ لم يَكُنْ مِنْ فُتْيَا النَّاسِ أنْ يقال لَهُمْ: هَذَا حَلاَلٌ، وهذا حَرَامٌ، ولكنْ يقول: أَنا أَكْرَهُ هذا، ولَمْ أَكُنْ لأصنَعَ هذا، فكان النَّاسُ يطيعون ذلك، ويرضَوْنَه، ومعنى هذا: أنَّ التحليل والتحريمَ إِنما هو للَّه؛ كما تقدم بيانه، فليس لأحدٍ أنْ يصرِّح بهذا في عَيْن من الأعيانِ إلا أنْ يكون الباري تعالى يخبر بذلك عَنْه، وما يؤدِّي إِليه الاجتهادُ أنه حرامٌ يقول فيه: إِني أكْرَهُ كذا، وكذلك كان مَالِكٌ يفعلُ، ٱقَتداءً بمن تقدَّم من أهْلِ الفتوى انتهى. وقوله: {مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ } إشارةٌ إلى عيشهم في الدنيا، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } بعد ذلك في الآخرة، وقوله: {مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ } إِشارةٌ إِلى ما في «سورة الأنعام» من ذي الظُّفَر والشُّحُوم.

البقاعي

تفسير : ولما تبين بهذه الآية - كما مضى تقريره في الأنعام - جميع المحرم أكله من الحيوانات، فعلم بذلك جهلهم فيما حرموه على أنفسهم لأجل أصنامهم، صرح بالنهي عنه إبلاغاً في تأكيد ذلك الحصر فقال تعالى: {ولا تقولوا} أي بوجه من الوجوه في وقت ما. ولما كان تحليلهم وتحريمهم قولاً فارغاً ليس له حقيقة أصلاً، لأنه لا دليل عليه، عبر عنه بأنه وصف باللسان لا يستحق أن يدخل إلى القلب فقال تعالى: {لما تصف} أي لأجل الذي تصفه {ألسنتكم} أي من الأنعام والحروث والزروع. ولما حرك النفس إلى معرفة ما يقال لأجل ذلك، بين مقول ذلك القول فقال تعالى: {الكذب} أي القول الذي هو عين الكذب. ولما اشتد التشوف إلى تعيين ذلك المقول، أبدل منه فقال تعالى: {هذا حلال وهذا حرام} ويجوز أن يكون {الكذب} مفعول {تصف} فتكون {ما} مصدرية، أي لوصفها إياه، فكأن حقيقة الكذب كانت مجهولة فلم تعرف إلا بوصف ألسنتهم لها، فهو مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، وما بعده مقول القول. ولما كانوا - كما تقدم يدعون أنهم أعقل الناس، فكان اللائق بهم إرخاءً للعنان النسبة إلى معرفة اللوازم عند الإقدام على الملزومات، قال تعالى: {لتفتروا على الله} أي الملك الأعلى {الكذب} لأن من قال على أحد ما لم يأذن فيه كان قوله كذباً، وكان كذبه لقصد افتراء الكذب، وإلا لكان في غاية الجهل، فدار أمرهم في مثل هذا بين الغباوة المفرطة أو قصد ما لا يقصده عاقل، وهذا باب من التهكم عجيب، فكأنه قيل: فما يستحقون على ذلك؟ فأجاب بقوله تعالى: {إن الذين يفترون} أي يقتطعون عمداً {على الله} أي الذي له الأمر كله {الكذب} منكم ومن غيركم {لا يفلحون *}. ولما كان الفلاح عندهم هو العيش الواسع في هذه الدنيا، أجاب من كأنه قال: فإنا ننظرهم بنعمة ورفاهة؟ فقال تعالى: {متاع قليل} أي ما هم فيه لفنائه وإن امتد ألف عام {ولهم} بعده {عذاب أليم *} ومن ألمه العظيم دوامه فأيّ متاع هذا. ولما بين لهم نعمته بتوسعته عليهم بما ضيقوا به على أنفسهم، بين لهم نعمة أخرى بتمييزهم على بني إسرائيل فقال تعالى: {وعلى الذين هادوا} أي اليهود {حرمنا} أي بعظمتنا عقوبة لهم بعدوانهم وكذبهم على ربهم {ما قصصنا} أي بما لنا من العظمة التي كان المقصوص بها معجزاً {عليك}. ولما لم يكن قص ذلك عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مستغرقاً زمان القبل، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي في الأنعام {وما ظلمناهم} أي الذين وقع منهم الهود بتحريمنا عليهم ما حرمنا {ولكن كانوا} أي دائماً طبعاً لهم وخلقاً مستمراً {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون *} أي بالبغي والكفر، فضيقنا عليهم معاملة بالعدل، وعاملناكم أنتم حيث ظلمتم بالفضل، فاشكروا النعمة واحذروا غوائل النقمة. ولما بين هذه النعمة الدنيوية عطف عليها نعمة هي أكبر منها جداً، استجلاباً لكل ظالم، وبين عظمتها بحرف التراخي فقال تعالى: {ثم إن ربك} أي المحسن إليك {للذين عملوا السوء} وهو كل ما من شأنه أن يسوء، وهو ما لا ينبغي فعله {بجهالة} كما عملتم وإن عظم فعلهم وتفاحش جهلهم {ثم تابوا}. ولما كان سبحانه يقبل اليسير من العمل، أدخل الجار فقال تعالى: {من بعد ذلك} أي الذنب ول كان عظيماً، فاقتصروا على ما أذن فيه خالقهم {وأصلحوا} بالاستمرار على ذلك {إن ربك} أي المحسن إليك بتسهيل دينك وتيسيره. ولما كان إنما يغفر بعد التوبة ما عدا الشرك الواقع بعدها، أدخل الجار فقال تعالى: {من بعدها} أي التوبة وما تقدمها من أعمال السوء {لغفور} أي بليغ الستر لما عملوا من السوء {رحيم *} أي محسن بالإكرام فضلاً ونعمة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام‏} ‏ قال‏:‏ هي البحيرة والسائبة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال‏:‏ قرأت هذه الآية في سورة النحل ‏ {‏ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى آخر الآية، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا‏. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ عسى رجل أن يقول إن الله أمر بكذا ونهى عن كذا، فيقول الله عز وجل له‏:‏ كذبت‏.‏ ويقول‏:‏ إن الله حرم كذا وأحل كذا، فيقول الله عز وجل له‏:‏ كذبت‏.

القشيري

تفسير : الصدق في كل شيء أَوْلَى من الكذب، وكثيرٌ من أقوالهم في الاعتراض عَيِّناتُ من الكذب. والصِّدِّيق لا يكذب صريحاً، ولا يتداول أقوال كاذب مهين. وصاحبُ الكذبِ تظهر عليه المذَلَّةُ لما هو فيه من الزّلَّةِ، وله في الآخرة عذاب أليم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تقولوا} يا اهل مكة {لما تصف ألسنتكم} ما موصولة واللام صلة لا تقولوا مثل ما فى قوله تعالى {أية : ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله اموات}تفسير : اى لا تقولوا فى شأن ما تصف ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة فى قولكم ما فى بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على ازواجنا من غير ترتيب ذلك الوصف على ملاحظة وفكر فضلا عن استناده الى وحى او قياس مبنى عليه {الكذب} ينتصب بلا تقولوا على انه مفعول به وقوله تعالى {هذا حلال وهذا حرام} بدل منه فالمعنى لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لما تصفه ألسنتكم بالحل والحرمة فقدم عليه كونه كذبا وابدل منه هذا حلال وهذا حرام مبالغة واللام صلة مثل ما يقال لا تقل للنبيذ انه حرام اى فى شأنه وذلك لاختصاص القول بانه فى شأنه. وفيه ايماء الى ان ذلك مجرد وصف باللسان لا حكم عليه عقد كذا فى حوشى سعدى المفتى. ويقال فى الآية تنبيه للقضاة والمفتين كيلا يقولوا قولا بغير حجة وبيان كما فى تفسير ابى الليث {لتفتروا على الله الكذب} فان مدار الحل والحرمة ليس الا امر الله فالحكم بالحل والحرمة اسناد للتحليل والتحريم الى الله من غيران يكون ذلك منه. واللام لام العاقبة لا الغرض لان الافتراء لم يكن غرضا لهم. وفى الآية اشارة الى ما تقولت النفوس بالحسبان والغرور الناقد بلغنا الى مقام يكون علينا بعض المحرمات الشرعية حلالا وبعض المحللات حراما فيفترون على الله الكذب انه اعطانا هذا المقام كما هو من عادة اهل الاباحة كذا فى التأويلات النجمية {ان الذين يفترون على الله الكذب} فى امر من الامور {لا يفلحون} لا يفوزون بمطالبهم التى ارتكبوا الافتراء للفوز بها

الطوسي

تفسير : (ما) في قوله {لما تصف} مصدرية، والتقدير: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب {هذا حلال وهذا حرام} وقال الزجاج: قرىء {الكُذُب} على أنه نعت الألسنة، يقال لسان كذوب وألسنة كُذُب، وحكي أيضاً بكسر الباء ردّاً على (ما) وتقديره للذي تصفه ألسنتكم الكذب، وهذا إِنما قيل لهم لما كانوا حرموه وأحلوه، فقالوا {أية : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} تفسير : وقد بيناه فيما تقدم. ثم أخبر عن هؤلاء الذين يقولون على الله الكذب بأنهم {لا يفلحون} أي لا ينجون ولا يفوزون بثواب الله. وقوله تعالى {متاع قليل} معناه متاعهم هذا الذي فعلوه وتمتعوا به {متاع قليل} ويجوز في العربية (متاعاً) أي يتمتعون بذلك متاعاً قليلا {ولهم عذاب أليم} أي في مقابلة ذلك يوم القيامة. وقوله {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} يعني ما ذكره في سورة الانعام في قوله {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا... }تفسير : الآية، في قول قتادة والحسن وعكرمة. ثم أخبر تعالى أنه لم يظلمهم بذلك ولا يبخسهم حظهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بكفرهم بنعمة الله وجحودهم لأنبيائه، فاستحقوا بذلك تحريم هذه الأشياء عليهم لتغيير المصلحة عند كفرهم وعصيانهم.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ} قرئ بالرّفع صفة لالسنتكم وقرئ بالنّصب مفعولاً لقوله لا تقولوا او لقوله تصف ولفظ ما موصول اسمىّ او حرفىّ او موصوف وقوله {هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ} مفعول لا تقولوا على بعض الوجوه، او بدل من الكذب على بعض الوجوه، او مفعول تصف على بعض الوجوه {لِّتَفْتَرُواْ} لينتهى الى الافتراء {عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ} يعنى ما يقصدونه من هذا القول متاعٌ قليلٌ {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فى الاخرة ولا ينبغى للعاقل ان يطلب المتاع القليل المستعقب للعذاب الاليم، نسب الى الصّادق (ع) انّه قال: اذا اتى العبد بكبيرةٍ من كبائر المعاصى او صغيرةٍ من صغائر المعاصى الّتى نهى الله عنها كان خارجاً من الايمان وساقطاً عنه اسم الايمان وثابتاً عليه اسم الاسلام فان تاب واستغفر عاد الى الايمان ولم يخرجه الى الكفر والجحود والاستحلال فاذا قال للحلال: هذا حرام، وللحرام: هذا حلال ودان بذلك، فعندنا يكون خارجاً من الايمان والاسلام الى الكفر وكان بمنزلة رجل دخل الحرم ثمّ دخل الكعبة فأحدث فى الكعبة حدثاً فأخرج عن الكعبة والحرم فضربت عنقه وصار الى النّار.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتِكُمُ الْكَذِبَ} تفسير ما مصدرية والكذب مفعول تصف واللام للتعليل وذلك أنهم يقولون هذا حلال وهذا حرام ويكررونه لأَن ألسنتهم قد قالته أولا، فداموا عليه فنهاهم الله أو بمعنى عن أو فى وللتعليل طريق آخر هو أن المعنى لا تحكموا بحل أو حرمة بمجرد قول فانطق به ألسنتهم، وأجاز بعضهم كما قال ابن هشام أن يكون الكذب بدلا من مفعول محذوف على أن ما اسم أى لما تصفه فالكذب بدل من الهاء ويدل له قراءة بعضهم بجر الكذب على أنه بدل من ما اسم لا مصدرية وبرفع الكذب وضم كافه وذاله على أنه نعت للأَلسنة جمع كذوب بفتح الكاف وضم الذال كرسول ورسل وقرىء بالنصب وضمهما، جمع كذوب واقع على الأَلسنة كذلك وهو مفعول لمحذوف، أى أعنى الأَلسنة الكواذب أو واقع على الكلمات أى كلمات الكاذبات فيكون بدلا من الهاء المحذوفة على ما اسم وقال ابن جنى إِنه جمع كذاب بكسر الكاف وتشديد الذال وهو مفعول مطلق لتقولوا، على حد قعدت جلوسا {هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} جملتان مفعول للقول المذكور ويجوز أن تجعلا بدلا من الكذب بالنصب وبفتح الكاف وكسر الذال على أنه مفعول به لتقولوا كما ذكره ابن هشام وأجاز أن تكونا مفعولا للقول والكذب مفعول لمحذوف أى فتقولون الكذب، وما ذكرته من كون الكذب مفعول تصف والجملتين مفعول القول أولى، لأَن وصف ألسنتهم الكذب مبالغة فى وصف كلامهم بالكذب كأن حقيقة الكذب كانت مجهولة حتى وصفتها ألسنتهم فذلك أفصح كلام ومن فصيحه قولهم وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر، أى هى جميلة وعينها لها تَأثير فى الحب كالسحر ولما أرادوا مبالغة فى جمال وجهها وسحر عينها عبروا بأن الوجه يصف الجمال والعين تصف السحر، وللسلامة من الحذف ومعنى قولهم هذا حلال وهذا حرام أنهم كانوا فى الجاهلية يحرمون ويحللون أشياء من عند أنفسهم ويضيفون ذلك إِلى الله كتحريمهم السائبة والبحيرة والوصيلة والحامى، وقولهم ما فى بطون هذه الأَنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإِن يكن ميتة فهم فيه شركاء، ومنع مالك أن يقول أحد هذا حلال أو هذا حرام، عندى بل يحكى ذلك عن الله أو نبيه وإِن أراده اجتهاده إِلى إِباحة أو حظ قال يسوغ عندى أو يجوز أو يمتنع أو أكثره كراهة تحريم {لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ} هذا تعليل لا يتضمن معنى الغرض المترتب على قولهم فيه اللام للصيرورة وإِنكار البصريين ومن تابعهم لام الصيرورة فيقال إِنها للتعليل المجازى وهو التحقيق وقيل هى هنا تتضمن غرضهم الفاسد وقيل لتفتروا الخ بدل من لما تصف الخ {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} لا يفوزون بخير الآخرة بل يخسرون بالخلود فى النار أو لا يفوزون بحصول ما افتروا لأَجله من أُمور الدنيا أو لا ينجون من عذاب الله عز وجل.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ} الخ، ولا ينافي ذلك العطف كما لا يخفى، واللام صلة القول مثلها في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ } تفسير : [البقرة: 154] وقولك: لا تقل للنبيذ إنه حلال، ومعناها الاختصاص، و {مَا} موصولة والعائد محذوف أي لا تقولوا في شأن الذي تصفه ألسنتكم/ من البهائم بالحل والحرمة في قولكم: {أية : مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا } تفسير : [الأنعام: 139] من غير ترتب ذلك الوصف على ملاحظة وفكر فضلاً عن استناده إلى وحي أو قياس مبني عليه بل مجرد قول باللسان. {ٱلْكَذِبَ} منتصب على أنه مفعول به ـ لتقولوا ـ وقوله سبحانه: {هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ } بدل منه بدل كل، وقيل: منصوب بإضمار أعني، وقيل: {ٱلْكَذِبَ } منتصب على المصدرية و {هَـٰذَا } مقول القول. وجوز أن يكون بدل اشتمال، وجوز أن يكون {ٱلْكَذِبَ } مقول القول المذكور ويضمر قول آخر بعد الوصف واللام على حالها أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقول هذا حلال وهذا حرام، والجملة مبينة ومفسرة لقوله تعالى: {تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ } كما في قوله سبحانه: {أية : فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 54] وجوز أن لا يضمر القول على المذهب الكوفي وأن يقدر قائله على أن المقدر حال من الألسنة، ويجوز أن يكون اللام للتعليل و {مَا } مصدرية و {ٱلْكَذِبَ } مفعول الوصف و {هَـٰذَا حَلَـٰلٌ } الخ مقول القول أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لأجل وصف ألسنتكم الكذب، وإلى هذا ذهب الكسائي والزجاج، وحاصله لا تحلوا ولا تحرموا لمجرد وصف ألسنتكم الكذب وتصويرها له وتحقيقها لماهيته كأن ألسنتهم لكونها منشأ للكذب ومنبعاً للزور شخص عالم بكنهه ومحيط بحقيقته يصفه للناس ويعرفه أوضح وأبين تعريف، ومثل هذا وارد في كلام العرب والعجم تقول: له وجه يصف الجمال وريق يصف السلاف وعين تصف السحر، وتقدم بيت المعري، وقد بولغ في الآية من حيث جعل قولهم كذباً ثم جعل اللسان الناطقة بتلك المقالة ينبوعه مصورة إياه بصورته التي هو عليها وهو من باب الاستعارة بالكناية وجعله بعضهم من باب الإسناد المجازي نحو نهاره صائم كأن ألسنتهم لكونها موصوفة بالكذب صارت كأنها حقيقته ومنبعه الذي يعرف منه حتى كأنه يصفه ويعرفه كقوله:شعر : أضحت يمينك من جود مصورة لا بل يمينك منها صور الجود تفسير : وقرأ الحسن وابن يعمر وطلحة والأعرج وابن إسحق وابن عبيد ونعيم بن ميسرة {الكذب} بالجر، وخرج على أن يكون بدلاً من {ما} مع مدخولها، وجعله غير واحد صفة ـ لما ـ المصدرية مع صلتها. وتعقبه أبو حيان بأن المصدر المسبوك من ما أو أن أو كي مع الفعل معرفة كالمضمر لا يجوز نعته فلا يقال: أعجبني أن تقوم السريع كما يقال: أعجبني قيامك السريع، وليس لكل مقدر حكم المنطوق به وإنما يتبع بذلك كلام العرب. وقرأ معاذ وابن أبـي عبلة وبعض أهل الشام {الكذب} بضم الثلاثة صفة للألسنة وهو جمع كذوب كصبور وصبر، قال صاحب «اللوامح» أو جمع كذاب بكسر الكاف وتخفيف الذال مصدر كالقتال وصف به مبالغة وجمع فعل ككتاب وكتب أو جمع كاذب كشارف وشرف. وقرأ مسلمة بن محارب كما قال ابن عطية أو يعقوب كما قال صاحب «اللوامح» ونسب قراءة معاذ ومن معه إلى مسلمة {الكذب} بضمتين والنصب، وخرج على أوجه. الأول: أن ذلك منصوب على الشتم والذم وهو نعت للألسنة مقطوع. الثاني: أنه مفعول به ـ لتصف ـ أو {تَقُولُواْ } والمراد الكلم الكواذب. الثالث: أنه مفعول مطلق ـ لتصف ـ من معناه على أنه جمع كذاب المصدر، وأعرب {هَـٰذَا حَلَـٰلٌ } الخ على ما مر ولا إشكال في إبداله لأنه كلم باعتبار مواده وكلامان ظاهراً. {لّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } اللام لام العاقبة والصيرورة وللتعليل لأن/ ما صدر منهم ليس لأجل الافتراء على الله تعالى بل لأغراض أخر ويترتب على ذلك ما ذكر، وإلى هذا ذهب الزمخشري وجماعة، وقال بعضهم: يجوز أن تكون للتعليل ولا يبعد قصدهم لذلك كما قالوا: {أية : وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } تفسير : [الأعراف: 28] وفي «البحر» أنه الظاهر ولا يكون ذلك على سبيل التوكيد للتعليل السابق على احتمال كون اللام للتعليل وما مصدرية لأن في هذا التنبيه على من افتروا الكذب عليه وليس فيما مر بل فيه إثبات الكذب مطلقاً ففي ذلك إشارة إلى أنهم لتمرنهم على الكذب اجترؤا على الكذب على الله تعالى فنسبوا ما حللوا وحرموا إليه سبحانه، وقال الواحدي: إن {لّتَفْتَرُواْ } بدل من {لِمَا تَصِفُ } الخ لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله تعالى، وهو على ما في "البحر" أيضاً على تقدير كون ما مصدرية لأنها إذا جعلت موصولة لا تكون اللام للتعليل ليبدل من ذلك ما يفهم التعليل، وقيل: لا مانع من التعليل على تقدير الموصولية فعند قصد التعليل يجوز الإبدال، وحاصل معنى الآية على ما نص عليه العسكري لا تسموا ما لم يأتكم حله ولا حرمته عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حلالاً ولا حراماً فتكونوا كاذبين على الله تعالى لأن مدار الحل والحرمة ليس إلا حُكْمَهُ سبحانه، ومن هنا قال أبو نضرة: لم أزل أخاف الفتيا منذ سمعت آية النحل إلى يومي هذا. وقال ابن العربـي كره مالك وقوم أن يقول المفتي هذا حلال وهذا حرام في المسائل الاجتهادية وإنما يقال ذلك فيما نص الله تعالى عليه، ويقال في مسائل الاجتهاد: إني أكره كذا وكذا ونحو ذلك فهو أبعد من أن يكون فيه ما يتوهم منه الافتراء على الله سبحانه. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} في أمر من الأمور {لاَ يُفْلِحُونَ} لا يفوزون بمطلوب.

ابن عاشور

تفسير : عاد الخطاب إلى المشركين بقرينة قوله: {لما تصف ألسنتكم الكذب}. فالجملة معطوفة على جملة {أية : وضرب الله مثلاً قرية} تفسير : [سورة النحل: 112] الآية. وفيه تعريض بتحذير المسلمين لأنهم كانوا قريبي عهد بجاهلية، فربّما بقيت في نفوس بعضهم كراهية أكل ما كانوا يتعفّفون عن أكله في الجاهلية. وعلّق النهي بقولهم: {هذا حلال وهذا حرام}. ولم يعلّق بالأمر بأكل ما عدا ما حُرم لأن المقصود النهي عن جعل الحلال حراماً والحرام حلالاً لا أكل جميع الحلال وترك جميع الحرام حتى في حال الاضطرار، لأن إمساك المرء عن أكل شيء لكراهيَةٍ أو عَيْف هو عمل قاصر على ذاته. وأما قول: {وهذا حرام} فهو يفضي إلى التحجير على غيره ممن يشتهي أن يتناوله. واللام في قوله: {لما تصف} هي إحدى اللامين اللّتين يتعدّى بهما فعل القول وهي التي بمعنى (عن) الداخلة على المتحدّث عنه فهي كاللام في قوله: {أية : الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا} تفسير : [سورة آل عمران: 168]، أي قالوا عن إخوانهم. وليست هي لام التقوية الداخلة على المخاطب بالقول. {وتصف} معناه تذكر وصْفاً وحالاً، كما في قوله تعالى: {أية : وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} تفسير : [سورة النحل: 62]. وقد تقدم ذلك في هذه السورة، أي لا تقولوا ذلك وصفاً كَذباً لأنه تقَوّل لم يقله الذي له التحليل والتحريم وهو اللّهُ تعالى. وانتصب {الكذب} على المفعول المطلق لــــ{تصف}، أي وصفاً كذباً، لأنه مخالف للواقع، لأن الذي له التحليل والتحريم لم ينبئهم بما قالوا ولا نصب لهم دَلِيلاً عليه. وجملة {هذا حلال وهذا حرام} هي مقول {تقولوا}، واسم الإشارة حكاية بالمعنى لأوصافهم أشياء بالحِلّ وأشياء بالتحّريم. و{لتفتروا} علة لــــ{تقولوا} باعتبار كون الافتراء حاصلاً، لا باعتبار كونه مقصوداً للقائلين، فهي لام العاقبة وليست لام العلّة. وقد تقدّم قريباً أن المقصد منها تنزيل الحاصل المحقّق حصولُه بعدَ الفعل منزلةَ الغرض المقصود من الفعل. وافتراء الكذب تقدّم آنفاً. والذين يفترون هم المشركون الذين حرموا أشياء. وجملة {متاع قليل} استئناف بياني في صورة جواب عما يجيش بخاطر سائل يسأل عن عدم فلاحهم مع مشاهدة كثير منهم في حالة من الفلاح، فأجيب بأن ذلك متاع، أي نفع موقّت زائل ولهم بعده عذاب أليم. والآية تحذّر المسلمين من أن يتقوّلوا على الله ما لم يقله بنصّ صريح أو بإيجاد معانٍ وأوصاف للأفعال قد جَعل لأمثالها أحكاماً، فمن أثبت حلالاً وحراماً بدليل من معانٍ ترجع إلى مماثلة أفعال تشتمل على تلك المعاني فقد قال بما نصب الله عليه دليلاً. وقُدم {لهم} للاهتمام زيادة في التحذير. وجيء بلام الاستحقاق للتنبيه على أن العذاب خقّهم لأجل افترائهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ}. نهى جل وعلا في هذه الآية الكريمة الكفار عن تحريم ما أحل الله من رزقه، مما شرع لهم عمرو بن لحي (لعنه الله) من تحريم ما أحل الله. وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله: {أية : قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ}تفسير : [الأنعام: 150]، وقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ}تفسير : [يونس: 59]، وقوله: {أية : قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }تفسير : [الأنعام: 140]، وقوله: {أية : وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا}تفسير : [الأنعام: 139] الآية وقوله: {أية : وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِم}تفسير : [الأنعام: 138] الآية. وقوله {حجرٌ} أي حرام، إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم. وفي قوله {الكذب} أوجه من الإعراب: أحدهما - أنه منصوب بـ {تقولوا} أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من رزق الله بالحل والحرمة. كما ذكر في الآيات المذكورة آنفاً من غير استناد ذلك الوصف إلى دليل. واللام مثلها في قولك: لا تقولوا لما أحل الله: هو حرام. وكقوله: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ}تفسير : [البقرة: 145] الآية. وجملة {هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ} بدل من {الكذب} وقيل: إن الجملة المذكورة في محل نصب. بـ {تصف} بتضمينها معنى تقول. أي ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم، فتقول هذا حلال وهذا حرام. وقيل: {الكذب} مفعول به لـ {تصف}. و{مَا} مصدرية، وجملة {هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ} متعلقة بـ {لا تقولوا} أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب. أي لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم، ويجول في أفواهكم، لا لأجل حجة وبينة - قاله صاحب الكشاف. وقيل: {الكذب} بدل من هاء المفعول المحذوفة. أي لما تصفه ألسنتكم الكذب. تنبيه كان السّلف الصالح رضي الله عنهم يتورعون عن قولهم: هذا حلال وهذا حرام. خوفاً من هذه الآيات. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: قال الدارمي أبو محمد في مسنده: أخبرنا هارون، عن حفص، عن الأعمش قال: "ما سمعت إبراهيم قط يقول: حلال ولا حرام، ولكن كان يقول: كانوا يكرهون وكانوا يستحبون". وقال ابن وهب: قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولوا إياكم كذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا. انتهى. وقال الزمخشري: واللام في قوله {لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} من التعليل الذي لا يتضمن معنى الفرض اهـ. وكثير من العلماء يقولون: هي لام العاقبة. والبيانيون يزعمون أن حرف التعليل كاللام إذا لم تقصد به علة غائية. كقوله: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً}تفسير : [القصص: 8] الآية، وقوله هنا: {لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} أن في ذلك استعارة تبعية في معنى الحرف. قال مقيده عفا الله عنه: بل كل ذلك من أساليب اللغة العربية. فمن أساليبها: الإتيان بحرف التعليل للدلالة على العلة الغائية. كقوله: {أية : وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ }تفسير : [الحديد: 25] الآية. ومن أساليبها الإتيان باللاّم للدلالة على ترتب أمر على أمر. كترتب المعلول على علته الغائية. وهذا الأخير كقوله: {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}. لأن العلة الغائية الباعثة لهم على التقاطه ليست هي أن يكون لهم عدواً، بل ليكون لهم قرة عين. كما قالت امرأة فرعون: {أية : قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً }تفسير : [القصص: 9] ولكن لما كان كونه عدواً لهم وحزناً يترتب على التقاطهم له. كترتب المعلول على علته الغائية - عبر فيه باللام الدالة على ترتيب المعلول على العلة. وهذا أسلوب عربي، فلا حاجة إلى ما يطيل به البيانيون في مثل هذا المبحث. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين يفترون عليه الكذب - أي يختلقونه عليه - كدعواهم أنه حرم هذا وهو لم يحرمه. ودعواهم له الشركاء والأولاد - لا يفلحون. لأنهم في الدنيا لا ينالون إلا متاعاً قليلاً لا أهمية له، وفي الآخرة يعذبون العذاب العظيم، الشديد المؤلم. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله في يونس: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}تفسير : [يونس: 69-70]، وقوله: {أية : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ}تفسير : [لقمان: 24]، وقوله: {أية : قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [البقرة: 126]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله {متاع قليل} خبر مبتدأ محذوف. أي متاعهم في الدنيا متاع قليل. وقال الزمخشري: منفعتهم في الدنيا متاع قليل. وقوله {لا يفلحون} أي لا ينالون الفلاح. وهو يطلق على معنيين: أحدهما - الفوز بالمطلوب الأكبر. والثاني - البقاء السرمدي. كما تقدم بشواهده.

الواحدي

تفسير : {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب} أَيْ: لوصف ألسنتكم الكذب، والمعنى: لا تقولوا لأجل الكذب وسببه لا لغيره: {هذا حلال وهذا حرام} يعني: ما كانوا يحلُّونه ويُحرِّمونه من الحرث والأنعام {لتفتروا على الله الكذب} بنسبة ذلك التَّحليل والتَّحريم إليه، ثمَّ أوعد المفترين فقال: {إنَّ الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون}. {متاع قليل} أَيْ: لهم في الدُّنيا متاعٌ قليلٌ، ثم يردُّون إلى عذابٍ أليمٍ.

د. أسعد حومد

تفسير : {حَلاَلٌ} (116) - وَلاَ تَقُولُوا عَنْ شَيءٍ هذا حَرَامٌ، وَهَذا حَلاَلٌ، إِذَا لَمْ يَأْتِكُمْ حِلُّهُ وَتَحْرِيمُهُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَالذِي يُحَلِّلُ وَيُحَرِّمُ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ. (وَيَدْخُلُ فِي هذا ابْتِداعُ بِدْعَةٍ لَيْسَ لَهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ، أَوْ تَحْلِيلُ شيءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللهُ، أَوْ تَحْرِيمُ شَيءٍ مِمَّا أَحَلَّهُ اللهُ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِّ وَالهَوَى). ثُمَّ يَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى الَّذِينَ يَفْتَرُونَ الكَذِبَ عَلَى اللهِ، وَيَقُولُ عَنْهُمْ: إِنَّهُمْ لاَ يُفْلِحُونَ فِي الدُّنْيَا، وَلاَ فِي الآخِرَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ}: تُظهِره على أوضح وجوهه، فليس كلامهم كذباً فقط، بل يصفه، فمَنْ لا يعرف الكذب فليعرفه من كلام هؤلاء. والمراد بالكذب هنا قولهم: {هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ ..} [النحل: 116]. فهذا كذب وافتراء على الله سبحانه؛ لأنه وحده صاحب التحليل والتحريم، فإياك أنْ تُحلِّل شيئاً من عند نفسك، أو تُحرِّم شيئاً حَسْب هواك؛ لأن هذا افتراءٌ على الله: {لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ..} [النحل: 116]. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]. فإن انطلى كذبهم على بعض الناس، فأخذوا من ورائه منفعة عاجلة، فعمَّا قليل سيُفتضح أمرهم، وينكشف كذبهم، وتنقطع مصالحهم بين الخلق. ويصف الحق سبحانه ما يأخذه هؤلاء من دنياهم بأنه: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ ...}.

الأندلسي

تفسير : {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ} الآية، لما بين ما حرم بالغ في تأكيد ذلك بالنهي عن الزيادة فيما حرم وما مصدرية والكذب مفعول بتصف أي بوصف ألسنتكم الكذب وهذا حلال وهذا حرام تفسير للكذب ويجوز أن تكون ما موصولة بمعنى الذي وتصف صلته والضمير عائد على ما محذوف تقديره تصفه والكذب بدل من هذا الضمير المحذوف ويجوز أن ينتصب الكذب على أنه نعت لمصدر محذوف منصوب بتقولوا أي ولا تقولوا القول الكذب لما تصف واللام للتعليل أي لما تصف. وقال الزمخشري: يجوز أن يكون الكذب بالجر صفة لما المصدرية كأنه قيل لوصفها الكذب بمعنى الكاذب كقوله تعالى: {أية : بِدَمٍ كَذِبٍ}تفسير : [يوسف: 18] المراد بالوصف وصفها البهائم بالحل والحرمة "انتهى" هذا عندي لا يجوز وذلك أنهم نصوا على أن المصدرية لا ينعت المصدر المنسبك منها ومن الفعل فلا يجوز يعجبني ان قمت السريع تريد قيامك السريع ولا عجبت من أن تخرج السريع أي من خروجك السريع وحكم باقي الحروف المصدرية حكم ان فلا يوجد في كلامهم وصف المصدر المنسبك من أن ولا من ما ولا من كي بخلاف صريح المصدر فإِنه يجوز أن ينعت وليس لكل مصدر حكم المنطوق به وإنما يتبع في ذلك ما تكلمت به العرب وارتفع متاع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره عيشهم في الدنيا متاع قليل. {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا} تقدم ما حرم عليهم في آخر الانعام ويتعلق من قبل بقصصنا وهو الظاهر وقيل بحرمنا والمحذوف الذي في من قبل تقديره من قبل تحريمنا على أهل ملتك والسوء ما يسوء صاحبه من كفر ومعصية وغيره والكلام في الذين آمنوا وما يتعلق به تقدم نظيره. {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} الآية، مناسبة هذه الآية للتي قبلها أنه لما أبطل تعالى مذاهب المشركين في هذه السورة والطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحليل ما حرم وتحريم ما أحل وكانوا مفتخرين بجدهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم ذكره في آخر السورة وأوضح منهاجه وما كان عليه من طاعة الله ورفض الأصنام ليكون ذلك حاملاً لهم على تركها والاقتداء به. وقال ابن عطية: قال مكي ولا يكون يعني حنيفاً حالاً من إبراهيم لأنه مضاف إليه وليس كما قال لأن الحال قد يعمل فيها حروف الخفض إذا عملت في ذي الحال كقولك مررت بزيد قائماً "انتهى". اما ما حكي عن مكي وتعليله امتناع ذلك بكونه مضافاً إليه فليس على إطلاق هذا التعليل لأنه إذا كان المضاف إليه في محل رفع أو نصب جازت الحال منه نحو يعجبني قيام زيد مسرعاً وشرب السويق ملتوتاً. وقال بعض النحاة: ويجوز أيضاً ذلك إذا كان المضاف خبراً من المضاف إليه كقوله تعالى: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً} تفسير : [الحجر: 47] أو كالجزاء كقوله تعالى: {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}. وأما قول ابن عطية في رده على مكي بقوله: وليس كما قال لأن الحال إلى آخره، فقول بعيد عن قول أهل الصنعة لأن الباء في يزيد ليست هي العاملة في قائماً وإنما العامل في الحال مررت والباء وإن عملت الجر في يزيد فإِن زيداً في موضع نصب بمررت ولذلك إذا حذفت حرف الجر حيث يجوز حذفه نصب الفعل ذلك الاسم الذي كان مجرور بالحرف وتقدم تفسير القانت والحنيف شاكراً لأنعمه. روي أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخر غداءه فإذا هو بفوج الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فحيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله تعالى على أنه عافاني وابتلاكم. {وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً} قال قتادة: حببه الله تعالى إلى كل الخلق فكل أهل الأديان يتولونه اليهود والنصارى والمسلمون وخصوصاً كفار قريش فإِن فخرهم إنما هو كان به وذلك لإِجابة دعوته واجعل لي لسان صدق في الآخرين ولما وصف إبراهيم عليه السلام بتلك الأوصاف الشريفة أمر نبيه عليه السلام أن يتبع ملته وهذا الأمر من جملة الحسنة التي آتها الله إبراهيم في الدنيا وملته أي عقائد الشرائع دون الفروع لقوله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً}تفسير : [المائدة: 48]. ومنهاجا. ولما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد اختار يوم الجمعة فدل ذلك على أنه كان في شرع إبراهيم عليه السلام بين أن يوم السبت لم يكن في شرع إبراهيم والسبت مصدر وبه سمي اليوم وتقدم الكلام في هذا اللفظ في الأعراف. {ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ} أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف وهو أن يسمع المدعو حكمه وهو الكلام الصواب القريب الواقع في النفس أجمل موقع. وعن ابن عباس أن الحكمة هي القرآن وعنه أيضاً الموعظة الحسنة مواعظ القرآن. {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} الآية، أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة وغيره في يوم أحد والظاهر عود الضمير في لهو إلى المصدر الدال عليه الفعل مقيداً بالاضافة إليهم أي لصبركم وللصابرين أي لكم أيها المخاطبون فوضع الصابرين موضع الضمير ثناء من الله تعالى عليهم بصبرهم على الشدائد أو بصبرهم على المعاقبة ولما خير المخاطبون في المعاقبة والصبر عنها عزم على الرسول صلى الله عليه وسلم في الذي هو خير وهو الصبر فأمر هو وحده بالصبر ومعنى بالله بتوفيقه وتيسيره وإرادته والضمير في عليهم يعود على الكفار وكذلك في يمكرون كما قال تعالى: {أية : فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [المائدة: 68]. ومعنى المعية بالنصر والتأييد والإِعانة.