Verse. 2019 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَعَلَي الَّذِيْنَ ہَادُوْا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ۝۰ۚ وَمَا ظَلَمْنٰہُمْ وَلٰكِنْ كَانُوْۗا اَنْفُسَہُمْ يَظْلِمُوْنَ۝۱۱۸
WaAAala allatheena hadoo harramna ma qasasna AAalayka min qablu wama thalamnahum walakin kanoo anfusahum yathlimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(وعلى الذين هادوا) أي اليهود (حرمنا ما قصصنا عليك من قبل) في آية "" وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر "" إلى آخرها (وما ظلمناهم) بتحريم ذلك (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بارتكاب المعاصي الموجبة لذلك.

118

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين ما يحل وما يحرم لأهل الإسلام، أتبعه ببيان ما خص اليهود به من المحرمات فقال: {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ } وهو الذي سبق ذكره في سورة الأنعام. ثم قال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } وتفسيره هو المذكور في قوله تعالى: { أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } تفسير : [النساء: 160].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} بيّن أن الأنعام والحَرْث حلال لهذه الأمة، فأما اليهود فحرمت عليهم منها أشياء. {حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} أي في سورة الأنعام. {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} أي بتحريم ما حرمنا عليهم، ولكن ظلموا أنفسهم فحرمنا عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم؛ كما تقدم في النساء.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى أنه إنما حرم علينا الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وإنما أرخص فيه عند الضرورة، وفي ذلك توسعة لهذه الأمة التي يريد الله بها اليسر ولا يريد بها العسر، ذكر سبحانه وتعالى ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها، وما كانوا فيه من الآصار والتضييق والأغلال والحرج، فقال: {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} أي: في سورة الأنعام في قوله: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ} تفسير : [الأنعام: 146] ولهذا قال ههنا: {وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ} أي: فيما ضيقنا عليهم {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي: فاستحقوا ذلك؛ كقوله: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً} تفسير : [النساء: 160] ثم أخبر تعالى تكرماً وامتناناً في حق العصاة المؤمنين: أن من تاب منهم إليه، تاب عليه، فقال: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَـٰلَةٍ} قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ} أي: أقلعوا عما كانوا فيه من المعاصي، وأقبلوا على فعل الطاعات {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أي: تلك الفعلة والزلة {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ } أي اليهود {حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ } في آية { أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } تفسير : إلى آخرها {وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ } بتحريم ذلك {وَلَٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بارتكاب المعاصي الموجبة لذلك.

الخازن

تفسير : {وعلى الذين هادوا} يعني اليهود {حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} يعني ما سبق ذكره وبيانه في سورة الأنعام وهو قوله تعالى {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر}تفسير : [الأَنعام: 146] الآية {وما ظلمناهم} يعني بتحريم ذلك عليهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} يعني إنما حرمنا عليهم ما حرمنا بسبب بغيهم وظلمهم أنفسهم ونظيره قوله تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. وقوله تعالى {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة} المقصود من هذه الآية بيان فضل الله وكرمه وسعة مغفرته ورحمته، لأن السوء لفظ جامع لكل فعل قبيح فيدخل تحته الكفر وسائر المعاصي وكل ما لا ينبغي وكل من عمل السوء فإنما يفعله بجهالة، لأن العاقل لا يرضى بفعل القبيح فمن صدر عنه فعل قبيح من كفر أو معصية، فإنما يصدر عنه بسبب جهله إما لجهله بقدر ما يترتب عليه من العقاب أو لجهله بقدر من يعصيه، فثبت بهذا أن فعل السوء إنما يفعل بجهالة ثم إن الله تعالى وعد من عمل سوءاً بجهالة ثم تاب، وأصلح العمل في المستقبل أن يتوب عليه ويرحمه وهو قوله تعالى ثم تابوا من بعد ذلك، يعني من بعد عمل ذلك السوء {وأصلحوا} يعني أصلحوا العمل في المستقبل، وقيل معنى الإصلاح الاستقامة على التوبة {إن ربك من بعدها} يعني من بعد عمل السوء بالجهالة والتوبة منه {لغفور} يعني لمن تاب وآمن {رحيم} يعني بجميع المؤمنين والتائبين. قوله سبحانه وتعالى {إن إبراهيم كان أمة} حكى ابن الجوزي عن ابن الأنباري أنه قال: هذا مثل قول العرب: فلان رحمة وفلان علامة ونسابة يقصدون بهذا التأنيث قصد التناهي في المعنى الذي يصفونه به. والعرب توقع الأسماء المبهمة على الجماعة وعلى الواحد كقوله تبارك وتعالى {أية : فنادته الملائكة}تفسير : [آل عمران: 39] وإنما ناداه جبريل وحده، وإنما سمي إبراهيم صلى الله عليه وسلم أمة لأنه اجتمع فيه من صفات الكمال وصفات الخير الأخلاق الحميدة ما اجتمع في أمة. ومنه قول الشاعر: شعر : ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد تفسير : ثم للمفسرين في معنى اللفظة أقوال أحدها: قول ابن مسعود: الأمة معلم الخير يعني أنه كان معلماً للخير يأتّم به أهل الدنيا. والثاني قال مجاهد: إنه كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار فلهذا المعنى كان أمة واحدة ومنه "حديث : قوله صلى الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل "يبعثه الله أمة واحدة""تفسير : وإنما قال فيه المقالة لأنه كان فارق الجاهلية وما كانوا عليه من عبادة الأصنام. والثالث قال قتادة: ليس من أهل دين إلا وهم يتلونه ويرضونه، وقيل: الأمة فعلة بمعنى مفعولة، وهو الذي يؤتم به وكان إبراهيم عليه السلام إماماً يقتدى به دليله قوله سبحانه وتعالى {أية : إني جاعلك للناس إماماً}تفسير : [البقرة: 124] وقيل إنه عليه السلام هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ومن تبعه ممتازين عمن سواهم بالتوحيد لله والدين الحق وهو من باب إطلاق المسبب على السبب، وقيل: إنما سمي إبراهيم عليه السلام أمة لأنه قام مقام أمة في عبادة الله {قانتاً لله} يعني مطيعاً لله وقيل هو القائم بأوامر الله {حنيفاً} مسلماً يعني مقيماً على دين الإسلام لا يميل عنه ولا يزول. وهو أول من اختتن وضحّى، وأقام مناسك الحج {ولم يك من المشركين} يعني أنه عليه السلام كان من الموحدين المخلصين من صغره إلى كبره {شاكراً لأنعمه} يعني أنه كان شاكراً لله على أنعمه التي أنعم بها عليه {اجتباه} أي اختاره لنبوته واصطفاه لخلته {وهداه إلى صراط مستقيم} يعني هداه إلى دين الإسلام لأنه الصراط المستقيم والدين القويم {وآتيناه في الدنيا حسنة} يعني الرسالة والخلة. وقيل: هي لسان الصدق والثناء الحسن والقبول العام في جميع الأمم فإن الله حببه إلى جميع خلقه فكل أهل الأديان يتلونه المسلمون واليهود والنصارى، ومشركو العرب وغيرهم، وقيل: هو قول المصلي في التشهد: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. وقيل إنه آتاه أولاداً أبراراً على الكبر {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} يعني في أعلى مقامات الصالحين في الجنة. وقيل: معناه وإنه في الآخرة لمن الصالحين يعني الأنبياء في الجنة فتكون من بمعنى مع ولما وصف الله عز وجل إبراهيم عليه السلام بهذه الصفات الشريفة العالية، أمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه سلم باتباعه فقال تعالى {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم} يعني دينه وما كان عليه من الشريعة والتوحيد. قال أهل الأصول: كان النبي صلى الله عليه وسلم مأموراً بشريعة إبراهيم إلا ما نسخ منها وما لم ينسخ صار شرعاً له، وقال أبو جعفر الطبري أمره باتباعه في التبري من الأوثان والتدين بدين الإسلام وهو قوله {حنيفاً} مسلماً {وما كان من المشركين} تقدم تفسيره.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى -: {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ} الآية لما بيَّن ما يحلُّ وما يحرم لأهل الإسلام، أتبعه ببيان ما خصَّ اليهودية من المحرَّمات، فقال: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} وهو المذكور في سورة الأنعام عند قوله - تعالى -: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} تفسير : [الأنعام: 146]. وقوله: "مِنْ قَبْلُ" متعلق بـ "حَرَّمْنَا" أو بـ "قَصَصْنَا" والمضاف إليه قبل تقديره: من قبل تحريمنا على أهل ملتك. "ومَا ظَلمْنَاهُمْ" بتحريم ذلك عليهم {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} فحرَّمنا عليهم ببغيهم، وهو قوله: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ} تفسير : [النساء: 160]. قوله - تعالى -: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} الآية بين ههنا أن الافتراء على الله ومخالفة أمره، لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة، ولفظ "السُّوء" يتناول كل ما لا ينبغي، وهو الكفر والمعاصي، وكل من يفعل السوء فإنما يفعله جهلاً، أما الكفر فلأن أحداً لا يرضى به مع العلم بكونه كفراً؛ لأنه لو لم يعتقد كونه حقًّا، فإنَّه لا يختاره ولا يرتضيه، وأما المعصية، فلأن العالم لم تصدر عنه المعصية ما لم تصر الشَّهوة غالبة للعقل، فثبت أن كلَّ من عمل السوء فإنما يقدم عليه بسبب الجهالة، ثم تابوا من بعد ذلك، أي: من بعد تلك السَّيئة. وقيل: من بعد تلك الجهالة، ثم إنَّهم بعد التوبة عن تلك السَّيِّئات أصلحوا، أي: آمنوا وأطاعوا الله. قوله: "من بعدها" أي: من بعد عمل السوء والتوبة، والإصلاح، وقيل: على الجهالة، وقيل: على السوء، لأنه في معنى المعصية. "بجهالة" حال من فاعل "عملوا"، ثم أعاد قوله: "إن ربك من بعدها" على سبيل التأكيد، "لغَفُورٌ رَّحيمٌ" لذلك السوء الذي صدر عنه بسبب الجهالة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل‏}‏ قال‏:‏ في سورة الأنعام‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل‏} ‏ قال‏:‏ ما قص الله ذكره في سورة الأنعام، حيث يقول‏:‏ {أية : ‏وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ تفسير : [الأنعام: 146] إلى قوله‏:‏ ‏{أية : ‏وإنا لصادقون} ‏تفسير : [‏الأنعام: 146‏]‏‏.

القشيري

تفسير : بيَّن أنه أوضح لِمَنْ تَقَدَّمَ الحلالَ والحرامَ، فمنهم مَنْ أتى بما أُمِرَ به ومنهم مَنْ خالف.. وكلٌّ عُومِل بما استوجبه؛ فمن أطاع قلبُه قرَّبَه، ومَنْ عَصَى رَدَّه وحَجَبَه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وعلى الذين هادوا} يعنى على اليهود خاصة دون غيرهم من الاولين والآخرين{حرمنا ما قصصنا عليك} اى بقوله {أية : حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما}تفسير : الآية {من قبل}اى من قبل نزول الآية فهو متعلق بقصصنا او من قبل التحريم على هذه الامة فهو متعلق بحرمنا وهو تحقيق لما سلف من حصر المحرمات فيما فصل بابطال ما يخالفه من فرية اليهود وتكذيبهم فى ذلك فانهم كانوا يقولون لسنا اول من حرمت عليه وانما كانت محرمة على نوح وابراهيم ومن بعدهما حتى انتهى الامر الينا {وما ظلمناهم} بذلك التحريم {ولكن كانوا انفسهم يظلمون} حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه حسبما نعى عليهم فى قوله تعالى {أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم}تفسير : الآية ولقد القمهم الحجر قوله تعالى {أية : كل الطعام كان حلا لبنى اسرائيل الا ما حرم اسرائيل على نفسه من قبل ان تنزل التوراة قل فأَتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين}تفسير : - روى - انه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك بهتو او لم يجرأوا ان يخرجوا التوراة كيف وقد بين ان تحريم ما حرم عليهم من الطيبات لظلمهم وبغيهم عقوبة وتشديد اوضح بيان. وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم فى التحريم.

الجنابذي

تفسير : {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} فى قوله وعلى الّذين هادوا حرّمنا كلّ ذى ظفر (الآية) {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} بتحريم ما حرّمنا عليهم بل صاروا متسحقّين للمنع والتحريم كما فى قوله فبظلمٍ من الّذين هادوا حرّمنا (الآية) {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ} الاتيان بثمّ لتفاوت الجملتين من حيث انّ الاولى للتّشديد والتّغليظ والثّانية للتّلطّف واظهار الرّحمة {لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} بانصرافهم عن دار العَلم ودخولهم تحت حكم الجهل {ثُمَّ تَابُواْ} ورجعوا عن مقام الجهل وندموا على ما وقع منهم {مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ} بتدارك ما لزمهم من حقوق النّاس وما فات منهم او لزمهم من حقوق الله {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} من بعد التّوبة {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تكرار انّ ربّك مثل ما سبق.

اطفيش

تفسير : {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} انتسبوا لليهودية أو تسلموا بها {حَرَّمْنا مَا قَصَصْنَا عَليْكَ مِن قَبْلُ} فى سورة الأَنعام إِذ قال {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر} تفسير : الآية ومن قبل متعلق بقصصنا والقبلية باعتبار النزول وباعتبار ترتيب السور على ما قالوا إِن ترتيبها بالوحى ويجوز تعليق من قيل بحرمنا {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} بتحريم ذلك {وَلَكِن كَانُوا أنفُسَهُمْ يَظْلِمُون} فى تحريم ذلك بفعل ما عوقبوا به عليه وفى الآية فرق بين اليهود وغيرهم فى تحريم ذلك عليهم بالعقوبة وإِن التحريم قد يكون لذلك وقد يكون مصلحة ودفع مضرة.

اطفيش

تفسير : {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} متعلق بقوله: {حَرَّمْنَا} قدم للحصر، وعلى طريق الاهتمام بالذم تعالى الله عن الاهتمام، ووجه الاتصال بما قبله بيان ما حرم علينا للمضرة وما حل، وبيَّن ما حرم على اليهود انتقاما منهم لبغيهم كما قال: {مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ} يا محمد {مِنْ قَبْلُ} فى سورة الأنعام ذا الظفر، وشحوم البعير والغنم، إلا ما حملت ظهورها أوالحوايا أو ما اختلط بعظم متعلق بقصصنا، والمراد من قبل نزول هذه الآية، أو بحرّمنا فالمراد من قبل تحريم ما حرم على هذه الأمة، لكن ما حرم عليها ليس ما حرم على اليهود فى سورة الأنعام، بتعليقه بقصصنا أولى، وفى الحصر تكذيب اليهود إذ قالوا: ما حرم عينا قد حرم من قبلنا على نوح وإبراهيم ومَن بعدهما، كما كذبهم بقوله عز وجل: "أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيباتٍ أُحلت لهم"تفسير : [النساء: 160]. {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} بتحريم ذلك {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ} مفعول لقوله {يَظْلِمُونَ} ظلموا أنفسهم بالبغى فعوقبوا بتحريم ذلك، ومع ذلك زادوا كفراً بأن يبيعوه ويأكلوا ثمنه، وكفراً آخر إذ أحله الله لهم ببعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فبقوا على تحريمه من عند أنفسهم اتباعًا لما مضى، وقد أوجب الله عليهم أن يؤمنوا به ويتبعوه فى حله.

الالوسي

تفسير : {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ} خاصة دون غيرهم من الأولين {حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} أي من قبل نزول هذه الآية وذلك في قوله تعالى في سورة الأنعام [146]: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } تفسير : الآية، والظاهر أن {مِن قَبْلُ } متعلق ـ بقصصنا ـ وجوز تعليقه ـ بحرمنا ـ والمضاف إليه المقدر ما مر أيضاً. ويحتمل أن يقدر {مِن قَبْلُ } تحريم ما حرم على أمتك، وهو أولى على ما قيل، وجوز أن يكون الكلام من باب التنازع، وهذا تحقيق لما سلف من حصر المحرمات فيما فصل بإبطال ما يخالف من فرية اليهود وتكذيبهم في ذلك، فإنهم كانوا يقولون: لسنا أول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما حتى انتهى الأمر إلينا {وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ } بذلك التحريم {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث فعلوا ما عوقبوا عليه بذلك حسبما نعى عليهم قوله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } تفسير : [النساء: 160] الآية، وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم وأنه كما يكون للمضرة يكون للعقوبة.

ابن عاشور

تفسير : لما شنّع على المشركين أنهم حرّموا على أنفسهم ما لم يحرّمه الله، وحذّر المسلمين من تحريم أشياء على أنفسهم جرياً على ما اعتاده قومهم من تحريم ما أحلّ لهم، نظّرَ أولئك وحَذّر هؤلاء. فهذا وجه تعقيب الآية السالفة بآية {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل}. والمراد منه ما ذُكر في سورة الأنعام، كما روي عن الحسن وعكرمة وقتادة. وقد أشار إلى تلك المناسبة قوله: {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}، أي وما ظلمناهم بما حرّمنا عليهم ولكنهم كفروا النعمة فحُرِموا من نِعم عظيمة. وغيّر أسلوب الكلام إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لأن جانب التحذير فيه أهم من جانب التنظير. وتقديم المجرور في {وعلى الذين هادوا} للاهتمام، وللإشارة إلى أن ذلك حرّم عليهم ابتداء ولم يكن محرّماً من شريعة إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ التي كان عليها سلفهم، كما قال تعالى: {أية : كل الطعام كان حلاً لبني إسرئيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} تفسير : [سورة آل عمران: 93]، أي عليهم دون غيرهم فلا تحسبوا أن ذلك من الحنيفية.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} الآية. هذا محرم عليهم، المقصوص عليه من قبل المحال عليه هنا هو المذكور في (سورة الأنعام) في قوله: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ}تفسير : [الأنعام: 146]. وجملة المحرمات عليهم في هذه الآية الكريمة ظاهرة، وهو كل ذي ظفر: كالنعامة والبعير، والشحم الخالص من البقر والغنم (وهو الثروب) وشحم الكلى. أما الشّحم الذي على الظهر، والذي في الحوايا وهي اللأمعاء، والمختلط بعظم كلحم الذنب وغيره من الشحوم المختلطة بالعظام - فهو حلال لهم. كما هو واضح من الآية الكريمة.

الواحدي

تفسير : {وعلى الذين هادوا حرَّمنا ما قصصنا عليك من قبل} يعني: في سورة الأنعام: {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كلَّ ذي ظفر...} تفسير : الآية. {وما ظلمناهم} بتحريم ما حرَّمنا عليهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بأنواع المعاصي. {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة} أَيْ: الشِّرك {ثم تابوا من بعد ذٰلك} آمنوا وصدَّقوا {وأصلحوا} قاموا بفرائض الله وانتهوا عن معاصيه {إن ربك من بعدها} من بعد تلك الجهالة {لغفور رحيم}. {إنَّ إبراهيم كان أمة} مؤمناً وحده، والنَّاس كلُّهم كفَّارٌ {قانتاً} مُطيعاً {لله حنيفاً} لأنَّه اختتن وقام بمناسك الحجِّ.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 118- ولم تحرم إلا على اليهود - وحدهم - ما قصصناه عليك - أيها النبى - من قبل نزول هذه الآيات، وهو كل ذى ظفر، وشحوم البقر والغنم، إلا ما حملت ظهورها، أو الحوايا أو ما اختلط بالعظام. وما ظلمناهم بهذا التحريم، ولكنهم الذين ظلموا أنفسهم، لتسببهم فيه بسبب تماديهم وشراهتهم وعدم وقوفهم عند الحلال. 119- ثم إن الذين عملوا السوء تحت تأثير طيش وغفلة عن تدبر العواقب، ثم تابوا من ذلك الذنب، وأصلحوا نفوسهم وأعمالهم، فإن ربك - أيها النبى - يغفر لهم ذنوبهم، لأنه - سبحانه - بعد هذه التوبة كثير التجاوز عن السيئات، واسع الرحمة بالعباد. 120- إن إبراهيم الذى تفخرون به - أيها المشركون أنتم واليهود - كان جامعا لكل الفضائل، بعيدا عما أنتم عليه من باطل، خاضعاً لأمر ربه ولم يكن مثلكم مشركا به. 121- وكان شاكرا لنعم ربه عليه، ولهذا كله اختاره اللَّه لحمل رسالته، ووفقه لسلوك طريق الحق المستقيم الموصل للنعيم الدائم. 122- وجعلنا له فى الدنيا ذكرا حسنا على كل لسان، وسيكون قطعا فى الآخرة فى زمرة الصالحين المنعَّمين بجنات اللَّه ورضوانه. 123- ثم أوحينا إليك - أيها النبى - بعد إبراهيم بقرون عديدة، وأمرناك باتباع إبراهيم فيما دعا إليه من التوحيد والفضائل والبعد عن الأديان الباطلة، فإنه لم يكن من الذين يشركون مع اللَّه آلهةً أخرى كما يزعم هؤلاء المشركون.

د. أسعد حومد

تفسير : {ظَلَمْنَاهُمْ} (118) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ حَرَّمَ عَلَى اليَهُودِ فِي شَرْعِهِمْ مَا قَصَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ الكَريمِ مِنْ قَبْلِ هذِهِ الآيَةِ (فِي سُوَرةِ الأَنْعَامِ إِذْ جَاءَ فِيهَا {أية : شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا}تفسير : وَهُنَا يَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ ضَيَّقَ عَلَى اليَهُودِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وَبَغْيِهِمْ، وَصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، فَاسْتَحَقُّوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَظْلِمْهُمُ اللهُ، وَإِنَّمَا هُمُ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ.

الثعلبي

تفسير : {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} بتحريم ذلك عليهم {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} فجزيناهم ببغيهم {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} الآية قيل الهاء في قوله بعدها راجع إلى الجهالة، وقيل: إلى المعصية لأن السوء بمعنى المعصية، فردّ الكناية إلى المعنى، وقيل: إلى الفعلة {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} أي معلماً للخير يأتم بأهل الدنيا، وقد اجتمع فيه من الخصال الحميدة والأخلاق الجميلة ما يجتمع في أمة. روى الشعبي عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً} فقلت: إنما قال الله: (إن إبراهيم كان أُمة قانتا). فقال: أتدري ما الأُمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم، قال: الأُمة الذي يعلَّم الخير والقانت المطيع لله. وكذلك كان معاذ بن جبل فكان يعلَّم الخير وكان مطيعاً لله ولرسوله. وقال مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كفار كلهم، وقال قتادة: ليس من أهل دين إلا يقولونه ويرضونه. شهر بن حوشب قال: لم يبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض ويخرج بركتها، إلاّ زمن إبراهيم فإنه كان وحده {قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً} مسلماً مستقيماً على دين الاسلام {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ٱجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً} يعني الرسالة والحكمة والثناء الحسن. وقال مقاتل بن حيان: يعني الصلوات في قول هذه الأُمة: اللهم صل على محمّد وعلى آل محمّد كما صليت على إبراهيم، [وقيل] أولاداً أبراراً على الكبر. وقيل: القبول العام في جميع الأُمم {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} حاجاً مسلماً {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}. ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : جاء جبرئيل (عليه السلام) إلى إبراهيم (عليه السلام) فراح به إلى منى فصلى به الصلوات جميعاً الظهر، والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر ثمّ غدا به إلى عرفات فصلى به الصلاتين جميعاً الظهر والعصر، ثمّ راح فوقف به حتّى إذا غربت الشمس أفاض به إلى جمع فصلى به الصلاتين المغرب والعشاء، ثمّ بات به حتّى إذا كان كما عجل ما يصلي أحد من المسلمين صلى به [الفجر]، ثمّ وقف حتّى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين أفاض به إلى منى فرمى الجمرة وذبح وحلق، ثمّ أفاض به إلى البيت فطاف به" فأوحى الله تعالى إلى محمّد {أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} . تفسير : {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ} يقول: ما فرض الله تعالى بتعظيم السبت وتحريمه إلاّ على الذين اختلفوا فيه. فقال بعضهم: هو أعظم الأيام، لأن الله فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة ثمّ سبت يوم السبت. وقال آخرون: بل أعظم الله يوم الأحد لانه اليوم الذي ابتدأ الله فيه خلق الأشياء واختاروا تعظيم غير مافرض الله عليهم تعظيمه، وتركوا تعظيم يوم الجمعة الذي فرض عليهم تعظيمه واستحلوه. قال الكلبي: أمرهم موسى بالجمعة فقال: تفرغوا لله عزّ وجلّ في كل سبعة أيام يوماً واحداً فأعبدوه في يوم الجمعة ولا تعملوا فيه لصناعتكم، وستة أيام لصناعتكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا لا نريد إلاّ اليوم الذي فرض الله من الخلق يوم السبت، فجعل ذلك عليهم وشدد عليهم فيه. ثمّ جاءهم عيسى بن مريم بالجمعة فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، يعنون اليهود وإتخذوا [يوم] الأحد فقال الله {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ}. قال قتادة: الذين اختلفوا فيه يعني اليهود واستحله بعضهم وحرمه بعضهم. روى همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بَيَد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتينا من بعدهم فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد ". تفسير : روى المسيب عن أبي سنان عن مكحول الشامي قال: حديث : كان لعمر بن الخطاب على يهودي حق فلقيه عمر فقال: والذي أصطفى أبا القاسم على البشر لا تعمل لي وأنا أطلبك [بشيء]. فقال اليهودي: ما اصطفى الله أبا القاسم على البشر، فرفع عمر عليه السلام يده فلطم عينه، فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال اليهودي: إن عمر زَعم إن الله إصطفاك على البشر وإني زعمت أن الله لم يصطفك على البشر، فرفع يده فلطمني، فقال صلى الله عليه وسلم "أما أنت يا عمر فأرضه مِنْ لطمته، بلى يا يهودي، آدم صفي الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى نجي الله، وعيسى روح الله، وأنا حبيب الله، بلى يا يهودي إسمان من أسماء الله تعالى سمّى بهما أمتي، سمّى نفسه السلام وسمّى أمتي المسلمين، وسمّى نفسه المؤمن وسمّى أمتي المؤمنين، بلى يا يهودي طلبتم يوماً وذخر لنا يعني يوم الجمعة فاليوم لنا عيد وغداً لكم وبعد غد للنصارى، بلى يا يهودي أنتم الأولون ونحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بلى يا يهودي إن الجنة محرّمة على الانبياء حتّى أدخلها أنا وإنها لمحرمة على الأمم حتّى يدخلها أمتي ". تفسير : {ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ} دين ربك {بِٱلْحِكْمَةِ} بالقرآن {وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} يعني مواعظ القرآن {وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي أحسن. قال المفسرون: أعرض عن أذاهم ولا تقصّر في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق، ونسختها آية القتال {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}. قال أكثر المفسرين: سورة النحل مكية كلها إلاّ ثلاث آيات {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} إلى آخرها، فإنها نزلت بالمدينة في شهداء أحد، وذلك حديث : أن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بقتلهم يوم أحد في تبقير البطون وقطع المذاكير والمثلة السيئة، حتّى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا وقد مُثّل به غير حنظلة الراهب فإن أباه أبو عامر الراهب كان مع أبي سفيان، فتركوا حنظلة لذلك، فقال المسلمون حين رأوا ذلك: لئن أظهرنا الله عليهم لتزيدنّ على صنيعهم ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط ولنفعلنَّ ولنفعلنَّ، ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمّه حمزة بن عبد المطلب وقد جدعوا أنفه وإذنه وقطعوا مذاكيره وبقروا بطنه، وأخذت هند بن عتبة قطعة من كبده فمصصته ثمّ استرطتها لتأكلها، فلم تلبث في بطنها حتّى رمت بها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "أما إنها لو أكلته لم تدخل النار أبداً، حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيئاً من جسده النار" فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه حمزة نظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه فقال صلى الله عليه وسلم "رحمة الله عليك فإنك ما علمتك ما كنت إلا فعالاً للخيرات وصولا للرحم، ولولا حزن من بعدك عليك لسرّني أن أُدعك حتّى تحشر من أفواه شتى، أم والله لئن أظفرني الله عليهم لأُمثلن بسبعين منهم مكانك". فأنزل الله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} الآية فقال صلى الله عليه وسلم "بل نصبر" فأمسك عمّا أراد وكفّر يمينه . تفسير : وقال ابن عبّاس والضحاك: وكان هذا قبل نزول براءة حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاتل من قاتله ولا يبدأ بالقتال، فلمّا أعز الله الاسلام وأهله ونزلت براءة وأُمروا بالجهاد، نسخت هذه الآية. وقال قوم: بل هذه الآية محكمة وإنما نزلت فيمن ظلم بظلامة فلا يحل له أن ينال من ظالم أكثر مما نال الظالم منه أمر بالجزاء أو العفو ونهى عن الاعتداء. وهذا قول النخعي والثوري ومجاهد وابن سيرين، ثمّ قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي بمعونة الله وتوفيقه {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} في إعراضهم عنك {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ}. قرأها بكسر الضاد هاهنا وفي سورة النحل ابن كثير والباقون: بالفتح وإختاره أبو عبيد، وقال: لأن الضيق في قلة المعاش وفي المساكن، فأما ما كان في القلب والصدر فإنه ضيق. وقال أبو عمرو وأهل البصرة: الضيّق بفتح الضاد، الغم والضِيق بالكسر [الشدّة]. وقال الفراء وأهل الكوفة: هما لغتان معروفتان في كلام العرب مثل رَطل ورِطل. وقال ابن قتيبة: الضيق تخفيف ضيق مثل هين وهيّن ولين وليّن، وعلى هذا التأويل صفته كأنه قال: ولا تكن في أمر ضيق. {مِّمَّا يَمْكُرُونَ} من مكرهم {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} بالعون والنصرة. روى شعبة عن أبي يونس عن أبي قزعة عن هرم بن حيان وقالوا له: أوصنا. قال: أوصيكم بالآيات الأواخر من سورة النحل {ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ} إلى آخر السورة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن تكلمت الآيات فيما أحلَّ الله وفيما حرَّم، وبيَّنتْ أن التحليل أو التحريم لله تعالى، جاءت لنا بصورة من التحريم، لا لأن الشيء ذاته مُحرَّم، بل هو مُحرَّم تحريم عقوبة، كالذي مثَّلْنَا له سابقاً بحرمان الطفل من الحلوى عقاباً له على سُوء فِعْله. والذين هادوا هم: اليهود عاقبهم الله بتحريم هذه الأشياء، مع أنها حلال في ذاتها، وهذا تحريم خاصٌّ بهم كعقوبة لهم. وقوله تعالى: {مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ..} [النحل: 118]. المراد ما ذُكِر في سورة الأنعام من قوله تعالى: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} تفسير : [الأنعام: 146]. كل ذي ظفر: الحيوان ليس منفرجَ الأصابع، والحوايا: هي المصارين والأمعاء، ونرى أن كل هذه الأشياء المذكورة في الآية حلال في ذاتها، ومُحلَّلة لغير اليهود، ولكن الله حرَّمها عليهم عقوبةً لهم على ظلمهم وبغيهم، كما قال تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ ..} تفسير : [النساء: 160-161]. أي: بسبب ظلمهم حَرَّمنا عليهم هذه الطيبات. ذلك لأن مَنْ أخذ حكماً افتراءً على الله فحرَّم ما أحلَّ الله. أو حلَّل ما حرَّم الله لا بُدَّ أنْ يُعاقبَ بمثله فيُحرِّم عليه ما أحِلّ لغيره، وقد وقع الظلم من اليهود لأنهم اجترأوا على حدود الله وتعاليمه، وأول الظلم وقمته الشرك بالله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. والظلم نَقْل الحق من صاحبه إلى غيره. ومن ظلمهم: ما قالوه لموسى - عليه السلام - بعد أن عبر بهم البحر، ومرُّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قال تعالى: {أية : وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ..} تفسير : [الأعراف: 138]. ومن ظلمهم: أنهم عبدوا العجل من دون الله. ومن ظلمهم لموسى - عليه السلام -: أنهم لم يؤمنوا به. كما قال تعالى: {أية : فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ} تفسير : [يونس: 83]. ومن ظلمهم: {أية : وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [النساء: 161]. إذن: بسبب ظلمهم وأخذهم غير حَقِّهم حرَّم الله عليهم أشياء كانت حلالاً لهم؛ لذلك قال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118]. ظلموا أنفسهم بأن أعطوا لأنفسهم متاعاً قليلاً عاجلاً، وحرموها من المتعة الحقيقية الباقية. ثم يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 1511- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ}: [الآية: 118]، قال: هو الذي في سُورة الأنْعام. {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ}تفسير : : [الأنعام: 146].