Verse. 2020 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

ثُمَّ اِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِيْنَ عَمِلُوا السُّوْۗءَ بِجَــہَالَۃٍ ثُمَّ تَابُوْا مِنْۢ بَعْدِ ذٰلِكَ وَاَصْلَحُوْۗا۝۰ۙ اِنَّ رَبَّكَ مِنْۢ بَعْدِہَا لَغَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۱۱۹ۧ
Thumma inna rabbaka lillatheena AAamiloo alssooa bijahalatin thumma taboo min baAAdi thalika waaslahoo inna rabbaka min baAAdiha laghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم إن ربك للذين عملوا السوء» الشرك «بجهالة ثم تابوا» رجعوا «من بعد ذلك وأصلحوا» عملهم «إن ربك من بعدها» أي الجهالة أو التوبة «لغفور» لهم «رحيم» بهم.

119

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود بيان أن الافتراء على الله ومخالفة أمر الله لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة. ولفظ السوء يتناول كل ما لا ينبغي وهو الكفر والمعاصي، وكل من عمل السوء فإنما يفعله بالجهالة، أما الكفر فلأن أحداً لا يرضى به مع العلم بكونه كفراً، فإنه ما لم يعتقد كون ذلك المذهب حقاً وصدقاً، فإنه لا يختاره ولا يرتضيه، وأما المعصية فما لم تصر الشهوة غالبة للعقل والعلم لم تصدر عنه تلك المعصية، فثبت أن كل من عمل السوء فإنما يقدم عليه بسبب الجهالة، فقال تعالى: إنا قد بالغنا في تهديد أولئك الكفار الذين يحللون ويحرمون بمقتضى الشهوة والفرية على الله تعالى، ثم إنا بعد ذلك نقول: إن ربك في حق الذين عملوا السوء بسبب الجهالة، ثم تابوا من بعد ذلك، أي من بعد تلك السيئة، وقيل: من بعد تلك الجهالة، ثم إنهم بعد التوبة عن تلك السيئات أصلحوا، أي آمنوا وأطاعوا الله. ثم أعاد قوله: {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } على سبيل التأكيد. ثم قال: {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } والمعنى: إنه لغفور رحيم لذلك السوء الذي صدر عنهم بسبب الجهالة، وحاصل الكلام أن الإنسان وإن كان قد أقدم على الكفر والمعاصي دهراً دهيراً وأمداً مديداً، فإذا تاب عنه وآمن وأتى بالأعمال الصالحة فإن الله غفور رحيم، يقبل توبته ويخلصه من العذاب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ} أي الشرك؛ قاله ابن عباس. وقد تقدم في النساء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوء } الشرك {بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابُواْ } رجعوا {مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ } عملهم {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } أي الجهالة أو التوبة {لَغَفُورٌ } لهم {رَّحِيمٌ } بهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِجَهَالَةٍ} أنه سوء، أو بغلبة الشهوة مع العلم بأنه سوء.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} هذه آية تأنيسٍ لجميعِ العالم فهي تتناوَلُ كلَّ كافرٍ وعاصٍ تَابَ من سوءِ حالِهِ، قالتْ فرقة: «الجهالة»؛ هنا: العَمْد، والجهالة؛ عندي في هذا الموضع: ليست ضد العلْم، بل هي تَعَدِّي الطَّوْر ورُكُوب الرأْس. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : « أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَليِّ» تفسير : وقد تقدَّم بيان هذا، وقلَّما يوجَدُ في العصاة مَنْ لم يتقدَّم له علْم بُحَظْر المعصيةِ التي يُوَاقِع. وقوله سبحانه: {إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـانِتًا لِلَّهِ...} الآية: لما كَشَفَ اللَّه فعْلَ اليهودِ وتحكُّمهم في شرعهم بذكْر ما حرَّم عليهم - أراد أنْ يبيِّن بُعْدَهم عن شرْعِ إِبراهيم عليه السلام، «والأمة»، في اللغة: لفظةٌ مشتركةٌ تقع لِلْحِينِ، وللجَمْعِ الكثير، وللرَّجُل المنفردِ بطريقةٍ وحده، وعلى هذا الوجه سُمِّي إِبراهيم عليه السلام أمة، قال مجاهد: سُمِّيَ إِبراهيم أمةً؛ لانفراده بالإِيمان في وقته مدَّةً مَّا، وفي البخاريِّ؛ أنه قال لِسَارَةَ: «لَيْسَ عَلَى الأرْضِ اليَوْمَ مؤمنٌ غيري وغَيْرُكِ»، وفي البخاريِّ قال ابنُ مسعودِ: الأُمَّة معلِّمُ الخَيْرِ والقانِتُ: المطيعُ الدائِمُ على العبادَةِ، والحَنِيف: المائلُ إلى الخير والصَّلاح. وقوله سبحانه: {وَآتَيْنَـٰهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً}، الآية «الحسنةُ»: لسَانُ الصدق، وإِمامته لجميعِ الخَلْق؛ هذا قول جميع المفسِّرين، وذلك أنَّ كل أمةٍ متشرِّعة، فهي مقرَّة أنَّ إِيمانها إِيمان إِبراهيم، وأنه قُدْوَتُها، وأنه كان على الصواب. * ت *: وهذا كلامٌ فيه بعض إِجمالٍ، وقد تقدَّم في غير هذا الموضعِ بيانه، فلا نطوِّل بسَرْده. وقوله سبحانه: {أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ...} الآية: الـــ {مِلَّةَ }: الطريقةُ في عَقَائدِ الشَّرْعِ.

التستري

تفسير : قوله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ}[119] قال سهل: ما عصى الله تعالى أحد إلا بجهل، ورُبَّ جهلٍ أورث علماً، والعلم مفتاح التوبة، والإصلاح صحة التوبة، فمن لم يصلح توبته فعن قريب تفسد توبته، لأن الله تعالى يقول: {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ}[119]، وسئل سهل عن الجاهل، فقال: الذي يكون إمام نفسه، ولا يكون له إمام صالح يقتدي به.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ} [الآية: 119]. قال سهل: ما عصى اللهَ تعالى أحدٌ إلا بجهل ورُبّ جهل أورث علمًا، والعلم مفتاح التوبة وفى الصلاح صحة التوبة، ومن لم يصلح فى توبته فعن قريب يفسد عليه توبته، لأن الله تعالى يقول: {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ}.

القشيري

تفسير : إذا نَدِمُوا على قبيح ما قَدَّمُوا، وأَسِفُوا على كثيرٍ مما أسلفوا وفيه أسرقوا، ومَحَا صِدْقُ عَبْرَتِهم آثارَ عَثْرَتِهم - نظَرَ اللَّهُ إليهم بالرحمة، فتابَ عليهم إذا أصلحوا، ونجَّاهم إذا تضرَّعوا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ} اى باشروا مراد الهوى بجهلهم على صفات ربهم الاعلى من قهر ولطف ثم تابوا من بعد ما راوا مكايد الشيطان وعيوب النفس وعرفوا موضع خطاهم وندموا على ما فات عنهم من اوقات سنية وحالات شريفة واصلحوا ما افسدوا بالورع التام والزهد على الدوام والندم على فوت الايام وغفلتهم فى المنام يوفقهم بالاستقامة فى طاعته وبقائهم بنعمتها فى رعايتها لذلك قال {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال سهل ما عصى الله احد الا بجهل ورب جهل اورث علما والعلم مفتاح التوبة وفى الصلاح صحة التوبة من لم يصلح فى توبته عن قريب يفسد عليه توبته لان الله يقول ثم تابوا من بعد ذلك واصلحوا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم ان ربك للذين عملوا السوء بجهالة} [بسبب غفلت ونادانى وعدم تفكر در عواقب امور]. وعن ابن عباس رضى الله عنهما كل من يعمل سوأ فهو جاهل وان كان يعمل ان ركوبه سيئة. والسوء يحتمل الافتراء على الله وغيره. واللام متعلقة بالخير وهو لغفور وان الثانية تكرير على سبيل التأكيد لطول الكلام ووقوع الفصل كمامر فى قوله تعالى {أية : ثم ان ربك للذين هاجروا}تفسير : الآية{ثم تابوا من بعد ذلك} اى من بعدما عملوا السوء والتصريح به مع دلالة ثم عليه للتأكيد والمبالغة {وأصلحوا} اعمالهم او دخلوا فى الصلاح {ان ربك من بعدها} من بعد التوبة كقوله {أية : اعدلوا هو اقرب للتقوى}تفسير : فى ان الضمير عائد الى مصدر الفعل. قال سعدى المفتى لم يذكر الاصلاح لانه تكميل التوبة فانها الندم على المعصية من حيث انها معصية مع عزم ان لا يعود فعدم العود والاصلاح تحقيق لذلك العزم {لغفور} لذلك السوء اى ستور له محاء {رحيم} يثبت على طاعته تركا وفعلا وتكرير قوله تعالى ان ربك لتأكيد الوعد واظهار كمال العناية بانجازه. فعلى العاقل ان يرجع عن الاعراض عن الله ويقبل عليه بصدق الطلب واخلاص العمل والتوبة بمنزلة الصابون فكما ان الصابون يزيل الاوساخ الظاهرة فكذلك التوبة تزيل الاوساخ الباطنة اعنى الذنوب وفى المثنوى شعر : كرسيه كردى تونامه عمر خويش توبه كن زانها كه كردستى توبيش عمر اكر بكذشت بيخش اين دم است آب توبه اش ده اكر اوبى نم است بيخ عرمت را بده آب حيات تار درخت عمر كردد باثبات جمله ماضيها ازين نيكو شوند زهر بارينه ازاين كردد جوقند تفسير : واعلم ان توبة العوام من السيآت وتوبة الخواص من الزلات والغفلات وتوبة الاكابر من رؤية الحسنات والالتفات الى الطاعات لا تركها والعبد اذا رجع عن السيئة واصلح عمله اصلح الله شأنه وافضل الاعمال خلاف هوى النفس والذكر بلا اله الا الله وفى الحديث "حديث : ان لله عمودا من ياقوت احمر رأسه تحت العرش واسفله على ظهر الحوت فى الارض السفلى فاذا قال العبد لا اله اله الله محمد رسول الله عن نية صادقة اهتز العرش فتحرك الحوت والعمود فيقول الله تعالى أسكن يا عرشى فيقول العرش كيف اسكن وانت لا تغفر لقائلها فيقول الله تعالى اشهدوا يا سكان سمواتى انى قد غفرت لقائلها الذنوب صغيرها وكبيرها سرها وعلانيتها"تفسير : فبذكر الله تعالى يتخلص العبد من الذنوب وبه تحصل تزكية النفس وتصفية القلوب

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ثم إن ربك للذين عملوا السُّوء}؛ كالشرك، والافتراء على الله، وغير ذلك، {بجهالةٍ} أي: ملتبسين في حال العمل بجهالة، كالجهل بالله وبعقابه، وعدم التدبر في عواقبه؛ لغلبة الشهوة عليه، {ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} عملهم، {إن ربك من بعدها} أي: التوبة، أو الجهالة، {لغفور} لذلك السوء، {رحيمٌ} بهم؛ يثيبهم على الإنابة. الإشارة: كل من أساء الأدب، ثم تاب وأناب، التحق بالأحباب. قال بعضهم: "كل سوء أدب يثمر أدبًا فهو أدب". والتوبة تتبع المقامات؛ فتوبة العوام: من الهفوات، وتوبة الخواص: من الغفلات، وتوبة خواص الخواص: من الفترات عن شهود الحضرات. وبالله التوفيق. ولما رغب في الشكر ذكرانه من ملة خليله إبراهيم ومن حبيبه عليه أفضل الصلاة

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى إِن الذي خلقك يا محمد {للذين عملوا السوء} يعني المعصية {بجهالة} أي بداعي الجهل، لانه يدعو إِلى القبيح، كما أَن داعي العلم يدعو إِلى الخير، فقد يكون ذلك للجاهل بالشيء وقد يكون للغافل الذي يعمل عمل الجاهل بتغليب هواه على عقله. وقوله {ثم تابوا} يعني رجعوا عن تلك المعصية، وندموا عليها،وعزموا على أن لا يعودوا إِلى مثلها في القبح {وأصلحوا} نياتهم وافعالهم، فإِن الذي خلقك من بعد فعلهم ما ذكرناه من التوبة {غفور} لهم ستّار عليهم {رحيم} بهم، منعم عليهم. وإِنما شرط مع التوبة فعل الصلاح استدعاء إِلى فعل الصلاح ولئلا يغترّوا بما سلف من التوبة حتى يقع الاهمال لما يكون من الاستقبال.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ} كالافتراء على الله سبحانه والشرك وسائر المعاصى {بِجَهَالَةٍ} الباء للسببية متعلقة بعملوا أو للإِلصاق، متعلقة بمحذوف حال أى متلبسين بجهالة والجهالة الجهل وتعم الجهل بالله سبحانه وتعالى والجهل بعقابه وعدم التدبر فى العواقب لغلبة الشهوة عليهم، وتعم الجهل بحرمة الشىء وتعمده مع العلم بحرمته، فإِن الجهل كما يطلق على عدم إِدراك الشىء يطلق على تعدى الحد مع العلم، يقال جهل عليه فلان أى نال من قدره وعدا طوره عليه ومنه ما ورد فى الحديث "حديث : اللهم إِنى أعوذ بك أن أجهل أو يجهل علىَّ" تفسير : وإن كثيراً ممن يفعل السوء إِنما يفعله مع علمه بتحريمه بل قيل قل ما يوجد فى العصاة من لم يتقدم له علم يحضر المعصية التى يواقع، وذكر بعض أن العاصى يعصى لجهله أو لجهل العقاب أو لجهل قدر من يعصيه ومر كلام فى ذلك {ثُمَّ تَابُوا} من الجهالة وعمل السوء {مِن بَعْدِ ذَلِكَ} أى بعد عمل السوء {وأصْلَحُوا} عملهم {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أى بعد الجهالة التى تابوا منها أو بعد التوبة منها {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} يثيب على الإِنابة ولكون إِبراهيم هو رسول الموحدين المجادل للمشركين المبطل مذاهبهم بالحجج عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن فى النبوة وتحريم ما حل فقال: {إِن إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} أى جماعة عظيمة من الناس لاستكماله خصائل من العبادة ومكارم الأَخلاق لا توجد فى فرد واحد بل توجد متفرقة فى أشخاص كثيرة ونظيره من المعرف بأل قولك زيد الرجل أى الجامع ما تفرق من الخصال فى الرجال فلما اجتمع فى إِبراهيم ما يتفرق فى الجماعة العظيمة سمى باسمها وفى معنى ذلك قال أبو نواس فى مدح ابن الربيع: شعر : ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم فى واحد تفسير : أى من الجائز أن يجمع الله تبارك وتعالى خصال العالم بفتح اللام فى رجل واحد. وقال مجاهد سمى أُمة لأَنه كان وحده مؤمنا وكان سائر الناس كفارا والمتميز عما سواه يسمى فى اللغة أُمة، وأيضا هو المعتبر دون من فى زمانه من المشركين، فكأَنه منفرد فى زمانه فكان أحق باسم الأُمة دون أهل زمانه إِذ لم يعتبروا، وأول من تبعه زوجته أسلمت ثم تزوجها وتسمى سارة. وفى البخارى أنه قال لسارة ليس على الأَرض اليوم مؤمن غيرى وغيرك. وقال ابن مسعود سمى أُمة لأَنه يعلم الناس الخير وأن الأُمة كل من يعلم الناس الخير الخ روى الشعبى عن قراءة ابن نوفل الأَشجعى عن ابن مسعود أنه قال إِن معاذا كان أُمة قانتا لله فقيل له: غلطت إِنما هو إِبراهيم ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال الأُمة الذى يعلم الخير والقانت المطيع لله، وكان معاذ كذلك وعن عمر ـ رضى الله عنه ـ أنه قال حين قيل له ألا تستخلف لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته ولو كان معاذ حيا لاستخلفته ولو كان سالم حيا لاستخلفته فإِنى سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول "حديث : أبو عبيدة أمين هذه الأُمة ومعاذ أُمة الله قانت ليس بينه وبين الله يوم القيامة إِلا المرسلون وسالم شديد الحب لله ثم لو كان لا يخاف الله لا يعصيه"تفسير : وقيل أُمة فى الآية فعلة بضم الفاء وإِسكان العين بمعنى مفعول كالهمزة بضم الهاء وإِسكان الميم بمعنى المهموز من أُمه يؤمه إِذا قصده أو اقتدى به قال الناس كانوا يقصدونه فى زمانه وبعده للاستفادة ويقتدون بسيرته فهو إِمام لهم كما قال الله عز وجل {أية : إِنى جاعلك للناس إِماماً} تفسير : وهذا القول والذى قبله مترادفان فى المعنى فإِن معلم الخير يقصد ويقتدى به أو الأَخير أعم من حيث أنهُ يشمل الاقتداء به ولو بلا تعليم وذكر ولأَنه ما من أهل دين إِلا يتولونه ويرضونه وكان محبباً فى الناس مقربا عند الملوك والعظماء وقيل أُمة هى هذه الأُمة لأَن إِبراهيم هو الأَصل السابق فى كون هذه الأُمة أُمة ممتازة عن الأُمم بالتوحيد فسمى باسم المسبب {قَانِتاً للهِ} مطيعا لله قائِما بأَوامره منتهيا عن مناهيه دائما على العبادة ولله متعلق بقانتا ويحتمل تعليقه بقوله {حَنِيفاً} أى مائلا لله أى إِلى دينه عن سائر الأَديان وهو أول من ضحى وأقام مناسك الحج واختتن ورد على المشركين من قريش وغيرهم فى زعمهم أنهم على دين إِبراهيم بالفرق بأَنه ليس مشركا وهم مشركون وهو شاكر لأَنعم الله وهم كافرون لها فقال {وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ} بل من الموحدين المخلصين فى صغره وكبره وقوله {شَاكِراً} من إِخبار كان فى قوله إن إِبراهيم كان إِلخ {لأَنْعُمِهِ} جمع قلة مراده به الكثرة ويجوز بقاؤه على معنى القلة فيدل على شكر النعم الكثيرة بالأُولى فإِن من يشكر النعم القليلة جدير بشكر الكثيرة والمراد نعم الدين والدنيا روى أنه لا يتغذى إِلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأَخر غداءه فإِذا هو بفوج من الملائكة فى صورة البشر، فدعاهم إِلى الطعامه فتكلموا له كلاماً ما يتوهم منه أن بهم جذاما مثل أن يقولوا ولو كان بنا جذام فقال الآن وجبت مواكلتكم شكراً لله تعالى على أنه عافانى وابتلاكم {اجْتَبَاهُ} اختاره للنبوة والخلة والجملة مستأنفة أو حال من الضمير فى شاكراً أو خبر آخر لكان على تقدير قد أو بدونه {وَهَدَاهُ إِلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو دين الإِسلام الذى عليه محمد وأصحابه وقيل الجنة.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ} الشرك والافتراء على الله، وسائر المعاصى، وسمى الذنب سوءًا لأنه قبيح، ولأنه يسوء صاحبه، ولأنه يسوء غيره إذ كان متعديا إلى غيره، بل يسوء مطلقًا، فمن فعل ذنبًا فقد أساء إِلى الملائكة والنبى وموتاه فى قبورهم يخبرون به، وذلك فى الجملة، والخبر هو قوله: للذين أى إن ربك لهم لا عليهم، وذلك عموم للخير لهم فى الدنيا والآخرة، ثم نص على ما هو الأفضل فى قوله:{إن ربك من بعدها لغفور رحيم}وهذا أولى من أن يقدر خبر إن الله غفور رحيم محذوف لدلالة ما بعده، والآية فى المخصوصين، ويقاس عليهم غيرهم أو على العموم فيدخل هؤلاء المخصوصون بالأولى. {بِجَهَالَةٍ} الجهالة السفه والغواية، يقول السلف: كل من عصى اله فهو جاهل حتى ينزع من جهالته، فالجهالة أعم من عدم العلم، وكل عمل سوء لا يصدر إِلا ممن جهل العاقبة، أو تنزل منزلة جاهلها لتغلب ظلمة هواه على نور عقله، إِذ لا يرضى عاقل بقبيح يورث خزيا وعذابا دائمين، والباء سببية أو للمصاحبة، وثم لبُعد ما بين الحالتين، وهو التراخى الرتبى. وفى قوله: {ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أَى بعد عمل السوء للتراخى الزمانى، فكيف لو لم يتراخ زمان التوبة، وذكر من بعد ذلك تكرار الامتنانة كمن أساء إليك وأنعمت عليه، وذكرت له أن ما فعل لم يمنعك من الخير إليه. {وَأَصْلَحُوا} حالهم بعد بالعمل الصالح، أو أصلحوا أعمالهم والمصدق واحد، أو دخلوا فى الصلاح. {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا} بعد التوبة هذا أولى من أن يرد الضمير للجهالة، ولو كان هو الاسم الصريح، لأنه يقدر معه التوبة، ولا تقدير على الأول لرجوع الضمير إليها، ولو كانت غير صريحة الاسم، وأما أصلحوا فمن إجزاء التوبة، وأجيز عوده إلى جملة ما مر من عمل السوء والتوبة والإصلاح. ومن متعلق بقوله: {لَغفُورٌ}، أو بقوله: {رَحِيمٌ} ويقدر مثله للآخر بفتح الخاء، وفى ذلك خروج لام أن عن المصدر، وهو المتبادر فى آيات كثيرة من القرآن، ويجوز أن تكون الآية فى المشرك والفاسق، والإصلاح فى حق المشرك لما بعد، وفى حق الفاسق بتدارك ما مضى، وعلى كل حال المراد لغفور لهم رحيم بهم.

الالوسي

تفسير : / {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوء} هو ما يسىء صاحبه من كفر أو معصية ويدخل فيه الافتراء على الله تعالى، وعن ابن عباس أنه الشرك، والتعميم أولى {بِجَهَالَةٍ} أي بسببها، على معنى أن الجهالة السبب الحامل لهم على العمل كالغيرة الجاهلية الحاملة على القتل وغير ذلك، وفسرت الجهالة بالأمر الذي لا يليق، وقال ابن عطية: هي هنا تعدى الطور وركوب الرأس لا ضد العلم، ومنه ما جاء في الخبر «حديث : اللهم أعوذ بك من أن أجهل أو يجهل عليَّ» تفسير : وقول الشاعر:شعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : نعم كثيراً ما تصحب هذه الجهالة التي هي بمعنى ضد العلم، وفسرها بعضهم بذلك وجعل الباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال أي ملتبسين بجهالة غير عارفين بالله تعالى وبعقابه أو غير متدبرين في العواقب لغلبة الشهوة عليهم {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ} أي من بعد ما عملوا ما عملوا، والتصريح به مع دلالة {ثُمَّ} عليه للتوكيد والمبالغة {وَأَصْلَحُواْ} أي أصلحوا أعمالهم أو دخلوا في الصلاح، وفسر بعضهم الإصلاح بالاستقامة على التوبة {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أي التوبة كما قال غير واحد، ولعل الإصلاح مندرج في التوبة وتكميل لها. وقال أبو حيان: الضمير عائد على المصادر المفهومة من الأفعال السابقة أي من بعد عمل السوء والتوبة والإصلاح، وقيل: يعود على الجهالة، وقيل: على السوء على معنى المعصية وليس بذاك {لَغَفُورٌ} لذلك السوء {رَّحِيمٌ} يثيب على طاعته سبحانه فعلاً وتركاً، وتكرير {إِنَّ رَبَّكَ} لتأكيد الوعد وإظهار كمال العناية بإنجازه، والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم مع ظهور الأثر في التائبين للإيماء إلى أن إفاضة آثار الربوبية من المغفرة والرحمة عليهم بتوسطه صلى الله عليه وسلم وكونهم من أتباعه كما مر عن قريب، والتقييد بالجهالة قيل: لبيان الواقع لأن كل من يعمل السوء لا يعمله إلا بجهالة. وقال العسكري: ليس المعنى أنه تعالى يغفر لمن يعمل السوء بجهالة ولا يغفر لمن عمله بغير جهالة بل المراد أن جميع من تاب فهذه سبيله، وإنما خص من يعمل السوء بجهالة لأن أكثر من يأتي الذنوب يأتيها بقلة فكر في عاقبة الأمر أو عند غلبة الشهوة أو في جهالة الشباب فذكر الأكثر على عادة العرب في مثل ذلك، وعلى القولين لا مفهوم للقيد.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الآية من اللواتي قبلها كموقع قوله السابق {أية : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} تفسير : [سورة النحل: 110]. فلما ذكرت أحوال أهل الشرك وكان منها ما حرّموه على أنفسهم، وكان المسلمون قد شاركوهم أيام الجاهلية في ذلك، ووردت قوارع الذمّ لما صنعوا، كان مما يتوهم علوقه بأذهان المسلمين أن يحسبوا أنهم سينالهم شيء من غمص لما اقترفوه في الجاهلية، فطمأن الله نفوسهم بأنهم لما تابوا بالإقلاع عن ذلك بالإسلام وأصلحوا عملهم بعد أن أفسدوا فإن الله قد غفر لهم مغفرة عظيمة ورحمهم رحمة واسعة. ووقع الإقبال بالخطاب على النبي إيماءً إلى أن تلك المغفرة من بركات الدين الذي أرسل به. وذكر اسم الرب مضافاً إلى ضمير النبي للنكتة المتقدمة آنفاً في قوله: {ثم إن ربك للذين هاجروا}. والجهالة: انتفاء العلم بما يجب. والمراد: جهالتهم بأدلّة الإسلام. و{ثمّ} للترتيب الرتبي، لأن الجملة المعطوفة بــــ{ثمّ} تضمّنت حكم التوبة وأن المغفرة والرحمة من آثارها، وذلك أهم عند المخاطبين مما سبق من وعيد، أي الذين عملوا السوء جاهلين بما يدلّ على فساد ما علموه. وذلك قبل أن يستجيبوا لدعوة الرسول فإنهم في مدّة تأخّرهم عن الدخول في الإسلام موصوفون بأنهم أهل جهالة وجاهلية، أو جاهلين بالعقاب المنتظر على معصية الرسول وعنادهم إياه. ويدخل في هذا الحكم من عمل حَراماً من المسلمين جاهلاً بأنه حرام وكان غير مقصّر في جهله. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة} تفسير : في سورة النساء (17). وقوله: {إن ربك من بعدها} تأكيد لفظي لقوله: {ثم إن ربك} لزيادة الاهتمام بالخبر على الاهتمام الحاصل بحرف التوكيد ولام الابتداء. ويتصل خبر {إنّ} باسمها لبعد ما بينهما. ووقع الخبر بوصف الله بصفة المبالغة في المغفرة والرحمة، وهو كناية عن غفرانه لهم ورحمته إيّاهم في ضمن وصف الله بهاتين الصفتين العظيمتين. والباء في {بجهالة} للملابسة، وهي في موضع الحال من ضمير {عملوا}. وضمير {من بعدها} عائد إلى الجهالة أو إلى التوبة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة: أي ثم إن ربك غفورٌ رحيمٌ للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا. من بعدها: أي من بعد الجهالة والتوبة. إن إبراهيم كان أمة: أي إماماً جامعاً لخصال الخير كلها قدوة يقتدى به في ذلك. قانتاً لله حنيفاً: أي مطيعاً لله حنيفاً: مائلاً إلى الدين القيم الذي هو الإسلام. اجتباه: أي ربه اصطفاه للخلة بعد الرسالة والنبوة. وآتيناه في الدنيا حسنة: هي الثناء الحسن من كل أهل الأديان السماوية. إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه: أن اليهود أمروا بتعظيم الجمعة فرفضوا وأبوا إلا السبت ففرض الله عليهم ذلك وشدد لهم فيه عقوبة لهم. معنى الآيات: بعدما نددت الآيات في سياق طويل بالشرك وإنكار البعث والنبوة من قبل المشركين الجاحدين المعاندين، وقد أوشك سياق السورة على الانتهاء فتح الله تعالى باب التوبة لهم وقال: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ} أي بالمغفرة والرحمة {لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} فأشركوا بالله غيره وأنكروا وحيه وكذبوا بلقائه {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ} فوحدوه تعالى بعبادته وأقروا بنبوة رسوله وآمنوا بلقائه واستعدوا له بالصالحات {وَأَصْلَحُوۤاْ} ما كانوا قد أفسدوه من قلوبهم وأعمالهم وأحوالهم {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} من بعد هذه التوبة والأوبة الصحيحة {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} بهم. فكانت بشرى لهم على لسان كتاب ربهم. وقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ٱجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} إنه لما كان من شبه المشركين أنهم على دين أبيهم إبراهيم باني البيت وشارع المناسك ومحرم الحرم، واليهود والنصارى كذلك يدعون أنهم على ملة إبراهيم فأصر الجميع على أنه متبع لملة إبراهيم وأنه على دينه ورفضوا الإِسلام بدعوى ما هم عليه هو دين الله الذي جاء به إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام، ومن باب إبطال الباطل وإزاحة ستار الشبه وتنقية الحق لدعوة الحق والدين الحق ذكر تعالى جملةً من حياة إبراهيم الروحية والدينية كمثال حي ناطق لكل عاقل إذا نظر إليه عرف هل هو متبع لإبراهيم يعيش على ملته أو هو على غير ذلك. فقال تعالى {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} أي إماماً صالحاً جامعاً لخصال الخير، يقتدي به كل راغب في الخير. هذا أولاً وثانياً أنه كان قانتاً أي مطيعاً لربه فلا يعصي له أمراً ولا نهياً ثالثاً لم يك من المشركين بحال من الأحوال بل هو بريء من الشرك وأهله، ورابعاً كان شاكراً لأنعم الله تعالى عليه أي صارفاً نعم الله عليه فيما يرضي الله، خامساً اجتباه ربه أي اصطفاه لرسالته وخلته لأنه أحب الله أكثر من كل شيء فتخلل حب الله قلبه فلم يبق لغيره في قلبه مكان. فخالّه الله أي بادله خلة بخلّة فكان خليل الرحمن. سادساً وهداه إلى صراط مستقيم الذي هو الإِسلام، سابعاً وآتاه في الدنيا حسنة وهي الثناء الحسن والذكر الجميل من جميع أهل الأديان الإلهية الأصل. ثامناً وإنه في الآخرة لمن الصالحين الذين قال الله تعالى فيهم: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهي منزلة من أشرف المنازل وأسماها. تاسعاً مع جلالة قدر النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورفعة مكانته أمره الله تعالى أن يتبع ملة إبراهيم حنيفاً. هذا هو إبراهيم فمن أحق بالنسبة إليه، المشركون؟ لا! اليهود؟ لا، النصارى؟ لا! المسلمون الموحدون؟ نعم نعم اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم وأكرمنا يوم تكرمهم. وقالى تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} فيه دليل على بطلان دعوى اليهود أنهم على ملة إبراهيم ودينه العظيم، إذ تعظيم السبت لم يكن من دين إبراهيم، وإنما سببه أن الله تعالى أوحى إلى أحد أنبيائهم أن يأمر بني إسرائيل بتعظيم الجمعة فاختلفوا في ذلك وآثروا السبت عناداً ومكابرة فكتب الله عليهم تعظيم السبت. وقوله {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيه وعيد لهم وأنه سيجزيهم سوءاً على تمردهم على أنبيائهم واختلافهم عليهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- باب التوبة مفتوح لكل ذي ذنب عَظُم أو صغُر على شرط صدق التوبة بالإِقلاع الفوري والندم والاستغفار الدائم وإصلاح الفاسد. 2- تقرير التوحيد والإِعلان عن شأن إبراهيم عليه السلام وبيان كمالاته وإنعام الله عليه. 3- بيان أن سبت اليهود هو من نقم الله عليهم لا من نعمه وأفضاله عليهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِجَهَالَةٍ} (119) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ تَكْرُّمِهِ وَتَفَضُّلِهِ عَلَى المُؤْمِنِينَ العُصَاةِ، الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ، بِأَنَّهُ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، إِذَا تَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا رَبَّهُمْ، وَعَمِلُوا عَمَلاً صَالِحاً يَرْضَاهُ، وَأَنَّهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَهُمْ. (وَقَوْلُهُ تَعَالَى {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} يَعْنِي مِنْ بَعْدِ هَذِهِ الفِعْلَةِ). وَالَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ هُمُ الَّذِينَ يُقَارِفُونَ الفِعْلَ المُحَرَّمَ فِي لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظَاتِ الطَّيْشِ وَالانْفِعَالِ وَالضَّعْفِ الإِنْسَانِيِّ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يُقَارِفُونَ مُحَرَّماً مُنْكَراً، وَيَشْعُرُونَ فِي قَرَارَةِ نُفُوسِهِمْ بِالنَّدَمِ وَوَخْزِ الضَّمِيرِ لِمَا يَرْتَكِبُونَهُ حِينَمَا يَرْتَكِبُونَهُ. ثُمَّ لاَ يَلْبَثُونَ - حِينَمَا تَهْدَأُ نُفُوسُهُمْ وَيَثُوبُونَ إِلَى رُشْدِهِمْ - أَنْ يَتُوبُوا إِلَى اللهِ، وَيَسْتَغْفِرُوهُ، وَيَشْعُرُوا بِالنَّدَمِ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُمْ. بِجَهَالَةٍ - بِتَعَدِّي الطَّوْرِ وَرُكُوبِ الرَّأْسِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى يعطي عبده فرصة، ويفتح له باب التوبة والرجاء، فمن رحمته سبحانه بعباده أنْ شرع لهم التوبة من الذنوب، ومن رحمته أيضاً أن يقبلها منهم فيتوب عليهم. ولو أغلق باب التوبة لَتحوَّل المذنب - ولو لمرة واحدة - إلى مجرم يُعربد في المجتمع، وبفتح باب التوبة يقي الله المجتمع من هذه العربدة. ويبين الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة التوبة فيقول: "حديث : لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح ". تفسير : وقوله تعالى في بداية الآية: {ثُمَّ} تدلُّ على كثرة ما تقدم من ذنوب، ومع ذلك غفرها الله لهم لِيُبيِّن لك البَوْن الشاسع بين رحمة الله وإصرار العُصَاة على الكفران بالله، وعلى المعصية. وقوله تعالى: {بِجَهَالَةٍ}. أي: بطيش وحُمْق وسَفَه، وجميعها داخلة في الجهل بمعنى أنْ تعتقد شيئاً وهو غير واقع، فالجهل هنا ليس المراد منه عدم العلم، إنما الجاهل مَنْ كانت لديه قضية مخالفة للواقع وهو متمسك بها، والمراد أن ينظر إلى خير عاجل في نظره، ويترك خيراً آجلاً في نظر الشرع. وقد ورد هذا المعنى في قول الحق سبحانه: {أية : إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} تفسير : [النساء: 17]. بجهالة: يعني في لحظة سَفَه وطيْش، فالعاصي يعلم الحكم تماماً، ولكنه في غفلة عنه، وعدم تبصُّر بالعواقب، ولو فكَّر في عاقبة أمره ما تجرَّأ على المعصية. لذلك نقول: إن صاحب المعصية لا يُقدِم عليها إلا في غيبة العقل. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". تفسير : ولو استحضر قسوة الجزاء لما أقدم على معصيته، ولكن سفهه وطيْشه يُغلّف الجزاء ويستره عنه ويُزيّن له ما ينتظره من لذة ومتعة عاجلة. وهَبْ أن شخصاً ألحتْ عليه غريزة الجنس، وهي أشرس الغرائز في الإنسان، ففكّر في الفاحشة والعياذ بالله، وقبل أنْ يقع في هذه الوهدة السحيقة أخذناه إلى موقد النار، وذكّرناه بما غفل عنه من جزاء وعقوبة هذه الجريمة. بالله عليك، ماذا تراه يفعل؟ هل يُصِرّ على جريمته؟ لا، لأنه كان ذاهلاً غافلاً، وبمجرد أن تذكره يرجع. إذن: طيشه وسفهه صرفه عن التفكر في العاقبة وأذهله عن رَدِّ الفعل، وجعله ينظر إلى الأمور نظرة سطحية متعجِّلة. وقوله: {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ ..} [النحل: 119]. والتوبة هنا هي التوبة النصوح الصادقة، التي ينوي صاحبها الإقلاع عنها وعدم العَوْد إليها مرة أخرى، ويعزم على ذلك حال توبته، فإذا فعل ذلك قَبِل الله منه وتاب عليه. ولا يمنع ذلك أن يعود للذنب مرة أخرى إذا ضعُفَتْ نفسه عن المقاومة، فإنْ عاد عاد إلى التوبة من جديد، لأن الله سبحانه من أسمائه (التواب) أي: كثير التوبة، فلم يقل: تائب بل تواب، فلا تنقطع التوبة في حق العبد مهما أذنب، وعليه أنْ يُحدِث لكل ذنبٍ توبة. بل وأكثر من ذلك، إذا تاب العبد وأحسن التوبة، وأتى بالأعمال الصالحة بدلاً من السيئة، منَّ الله عليه بأن يُبدِّل سيئاته حسنات، وهذه معاملة رب كريم غفور رحيم. وقوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 119]. فيه إشارة لحرص النبي صلى الله عليه وسلم علينا، وأنه يسرُّه أن يغفر الله لنا. {إِنَّ رَبَّكَ} يا محمد غفور رحيم، فكأنه سبحانه يمتنُّ على نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سيغفر للمذنبين من أمته. ثم يقول الحق سبحانه واصفاً نبيه إبراهيم عليه السلام: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا حض منه لعباده على التوبة، ودعوة لهم إلى الإنابة، فأخبر أن من عمل سوءا بجهالة بعاقبة ما تجني عليه، ولو كان متعمدا للذنب، فإنه لا بد أن ينقص ما في قلبه من العلم وقت مفارقة الذنب. فإذا تاب وأصلح بأن ترك الذنب وندم عليه وأصلح أعماله، فإن الله يغفر له ويرحمه ويتقبل توبته ويعيده إلى حالته الأولى أو أعلى منها.