Verse. 2021 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

اِنَّ اِبْرٰہِيْمَ كَانَ اُمَّۃً قَانِتًا لِّلہِ حَنِيْفًا۝۰ۭ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ۝۱۲۰ۙ
Inna ibraheema kana ommatan qanitan lillahi haneefan walam yaku mina almushrikeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن إبراهيم كان أُمَّة» إماما قدوة جامعا لخصال الخير «قانتا» مطيعا «لله حنيفا» مائلاً إلى الدين القيم «ولم يك من المشركين».

120

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما زيف في هذه السورة مذاهب المشركين في أشياء، منها قولهم بإثبات الشركاء والأنداد لله تعالى، ومنها طعنهم في نبوة الأنبياء والرسل عليهم السلام، وقولهم لو أرسل الله رسولاً لكان ذلك الرسول من الملائكة. ومنها قولهم بتحليل أشياء حرمها الله، وتحريم أشياء أباحها الله تعالى، فلما بالغ في إبطال مذاهبهم في هذه الأقوال، وكان إبراهيم عليه السلام رئيس الموحدين وقدوة الأصوليين، وهو الذي دعا الناس إلى التوحيد وإبطال الشرك وإلى الشرائع. والمشركون كانوا مفتخرين به معترفين بحسن طريقته مقرين بوجوب الاقتداء به، لا جرم ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة، وحكى عنه طريقته في التوحيد ليصير ذلك حاملاً لهؤلاء المشركين على الإقرار بالتوحيد والرجوع عن الشرك، واعلم أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام بصفات: الصفة الأول: أنه كان أمة، وفي تفسيره وجوه: الأول: أنه كان وحده أمة من الأمم لكماله في صفات الخير كقوله: شعر : ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد تفسير : الثاني: قال مجاهد، كان مؤمناً وحده، والناس كلهم كانوا كفاراً فلهذا المعنى كان وحده أمة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: « حديث : يبعثه الله أمة وحده » تفسير : . الثالث: أن يكون أمة فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والبغية، فالأمة هو الذي يؤتم به، ودليله قوله: { أية : إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } تفسير : [البقرة: 124]. الرابع: أنه عليه السلام هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ممتازين عمن سواهم بالتوحيد والدين الحق، ولما جرى مجرى السبب لحصول تلك الأمة سماه الله تعالى بالأمة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، وعن شهر بن حوشب لم تبق أرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم عليه السلام فإنه كان وحده. الصفة الثانية: كونه قانتاً لله، والقانت هو القائم بما أمره الله تعالى به قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه كونه مطيعاً لله. الصفة الثالثة: كونه حنيفاً والحنيف المائل إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى، وهذه صفة الحنيفية. الصفة الرابعة: قوله: {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } معناه: أنه كان من الموحدين في الصغر والكبر والذي يقرر كونه كذلك أن أكثر همته عليه السلام كان في تقرير علم الأصول فذكر دليل إثبات الصانع مع ملك زمانه وهو قوله: { أية : رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ } تفسير : [البقرة: 258] ثم أبطل عبادة الأصنام والكواكب بقوله: { أية : لا أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] ثم كسر تلك الأصنام حتى آل الأمر إلى أن ألقوه في النار، ثم طلب من الله أن يريه كيفية إحياء الموتى ليحصل له مزيد الطمأنينة، ومن وقف على علم القرآن علم أن إبراهيم عليه السلام كان غارقاً في بحر التوحيد. الصفة الخامسة: قوله: {شَاكِراً لأَنْعُمِهِ } روي أنه عليه السلام كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخر غداءه فإذا هو بقوم من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فأظهروا أن بهم علة الجذام فقال: الآن يجب علـيّ مؤاكلتكم فلولا عزتكم على الله تعالى لما ابتلاكم بهذا البلاء. فإن قيل: لفظ الأنعم جمع قلة، ونعم الله تعالى على إبراهيم عليه السلام كانت كثيرة. فلم قال: {شَاكِراً لأَنْعُمِهِ }. قلنا: المراد أنه كان شاكراً لجميع نعم الله إن كانت قليلة فكيف الكثيرة. الصفة السادسة: قوله: {ٱجْتَبَـٰهُ } أي اصطفاه للنبوة. والاجتباء هو أن تأخذ الشيء بالكلية وهو افتعال من جبيت، وأصله جمع الماء في الحوض والجابية هي الحوض. الصفة السابعة: قوله: {وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي في الدعوة إلى الله والترغيب في الدين الحق والتنفير عن الدين الباطل، نظيره قوله تعالى: { أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ } تفسير : [الأنعام: 153]. الصفة الثامنة: قوله: {وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً } قال قتادة: إن الله حببه إلى كل الخلق فكل أهل الأديان يقرون به، أما المسلمون واليهود والنصارى فظاهر، وأما كفار قريش وسائر العرب فلا فخر لهم إلا به، وتحقيق الكلام أن الله أجاب دعاءه في قوله: { أية : وَٱجْعَل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلآخِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 84] وقال آخرون: هو قول المصلي منا كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وقيل: الصدق، والوفاء والعبادة. الصفة التاسعة: قوله: {وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }. فإن قيل: لم قال: {وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } ولم يقل: وإنه في الآخرة في أعلى مقامات الصالحين؟ قلنا: لأنه تعالى حكى عنه أنه قال: { أية : رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [البقرة: 130] فقال ههنا: {وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تنبيهاً على أنه تعالى أجاب دعاءه ثم إن كونه من الصالحين لا ينفي أن يكون في أعلى مقامات الصالحين فإن الله تعالى بين ذلك في آية أخرى وهي قوله: { أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } تفسير : [الأنعام: 83]. واعلم أنه تعالى لما وصف إبراهيم عليه السلام بهذه الصفات العالية الشريفة قال: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } وفيه مباحث: البحث الأول: قال قوم: إن النبـي صلى الله عليه وسلم كان على شريعة إبراهيم عليه السلام، وليس له شرع هو به منفرد، بل المقصود من بعثته عليه السلام إحياء شرع إبراهيم عليه السلام وعول في إثبات مذهبه على هذه الآية وهذا القول ضعيف، لأنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بأنه ما كان من المشركين، فلما قال: {ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } كان المراد ذلك. فإن قيل: النبـي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية وإذا كان كذلك لم يكن متابعاً له فيمتنع حمل قوله: {إِنْ أَتَّبِعْ } على هذا المعنى فوجب حمله على الشرائع التي يصح حصول المتابعة فيها. قلنا: يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن. البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف»: لفظة «ثم» في قوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ } تدل على تعظيم منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلال محله والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ملته من قبل، إن هذه اللفظة دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة عن سائر المدائح التي مدحه الله بها.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً} دعا عليه السلام مشركي العرب إلى مِلّة إبراهيم؛ إذ كان أباهم وباني البيت الذي به عِزهم؛ والأمّة: الرجل الجامع للخير، وقد تقدم محامله. وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك قال: بلغني أن عبد الله بن مسعود قال: يرحم الله معاذا! كان أُمّة قانتا. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، إنما ذكر الله عز وجل بهذا إبراهيم عليه السلام. فقال ابن مسعود: إن الأمّة الذي يعلّم الناس الخير، وإن القانت هو المطيع. وقد تقدم القنوت في البقرة و «حنيفا» في الأنعام.

ابن كثير

تفسير : يمدح تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء ووالد الأنبياء، ويبرئه من المشركين ومن اليهودية والنصرانية، فقال: {إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} فأما الأمة: فهو الإمام الذي يقتدى به، والقانت: هو الخاشع المطيع، والحنيف: المنحرف قصداً عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} قال سفيان الثوري: عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين عن أبي العبيدين: أنه سأل عبد الله بن مسعود عن الأمة القانت، فقال: الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله، وعن مالك قال: قال ابن عمر: الأمة: الذي يعلم الناس دينهم، وقال الأعمش: عن يحيى بن الجزار عن أبي العبيدين: أنه جاء إلى عبد الله، فقال: من نسأل إذا لم نسألك؟ فكأن ابن مسعود رق له، فقال: أخبرني عن الأمة، فقال: الذي يعلم الناس الخير. وقال الشعبي: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، وقال: إنما قال الله: {إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً} فقال: أتدري ما الأمة، وما القانت؟ قلت: الله أعلم، فقال: الأمة: الذي يعلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله، وكذلك كان معاذ. وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود، أخرجه ابن جرير. وقال مجاهد: أمة: أي: أمة وحده، والقانت: المطيع. وقال مجاهد أيضاً: كان إبراهيم أمة: أي: مؤمناً وحده، والناس كلهم إذ ذاك كفار. وقال قتادة: كان إمام هدى، والقانت: المطيع لله. وقوله: {شَاكِراً لأَنْعُمِهِ} أي: قائماً بشكر نعم الله عليه؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ } تفسير : [النجم: 37] أي: قام بجميع ما أمره الله تعالى به. وقوله: {ٱجْتَبَـٰهُ} أي: اختاره واصطفاه؛ كقوله: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 51]، ثم قال: {وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي. وقوله: {وَءاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً} أي: جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة {وَإِنَّهُ فِى ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}. وقال مجاهد في قوله: {وَءاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً} أي: لسان صدق. وقوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا} أي: ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه، أنا أوحينا إليك ياخاتم الرسل وسيد الأنبياء: {أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} كقوله في الأنعام: {أية : قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبِّىۤ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 16] ثم قال تعالى منكراً على اليهود:

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً } إماما قدوة جامعا لخصال الخير {قَٰنِتًا } مطيعا {لِلَّهِ حَنِيفًا } مائلاً إلى الدين القيّم {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }.

الشوكاني

تفسير : لما فرغ سبحانه من دفع شبه المشركين وإبطال مطاعنهم، وكان إبراهيم عليه السلام من الموحدين وهو قدوة كثير من النبيين ذكره الله في آخر هذه السورة فقال: {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً } قال ابن الأعرابيّ: يقال للرجل العالم: أمّة، والأمّة: الرجل الجامع للخير. قال الواحدي: قال أكثر أهل التفسير: أي معلماً للخير، وعلى هذا فمعنى كون إبراهيم كان أمّة أنه كان معلماً للخير أو جامعاً لخصال الخير أو عالماً بما علمه الله من الشرائع. وقيل: أمّة بمعنى مأموم أي: يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير كما قال سبحانه: {أية : إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا }تفسير : [البقرة: 124] والقانت: المطيع. وقد تقدّم بيان معاني القنوت في البقرة. والحنيف: المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وقد تقدّم بيانه في الأنعام. {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } بالله كما تزعمه كفار قريش أنه كان على دينهم الباطل. {شَاكِراً لأَنْعُمِهِ } التي أنعم الله بها عليه وإن كانت قليلة كما يدلّ عليه جمع القلة، فهو شاكر لما كثر منها بالأولى {ٱجْتَبَـٰهُ } أي: اختاره للنبوّة واختصه بها {وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وهو ملة الإسلام ودين الحق. {وَءاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً } أي: خصلة حسنة أو حالة حسنة. وقيل: هي الولد الصالح. وقيل: الثناء الحسن. وقيل: النبوّة. وقيل: الصلاة منا عليه في التشهد. وقيل: هي أنه يتولاه جميع أهل الأديان. ولا مانع أن يكون ما آتاه الله شاملاً لذلك كله ولما عداه من خصال الخير {وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } حسبما وقع منه السؤال لربه حيث قال: {أية : وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ * وَٱجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلآخِرِينَ * وَٱجْعَلْنِى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ }تفسير : [الشعراء: 83 - 85]. {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } يا محمد مع علوّ درجتك وسموّ منزلتك، وكونك سيد ولد آدم {أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } وأصل الملة اسم لما شرعه الله لعباده على لسان نبيّ من أنبيائه. وقيل: والمراد هنا اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم لملة إبراهيم في التوحيد والدعوة إليه. وقال ابن جرير: في التبرّي من الأوثان، والتدّين بدين الإسلام. وقيل: في مناسك الحج. وقيل: في الأصول دون الفروع. وقيل: في جميع شريعته، إلاّ ما نسخ منها، وهذا هو الظاهر، وقد أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بالأنبياء مع كونه سيدهم، فقال تعالى: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ }تفسير : [الأنعام: 90]. وانتصاب {حَنِيفاً } على الحال من إبراهيم، وجاز مجيء الحال منه؛ لأن الملة كالجزء منه. وقد تقرّر في علم النحو أن الحال من المضاف إليه جائز إذا كان يقتضي المضاف العمل في المضاف إليه، أو كان جزءاً منه أو كالجزء {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } وهو تكرير لما سبق للنكتة التي ذكرناها. {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } أي: إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه، أو إنما جعل فرض تعظيم السبت وترك الصيد فيه على الذين اختلفوا فيه، لا على غيرهم من الأمم. وقد اختلف العلماء في كيفية الاختلاف الكائن بينهم في السبت، فقالت طائفة: إن موسى أمرهم بيوم الجمعة وعيّنه لهم، وأخبرهم بفضيلته على غيره، فخالفوه وقالوا: إن السبت أفضل، فقال الله له: دعهم وما اختاروا لأنفسهم. وقيل: إن الله سبحانه أمرهم بتعظيم يوم في الأسبوع، فاختلف اجتهادهم فيه، فعينت اليهود السبت، لأن الله سبحانه فرغ فيه من الخلق، وعينت النصارى يوم الأحد لأن الله بدأ فيه الخلق. فألزم الله كلا منهم ما أدّى إليه اجتهاده، وعيّن لهذه الأمة الجمعة من غير أن يكلهم إلى اجتهادهم فضلاً منه ونعمة. ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم، فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه، ولم يجعله على إبراهيم ولا على غيره {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } أي: بين المختلفين فيه {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فيجازي كلا فيه بما يستحقه ثواباً وعقاباً، كما وقع منه سبحانه من المسخ لطائفة منهم والتنجية لأخرى. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يدعو أمته إلى الإسلام فقال {ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ } وحذف المفعول للتعميم، لكونه بعث إلى الناس كافة، وسبيل الله هو الإسلام {بِٱلْحِكْمَةِ } أي: بالمقالة المحكمة الصحيحة. قيل: وهي الحجج القطعية المفيدة لليقين {وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } وهي المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع، وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها. قيل: وهي الحجج الظنية الإقناعية الموجبة للتصديق بمقدّمات مقبولة. قيل: وليس للدعوة إلاّ هاتان الطريقتان، ولكن الداعي قد يحتاج مع الخصم الألدّ إلى استعمال المعارضة والمناقضة، ونحو ذلك من الجدل. ولهذا قال سبحانه: {وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } أي: بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة. وإنما أمر سبحانه بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً، وكان خصمه مبطلاً وغرضه فاسداً {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ } لما حثّ سبحانه على الدعوة بالطرق المذكورة، بيّن أن الرشد والهداية ليس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ذلك إليه تعالى فقال: {إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ } أي: هو العالم بمن يضلّ ومن يهتدّي {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } أي: بمن يبصر الحقّ فيقصده غير متعنت، وإنما شرع لك الدعوة، وأمرك بها قطعاً للمعذرة، وتتميماً للحجة، وإزاحة للشبهة، وليس عليك غير ذلك. ثم لما كانت الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع إلى الحق، فإن أبوا قوتلوا، أمر الداعي بأن يعدل في العقوبة فقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ } أي: أردتم المعاقبة {فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } أي: بمثل ما فعل بكم، لا تجاوزوا ذلك. قال ابن جرير: أنزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلاّ مثل ظلامته، لا يتعدّاها إلى غيرها. وهذا صواب؛ لأن الآية وإن قيل: إن لها سبباً خاصاً كما سيأتي، فالاعتبار بعموم اللفظ، وعمومه يؤدّي هذا المعنى الذي ذكره، وسمى سبحانه الفعل الأوّل الذي هو فعل البادىء بالشرّ عقوبة، مع أن العقوبة ليست إلاّ فعل الثاني، وهو المجازي للمشاكلة، وهي باب معروف وقع في كثير من الكتاب العزيز. ثم حثّ سبحانه على العفو فقال: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّـٰبِرينَ } أي: لئن صبرتم عن المعاقبة بالمثل، فالصبر خير لكم من الانتصاف، ووضع {الصابرين} موضع الضمير، ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون على الشدائد. وقد ذهب الجمهور إلى أن هذه الآية محكمة لأنها واردة في الصبر عن المعاقبة والثناء على الصابرين على العموم. وقيل: هي منسوخة بآيات القتال، ولا وجه لذلك. ثم أمر الله سبحانه رسوله بالصبر فقال: {وَٱصْبِرْ } على ما أصابك من صنوف الأذى {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } أي: بتوفيقه وتثبيته. والاستثناء مفرغ من أعمّ الأشياء، أي: وما صبرك مصحوباً بشيء من الأشياء إلاّ بتوفيقه لك. وفيه تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم. ثم نهاه عن الحزن فقال: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } أي: على الكافرين في إعراضهم عنك، أو لا تحزن على قتلى أحد، فإنهم قد أفضوا إلى رحمة الله. {وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ } قرأ الجمهور بفتح الضاد، وقرأ ابن كثير بكسرها. قال ابن السكيت: هما سواء، يعني: المفتوح والمكسور. وقال الفراء: الضيق بالفتح: ما ضاق عنه صدرك، والضيق بالكسر: ما يكون في الذي يتسع، مثل الدار والثوب. وكذا قال الأخفش، وهو من الكلام المقلوب؛ لأن الضيق. وصف للإنسان يكون فيه ولا يكون الإنسان فيه، وكأنه أراد وصف الضيق بالعظم حتى صار كالشيء المحيط بالإنسان من جميع جوانبه، ومعنى {مما يمكرون}: من مكرهم لك فيما يستقبل من الزمان. ثم ختم هذه السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } أي: اتقوا المعاصي على اختلاف أنواعها {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } بتأدية الطاعات والقيام بما أمروا بها منها. وقيل: المعنى {إن الله مع الذين اتقوا} الزيادة في العقوبة، {والذين هم محسنون} في أصل الانتقام، فيكون الأوّل إشارة إلى قوله: {فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } والثاني إشارة إلى قوله: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّـٰبِرينَ }، وقيل {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } إشارة إلى التعظيم لأمر الله {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } إشارة إلى الشفقة على عباد الله تعالى. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد، بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود: أنه سئل عن الأمة ما هي؟ فقال: الذي يعلم الناس الخير، قالوا: فما القانت؟ قال: الذي يطيع الله ورسوله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ } قال: كان على الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره، فلذلك قال الله: {كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ }. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {كَانَ أُمَّةً } قال: إماماً في الخير {قَـٰنِتًا } قال: مطيعاً. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من عبد تشهد له أمة، إلاّ قبل الله شهادتهم"تفسير : . والأمة: الرجل فما فوقه، إن الله يقول {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً } والأمة الرجل فما فوقه. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عمرو وقال: صلى جبريل بإبراهيم الظهر والعصر بعرفات، ثم وقف حتى إذا غابت الشمس دفع به، ثم صلى المغرب والعشاء، بجمع ثم صلى الفجر به كأسرع ما يصلي أحدكم من المسلمين، ثم وقف به حتى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين دفع، به، ثم رمى الجمرة، ثم ذبح، ثم حلق، ثم أفاض به إلى البيت فطاف به، فقال الله لنبيه: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا }. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } قال: أراد الجمعة، فأخذوا السبت مكانها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق السدّي عن أبي مالك وسعيد بن جبير في الآية قال: باستحلالهم إياه. رأى موسى رجلاً يحمل حطباً يوم السبت، فضرب عنقه، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم. ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم، يعني: الجمعة، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس فيه لنا تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد»تفسير : . وأخرج مسلم وغيره من حديث حذيفة نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } قال: أعرض عن أذاهم إياك. وأخرج الترمذي وحسنه، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة في الفوائد، وابن حبان، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة عن أبيّ بن كعب، قال: لما كان يوم أحد، أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، فمثّلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة، أنزل الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّـٰبِرينَ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نصبر ولا نعاقب، كفوا عن القوم إلاّ أربعة»تفسير : . وأخرج ابن سعد، والبزار، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وأبو نعيم في المعرفة، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حيث استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه قد مثل به، فقال: حديث : رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمت وصولاً للرحم، فعولاً للخير، ولولا حزن من بعدك عليك، لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من أرواح شتى، أما والله لأمثلنّ بسبعين منهم مكانك»تفسير : ، فنزل جبريل، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم سورة النحل {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ...} الآية، فكفّر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر. وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ...} الآية، قال: هذا حين أمر الله نبيه أن يقاتل من قاتله، ثم نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم فهذا منسوخ. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } قال: اتقوا فيما حرّم عليهم، وأحسنوا فيما افترض عليهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إنّ إبراهيم كان أمّةً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يُعلّم الخير، قاله ابن مسعود وإبراهيم النخعي. قال زهير: شعر : فأكرمه الأقوام من كل معشر كرام فإن كذبتني فاسأل الأمم تفسير : يعني العلماء. الثاني: أمة يقتدى به، قاله الضحاك. وسمي أمة لقيام الأمة به. الثالث: إمام يؤتم به، قاله الكسائي وأبو عبيدة. {قانتاً لله} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: مطيعاً لله، قاله ابن مسعود. الثاني: إن القانت هو الذي يدوم على العبادة لله. الثالث: كثير الدعاء لله عز وجل. {حنيفاً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: مخلص، قاله مقاتل. الثاني: حاجّا، قاله الكلبي. الثالث: أنه المستقيم على طريق الحق، حكاه ابن عيسى. {ولم يَكُ من المشركين} فيه وجهان: أحدهما: لم يك من المشركين بعبادة الأصنام. الثاني: لم يك يرى المنع والعطاء إلا من اللَّه. {وآتيناه في الدنيا حسنة} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الحسنة النبوة، قاله الحسن. الثاني: لسان صدق، قاله مجاهد. الثالث: أن جميع أهل الأديان يتولونه ويرضونه، قاله قتادة. الرابع: أنها تنوية الله بذكره في الدنيا بطاعته لربه. حكاه ابن عيسى. ويحتمل خامساً: أنه بقاء ضيافته وزيارة الأمم لقبره. {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} فيه وجهان: أحدهما: في منازل الصالحين في الجنة. الثاني: من الرسل المقربين. قوله عز وجل: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} فيه قولان: أحدهما: اتباعه في جميع ملته إلا ما أمر بتركه، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وهذا دليل على جواز الأفضل للمفضول لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء. الثاني: اتباعه في التبرؤ من الأوثان والتدين بالإسلام، قاله أبو جعفر الطبري.

ابن عطية

تفسير : لما كشف الله تعالى فعل اليهود وتحكمهم في شرعهم بذكر ما حرم عليهم، أراد أن يبين بُعدهم عن شرع إبراهيم والدعوى فيه أن يصف حال إبراهيم ليبين الفرق بين حاله وحال قريش أيضاً، و {أمة} لفظة مشتركة تقع للعين والقامة والجمع الكثير من الناس، ثم يشبه الرجل العالم أو الملك أو المنفرد بطريقة وحده بالناس الكثير فيسمى {أمة}، وعلى هذا الوجه سمي إبراهيم عليه السلام {أمة}، قال ابن مسعود: "الأمة" معلم الخير، وكان معاذ بن جبل "أمة قانتاً"، وقال في بعض أوقاته إن معاذاً كان {أمة قانتاً} فقال قرة الكندي أو فروة بن نوفل: ليس كذلك إنما هو إبراهيم، فقال أتدري ما الأمة، هو معلم الخير وكذلك كان معاذ يعلم الخير ويطيع الله ورسوله، وقال مجاهد: سمي إبراهيم {أمة} لانفراده بالإيمان في وقته مدة. قال القاضي أبو محمد: وفي البخاري أنه قال لسارة ليس على الأرض اليوم مؤمن غيري وغيرك، وقال بعض النحويين، أظنه أبا الحسن الأخفش: "الأمة" فعلة من أم يؤم فهو كالهُزْأة والضحكة أي يؤتم به. قال القاضي أبو محمد: فـ {أمة} على هذا صفة، وعلى القول الأول اسم ليس بصفة، و"القانت" المطيع الدائم على العبادة، و"الحنيف" المائل إلى الخير والإصلاح، وكانت العرب تقول، لمن يختتن ويحج البيت حنيفاً، وحذف النون من "لم يكن" لكثرة الاستعمال كحذفهم من لا أبال ولا أدر، وهو أيضاً يشبه النون في حال سكونها حروف العلة لغنتها وخفتها وأنها قد تكون علامة وغير ذلك، فكأن "لم" دخلت على "يكن" في حال الجزم. ولا تحذف النون إذا لم تكن ساكنة في نحو قوله {أية : لم يكن الذين كفروا} تفسير : [البينة: 1] ولا يحذف في مثل هذا إلا في الشعر فقد جاءت محذوفة، وقوله {من المشركين} يشير إلى تبرؤ حال إبراهيم عليه السلام من حال مشركي العرب ومشركي اليهود إذ كلهم ادعاه ويلزم الإشراك اليهود من جهة تجسيمهم، و {شاكراً}، صفة لإبراهيم تابعة ما تقدم، و"الأنعم" جمع نعمة، و {اجتباه} معناه تخيره، وباقي الآية بين. وقوله {وآتيناه في الدنيا حسنة} الآية، "الحسنة" لسان الصدق وإمامته لجميع الخلق، هذا قول جميع المفسرين وذلك أن كل أمة متشرعة فهي مقرة أن إيمانها إيمان إبراهيم وأنه قدوتها وأنه كان على الصواب. وقوله {لمن الصالحين} بمعنى المنعم عليهم أي من الصالحين في أحوالهم ومراتبهم، أو بمعنى أنه في الآخرة ممن يحكم له بحكم الصالحين في الدنيا، وهذا على أن الآية وصف حاليه في الدارين، ويحتمل أن يكون المعنى وأنه في عمل الآخرة، فعلى هذا هي وصف حالي في الدنيا الدنياوية والأخراوية. وقوله {ثم أوحينا إليك} الآية، الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم بهذا من جملة الحسنة التي آتاها الله إبراهيم، قال ابن فورك وأمر الفاضل باتباع المفضول لما تقدم إلى الصواب والعمل به و {أن} في قوله {أن اتبع} مفسرة، ويجوز أن تكون مفعولة، و"الملة" الطريقة في عقائد الشرع، و {حنيفاً} حال، والعامل فيه الفعلية التي في قوله {ملة إبراهيم}، ويجوز أن تكون حالاً من الضمير المرفوع في {اتبع} قال مكي: ولا يكون حالاً من إبراهيم، لأنه مضاف إليه: وليس كما قال لأن الحال قد تعمل فيه حروف الخفض إذا عملت في ذي الحال، كقولك مررت بزيد قائماً، وقوله {إنما جعل السبت} أي لم يكن من ملة إبراهيم وإنما جعله الله فرضاً عاقب به القوم المختلفين فيه، قاله ابن زيد، وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن يجعلوا من الجمعة يوماً مختصاً بالعبادة وأمرهم أن يكون الجمعة، فقال جمهورهم: بل يكون يوم السبت لأن الله فرغ فيه من خلق مخلوقاته، فقال غيرهم: بل نقبل ما أمر الله به موسى، فراجعهم الجمهور فتابعهم الآخرون فالزمهم الله يوم السبت إلزاماً قوياً عقوبة لهم منه، فلم يكن منهم ثبوت بل عصوا فيه وتعدوا فأهلكهم، وقرأ الأعمش "إنما أنزلنا السبت"، وهي قراءة ابن مسعود وقرأ أبو حيوة "جَعَل" بفتح الجيم والعين. قال القاضي أبو محمد: وورد في الحديث أن اليهود والنصارى اختلفوا في اليوم الذي يختص من الجمعة فأخذ هؤلاء السبت وهؤلاء الأحد فهدانا الله نحن إلى يوم الجمعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه" تفسير : ، فليس الاختلاف المذكور في الآية هو الاختلاف الذي في الحديث، وباقي الآية وعيد بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {أُمَّةً} إماماً يؤتم به، أو معلماً للخير، أو أمة يقتدى به سمي بذلك لقيام الأمة به {قَانِتاً} مطيعاً، أو دائماً على العبادة {حَنِيفاً} مخلصاْ، أو حاجاً، أو مستقيماً على طريق الحق.

النسفي

تفسير : {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً } إنه كان وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير كقوله شعر : ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد تفسير : وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار، أو كان أمة بمعنى مأموم يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير {قَانِتاً لِلَّهِ} هو القائم بما أمره الله. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن معاذاً كان أمة قانتاً لله فقيل له: إنما هو إبراهيم عليه السلام. فقال: الأمة الذي يعلم الخير والقانت المطيع لله ورسوله، وكان معاذ كذلك. وقال عمر رضي الله عنه: لو كان معاذ حياً لاستخلفته فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أبو عبيدة أمين هذه الأمة، ومعاذ أمة لله قانت لله ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون»تفسير : {حَنِيفاً} مائلاً عن الأديان إلى ملة الإسلام {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} نفى عنه الشرك تكذيباً لكفار قريش لزعمهم أنهم على ملة أبيهم إبراهيم، وحذف النون للتشبيه بحروف اللين {شَاكِراً لأَنْعُمِهِ} رُوى أنه كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخر غداءه، فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم {اجْتَبَاهُ} اختصه واصطفاه للنبوة {وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} إلى ملة الإسلام {وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} نبوة وأموالاً وأولاداً، أو تنويه الله بذكره فكل أهل دين يتولونه، أو قول المصلي منا كما صليت على إبراهيم {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} لمن أهل الجنة. {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكين} في «ثم» تعظيم منزلة نبينا عليه السلام وإجلال محله والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة اتباع رسولنا ملته

ابن عادل

تفسير : قوله - تعالى -: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً} الآية. لما زيَّف مذاهب المشركين في مواضع من هذه السورة، وهب إتيانهم الشُّركاء والأنداد لله تعالى، وطعنهم في نبوَّة الأنبياء عليهم السلام، وقولهم: لو أرسل الله إليهم رسولاً، لكان من الملائكة، وتحليل الأشياء المحرَّمة، وتحريم الأشياء المحللة، وبالغ في إبطال مذاهبهم، وكان إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - رئيس الموحِّدين، وهو الذي دعا النَّاس إلى التوحيد والشرائع، وإبطال الشرك، وكان المشركون يفتخرون به ويعترفون بحسن طريقته، [ويقرون] بوجوب الاقتداء به، لا جرم ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة، وحكى على طريقته بالتوحيد؛ ليصير ذلك حاملاً لهؤلاء المشركين على الإقرار بالتوحيد والرجوع عن الشرك. قوله تعالى: "أمَّةً" تطلق الأمة على الرَّجل الجامع لخصالٍ محمودة؛ قال ابن هانىء: [السريع] شعر : 3372- ولَيْسَ عَلَى اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمعَ العَالمَ في واحِدِ تفسير : وقيل: "فُعْلَة" تدلُّ على المبالغة، "فُعْلَة" بمعنى المفعول، كالدُّخلة والنُّخبة، فالأمة: هو الذي يؤتم به؛ قال - تعالى -: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} تفسير : [البقرة: 124] قال مجاهد: كان مؤمناً وحده، والنَّاس كلهم كانوا كفَّاراً، فلهذا المعنى كان وحده أمَّة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: "حديث : يَبْعثهُ الله أمَّةً وحْدَهُ ". تفسير : وقيل: إنَّه - صلوات الله وسلامه عليه - هو السَّبب الذي لأجله جعلت أمَّته ممتازين عمَّن سواهم بالتَّوحيد والدِّين الحقِّ، ولما جرى مجرى السبب لحصول تلك الأمة سمَّاها الله تعالى بالأمة إطلاقاً لاسم المسبب على السَّبب. وعن شهر بن حوشب: لم تبق أرض إلاَّ وفيها أربعة عشر، يدفع الله بهم البلاء عن أهل الأرض، إلاَّ زمن إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - فإنَّه كان وحده. والأمة تطلق عل الجماعة؛ لقوله - تعالى -: {أية : أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ} تفسير : [القصص: 23] وتطلق على أتباع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، كقولك: نحن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتطلق على الدِّين والملَّة؛ كقولهم: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} تفسير : [الزخرف: 23] وتطلق على الحين والزمان؛ كقوله - تعالى -: {أية : إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} تفسير : [هود: 8] وقوله - جل ذكره-: {أية : وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} تفسير : [يوسف: 45] أي: بعد حين، وتطلق على القامة، يقال: فلانٌ حسن الأمة، أي: حسن القامة، وتطلق على الرجل المنفرد بدين لا يشرك فيه غيره؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : يُبْعَثُ زيْدُ بنُ عَمْرو بْنِ نُفيْلٍ يَوْمَ القِيامَةِ أمَّة وحْدَهُ ". تفسير : وتطلق على الأم، يقال: هذه أمة فلان يعني: أمَّه، وتطلق أيضاً على كل جنس من أجناس الحيوان؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لَوْلاَ أنَّ الكِلابَ أُمَّةٌ من الأمَمِ لأمَرْتُ بِقتْلِهَا ". تفسير : وقال ابن عباس: - رضي الله عنه -: خلق الله ألف أمة ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر. قوله تعالى: {قَانِتاً لِلَّهِ} القانت: هو القائم بأمر الله تعالى. وقال ابن عبَّاس: مطيعاً لأمر الله تعالى. قوله تعالى: "حَنِيفاً": [مائلاً] إلى ملَّة الإسلام ميلاً لا يزول عنه، وقيل حنيفاً: مستقيماً على دين الإسلام. وقيل: مخلصاً. قال ابن عباس: إنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج، وهذه صفة الحنيفيَّة. {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي: أنَّه كان من الموحِّدين في الصِّغر والكبر، أما في حال صغره: فإنكاره بالقول للكواكب على عدم ربوبيتها، وأما في كبره: فمناظرته لملك زمانه، وكسر الأصنام حتى آل أمره أنه ألقي في النار. قوله تعالى: "شَاكِراً" يجوز أن يكون خبراً ثالثاً، أو حالاً من أحد الضميرين في "قَانِتاً" و "حَنِيفاً". قوله: "لأنْعُمِهِ" يجوز تعلقه بـ "شَاكِراً" أو بـ "اجْتَبَاهُ"، و "اجْتَبَاهُ" إما حال وإما خبر آخر لـ "كان" و "إلى صِراطٍ" يجوز تعلقه بـ "اجْتَبَاهُ" وبـ "هَدَاهُ" على [قاعدة] التنازع. فإن قيل: لفظ الأنعم جمع قلَّة، ونعم الله على إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - كانت كثيرة فلم قال: "شَاكِراً لأنْعُمِهِ"؟. فالجواب: أنه كان شاكراً لجميع نعم الله سبحانه وتعالى القليلة، فكيف الكثيرة؟. ومعنى "اجْتبَاهُ": اختاره واصطفاه للنبوة، والاجتباء: هو أن يأخذ الشيء بالكليَّة، وهو "افْتِعَال" من "جَبَيْتُ" وأصله جمع الماء في الحوض، والجابية هي الحوض، {وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} إلى دين الحقِّ. {وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً} يعني: الرِّسالة والخلَّة. وقيل: لسان صدق، وقال مقاتل بن حيان: هو قول المصلي: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آلِ مُحمَّدٍ، كما صلَّيْتَ على إبْراهِيمَ. وقال قتادة - رضي الله عنه - إن الله حبَّبه إلى كل الخلق. وقيل: أولاداً أبراراً على الكبر. {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ}: في أعلى مقامات الصَّالحين في الجنة. قوله - تعالى -: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} الآية. لما وصف إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - بهذه الصِّفات العالية الشريفة، قال - جل ذكره - {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}. قال الزمخشري في "ثُمَّ" هذه: إنها تدلُّ على تعظيم منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلال محله، والإيذان بأن الشَّرف ما أوتي خليل الرحمن من الكرامةِ، وأجل ما أولي من النِّعمة: اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ملَّته، من قبل أنَّها دلت على تباعد هذا النَّعت في المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى الله - سبحانه وتعالى - عليه بها. قوله تعالى: {أَنِ ٱتَّبِعْ} يجوز أن تكون المفسرة، وأن تكون المصدرية، فتكون مع منصوبها مفعول الإيحاء. قوله تعالى: "حَنِيفاً" حال، وتقدم تحقيقه في البقرة [الآية: 135]. وقال ابن عطية: قال مكِّي: ولا يكون - يعني: "حَنِيفاً" - حالاً من "إبْراهِيمَ" عليه السلام؛ لأنه مضاف إليه. وليس كما قال؛ لأن الحال قد يعمل فيها حروف الجرِّ، إذا عملت في ذي الحال؛ كقولك: مَرَرْتُ بهِ قَائِماً. وما ذكره مكِّي من امتناع الحال من المضاف إليه، فليس على إطلاقه؛ كما تقدم تفصيله في البقرة. وأما قول ابن عطية - رحمه الله -: إن العامل الخافض، فليس كذلك؛ إنما العامل ما تعلق به الخافض، وكذلك إذا حذف الخافض، نصب مخفوضه. فصل قال قوم: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان على شريعة إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - وليس له شرعٌ معيَّن، بل المقصود من بعثته: إحياء [شرع] إبراهيم صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، وهذا ضعيف؛ لأنه - تعالى - وصف إبراهيم - عليه السلام - في هذه الآية بأنه ما كان من المشركين، فلما قال {أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}، كان المراد ذلك. فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد؛ بناء على الدَّلائلِ القطعية، وإذا كان كذلك، لم يكن متابعاً له، فيمتنع حمل قوله: "أن اتَّبعْ" على هذا المعنى؛ فوجب حمله على الشَّرائع التي يصح حصول المتابعة فيها. فالجواب: أنه يحتمل أن يكون المراد بمتابعته في كيفيَّة الدَّعوة إلى التوحيد؛ وهي أن يدعو بطريق الرفق، والسهولة، وإيراد الدلائل مرَّة بعد أخرى بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن. قال القرطبي: وفي هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول؛ لما يؤدِّي إلى الثواب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وقد أمر بالاقتداء بهم؛ فقال - تعالى -: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90]، وقال - تعالى - هنا: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}.

البقاعي

تفسير : ولما دعاهم إلى مكارم الأخلاق ونهاهم عن مساوئها بقبوله لمن أقبل إليه وإن عظم جرمه، إجابة لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام في قوله{ أية : فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم}تفسير : [إبراهيم: 36] أتبع ذلك ذكره ترغيباً في اتباعه في التوحيد والميل مع الأمر والنهي إقداماً وإحجاماً إن كانوا ممن يتبع الحق أو يقلد الآباء، فقال على سبيل التعليل لما قبله: {إن إبراهيم} أي أباكم الأعظم إمام الموحدين {كان أمة} فيه من المنافع الدنيوية والأخروية ما يوجب أن يؤمه ويقصده كل أحد يمكن انتفاعه به {قانتاً} أي مخلصاً {لله} أي الملك الذي له الأمر كله ليس فيه شيء من الهوى {حنيفاً} ميالاً مع الأمر والنهي بنسخ أو بغيره، فكونوا حنفاء أتباعاً للحق، لما قام عليه من الأدلة، واستناناً بأعظم آبائكم. ولما كان السياق لإثبات الكمال لإبراهيم عليه السلام، وكانت الأوصاف الثبوتية قريبة المأخذ سريعة الوصول إلى الفهم، وأتى بعدها وصف سلبي بجملة، حذف نون {يكن} منها إيجازاً وتقريباً للفهم تخفيفاً عليه وحفظاً له من أن يذهب قبل تمامها إلى غير المراد، وإعلاماً بأن الفعل منفي عنه عليه السلام على أبلغ وجوه النفي لا ينسب إليه شيء منه ولو قل، فقيل: {ولم يك} ولما كانوا مشركين هم وكثير من أسلافهم، قبح عليهم ذلك بأن أعظم من يعتقدون عظمته من آبائهم ليس من ذلك القبيل، فقال تعالى: {من المشركين *} الواقفين مع الهوى، فلا تكونوا منهم؛ ثم بين حاله فقال: {شاكراً} ولما كان لله على من جعله أمة من النعم ما لا يحصى، بين أن ذلك كله قليل في جنب فضله، فقال مشيراً إلى ذلك بجمع القلة وإلى أن الشاكر على القليل يشكر إذا أتاه الكثير من باب الأولى: {لأنعمه} فهو لا يزال يزيده من فضله، فتقبل دعاءه لكم فاشكروا الله اقتداء به ليزيدكم، فكأنه قيل: فما أثابه على ذلك؟ أو علل ما قبل، فقال تعالى: {اجتباه} أي اختاره اختياراً تاماً {وهداه} أي بالبيان الأعظم والتوفيق الأكمل {إلى صراط مستقيم *} وهو الحنيفية السمحة، فكان ممن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، وكان مخالفاً للأبكم الموصوف في المثل السابق؛ ثم قال: {وءاتيناه} أي بما لنا من العظمة {في الدنيا} بلسان الصدق والثناء الجميل الذي ذللنا له ألسنة الخلق {حسنة} ونبه بالتعبير عن المعطي بنون العظمة على جلالته حيث جعله إماماً معظماً لجميع أهل الملل، فجمع القلوب على محبته، وجعل له فيهم لسان صدق، ورزقه في أولاده من النبوة والصلاح والملك والكثرة ما هو مشهور. ولما كانت عظمة الدنيا لا تعتبر إلا مقرونة بنعمة الآخرة، قال تعالى: {وإنه في الآخرة} وقال تعالى -: {لمن الصالحين *} أي له ما لهم من الثواب العظيم - معبراً بـ " من" تعظيماً لمقام الصلاح وترغيباً فيه. ولما قرر من عظمته في الدنيا والآخرة ما هو داعٍ إلى اتباعه، صرح بالأمر به تنبيهاً على زيادة عظمته بأمر متباعد في الرتبة على سائر النعوت التي أثنى عليه بها، وذلك كونه صار مقتدي لأفضل ولد آدم، مشيراً إلى ذلك بحرف التراخي الدال على علو رتبته بعلو رتبة من أمر باتباعه فيما مهده مما أمر به من التوحيد والطريق الواضح السهل فقال سبحانه: {ثم أوحينا} أي ثم زدناه تعظيماً وجلالة بأن أوحينا {إليك} وأنت أشرف الخلق، وفسر الإيحاء بقوله عز وجل ترغيباً في تلقي هذا الوحي أحسن التلقي باقتفاء الأب الأعظم: {أن اتبع} أي بغاية جهدك ونهاية همتك. ولما كان المراد أصل الدين وحسن الاقتضاء فيه بسهولة الانقياد والانسلاخ من كل باطل، والدعوة بالرفق مع الصبر، وتكرير الإيراد للدلائل وكل ما يدعوا إليه العقل الصرف والفطرة السليمة، عبر بالملة فقال تعالى: {ملة إبراهيم} ولا بعد في أن يفهم ذلك الهجرة أيضاً. ولما كانت الحنيفية أشرف أخلاق إبراهيم عليه السلام، فكانت مقصودة بالذات، صرح بها فقال تعالى: {حنيفاً} أي الحال كونك أو كونه شديد الانجذاب مع الدليل الحق؛ ورغب العرب في التوحيد ونفرهم من الشرك بقوله تعالى: {وما كان} أي بوجه من الوجوه {من المشركين *} ولما دعا سبحانه فيها إلى معالي الشيم وعدم الاعتراض، وختم بالأمر بالملة الحنيفية التي هي سهولة الانقياد للدليل، وعدم الكون مع الجامدين، اقتداء بالأب الأعظم، وكان الخلاف والعسر مخالفاً لملته، فكان لا يجر إلى خير، وكان من المعلوم أن كل حكم حدث بعده ليس من ملته، وكان اليهود يزعمون جهلاً أنه كان على دينهم، وكان السبت من أعظم شعائرهم، أنتج ذلك قوله تعالى جواباً لمن قد يدعي من اليهود أنه كان على دينهم، وتحذيراً من العقوبة على الاختلاف في الحق بالتشديد في الأمر. {إنما جعل} أي بجعل من لا أمر لغيره {السبت} أي تحريمه واحترامه أو وباله {على الذين اختلفوا فيه} حين أمرهم نبيهم بالجمعة فقبل ذلك بعضهم وأراد السبت آخرون، فبدلوا بالجمعة السبت. وشدد عليهم في أمره انتقاماً منهم بما تفهمه التعدية بـ "على " فكان ذلك وبالاً عليهم، وفي ذلك تذكير بنعمة التيسير علينا؛ قال البغوي؛ قال الكلبي: أمرهم موسى عليه السلام بالجمعة فقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوماً، فاعبدوه يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه عملاً لصنعتكم، وستة أيام لصناعتكم، فأبوا إلا شرذمة منهم وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق يوم السبت، فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى عليه السلام بيوم الجمعة فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، فأخذوا الأحد، فأعطى الله الجمعة هذه الأمة فقبلوها وبورك لهم فيها. وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرني معمر أخبرني من سمع مجاهداً يقول في قوله تعالى { إنما جعل السبت} فقال: ردوا الجمعة وأخذوا السبت مكانه. وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له. فهم لنا فيه تبع، فاليهود غداً والنصارى بعد غد . تفسير : ولما كان الإشراك واضحاً في أمر النصارى، استغنى بنفيه عنه عن التصريح بأنه ليس على دينهم؛ ثم حذر من الاختلاف مثبتاً أمر البعث فقال تعالى: {وإن ربك} أي المحسن إليك بطواعية أصحابك لك {ليحكم بينهم} أي هؤلاء المختلفين {فيه يختلفون *} من قبول الجمعة وردها، ومن الإذعان لتحريم الصيد وإبائه وغير ذلك، فيجازى كل فريق منهم بما يستحقه.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، عن ابن مسعود أنه سئل‏:‏ ما الأمة‏؟‏ قال‏:‏ الذي يعلم الناس الخير‏.‏ قالوا‏:‏ فما القانت‏؟‏ قال‏:‏ الذي يطيع الله ورسوله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إن إبراهيم كان أمة قانتا‏ً}‏ قال‏:‏ كان على الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره، فلذلك قال الله‏:‏ ‏ {‏كان أمة قانتاً‏}‏‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إن إبراهيم كان أمة‏}‏ قال‏:‏ إماماً في الخير ‏ {‏قانتا‏ً} ‏ قال‏:‏ مطيعا‏ً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏إن إبراهيم كان أمة‏} ‏ قال‏:‏ كان مؤمناً وحده والناس كفار كلهم‏. وأخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال‏:‏ لم يبق في الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض ويخرج بركتها، إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده‏. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من عبد يشهد له أمة إلا قبل الله شهادتهم‏.‏ والأمة، الرجل فما فوقه إن الله يقول‏:‏ ‏{‏إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين‏}‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏إن إبراهيم كان أمة‏} ‏ قال‏:‏ إمام هدى يقتدى به وتتبع سنته‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وآتيناه في الدنيا حسنة‏} ‏ قال‏:‏ لسان صدق‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وآتيناه في الدنيا حسنة‏}‏ قال‏:‏ فليس من أهل دين إلا يرضاه ويتولاه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة معاً في المصنف، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن ابن عمرو قال‏:‏ صلى إبراهيم الظهر والعصر والمغرب بعرفات ثم وقف، حتى إذا غابت الشمس دفع‏.‏ ثم صلى المغرب والعشاء بجمع، ثم صلى به الفجر كأسرع ما يصلي أحد من المسلمين، ثم وقف به حتى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين، دفع ثم رمى الجمرة ثم ذبح وحلق، ثم أفاض به إلى البيت فطاف به فقال الله لنبيه‏:‏ ‏ {‏ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} ‏ والله تعالى أعلم‏.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: كان أمة أى معلمًا للخير عاملاً به. قال بعضهم: كان علمه كعلم أمةٍ وإخلاصه كإخلاص أمةٍ. وقال بعضهم: القانت الذى لا يفتر عن الذكر، والحنيف الذى لا يشوب شيئًا من أعماله شرك. وقيل: القانت المطيع الذى لا يعصى الله. وقيل فى قوله: {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} لم يكن يرى المنع والعطاء والضر والنفع إلا من موضع واحد.

القشيري

تفسير : قيل آمن بالله وحدَه فقام مقام الأمة، وفي التفسير: كان معلِّماً - للخير- لأمةٍ. ويقال اجتمع فيه من الخصال المحمودة ما يكون في أمةٍ متفرقاً. ويقال لمَّا قال إبراهيمُ لكلِّ ما رآه: {أية : هَـٰذَا رَبِّي}تفسير : [الأنعام: 77] ولم ينظر إلى المخلوقات من حيث هي بل كان مُسْتَهْلَكاً في شهودِ الحقِّ، ورأى الكوْنَ كُلَّه بالله، وما ذكر حين ذكر غيرَ الله.. كذلك كان جزاء الحق فقال: أنت الذي تقوم مقام الكلِّ، ففي القيامِ بحق الله منك على الدوام غُنْيةٌ عن الجميع. و"الحنيف": المستقيم في الدِّين، أو المائل إلى الحق بالكلية.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً} ان ابراهيم كان آدم الثانى خلقه الله على رؤية جمال جميع صفاته واستيلاء انوار ذاته فى ايجاده على كونه فتجلى بقدمه من حيث الذات وبالبقاء من حيث الصفات ومن الاسماء والنعوت برسم الافعال لروحه وقلبه وعقله وسره فصار موجودا بوجوده مشكوة لانواره نورا من تجليه متخلقا بخلقه موجودا بلطفه مقدسا بقدسه خليلا بخلته حبيبا بمحبته صفيا باصطفائيته ملكاً بملكه بصيرا ببصره سميعا بسمعه متكلما بكلامه عينا من عيون الحق فى العالم وشقايقا من منابت لطف آدم ما اجتمع فى كل اجتمع فى وجوده مطيعا فى عبوديته حرا فى حنيفيته غير مائل من جمال الحق الى غيره {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} شعر : ليس من الله بمستنكر ان يجمع العالم فى واحد تفسير : ثم زاد وصفه بمعرفة منعمه ونعمه لاجتبائيته بخلته وتعريفه اياه طريق محبته بقوله {شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ٱجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} شاكرا لانعمه حيث بذل نفسه لامره ولمراده واسلم فى ذبح ابنه والصبر فى بلائه والرضا بقضائه اجتباه فى الازل بالخلة وهداه الى المعرفة وكمّله بكمال الاستقامة والقانت الذى سكن قلبه مع الله فى مقام الانس والحنيف الذى قلبه مربوط بنعت القدس قال بعضهم امة اى معلما للخير عاملا به وقيل القانت الذى لا يفتر عن الذكر والحنيف الذى لا يشوب شيئا من اعماله بشرك وقيل فى قوله ولم يك من المشركين لم يك يرى المنع والعطا والضر والنفع الا من موضع واحد قال الواسطى فى قوله شاكرا لانعمه قابلا لقضائه وقسمته قبول رضى لا قبول كراهية قال ابو عثمان الشاكر لنعمه ان لا يرى شكره الا ابتداء نعمة من الله عليه حيث اهّله لشكره واجتباه من بين خلقه وكتب عليه الهداية الى صراط مستقيم عالما ان الهداية سبقت له من الله ابتداء فضل لا باكتساب وجهد وكد قيل القنوت القيام بالحق على الدوام والحنيف المستقيم فى الدين ثم وصف كرامته عليه وشرفه بقوله {وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} آتيناه فى الدنيا حسنة النبوة والرسالة والخلة والمحبة والمعرفة وانه فى الاخرة لمن الشاهدين لقائه ابدا بلا حجاب فانه بوصف ما ذكرنا يصلح === ووصاله ابدا قال بعضهم اتيناه فى الدنيا المعرفة حتى صلح فى الآخرة لبساط المجاورة قال بعضهم اصلح الله قلوب المؤمنين للمعاملة واصلح قلوب الانبياء والاولياء للمجاورة والمطالعة وقال الواسطى هى === لا غيرها تولى الانبياء بخلقه خلقهم على ذلك جذبا منهم اليه قال الاستاد اتيناه فى الدنيا حسنة حتى كان لنا بالكلية ولم يكن لغيرنا ثم جعله اماما لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وامته بقوله {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} ملّة ابراهيم الخلة والمحبة والرضا والتسليم والسخاء والوفاء والكرم اوحى الى رسوله بمتابعته اذ اختاره بما اختار خليله واجل وافضل بدايته متابعة الخليل ونهايته انفراده فى تجريد التوحيد عن غير الحق بالحق ويقنعنى هذا التادب باداب المشائخ والتواضع للاكابر كما قال الدينورى امر الله نبيه صلى الله عليه وسلم باتباع الخليل لئلا يانف احد من الاتباع وملة ابراهيم كانت يخاء والخلق الحسن فزاد عليه النبى صلى الله عليه وسلم حتى جاد بالكونين عوضا عن الخلق فقيل له وانّك لعلى خلق عظيم ومن جملة ما امره الله باستعمال الخلق قوله تعالى {ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} اى خاطب الجمهور بلسان الشريعة لا بلسان الحقيقة فان تكلمت معهم بالحقيقة طاشت العقول فيها وبقيت الخلق بلا فهم ولا علم والموعظة الحسنة التى لاحظ للنفس فيها ويكون على قدر عقول الخلق وطاقتهم قال بعضهم خاطب كلا على قدره والموعظة الحسنة فيها ترغيب وترهيب سئل بعضهم لم قدم الله الحكمة فقال لان الحكمة اصابة القول باللسان واصابة الفكرة بالجنان واصابة الحركة بالاركان ان تكلم تكلم بحكمة وان تفكر تفكر بحكمة وان تحرك تحرك بحكمة وقال جعفر الدعاء بالحكمة ان تدعو من الله الى الله بالله والموعظة الحسنة ان ترى الخلق فى امر القدرة فتشكر من اجاب وتعذر من ابى وفى قوله {وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الجدال الحسن ان تدنهم الى الله بالله تعرف ذاته وصفاته بما وجدت من كرمه ولطفه شفقة ورحمة على خلقه قال بعضهم هى التى فيها من حظوظ النفس شئ ولا يرى انه الممتنع من قبول الموعظة فيغضب عليه {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} فلا ينجح فيه قولك {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} الموفقين الذين شرحت صدورهم لقبول ما ايّدت به قال سهل السبيل الذى امر الله تعالى نبيّه عليه السّلام ان يدعو اليه هو الايمان بالله فانه طريق ممدود من الدنيا الى الآخرة وزاد تعالى تاكيدا باستعمال الكرم والخلق والعفو والصبر بقوله {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} دفع الانتقام لحظة النفوس واجاز الانتقام له لا لغيره والصبر فى المكاره والامتحان منتهى مقام المجتهدين الاوّل يتعلق بمقام المبتدئين والصبر يتعلق بمقام الراضين المريد منغمس فى امور الشريعة والعارف مستغرق فى بحر الربوبية الادب شعار المريدين والرضا مقام المختارين قال الجنيد فى قوله ولئن صبرتم ولم تعاقبوا لها خير للصابرين التاركين العقوبة التى اباح العلم فعلها بالادب الذى يتبعه بالامر ويلزمه بالترغيب انه خير للصابرين ثم بين سبحانه ان ذلك الصبر الذى هو خير للصابرين لا يكون الا بالله بقوله {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} اى صبرك فى بلائه لا يكون الا بكشف جماله لك وايضا اى ما صبرك الا بعد تخلقك بصبره وايضا وما صبرك الا بالله الله عوض صبرك وايضا صبرك بالله لا بنفسك فان بلاءه لا يحتمل الا هو وقال الواسطى فى هذه الآية اخبر بانه هو الذى تولاهم بحجبهم عند المعاينة فى الحضرة عن الحضرة وهم ثلاث طوائف عند اللقاء طائفة تسمدت بقيومية دوامه وازليته فلم تجر عند اللقاء عليها افة باتصال انوار السرمدية بانوار الابدية وطائفة لقيته فى زينته وحسن نظره واختياره فقهرهم فى نعمته وحجبهم بكرامته فهى متلذذة بنعمة محجوبة عن حقيقته وطائفة يثبت شواهد طاعاتها وزهدها فقال لهم مرحبا بمقدمكم فحجبهم فى نفس ما خاطبهم وقال ابن عطا يامره ويبرئه وقال جعفر امر الله انبياءه بالصبر وجعل الحظ الاعلى منه للنبى صلى الله عليه وسلم حيث جعل امر صبره بالله لا بنفسه فقال وما صبرك الا بالله قال النورى فى هذه الآية هو الصبر على الله بالله قال الاستاد واصبر تكليف وما صبرك الا بالله تعريف ويقال واصبر تعنيف وما صبرك الا بالله تخفيف واصبر امر بالعبودية وما صبرك الا بالله اخبار عن حق الربوبية ثم اخبر سبحانه بان لا تنظر الا الى سوابق التقدير حتى لا تحزن على موارد التدبير بقوله {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} اى انظر الى مرادنا منهم ولا تنظر الى مرادك منهم فان امر الربوبية سابق على امر العبودية قال ابن عطا كان النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن يضيق بهم صدرا ولكن الله تعالى حذره ما هو موهوم فى البشرية وان كان هو منزها عنه قال الاستاد طالع التقدير فيا لا تجعله حظرا عندنا لا ينبغى ان يوجب اثرا فيك ومن اسقطنا قدره فاستصغر قدره وامره ثم تسلى قلب نبيه صلى الله عليه وسلم بانه تعالى مع كل متق صادق شاهد محسن بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} اى مع الذين عظموا الله برؤية عظمته واجلوه باجلاله وتبرؤا به عن غيره وهم فى حال الاحسان فى جمال مشاهدته هائمون فى بهاء وجهه وانوار قدمه فهو معهم من حيث لا هم افناهم به عن وجودهم ثم ابقى نفسه لهم بعد فنائهم عنهم فيه له قال ===== رايت ملكا من الملائكة يقول لى كل من كان مع الله فهو هالك الارجل واحد قلت ومن هو قال من كان الله معه وهو قوله ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون قال بعضهم من اتقى الله فى افعاله احسن الله اليه فى احواله وعن على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر قال التقوى مع الله والاحسان الى خلق الله قال الواسطى التقوى كيف اتقى وماذا يتقى ولماذا يتقى وقال الاستاد الذين اتقوا رؤية البصيرة من غيره والذين هم اصحاب التبرى من الحول والقوة والمحسن الذى يعبد الله كانه يراه وهو حال المشاهدة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان ابراهيم كان امة} على حدة لحيازته من الفضائل البشرية ما لا يكاد يوجد الا متفرقا فى امة جمة كما قيل شعر : ليس على الله بمستنكر ان يجمع العالم فى واحد جاناتو يكانه ولى ذات توهست مجموعة آثار كمالات همه تفسير : وفى الحديث "حديث : حسين سبط من الاسباط"تفسير : كما فى المصابيح بمعنى انه من الامم يقوم وحده مقامها او بمعنى انه يتشعب منه الفروع الكثيرة اذا السادات من نسل زين العابدين بن الحسين رضى الله عنهما. فلا دلالة فى الحديث على نبوة الحسين كما ادعاه بعض المفترين فى زماننا هذا نعوذ بالله ومن قال بعد نبينا نبى يكفر كما فى بحر الكلام. ويقال امة بمعنى مأموم اى يؤمه الناس ويقصودنه ليأخذوا منه الخير ومعلم الخير امام فى الدين وهو عليه السلام رئيس اهل التوحيد وقدوة اصحاب التحقيق جادل اهل الشرك وألقمهم الحجر بينات باهرة وابطل مذاهبهم بالبراهين القاطعة {قانتا لله} مطيعا له قائما بامره {حنيفا} مائلا عن كل دين باطل الى الدين الحق {ولم يك من المشركين} فى امر من امور دينهم اصلا وفرعا. وفيه رد على كفار قريش فى قولهم نحن على ملة ابراهيم.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِنَّ إِبراهيم كان أُمةً} أي: إمامًا قدوة؛ قال تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}تفسير : [البقرة: 124]، قال ابن مسعود: "الأُمة: معلّم الناس الخيرَ"، أو أمة وحده، اجتمع فيه ما افترق في غيره، فكان وحده أمة من الأمم؛ لكماله واستجماعه لخصال الكمال التي لا تكاد تجتمع إلا في أشخاص كثيرة، كقول الشاعر: شعر : ولَيْسَ عَلَى الله بمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِد تفسير : وهو رئيس الموحدين، وقدوة المحققين، جادل فرق المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائفة بالحجج الدامغة. ولذلك عقَّب ذكره بتزييف مذاهب المشركين. أو: لأنه كان وحده مؤمنًا وسائر الناس كفارًا. قاله البيضاوي. وكان {قانتًا لله}؛ مطيعًا قائمًا بأوامره، {حنيفًا}؛ مائلاً عن الباطل، {ولم يَكُ من المشركين}، وأنتم يا معشر قريش تزعمون أنكم على دينه، وأنتم مشركون. وكان {شاكرًا لأنعُمِه}، لا يخل بشكر قليل منها ولا كثير. ولذلك ذكرها بلفظ جمع القلة، {اجتباه}: اختاره للنبوة والرسالة والخلة. {وهداه إلى صراط مستقيم}؛ التي توصل إلى حضرة النعيم، ودعا إليها، {وآتيناه في الدنيا حسنة}؛ بأن حببناه إلى كافة الخلق، ورزقناه الثناء الحسن في الملل كلها، حتى إِنَّ أرباب الملك والجبابرة يتولونه ويثنون عليه. ورزقناه أولادًا طيبة، وعمرًا طويلاً في الطاعة والمعرفة، ومالاً حلالاً. {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} لحضرتنا، المقربين عندنا، الذين لهم الدرجات العلا؛ كما سأله ذلك بقوله: {أية : وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 83]. {ثم أوحينا إليك} يا محمد {أن اتبعْ ملةَ إِبراهيم}؛ دينه ومنهاجه في التوحيد، والدعوة إليه بالرفق، والمجادلة بالتي هي أحسن، كل واحد بحسب فهمه. وكان {حنيفًا}؛ مائلاً عما سوى الله، {وما كان من المشركين}، بل كان قدوة الموحدين. كرره؛ ردًا على اليهود والنصارى والمشركين في زعمهم أنهم على دينه مع إشراكهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من تمسك بطاعة الله ظاهرًا، أو مال عما سوى الله باطنًا، وشكر الله دائمًا، ودعا الناس إلى هذا الأمر العظيم: كان وليًا إبراهيميًا، محمديًا، خليلاً حبيبًا، مقربًا، قد اجتباه الحق تعالى إلى حضرته، وهداه إلى صراط مستقيم، وعاش في الدنيا سعيدًا، ومات شهيدًا، وألحق بالصالحين. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. ولما ادعت اليهود أنهم على ملة إبراهيم دون غيرهم ردَّ الله عليهم

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن ابراهيم (ع) انه {كان أمّة} واختلفوا في معناه، فقال ابن مسعود: معناه إِنه معلم الخير قدوة {قانتاً لله} مطيعاً. قال بعضهم: كان ذا أمّة {قانتاً لله}. وقال قتادة: معناه إِنه امام هدى. والقانت الذي يدوم على العبادة لله، وقيل: جعل {أمة} لقيام الامة به. والحنيف المستقيم على طريق الحق. وقوله {ولم يك} يعني ابراهيم {من المشركين} الذين يعبدون مع الله غيره، بل كان موحداً {شاكراً لأنعمه} اي بل كان شاكراً لنعمه معترفاً بها {اجتباه} يعني اختاره الله واصطفاه {وهداه إلى صراط مستقيم} اي حكم بأنه على صراط مستقيم اي لطف له حتى اهتدى الى طريق الحق. وقوله {وآتيناه في الدنيا حسنة} اي اعطيناه جزاء على هدايته في هذه الدنيا حسنة، وهي: تنويه الله بذكره في الدنيا بطاعته لربه، ومسارعته الى مرضاته، وإِخلاصه لعبادته، حتى صار إِماماً يقتدى به، وعلماً يهتدى بسنته. قال قتادة: حتى ليس من اهل دين إِلا وهو يتولاه ويرضاه. وقال الحسن: معنى {حسنة} يعني نبوته. وقوله {وإِنه في الآخرة لمن الصالحين} اخبار منه تعالى انه مع إيتائه الحسنة في الدنيا هو في الآخرة من جملة الصالحين. وانما لم يقل: لفي اعلى منازل الصالحين، مع اقتضاء حاله ذلك، لمدح من هو منهم، والترغيب في الصلاح ليكون صاحبه في جنب ابراهيم، وناهيك هذا الترغيب في الصلاح، وهذا المدح لابراهيم أن يشرف جملة هو منها، حتى يصير الاستدعاء اليها بأنه فيها. وقوله {أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} أي أمرناك ان اتّبع ملة ابراهيم حنيفا مستقيم الطريق، في الدعاء الى توحيد الله، وخلع الانداد، والعمل بسنته، {وما كان} يعني ابراهيم {من المشركين} بعبادة الله غيره. وقوله {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} اختلفوا في معناه، قال الحسن: معناه انه جعله عليهم بأن لعنهم بالمسخ لاعتدائهم فيه. واختلافهم فيه كان بأن قال بعضهم: هو اعظم الايام حرمة، لانه تعالى فرغ فيه من خلق الاشياء كلها. وقال آخرون: بل الاحد أفضل، لانه ابتدا أخلق الاشياء فيه. وقال مجاهد، وابن زيد: عدلوا عمّا أمروا به من تعظيم الجمعة. ووجه اتصال هذه الاية بما تقدم أنه لما أمر باتباع الحق، حذّر من الاختلاف فيه، بما ذكره من حال المختلفين في السبت، بما ليس لهم ان يختلفوا فيه، فشدد عليهم فرضه، وضيق عليهم أَمره وقال قوم: معنى {اختلفوا فيه} اي خالفوا فيه، لأنهم نهوا عن الصيد فيه فنصبوا الشباك يوم الجمعة، ودخل فيها السمك يوم السبت، فأخذوه يوم الاحد. ثم قال {وإن ربك} يا محمد {ليحكم بينهم} أي يفصل بينهم يوم القيامة في الذي كانوا مختلفين فيه، ويبين لهم الصحيح من الفاسد.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} قد مضى انّ الامّة تقع على الواحد والجماعة والمأموم والامام {قَانِتاً لِلَّهِ} خاضغاً له {حَنِيفاً} مسلماً او خالصاً وقد ذكر فى الاخبار انّه كان على دينٍ لم يكن عليه غيره فمكث ما شاء الله حتّى آنسه الله باسمعيل (ع) واسحاق (ع) فصاروا ثلاثةً ولذلك قال: انّ ابراهيم (ع) كان امّة ولو كان معه غيره لاضافه اليه {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} وهو تعريض بقريش لانّهم زعموا انّهم على دين ابراهيم (ع).

الأعقم

تفسير : {إن إبراهيم كان أمة}، فيه وجهان: أحدهما أنه كان وحده أمة من الأمم الكاملة في صفات الخير، والثاني أن يكون أمة بمعنى مأموم أي يؤمّه الناس ليأخذوا منه الخير، ولأنه انفرد في دهره بالتوحيد وكان مؤمناً وحده والناس كفاراً وسمي أمة {قانتا} القانت القائم لجميع ما أمر الله به، وروى الشعبي عن ابن مسعود (رضي الله عنه): أن معاذاً كان أمةً قانتاً، فقيل له: غلطت إنما هو ابراهيم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: الأمَّة الذي يعلم الناس الخير، والقانت المطيع لله ورسوله، وكان معاذ كذلك، وعن عمر (رضي الله عنه) أنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن عبيدة أمين هذه الأمة ومعاذ قانت أمّه ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلين {حنيفاً} مستقيماً على دين الإِسلام {ولم يكن من المشركين} قوله تعالى: {شاكراً لأنعمه} ربه {اجتباه} اختاره الله واصطفاه {وهداه إلى صراط مستقيم} {وآتيناه في الدنيا حسنة}، قيل: الرسالة والنبوة، وقيل: إجابة دعوته جعل النبوة في ذريته {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم} أي دينه وهو الإِسلام {حنيفاً} مستقيماً على الدين {وما كان من المشركين} والحنيف المائل الى ملة الإسلام، وقوله: {شاكراً لأنعمه} روي أن ابراهيم الخليل كان لا يتغذى إلا مع ضيف، فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخّر غذاءه، فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر، فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذام، فقال: الآن وجبت مواكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وأبلاكم {إنما جعل السبت} يعني إنما جعل وبال السبت وهو المسخ {على الذين اختلفوا فيه} لأنهم أحلّوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة، روي أن داوود (عليه السلام) أمرهم أن يجعلوا في الأسبوع يوماً للعبادة وأن يكون يوم الجمعة، فأبوا عليه وقالوا: نريد اليوم الذي فرغ فيه من خلق السماوات والأرض وهو السبت، إلاَّ شرذمة منهم فرضوا بالجمعة، فهذا اختلافهم في السبت لأن بعضهم اختاره وبعضهم اختاروا عليه الجمعة، فأذن الله لهم بالسبت فابتلاهم بتحريم الصيد فيه، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة} فيجازي كل واحد من الفريقين بما يستوجبه، ومعنى جعل السبت: فرض الله تعظيمه وترك الاصطياد فيه، وقيل: اختلفت اليهود في السبت وحرم فيه الصيد بعضهم.

الهواري

تفسير : قوله: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} والأمَّة السيد في الخير؛ يعلّم الخير ويفقه الناس ويبصّرهم معالم دينهم وسبل رشادهم، أي: إنه كان في الخير إماماً. { قَانِتاً} أي: مطيعاً لله. كان إمام هدى يقتدي به، ويؤخذ عنه. وقال مجاهد: {كَانَ أُمَّةً} أي: كان وحده مؤمناً والناس كفاراً. {قَانِتاً} أي: مطيعاً لله. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن معاذ بن جبل كان أمة. وقال ابن مسعود: إن معاذاً كان يعلّم الخير؛ وكل من يعلّم الخير فهو أمة، وهو إمام، وهو القائد الذي يُقتَدَى به. { حَنِيفاً} أي: مخلصاً { وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ}. { شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ} أي: للنبوة، اختاره لها واصطفاه، واجتبى واصطفى واختار واحد. { وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: إلى الجنة. قوله: {وَءَاتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} وهو كقوله: (أية : وَءَاتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا)تفسير : [العنكبوت:27]. ذكر بعضهم قال: ليس من أهل دين إلا وهم يَتَوَلَّوْنَهُ أي: يرتضونه. قال: (أية : وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأَخِرِينَ) تفسير : [الصافات:108] أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين. قال: { وَإِنَّهُ فِي الأَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} والصالحون أهل الجنة، وأفضلهم الأنبياء. قوله: { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} يا محمد { أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} قال بعضهم[استحلّه بعضهم وحرّمه بعضهم] { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} وحكمه فيهم أن يدخل المؤمنين منهم الجنة ويدخل الكافرين النار. وقال الكلبي: إن موسى أمر قومه أن يتفرّغوا إلى الله في كل سبعة أيام يوماً يعبدونه ولا يعملون فيه من صنعتهم شيئاً، والستة أيام لصنعتهم؛ فأمرهم بالجمعة فاختاروا هم السبت وأبوا إلا السبت. فاختلافهم أنهم أبوا الجمعة واختاروا السبت. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : نحن الآخرون السابقون، ذلك بأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم. وهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فاليوم لنا [يعني الجمعة] وغدا لليهود [يعني السبت]، وبعد غد للنصارى [يعني الأحد]

اطفيش

تفسير : {إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} الأمة من خالف غيره، واختص كأنه جماعة، وهم جماعة، ومن عادة العرب فى المبالغة التسمية بالمؤنث كالداهية والرُّحلة والنخبة والآية والأمة، والنسابة والراوية، ويقال: فلان رحمة، قال الله جل وعلا: "أية : فنادته الملائكة"تفسير : [آل عمران: 39] أى جبريل، ويقال: سمى أمة لأنه اجتمع فيه من صفات الكمال، وصفات الخير، ما لا يجتمع إلا فى الجماعة، وعبارة بعض قام مقام أمة فى العبادة، وعن ابن مسعود: أمة معلم الخير، يؤتم به أهل الدنيا، ويناسب ما ذكرته أولا قول مجاهد: إِنه كان مؤمنًا وحده، والناس كفار، كما قال صلى الله عليه وسلم فى زيد ابن عمرو بن نفيل إذ فارق الجاهلية بترك عبادة الأصنام: "حديث : إنه يبعثه الله أمة وحده"تفسير : وأما زوجه سارة تتبع له بعد أن سبقها، واختص زمانا طويلا، وأريد حص من الرجال كما فى البخارى أنه قال لسارة: ليس على الأرض اليوم مؤمن غيرى وغيرك، أو معنى أمة مؤتم به، كأنه قيل إمام، قال الله عز وجل: "أية : إِنى جاعلك للناس إِماماً" تفسير : [البقرة: 124] "أية : واجعلنا للمتقين إِماماً" تفسير : [الفرقان: 74] وامتاز هو ومَن معه بعد ذلك بالتوحيد، وأهل الأديان كلهم يحبونه، ومن ذلك قولهم فلان رُحْلة ونُخْبة بضم أولهما وسكون ثانيهما أى يرحل إِليه ويختار. وإن شئت فقل: المعنى مقصود فإنه كذلك كالمأموم بمعنى المتبوع المقصود، والمأموم بمعنى من تقدمه غيره، والمقصود هنا الأول، ولكونه رئيس الموحدين فى العبادة وإبطال مذاهب الشرك كما فى سورة الأنعام بالحجج عقب ذلك بقوله: {قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} أى عابدًا لله مائلا عن دين الإشراك إِلى التوحيد والإسلام، والحنف الميل وهو هنا معنوى، ولم يكن قط مشركًا من ولادته إلى وفاته. وذلك تعريض بقريش، إِذ زعموا أنهم على دين إِبراهيم، وهم مشركون وباليهود والنصارى، إِذ زعموا أنهم على دينه، وهم مشركون "أية : ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًّا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا" تفسير : [آل عمران: 67] ويقال: كانت قريش على دينه إِلى أن غيّره عمرو بن لحىّ.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أي كان عنده عليه السلام من الخير ما كان عند أمة وهي الجماعة الكثيرة، فإطلاقها عليه عليه السلام لاستجماعه كمالات لا تكاد توجد إلا متفرقة في أمة جمة:شعر : وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد تفسير : وهو صلى الله عليه وسلم رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي نصب أدلة التوحيد ورفع أعلامها وخفض رايات الشرك وجزم ببواتر الحجج هامها، وقال مجاهد: سمي عليه السلام أمة لانفراده بالإيمان في وقته مدة ما، وفي «صحيح البخاري» أنه عليه السلام قال لسارة: ليس على الأرض اليوم مؤمن غيري وغيرك، وذكر في «القاموس» أن من معاني الأمة من هو على الحق مخالف لسائر الأديان، والظاهر أنه مجاز بجعله كأنه جميع ذلك العصر لأن الكفرة بمنزلة العدم، وقيل: الأمة هنا فعلة بمعنى مفعول كالرحلة بمعنى/ المرحول إليه، والنخبة بمعنى المنتخب من أمه إذا قصده أو اقتدى به أي كان مأموماً أو مؤتماً به فإن الناس كانوا يقصدونه للاستفادة ويقتدون بسيرته. وقال ابن الأنباري: هذا مثل قول العرب: فلان رحمة وعلامة ونسابة يقصدون بالتأنيث التناهي في المعنى الموصوف به. وإيراد ذكره عليه السلام عقيب تزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن في النبوة وتحريم ما أحل الله تعالى للإيذان بأن حقية دين الإسلام وبطلان الشرك وفروعه أمر ثابت لا ريب فيه. وفي ذلك أيضاً رد لقريش حيث يزعمون أنهم على دينه، وقيل: إنه تعالى لما بين حال المشركين وأجرى ذكر اليهود بين طريقة إبراهيم عليه السلام ليظهر الفرق بين حاله وحال المشركين وحال اليهود. {قَـٰنِتًا لِلَّهِ } مطيعاً له سبحانه قائماً بأمره تعالى {حَنِيفاً } مائلاً عن كل دين باطل إلى الدين الحق غير زائل عنه. {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} في أمر من أمور دينهم أصلاً وفرعاً، صرح بذلك مع ظهوره قيل: رداً على كفار قريش في قولهم: نحن على ملة أبينا إبراهيم، وقيل: لذلك وللرد على اليهود المشركين بقولهم: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة:30] في افترائهم وزعمهم أنه عليه السلام كان على ما هم عليه كقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [آل عمران: 67] إذ به ينتظم أمر إيراد التحريم والسبت سابقاً ولاحقاً.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي للانتقال إلى غرض التّنويه بدين الإسلام بمناسبة قوله: {أية : ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} تفسير : [سورة النحل: 119] المقصودِ به أنّهم كانوا في الجاهلية ثم اتّبعوا الإسلام، فبعد أن بشرهم بأنه غفر لهم ما عملوه من قبل زادهم فضلاً ببيان فضل الدين الذي اتّبعوه. وجُعل الثناء على إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ مقدّمة لذلك لِبيان أن فضل الإسلام فضْل زائد على جميع الأديان بأن مبدأه برسول ومنتهاه برسول. وهذا فضل لم يحظ به دين آخر. فالمقصود بعد هذا التمهيد وهاته المقدّمة هو الإفضاء إلى قوله: {أية : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} تفسير : [سورة النحل: 123]، وقد قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} تفسير : [سورة الحج: 78]. والأصل الأصيل الذي تفرّع عنه وعن فروعه هذا الانتقالُ ما ذكر في الآية قبلها من تحريم أهل الجاهلية على أنفسهم كثيراً مما أنعم الله به على الناس. ونظّرهم باليهود إذ حرّم الله عليهم أشياء، تشديداً عليهم، فجاء بهذا الانتقال لإفادة أن كلا الفريقين قد حادوا عن الحنيفية التي يزعمون أنهم متابعوها، وأن الحنيفية هي ما جاء به الإسلام من إباحة ما في الأرض جميعاً من الطيّبات، إلا ما بيّن الله تحريمه في آية {أية : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً}تفسير : [سورة الأنعام: 145] الآية. وقد وُصف إبراهيم عليه السلام بأنه كان أمّة. والأمّة: الطائفة العظيمة من الناس التي تجمعها جهة جامعة. وتقدم في قوله تعالى {أية : كان الناس أمّة واحدة} تفسير : في سورة البقرة (213). ووصفُ إبراهيم عليه السلام بذلك وصفٌ بديع جامع لمعنيين: أحدهما: أنه كان في الفضل والفتوة والكمال بمنزلة أمّة كاملة. وهذا كقولهم: أنت الرجل كل الرجل، وقول البحْتري:شعر : ولم أر أمثال الرجال تفاوتاً لدى الفضل حتى عُدّ ألفٌ بواحد تفسير : وعن عمر بن الخطاب ــــ رضي الله عنه ــــ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «حديث : مَعاذٌ أمّة قانتٌ لله»تفسير : . والثاني: أنه كان أمّة وحده في الدين لأنه لم يكن في وقت بعثته، موحّدٌ لله غيره. فهو الذي أحيا الله به التوحيد، وبثّه في الأمم والأقطار، وبنَى له معلماً عظيماً، وهو الكعبة، ودعا الناس إلى حجّه لإشاعة ذكره بين الأمم، ولم يزل باقياً على العصور. وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم في خَطر بن مالك الكاهن: «حديث : وأنه يبعث يوم القيامة أمّةً وحدَه»تفسير : ، رواه السهيلي في «الروض الأنف». ورأيت رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه المقالة في زيد بن عَمرو بن نُفيل. والقانت: المطيع. وقد تقدم في قوله تعالى {أية : وقوموا لله قانتين} تفسير : في سورة البقرة (238). واللام لام التقوية لأن العامل فرع في العمل. والحنيف: المجانب للباطل. وقد تقدم عند قوله: {أية : قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً} تفسير : في سورة البقرة (135)، والأسماء الثلاثة أخبار{كان} وهي فضائل. {ولم يك من المشركين} اعتراض لإبطال مزاعم المشركين أن ما هم عليه هو دين إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ. وقد صوّروا إبراهيم وإسماعيل ــــ عليهما السلام ــــ يستقسمان بالأزلام ووضعوا الصورة في جوف الكعبة، كما جاء في حديث غزوة الفتح، فليس قوله: {ولم يك من المشركين} مسوقاً مساق الثناء على إبراهيم ولكنه تنزيه له عمّا اختلقه عليه المبطلون. فوزانه وزان قوله: {أية : وما صاحبكم بمجنون} تفسير : [سورة التكوير: 22]. وهو كالتأكيد لوصف الحنيف بنفي ضدّه مثل {أية : وأضلّ فرعون قومه وما هدى} تفسير : [سورة طه: 79]. ونُفي كونه من المشركين بحرف {لم} لأن {لم} تقلب زمن الفعل المضارع إلى الماضي، فتفيد انتفاء مادة الفعل في الزمن الماضي، وتفيد تجدّد ذلك المنفي الذي هو من خصائص الفعل المضارع فيحصل معنيان: انتفاءُ مدلول الفعل بمادته، وتجدّد الانتفاء بصيغته، فيفيد أن إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ لم يتلبّس بالإشراك قط، فإن إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ لم يشرك بالله منذ صار مميّزاً، وأنه لا يتلبّس بالإشراك أبداً. و{شاكراً لأنعمه} خبر رابع عن {كان}. وهو مدح لإبراهيم ــــ عليه السلام ــــ وتعريض بذرّيته الذين أشركوا وكفروا نعمة الله مُقابل قوله: {أية : فكفرت بأنعم الله} تفسير : [سورة النحل: 112]. وتقدم قريباً الكلام على أنعُم الله. وجملة {اجتباه} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن الثّناء المتقدّم يثير سؤال سائل عن سبب فوز إبراهيم بهذه المحامد، فيجاب بأن الله اجتباه، كقوله تعالى: {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته} تفسير : [سورة الأنعام: 124]. والاجتباء: الاختيار، وهو افتعال من جبى إذا جمع. وتقدم في قوله تعالى {أية : واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم} تفسير : في سورة الأنعام (87). والهداية إلى الصراط المستقيم: الهداية إلى التوحيد ودين الحنيفية. وضمير {آتيناه} التفات من الغيبة إلى التكلّم تفنّناً في الأسلوب لتَوَالي ثلاثة ضمائر غيبة. والحسنة في الدنيا: كل ما فيه راحة العيش من اطمئنان القلب بالدين، والصحة، والسلامة، وطول العمر، وسعة الرزق الكافي، وحسن الذكر بين الناس. وقد تقدّم في قوله: {أية : ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة} تفسير : [سورة البقرة: 201]. والصلاح: تمام الاستقامة في دين الحقّ. واختير هذا الوصف إشارة إلى أن الله أكرمه بإجابة دعوته، إذ حكى عنه أنه قال: {أية : ربّ هب لي حكماً وألحقني بالصالحين}تفسير : [سورة الشعراء: 83].

الشنقيطي

تفسير : أثنى الله جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين على نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصَّلاة والسلام: بأنه أمة. أي إمام مقتدى به، يعلم الناس الخير. كما قال تعالى {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}تفسير : [البقرة: 124]، وأنه قانت لله، أي مطيع له، وأنه لم يكن من المشركين، وأنه شاكر لأنعم الله، وأن الله اجتباه، اي اختاره واصطفاه. وأنه هداه إلى صراط مستقيم. وكرر هذا الثناء عليه في مواضع أخر، كقوله: {أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ}تفسير : [النجم: 37]، وقوله: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}تفسير : [البقرة: 124]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 51]، وقوله: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِين}تفسير : [الأنعام: 75]، وقوله عنه: {أية : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 79]، وقوله: {أية : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [آل عمران: 67]، وقوله: {أية : وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}تفسير : [الصافات: 83-84] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في الثناء عليه. وقد قدمنا معاني "الأمة" في القرآن.

القطان

تفسير : أمة: اماما، والامة: الرجل الجامع لخصال الخير. قانتا: مطيعا. حنيفا: مائلا عن الباطل، مستقيما. اجتباه: اختاره واصطفاه. {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ...} الى قوله: {لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ}. بعد ان بين ما حرم على اليهود خاصة، وكان مشركو قريش يدعون انهم على ملة ابراهيم فيما يحرمونه على انفسم ويجعلونه لآلهتهم، يبين الله تعالى هنا حقيقة دين ابراهيم ثم بعد ذلك يأمر الرسول الكريم باتباعه. ان ابراهيم كان إماماً جامعاً لكل الفضائل، مطيعاً لله متبعاً للحق، ولم يكن من المشركين، وكان موحِّداً ليس يهودياً ولا نصرانياً، شاكرا لنعمة ربه، الذي اختاره للنبوة، وهداه الى الحق، وحبّبه الى جميع الناس، فجميعُ أهل الاديان يعترفون به وهو في الآخرة في زمرة الصالحين. وبعد ان وصف ابراهيم بهذه الصفاتِ الشريفة التي بلغت الغايةَ في علوم المرتبة - أمرَ نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم باتباعه فقال: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}. ثم اوحينا اليك ايها النبي باتباع ملة ابراهيم الحنيفية السمحة الخالصة من الشرك والزيغ والضلال، ولذلك كرر الله تعالى قوله: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} ثم نعى الله على اليهود ما اختلفوا فيه وهو يوم السبت فقال: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}. فاما تحريم السبت فهو خاص باليهود الذين اختلفوا فيه، وليس من ديانة ابراهيم، وليس كذلك من ديانة محمد السائر على نهج ابراهيم، وان ربك ليفصل بين الفريقين في الخصومة والاختلاف ويجازي كل فريق بما يستحق من ثواب وعقاب. وايراد هذه العبارة بين سابق الكلام ولاحقه انذار للمشركين وتهديد لهم بما في مخالفة الانبياء من عظيم الوبال، كما ذكر مثل القرية فيما سلف.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} (120) - يَمْدَحُ اللهُ تَعَالَى عَبْدَهُ إِبْرَاهِيمَ، إِمَامَ الحُنَفَاءِ، وَيُبَرِّئُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَمِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ أَمَّةً (أَيْ إِمَاماً يُؤْتَمُّ بِهِ وَيُقْتَدَى بِهِ) خَاشِعاً مُطِيعاً للهِ، مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ، وَمَائِلاً إِلى التَّوْحِيدِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ. أُمَّةً - مُعَلِّماً لِلْخَيْرِ، وَمُؤْمِناً وَحْدَهُ. قِانِتاً - مُطِيعاً خَاشِعاً للهِ. حَنِيفاً - مَائِلاً عَنِ البَاطِلِ إِلى الدِّينِ القَوِيمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن ذكرتْ الآيات طرفاً من سيرة اليهود، وطرفاً من سيرة أهل مكة تعرَّضتْ لخليل الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. والسؤال: لماذا إبراهيم بالذات دون سائر الأنبياء؟ ذلك لأنه أبو الأنبياء، وله مكانته بين الأنبياء، والجميع يتمحكون فيه، حتى المشركون يقولون: نحن على دين إبراهيم، والنصارى قالوا عنه: إنه نصراني. واليهود قالوا: إنه يهودي. فجاءت الآية الكريمة تحلل شخصية إبراهيم عليه السلام، وتُوضِّح مواصفاتها، وتردُّ وتُبطِل مزاعمهم في إبراهيم عليه السلام، وهاكم مواصفاته: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ..} [النحل: 120]. أُمَّة: الأمة في معناها العام: الجماعة، وسياق الحديث هو الذي يُحدِّد عددها، فنقول مثلاً: أمة الشعراء. أي: جماعة الشعراء، وقد تكون الأمة جماعة قليلة العدد، كما في قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ ..} تفسير : [القصص: 23]. فسمى جماعة من الرعاة أمة؛ لأنهم خرجوا لغرض واحد، وهو سَقْي دوابهم. وتُطلَق الأمة على جنس في مكان، كأمة الفرس، وأمة الروم، وقد تُطلِق على جماعة تتبع نبياً من الأنبياء، كما قال سبحانه: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 24]. وحين نتوسَّع في معنى الأمة نجدها في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تشمل جميع الأمم؛ لأنه أُرسِل للناس كافّة، وجمع الأمم في أمة واحدة، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [الأنبياء: 92]. ومعنى أمة واحدة. أي: جامعة لكل الأمم. فالمعنى - إذن - أن إبراهيم عليه السلام - يقوم مقام أمة كاملة؛ لأن الكمالات المطلقة لله وحده، والكمالات الموهوبة من الله لخلْقه في الرسل تُسمَّى كمالات بشرية موهوبة من الله. أما ما دون الرسل فقد وُزِّعت عليهم هذه الكمالات، فأخذ كل إنسان واحداً منها، فهذا أخذ الحلم، وهذا الشجاعة، وهذا الكرم، وهكذا لا تجتمع الكمالات إلا في الرسل. فإذا نظرتَ إلى إبراهيم - عليه السلام - وجدتَ فيه من المواهب ما لا يُوجد إلا في أمة كاملة. كذلك رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم حينما حَدَّد موقعه بين رسالات الله في الأرض يقول: "حديث : الخير فيَّ - وهذا هو الكمال البشري الذي أعطاه الله إياه - وفي أمتي ". تفسير : أي: أن كل واحد منهم أخذ جزءًا من هذا الكمال، فكأن كماله صلى الله عليه وسلم مُبعثر في أمته كلها. لذلك حين تتتبع تاريخ إبراهيم - عليه السلام - في كتاب الله تعالى تجد كل موقف من مواقفه يعطيك خَصْلة من خصال الخير، وصِفة من صفات الكمال، فإذا جمعتَ هذه الصفات وجدتها لا توجد إلا في أمة بأسْرها، فهو إمام وقدوة جامعة لكل خصال الخير. ومن معاني أمة: أنه عليه السلام يقوم مقام أمة في عبادة الله وطاعته. وقوله: {قَانِتاً لِلَّهِ ..} [النحل: 120]. أي: خاشعاً خاضعاً لله تعالى في عبادته. {حَنِيفاً} [النحل: 120]. الحنف في الأصل: الميْل، وقد جاء إبراهيم - عليه السلام - والكون على فساد واعوجاج في تكوين القيم، فمال إبراهيم عن هذا الاعوجاج، وحَاد عن هذا الفساد. والحق سبحانه وتعالى لا يبعث الرسل إلا إذا طَمَّ الفساد، إذن: ميْله عن الاعوجاج والفساد، فمعناه أنه كان مستقيماً معتدلاً على الدين الحق، مائلاً عن الاعوجاج حائداً عن الفساد. ثم يُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120]. وهذه هي الصفة الرابعة لخليل الله إبراهيم بعد أن وصفه بأنه كان أمة قانتاً لله حنيفاً، وجميعها تنفي عنه الشرك بالله، فما فائدة نَفْي الشرك عنه مرة أخرى في: {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120]. يجب أنْ نُفرّق بين أنواع الشرك، فمنه الشرك الأكبر، وهو أن تجعل لله شركاء، وهو القمة في الشرك. ومنه الشرك الخفي، بأن تجعل للأسباب التي خلقها دَخْل في تكوين الأشياء. فالآية هنا: {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120]. أي: الشرك الخفي، فالأوصاف السابقة نفتْ عنه الشرك الأكبر، فأراد سبحانه أن ينفي عنه شركَ الأسباب أيضاً، وهو دقيق خفيّ. ولذلك عندما أُلقِيَ - عليه السلام - في النار لم يلتفت إلى الأسباب وإنْ جاءت على يد جبريل - عليه السلام -، فقال له حينما عرض عليه المساعدة: أما إليك فلا. فأين الشرك الخفي - إذن - والأسباب عنده معدومة من البداية؟ ثم يقول الحق سبحانه: {شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً} معناهُ مُعلمٌ للخَيرِ. قالَ زيدُ بن علي عليهما السّلامُ: كان مُؤمناً وحدهُ مُطيعاً لله، والنّاسُ كُلُّهُم كُفارٌ. وقانتٌ: معناهُ إِمامٌ مُطيعٌ. تفسير : وقوله تعالى: {حَنِيفاً} مسلماً. فالحَنِيفُ: الذي يَختتنُ ويَحجُ البيتَ. وقالَ الحَنيفُ: المُخلصُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن طالبه أن يكون بانفراده أمه بقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ} [النحل: 120] إشارة إلى أن من جذبته العناية الأزلية عن منيته، وقلعته النفحات الربانية عن طينة بنيته، واستخلصه بنار الغيرة عن غش القربة الأزلية، وارتفعت الشركة وبقيت الوحدة، وتحققت خصوصية الخلقة والمحبة، واختصه بمراتب جماله وجلاله، يكون بمثابة أمة مطيعة قابلة لمرائية صفاته، وهم زبدة المكونات وخلاصة الموجودات فإنها بجميعها خلقت مظهرة لصفاته ليعرف بها كما قال: "فخلقت الخلق لأُعرف"، وفيه إشارة إلى أنه لو لم يكن في زمانه مؤمن إلا هو بنفسه أمة مطيعة اجتمع فيها ما هو المراد أن يكون في أمة زمانه {حَنِيفاً} [النحل: 120] أي: ملائماً عن غير الحق بالحق للحق {وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] يعني: كان فانياً في الله باقياً به لم يتمكن ممن له شرعة مع الله في الوجود. {شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ٱجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [النحل: 121] والإنعام في نعمة النبوة والرسالة، ونعمة الخلة، ونعمة الاجتباء، ونعمة الهداية إلى صراط مستقيم هو صراط إلى الله، ونعمة الخصائل التي جمعها الله فيه ليكون بها أمة بنفسه {وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل: 122] وهي أنه جعل أكثر الأنبياء من نسله لا سيما محمد صلى الله عليه وسلم وأمره باتباعه. {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [النحل: 122] وفيه إشارة إلى استجابة دعائه، فإنه دعا ربه وقال: {أية : وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الشعراء: 83] فأجابه وقال: {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [النحل: 122] إلحاقاً بهم في قوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [النحل: 123] إشارة إلى أن الله تعالى لمَّا بين كمالات مقام إبراهيم عليه السلام وما أنعم الله عليه بأمره باتباعه؛ ليهتدي بهداه ويقتضي به في بذل الوجود لمولاه؛ إذ رمى في النار وقال: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [النحل: 124] لئلا يرضى بالشركة مع الله في الوجود، فلمَّا سلك النبي صلى الله عليه وسلم طريق متابعته وسلَّم وجهه لله ليذهب إلى الله، كما ذهب إبراهيم عليه السلام وقال: {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي} تفسير : [الصافات: 99] نودي في سفره: إن إبراهيم كان خليلنا، وأنت حبيبنا فالفرق بينكما أن الخليل لو كان ذاهباً يمشي بنفسه فالحبيب يكون راكباً أسري به، فلمَّا بلغ سدرة المنتهى وحد مقام الخليل عندها فقيل له: إنها السدرة لمقام الخليل لو رضيت بها لنرينها لك، {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} تفسير : [النجم: 16] لعلو همته الحبيبية {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ} تفسير : [النجم: 17] بالنظر إليها {أية : وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم: 17] باتخاذ المنزل عندها {أية : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} تفسير : [النجم: 8-9] وهي مقام الحبيب فبقي مع الله بلا هو في خلوة لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب وهو جبريل ولا نبي مرسل وهو هويته، فلمَّا جاوز حد المتابعة صار متبوعاً، فإن كان هو صلى الله عليه وسلم في الدنيا محتاجاً إلى متابعة الخليل، فالخليل يكون في الآخرة محتاجاً إلى شفاعته، كما قال: "حديث : الناس يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم ".

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عما فضل به خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وخصه به من الفضائل العالية والمناقب الكاملة فقال: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً } أي: إماما جامعا لخصال الخير هاديا مهتديا. { قَانِتًا لِلَّهِ } أي: مديما لطاعة ربه مخلصا له الدين، { حَنِيفًا } مقبلا على الله بالمحبة، والإنابة والعبودية معرضا عمن سواه. { وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } في قوله وعمله، وجميع أحواله لأنه إمام الموحدين الحنفاء. { شَاكِرًا لأنْعُمِهِ } أي: آتاه الله في الدنيا حسنة، وأنعم عليه بنعم ظاهرة وباطنة، فقام بشكرها، فكان نتيجة هذه الخصال الفاضلة أن { اجْتَبَاهُ } ربه واختصه بخلته وجعله من صفوة خلقه، وخيار عباده المقربين. { وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } في علمه وعمله فعلم بالحق وآثره على غيره. { وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } رزقا واسعا، وزوجة حسناء، وذرية صالحين، وأخلاقا مرضية { وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } الذين لهم المنازل العالية والقرب العظيم من الله تعالى. ومن أعظم فضائله أن الله أوحى لسيد الخلق وأكملهم أن يتبع ملة إبراهيم، ويقتدي به هو وأمته.

همام الصنعاني

تفسير : 1512- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ}: [الآية: 120]، قال: إمام مطيع الله. 1514- الثّوري، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، قال: قرأت عند أبي مسعود {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ}: [الآية: 120]، فَقَالَ: إنَّ مُعَاذاً كان أمة قانتاً للهِ، قال: فأعادوا عليه، قال: فأعاد عليهم، ثم قال: أتدرون ما الأُمَّةُ؟ الذي يُعَلّمُ الناسَ الخير، والقانت، الذي يطيع الله ورسوله.