Verse. 2024 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

ثُمَّ اَوْحَيْنَاۗ اِلَيْكَ اَنِ اتَّبِعْ مِلَّۃَ اِبْرٰہِيْمَ حَنِيْفًا۝۰ۭ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ۝۱۲۳
Thumma awhayna ilayka ani ittabiAA millata ibraheema haneefan wama kana mina almushrikeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم أوحينا إليك» دينه يا محمد «أن اتبع ملة» دينه «إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين» كرر ردا على زعم اليهود والنصارى أنهم على دينه.

123

Tafseer

القرطبي

تفسير : قال ابن عمر: أمِر باتباعه في مناسك الحج كما علّم إبراهيمَ جبريل عليهما السلام. وقال الطبري: أمِر بٱتباعه في التبرؤ من الأوثان والتزين بالإسلام. وقيل: أمِر باتباعه في جميع ملته إلا ما أمر بتركه؛ قاله بعض أصحاب الشافعي على ما حكاه الماوردي. والصحيح الاتباع في عقائد الشرع دون الفروع؛ لقوله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}تفسير : [المائدة: 48]. مسألة: في هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول ـ لما تقدم إلى الصواب ـ والعمل به، ولا دَرَك على الفاضل في ذلك؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء عليهم السلام، وقد أمِر بالاقتداء بهم فقال: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90]. وقال هنا: «ثم أوحينا إِلَيْكَ أنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ».

البيضاوي

تفسير : {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } يا محمد، و {ثُمَّ } إما لتعظيمه والتنبيه على أن أَجَلَّ ما أوتي إبراهيم اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام ملته، أو لتراخي أيامه. {أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } في التوحيد والدعوة إليه بالرفق وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى والمجادلة مع كل أحد حسب فهمه {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } بل كان قدوة الموحدين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } يا محمد صلى الله عليه وسلم {أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ } دين {إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } كرّر ردًّا على زعم اليهود والنصارى أنهم على دينه.

ابن عبد السلام

تفسير : {اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} في الإسلام والبراءة من الأوثان، أو في جميع ملته إلا ما أُمر بتركه.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [الآية: 123]. قال الدينورى: أمر النبى صلى الله عليه وسلم باتباع الخليل لئلا يأتى أحد من الأتباع، وملة إبراهيم كانت السخاء وحسن الخلق، فزاد عليه النبى صلى الله عليه وسلم حين جاد بالكونين عوضًا عن الحق فقيل له {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4].

القشيري

تفسير : {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} أي الكون بالحق، والامتحاء عن شاهد نفسه؛ فكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - في اتباعه إبراهيم مؤْتَمِرَاً بأمر الله. وكانت ملةُ إبراهيم - عليه السلام - الخُلُقَ والسخاءَ والإيثارَ والوفاءَ، فاتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم وزاد عليه، فقد زاد على الكافة شأنه، وبانت مَزِيَّتُه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم اوحينا اليك} مع علو طبقتك وسمو رتبتك وما فى ثم من التراخى فى الرتبة للتنبيه على ان اجل ما اوتى ابراهيم اتباع الرسول ملته {ان اتبع ملة ابراهيم} الملة اسم لما شرعه الله لعباده على لسان الانبياء من امللت الكتاب اذا مليته وهى الدين بعينه لكن باعتبار الطاعة له والمراد بملته الاسلام المعبر عنه بالصراط المستقيم {حنيفا} حال من المضاف اليه لما ان المضاف لشدة اتصاله به جرى منه مجرى البعض فعد بذلك من قبيل رأيت وجه هند قائمة {وما كان من المشركين} بل كان قدوة الموحدين وهو تكرير لما سبق لزيادة تأكيد وتقرير لنزاهته عما هم عليه من عقد وعمل. قال العلماء المأمور به الاتباع فى الاصول دون الفروع والمتبدلة بتبدل الاعصار واتباعه له بسبب كونه مبعوثاً بعده والا فهو اكرم الاولين والآخرين على الله. شعر : تواصل وباقى طفيل تواند توشاهى ومجموع خيل تواند تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم على دين قومه قبل النبوة اى على ما بقى فيهم من ارث ابراهيم واسماعيل عليهما السلام فى حجهم ومناسكهم وبيوعهم واساليبهم واما التوحيد فانهم كانوا قد بدلوه والنبى عليه السلام لم يكن الا عليه. قال فى التأويلات النجمية لما سلك النبى صلى الله عليه وسلم طريق متابعته واسلم وجهه لله ليذهب الى الله كما ذهب ابراهيم وقال انى ذاهب الى ربى نودى فى سره ان ابراهيم كان خليلنا وانت حبيبنا فالفرق بينكما ان الخليل لو كان ذاهبا يمشى بنفسه فالحبيب يكون راكبا اسرى به فلما بلغ سدرة المنتهى وجد مقام الخليل عندها فقيل له ان السدرة مقام الخليل لو رضيت بها لنزينها لك اذ يغشى السدرة ما يغشى ولعلو همته الحبيبة ما زاغ البصر بالنظر اليها وما طغى باتخاذ المنزل عندها ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى وهو مقام الحبيب فبقى مع بلا هو فى خلوة لى مع الله وقت لا يسعنى فيه ملك مقرب وهو جبريل ولا نبى مرسل وهو هويته عليه السلام لما جاوز حد لمتابعة صار متبوعا فان كان صلى الله عليه وسلم فى الدنيا محتاجا الى متابعة الخليل فالخليل يكون فى الآخرة محتاجا الى شفاعته كما قال "حديث : الناس محتاجون الى شفاعتى يوم القيامة حتى ابراهيم"تفسير : انتهى. ما فى التأويلات. ثم الآية تدل على شرف المتابعة فان الحبيب مع شرفه العظيم اذا كان مأمورا بالمتابعة فما ظنك بغيره من افراد الامة ففى المتابعة وصحبة الاخيار والصلحاء شرف وسعادة عظمى ألا يرى ان عشرة من الحيوانات من اهل الجنة بشرف القرين كناقة صالح وكبش اسماعيل ونملة سليمان وكلب اصحاب الكهف ولله در ما قال شعر : سك اصحاب كهف روزى جند بى مردم كرفت ومردم شد تفسير : وعن النبى عليه السلام "حديث : ان رجلا يبقى متحيرا من الافلاس فيقول الله يا عبدى أتعرف العبد الفلانى او العارف الفلانى فيقول نعم فيقول الله فاذهب فانى قد وهبتك له " تفسير : وعن الشيخ بهاء الدين ان خادم الشيخ ابى يزيد البسطامى قدس سره كان رجلا مغربيا فجرى الحديث عنده فى سؤال منكر ونكير فقال المغربى والله لا يسألانى لاقولن لهما فقالوا له ومن يعلم ذلك فقال اقعدوا على قبرى حتى تسمعونى فلما انتقل المغربى جلسوا على قبره فسمعوا المسألة وسمعوه يقول أتسألوننى وقد حملت فروة ابى يزيد على عنقى فمضوا وتركوه.

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} يا محمّد (ص) {أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} الملّة هى صورة احكام القالب مرتبطة باحكام القلب مأخوذة من صاحب احكام القلب والقالب كما انّ النّحلة هى تلك الصّورة غير مأخوذة من صاحبها بشرائطها المقرّرة عندهم، وتخلّل ثمّ لتراخى زمان الوحى عن زمان ابراهيم، وللاشارة الى انّ اتّباع محمّد (ص) شرف لابراهيم (ع) لا وصف له اشرف منه، وللاشارة الى انّ حكاية حاله (ص) اعلى درجةً من حكاية حال ابراهيم (ع)، وعن الصّادق (ع): لا طريق للاكياس من المؤمنين اسلم من الاقتداء لانّه المنهج الاوضح قال الله عزّ وجلّ ثمّ اوحينا اليك انّ اتّبع ملّة ابراهيم حنيفاً فلو كان لدين الله مسلك اقوم من الاقتداء لندب اوليائه وانبيائه (ع) اليه.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ} ذكر لفظ ثم الموضوع للدلالة على التباعد تعظيما لسيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعلو درجته كما ترى جسما بعيدا فى الجو لا يناله أحد وتنبيها على أن أجل ما أُوتى إِبراهيم ـ صلى الله عليه وسلم ـ اتباع الرسل ملته أو ذكر لفظ ثم لتراخى أيام سيدنا ـ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أيام سيدنا إِبراهيم صلى الله عليه وسلم {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} يا محمد {أَنِ} مفسرة {اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} طريقته فى العقائد من توحيد الله عز وجل والإِيمان بكتبه ورسله وأنبيائه ويوم القيامة والجنة والنار والملائكة ونحو ذلك، وقيل طريقته فى التوحيد والدعاء إِليه بالرفق وإِيراد الدلائل مرة بعد أُخرى والمجادلة مع كل أحد بحسب فهمه وقيل كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مَأمورا بشريعة إِبراهيم عليه السلام كلها من فعل واعتقاد إِلا ما نسخ منها {حَنِيفاً} حال من المضاف إِليه لكون المضاف كجزء منه أو من الضمير فى اتبع {وَمَا كَان مِنَ الْمُشْرِكِينَ} مستأنفة على أن حنيفا حال من الضمير فى اتبع وحال أُخرى على أن حنيفا حال من المضاف إِليه وهو إِبراهيم أو الجملة حال من الضمير فى حنيفا على هذا الوجه وإِنما كرر لتأكيد الرد على زعم اليهود والنصارى وغيرهم أنهم على دينه ثم هدد الله عز وجل المشركين على مخالفة أمر الله كما هددهم بضرب القرية مثلا بأَنه جعل وبال السبت وهو المسخ على اليهود لاختلافهم فيه على نبيهم فقال: {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ}.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} يا محمد، ثم لتراخى الرتبة، كما أن تراخى الزمان موجود، وذلك الموحى إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل ما أوحى الله، وهذا تعظيم له صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون تعظيما لسيدنا إبراهيم، إذ أمر سيدنا محمداً باتباعه صلى الله وسلم عليهما، وثم لتراخى هذه الرتبة عن سائر رتب إبراهيم عليه السلام، ويجوز تعظيمه بجملة هذا الكلام، وهو الأمر باتباعه، وتعظيم سيدنا محمد يتم، وقد وصف الله جل وعلا إبراهيم بتسع خصال، وأمر الرسول باتباعه وهذا الاتباع عاشره. وفى ثم هذا إيذان بأن أشرف ما أوتى الخليل وأجلّه اتباع محمد صلى الله عليه وسلم عليهما له، فهذا تعظيم لهما معًا، ولا بأس باتباع الفاضل المفضول، كما قال: "أية : فبهداهم اقتده" تفسير : [الأنعام: 90] وكما يتبع الأنبياء آباءهم إذا كانوا مسلمين، وهم غير أنبياء، مع أن هذه الآية غير خارجة عن معنى أوحينا إليك القرآن، وهو غير مخالف لما عليه إبراهيم وهو المراد فى قوله: {أَنِ اتّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المْشْرِكِينَ} والمراد اتباعه فى التوحيد وخصاله وبعض الأشياء، وقيل: كل ما فى شريعتنا هو فى شريعته، وهو صلى الله عليه وسلم مبعوث لإحياء شريعة إبراهيم أصولا وفروعا، وهو قول باطل، بل فى بعض كما مرّ، وكالحج بعد أمره باتباعه فى بعض الأشياء فقال: أفعلها كما فعلها إبراهيم، وذلك وحى من الله سبحانه مستقل، وخصه بأشياء كثيرة لم تكن فى شرع إبراهيم، وأمره الله الختان كإبراهيم أو علم صلى الله عليه وسلم بأن شرع إبراهيم الختان، ووجد قومه يختتنون، ولم ينهه الله فجرى عليه. وأن تفسيرية، قيل او مصدرية بلا تقدير جار، أى أوحينا إليك اتباع ملته، أو بتقديره أى باتباعها، وفى ذلك تعريض باليهود والنصارى وقريش، بأنهم مشركون، فكيف يتوهمون أنهم على دين إبراهيم، ولا تضاف الملة إلى الله، بل إلى الأنبياء أو غيرهم من الجمل كاليهود وقد تضاف قليلا إلى المفرد وهو غير نبى أمر الله سبحانه وتعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم باتباع أبيه إبراهيم عليه السلام، فاتبعه فقال اليهود: لو اتبعه لعمل بالسبت كما عمل إبراهيم، فكذبهم الله عز وجل بقوله: {إِنّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} وهم اليهود بعد إبراهيم عليه السلام بزمان طويل، فى زمان موسى عليه السلام، ولم يكن السبت فى شرع إبراهيم، بل فى شرعه الجمعة كما فى شرع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اختاره الله له، وهو أفضل الأيام، لأن فيه خلق آدم، وهو أفضل الخلق، وفيه تاب عليه، وفراغ الخلق والمعظم هو يوم الفراغ، وهو يوم السرور لا يوم بعده، لأنه تعالى هو الذى فرغ منه لا نحن فنقول: عيينا فيه فلا يصح أن يكون عبداً لنا، والله لا يعيا، والله جل وعلا والذى اختاره لنا، ولم نختره نحن لأنفسنا، وادخره الله لنا، وقد أمر الله عز وجل به اليهود، فلم يقبلوه، وقالوا نحن نوافق ربنا فى ترك العمل إِذ بدأ الخلق فى الأحد، وأتمه فى يوم الجمعة، ولم يعمل يوم السبت، فنحن نجعله عيداً لا نعمل فيه إلا ما لا بد منه. واختار النصارى الأحد، لأنه يوم بدأ العمل موكله الله إليهم كما قبل من اليهود السبت، وحنيفاً حال من إبراهيم، لأن المضاف هنا كجزء من المضاف إليه لشدة الاتصال، ويضعف كونه حالا من ضمير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى اختلاف اليهود فى السبت مخالفتهم كلهم لموسى عليه السلام إذ أمرهم من الله بالجملة فخالفوه إلى السبت، فجعلوا التفرغ إلى العبادة الذى أمروا به فى يوم الجمعة فى يوم السبت، فالاختلاف بينهم وبين موسى أى اختلفوا فيه مع موسى، وهو خلاف الظاهر، فإن الظاهر فيه أن يذكر موسى أو يقول خالفوا، ولذلك اختار بعض أَن المعنى اختلفوا فيما بينهم، بعض رضى بالجمعة، والأكثر أرادوا السبت. وقيل: لم يعين الله لهم الجمعة، بل ذكر يوماً مطلقاً من الأسبوع، فاختلفوا فيه، فأراد القليل الجمعة، والصحيح التعيين، وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم"تفسير : ثم هذا يومهم الذى فرض عليهم، يعنى الجمعة فاختلفوا فيه، وهدانا الله إليه، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غداً والنصارى بعد غد، ومعنى، بيد: غير، والمعنى على أنه شديد عليهم به، إذ خالفوا إليه فألزمه تعظيمه بالعبادة وترك الصيد. وأيضاً جعل وباله عليهم، لما اصطادوا فيه زمان داود مسخ شبانهم قردة، وشيوخهم خنازير، أو مسخوا قردة كما هو ظاهر سورة البقرة، حفروا حياضاً يدخل إليها الحوت يوم السبت يصطادونها يوم الأحد، فعوقبوا على هذه الحيلة كما لعنوا بأكل ثمن الشحوم المحرمة عليهم، والسبت هو يوم السبت، أو هو بمعنى المصدر بمعنى العمل بتعظيمه، يقول: سبت اليهودى أى عظم يوم السبت، وعمل به، أو قطع العمل وبقيت طائفة من اليهود على تعظيم الجمعة، والتفرغ للعبادة فيه، كما أمر الله عز وجل، وترك السبت فى عهد موسى، فهم لا يحرم عليهم الصيد والعمل يوم السبت وهم قليل انقرضوا. ولما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطل السبت والأحد على اليهود والنصارى، ووجبت عليهم الجمعة. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} بإثابة المطيع وعقاب العاصى، فمن المطيع من عظم السبت، ولم يصد فيه ومنه من عمل بالجمعة وترك السبت. {فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} مع نبيهم، أو اختلف بمعنى خالف.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ} وهي على ما روي عن قتادة الإسلام المعبر عنه آنفاً بالصراط المستقيم، وفي رواية أخرى عنه أنها جميع شريعته إلا ما أمر صلى الله عليه وسلم بتركه، وفي "التفسير الخازني" حكاية هذا عن أهل الأصول، وعن ابن عمرو بن العاص أنها مناسك الحج. وقال الإمام: قال قوم إن النبـي صلى الله عليه وسلم كان على ملة إبراهيم وشريعته وليس له شرع متفرد به بل بعث عليه الصلاة والسلام لإحياء شريعة إبراهيم لهذه الآية، فحملوا الملة على الشريعة أصولاً وفروعاً وهو قول ضعيف، والمراد من {مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ } التوحيد ونفي الشرك المفهوم من قوله تعالى: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } فإن قيل: إنه صلى الله عليه وسلم إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد للأدلة القطعية فلا يعد ذلك متابعة فيجب حمل الملة على الشرائع التي يصح حصول المتابعة فيها، قلنا: يجوز أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد وهي أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن اهـ. وتعقبه أبو حيان بأنه لا يحتاج إليه لأن المعتقد الذي تقتضيه دلائل العقول لا يمتنع أن يوحى ليتضافر المعقول والمنقول على اعتقاده، ألا ترى قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } تفسير : [الأنبياء: 108] كيف تضمن الوحي بما اقتضاه الدليل العقلي، فلا يمتنع أن يؤمر النبـي صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام بنفي الشرك والتوحيد وإن كان ذلك مما ثبت عنده عليه الصلاة والسلام بالدليل العقلي ليتضافر الدليلان العقلي والنقلي على هذا المطلب الجليل، وآخر بأنه ظاهر في حمل الملة على كيفية الدعوة ولا شك أن ذلك ليس داخلاً في مفهومها فإنها ما شرعه الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء عليهم السلام من أمللت الكتاب إذا أمليته وهي الدين بعينه لكن باعتبار الطاعة له، وتحقيقه أن الوضع الإلهي مهما نسب إلى من يؤديه عن الله تعالى يسمى ملة ومهما نسب إلى من يقيمه يسمى ديناً، قال الراغب: ((الفرق بينها وبين الدين أنها لا تضاف إلا للنبـي صلى الله عليه وسلم الذي يسند إليه ولا تكاد توجد مضافة إلى الله تعالى ولا إلى آحاد أمة النبـي عليه السلام ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها ولا كذلك الدين))، وأكثر المفسرين على أن المراد بها هنا أصول الشرائع، ويحمل عليه ما روي عن قتادة أولاً ولا بأس بما روي عنه ثانياً. واستدلال بعض الشافعية على وجوب الختان وما كان من شرعه عليه السلام ولم يرد به ناسخ مبني على ذلك كما لا يخفى. ما روي عن ابن عمرو بن العاص ذكره في «البحر» والذي أخرجه ابن المنذر والبيهقي في "الشعب" وجماعة عنه أنه قال: صلى جبريل عليه السلام بإبراهيم الظهر والعصر بعرفات ثم وقف حتى إذا غابت الشمس دفع به ثم صلى المغرب والعشاء بجمع ثم صلى به الفجر كأسرع ما يصلي أحد من المسلمين ثم وقف به حتى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين دفع به ثم رمى الجمرة ثم ذبح وحلق ثم أفاض به إلى البيت فطاف به فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ} ولعل ما ذكر أولاً مأخوذ منه. وأنت تعلم أنه ليس نصاً فيه ولا أظن أن أحداً يوافق على تخصيص ملته عليه السلام بمناسك الحج. / و {أَنْ} تفسيرية أو مصدرية ومر الكلام في وصلها بالأمر، و {ثُمَّ} قيل: للتراخي الزماني لظهور أن أيامه صلى الله عليه وسلم بعد أيامه عليه السلام بكثير، واختار المحققون أنها للتراخي الرتبـي لأنه أبلغ وأنسب بالمقام. قال الزمخشري: إن في {ثُمَّ} هذه إيذاناً بأنه أشرف ما أوتي خليل الله عليه السلام من الكرامة وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ملته وتعظيماً لمنزلة نبينا عليه الصلاة والسلام وإجلالاً لمحله، أما الأول فمن دلالة ثم على تباين هذا المؤتى وسائر ما أوتي عليه السلام من الرتب والمآثر، وأما الثاني فمن حيث إن الخليل مع جلالة محله عند الله تعالى أجل رتبته أن أوحى إلى الحبيب اتباع ملته، وفي لفظ {أَوْحَيْنَا} ثم الأمر باتباع الملة لا اتباع إبراهيم عليه السلام ما يدل كما في «الكشف» على أنه صلى الله عليه وسلم ليس بتابع له بل هو مستقل بالأخذ عمن أخذ إبراهيم عليه السلام عنه. {حَنِيفاً} حال من إبراهيم المضاف إليه لما أن المضاف لشدة اتصاله به جرى منه مجرى البعض فعد بذلك من قبيل رأيت وجه هند قائمة. ونقل ابن عطية عن مكي عدم جواز كونه حالاً منه معللاً ذلك بأنه مضاف إليه، وتعقبه بقوله: ليس كما قال لأن الحال قد يعمل فيها حروف الخفض إذا عملت في ذي الحال نحو مررت بزيد قائماً، وفي كلا الكلامين بحث لا يخفى. ومنع أبو حيان مجىء الحال من المضاف إليه في مثل هذه الصورة أيضاً وزعم أن الجواز فيها مما تفرد به ابن مالك والتزم كون {حَنِيفاً} حالاً من {مِلَّةَ} لأنها والدين بمعنى أو من الضمير في {أَتَّبِعُ} وليس بشيء ولم يتفرد بذلك ابن مالك بل سبقه إليه الأخفش وتبعه جماعة {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} بل كان قدوة المحققين وهذا تكرير لما سبق لزيادة تأكيد وتقرير لنزاهته عليه السلام عما هم عليه من عقد وعمل.

ابن عاشور

تفسير : {ثُمّ} للترتيب الرتبي المشير إلى أن مضمون الجملة المعطوفة متباعد في رتبة الرفعة على مضمون ما قبلها تنويهاً جليلاً بشأن النبي صلى الله عليه وسلم وبشريعة الإسلام، وزيادة في التّنويه بإبراهيم ــــ عليه السلام ــــ، أي جعلناك متّبعاً ملّة إبراهيم، وذلك أجلّ ما أوليناكما من الكرامة. وقد بيّنت آنفاً أن هذه الجملة هي المقصود، وأن جملة {أية : إن إبراهيم كان أمة} تفسير : [سورة النحل: 120] الخ. تمهيد لها. وزيد {أوحينا إليك} للتّنبيه على أن اتّباع محمد ملّة إبراهيم كان بوحي من الله وإرشاد صادق، تعريضاً بأن الذين زعموا اتباعهم ملّة إبراهيم من العرب من قبلُ قد أخطأوها بشبهة مثل أميّةَ بن أبي الصَلت، وزيد بن عمرو بن نُفيل، أو بغير شبهة مثل مزاعم قريش في دينهم. و{أن} تفسيرية لفعل {أوحينا} لأن فيه معنى القول دون حروفه، فاحتيج إلى تفسيره بحرف التفسير. والاتّباع: اقتفاء السير على سَير آخر. وهو هنا مستعار للعمل بمثل عمل الآخر. وانتصب {حنيفاً} على الحال من {إبراهيم} فيكون زيادة تأكيد لمماثله قبله أو حالاً من ضمير {إليك} أو من ضمير {اتبع}، أي كن يا محمد حنيفاً كما كان إبراهيم حنيفاً. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : بعثت بالحنيفية السمحة»تفسير : . وتفسير فعل {أوحينا} بجملة {أن اتبع ملة إبراهيم} تفسير بكلام جامع لما أوحَى الله به إلى محمد ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ من شرائع الإسلام مع الإعلام بأنها مقامة على أصول ملّة إبراهيم. وليس المراد أوحينا إليك كلمة {اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم تفاصيل ملّة إبراهيم، فتعيّن أن المراد أن الموحى به إليه منبجس من شريعة إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ. وقوله: {وما كان من المشركين} هو مما أوحاه الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم المحكي بقوله: {ثم أوحينا إليك}، وهو عطف على {حنيفاً} على كلا الوجهين في صاحب ذلك الحال، فعلى الوجه الأول يكون الحال زيادة تأكيد لقوله قبله: {أية : ولم يك من المشركين} تفسير : [سورة النحل: 120]، وعلى الوجه الثاني يكون تنزيهاً لشريعة الإسلام المتبعَة لملّة إبراهيم من أن يخالطها شيء من الشرك. ونُفي كونه من المشركين هنا بحرف {ما} النافية لأن {ما} إذا نفت فعل {كان} أفادت قوّة النفي ومباعدة المنفي. وحسبك أنها يبنى عليها الجحود في نحو: ما كان ليفعل كذا. فحصل من قوله السابق {أية : ولم يك من المشركين}تفسير : [النحل: 120] ومن قوله هنا: {وما كان من المشركين} ثلاث فوائد: نفي الإشراك عن إبراهيم في جميع أزمنة الماضي، وتجدّد نفي الإشراك تجدّداً مستمرّاً، وبراءته من الإشراك براءة تامة. وقد علم من هذا أن دين الإسلام منزّه عن أن تتعلّق به شوائب الإشراك لأنه جاء كما جاء إبراهيم معلناً توحيداً لله بالإلهية ومجتثّاً لوشيج الشرك. والشرائعُ الإلهية كلها وإن كانت تحذّر من الإشراك فقد امتاز القرآن من بينها بسدّ المنافذ التي يتسلّل منها الإشراك بصراحة أقواله وفصاحة بيانه، وأنه لم يترك في ذلك كلاماً متشابهاً كما قد يوجد في بعض الكتب الأخرى، مثل ما جاء في التوراة من وصف اليهود بأبناء الله، وما في الأناجيل من موهم بنوّة عيسى ــــ عليه السلام ــــ لله سبحانه عما يصفون. وقد أشار إلى هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع: «حديث : أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في أرضكم هذه (أي أرض الإسلام) أبداً، ولكنه قد رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تَحْقِرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم»تفسير : . ومعنى اتّباع محمد ملّة إبراهيم الواقع في كثير من آيات القرآن أن دين الإسلام بُني على أصول ملّة إبراهيم، وهي أصول الفطرة، والتوسّط بين الشدّة واللّين، كما قال تعالى: {أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج ملّة أبيكم إبراهيم} تفسير : [سورة الحج: 78]. وفي قضية أمر إبراهيم بذبح ولده عليهما السلام، ثم فدائه بذبح شاة رمز إلى الانتقال من شدّة الأديان الأخرى في قرابينها إلى سماحة دين الله الحنيف في القربان بالحيوان دون الآدمي. ولذلك قال تعالى: {أية : وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنّا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم} تفسير : [سورة الصافات: 104 - 107]. فالشريعة التي تبنى تفاصيلها وتفاريعها على أصول شريعة تعتبر كأنها تلك الشريعة. ولذلك قال المحققون من علمائنا: إن الحكم الثابت بالقياس في الإسلام يصح أن يقال إنه دين الله وإن كان لا يصح أن يقال: قالَه الله. وليس المراد أن جميع ما جاء به الإسلام قد جاء به إبراهيم عليه السلام إذ لا يخطر ذلك بالبال، فإن الإسلام شريعة قانونية سلطانية، وشرع إبراهيم شريعة قبائلية خاصة بقوم، ولا أن المراد أن الله أمر النبي محمداً باتّباع ملّة إبراهيم ابتداءً قبل أن يوحي إليه بشرائع دين الإسلام، لأن ذلك وإن كان صحيحاً من جهة المعنى وتحتمله ألفاظ الآية لكنه لا يستقيم إذ لم يرد في شيء من التشريع الإسلامي ما يشير إلى أنه نَسْخ لما كان عليه النبي من قبلُ. فاتّباع النبي ملّة إبراهيم كان بالقول والعمل في أصول الشريعة من إثبات التوحيد والمحاجّة له واتّباع ما تقتضيه الفطرة. وفي فروعها مما أوحى الله إليه من الحنيفية مثل الختان وخصال الفطرة والإحسان.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أوحى إلى نبيَّنا صلى الله عليه وسلم الأمر باتباع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين. وبين هذا أيضاً في غير هذا الموضع كقوله: {أية : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 161]، وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [الحج: 77]، إلى قوله: {أية : مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم}تفسير : [الحج: 78] الآية، وقوله: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الممتحنة: 4] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والملة: الشريعة. والحنيف: المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق. وأصله من الحنف: وهو اعوجاج الرجلين. يقال: برجله حنف أي اعوجاج. ومنه قول أم الأحنف بن قيس ترقصه وهو صبي: شعر : والله لولا حنف برجله ما كان في فتيانكم من مثله تفسير : وقوله {حنيفاً} حال من المضاف إليه. على حد قول ابن مالك في الخلاصة: شعر : ما كان جزء ما له أضيفا أو مثل جزئه فلا تحيفا تفسير : لأن المضاف هنا وهو {ملَّة} كالجزء من المضاف إليه وهو {إبراهيم} لأنه لو حذف لبقي المعنى تاماً. لأن قولنا: أن أتبع إبراهيم، كلام تامُّ المعنى كما هو ظاهر، وهذا هو مراده بكونه مثل جزئه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱتَّبِعْ} {إِبْرَاهِيمَ} (123) - ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ وَأَنْتَ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ فِي مَيْلِهِ إِلَى الإِيمَانِ، وَبُعْدِهِ وَانْحِرَافِهِ عَنِ الشِّرْكِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُؤْمِناً قَانِتاً خَاشِعاً للهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ. مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ - شَرِيعَةَ إِبْرَاهِيمَ وَهِيَ التَّوْحِيدُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى بعد أن ذكر بعضاً من صفات الخليل إبراهيم من كونه أمة قانتاً لله حنيفاً، ولم يك من المشركين، وأنه شاكر لأنعمه، واجتباه ربه وهداه .. الخ قال: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} [النحل: 123]. يا محمد: {أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [النحل: 123]. كأن قمة مناقب إبراهيم وحسناته أننا أوحينا إليك يا خاتم الرسل أن تتبع ملته. وملة إبراهيم: أي شريعة التوحيد. ثم يُؤكّد الحق سبحانه براءة إبراهيم من الشرك فيقول: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123]. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ ...}.

الجيلاني

تفسير : {ثُمَّ} بعدما أشرنا إليك يا أكمل الرسل كما استحقاقه، ولياقته للاقتدار والمتابعة {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} تكريماً لك وله {أَنِ ٱتَّبِعْ} في إيصال الدعوة، وتبليغ الرسالة، وإظهار الدين والأحكام، والرق والتليين مع الأنام، والحكم والتواضع معهم على أبلغ وجه وأكمل نظام {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} أي: خصلة جدك - عليك و عليه الصلاة والسلام - إذ كان {حَنِيفاً} مائلاً عن كلا طرفي الإفراط والتفريط في جميع الأطوار والأخلاق، والأفعال والأقوال {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123] المستكبرين في خُلُقٍ من الأخلاق، ووصفٍ من الأوصاف، بل كان على مقتضى صرافة التوحيد، وعدالة اليقين والتحقيق؛ لذلك صار إماماً للموحدين إلى قيام الساة. ثمَّ قال سبحانه تعييراً على المشركين، وتقريعاً لهم: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ} أي: قُدر وفرض لحوق وبال يوم السبت، وأنواع العقوبات والمسخ {عَلَىٰ} المشركين {ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} وجادلوا مع نبيهم في تعيينه واختياره؛ إذ أمرَهم موسى عليه السلام بتعظيم يوم الجمعة واتخاذها عيداً، فأبوا معللين: إن الله قد فرغ من خلق السماوات والأرض في السبت، فنحن نوافقه، ونتخذه عيداً، فألزمهم الله تعظيم السبت، وتحريم الصيد فيه، فاحتالوا فيه، فاصطادوا بالمكر، فمسخهم الله، ولحقهم من الوبال ما لحقهم {وَإِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النحل: 124] ويجادلون مع الرسل، فيجازيهم ويعاقبهم على مقتضى ما صدر عنهم. ثمَّ أشار سبحانه إلى تتميم تكريم حبيبه صلى الله عليه وسلم، وتعظيم رتبته، وتهذيب أخلاقه، وتكميل حكمته ورسالته، وتعميم رأفته ورحمته إلى جميع البرية، وكافة الخليقة؛ إذ هو مبعوث على الكل بالرحمة العامة، وهو خاتم الرسالة والنبوة، ومكمل أمر التشريع والتكميل؛ إذ العلة الغائبة في مطلق التشريع والإنزال والإرسال إنما هي ظهور مرتبته ومكانته التي هي الدعوة إلى التوحيد الذاتي، ومتى ظهرت فقد كملت وتمت؛ لذلك نزل في شأنه: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}تفسير : [المائدة: 3]. وهي آخر أية نزلت من القرآن، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بُعِثْتُ لأُِتَمَّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ"تفسير : فقال مخاطباً له خطاب تمكينٍ وتكريم: {ٱدْعُ} يا أكمل الرسل {إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ} أي: إلى طريق توحيد مربيك الذي أرشدك إلى معارج عنايته، وهداك إلى كمال كرامته كافة البرايا، وعامة العباد {بِٱلْحِكْمَةِ} البالغة المكيفة لقلبهم عن صلابة التقليدات الراسخة الموروثة لهم عن أسلافهم، المصفية نفوسهم عن الحمية الجاهلية المتمكنة فيها، الخالية عن توهم السطوة والاستيلاء، المثيرة لأنواع الأعراض النفسانية المترتبة فيها، الخالية عن توهم السطوة والاستيلاء، المثيرة لأنواع الأعراض النفسانية المترتبة على البشرية، المزيلة لأنواع الشبه والتخيلات الناشئة من الأسباب والوسائل العادية المقنعة، ملائمة للفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها رجاء أن يتفطنوا، ويتنبهوا بمقتضى جِبِلَّتهم وفطرتهم. {وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} الموروثة لهم يقظاناً من سِنَة الغفلة، ونوم النيسان، المحصلة لهم شوقاً وسروراً إلى مُبدئهم ومُنشئهم، الموغّبة لهم إلى اللذات الروحانية الدائمة الباقية المستمرة بلا ورود زوالٍ وانقطاعٍ، المنفِّرة عما هم عليه من العوائق، والعلائق العائقة من اللذات الوهمية المنقضية المنقطعة المورِثة لأنواع المحن والأحزان. {وَ} إن احتجت يا أكمل الرسل في دعوتهم إلى المجادلة معهم والمكالمة {جَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي} أي: بالطريق التي {هِيَ أَحْسَنُ} الطرق وأسلمها، وأعدلها من المقدمات المعتدلة الدالة على المساواة من كلا الجنابين برفق وتليين ومسكنة، وإرخاء عنان خالٍ عن السطوة والتهور، والغضب والتجبر، وعن التمسخر والضحك والاستهزاء، والتجهيل والتسفيه، والتشنيع الشنيع، كما يفعله عوام العلماء في محاوراتهم ومنظاراتهم؛ إذ هي بعيدة عن الحكمة بمراحل، مثيرة لأنواع الفتن والخصومات، فلك ألاَّ تبالغ في إهدائهم وإيمانهم، ولا تتشوش وتتحزن عن ضلالهم وطغيانهم؛ إذ ما عليك إلاَّ تبليغ ما أُرسلت به. وأما حصول الهداية والضلالة فيهم فأمر خارج عن وسعك وطاقتك {إِنَّ رَبَّكَ} المطلع على استعدادات عباده وقابلياتهم {هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} الموصل إلى توحيده {وَهُوَ} أيضاً {أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] إذ قدَّر في سابق قضائه هدايتهم وضلالهم، وكذا جميع ما جرى عليهم في شئونهم وتطوراتهم على التفصيل، بحيث لا يشذّ عن حيطة علمه شيء منها. وبعدما أمر سبحانه حبيبه بما أمر من آداب الدعوة، وأخلاق الرسالة والنبوة، ومراعاة حقوق الأنام، والمداراة معهم، أشار إلى المجازاة والمحاذاة، والقصاص والعقوبات الواقعة في أمر الرسالة، ووضع التشريع والتبليغ، إذ هي مبنية على الأمر بترك المألوفات، وترك العادات والاعتقادات، وترك التخمينات والتقليدات؛ لذلك لا يخلو عن المنازعات والمخاصمات المؤدية إلى أنواع الجنايات. فقال سبحانه مخاطباً له ولمن تبعه من المؤمين، {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} أيها المؤمنون منتقمين عنهم {فَعَاقِبُواْ} أي: فعليكم أن تعاقبوا {بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} لا أزيد منه؛ إذ الزيادة منافية لاعتدال الإيمان والتوحيد {وَلَئِن صَبَرْتُمْ} أيها المؤمنون على ما أصابكم من العقوبات، وأعرضتم عن الانتقام صفحاً، وكظمتم الغيظ كظماً {لَهُوَ} أي: العفو والكظم {خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: 126] الذين صبروا على ما أصابهم من المكروهات، مسترجعين إلى الله، منزلين إنزاله إليه سبحانه بلا رؤية الوسائل في البين، بل يعدون العناء عطاءً، والترح فرحاً، والنقمة نعمةً، والمحنة منحةً؛ لصدورها من الله. وبعدما خاطب وأوصى سبحانه للمؤمنين بالصبر والعفو على وجه العموم، وترك الانتقام، خص رسوله صلى الله عليه وسلم بالخطاب؛ لكونه أحق وأولى بامتثال أمثاله؛ إذ هو جامع جميع مرابت الكمال بالاستحقاق والاستقلا ل، فقال: {وَٱصْبِرْ} أيها المتحقق المتمكن في مقر التوحيد، المسقط لجميع الإضافات على ما جرى عليك من الأذيات المترتبة على بشريتك وناسوتك {وَمَا صَبْرُكَ} وكظمُك بعد فنائك عن بشريتك {إِلاَّ بِٱللَّهِ} المتجلي عليك بالإطلاق إلى أن انخلعتُ عنك لوازم ناسوتك، وما بقيت لك إلاَّ لوازم لاهوتك، وظاهر أنه لا يجري فيها المكروه والمنكر {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: على المؤمنين بما لحقهم من المنافرات والمشوشات {وَلاَ تَكُ} بعد انشراح صدرك بالتوحيد الذاتي {فِي ضَيْقٍ} ضيق صدر، وحزن وكآبة {مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127] أولئك الماكرون المعاندون المكابرون. {إِنَّ ٱللَّهَ} المختبر لأنبيائه وأوليائه، وخواص عباده بأنواع الأذى والمحن الجسمانية {مَعَ} الصابرين {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} وأَخذوا عن الانتقام وقت الغدوة طلباً لمرضاة الله وجرياً على مقتضى توحيده {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128] على من أساء إليهم رفقاً له، وتلطيفاً إيام ابتغاءً لمرضاة الله، وتثبيتاً في طريق وتوحيده. أذقنا حلاوة توحيدك، وأصبرنا على ما جرى علينا من المحن، والعطاء والعناء طلباً لمرضاتك، إنك على ما تشاء قدير. خاتمة السورة عليك أيها المسترشد الخبير البصير - أرشدك الله إلى امتثال ما سمعتَ في هذه السورة، سيما في الكريمة المذكورة آنفاً، ورزقك الاتصاف بما فيها من الحِكَم والآداب، والأخلاق المرضية، والسجايا الفاضلة - أن تتأمل فيها حق التأمل والتعمق، حالَ كونك خالياً صافياً عن الكدورات العارضة من طغيان القوى البهيمية، والحميّة الجاهلية، تاركاً بما عرض عليك من الأغراض النفسانية المترتبة على الأمور العادية، المستلزمة فيه لأنواع الضلال والفساد من التفوق على الأقران، والترفع على الإخوان، والتكبر على ضعفاء الأنام، والتلذذ بالسمعة والرياء المثيرة لأصناف الأهواء الفاسدة، والآراء الباطلة التي لا يمكن قلعها وقمعها أصلاً، سيما تمرنتَ ورسختَ، فلك أن تراجع وجدانك بأي شيء أردت الترفع، وقصدت التفوق والتفضل، أما ترى منشأك ماذا؟! أما استحييت التفوه من هذا وهذا؟!. وأمّا قصة كرامتك وخلافتك التي هي من المواهب الإلهية، والعطاءات الغيبية، فإنما هي مبنية على محض التذلل والتواضع، والخضوع والانكسار مع كل ذرةٍ من ذرائر الكائنات؛ إذ مبناه على الحكمة المتقنة المتشعبة من أسرار سرائر الرسالة والنبوة، وهي عبارة عن اعتدال جميع الأوصاف، وتزكية النفس عن جميع الرذائل، بل هي مبنية على إفناء متقضيات الأوصاف البشرية رأساً إرادةً واختياراً. وبالجملة: من أنصف على نفسه أدرك أن جميع ما في نفسه سوى التذلل والانكسار، والمسكنة والافتقار، حال كونه خالياً عن شوب الرياء والسمعة، والعُجب والجَرْبَزَة، إنما هي رعونات صدرت من طغيان القوى البهيمية المؤيدة بالعقل المستعار المموه بتمويهات الأوهام الباطنة، وتزيينات الخيالات الكاذبة. هب لنا من لدنك جذبةً تنجينا من أنانيتنا، ولذةً تلجئنا إلى سلوك طريق الفناء الموصل إلى البقاء السرمدي، إنك أنت الوهاب.