١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
124
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بمتابعة إبراهيم عليه السلام، وكان محمد عليه السلام اختار يوم الجمعة، فهذه المتابعة إنما تحصل إذا قلنا إن إبراهيم عليه السلام كان قد اختار في شرعه يوم الجمعة، وعند هذا لسائل أن يقول: فلم اختار اليهود يوم السبت؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } وفي الآية قولان: القول الأول: روى الكلبـي عن أبـي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوماً واحداً وهو يوم الجمعة لا تعملوا فيه شيئاً من أعمالكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك، وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق وهو يوم السبت، فجعل الله تعالى السبت لهم وشدد عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى عليه السلام أيضاً بالجمعة، فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا واتخذوا الأحد. وروى أبو هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد » تفسير : . إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } أي على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، فاختلافهم في السبت كان اختلافهم على نبيهم في ذلك اليوم أي لأجله، وليس معنى قوله: {ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } أن اليهود اختلفوا فيه فمنهم من قال بالسبت، ومنهم من لم يقل به، لأن اليهود اتفقوا على ذلك فلا يمكن تفسير قوله: {ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } بهذا، بل الصحيح ما قدمناه. فإن قال قائل: هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من يوم السبت؟ وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام، وبدأ تعالى بالخلق والتكوين من يوم الأحد وتم في يوم الجمعة، فكان يوم السبت يوم الفراغ، فقالت اليهود نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال، فعينوا السبت لهذا المعنى، وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين هو يوم الأحد، فنجعل هذا اليوم عيداً لنا، فهذان الوجهان معقولان، فما الوجه في جعل يوم الجمعة عيداً لنا؟ قلنا: يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام وحصول التمام والكمال يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم، فجعل يوم الجمعة يوم العيد أولى من هذا الوجه، والله أعلم. والقول الثاني: في اختلافهم في السبت، أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } والمعنى: أنه تعالى سيحكم يوم القيامة للمحقين بالثواب وللمبطلين بالعقاب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} أي لم يكن في شرع إبراهيم ولا من دينه، بل كان سَمْحا لا تغليظ فيه، وكان السبت تغليظاً على اليهود في رفض الأعمال وترك التبسط في المعاش بسبب اختلافهم فيه، ثم جاء عيسى عليه السلام بيوم الجمعة فقال: تفرغوا للعبادة في كل سبعة أيام يوماً واحداً. فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، فاختاروا الأحد. وقد اختلف العلماء في كيفية ما وقع لهم من الاختلاف؛ فقالت طائفة: إن موسى عليه السلام أمرهم بيوم الجمعة وعيّنه لهم، وأخبرهم بفضيلته على غيره، فناظروه أن السبت أفضل؛ فقال الله له: دعهم وما اختاروه لأنفسهم. وقيل: إن الله تعالى لم يعيّنه لهم، وإنما أمرهم بتعظيم يوم في الجمعة فاختلف اجتهادهم في تعيينه، فعينت اليهود السبت؛ لأن الله تعالى فرغ فيه من الخلق. وعينت النصارى يوم الأحد؛ لأن الله تعالى بدأ فيه الخلق. فألزِم كلّ منهم ما أداه إليه اجتهاده. وعيّن الله لهذه الأمة يوم الجمعة من غير أن يَكِلَهم إلى اجتهادهم فضلاً منه ونعمة، فكانت خيرَ الأمم أمة. روى الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة ونحن أوّل من يدخل الجنة بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فيه فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له ـ قال يوم الجمعة ـ فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى»تفسير : . فقوله: «حديث : فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه»تفسير : يقوّي قول من قال: إنه لم يعيّن لهم؛ فإنه لو عيّن لهم وعاندوا لما قيل «اختلفوا». وإنما كان ينبغي أن يقال فخالفوا فيه وعاندوا. ومما يقوّيه أيضاً قوله عليه السلام: «حديث : أضل الله عن الجمعة مَن كان قبلنا»تفسير : . وهذا نص في المعنى. وقد جاء في بعض طرقه «حديث : فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم اختلفوا فيه»تفسير : . وهو حجة للقول الأول. وقد روي: «حديث : إن الله كتب الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا فيه تَبَعٌ».تفسير : قوله تعالى: {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} يريد في يوم الجمعة كما بيناه؛ اختلفواعلى نبيّهم موسى وعيسى. ووجه الاتصال بما قبله أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمِر باتباع الحق، وحذر الله الأمة من الاختلاف عليه فيشدّد عليهم كما شدّد على اليهود.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ } تعظيم السبت، أو التخلي فيه للعبادة. {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } أي على نبيهم، وهم اليهود أمرهم موسى عليه السلام أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة فأبوا وقالوا: نريد يوم السبت لأنه تعالى فرغ فيه من خلق السموات والأرض، فألزمهم الله السبت وشدد الأمر عليهم. وقيل معناه إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه، فأحلوا الصيد فيه تارة وحرموه أخرى واحتالوا له الحيل، وذكرهم هنا لتهديد المشركين كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } بالمجازاة على الاختلاف، أو بمجازاة كل فريق بما يستحقه.
ابن كثير
تفسير : لا شك أن الله تعالى شرع في كل ملة يوماً من الأسبوع يجتمع الناس فيه للعبادة، فشرع تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة؛ لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة، واجتمعت فيه، وتمت النعمة على عباده، ويقال: إن الله تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى، فعدلوا عنه، واختاروا السبت؛ لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئاً من المخلوقات الذي كمل خلقها يوم الجمعة، فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة، ووصاهم أن يتمسكوا به، وأن يحافظوا عليه، مع أمره إياهم بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعثه، وأَخْذِه مواثيقهم وعهودهم على ذلك، ولهذا قال تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} قال مجاهد: اتبعوه وتركوا الجمعة، ثم إنهم لم يزالوا متمسكين به حتى بعث الله عيسى بن مريم، فيقال: إنه حولهم إلى يوم الأحد، ويقال: إنه لم يترك شريعة التوراة، إلا ما نسخ من بعض أحكامها، وإنه لم يزل محافظاً على السبت حتى رفع، وإن النصارى بعده في زمن قسطنطين هم الذين تحولوا إلى يوم الأحد مخالفة لليهود، وتحولوا إلى الصلاة شرقاً عن الصخرة، والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول لله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غداً والنصارى بعد غد» تفسير : لفظ البخاري. وعن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، والمقضي بينهم قبل الخلائق» تفسير : رواه مسلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ } فرض تعظيمه {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } على نبيهم وهم اليهود: أمروا أن يتفرّغوا للعبادة يوم الجمعة، فقالوا: لا نريده، واختاروا السبت فشدّد عليهم فيه {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من أمره بأن يثيب الطائع ويعذب العاصي بانتهاك حرمته.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} وهم اليهود وفي اختلافهم في السبت ثلاثة أقاويل: أحدها: أن بعضهم جعله أعظم الأيام حُرْمَةً لأن الله فرغ من خلق الأشياء فيه. الثاني: أن بعضهم جعل الأحد أعظم حُرمة منه لأن الله ابتدأ خلق الأشياء فيه. الثالث: أنهم عدلوا عما أمروا به من تعظيم الجمعة تغليباً لحرمة السبت والأحد، قاله مجاهد وابن زيد.
ابن عبد السلام
تفسير : {اخْتَلَفُواْ فِيهِ} فقال بعضهم: السبت أعظم الأيام حرمة، لأن الله ـ تعالى ـ فرغ من خلق الأشياء فيه، أو قال بعضهم: الأحد أفضل، لأن الله ـ تعالى ـ ابتدأ الخلق فيه، أو عدلوا عما أمروا به من تعظيم الجمعة تغليباً لحرمة السبت أو الأحد.
النسفي
تفسير : {إنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ} أي فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} رُوى أن موسى عليه السلام أمرهم أن يجعلوا في الأسبوع يوماً للعبادة وأن يكون يوم الجمعة فأبوا عليه وقالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السماوات والأرض وهو السبت، إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة فهذا اختلافهم في السبت لأن بعضهم اختاروه وبعضهم اختاروا عليه الجمعة، فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك وهو يحكم بينهم يوم القيامة فيجازي كل واحد من الفريقين بما هو أهله {ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ} إلى الإسلام {بِالْحِكْمَةِ} بالمقالة الصحيحة المحكمة وهو الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة {وَالمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها، أو بالقرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة، أو الحكمة المعرفة بمراتب الأفعال والموعظة الحسنة أن يخلط الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة {وَجَادِلُهُم بِالِّتِي هِيَ أَحْسَنُ} بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة، أو بما يوقظ القلوب ويعظ النفوس ويجلو العقول وهو رد على من يأبى المناظرة في الدين {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} أي هو أعلم بهم فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل. {وَإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} سمى الفعل الأول عقوبة والعقوبة هي الثانية لازدواج الكلام كقوله {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها}تفسير : [الشورى: 40] فالثانية ليست بسيئة، والمعنى إن صنع بكم صنيع سوء من قتل أونحوه فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه. رُوى أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد، وبقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، فرأى النبي عليه السلام حمزة مبقور البطن فقال: «حديث : أما والذي أحلف به لأمثلن بسبعين مكانك» تفسير : فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده. ولا خلاف في تحريم المثلة لورود الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} الضمير في {لهو} يرجع إلى مصدر {صبرتم} والمراد بالصابرين المخاطبون أي ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فوضع {الصابرين} موضع الضمير ثناء من الله عليهم لأنهم صابرون على الشدائد، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم
الخازن
تفسير : وقوله تعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} يعني إنما فرض تعظيم السبت على الذين اختلفوا فيه وهم اليهود. روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أمرهم موسى بتعظيم يوم الجمعة فقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوماً فاعبدوه في يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئاً من صنعتكم وستة أيام لصنعتكم، فأبوا عليه وقالوا لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق، وهو يوم السبت فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه ثم جاءهم عيسى عليه السلام أيضاً بيوم الجمعة. فقالت النصارى لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا يعنون اليهود فاتخذوا الأحد فأعطى الله عز وجل الجمعة لهذه الأمة فقبلوها، فبورك لهم فيها (ق) عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا فاختلفوا فيه، وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له فهم لنا فيه تبع فغداً لليهود، وبعد غد للنصارى"تفسير : وفي رواية لمسلم "حديث : نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أو من يدخل الجنة"تفسير : وفي رواية أخرى له قال "حديث : أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود السبت وللنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة نحن الآخرون في الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق"تفسير : قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح مسلم: قال العلماء في معنى الحديث: نحن الآخرون في الزمان والوجود السابقون في الفضل ودخول الجنة فتدخل هذه الأمة الجنة قبل سائر الأمم. وقوله بيد أنهم يعني غير أنهم أو إلا أنهم. وقوله فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له قال: القاضي عياض الظاهر أنهم فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة بغير تعيين ووكل إلى اجتهادهم لإقامة شرائعهم فيه، فاختلف أحبارهم في تعيينه ولم يهدهم الله له وفرضه على هذه الأمة مبيناً، ولم يكلهم إلى اجتهادهم ففازوا بفضيلته قال: يعني القاضي عياضاً ـ وقد جاء أن موسى عليه السلام أمرهم بيوم الجمعة، وأعلمهم بفضله فناظروه أن السبت أفضل. فقيل له دعهم. قال القاضي: ولو كان منصوصاً عليه لم يصح اختلافهم فيه بل كان يقول: خالفوه فيه. قال الشيخ محيي الدين النووي: ويمكن أن يكونوا أمروا به صريحاً ونص على عينه فاختلفوا فيه هل يلزم تعيينه أم لهم إبداله فأبدلوه، وغلطوا في إبداله. قال الإمام فخرالدين الرازي في قوله تعالى {على الذين اختلفوا فيه} يعني على نبيهم موسى، حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت فاختلافهم في السبت كان اختلافاً على نبيهم في ذلك اليوم، أي لأجله وليس معنى قوله اختلفوا فيه أن اليهود اختلفوا، فمنهم من قال بالسبت، ومنهم من لم يقل به، لأن اليهود اتفقوا على ذلك. وزاد الواحدي على هذا فقال: وهذا مما أشكل على كثير من المفسرين حتى قال بعضهم: معنى الاختلاف في السبت أن بعضهم قال: هو أعظم الأيام حرمة لأن الله فرغ من خلق الأشياء، وقال الآخرون بل الأحد أفضل لأن الله سبحانه وتعالى، ابتدأ فيه بخلق الأشياء، وهذا غلط لأن اليهود لم يكونوا فريقين في السبت، وإنما اختار الأحد النصارى بعدهم بزمان طويل. فان قلت إن اليهود إنما اختاروا السبت، لأن أهل الملل اتفقوا على أن الله خلق الخلق في ستة أيام وبدأ الخلق والتكوين في يوم الأحد، وتم الخلق يوم الجمعة وكان يوم السبت يوم فراغ, فقالت اليهود نحن نوافق ربنا في ترك العمل في هذا اليوم، فاختاروا السبت لهذا المعنى وقالت النصارى: إنما بدأ بخلق الأشياء في يوم الأحد فنحن نجعل هذا اليوم عيداً لنا، وهذان الوجهان معقولان فما وجه فضل يوم الجمعة حتى جعله أهل الإسلام عيداً؟ قلت: يوم الجمعة أفضل الأيام لأن كمال الخلق وتمامه كان فيه وحصول التمام والكمال يوجب الفرح والسرور فجعل يوم الجمعة عيداً بهذا الوجه وهو أولى. ووجه آخر وهو أن الله عز وجل خلق فيه أشرف خلقه، وهو آدم عليه السلام وهو أبو البشر وفيه تاب عليه فكان يوم الجمعة أشرف الأيام لهذا السبب، ولأن الله سبحانه وتعالى اختار يوم الجمعة لهذه الأمة وادخره لهم, ولم يختاروا لأنفسهم شيئاً، وكان ما اختاره الله لهم أفضل مما اختاره غيرهم لأنفسهم، وقال بعض العلماء: بعث الله موسى بتعظيم يوم السبت ثم نسخ بيوم الأحد في شريعة عيسى عليه السلام ثم نسخ يوم السبت، ويوم الأحد بيوم الجمعة في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فكان أفضل الأيام يوم الجمعة كما أن محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء. وفي معنى الآية قول آخر قال قتادة: الذي اختلفوا فيه اليهود استحله بعضهم، وحرمه بعضهم فعلى هذا القول يكون معنى قوله إنما جعل السبت أي وبال السبت ولعنته على الذين اختلفوا فيه، وهم اليهود فأحله بعضهم فاصطادوا فيه فلُعنوا ومسخوا قردة وخنازير في زمن داود عليه السلام، وقد تقدمت القصة في تفسير سورة الأعراف وبعضهم ثبت على تحريمه، فلم يصطد فيه شيئاً وهم الناهون والقول الأول أقرب إلى الصحة. وقوله تعالى {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} يعني في أمر السبت فيحكم الله بينهم يوم القيامة فيجازي المحققين بالثواب والمبطلين بالعقاب. قوله عز وجل {ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} يعني ادع إلى دين ربك يا محمد، وهو دين الإسلام بالحكمة يعني بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة والموعظة الحسنة، يعني وادعهم إلى الله بالترغيب والترهيب وهو أنه لا يخفى عليهم أنك تناصحهم وتقصد ما ينفعهم {وجادلهم بالتي هي أحسن} يعني بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة في الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف. وقيل: إن الناس اختلفوا وجعلوا ثلاثة أقسام: القسم الأول هم العلماء والكاملون أصحاب العقول الصحيحة والبصائر الثاقبة الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها، فهؤلاء المشار إليهم بقوله {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} يعني ادعهم بالدلائل القطعية اليقينية حتى يعلموا الأشياء بحقائقها حتى ينتفعوا وينفعوا الناس وهم خواص العلماء من الصحابة وغيرهم. القسم الثاني: هم أصحاب الفطرة السليمة، والخلقة الأصيلة وهم غالب الناس الذين لم يبلغوا حدّ الكمال، ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان فهم أوساط الأقسام، وهم المشار إليهم بقوله: والموعظة الحسنة أي ادع هؤلاء بالموعظة الحسنة. القسم الثالث: هم أصحاب جدال وخصام ومعاندة، وهؤلاء المشار إليهم بقوله: وجادلهم بالتي هي أحسن حتى ينقادوا إلى الحق ويرجعوا إليه. وقيل: المراد بالحكمة القرآن يعني ادعهم بالقرآن الذي هو حكمة وموعظة حسنة، وقيل: المراد بالحكمة النبوة أي ادعهم بالنبوة والرسالة والمراد بالموعظة الحسنة الرفق واللين في الدعوة، وجادلهم بالتي هي أحسن أي أعرض عن أذاهم ولا تقصر في تبليغ الرسالة، والدعاء إلى الحق فعلى هذا القول قال بعض علماء التفسير: هذا منسوخ بآية السيف {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} يعني إنما عليك يا محمد تبليغ ما أرسلت به إليهم ودعاؤهم بهذه الطرق الثلاثة وهو أعلم بالفريقين الضال والمهتدي فيجازي كل عامل بعمله قوله سبحانه وتعالى {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} نزلت هذه الآية بالمدينة في سبب شهداء أحد وذلك أن المسليمن لما رأوا ما فعل المشركون بقتلى المسلمين يوم أحد من تبقير البطون، والمثلة السيئة حتى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا مثل به غير حنظلة بن أبي عامر الراهب، وذلك أن أباه أبا عامر الراهب كان مع أبي سفيان فتركوا حنظلة لذلك فقال المسلمون حين رأوا ذلك: لئن أظهرنا الله عليهم، لنربين على صنيعهم ولنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد. حديث : ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة بن عبد المطلب وقد جدعوا أنفه وآذانه وقطعوا مذاكيره، وبقروا بطنه وأخذت هند بن عتبة قطعة من كبده فمضغتها ثم استرطبتها لتأكلها فلم تنزل في بطنها حتى رمت بها فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أما إنها لو أكلتها لم تدخل النار أبداً حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيئاً من جسده النار" فلما نظر رسول الله إلى عمه حمزة نظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحمة الله عليك فإنك ما علمنا ما كنت إلا فعّالاً للخيرات، وصولاً للرحم ولو كان حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى أما والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك" فأنزل الله عز وجل {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل نصبر وأمسك عما أراد وكفر عن يمينه""تفسير : حديث : عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم فقال الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين عليهم. قال: فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله عز وجل {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} فقال رجل: لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفوا عن القوم إلا أربعة""تفسير : أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن غريب وأما تفسير الآية فقوله تعالى {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} سمي الفعل الأول باسم الثاني للمزاوجة في الكلام، والمعنى إن صنع بكم سوء من قتل أو مثلة ونحوها، فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه فهو كقوله {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها}تفسير : [الشورىٰ: 40] أمر الله برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية في باب استيفاء الحقوق. يعني: إن رغبتم في استيفاء القصاص فاقتصوا بالمثل، ولا تزيدوا عليه فإن استيفاء الزيادة ظلم والظلم ممنوع منه في عدل الله وشرعه ورحمته، وفي الآية دليل على أن الأولى ترك استيفاء القصاص وذلك بطريق الإشارة والرمز والتعريض، بأن الترك أولى فإن كان لا بد من استيفاء القصاص فيكون من غير زيادة عليه بل يجب مراعاة المماثلة ثم انتقل من طريق الإشارة إلى طريق التصريح فقال تعالى {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} يعني ولئن عفوتم، وتركتم استيفاء القصاص وصبرتم كان ذلك العفو، والصبر خيراً من استيفاء القصاص وفيه أجر للصابرين والعافين. فصل اختلفت العلماء هل هذه الآية منسوخة أم لا، على قولين: أحدهما أنها نزلت قبل براءة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاتل من قاتله ولا يبدأ بالقتال ثم نسخ ذلك وأمر بالجهاد وهذا قول ابن عباس والضحاك، فعلى هذا يكون معنى قوله ولئن صبرتم عن القتال، فلما أعز الله الإسلام وكثر أهله أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد، ونسخ هذا بقوله: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الآية، القول الثاني: أنها أحكمت، وأنها نزلت فيمن ظلم ظلامة فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما نال منها الظالم وهذا قول مجاهد والشعبي والنخعي وابن سيرين والثوري. قال بعضهم: الأصح أنها محكمة لأن الآية واردة في تعليم حسن الأدب في كيفية استيفاء الحقوق وفي القصاص وترك التعدي وهو طلب الزيادة، وهذه الأشياء لا تكون منسوخة فلا تعلق لها بالنسخ والله أعلم. قوله عز وجل {واصبر وما صبرك إلا بالله} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر، وأعلمه أن صبره بتوفيقه ومعونته {ولا تحزن عليهم} يعني على الكافرين، وإعراضهم عنك وقيل: معنى الآية ولا تحزن على قتلى أحد وما فعل بهم فإنهم أفضوا إلى رحمة الله ورضوانه {ولا تك في ضيق مما يمكرون} يعني: ولا يضيقن صدرك يا محمد بسبب مكرهم، فإن الله كافيك وناصرك عليهم. قرىء في ضيق بفتح الضاد وكسرها، فقيل لغتان. وقال أبو عمر: والضيق بالفتح الغم وبالكسر الشدة، وقال أبو عبيدة الضيق بالكسر في قلة المعاش وفي المسكين وإما ما كان في القلب والصدر فإنه بالفتح، وقال القتيبي: الضيق تخفيف ضيق مثل هين وهين ولين ولين فعلى هذا يكون صفة كأنه قال سبحانه وتعالى: ولا تك في أمر ضيق من مكرهم. قال الإمام فخر الدين الرازي: وهذا الكلام من المقلوب، لأن الضيق صفة والصفة تكون حاصلة في الموصوف، ولا يكون الموصوف حاصلاً في الصفة فكان المعنى لا يكن الضيق حاصلاً فيك إلا أن الفائدة في قوله: ولا تك في ضيق، هي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل جانب، كالقميص المحيط به فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ بهذا المعنى {إن الله مع الذين اتقوا} أي اتقوا المثلة والزيادة في القصاص وسائر المناهي {والذين هم محسنون} يعني بالعفو عن الجاني، وهذه المعية بالعون والفضل والرحمة يعني إن أردت أيها الإنسان أن أكون معك بالعون والفضل والرحمة، فكن من المتقين المحسنين، وفي هذا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق، وخلق مع الخلق وكمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، وقيل لهرم ابن حيان عند الموت: أوص. فقال: إنما الوصية في المال ولا مال لي، ولكني أوصيك بخواتيم سورة النحل. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ...} الآية: أي: لم يكُنْ من ملَّة إِبراهيم، وإِنما جعل اللَّه فرضاً عاقب به القَوْمَ المُخْتَلِفين فيه؛ قاله ابن زَيْد؛ وذلك أن موسى عليه السلام أَمَرَ بَنِي إسرائيل أنْ يجعلوا من الجمعة يوماً مختصًّا بالعبادة، وأمرهم أنْ يكون الجُمُعَةَ، فقال جمهورهم: بلْ يكونُ يَوْمَ السَّبْتِ؛ لأن اللَّه تعالى فَرَغَ فيه من خَلْق مخلوقاته، وقال غيرهم: بَلْ نقبَلُ ما أمَرَ به موسى، فراجَعَهم الجمهورُ، فتابعهم الآخرون، فألزمهم اللَّهُ يَوْمَ السْبتِ إِلزاماً قويًّا، عقوبةً لهم، ثم لم يكُنْ منهم ثبوتٌ، بل عَصَوْا فيه، وتعدَّوْا فأهلكهم، وورد في الحديث الصحيح، « حديث : أنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى ٱختلفوا في اليوم الذي يختصُّ من الجمعة، فأخذ هؤلاء السبْتَ، وأخَذَ هؤلاء الأحدَ، فهدانا اللَّهَ نحْنُ إلى يوم الجمعةِ، قال صلى الله عليه وسلم: «فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفوا فِيهِ» » تفسير : فَلَيْسَ الاختلافُ المذكورُ في الآية هو الاختلافَ في هذا الحديث. * ت *: يعنى أنَّ الاختلاف المذكورَ في الآيةِ هو بَيْنَ اليهود فيما بينهم، والاختلاف المذكور في الحديثِ الصحيحِ هو فيما بَيْنَ اليهودِ والنصارى. وقوله سبحانه: {ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } هذه الآيةُ نزلَتْ بمكَّة، أمر عليه السلام أنْ يدعو إِلى دينِ اللَّه وشَرْعِهِ بتلطُّف، وهكذا ينبغى أنْ يوعَظَ المسلمون إِلى يوم القيامة.
ابن عادل
تفسير : قوله - تعالى -: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} الآية. لما أمر محمَّداً - صلوات الله وسلامه عليه - بمتابعة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - وكان محمَّد اختار يوم الجمعة، وهذه المتابعة إنَّما تحصل إذا قلنا: إن إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - كان قد اختار في شرعه يوم الجمعة، وعند هذا القائل أن يقول: فلم اختار اليهود يوم السبت؟. فأجاب الله - تعالى - عنه بقوله: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ}، وفي الآية قولان: الأول: روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: "أمرهم موسى - صلوات الله وسلامه عليه - بالجمعة، وقال: تفرَّغوا لله في كل سبعة أيام يوماً واحداً، وهو يوم الجمعة لا تعملوا فيه شيئاً من أعمالكم، فأبوا أن يفعلوا ذلك، وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق، وهو يوم السبت، فجعل الله - تعالى - السبت لهم، وشدَّد عليهم فيه، ثمَّ جاءهم عيسى - عليه الصلاة والسلام - أيضاً بالجمعة، فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، واتخذوا الأحد". وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إنَّ الله كَتَبَ يَوْمَ الجُمعَةِ عَلَى مَنْ قَبْلنَا، فاخْتلَفُوا فِيهِ وهَدَانَا الله إلَيْهِ، فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبعٌ، اليَهُود غَداً والنَّصارَى بَعد غدٍ ". تفسير : واعلم أن أهل الملل اتَّفقوا على أنه - تعالى - خلق العالم في ستَّة أيام، وبدأ - تعالى - بالخلق والتكوين في يوم الأحد، وتمَّ في يوم الجمعة، وكان يوم السبت يوم الفراغ، فقالت اليهود: نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال، فعيَّنوا يوم السبت لهذا المعنى، وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين يوم الأحد، فنجعل هذا اليوم عيداً لنا. وأما وجه جعل يوم الجمعة عيداً؛ فلأنه يوم كمال الخلق وتمامه، وحصول التَّمام والكمال يوجب الفرح الكامل والسُّرور العظيم، فجعل يوم الجمعة يوم العيد أولى. والقول الثاني: اختلافهم في السبت هو أنهم أحلُّوا الصيد فيه تارة وحرَّموه [تارة]. قوله - تعالى -: {إِنَّمَا جُعِلَ} العامة على بنائه للمفعول، وأبو حيوة على بنائه للفاعل، و "السَّبْتُ" مفعول به. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}، أي: يحكم للمحقِّين بالثواب، وللمبطلين بالعقاب. قوله - تعالى -: {ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} الآية لما أمر محمداً - صلوات الله وسلامه عليه - باتِّباع إبراهيم صلى الله عليه وسلم، بين الشيء الذي أمره بمتابعته فيه؛ فقال - عز وجل -: {ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ}. يجوز أن يكون مفعول "ادْعُ" مراداً، أي: ادعُ النَّاس، وإلاَّ يكون مراداً، أي: افعل، و "بالحِكْمَةِ" حال، أي ملتبساً بها. واعلم أنه - تعالى - أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو النَّاس بأحد هذه الطرق الثلاثة، وهي: {بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ}، والمجادلة بالطريق الأحسن، وذكر - تعالى - هذا الجدل في آية أخرى، فقال - تعالى -: {أية : وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [العنكبوت: 46] ولمَّا ذكر الله - تعالى - هذه الطرق الثلاثة، وعطف - تعالى - بعضها على بعض وجب أن تكون طرقاً متغايرة. واعلم أن الدَّعوة إلى المذاهب لا بد وأن تكون مبنيَّة على حجة وبينة، والمقصود من ذكر تلك الحجة: إما تقرير ذلك المذهب، وذلك على قسمين: لأن تلك الحجة إما أن تكون حجة قطعية مبرَّأة عن احتمال النقيض، أو لا تكون كذلك، بل تكون حجة تفيد الظن الظاهر، والإقناع الكامل، فظهر بهذا التقسيم انحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة: أولها: الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينيّة، وذلك هو المسمَّى بالحكمة. وثانيها: الأمارات الظنية، و الدلائل الإقناعية، وهي الموعظة الحسنة. وثالثها: الدلائل التي يكون المقصود منها: إلزام الخصوم وإقحامهم، وذلك هو الجدل، ثم هذا الجدل على قسمين: أحدهما: أن يكون دليلاً مركباً من مقدِّمات مسلمة عند الجمهور، أو من مقدمات مسلمة عند ذلك الخصم، وهذا هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن. والقسم الثاني: أن يكون ذلك الدليل مركباً من مقدمات فاسدة باطلة، إلاَّ أن قائلها يحاول ترويجها على المستمعين، بالسَّفاهة والشَّغب، والحيل الباطلة، والطرق الفاسدة، وهذا القسم لا يليق بأهل [الفضل]، إنما اللائق بهم القسم الأول، وهو المراد بقوله: {وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. فصل قال المفسرون: قوله: "بالحِكْمَةِ" أي: بالقرآن، "والمَوْعِظَةِ الحَسنَةِ" يعني: مواعظ القرآن. وقيل "المَوعِظَة الحَسنَة" هو الدعاء إلى الله - تعالى - بالتَّرغيب والتَّرهيب، وقيل: بالقول اللَّين من غير غِلَظٍ ولا تعنيف. {وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ناظرهم بالخصومة، "الَّتي هِيَ أحْسَنُ" أي: أعرض عن أذاهم، أي: ولا تقصِّر في تبليغ الرسالة، والدعاء غلى الحقِّ، والآية نسختها آية القتال. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}، أي: إنَّك يا محمد مكلَّف بالدعوة إلى الله، وأما حصول الهداية فلا يتعلق بك، فهو أعلم بالضَّالين وأعلم بالمهتدين. قوله - تعالى -: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ} العامة على "المُفَاعلة" وهي بمعنى: "فَعَلَ"؛ كَسافَرَ، وابن سيرين: "عَقَّبْتُم" بالتشديد بمعنى: قَفَّيْتُمْ [بالانتصار فقفُّوا] بمثل ما فعل بكم. وقيل: تتبَّعتم، والباء معدِّية، وفي قراءة ابن سيرين إمَّا للسببية وإما مزيدة. فصل قال الواحدي رحمه الله: هذه الآية فيها ثلاثة أقوال: أحدها: وهو قول ابن عبَّاس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب والشعبي - رضي الله عنهم -: أن النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا رأى حمزة وقد مثَّلوا به، قال: "حديث : والله لأمثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهُمْ مَكانَكَ" تفسير : فنزل جبريل - صلوات الله وسلامه عليه - بخواتيم سورة النحل، فكفَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمسك عما أراد؛ وعلى هذا قالوا: سورة النحل مكيَّة إلا هذه الثلاث آيات. والقول الثاني: أن هذا كان قبل الأمر بالسَّيف والجهاد، حين كان المسلمون لا يبدءون بالقتال، ولا يقاتلون إلا من قاتلهم، ويدلُّ عليه قوله - تعالى -: {أية : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} تفسير : [البقرة: 190] وفي هذه الآية أمروا بأن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا، فلمَّا أعزَّ الله الإسلام وأهله، نزلت "براءة" وأمروا بالجهاد، ونسخت هذه الآية، قاله ابن عبَّاس والضحاك. والقول الثالث: أن المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم، وهذا قول مجاهد، والنخعي، وابن سيرين. وقال ابن الخطيب: وحمل هذه الآية على قصَّة لا تعلق لها بما قبلها، يوجب حصول سوء الترتيب في كلام الله - تعالى - وهو في غاية البعد، بل الأصوب عندي أن يقال: إنه - تعالى - أمر محمَّداً صلى الله عليه وسلم بدعوة الخلق إلى الدين الحقِّ بأحد الطرق الثلاثة، وهي الحكمة، والموعظة، والجدال بالطريق الأحسن، ثم إن تلك الدعوة تتضمَّن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم، والحكم عليهم بالكفر والضلالة، وذلك مما يشوش قلوبهم، ويوحش صدورهم، ويحمل أكثرهم على قصد ذلك الدَّاعي بالقتل تارة، وبالضرب ثانياً، وبالشَّتْم ثالثاً، ثم إنَّ ذلك الدَّاعي المحقَّ إذا تسمَّع تك السَّفاهات، لا بد وأن يحمله طبعه على تأديب أولئك السفهاء؛ تارة بالقتل، وتارة بالضرب، فعند هذا أمر المحقِّين في هذا المقام برعاية العدل والإنصاف، وترك الزيادة، فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب حمل الآية عليه. فإن قيل: فكيف تقدحون فيما روي أنه - صلوات الله وسلامه عليه - ترك العزم على المثلة، وكفَّر عن يمينه بسبب هذه الآية؟. قلنا: لا حاجة إلى القدح في تلك الرواية؛ لأنا نقول: تلك الواقعة داخلة في عموم هذه الآية، فيمكن التمسُّك بتلك الواقعة بعموم هذه الآية، وذلك لا يوجب سوء الترتيب في كلام الله - تعالى -. فصل في هذه الآية دليلٌ على جواز التماثل في القصاص، فمن قتل بحديدٍ قتل بمثلها، ومن قتل بحجرٍ، قتل بمثله، ولا يتعدى قدر الواجب، واختلفوا فيمن ظلمه رجل فأخذ ماله، ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال، هل يجوز للمظلوم خيانة الظالم في القدر الذي ظلمه؟. فقال ابن سيرين، والنخعي، وسفيان، ومجاهد: له ذلك لعموم هذه الآية. وقال مالك وجماعة: لا يجوز؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أدِّ الأمَانَة إلى من ائْتَمَنَكَ ولا تَخُنْ مَنْ خَانكَ"تفسير : . رواه الدارقطني. وقال القرطبي: "ووقع في مسند ابن إسحاق: أنَّ هذا الحديث إنَّما ورد في رجل زنا بامرأة آخر، ثم تمكَّن الآخر من زوجة الثاني بأن تركها عنده وسافر، فاستشار ذلك الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمرِ، فقال له: "حديث : أدِّ الأمَانَة إلى من ائْتَمَنَكَ ولا تَخُنْ مَنْ خَانكَ" تفسير : وعلى هذا يقوى قول مالك - رضي الله عنه - في المال؛ لأن الخيانة لاحقة في ذلك". فصل اعلم أنه - تعالى - أمر برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية ورتَّب ذلك على أربع مراتب: الأولى: قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} يعني: إن رغبتم في استيفاء القصاص، فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه؛ فإن استيفاء الزِّيادة ظلمٌ، والظلم ممنوع منه في عدل الله ورحمته، وفي قوله - تعالى -: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} دليل على أن الأولى ألاّ يفعل؛ كما يقول الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة، فكل التفاح، فإن معناه: الأولى بك ألاّ تأكله، فذكر - تعالى - بطريق الرَّمز والتعريض [على] أن الأولى تركه. والمرتبة الثانية: الانتقال من التعريض إلى التَّصريح، وهو قوله - عز وجل -: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ} وهذا تصريح بأنَّ الأولى ترك ذلك الانتقام؛ لأن الرحمة أفضل من القسوة، والانتفاع أفضل من الإيلام. المرتبة الثالثة: وهو الأمر بالجزم بالتَّرك، وهو قوله: "واصْبِرْ"؛ لأن في المرتبة الثانية ذكر أن التَّرك خيرٌ وأولى، وفي هذه المرتبة الثالثة صرَّح بالأمر بالصَّبر في هذا المقام، ولمَّا كان الصبر في هذا المقام شديداً شاقًّا، ذكر بعده ما يفيد سهولته؛ فقال - تعالى -: {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي: بتوفيقه ومعونته، وهذا هو السب الكلي الأصلي في حصول جميع أنواع الطاعات. ولما ذكر هذا السبب الكليَّ الأصلي، ذكر بعده ما هو السببُ الجزئي القريب؛ فقال - جل ذكره -: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ}؛ وذلك لأنَّ إقدام الإنسان على الانتقام، وعلى [إنزال] الضرر بالغير لا يكون إلا من هيجان الغضب، وشدَّة الغضب لا تحصل إلا لأحد أمرين: أحدهما: فوات نفع كان حاصلاً في الماضي، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} قيل: معناه: ولا تحزن على قتلى "أحدٍ"، أي: ولا تحزن بفوات أولئك الأصدقاء وقيل: ولا تحزن عليهم في إعراضهم عنك، ويرجع حاصله إلى فوات النفع. والسبب الثاني: أن شدَّة الغضب قد تكون لتوقع ضرر في المستقبل، وإليه الإشارة بقوله: {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ}، ومن وقف على هذه اللَّطائف، عرف أنَّه لا يمكن كلام [أدخل] في الحسن والضبط من هذا الكلام. قوله: "للصَّابِرينَ" يجوز أن يكون عامًّا، أي: الصبر خير لجنس الصَّابرين، وأن يكون من وقوع الظَّاهر موقع المضمر، أي: صبركم خير لكم. قوله: "إلاَّ بالله" أي: بمعونته، فهي للاستعانة. قوله: "في ضَيْقٍ" قرأ ابن كثير هنا وفي النَّمل: بكسر الضاد، والباقون: بالفتح، فقيل: هما لغتان بمعنًى في هذا المصدر؛ كالقول والقِيل. وقيل: المفتوح مخفَّف من "ضَيِّق"؛ كـ "مَيْت" في "مَيِّت"، أي: في أمر ضيِّق، فهو مثل هَيْن في هيِّن، و "لَيْن" في "لَيِّن"، قاله ابن قتيبة. وردَّه الفارسي: بأن الصفة غير خاصة بالموصوف، فلا يجوز ادِّعاء الحذف ولذلك جاز: مررت بكاتب، وامتنع بآكلٍ. وأما وجه القراءة بالفتح، قال أبو عبيدة الضِّيقُ بالكسر في قلَّة المعاش والمساكن، وما كان في القلب، فإنه الضَّيْق. وقال أبو عمرو: "الضِّيقُ بالكسر: الشدَّة، والضَّيقُ بالفتح: الغمُّ". قوله تعالى: {مِّمَّا يَمْكُرُونَ} متعلق بـ "ضَيْقٍ" و "مَا" مصدرية، أو بمعنى الذي، والعائد محذوف. فصل هذا من الكلام المقلوب؛ لأن الضَّيق صفة، والصفة تكون حاصلة في الموصوف، ولا يكون الموصوف حاصلاً في الصفة، فيكون المعنى: فلا يكن الضيق فيك؛ لأن الفائدة في قوله: {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ} هو أنَّ الضِّيق إذا عظم وقوي، صار كالشيء المحيط بالإنسان من الجوانب، وصار كالقميص المحيط به، فكانت الفائدة في هذا اللفظ هذا المعنى. المرتبة الرابعة: قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} المناهي، {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} وهذا يجري مجرى التهديد؛ لأنه في المرتبة الأولى: رغب في ترك الانتقام على سبيل الرمز، وفي الثانية: عدل عن الرمز إلى التصريح، وهو قوله - عز وجل -: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ}، وفي المرتبة الثالثة: أمر بالصبر على سبيل الجزم، وفي هذه المرتبة الرابعة: كأنه ذكر الوعيد على فعل الانتقام، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} عن استيفاء الزيادة، {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}: في ترك أصل الانتقام؛ فكأنه قال: إن أردت أن أكون معك، فكن من المتَّقين ومن المحسنين، وهذه المعيَّة بالرحمة والفضل والتربية. وقوله - تعالى -: {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} إشارة غلى التعظيم لأمر الله، وقوله - جل ذكره - {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} إشارة إلى الشفقة على خلق الله، وذلك يدلُّ على أن كمال سعادة الإنسان في التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله - تعالى -. قيل لهرم بن حيَّان عند قرب وفاته: أوص، فقال: إنما الوصيَّة في المال ولا مال لِي، ولكن أوصيك بخواتيم سورة النحل، قال بعضهم: إن قوله - جل ذكره -: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ} منسوخ بآية السيف، وهذا في غاية البعد؛ لأن المقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفيَّة الدَّعوة إلى الله - سبحانه وتعالى -، وترك التَّعدي وطلب الزيادة، ولا تعلق بهذه الأشياء بآية السيف والله أعلم بمراده. روى أبو أمامة، عن أبيّ بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورَةَ النَّحل، لم يُحاسِبْه الله - تعالى - بالنَّعِيم الذي أنْعَم عليه في دَارِ الدُّنيَا، وأعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كالذي مات فأحْسَن الوصيَّة ".
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} قال: أراد الجمعة فأخذوا السبت مكانه. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} قال: إن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا وقالوا: يا موسى، إنه لم يخلق يوم السبت شيئاً فاجعل لنا السبت، فلما جعل عليهم السبت استحلوا فيه ما حرم عليهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} قال: بإستحلالهم إياه، رأى موسى عليه السلام رجلاً يحمل حطباً يوم السبت فضرب عنقه. وأخرج الشافعي في الأم والبخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يوم الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق والله أعلم ".
ابو السعود
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ} أي فُرض تعظيمُه والتخلي فيه للعبادة وتركُ الصيد فيه تحقيقٌ لذلك النفي الكليِّ وتوضيحٌ له بإبطال ما عسى يُتوهم كونُه قادحاً في كلّيته حسبما سلف في قوله تعالى: { أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا} تفسير : [الأنعام، الآية 146] الخ، فإن اليهود كانوا يدّعون أن السبتَ من شعائر الإسلام وأن إبراهيمَ عليه السلام كان محافظاً عليه أي ليس السبتُ من شرائع إبراهيمَ وشعائرِ ملّته التي أُمرْتَ باتباعها حتى يكون بـينه عليه الصلاة والسلام وبـين بعض المشركين علاقةٌ في الجملة وإنما شرُع ذلك لبني إسرائيل بعد مدةٍ طويلة، وإيرادُ الفعل مبنياً للمفعول جَرْيٌ على سنن الكبرياء وإيذانٌ بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة الإسنادِ إلى الغير، وقد قرىء على البناء للفاعل، وإنما عبّر عن ذلك بالجعل موصلاً بكلمة على وعنهم بالاسم الموصول باختلافهم فقيل: إنما جُعل السبت {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} للإيذان بتضمنه للتشديد والابتلاءِ المؤدّي إلى العذاب وبكونه معلَّلاً باختلافهم في شأنه قبل الوقوعِ إيثاراً له على ما أمر الله تعالى به واختياراً للعكس لكن لا باعتبار شمولِ العلّية لطرفي الاختلاف وعمومِ الغائلةِ للفريقين، بل باعتبار حالِ منشأ الاختلافِ من الطرف المخالفِ للحق، وذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام أمرَ اليهودَ أن يجعلوا في الأسبوع يوماً واحداً للعبادة وأن يكون ذلك يومَ الجمعة فأبَوا عليه وقالوا: نريد اليوم الذي فرَغ الله تعالى فيه من خلق السموات والأرض وهو السبت إلا شرذمةً منهم قد رضُوا بالجمعة فأذِن الله تعالى لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه فأطاع أمرَ الله تعالى الراضون بالجمعة فكانوا لا يَصيدون، وأعقابُهم لم يصبِروا عن الصيد فمسخهم الله سبحانه قردةً دون أولئك المطيعين {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} أي بـين الفريقين المختلفَين فيه {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي يفصِل ما بـينهما من الخصومة والاختلاف فيجازي كلّ فريق بما يستحقه من الثواب والعقاب، وفيه إيماءٌ إلى أن ما وقع في الدنيا من مسخ أحدِ الفريقين وإنجاءِ الآخر بالنسبة إلى ما سيقع في الآخرة شيءٌ لا يعتدّ به. هذا هو الذي يستدعيه الإعجازُ التنزيليُّ. وقيل: المعنى إنما جُعل وبالُ السبت وهو المسخُ على الذين اختلفوا فيه أي أحلوا الصيدَ فيه تارةً وحرّموه أخرى، وكان حتماً عليهم أن يتّفقوا على تحريمه حسبما أمر الله سبحانه به، وفسّر الحكمُ بـينهم بالمجازاة باختلاف أفعالِهم بالإخلال تارةً والتحريمِ أخرى، ووجهُ إيرادِه هٰهنا بأنه أريد به إنذارُ المشركين من سخط الله تعالى على العصاة والمخالفين لأوامره، كضرب المثلِ بالقرية التي كفرت بأنعُم الله تعالى، ولا ريب في أن كلمة (بـينهم) تحكم بأن المرادَ بالحكم هو فصلُ ما بـين الفريقين من الاختلاف وأن توسيطَ حديث المسخِ للإنذار المذكورِ بـين حكاية أمرِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام وبـين أمرِه صلى الله عليه وسلم بالدعوة إليها من قبـيل الفصل بـين الشجر ولِحائِه فتأمل.
القشيري
تفسير : قومٌ حرَّموا العملَ فيه وقومٌ حللوه معصيةً منهم، وقيل جعل الجمعةَ لهم فقالوا: لا نريد إلا يومَ السبت.. فهذا اختلافهم فيه. والإشارة من ذلك أنهم حادوا عن موجب الأمر، ومالوا إلى جانب هواهم. ثم إنهم لم يراعوها حق رعايتها فصار سبب عصيانهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {انما جعل السبت} اى فرض تعظيم يوم السبت والتخلى فيه للعبادة وترك الصد فيه فتعدية جعل بعلى لتضمينه معنى فرض والسبت يوم من ايام الاسبوع بمعنى القطع والراحة فسمى به لانقطاع الايام عنه إذ هو آخر أيام الاسبوع وفيه فرغ الله من خلق السموات والارض او لان اليهود يستريحون فيه من الاشغال الدنيوية ويقال اسبتت اليهود اذا عظمت سبتها وكان اليهود يدعون ان السبت من شعائر الاسلام وان ابراهيم كان محافظا عليه اى ليس السبت من شعائر ابراهيم وشعائر ملته التى امرت يا محمد باتباعها حتى يكون بينه صلى الله عليه وسلم وبين بعض المشركين علاقة فى الجملة وانما شرع ذلك لبنى اسرائيل بعد مدة طويلة. قال الكاشفى [در زاد المسير أورده كه آن روز حضرت موسى عليه السلام يكى را ديدكه متعاى را برداشته بجايى ميبرد بفرمود تاكردنش بزدند وتنش را در محلى بيفكندندكه مرغان مردار خوار جهل روز اجرا واحشاى اومى خوردند] وذلك لهتك حرمة شريعته بمثل ذلك العمل شعر : كرا شرع فتوى دهد برهلاك الا تاندارى زكشتنش باك تفسير : {على الذين اختلفوا فيه} منشأ الاختلاف هو الطرف المخالف للحق وذلك ان موسى عليه السلام امر اليهود ان يجعلوا فى الاسبوع يوما واحدا للعبادة وان يكون ذلك يوم الجمعة فابوا عليه وقالوا نريد اليوم الذى فرغ الله فيه من خلق السموات والارض وهو السبت الا شر ذمة منهم قد رضوا بالجمعة فاذن الله لهم فى السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه فاطاع امر الله تعالى الرضوان بالجمعة فكانوا لا يصيدون واما غيرهم فلم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله قردة دون اولئك المطيعين. يقول الفقير اما الفرقة الموافقة فنجوا لانقيادهم لامر الله تعالى وفناء باطنهم عن الارادة التى لم تنبعث من الله تعالى واما الفرقة المخالفة فهلكوا لمخالفتهم لامر الله تعالى وبقائهم بنفوسهم الامارة ولا شك ان من اجبر وفق ومن تحرك بارادته وكل الى نفسه {وان ربك ليحكم بينهم} اى بين الفريقين المختلفين فيه {يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} اى يفصل ما بينهما من الاختلاف فيجازى الموافق بالثواب والمخالف بالعقاب وفيه ايماء الى ان ما وقع فى الدنيا من مسخ احد الفريقين وانجاء الآخر بالنسبة الى ما سيقع فى الآخرة شئ لا يعتد به وفى الحديث "حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة اوتينا من بعدهم"تفسير : يعنى يوم الجمعة فهذا يومهم الذى فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له فلنا اليوم ولليهود غدا وللنصارى بعد غد. وفى الآية اشارة الى ان الاختلاف فيما ارشد الله به الناس الى الصراط المستقيم من الاوامر والنواهى لاستحلال بعضها وتحريم بعضها ابتداعا منهم على وفق الطبع والهوى وان كان التشديد فيه على انفسهم يكون وبالا عليهم وضلالا عن الصراط المستقيم. فالواجب على العباد فى العبادات والطاعات والمجاهدات وطلب الحق والاتباع وترك الابتداع كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى وعضوا عليها بالنواجذ واياكم محدثات الأمور فان كل بدعه ضلالة " تفسير : وجاء رجل للشيخ ابى محمد عبد السلام بن مشيش قدس سره فقال يا سيدى وظف علىّ وظائف وأورادا فغضب الشيخ وقال أرسول انا فاوجب الواجبات الفرائض معلومة والمعاصى مشهورة فكن للفرائض حافظا وللمعاصى رافضا واحفظ قلبك من ارادة الدنيا وقانع من ذلك كله بما قسم لك فاذا خرج لك مخرج الرضى فكن لله فيه شاكر واذا خرج لك مخرج السخط فكن عليه صابرا وفى قوله تعالى {وان ربك ليحكم} الآية اشارة الى أن الله تعالى يحكم بعدله بين اهل السنة واهل البدع فيقول هؤلاء فى الجنة بفضلى ولا ابالى وهؤلاء فى النار بعدى ولا ابالى واهل البدعة ثنثان وسبعون فرقة من اهل الظواهر واحدى عشرة فرقة من اهل البواطن كلهم على خلاف الحق من حيث الاعتقاد وكلهم فى النار والفرقة الناجية من المتصوفة وغيرهم هم الموافقون للكتاب والسنة عقدا وعملا نسأل الله تعالى ان يحفظنا من الزيغ والضلال ولا بد من اخ ناصح فى الدين كامل فى طريق اليقين مرشد الى الحق المتين قال الحافظ قدس سره. شعر : قطع اين مرحله بى همرهى خضر مكن ظلم تست بترس از خطر كمراهى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِنما جُعِل السبتُ} أي: فُرض تعظيمه وإفراده للعبادة، {على الذين اختلفوا فيه} على نبيهم، وهم: اليهود؛ أمرهم موسى عليه السلام أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة، فأبوا وقالوا: نريد يوم السبت؛ لأنه تعالى فرغ فيه من خلق السماوات والأرض، فألزمهم الله السبت، وشدَّد عليهم فيه. وقيل: لما أمرهم بيوم الجمعة، قَبِلَ بعضهم، وأبى أكثرهم، فاختلفوا فيه. وقيل: اختلافهم: هو أن منهم من حرَّم الصيد فيه، ومنهم من أحله، فعاقبهم الله بالمسخ. والتقدير على هذا: إنما جعل وبال السبت - وهو المسخ -، {على الذين اختلفوا}؛ فأحلوا فيه الصيد تارة، وحرموه أخرى، أو أحله بعضهم، وحرمه بعضهم، وذكرهم هنا؛ تهديدًا للمشركين، كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله، {وإِن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}؛ فيجازي كل فريق بما يستحقه، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي. الإشارة: الاختلاف على الأكابر؛ كالشيوخ والعلماء، والتقدم بين أيديهم بالرأي والكلام، من أقبح المساوئ، وسوء الأدب يوجب لصاحبه العطب؛ كالقطع عن الله، والبعد من ساحة حضرته. قال بعضهم: إذا جالست الكبراء؛ فدع ما تعلم لما لا تعلم؛ لتفوز بالسر المكنون. والله تعالى أعلم. ثمَّ أمر نبيه بالدعوة إلى الله
الجنابذي
تفسير : {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ} محترماً {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} كأنّه كان فى قلبه (ص) او فى قلب من آمن به شيءٌ من الامر باتّباع ملّة ابراهيم (ع) وترك تعظيم السّبت لانّه كان عيداً لليهود بأمر موسى (ع) كما انّ الاحد كان عيداً للنّصارى فرفع ذلك بقوله انّما جعل السّبت (الآية) تسكيناً له (ص) او للمؤمين {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فانّ اليهود اختلفوا فى السّبت بان حرّموه ثمّ استحلّوه فلعنهم الله ومسخهم، وقيل: انّ المراد بالّذين اختلفوا فيه اليهود والنّصارى اختلفوا بان قال اليهود: السّبت اعظم الايّام لانّ الله فرغ من خلق العالم فيه واستراح، وقال النّصارى: الا حد اعظم الايّام لابتداء خلق العالم فيه.
اطفيش
تفسير : {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ} وقرئ بالبناء للفاعل وهو الله سبحانه، ونصب السبت وقرأ ابن مسعود إِنا أنزلنا السبت، {عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} أى إِنما جعل الله وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه بأَن أحل الصيد فيه تارة وحرموه أُخرى وكان الواجب عليهم أن يتفقوا فى تحريمه على كلمة واحدة بعد ما حتم عليهم الصبر عن الصيد ـ فيه وتعظيمه، وذلك أن الله أوجب على اليهود الصبر عن الصيد فيه وتعظيمه على لسان موسى فاحتالوا للصيد فكان بعض يقول إِنما نهينا عن أكله فكانوا يصيدون ولا يأْكلون إِلا بعد السبت وبعض يقول؛ إِنما نهينا عن أخذه فكانوا يتخذون حياضاً على الساحل يجتمع فيه يوم السبت فيأْخذونه بعده وبعض لا يصيد فيه فمسخ الذين يصصادون قردة وخنازير فى زمان داود، وقيل إِن الله تعالى أمرهم أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة فأَبوا إِلا طائفة منهم، فقالوا نريد يوم السبت، لأَنه سبحانه فرغ فيه من خلق السماوات والأَرض فألزمهم الله السبت وشدد الأَمر عليهم فذلك هو اختلافهم على نبيهم موسى، وقيل إِن موسى هو المعين لهم يوم الجمعة فبدلوه بالسبت إِلا قليلا فهم راضون بالجمعة فأَذن لهم فى السبت فشدد عليهم بتحريم الصيد فيه فرضى به الراضون بالجمعة فلم يصيدوا وكذا المختارون للسبت ثم جاءت أعقابهم فصادوا فمسخوا، وقيل اصطاد أيضاً مختار السبت، وقيل لما رضى القليل بالجمعة راجعهم الجمهور فاتبعوهم فى اختيار السبت وعن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس أن موسى أمرهم بتعظيم الجمعة والتفرغ فيه عن الأَشغال للعبادة فأَبوا إِلا السبت، ثم جاء عيسى عليه السلام بيوم الجمعة، فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم عيدنا، فاتخذوا الأَحد فأعطى الله تبارك وتعالى هذه الأُمة الجمعة فقبلوها، فبورك لهم فيها. قال الربيع بن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر ابن زيد عن أبى هريرة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : نحن الأَولون والآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم هذا يومهم الذى فرض عليهم فاختلفوا فيه فهداه الله إِليه والناس فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد"تفسير : ، ومثله للبخارى ومسلم والظاهر أن الاختلاف المذكور فى الحديث هو الذى فى الآية، وقيل الذى فيها بين اليهود، والذى فى الحديث بين اليهود والنصارى وفى رواية لمسلم "حديث : نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة" تفسير : وفى رواية له أيضاً، "حديث : أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا وكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأَحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأَحد ولذلك هم لنا تبع يوم القيامة نحن الآخرون فى الدنيا الأَولون يوم القيامة المقضى لهم قبل الخلائق"تفسير : ، وهذه رواية له عن حذيفة وفيها تفسير التأْخير والسبق وذكر ابن حجر "حديث : أننا أول من يحشر ويحاسب ويقضى بينهم ويدخل الجنة، وآخر الأُمم وجوداً فى الدنيا"تفسير : . قال النووى الآخرون وجوداً السابقون للفضل ودخول الجنة وبيد بفتح الموحدة وإِسكان الياء بمعنى غير منصوبة على الاستثناء من باب تأْكيد المدح بما يشبه الذم ووجه التأكيد ما أدمج فيه من معنى النسخ لأَن الناسخ هو السابق فى الفضل وإِن تأَخر فى الوجود وكون بيد بمعنى غير هو مذهب الخليل بن أحمد رحمه الله وجماعة من أهل اللغة. وقال المازنى حرف جر وتعليل، وبه قال الشافعى واستبعده عياض ولا يعد فيه بل المعنى سبقنا للفضل إِذ هدينا للجمعة مع تأَخرنا فى الزمان بسبب أنهم ظلوا عنها مع تقدمهم وتدل له رواية أبى صالح عن أبى هريرة "حديث : نحن الآخرون فى الدنيا ونحن أول من يدخل الجنة لأَنهم أوتوا الكتاب من قبلنا"تفسير : ، وقيل بمعنى على، وقيل بمعنى مع فهو منصوب على الظرفية والكتاب الجنس فهو التوراة والإِنجيل فى جنب اليهود والنصارى، والقرآن فى جنبنا. قال ابن بطال: ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه لأَنه لا يجوز لأَحد أن يترك ما فرض الله وهو مؤمن بل فرض عليهم يوم يقيمون فيه دينهم ووكل إِلى اختيارهم فاختلفوا فيه ولم يهتدوا ليوم الجمعة، واختاره عياض وقواه بأَنه لو فرض بعينه لقيل فخالفوا بدل فاختلفوا، قال: وفرض الله تبارك وتعالى على هذه الأُمة معيناً ففازوا بفضيلته وأُجيب بأَنه قيل اختلفوا لأَنهم أمروا به معيناً فاختلفوا هل يجب إِبقاؤه أو يجوز إِبداله واختلفوا فيه فبعض عصى فاصطاد وبعض أطاع وذلك اختلاف على نبيهم موسى عليه السلام قال: الفخر اتفقت اليهود على أن المأْمور به هو السبت وإِنما اختلفوا فيما ذكر، وقيل إِن الاختلاف هو قول بعض اليهود أن السبت أعظم الأَيام حرمة لأَنه يلى يوم الفراغ من خلق الأَشياء، وقول بعض اليهود إِن الأَحد أعظم، لأَن الله تبارك وتعالى ابتدأ الخلق فيه، ورد بأَن الأَحد إِنما اختاره النصارى بعدهم بزمان طويل، ويدل على التعيين رواية الكلبى السابقة، ورواية أن الله فرض على اليهود الجمعة فأَبوا وقالوا: يا موسى إِن الله لم يخلق يوم السبت شيئاً فجعله لنا فجعل عليهم وليس ذلك بأَعجب من مخالفتهم لمثل قوله تعالى {أية : وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة} تفسير : وغير ذلك وهم القائلون سمعنا وعصينا وما تقدم من أن الجمعة عينت لنا لا ينافى ما روى أن الأَنصار قالوا: هلم نجعل لنا يوماً للعبادة كما جعلت اليهود السبت والنصارى الأحد فاجعلوه الجمعة فاجتمعوا إِلى سعد بن زرارة فصلى بهم وذلك قبل قدوم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة لأَنه لا مانع من أن يكون ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالوحى وهو بمكة ولم يتمكن من إِقامتها ولما قدم المدينة صلاها فتحصل الهداية بالبيان وبالاختيار، وقد نزل: إِذا نودى للصلاة من يوم الجمعة ـ الآية، قيل الحكمة فى اختيارهم الجمعة خلق آدم عليه السلام فيها والإِنسان إِنما خلق للعبادة فناسب أن يشتغلوا فيه بالعبادة وأن الله جل جلاله أكمل فيه الموجودات وأوجد فيه الإِنسان الذى ينتفع بها فناسب أن يشكر بالعبادة فيه على ذلك وحصول الكمال يوجب الفرح والسرور ولأن آدم وذريته أفضل المخلوقات وقد خلق فيه ولأَنه تاب عليه فيه لأَن الله جل جلاله أعطاه لنا فكان ما أعطاه أفضل مما اختاره البشر وقيل بعث موسى بتعظيم السبت ثم نسخ بالأَحد ثم نسخ الأَحد بالجمعة فهى أفضل الأَيام كما أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمته أفضل الأَنبياء والأُمم والسبت آخر الأسبوع والأَربعاء رابعه وقيل السبت أوله والأَربعاء خامسه وعليه الأكثر والشافعية وهو الذى صح به الخبر فيما قيل. قال السهيلى: لم يقل إِن أوله الأَحد إِلا ابن جرير، روى مسلم عن أبى هريرة: أخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيدى فقال "حديث : خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكر يوم الثلاثاء وخلق النور الأَربعاء وبث الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة فى آخر الخلق فى آخر ساعة من النهار" تفسير : ولذا صوب السهيلى وابن عساكر والإِسنوى أن أوله السبت، وقال النووى: فى يوم الأثنين أسمى به لأَنه ثانى الأَيام وهو يقتضى أن أوله الأََحد وبه قال القفال. والخبر السابق تفرد به مسلم وقد جعله البخارى وغيره من كلام كعب وإِنما سمعه أبو هريرة منه واشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعا وأُجيب بأَن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ولا حجة فى اشتقاق الأَحد من الواحد هكذا لأَن هذه التسمية لم تثبت بأَمر من الله ولا من رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلعل اليهود وضعوها على مذهبهم فأَخذتها العرب منهم ولم يرد فى القرآن إِلا الجمعة والسبت وليسا من أسماء العدد بل لو ثبتت هذه التسمية لم يكن فيها دليل إِلا أن العرب تسمى خامس العدد أربعا، وهكذا. ومن ذلك قال ابن عباس: يوم عاشوراء تاسع المحرم وتاسوعا ثامنه وهكذا وخلق الله جل وعلا آدم بعد الفراغ من الخلق إِشارة لكونها خلقت لمصالحه ومصالح بنيه، {وَإِنَّ رَبَّكَ} يا محمد، {لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أمر السبت بإِثباته الطائع وتعذيب العاصى المنتهك لحرمة السبت.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ} بمعنى إنما فرض تعظيمه والتخلي للعبادة وترك الصيد فيه تحقيق لذلك النفي الكلي وتوضيح له بإبطال ما عسى يتوهم كونه قادحاً في الكلية فإن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شعائر الإسلام وأن إبراهيم عليه السلام كان محافظاً عليه أي ليس السبت من شرائع إبراهيم وشعائر ملته عليه السلام التي أمرت باتباعها حتى يكون بينه وبين بعض المشركين علاقة في الجملة، وإنما شرع ذلك لبني إسرائيل بعد مدة طويلة، وإيراد الفعل مبنياً للمفعول جرى على سنن الكبرياء وإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة الإسناد إلى الغير. وقرأ أبو حيوة {جعل} بالبناء للفاعل، وعن ابن مسعود والأعمش أنهما قرءا (إنما أنزلنا السبت) وهو على ما قال أبو حيان تفسير معنى لا قراءة لمخالفة ذلك سواد المصحف، والمستفيض عنهما أنهما قرءا كالجماعة {إنما جعل السبت}. {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } على نبيهم حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت وهم اليهود. أخرج الشافعي في "الأم" والشيخان في "صحيحيهما" عن أبـي هريرة قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يعني الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا الله تعالى له فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد»تفسير : وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: أمر موسى عليه السلام اليهود بالجمعة وقال: تفرغوا لله تعالى في كل سبعة أيام يوماً واحداً وهو يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئاً من أعمالكم فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله تعالى فيه من الخلق وهو يوم السبت فجعل عليهم وشدد فيه الأمر ثم جاء عيسى عليه/ السلام بالجمعة فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد وكأنهم إنما اختاروه لأنه مبتدأ الخلق، واختار هذا الإمام وحمل {فِى} على التعليل أي اختلفوا على نبيهم لأجل ذلك اليوم، وقال الخفاجي: معنى {ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } خالفوا جميعهم نبيهم فهو اختلاف بينهم وبين نبيهم، وظاهر الاخبار يقتضي أنه عين لهم أولاً يوم الجمعة، وقال القاضي عياض: ((الظاهر أنه فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة بغير تعيين ووكل إلى اجتهادهم [لإقامة شرائعهم فيه] (فاختلفت أحبارهم) في تعيينه ولم يهدهم الله تعالى له وفرض على هذه الأمة مبيناً [ولم يكل إلى أحد اجتهادهم] ففازوا بفضيلته ولو كان منصوصاً عليه لم يصح (أن يقال اختلفوا) بل يقال خالفوا، وقال الإمام النووي: يمكن أن يكونوا أمروا [به] صريحاً ونص عليه فاختلفوا فيه هل يلزم تعيينه أم لهم إبداله فأبدلوه وغلطوا في إبداله))، وقال الواحدي: قد أشكل أمر هذا الاختلاف على كثير من المفسرين حتى قال بعضهم: معنى اختلافهم في السبت أن بعضهم قال هو أعظم الأيام حرمة لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فيه، وقال الآخرون: أعظمها حرمة الأحد لأن الله سبحانه ابتدأ الخلق فيه؛ وهذا غلط لأن اليهود لم يكونوا فرقتين في السبت وإنما اختار الأحد النصارى بعدهم بزمان وقيل: المراد اختلفوا فيما بينهم في شأنه ففضلته فرقة منهم على الجمعة ولم ترض بها وفضلت أخرى الجمعة عليه ومالت إليها بناءً على ما روي من أن موسى عليه السلام جاءهم بالجمعة فأبـى أكثرهم إلا السبت ورضي شرذمة منهم بها فأذن الله تعالى لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه فأطاع أمر الله تعالى الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله تعالى قردة دون أولئك المطيعين، والتفسير الأول تفسير رئيس المفسرين وترجمان القرآن وحبر الأمة المروي من طرق صحيحة عن أفضل النبيين وأعلم الخلق بمراد رب العالمين صلى الله عليه وسلم. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } أي المختلفين {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } أي يقضي بينهم بالمجازاة على اختلافهم على نبيهم ومخالفتهم له في ذلك أو يفصل ما بين الفريقين منهم من الخصومة والاختلاف فيجازي كل فريق بما يستحقه من الثواب والعقاب، وفيه على هذا إيماء إلى أن ما وقع في الدنيا من مسخ أحد الفريقين وإنجاء الآخر بالنسبة إلى ما سيقع في الآخرة شيء لا يعتد به، وعبر عن الفرض بالجعل موصولاً بكلمة {عَلَىٰ } للإيذان بتضمنه للتشديد والابتلاء المؤدي إلى العذاب، وعن اليهود بالاسم الموصول بالاختلاف إشارة إلى علة ذلك، وقيل: المعنى إنما جعل وبال ترك تعظيم السبت وهو المسخ كائناً أو واقعاً على الذين اختلفوا فيه أي أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه أخرى وكان حتماً عليهم أن يتفقوا على تحريمه حسبما أمر الله تعالى به وروي ذلك عن قتادة، وفسر الحكم بينهم بالمجازاة باختلاف أفعالهم بالإحلال تارة والتحريم أخرى. ووجه إيراد ذلك هٰهنا بأنه أريد منه إنذار المشركين وتهديدهم بما في مخالفة الأنبياء عليهم السلام من الوبال كما ذكرت القرية التي كفرت بأنعم الله تعالى تمثيلاً لذلك. واعترض بأن توسيط ذلك لما ذكر بين حكاية أمر النبـي صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام وبين أمره صلى الله عليه وسلم بالدعوة إليها كالفصل بين الشجر ولحائه. وأجيب بأن فيه حثاً على إجابة الدعوة التي تضمنها الكلام السابق وأمر بها في الكلام اللاحق فللمتوسط نسبة إلى الطرفين تخرجه من أن يكون الفصل به كالفصل بين الشجر ولحائه وهو كما ترى. واعترض أيضاً بأن كلمة {بَيْنَهُمْ } تحكم بأن المراد بالحكم هو فصل ما بين الفريقين من الاختلاف دون المجازاة باختلاف أفعالهم بالإحلال تارة والتحريم أخرى. ويرد هذا أيضاً على تفسيره بالقضاء بالمجازاة/ على اختلافهم جميعهم على نبيهم ومخالفتهم له فيما جاءهم به، وقد فسر بذلك على التفسير المأثور عن ترجمان القرآن، ومنهم من فسره عليه بما فسر به على التفسير المروي عن قتادة فيرد عليه أيضاً ما ذكر مع ما في ضمنه من القول باختلاف الاختلافين بمعنى، والظاهر اتحادهما. وأجاب بعضهم عن الاعتراض بمنع حكم كلمة {بَيْنَهُمْ} بما تقدم فتأمل، وتفسير السبت باليوم المخصوص هو الظاهر الذي ذهب إليه الكثير، وجوز كونه مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها، قيل: ويجوز على هذا أن يكون في الآية استخدام.
ابن عاشور
تفسير : موقع هذه الآية ينادي على أنها تضمّنت معنى يرتبط بملّة إبراهيم وبمجيء الإسلام على أساسها. فلما نفت الآية قبل هذه أن يكون إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ من المشركين ردّاً على مزاعم العرب المشركين أنهم على ملّة إبراهيم، انتقل بهذه المناسبة إلى إبطال ما يشبه تلك المزاعم. وهي مزاعم اليهود أن ملّة اليهودية هي ملّة إبراهيم زعماً ابتدعوه حين ظهور الإسلام جحداً لفضيلةٍ فاتتهم، وهي فضيلة بناء دينهم على أول دين للفطرة الكاملة حسداً من عند أنفسهم. وقد بيّنا ذلك عند قوله تعالى: {أية : يا أهل الكتاب لم تحاجّون في إبراهيم} تفسير : في سورة آل عمران (65). فهذه الآية مثل آية آل عمران يا أهل الكتاب لم تحاجّون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، فذلك دالّ على أن هؤلاء الفرق الثلاث اختلفوا في إبراهيم، فكل واحدة من هؤلاء تدّعِي أنها على ملته، إلا أنه اقتصر في هذه الآية على إبطال مزاعم المشركين بأعظم دليل وهو أن دينهم الإشراك وإبراهيمُ عليه السلام ما كان من المشركين. وعقب ذلك بإبطال مزاعم اليهود لأنها قد تكون أكثر رواجاً، لأن اليهود كانوا مخالطين العرب في بلادهم، فأهل مكة كانوا يتّصلون باليهود في أسفارهم وأسواقهم بخلاف النّصارى. ولما كانت هذه السورة مكّية لم يتعرّض فيها للنّصارى الذين تُعرّض لهم في سورة آل عمران. ولهذا تكون جملة {إنما جعل السبت} استئنافاً بيانياً نشأ عن قوله: {أية : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} تفسير : [سورة النحل: 123] إذ يثير سؤالاً من المخالفين: كيف يكون الإسلام من ملّة إبراهيم؟ وفيه جعل يوم الجمعة اليومَ المقدس. وقد جعلت التوراة لليهود يوم التّقديس يوم السبت. ولعلّ اليهود شغبوا بذلك على المسلمين، فكان قوله: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} بياناً لجواب هذا السؤال. وقد وقعت هذه الجملة معترضة بين جملة {أية : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} تفسير : [سورة النحل: 123] وجملة {أية : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} تفسير : [سورة النحل: 125] الخ. ولذلك افتتحت الجملة بأداة الحصر إشعاراً بأنها لقلب ما ظنّه السائلون المشغبون. وهذا أسلوب معروف في كثير من الأجوبة المورَدة لردّ رأي موهوم، فالضمير في قوله: {فيه} عائد إلى إبراهيم على تقدير مضاف، أي اختلفوا في ملّته، وليس عائداً على السبت، إذ لا طائل من المعنى في ذلك. والذين اختلفوا في إبراهيم، أي في ملّته هم اليهود لأنهم أصحاب السبت. ومعنى {جعل السبت} فرض وعُيّن عليهم، أي فرضت عليهم أحكام السبت: من تحريم العمل فيه، وتحريم استخدام الخدم والدوابّ في يوم السبت. وعدل عن ذكر اسم اليهود أو بني إسرائيل مع كونه أوجزَ إلى التّعبير عنهم بالموصول لأن اشتهارهم بالصّلة كافٍ في تعريفهم مع ما في الموصول وصلته من الإيماء إلى وجه بناء الخبر. وذلك الإيماء هو المقصود هنا لأن المقصود إثبات أن اليهود لم يكونوا على الحنيفية كما علمت آنفاً. وليس معنى فِعل {اختلفوا} وقُوع خلاف بينهم بأمر السبت بل فعل {اختلفوا} مرادٌ به خالفوا كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : واختلافهم على أنبيائهم»تفسير : ، أي عملهم خلاف ما أمر به أنبياؤهم. فحاصل المعنى هكذا: ما فُرض السبت على أهل السبت إلا لأنهم لم يكونوا على ملّة إبراهيم، إذ مما لا شكّ فيه عندهم أن ملّة إبراهيم ليس منها حرمة السبت ولا هو من شرائعها. ولم يقع التعرّض لليوم المقدّس عند النصارى لعدم الداعي إلى ذلك حين نزول هذه السورة كما علمت. ولا يؤخذ من هذا أن ملّة إبراهيم كان اليومُ المقدّسُ فيها يومَ الجمعة لعدم ما يدلّ على ذلك، والكافي في نفي أن يكون اليهود على ملّة إبراهيم أن يوم حرمة السبت لم تكن من ملّة إبراهيم. ثم الأظهر أن حرمة يوم الجمعة ادخرت للملّة الإسلامية لقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : فهذا اليومُ الذي اختلفوا فيه فَهدانا الله إليه فالناس لنا فيه تبع اليهودُ غداً والنصارى بعد غَد»تفسير : . فقوله:«حديث : فهدانا الله إليه»تفسير : يدلّ على أنه لم يسبق ذلك في ملّة أخرى. فهذا وجه تفسير هذه الآية، ومحمل الفعل والضمير المجرور في قوله: {اختلفوا فيه}. وما ذكره المفسّرون من وجوه لا يخلو من تكلّف وعدم طائل. وقد جعلوا ضمير {فيه} عائداً إلى {السبت}. وتأوّلوا معنى الاختلاف فيه بوجوه. ولا مناسبة بين الخبر وبين ما تُوهّم أنه تعليل له على معنى جعل السبت عليهم لأنهم اختلفُوا على نبيئهم موسى ــــ عليه السلام ــــ لأجل السبت، لأن نبيّهم أمرهم أن يعظّموا يومَ الجمعة فأبَوا، وطلبوا أن يكون السبت هو المفضّل من الأسبوع بعلّةِ أن الله قضى خلق السماوات والأرضين قبل يوم السبت، ولم يكن في يوم السبت خَلق، فعاقبهم الله بالتّشديد عليهم في حرمة السبت. كذا نقل عن ابن عباس. وهو لا يصحّ عنه، وكيف وقد قال الله تعالى: {أية : وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} تفسير : [سورة النساء: 154]. وكيف يستقيم أن يعدل موسى عليه السلام عن اليوم الذي أمر الله بتعظيمه إلى يوم آخر لشهوة قومه وقد عُرف بالصلابة في الدين. ومن المفسرين من زعم أن التوراة أمرتهم بيوم غير معيّن فعيّنوه السبت. وهذا لا يستقيم لأن موسى عليه السلام عاش بينهم ثمانين سنة فكيف يصحّ أن يكونوا فعلوا ذلك لسوء فهمهم في التوراة. ولعلّك تلوح لك حيرة المفسّرين في التئام معاني هذه الآية. و{إنما} للحصر وهو قصر قلب مقصود به الردّ على اليهود بالاستدلال عليهم بأنهم ليسوا على ملّة إبراهيم، لأن السبت جعله الله لهم شرعاً جديداً بصريح كتابهم إذ لم يكن عليه سلفهم. وتركيب الاستدلال: إن حرمة السبت لم تكن من ملّة إبراهيم فأصحاب تلك الحرمة ليسوا على ملّة إبراهيم. ومعنى {جعل السبت} أنه جعل يوماً معظّماً لا عمل فيه، أي جعل الله السبت معظّماً، فحذف المفعول الثاني لفعل الجعل لأنه نزل منزلة اللازم إيجازاً ليشمل كل أحوال السبت المحكية في قوله تعالى: {أية : وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} تفسير : [سورة النساء: 154] وقوله: {أية : إذ يعدون في السبت} تفسير : [سورة الأعراف: 163]. وضمن فعل {جعل} معنى فُرض فعدي بحرف {على}. وقد ادّخر الله تعالى لمحمد أن يكون هو الوارث لأصول إبراهيم، فجعل لليهود والنصارى ديناً مخالفاً لملّة إبراهيم، ونصَب على ذلك شعاراً وهو اليوم الذي يعرف به أصل ذلك الدين وتغيير ذلك اليوم عند بعثة المسيح عليه السلام إشارة إلى ذلك، لئلا يكون يوم السبت مسترسلاً في بني إسرائيل، تنبيهاً على أنهم عرضة لنسخ دينهم بدين عيسى عليه السلام وإعداداً لهم لتلّقي نسخ آخر بعد ذلك بدين آخر يكون شعاره يوماً آخر غير السبت وغير الأحد. فهذا هو التفسير الذي به يظهر انتساق الآي بعضها مع بعض. و{بينهم} ظرف للحكم المستفاد من «يحكم»، أي حكماً بين ظهرانيهم. وليست {بينهم} لتعدية «يحكم» إذ ليس ثمّة ذكر الاختلاف بين فريقين هنا.
الواحدي
تفسير : {إنما جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فيه} وهم اليهود، أمروا أن يتفرَّغوا للعبادة في يوم الجمعة، فقالوا لا نريده، ونريد اليوم الذي فرغ الله سبحانه فيه من الخلق، واختاروا السَّبْتَ، ومعنى اختلفوا فيه، أَيْ: على نبيِّهم حيث لم يطيعوه في أخذ الجمعة، فجعل السَّبْتَ عليهم، أَيْ: غَلَّظَ وضيَّق الأمر فيه عليهم. {ادع إلى سبيل ربك} دين ربِّك {بالحكمة} بالنُّبوَّة {والموعظة الحسنة} يعني: مواعظ القرآن {وجادلهم} افتلهم عمَّا هم عليه {بالتي هي أحسن} بالكلمة اللَّيِّنة، وكان هذا قبل الأمر بالقتال، {إن ربك هو أعلم...} الآية. يقول: هو أعلم بالفريقين، فهو يأمرك فيهما بما هو الصَّلاح. {وإن عاقبتم...} الآية. نزلت حين نظر النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى حمزة وقد مُثِّل به، فقال: واللَّهِ لأُمَثِلنَّ بسبعين منهم مكانك، فنزل جبريل عليه السَّلام بهذه الآيات، فصبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم وكفَّر عن يمينه، وأمسك عمَّا أراد. وقوله سبحانه {ولئن صبرتم} أَيْ: عن المجازاة بالمثلة {لهو} أَيْ: الصَّبر {خير للصابرين} ثمَّ أمره بالصَّبر عزماً، فقال: {واصبر وما صبرك إلاَّ بالله} أَيْ: بتوفيقه ومعونته {ولا تحزن عليهم} على المشركين بإعراضهم عنك {ولاتك في ضيق مما يمكرون} لا يضيق صدرك من مكرهم. {إنَّ الله مع الذين اتقوا} الفواحش والكبائر {والذين هم محسنون} في العمل بالنَّصرة والمعونة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 124- وليس تعظيم يوم الجمعة، وترك تعظيم يوم السبت فى الإسلام مخالفاً لما كان عليه إبراهيم كما يدعى اليهود، فإن تحريم الصيد يوم السبت احتراماً له لم يكن من شريعة إبراهيم، وإنما فرض على اليهود فقط، ومع ذلك لم يحترموه بل خرج بعضهم على هذا التعظيم، وخالفوا أمر ربهم فكيف يعيبون على غيرهم ممن لم يكلف بتعظيمه عدم تعظيمه، مع أنهم - وهم المكلفون بذلك - خرجوا عليه؟ وتأكد - أيها النبى - أن ربك سيقضى بينهم يوم القيامة فى الأمور التى اختلفوا فيها، ويجازى كلا منهم بعمله. 125- أيها النبى: ادع إلى طريق الحق الذى شرعه ربك مع قومك، واسلك فى دعوتهم الطريق الذى يناسب كل واحد منهم، فادع خواصهم ذوى المدارك العالية بالقول الحكيم المناسب لقولهم، وادع عوامهم بما يناسبهم من إيراد المواعظ، وضرب الأمثال التى توجههم إلى الحق، وترشدهم من أقرب طريق مناسب لهم، وجادل أصحاب الملل السابقة من أهل الكتب بالمنطق والقول اللين، والمجادلة الحسنة التى لا يشوبها عنف ولا سِبَاب حتى تتمكن من إقناعهم واستمالتهم. هذا هو الطريق لدعوة الناس إلى اللَّه على اختلاف ميولهم، فاسلك هذا الطريق معهم، واترك أمرهم بعد ذلك إلى ربك الذى يعلم من غرق فى الضلال منهم وابتعد عن طريق النجاة، من سلم طبعه فاهتدى وآمن بما جئت به. 126- وإن أردتم عقاب من يعتدى عليكم - أيها المسلمون - فعاقبوه بمثل ما فعل بكم، ولا تتجاوزوا هذا المثل، وتأكدوا لو صبرتم، ولم تقتصوا لأنفسكم، لكان خيرا لكم فى الدنيا والآخرة، فعاقبوا لأجل الحق، ولا تعاقبوا لأجل أنفسكم.
د. أسعد حومد
تفسير : {القِيَامَةِ} (124) - شَرَعَ اللهُ لِكُلِّ مِلَّةٍ يَوْماً مِنَ الأُسْبُوعِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِيهِ لِلْعِبَادَةِ، فَشَرَعَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الجُمُعَةِ لأَِنَّهُ اليَوْمُ السَّادِسُ الذِي أَكْمَلَ اللهُ فِيهِ خَلْقَ العَالَمِ. وَقِيلَ إِنَّ اللهَ شَرَعَ يَوْمَ الجُمُعَةِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى فَعَدَلُوا عَنْهُ، وَاخْتَارُوا السَّبْتَ لأَِنَّهُ اليَوْمُ الذِي لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ الرَّبُ شَيْئاً، فَأَلْزَمَهُمُ اللهُ بِهِ فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَوَصَّاهُمْ بِأَنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ، وَبِأَنْ يُحَافِظُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُ السَّبْتِ فِي دِينِ إِبْرَاهِيمَ. وَقَدْ جَعَلَ وَبَالَ الاعْتِدَاءِ فِي السَّبْتِ (وَهُوَ المَسْخُ) عَلَى الذِينَ اعْتَدَوا فِيهِ، فَاسْتَحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ وَاجِبِ اليَهُودِ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، بَعْدَ أَنْ أُمِرُوا بِتَعْظِيمِ السَّبْتِ، وَالكَفِّ عَنِ الصَّيْدِ فِيهِ، كَمَا جَعَلَ الوَبَالَ الذِي يَلْحَقُ بِالَّذِينَ حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، مِنَ المُشْرِكِينَ، عَلَيْهِمْ هُمْ، وَسَيَحْكُمُ اللهُ بَيْنَ هؤُلاءِ وَهؤُلاءِ، فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي الدُّنْيَا، حِينَمَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تحدَّث الحق سبحانه عن إبراهيم أبي الأنبياء، وذكر جانباً من صفاته ومناقبه تكلَّم عن بني إسرائيل في قضية خالفوا فيها أمر الله بعد أن طلبوها بأنفسهم، وكأن القرآن يقول لهم: لقد زعمتم أن إبراهيم كان يهودياً، فها هي صفات إبراهيم، فماذا عن صفاتكم أنتم؟ وأين أنتم من إبراهيم عليه السلام؟ ويعطينا الحق سبحانه مثالاً عن مخالفتهم لربهم فيما يأمر به، وأنهم ليسوا كإبراهيم في اتباعه، فيذكر ما كان منهم في أمر السبت. و (السبت) هو يوم السبت المعروف التالي للجمعة السابق للأحد، والسبت مأخوذ من سَبَتَ يَسْبِت سَبْتاً. يعني: سكن واستقرَّ، ومنه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} تفسير : [النبأ: 9]. ذلك أن بني إسرائيل طلبوا يوماً يرتاحون فيه من العمل، ويتفرغون فيه لعبادة الله، وقد اقترح عليهم نبيهم موسى - عليه السلام - أن يكون يوم الجمعة، فهو اليوم الذي أتمَّ الله فيه خَلْق الكون في ستة أيام، وهو اليوم الذي اختاره الخليل إبراهيم، ولكنهم رفضوا الجمعة واختاروا هم يوم السبت وقالوا: إن الله خلق الدنيا في ستة أيام بدأها بيوم الأحد، وانتهى منها يوم الجمعة، وارتاح يوم السبت، وكذلك نحن نريد أن نرتاح ونتفرغ لعبادة الله يوم السبت، وهكذا كانت هذه رغبتهم واختيارهم. أما العيسويون فرفضوا أن يتبعوا اليهود في يوم السبت، أو إبراهيم عليه السلام في يوم الجمعة، واختاروا الأحد على اعتبار إنه أول بَدْء الخلق. أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد اختار لها الله يوم الجمعة يوم الانتهاء وتمام النعمة. إذن: اليهود طلبوا يوم السبت واختاروه للراحة من العمل والتفرغ للعبادة، فهذا مطلبهم، وقد وافقهم ربُّهم سبحانه وتعالى عليه، وأمرهم أنْ يتفرغوا لعبادته في هذا اليوم، وافقهم ليُبيّن لجاجتهم وعنادهم، وأنهم لن يُوفُوا بما التزموا به وإن اختاروه بأنفسهم، ووافقهم ليقطع حجتهم، فلو اختار لهم يوماً لاعترضوا عليه، ولكن هاهم يختارونه بأنفسهم. كما أن قصة السبت مع اليهود جاءت لتخدم قضية عقدية عامة، هي أن الآيات التي تأتي مُصدِّقة للرسل في البلاغ عن الله تعالى قد تكون من عند الله وباختياره سبحانه، وقد تكون باختيار المرسَل إليهم أنفسهم، وقد كان من بني إسرائيل أنْ كذَّبوا بهذه وهذه ولذلك قال تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الإسراء: 59]. أي: لكونهم يقترحون الآية ثم يُكذِّبونها، فأمْرهم تكذيب في تكذيب. وقصة السبت ذُكِرَتْ في مواضع كثيرة، مثل قوله تعالى: {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} تفسير : [الأعراف: 163]. لقد نقض اليهود عهدهم مع الله كعادتهم، وأخلفوا ما التزموا به، وذهبوا للصيد في يوم السبت، فكادهم الله وأغاظهم، فكانت تأتيهم الحيتان والأسماك تطفو على سطح الماء كالشراع، ولا ينتفعون منها بشيء إلا الحسرة والأسف، فيقولون: لعلها تأتي في الغد فيخيب الله رجاءهم: {أية : وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ ..} تفسير : [الأعراف: 163]. وقد سمَّى القرآن الكريم ذلك منهم اعتداءً؛ لأنهم اعتدوا على ما شرع الله، قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} تفسير : [البقرة: 65]. وقوله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ..} [النحل: 124]. كلمة (اخْتَلَفُوا) تُوحي بوجود طائفتين متناقضتين في هذه القضية، والحقيقة أن الخلاف لم يكُنْ بين اليهود بعضهم البعض، بل بينهم وبين نبيهم الذي اختار لهم يوم الجمعة، فخالفوه واختاروا السبت، فجعل الله الخلاف عليهم. فالمعنى: إنما جُعِل السبت حُجّة على الذين اختلفوا فيه؛ لأنه أثبت عدوانهم على يوم العبادة، فبعد أن اقترحوه واختاروه انقلب حُجة عليهم، ودليلاً لإدانتهم. ولو تأملنا قوله: {عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ..} [النحل: 124]. نجد أن كلمة (عَلَى) تدلُّ على الفوقية أي: أن لدينا شيئاً أعلى وشيئاً أدنى؛ فكأن السبت جاء ضد مصلحتهم، وكأن خلافهم مع نبيهم انقلب عليهم. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ..} تفسير : [الرعد: 6]. يؤولها بعضهم على معنى (مع ظلمهم) نقول: المعنى صحيح، ولكن المعية لا تقتضي العلو، فلو قلنا: مع ظلمهم فالمعنى أن المغفرة موجودة مع الظلم مجرد معية، أما قول الحق سبحانه: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ..} تفسير : [الرعد: 6]. أي: أن المغفرة عَلَت على الظلم، فالظلم يتطلب العقاب، ولكن رحمة الله ومغفرته عَلَتْ على أنْ تُعامِل الظالم بما يستحق، فرحمة الله سبقتْ غضبه، ونفس الملحظ نجده في قول الحق سبحانه: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} تفسير : [إبراهيم: 39]. فالكبر كان يقتضي عدم الإنجاب ولكن هبة الله علت على سنة الكِبَر. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} [الآية: 124]. يعني: اتبعوه وتركوا الجمعة. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الآية: 125]. يقول: أَعرض عن أَذاهم إِياك. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [الآية: 126]. يقول: لا تعتدوا. يعني: محمداً وأَصحابه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن اختلاف أهل الافتراق بقوله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } [النحل: 124] إشارة إلى أن الاختلاف فيما أرشد الله به الناس إلى الصراط المستقيم من الأوامر والنواهي لاستحلال بعضها وتحريم بعضها ابتداعاً منهم على وفق الطبع والهوى، وإن كان التشديد فيه على أنفسهم يكون وبالاً عليهم وضلالاً عن الصراط المستقيم، فالواجب على العباد في العبادات والطاعات والمجاهدات وطلب الحق الاتباع وترك الابتداع كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ". تفسير : وفي قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} إشارة إلى أن الله تعالى يحكم بعدله بين أهل البدع وأهل السنة فيقول: "حديث : هؤلاء في النار بعدلي ولا أبالي وهؤلاء في الجنة بفضلي ولا أبالي ". تفسير : ثم أخبر عن أهل الفضل وأهل العدل بقوله تعالى: {ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} [النحل: 125] إشارة إلى أن دعاء العوام إلى سبيل ربك وهو الجنة بالحكمة وهو بالخوف والرجاء؛ لأنهم يدعون ربهم خوفاً من النار وطمعاً إلى الجنة {وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} هي الرفق والمداراة ولين الكلام والتعريض دون التصريح وفي الخلاء دون الملأ، فإن النصح على الملأ تفريع، ودعاء الخواص إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة أن يحبب الله إليهم وتؤثر دواعيهم في الطلب، ويرشدهم ويهديهم إلى صراط الله ويسلكهم فيه، فيكون إليهم دليلاً وسراجاً منيراً، إلى أن يصلوا في متابعتك وحسن تربيتك وتزكيتك إياهم أعلى درجات المقربين وأهنأ مشارب الواصلين. {وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] لكل طائفة منهما فجادل أهل النفاق بالسيف وأغلظ عليهم القول، وجادل أهل الوفاق باللطف والرحمة {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الحجر: 88] واعف عنهم واستغفر لهم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله حين خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره فمن أخطأه ذلك النور، فقد ضل وهو أعلم بالمهتدين الذين أصابهم ذلك النور فقد اهتدوا بذلك النور إلى صاحب النور وهو وليهم الذي أخرجهم من ظلمات وجودهم إلى نور وجوده بجوده. وفي قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] إشارة إلى من دعا إلى الله فأجاب وجاهد النفس ونهاها عن الهوى، وسلك طريق الحق بالاتباع دون الابتداع، ثم هبت صرصر البلاء من غريب الابتلاء، واستولت النفس وحجبت في مراتع الدنيا وشهواتها، على وقف طبعها وهواها، حتى غلبت الروح وجنوده، وعاقبتم بأنواع عقوبات مختلفة من التباعد والتقاعد والتقاطع إلى أن نسمت رياح العواطف عن مهب العناية، وطبعت شمس الإقبال عن مشرق الأفضال، وانقلبت الأحوال فأقبل نهار الروح مشرق بأنوار الجمال وأدبر ليل النفس مظلم بقهر الجلال وأسرت النفس وجنودها وعزم الروح وجنوده على معاقبتهم بالفطام عن مألوفاتهم والإقدام على مخالفاتهم وتأديبهم بسياط الجوع والعطش، فنودوا من حظائر القدس ومجالس الأنس {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] أي: لا تقصروا المعاقبة وبالغوا فيها كما بالغوا في معاقبتكم {وَلَئِن صَبَرْتُمْ} [النحل: 126] على معاقبتهم {لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: 126] على معاقبة النفس ومخالفة الهوى. {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} [النحل: 127] لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر واحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [النحل: 127] أي: على النفس وجنودها عند المعاقبة، فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127] فإن بمعونة الله عند الفرار إليه يندفع مكرهم ويحيق بأهله {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} [النحل: 128] بالإعانة على التقوى {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128] بالإعانة على الإحسان والتقوى والإحسان ليس من شأن نفس الإنسان.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ } أي: فرضا { عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ } حين ضلوا عن يوم الجمعة وهم اليهود فصار اختلافهم سببا لأن يجب عليهم في السبت احترامه وتعظيمه، وإلا فالفضيلة الحقيقية ليوم الجمعة الذي هدى الله هذه الأمة إليه. { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فيبين لهم المحق من المبطل والمستحق للثواب ممن استحق العقاب.
همام الصنعاني
تفسير : 1521- عبد الرزاق، عن معمر، قال: أخبرني من سمع مجاهداً يقول في قوله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ}: [الآية: 124]، قال: أرادوا الجمعة فأخذوا السبت مكانه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):