Verse. 2026 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

اُدْعُ اِلٰى سَبِيْلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَۃِ وَالْمَوْعِظَۃِ الْحَسَنَۃِ وَجَادِلْہُمْ بِالَّتِيْ ہِىَ اَحْسَنُ۝۰ۭ اِنَّ رَبَّكَ ہُوَاَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَـبِيْلِہٖ وَہُوَاَعْلَمُ بِالْمُہْتَدِيْنَ۝۱۲۵
OdAAu ila sabeeli rabbika bialhikmati waalmawAAithati alhasanati wajadilhum biallatee hiya ahsanu inna rabbaka huwa aAAlamu biman dalla AAan sabeelihi wahuwa aAAlamu bialmuhtadeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ادع» الناس يا محمد «إلى سبيل ربك» دينه «بالحكمة» بالقرآن «والموعظة الحسنة» مواعظه أو القول الرقيق «وجادلهم بالتي» أي بالمجادلة التي «هي أحسن» كالدعاء إلى الله بآياته والدعاء إلى حججه «إن ربك هو أعلم» أي عالم «بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» فيجازيهم وهذا قبل الأمر بالقتال ونزل لما قتل حمزة ومثِّل به فقال صلى الله عليه وسلم وقد رآه: لأمثلن بسبعين منهم مكانك.

125

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بإتباع إبراهيم عليه السلام، بين الشيء الذي أمره بمتابعته فيه، فقال: {ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ }. واعلم أنه تعالى أمر رسوله أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالطريق الأحسن، وقد ذكر الله تعالى هذا الجدل في آية أخرى فقال: { أية : وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [العنكبوت: 46] ولما ذكر الله تعالى هذه الطرق الثلاثة وعطف بعضها على بعض، وجب أن تكون طرقاً متغايرة متباينة، وما رأيت للمفسرين فيه كلاماً ملخصاً مضبوطاً. واعلم أن الدعوة إلى المذهب والمقالة لا بد وأن تكون مبنية على حجة وبينة، والمقصود من ذكر الحجة، إما تقرير ذلك المذهب وذلك الاعتقاد في قلوب المستمعين، وإما أن يكون المقصود إلزام الخصم وإفحامه. أما القسم الأول: فينقسم أيضاً إلى قسمين: لأن الحجة إما أن تكون حجة حقيقية يقينية قطعية مبرأة عن احتمال النقيض، وإما أن لا تكون كذلك، بل تكون حجة تفيد الظن الظاهر والإقناع الكامل، فظهر بهذا التقسيم إنحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة. أولها: الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية، وذلك هو المسمى بالحكمة، وهذه أشرف الدرجات وأعلى المقامات، وهي التي قال الله في صفتها: { أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 269]. وثانيها: الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية وهي الموعظة الحسنة. وثالثها: الدلائل التي يكون المقصود من ذكرها إلزام الخصوم وإفحامهم، وذلك هو الجدل، ثم هذا الجدل على قسمين: القسم الأول: أن يكون دليلاً مركباً من مقدمات مسلمة في المشهور عند الجمهور، أو من مقدمات مسلمة عند ذلك القائل، وهذا الجدل هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن. القسم الثاني: أن يكون ذلك الدليل مركباً من مقدمات باطلة فاسدة إلا أن قائلها يحاول ترويجها على المستمعين بالسفاهة والشغب، والحيل الباطلة، والطرق الفاسدة، وهذا القسم لا يليق بأهل الفضل إنما اللائق بهم هو القسم الأول، وذلك هو المراد بقوله تعالى: {وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } فثبت بما ذكرنا انحصار الدلائل والحجج في هذه الأقسام الثلاثة المذكورة في هذه الآية. إذا عرفت هذا فنقول: أهل العلم ثلاث طوائف: الكاملون الطالبون للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالدلائل القطعية اليقينية وهي الحكمة، والقسم الثاني الذي تغلب على طباعهم المشاغبة والمخاصمة لا طلب المعرفة الحقيقية والعلوم اليقينية، والمكالمة اللائقة بهؤلاء المجادلة التي تفيد الإفحام والإلزام، وهذان القسمان هما الطرفان. فالأول: هو طرف الكمال، والثاني: طرف النقصان. وأما القسم الثاني: فهو الواسطة، وهم الذين ما بلغوا في الكمال إلى حد الحكماء المحققين، وفي النقصان والرذالة إلى حد المشاغبين المخاصمين، بل هم أقوام بقوا على الفطرة الأصلية والسلامة الخلقية، وما بلغوا إلى درجة الاستعداد لفهم الدلائل اليقينية والمعارف الحكمية، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالموعظة الحسنة، وأدناها المجادلة، وأعلى مراتب الخلائق الحكماء المحققون، وأوسطهم عامة الخلق وهم أرباب السلامة، وفيهم الكثرة والغلبة، وأدنى المراتب الذين جبلوا على طبيعة المنازعة والمخاصمة، فقوله تعالى: {ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ} معناه ادع الأقوياء الكاملين إلى الدين الحق بالحكمة، وهي البراهين القطعية اليقينية وعوام الخلق بالموعظة الحسنة، وهي الدلائل اليقينية الإقناعية الظنية، والتكلم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل. ومن لطائف هذه الآية أنه قال: {ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } فقصر الدعوة على ذكر هذين القسمين لأن الدعوة إذا كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة، أما الجدل فليس من باب الدعوة، بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو الإلزام والإفحام فلهذا السبب لم يقل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن، بل قطع الجدل عن باب الدعوة تنبيهاً على أنه لا يحصل الدعوة، وإنما الغرض منه شيء آخر، والله أعلم. واعلم أن هذه المباحث تدل على أنه تعالى أدرج في هذه الآية هذه الأسرار العالية الشريفة مع أن أكثر الخلق كانوا غافلين عنها، فظهر أن هذا الكتاب الكريم لا يهتدي إلى ما فيه من الأسرار إلا من كان من خواص أولي الأبصار. ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } والمعنى: أنك مكلف بالدعوة إلى الله تعالى بهذه الطرق الثلاثة، فأما حصول الهداية فلا يتعلق بك، فهو تعالى أعلم بالضالين وأعلم بالمهتدين، والذي عندي في هذا الباب أن جواهر النفوس البشرية مختلفة بالماهية، فبعضها نفوس مشرقة صافية قليلة التعلق بالجسمانيات كثيرة الانجذاب إلى عالم الروحانيات وبعضها مظلمة كدرة قوية التعلق بالجسمانيات عديمة الالتفات إلى الروحانيات، ولما كانت هذه الاستعدادات من لوازم جواهرها، لا جرم يمتنع انقلابها وزوالها، فلهذا قال تعالى: اشتغل أنت بالدعوة ولا تطمع في حصول الهداية للكل، فإنه تعالى هو العالم بضلال النفوس الضالة الجاهلة وبإشراق النفوس المشرقة الصافية فلكل نفس فطرة مخصوصة وماهية مخصوصة، كما قال: { أية : فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } تفسير : [الروم: 30]، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه مسألة واحدة ـ هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمرَه أن يدعوَ إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة. فهي محكمة في جهة العصاة من الموحِّدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين. وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورُجِي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {ٱدْعُ} من بعثت إليهم. {إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ} إلى الإسلام. {بِٱلْحِكْمَةِ } بالمقالة المحكمة، وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهة. {وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} الخطابات المقنعة والعبر النافعة، فالأولى لدعوة خواص الأمة الطالبين للحقائق والثانية لدعوة عوامهم. {وَجَـٰدِلْهُم } وجادل معانديهم. {بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين وإيثار الوجه الأيسر، والمقدمات التي هي أشهر فإن ذلك أنفع في تسكين لهبهم وتبيين شغبهم. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } أي إنما عليك البلاغ والدعوة، وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فلا إليك بل الله أعلم بالضالين والمهتدين وهو المجازي لهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة. قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة {وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ}، أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، ذكرهم بها؛ ليحذروا بأس الله تعالى، وقوله: {وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب؛ كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُجَـٰدِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} تفسير : [العنكبوت: 46] الآية، فأمره تعالى بلين الجانب؛ كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون في قوله: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} تفسير : [طه: 44]. وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} الآية، أي: قد علم الشقي منهم والسعيد، وكتب ذلك عنده، وفرغ منه، فادعهم إلى الله، ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات؛ فإنه ليس عليك هداهم، إنما أنت نذير عليك البلاغ وعلينا الحساب {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص: 56]، {أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 272].

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱدْعُ } الناس يا محمد صلى الله عليه وسلم {إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ } دينه {بِٱلْحِكْمَةِ } بالقرآن {وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } مواعظة أو القول الرقيق {وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى } أي المجادلة التي {هِىَ أَحْسَنُ } كالدعاء إلى الله بآياته والدعاء إلى حججه {إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ } أي عالم {بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } فيجازيهم، وهذا قبل الأمر بالقتال. ونزل لما قتل حمزة ومثل به فقال صلى الله عليه وسلم وقد رآه: «لأمثلنّ بسبعين منهم مكانك2.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ادعُ إلى سبيل ربِّك} يعني إلى دين ربك وهو الإسلام. {بالحكمة} فيها تأويلان: أحدهما: بالقرآن، قاله الكلبي. الثاني: بالنبوة، وهو محتمل. {والموعظة الحسنة} فيها تأويلان: أحدهما: بالقرآن في لين من القول، قاله الكلبي. الثاني: بما فيه من الأمر والنهي، قاله مقاتل. {وجادلْهُم بالتي هي أحسنُ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني بالعفو. الثاني: بأن توقظ القلوب ولا تسفه العقول. الثالث: بأن ترشد الخلف ولا تذم السلف. الرابع: على قدر ما يحتملون. روى نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم ".

ابن عطية

تفسير : هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة المشركين، أمره الله تعالى أن يدعو إلى الله وشرعه بتلطف، وهو أن يسمع المدعو حكمه، وهو الكلام الصواب القريب الواقع في النفس أجمل موقع، {والموعظة الحسنة} التخويف والترجية والتلطف بالإنسان بأن يحله ويبسطه ويجعله بصورة من يقبل الفضائل، ونحو هذا، فهذه حالة من يُدعَى وحالة من يجادَل دون مخاشنة، ويبين عليه دون قتال، فالكلام يعطي أن جدك وهمك وتعبك لا يغني لأن الله تعالى قد علم من يؤمن منهم ويهتدي، وعلم من يضل، فجملة المعنى اسلك هذا السبيل ولا تعن للمخاشنة لأنها غير مجدية لأن علم الله قد سبق بالمهتدي منهم والضال، وقالت فرقة: هذه الآية منسوخة بآية القتال، وقالت فرقة هي محكمة. قال القاضي أبو محمد: ويظهر لي أن الاقتصار على هذه الحال وأن لا تتعدى مع الكفرة متى احتيج إلى المخاشنة هو منسوخ لا محالة، وأما من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي محكمة إلى يوم القيامة، وأيضاً فهي محكمة في جهة العصاة، فهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة. وقوله {وإن عاقبتم فعاقبوا} الآية، أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري، وفي كتاب السير وذهب النحاس إلى أنها مكية. قال القاضي أبو محمد: والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالاً حسناً لأنها تتدرج الرتب من الذي يدعى ويوعظ إلى الذي يجادل إلى الذي يجازى على فعله، ولكن ما روى الجمهور أثبت، وأيضاً فقوله {ولئن صبرتم} يقلق بمعنى الآية على ما روى الجميع أن كفار قريش كما مثلوا بحمزة فنال ذلك من نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال "حديث : لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بثلاثين"تفسير : ، وفي كتاب النحاس وغيره "بتسعين" منهم فقال الناس: "إن ظفرنا لنفعلن ولنفعلن"، فنزلت هذه الآية، ثم عزم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبر في الآية بعدها، وسمى الإذناب في هذه الآية عقوبة، والعقوبة حقيقة إنما هي الثانية وإنما فعل ذلك ليستوي اللفظان وتتناسب ديباجة القول، وهذا بعكس قوله {أية : مكروا ومكر الله} تفسير : [آل عمران: 54]، وقوله {أية : الله يستهزىء بهم} تفسير : [البقرة: 15]، فان الثاني هو المجاز، والأول هو الحقيقة، وقرأ ابن سيرين: "وإن عقَبتم فعقبوا"، وحكى الطبري عن فرقة: أنها قالت إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته لا يتعداه إلى غيره، واختلف أهل العلم فيمن ظلمه رجل في أخذ مال ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال تجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه، فقالت فرقة: له ذلك، منهم ابن سيرين وإبراهيم النخعي وسفيان ومجاهد، واحتجت بهذه الآية وعموم لفظها، وقال مالك وفرقة معه: لا يجوز له ذلك، واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أدِّ الأمانة إلى من استأمنك ولا تخن من خانك ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: ووقع في مسند ابن سنجر أن هذا الحديث إنما ورد في رجل زنا بامرأة رجل آخر ثم تمكن الآخر من زوجة الثاني بأن تركها عنده وسافر، فاستشار الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: "حديث : أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"تفسير : ، ويتقوى في أمر المال قول مالك رحمه الله، لأن الخيانة لاحقة في ذلك وهي رذيلة لا انفكاك عنها، ولا ينبغي للمرء أن يتأسى بغيره في الرذائل، وإنما ينبغي أن تتجنب لنفسها، وأما الرجل يظلم في المال ثم يتمكن من الانتصاف دون أن يؤتمن فيشبه أن ذلك له جائز يرى أن الله حكم له كما لو تمكن له بالحكم من الحاكم، وقوله: {واصبر وما صبرك إلا بالله} الآية، هذه العزيمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبر عن المجازاة في التمثيل بالقتلى، قال ابن زيد: هذه الآية منسوخة بالقتال وجمهور الناس على أنها محكمة، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: "حديث : أما أنا فأصبر كما أمرت فماذا تصنعون؟"تفسير : ، قالوا: نصبر يا رسول الله كما ندبنا، وقوله: {وما صبرك إلا بالله} أي بمعونة الله وتأييده لك على ذلك، والضمير في قوله {عليهم} قيل يعود على الكفار أي لا تتأسف على أن لم يسلموا، وقالت فرقة: بل يعود على القتلى: حمزة وأصحابه الذين حزن عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول أصوب يكون عود الضمير على جهة واحدة، وقرأ الجمهور في "ضَيْق" بفتح الضاد، وقرأ ابن كثير في "ضِيق" بكسر الضاد ورويت عن نافع وهو غلط ممن رواه، قال بعض اللغويين: الكسر والفتح في الضاد لغتان في المصدر وقال أبو عبيدة: الضِيق مصدر والضَّيْق مخفف من ضيِّق كميْت وميت، وهيْن وهيِّن، قال أبو علي الفارسي: والصواب أن يكون الضيْق لغة في المصدر لأنه إن كان مخففاً من ضيِّق لزم أن تقام الصفة مقام الموصوف، وليس هذا موضع ذلك. قال القاضي أبو محمد: الصفة إنما تقوم مقام الموصوف إذا تخصص الموصوف من نفس الصفة، كما تقول رأيت ضاحكاً فإنما تخصص الإنسان، ولو قلت: رأيت بارداً لم تحسن، وببارد مثل سيبويه رحمه الله "وضيق" لا يخصص الموصوف، وقال ابن عباس وابن زيد: إن ما في هذه الآية من الأمر بالصبر منسوخ، وقوله: {مع الذين} أي بالنصر والمعونة والتأييد، و {اتقوا} يريد المعاصي، و {محسنون} معناه يتزيدون فيما ندب إليه من فعل الخير. كمل تفسير سورة النحل بعون الله وتأييده وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم

ابن عبد السلام

تفسير : {سَبِيلِ رَبِّكَ} الإسلام {بِالْحِكْمَةِ} بالقرآن {وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} القرآن في لين من القول، أو بما فيه من الأمر والنهي.

البقاعي

تفسير : ولما قدم سبحانه في هذه السورة حكاية كثير من استهزائهم بوعده ووعيده، وتكذيبهم لرسله على أبشع وجه، والتفتير عن حرقة الحرص عليهم، المفضي إلى شدة التأسف على ضلالهم وغير ذلك مما ربما أيأس منهم فأقعد عن دعائهم، وأتبعه ضرب الأمثال، ونصب الجدال - على تلك المناهيج المعجزة بما يسبق من ظواهرها إلى الفهم عند قرع السمع من المعاني الجليلة، والمقاصد الجميلة - لعامة الخلق ما يجل عن الوصف، وإذا تأملها الخواص وجدوا فيها من دقائق الحقائق، ومشارع الرقائق، ومحكم الدلائل، ومتقن المقاصد والوسائل، ما يوضح - بتفاوت الأفهام وتباين الأفكار - أنه بحر لا ساحل له ولا قرار، ولا منتهى لما تستخرج منه الأنظار، وختم باتباع الأب الأعظم، لما كان ذلك، وأمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو السميع المطيع أن يستن بآثاره، ويقتدي بإضماره وإظهاره، فسر له تلك الملة التي أمره باتباعها فقال تعالى: {ادع} أي كل من تمكن دعوته {إلى سبيل ربك} أي المحسن إليك، بتسهيل السبيل الذي تدعو إليه واتساعه، وهو الإسلام الذي هو الملة الحنيفية {بالحكمة} وهي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن والقبح والصلاح والفساد، وقيل لها حكمة لأنها بمنزلة المانع من الفساد وما لا ينبغي أن يختار، فالحكيم هو العالم بما يمنع من الفساد - قاله الرماني، وهي في الحقيقة الحق الصريح، فمن كان أهلاً له دعا به {والموعظة} بضرب الأمثال والوعد والوعيد مع خلط الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة {الحسنة} أي التي يسهل على كل فهم ظاهرها، ويروق كل نحرير ما ضمنته سرائرها، مع اللين في مقصودها وتأديتها هذا لمن لا يحتمل إلا ذلك {وجادلهم} أي الذين يحتملون ذلك منهم افتلهم عن مذاهبهم الباطلة إلى مذهبك الحق بطريق الحجاج {بالتي هي أحسن} من الطرق بالترفق واللين والوقار والسكينة، ولا تعرض عنهم يأساً منهم، ولا تجازهم بسيىء مقالهم وقبيح فعالهم صفحاً عنهم ورفقاً بهم، فهو بيان لأصناف الدعوة بحسب عقول المدعوين، لأن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بأن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم، وقيل: الدعوة إن كانت لتقرير الدين وتثبيت الاعتقاد في قلوب أهله - وهي مع ذلك يقينية مطهرة عن احتمال نقيض - فهي الحكمة وهي لطالب الحق المذعن إن كان مستعداً للقبول بفكره الثاقب، وإن كانت مقارنة لاحتمال النقيض مفيدة للظن والإقناع فهي الموعظة وهي للمذعن الذي لا استعداد له، وإن كانت لإلزام الجاحدين وإفحام المعاندين فهي المجادلة، فإن كانت مركبة من مقدمات مسلمة عند الجمهور أو عند الخصم فقط فهي الحسنة، وإن كانت من مقدمات كاذبة غير مسلمة يراد ترويجها بالحيل الباطلة والطرق الفاسدة فهي السيئة التي لا تليق بمنصف؛ ثم علل الملازمة لدعائهم على هذا الوجه بقوله تعالى: {إن ربك} أي المحسن إليك بالتخفيف عنك {هو} أي وحده {أعلم} أي من كل من يتوهم فيه علم {بمن ضل عن سبيله} فكان في أدنى درجات الضلال - وهو أعلم بالضالين الراسخين في الجور عن الطريق - فلا انفكاك له عن الضلال، وهو أعلم بمن اهتدى لسبيله فكان في أدنى درجات الهداية {وهو} أي خاصة {أعلم بالمهتدين *} أي الذين هم في النهاية منها، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً "من ضل" دليلاً على حذف ضده ثانياً، و {المهتدين} ثانياً دليلاً على حذف ضدهم أولاً. وأما أنت فلا علم لك بشيء من ذلك إلا بإعلامنا، وقد ألزمناك البلاغ المبين، فلا تفتر عنه معرضاً عن الحرص المهلك واليأس فإنه ليس عليك هداهم. ولما بين أمر الدعوة وأوضح طرقها وقدم أمر الهجرة والإكراه في الدين والفتن فيه المشير إلى ما سبب ذلك من المحن والبلاء من الكفار ظلماً، وختم ذلك بالأمر بالرفق بهم، عم - بعد ما خصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم به من الأمر بالرفق، بالأمر لأشياعه بالعدل والإحسان كما تقدم ولو مع أعدى الأعداء، والنهي عن مجازاتهم إلا على وجه العدل - فقال تعالى: {وإن عاقبتم} أي كانت لكم عاقبة عليهم تتمكنون فيها من أذاهم {فعاقبوا بمثل ما} ولما كان الأمر عاماً في كل فعل من المعاقبة من أيّ فاعل كان فلم يتعلق بتعيين الفاعل غرض، بنى للمفعول قوله تعالى: {عوقبتم به} وفي ذلك إشارة - على ما جرت به عوائد الملوك في كلامهم - إلى إدالتهم عليهم وإسلامهم في يديهم، وجعله بأداة الشك إقامة بين الخوف والرجاء. ولما أباح لهم درجة العدل، رقاهم إلى رتبة الإحسان بقوله تعالى: {ولئن صبرتم} بالعفو عنهم {لهو} أي الصبر {خير للصابرين *} وأظهر في موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً بالوصف. ولما كان التقدير: فاصبروا، عطف عليه إفراداً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأمر، إجلالاً له وتسلية فيما كان سبب نزول الآية من التمثيل بعمه حمزه رضي الله عنه، وتنويهاً بعظم مقام الصبر زيادة في حث الأمة، لأن أمر الرئيس أدعى لامتثال أتباعه، فقال تعالى: {واصبر} ثم اتبع ذلك بما يحث على دوام الالتجاء إليه المنتج للمراقبة والفناء عن الأغيار ثم الفناء عن الفناء، لئلا يتوهم أن لأحد فعلاً مستقلاً فقال تعالى: {وما صبرك} أي أيها الرسول الأعظم! {إلا بالله} أي الملك الأعظم الذي شرع لك هذا الشرع الأقوم وأنت قائم في نصره، ولقد قابل هذا الأمر صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأعلى مقامات الصبر، وذلك أنهم مثلوا بقتلى المسلمين في غزوة أحد إلا حنظلة الغسيل رضي الله عنه فإن أباه كان معهم فتركوه له، فلما وقف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على عمه حمزة رضي الله عنه فوجدهم قد جدعوا أنفه وقطعوا أذنيه وجبوا مذاكيره وبقروا بطنه، نظر إلى شيء لم ينظر قط إلى أوجع لقلبه منه فقال: حديث : رحمة الله عليك، فإنك كنت فعالاً للخير وصولاً للرحم، ولولا أن تحزن صفيه لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى، أما والله! لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهمتفسير : ، وقال الصحابة رضي الله عنهم: لنزيدن على صنيعهم، فلما نزلت الآية بادر صلى الله عليه وعلى آله وسلم الامتثال، وكان لا يخطب خطبة إلا نهى عن المثلة، وأحسن يوم الفتح بأن نهى عن قتالهم بعد أن صاروا في قبضته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً. ولما كان - بعد توطين النفس على الصبر وتفريغ القلب من الأحنة - يرجع إلى الأسف على إهلاكهم أنفسهم بتماديهم على العتو على الله تعالى، قال سبحانه: {ولا تحزن عليهم} أي في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس. ولما كان سبحانه في مقام التبشير، بالمحل الكبير والموطن الخطير، الذي ما حازه قبل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشير ولا نذير، وذلك هو الإسراء إلى الملكوت الأعلى، والمقام الأسمى من السماوات العلى، في حضرات القدس، ومحال الأنس، ووطأ لذلك في سورة النعم بمقامات الكرم إلى أن قارب الوصول إليه، أوجز في العبارة بحذف حرف مستغنى عنه دلالة عليه فقال: {ولا تك} بحذف النون أشارة إلى ضيق الحالة عن أدنى إطالة: شعر : وأبرح ما يكون الشوق يوماً إذا دنت الديار من الديار تفسير : وهذا بخلاف ما يأتي في سورة النمل إن شاء الله تعالى {في ضيق} ولو قل - كما لوح إليه تنوين التحقير بما يشير إليه حذف النون، فإن أذى الكفار الذي السياق للتسلية عنه لا يضرك في المقصود الذي بعثت لأجله، وهو إظهار الدين وقمع المفسدين بوجه من الوجوه {مما يمكرون *} أي من استمرار مكرهم بك { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} وكأنك به، وقد أتى فاصبر فإن الله تعالى معزك ومظهر دينك وإن كرهوا؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إن الله} أي الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه {مع الذين اتقوا} أي وجد منهم الخوف من الله تعالى، فكانوا في أول منازل التقوى، وهو مع المتقين الذين كانوا في النهاية منها، فعدلوا في أفعالهم من التوحيد وغيره عملاً بأمر الله في الكتاب الذي هو تبيان لكل شيء، وهو مع الذين أحسنوا وكانوا في أول درجات الإحسان {والذين هم} أي بضمائرهم وظواهرهم {محسنون *} أي صار الإحسان صفة لهم غير منفكة عنهم، فهم في حضرات الرحمن، وأنت رأس المتقين المحسنين، فالله معك، ومن كان الله معه كان غالباً، وصفقته رابحة، وحالته صالحة، وأمره عال، وضده في أسوإ الأحوال، فلا تستعجلوا قلقاً كما استعجل الكفار استهزاء، تخلقاً في التأني والحلم بصفة من تنزه عن نقص الاستعجال، وتعالى عن ادعاء الأكفاء والأمثال، فقد عانق آخرها أولها، ووافق مقطعها، وآخرها احتباك: ذكر { الذين اتقوا} أولاً دليلاً على حذف { الذين أحسنوا} ثانياً، { والمحسنين} ثانياً دليلاً على حذف المتقين أولاً - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن أبي ليلى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : تمسكوا بطاعة أئمتكم ولا تخالفوهم، فإن طاعتهم طاعة الله معصيتهم معصية الله، فإن الله إنما بعثني أدعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، فمن خالفني في ذلك فهو من الهالكين وقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله، ومن ولي من أمركم شيئاً فعمل بغير ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وجادلهم بالتي هي أحسن‏} ‏ قال‏:‏ أعرض عن أذاهم إياك‏.

ابو السعود

تفسير : {ٱدْعُ} أي مَنْ بُعثتَ إليهم من الأمة قاطبةً فحذف المفعولُ للتعميم أو افعل الدعوةَ كما في قولهم: يعطي ويمنع أي يفعل الإعطاءَ والمنع، فحذفُه للقصد إلى إيجاد نفسِ الفعل إشعاراً بأن عموم الدعوةِ غنيٌّ عن البـيان وإنما المقصودُ الأمرُ بإيجاد على وجه مخصوص {إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ} إلى الإسلام الذي عبّر عنه تارةً بالصراط المستقيم وأخرى بملة إبراهيمَ عليه السلام، وفي التعرض لعنوان الربوبـية المنبئةِ عن المالكية وتبليغِ الشيء إلى كماله اللائق شيئاً فشيئاً مع إضافة الربِّ إلى ضمير النبـي عليه الصلاة والسلام في مقام الأمر بدعوة الأمة على الوجه الحكيم وتكميلِهم بأحكام الشريعةِ الشريفة من الدِلالة على إظهار اللطفِ به عليه الصلاة والسلام والإيماءِ إلى وجه بناءِ الحُكم ـ ما لا يخفى. {بِٱلْحِكْمَةِ} أي بالمقالة المحكمةِ الصحيحة وهو الدليلُ الموضحُ للحق المزيحُ للشبهة {وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} أي الخطابـياتِ المقنعةِ والعِبر النافعةِ على وجه لا يخفى عليهم أنك تناصحهم وتقصِد ما ينفعهم، فالأولى لدعوة خواصِّ الأمةِ الطالبـين للحقائق والثانيةُ لدعوة عوامِّهم، ويجوز أن يكون المرادُ بهما القرآنَ المجيد فإنه جامعٌ لكلا الوصفين {وَجَـٰدِلْهُم} أي ناظِرْ معانديهم {بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} بالطريقة التي هي أحسنُ طرقِ المناظرةِ والمجادلة من الرفق واللينِ واختيار الوجهِ الأيسرِ واستعمالِ المقدّمات المشهورةِ تسكيناً لشغَبهم وإطفاءً لِلَهبهم كما فعله الخليلُ عليه السلام {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} الذي أمرك بدعوة الخلقِ إليه وأعرضَ عن قَبول الحق بعد ما عاين من الحِكم والمواعظ والعبر {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} إليه بذلك، وهو تعليلٌ لما ذُكر من الأمرين والمعنى والله تعالى أعلم اسلُكْ في الدعوة والمناظرةِ الطريقةَ المذكورةَ فإنه تعالى هو أعلمُ بحال من لا يرعوي عن الضلال بموجب استعدادِه المكتسَب وبحال من يصير أمرُه إلى الاهتداء لما فيه من خير جليَ، فما شرعه لك في الدعوة هو الذي تقتضيه الحكمةُ فإنه كافٍ في هداية المهتدين وإزالةِ عذر الضالّين أو ما عليك إلا ما ذكر من الدعوة والمجادلةِ بالأحسن، وأما حصولُ الهداية أو الضلال والمجازاةُ عليهما فإلى الله سبحانه إذ هو أعلم بمن يَبقىٰ على الضلال وبمن يهتدي إليه فيجازي كلاًّ منهما بما يستحقة. وتقديمُ الضالين لما أن مساقَ الكلامِ لهم، وإيرادُ الضلال بصيغة الفعلِ الدالِّ على الحدوث لما أنه تغيـيرٌ لفطرة الله التي فطر الناسَ عليها وإعراضٌ عن الدعوة وذلك أمرٌ عارضٌ بخلاف الاهتداء الذي هو عبارةٌ عن الثبات على الفطرة والجرَيانِ على موجب الدعوةِ، ولذلك جيء به على صيغة الاسمِ المنبىءِ عن الثبات، وتكريرُ (هو أعلمُ) للتأكيد والإشعارِ بتبايُنِ حالِ المعلومَين ومآلهما من العقاب والثواب. وبعد ما أمره عليه الصلاة والسلام فيما يختص به من شأن الدعوةِ بما أمره به من الوجه اللائق عقّبه بخطاب شاملٍ له ولمن شايعه فيما يعم الكل فقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} أي إن أردتم المعاقبةَ على طريقة قول الطبـيبِ للمَحْميِّ: إن أكلتَ فكلْ قليلاً {فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} أي بمثل ما فُعل بكم، وقد عبّر عنه بالعقاب على طريقة إطلاقِ اسمِ المسبَّبِ على السبب نحوُ كما تَدين تُدان أو على نهج المشاكلةِ، والمقصودُ إيجابُ مراعاةِ العدل مع مَنْ يناصبُهم من غير تجاوزٍ حين ما آل الجِدالُ إلى القتال وأدّى النزاعُ إلى القِراع، فإن الدعوةَ المأمورَ بها لا تكاد تنفك عن ذلك، كيف لا وهي موجبةٌ لصرف الوجوهِ عن القُبل المعبودةِ وإدخالِ الأعناق في قِلادة غيرِ معهودة قاضيةٍ عليهم بفساد ما يأتون وما يذرون وبطلانِ دينٍ استمرَّ عليه آباؤهم الأولون وقد ضاقت عليهم الحيلُ وعيّت بهم العِللُ وسُدّت عليهم طرقُ المُحاجّة والمناظرة وأُرتجتْ دونهم أبوابُ المباحثةِ والمحاورة. وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام لما رأى حمزةَ رضي الله عنه يوم أُحد قد مُثّل به قال: « حديث : لئن أظفَرني الله بهم لأمثّلنّ بسبعين مكانك » تفسير : فنزلت، فكفّر عن يمينه وكف عما أراده، وقرىء وإن عَقّبتم فعقِّبوا أي وإن قَفَّيْتم بالانتصار فقفّوا بمثل ما فُعل بكم غيرَ متجاوزين عنه، والأمرُ وإن دل على إباحة المماثلة في المُثْلة من غير تجاوزٍ لكن في تقيـيده بقوله: وإن عاقبتم حثٌّ على العفو تعريضاً، وقد صرّح به على الوجه الآكد فقيل: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ} أي عن المعاقبة بالمثل {لَهُوَ} أي لَصَبرُكم ذلك {خَيْرٌ} لكم من الانتصار بالمعاقبة، وإنما قيل: {لّلصَّـٰبِرينَ} مدحاً لهم وثناءً عليهم بالصبر أو وصفاً لهم بصفة تحصل لهم عند تركِ المعاقبةِ، ويجوز عَودُ الضميرِ إلى مطلق الصبرِ المدلولِ عليه بالفعل فيدخُل فيه صبرُهم كدخول أنفسِهم في جنس الصابرين دخولاً أولياً، ثم أُمر عليه الصلاة والسلام صريحاً بما ندَب إليه غيرَه تعريضاً من الصبر لأنه أولى الناس بعزائم الأمورِ لزيادة علمِه بشؤونه سبحانه ووفورِ وثوقِه به فقيل:

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} [الآية: 125]. حدثنا على بن الحسن الحافظ، حدثنا أحمد بن الحسين دبيس المقرى، حدثنا أحمد ابن زياد، حدثنا أسود بن سالم، حدثنى عبد الرحمن بن يزيد الزراد، حدثنا محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: أُمِرنَا معاشرَ الأنبياءِ أن نكلم الناس على قدر عقولهم. قال بعضهم: خاطب كلا على قدره والموعظة الحسنة فيها ترغيب وترهيب. وقيل: الموعظة الحسنة ما اتعظت بها أولاً ثم أمرت. سئل بعضهم: لم قدم الله تعالى الحكمة؟ فقال: لأن الحكمة إصابة القول باللسان، وإصابة الفكرة بالجنَان وإصابة الحركة بالأركان وأن تكلم بكلام بحكمة، وأن تفكر بفكر بحكمة. قال جعفر: الدعوة بالحكمة أن يدعوه من الله إلى الله بالله، والموعظة الحسنة أن يرى الخلق فى أسر القدرة فيشكر من أجاب ويعذر من أبَى. سمعت عبد الله الرازى يقول: سمعت أبا عثمان يقول: لا يكون الرجل حكيمًا حتى يكون حكيمًا فى أفعاله، حكيمًا فى أقواله، حكيمًا فى أحواله، فإنه يقال له ناطق بالحكمة، ولا يقال له حكيمًا. قوله عز وجل: {وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الآية: 125]. قال هى التى ليس فيها من حظوظ النفس شىء، ولا ترى أنه الممتنع من قبول الموعظة فتغضب عليه، إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله: فلا ينجع فيه قولك: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} الموفقين الذين شرحت صدورهم بقبول ما أثبت به.

القشيري

تفسير : الدعاءُ إلى سبيل الله بحثِّ الناسِ على طاعةِ الله، وزجرهم عن مخالفة أمر الله. والدعاءُ بالحكمة ألا يخالفَ بالفعل ما يأمر به الناس بالنطق. والموعظة الحسنة ما يكون صادراً عن علمٍ وصوابٍ، ولا يكون فيها تعنيف. {وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: بالحجة الأقوى، والطريقة الأوضح. قال تعالى: {أية : وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}تفسير : [هود: 88]: فَشَرْطُ الأمرِ بالمعروف استعمالُ ما تأمر به، والانتهاء عما تنهي عنه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ادع} الناس يا افضل الرسل من سبيل الشيطان {الى سبيل ربك} وهو الاسلام الموصل الى الجنة والزلفى. قال حضرة الشيخ العطار قدس سره شعر : نورا او جون اصل موجودات بود ذات او جون معطى هرذات بود واجب آمد دعوة هر دوجهانش دعوت ذرات بيدا ونهانش تفسير : واعلم ان كل عين من الاعيان الموجودة مستند الى اسم من الاسماء الالهية واصل من طريق ذلك الاسم الى الله الذى له احدية جميع الاسماء. لا يقال فما فائدة الدعوة حينئذ. لانا نقول الدعوة من المضل الى الهادى ومن الجائر الى العدل {بالحكمة} بالحجة القطعية المفيدة للعقائد الحقة المزيحة لشبهة من دعى اليها فهى لدعوة خواص الامة الطالبين للحقائق {والموعظة الحسنة} اى الدلائل الاقناعية والحكايات النافعة فهى لدعوة عوامهم. يقال وعظه يعظه وعظا وعظة وموعظة ذكره ما يلين قلبه من الثواب والعقاب فاتعظ كما فى القاموس {وجادلهم بالتى هى احسن} اى ناظر معانديهم بالطريقة التى هى احسن طرق المناظرة والمجادلة من الرفق واللين واختيار الوجه الايسر واستعمال المقدمات المشهورة تسكينا لشغبهم واطفاء للهبهم كما فعله الخليل عليه السلام. والآية دليل على ان المناظرة والمجادلة فى العلم جائزة اذا قصد بها اظهار الحق. قال الشيخ السمرقندى فى تفسيره فى هذه الآية تنبيه على المدعو الى الحق فرق ثلاث. فان المدعو الى الله بالحكمة قوم وهم الخواص. وبالموعظة قوم وهم العوام. وبالمجادلة قوم وهم اهل الجدال وهم طائفة ذووا كياسة تميزوا بها عن العوام ولكنها ناقصة مدنسة بصفات رديئة من خبث وعناد وتعصب ولجاج وتقليد ضال تمنعهم عن ادراك الحق وتهلكهم فان الكياسة الناقصة شر من البلاهة بكثير الم تسمع ان اكثر اهل الجنة البله فليستعمل كل منها مع يناسبها فانه لو استعمل الحكمة للعوام لم يفد شيئا حيث لم يفهموها لسوء بلادتهم وعدم فطنتهم شعر : نكته كفتن بيش كزفهمان زحكمت بى كمان جوهرى جنداز جواهر ريختن بيش خراست تفسير : وفى المثنوى شعر : كى توان باشيعه كفتن از عمر كى توان بربط زدن دربيش كر تفسير : وان استعمل الجدال مع اهل الحكمة تنفرو منه تنفر الرجل من الارضاع بلبن الطفل. وفى التأويلات النجمية قوله {ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} اشارة الى ان دعاء العوام الى سبيل ربك وهو الجنة بالحكمة وهو الخوف والرجاء لانهم يدعون ربهم خوفا من النار وطمعا فى الجنة والموعظة الحسنة هى الرفق والمداراة ولين الكلام والتعريض دون التصريح وفى الخلا دون الملا فان النصح على الملا تقريع شعر : كر نصيحت كنى بخلوت كن كه جزا اين شيوه نصيحت نيست هر نصيحت كه بر ملا باشد آن نصيحت بجز فضيحت نيست تفسير : ودعاء الخواص الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وهى ان تحبب الله اليهم وتوفر دواعيهم فى الطلب وترشدهم وتهديهم الى صراط الله وتسلكهم فيه وتكون لهم دليلا وسراجا منيرا الى ان يصلوا فى متابعتك وتزكيتك اياهم الى مراتب المقربيت {وجادلهم بالتى هى احسن} لكل طائفة منها فجادل اهل النفاق واغلظ عليهم جادل اهل الوفاق باللطف والرحمة واخفض جناحك للمؤمنين واعف عنهم واستغفر لهم. وقال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه فى كتابه المسمى باللائحات البرقيات بالحكمة اى بالبصيرة على رعاية المناسبة فى مقتضيات الاحوال والمقامات بالتليين والتخفيف والتعريض فى مقاماتها والتغليظ والتشديد والتصريح فى مقاماتها ونحو ذلك من المناسبات الحكمية الجالبة للمصالح والسالبة للمفاسد والموعظة الحسنة اى المتضمنة للحسنات والمشتملة على الترغيبات والمتناولة للترهيبات والجالبة للقلوب الى المحبوبات والسالبة للنفوس عن المقبوحات وغير ذلك مما يختص ويليق بالموعظة الحسنة التى هى الموعظة بالحق والعلم الكامل والعقل والتام لا الموعظة بالنفس والجهل والحمق فان تلك الموعظة انما هى بالبصيرة الشاملة الصحيحة وهذه الموعظة انما هى بالغفلة العامة الفاسدة وفى الحقيقة الموعظة الحسنة هى الموعظة الجامعة لجوامع الكلم وجادلهم بالتى اى بالمجادلة التى هى احسن وهى المجادلة الحقانية التى تكون بالرفق واللين والصفح والعفو والسمح والكلام بقدر العقول والنظر الى عواقب الامور والصبر والتأنى والتحمل والحلم وغير ذلك من خواص المجادلة التى هى احسن مثل كون المراد منها اظهار الحق وبيان الصدق لمن خالف الحق والصدق بكمال الاعراض عن جميع الاغراض والاعراض وتمام الترحم للمخالفين المعاندين الضالين عن سبيل الحق والصدق والجاهلين الغافلين السائرين الى سبيل الباطل والكذب وما سوى ذلك من الخواص واللوازم {ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله} [بآنكس كه كمراه شد ازراه حق كه اسلامست] واعرض عن قبول الحق بعدما عاين من الحكم والمواعظ والعبر {وهو اعلم بالمهتدين} بذلك اى ما عليك الا ما ذكر من الدعوة والتبليغ والمجادلة بالاحسن واما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فلا عليك بل الله اعلم بالضالين والمهتدين فيجازى كلا منهم بما يستحقه فكأنه قيل ان ربك اعلم بهم فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل والنصيحة اليسيرة ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل وكأنك تضرب منه فى حديد بارد: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : توان باك كردن ززنك آينه وليكن نيايد زسنك آينه تفسير : وقال الحافظ شعر : كوهر باك ببايدكه شود قابل فيض ورنه هرسنك وكلى لؤلؤ ومرجان نشود تفسير : واعلم ان الناس ثلاثة اصناف. صنف مقطوع بحسن خاتمتهم مطلقا كالانبياء عليهم السلام والعشر المبشرة. وصنف مقطوع بسوء عاقبتهم كأبى جهل وقارون وهامان وفرعون وغيرهم ممن قطع بسوء خاتمتهم مطلقا. وصنف مشكوك فى حسن خاتمتهم مطلقا كعامة المؤمنين الابرار وكافة الكافرين الفجار فان الابرار كانوا ممدوحين فى ظاهر الشريعة من جهة العقائد والاعمال فى الحال والفجار كانوا مذمومين فى ظاهر الشريعة من تلك الجهة فى الحال لكن امرهم فى المآل مفوض الى الله تعالى والله يعلم المفسد من المصلح ومميز بينهما فى الآخرة والعاقبة فكم من ولى فى الظاهر يعود عدو الله ووليا للشيطان نعوذ بالله لكون ضلاله ذاتيا قد تداخله الاهتداء العارضى فاستترت ظلمته بصورة نور الاهتداء كاستتار ظلمة الليل بنور النهار عند ابلاج الليل فى النهار وكم من عدو وفى الظاهر يعود وليا لله وعدو للشيطان لكون اهتدائه اصليا قد تداخله الضلال العارضى فاستتر نوره بظلمة الضلال كاسستار نور النهار بظلمة الليل عند ايلاج النهار فى الليل فكما لا ينفع الاول الاهتداء العارضى ويكون غايته الى الهالك كذلك لا يضر هذا الثانى الضلال العارضى ويكون خاتمته الى النجاة وعن ابى اسحاق رحمه الله تعالى قال كان رجل يكثر الجلوس الينا ونصف وجهه مغطى فقلت له انك تكثر الجلوس الينا ونصف وجهك مغطى اطلعنى على هذا قال وتعطينى الامان قلت نعم قال كنت نباشا فدفنت امرأة فاتيت قبرها فنبشت حتى وصلت الى اللبن فرفعت اللبن ثم ضربت بيدى الى الرداء ثم ضربت بيدى الى اللفافة فمددتها فجعلت تمدها هى فقلت أتراها تغلبنى فجثيت على ركبتى فجردت اللفافة فرفعت يدها فلطمتنى وكشفت وجهه فاذا أثر خمس اصابع فى وجهه فقلت له ثم ماذا قال ثم رددت عليها لفافتها وازارها ثم رددت التراب وجعلت على نفسى ان لا انبش ما عشت قال فكتبت بذلك الى الاوزاعى فكتب الىّ الاوزاعى ويحك اسأله عمن مات من اهل التوحيد ووجهه الى القبلة فسألته عن ذلك فقال اكثرهم حول وجهه عن القبلة فكتبت بذلك الى الاوزاعى فكتب الىّ انا الله وانا اليه راجعون ثلاث مرات اما من حول وجهه عن القبلة فانه مات على غير السنة اى على غير ملة الاسلام وذلك لان ترك العمل بالكتاب والسنة والاصرار على المعاصى يجر كثير من العصاة الى الموت على الكفر والعياذ بالله: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : عروسى بود توبت ما تمت كرت نيك روزى بودى خاتمت تفسير : نسأل الله سبحانه ان يحفظ نور ايماننا وشمع اعتقادنا من صرصر الزوال ويثبت اقدامنا بالقول الثابت فى جميع الاوقات وعلى كل حال.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ادْعُ} يا محمد الناسَ {إلى سبيل ربك}؛ إلى طريقه الموصل إليه، وهو: الإسلام والإيمان، والإحسان؛ لمن قدر عليه، {بالحكمة}؛ بسياسة النبوة، أو بالمقالة المحكمة، وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهة، {والموعظة الحسنة}؛ مواعظ القرآن ورقائقه، أو الخطابات المقنعة والعبر النافعة، {وجادلهم} أي: جادل معاندتهم {بالتي هي أحسن}؛ بالطرق التي هي أحسن طرق المجادلة؛ من الرفق واللين، وإيثار الوجه الأيسر، والمقدمات التي هي أشهر؛ فإن ذلك أنفع في تليين لهبهم، وتبيين شغبهم، فالأولى: لدعوة خواص الأمة الطالبين للحق. والثانية: لدعوة عوامهم، والثالثة: لدعوة معاندهم. قال ابن جزي: الحكمة هي: الكلام الذي يظهر جوابه، والموعظة: هي: الترغيب والترهيب. والجدال هو: الرد على الخصم. وهذه الأشياء الثلاثة يسميها أهل العلوم العقلية بالبرهان والخطابة والجدل، وهذه الآية تقتضي مهادنة نُسخت بالسيف. وقيل: إن الدعاء بهذه الطريقة، من التلطف والرفق، غير منسوخ، وإنما السيف لمن لا تنفعه هذه الموعظة من الكفار، وأما العصاة فهي في حقهم مُحكمة إلى يوم القيامة باتفاق. هـ. {إِنَّ ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} أي: إنما عليك البلاغ والدعوة. وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فليس من شأنك، بل الله أعلم بالضالين والمهتدين، وهو المجازي للجميع. الإشارة: الدعاء بالحكمة هو الدعاء بالهمة والحال، يكون من أهل الحق والتحقيق؛ لأهل الصدق والتصديق. والدعاء بالموعظة الحسنة هو الدعاء بالمقال من طريق الترغيب والتشويق، يكون لأهل التردد في سلوك الطريق. والدعاء بالمجادلة الحسنة هو الدعاء بالوعظ والتذكير. وذِكْرُ بيانِ الطريق، وفضيلة علم التحقيق، يكون لأهل الإنكار؛ إن وصلوا إلى أهل التحقيق. والحاصل: أن الدعاء بالحكمة؛ لأهل المحبة والتصديق. والدعاء بالموعظة: لأهل التردد في الطريق. والدعاء بالمجادلة: لأهل الإنكار؛ حتى يعرفوا الحق من الباطل. وإن شئت قلت: الدعاء بالحكمة هو للعارفين الكبار، والدعاء بالموعظة الحسنة هو لأهل الوعظ والتذكار من الصالحين الأبرار، والدعاء بالمجادلة الحسنة هو للعلماء الأخيار. وقد تجتمع في واحد؛ إن جمع بين الظاهر والباطن. والله تعالى أعلم. ولما أمره بالدعوة العامة أمره بالصبر العام؛ لأن الدعوة لا تنفك عن الأذى، فيحتاج صاحبها إلى صبر كبير. ولما أمره بالدعوة العامة أمره بالصبر العام

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وإِسماعيل عن نافع {ضيق} بكسر الضاد. الباقون بفتحها، فمن فتح اراد {ضيق} فخفف مثل سيد وسيد، وميت وميت وهين وهين. ويجوز ان يكون أراد جمع ضيقة كما قال الشاعر: شعر : كشف الضيقة عنا وفسح تفسير : ومن كسر يجوز أن يجعله لغتين، ويجوز أن يكون الضَيق إِسماً والضِيق مصدراً والاختيار ان يقال: الضِيق في المكان والمنزل، والضَيق في غير ذلك، فان كان كذلك "فالاختيار ولا تك في ضَيق" لأنه تعالى لم يرد ضيق المعيشة، ولا ضيق المنزله. وأصل {ولا تك} ولا تكن، فاستثقلوا الضمة على الواو فنقلوها إِلى الكاف، فالتقى ساكنان: الواو، والنون؛ فحذفوا الواو؛ لالتقاء الساكنين، ومن حذف النون أيضاً، فلان النون ضارعت حروف المدّ واللين، وكثر استعمال (كان يكون) فحذفوها كذلك ألا ترى أنك تقول: لم يكونا. والأصل يكونان فأسقطوا النون بالجزم وشبهوا لم يك في حذف النون بلم يكونا. أمر الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعو عباده المكلفين بالحكمة، وهو أن يدعوهم إِلى أفعالهم الحسنة التي لها مدخل في استحقاق المدح والثواب عليها، لأن القبائح يزجر عنها، ولا يدعو اليها، والمباح لا يدعو إِلى فعله، لأنه عبث، وإِنما يدعو إِلى ما هو واجب أو ندب، لانه يستحق بفعله المدح والثواب، والحكمة هي المعرفة بمراتب الافعال في الحسن والقبح والصلاح والفساد. وقيل لها: حكمة، لانها بمنزلة المانع من الفساد، وما لا ينبغي أن يختار، والاصل المنع كما قال جرير: شعر : أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إِني أخاف عليكم أن أغضبا تفسير : أي امنعوهم من السفه، والفرق بين الحكمة والعقل: أن العاقل هو العاقد على ما يمنع من الفساد، والحكيم هو العارف بما يمنع من الفساد، والحكمة مشتركة بين المعرفة وبين العقل المستقيم، لان كل واحد منهما ممتنع من الفساد عارٍ منه. والقديم تعالى لم يزل حكيماً بمعني لم يزل عالماً، ولا يجوز لم يزل حكيما فيما يستحق لاجل الفعل المستقيم، وكل حكمة يكون بتركها مضيعاً لحق النعمة يجب على المكلف طلبها. معرفة كانت أو فعلا. والموعظة الحسنة. معناه الوعظ الحسن وهو الصرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه والتزهيد في فعله. وفي ذلك تليين القلوب بما يوجب الخشوع. وقيل: ان الحكمة النبوة. والموعظة القرآن {وجادلهم بالتي هي أحسن} فالجدال فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج {بالتي هي أحسن} وفيه الرفق والوقار والسكينة مع نصرة الحق بالحجة. ثم أخبر {إن ربك} يا محمد {أعلم بمن ضل عن سبيله} بأن عدل عنها و {أعلم} من غيره بمن اهتدى اليها وليس عليك غير الدعاء. وقوله {وإن عاقبتم فعاقبوا} قيل: في سبب نزول هذه الآية قولان: احدهما - ان المشركين لما مثَّلوا بقتلى أُحُد. قال المسلمون: متى اظهرنا الله عليهم لنمثلن بهم اعظم مما مثلوا بنا. ذكره الشعبي وقتادة وعطاء. الثاني - قال مجاهد وابن سيرين وابراهيم: انه في كل ظالم بغصب او نحوه. فإِنما يجازى بمثل ما عمل. وقيل: إِن هذه الآية منسوخة بآية القتال، لان هذا قبل ان يؤمروا بالجهاد ثم قال {ولئن صبرتم} اي إِن تركتم المجازاة والقصاص وتجرعتم مرارته {لهو خير للصابرين} في العاقبة. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته معه {واصبر} يا محمد وليس صبرك {إِلا بالله} اي إِلا بتوفيق الله وإِقداره وترغيبه فيه {ولا تحزن عليهم} يعني على المشركين، لإِعراضهم عنك. وقيل المراد لا تحزن على قتلى أُحُد لما اعطاهم الله من الخير {ولا تك في ضيق مما يمكرون} اي لا يكن صدرك ضيقا مما يمكر به المشرك من الخديعة وغيرها، وما فعلوا بقتلى أُحُد من المثلى {إِن الله مع الذين اتقوا} معاصيه خوفاً من عقابه، بالنصر لهم والتأييد، ومع {الذين هم محسنون} في افعالهم، غير فاعلين للقبائح يقذف في قلوب اعدائهم الرعب، خوفاً من رسول الله وسراياه

الجنابذي

تفسير : {ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ} كلام منقطع عن سابقه ولذلك لم يأت باداة الوصل والمراد بسبيل الرّبّ دين الاسلام او اعظم اركانه وهو الولاية {بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الحكمة مفسّرة بالتّشبّه بالآله علماً وعملاً بمعنى الاطّلاع على دقائق العلوم الّتى يعجر عن مثلها البشر والقدرة على دقائق الاعمال الّتى يعجز عن مثلها امثاله وبالفارسيّة "خورده بينى وخورده كارى" وهو شأن الولاية والمراد بها ههنا الدّعوة من طريق الباطن بالتّصرّف فى المدعوّ بحسب استعداده ومن طريق الظّاهر بحسب اقتضاء حاله اظهار المعجزات واعلامه بالخواطر والخيالات ليصرفه بذلك الى الحقّ، والموعظة الحسنة هى اظهار ما كان نافعاً للمدعوّ ليطلبه وما كان ضارّاً ليجتنبه بحيث يرى المدعوّ انّ الدّاعى ناصحٌ له وطالب لخيره وهو شأن النّبوّة، والمجادلة الحسنة هى الزام الخصم بالحجّة والبرهان او بما هو مسلمّ عنده مذعن له سواء وافقه البرهان ام لا؛ هكذا اشير الى تفسير المجادلة فى الاخبار فهى اعمّ ممّا اصطلح عليه المنطقيّون وهى شأن الرّسالة فانّ الرّسول (ص) مأمور باقحام الخلق فى الدّين ولو بالسّيف، ولمّا كان الرّسول (ص) صاحب الشّؤن الثّلاثة والخلق على طبقات ثلاثٍ مستعدّ لتصرّف الولىّ (ع) وقابل لنصح النّبىّ (ص) ومعاند محتاج الى الالزام ولكلّ شخصٍ يتصوّر احوال صاحب تلك الطّبقات امر الله تعالى النّبىّ (ص) بالدّعوات الثّلاث والمجادلة الغير الحسنة كما فى الاخبار ان تجحد حقّاً يدّعيه الخصم او تلقّى باطلاً عليه لالزامه وتضعف عن مقاومته بالحجّة فتجادله وبضعفك تجرّئه على اهل دينك وتضعف قلوب المسلمين وعقائدهم {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} يعنى انّك مأمور بالدّعوة العامّة فلا تتوان فى الدّعوة تفكّراً فى انّها تنفع ام لا.

الأعقم

تفسير : {ادع إلى سبيل ربك} إلى الاسلام {بالحكمة} المقالة المحكمة الصحيحة وهي الدليل الواضح إلى الحق المزيل للشبهة {والموعظة الحسنة} وهي التي لا تخفى عليهم إنك تناصحهم، وقيل: أراد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة {وجادلهم بالتي هي أحسن} بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف {إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} فلا يخفى عليه شيء {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} روي أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحُد، فروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم ما تركوا أحداً غير مثلوا به إلاَّ حنظلة بن الراهب، فوقف رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على حمزة وقد مثلوا به فقال: "حديث : أما والذي أحْلف به لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك" تفسير : فنزلت الآية فكفّر عن يمينه وكفّ عما أراده، ولا خلاف في تحريم المثلة وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى الكلب العقور {واصبر} أنت يا محمد {وما صبرك إلا بالله} أي توفيقه وتثبته وربطه على قلبه {ولا تحزن عليهم} أي على الكافرين كقوله: {فلا تأس على القوم الكافرين} {ولا تك في ضيق مما يمكرون} وقرئ بكسر الضاد أي لا يضيق صدرك من مكرهم {إن الله مع الذين اتقوا} أي ولي الذين اجتنبوا المعاصي {و} ولي {الذين هم محسنون} في أعمالهم.

الهواري

تفسير : قوله: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} أي: إلى الهدى وهو الطريق إلى الجنة. { بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ} أي: بالقرآن { وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يأمرهم بما أمرهم الله به وينهاهم عما نهاهم الله عنه { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي: عن طريق الهدى { وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} أي: أنهم مشركون ضالّون وأن محمداً وأصحابه مؤمنون مهتدون. قوله: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ}. ذكر ابن عباس قال: مثل المشركون بحمزة يوم أحد، وقطعوا مذاكيره [فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم جزع جزعاً شديداً فأمر به فغطى ببردة كانت عليه، فمدّها على وجهه ورأسه، وجُعِل على رجليه إذ خر] ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا مثّلن بثلاثين من قريش تفسير : فأنزل الله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لَّلصَّابِرِينَ}.

اطفيش

تفسير : {ادْعُ} الناس وكل من بعثت إِليه وحذف المفعول إِيذانا بالعموم {إِلى سبيلِ رَبِّكَ} دينه {بِالْحِكْمَةِ} المقالة المحكمة المزيحة للشبهة الموضحة للحق من كلام الله أو من كلامك وقيل هى القرآن، وقيل النبوة والرسالة والصحيح الأَول والذى هو أولى بالدعاء بالحكمة من كمل عقله وصح وطلب الأَشياء على حقيقتها فهم المتبعون بالدلائل القاطعة والنافعون بها، كما ظهر فى خواص الصحابة {وَالْمَوْعِظَةِ} القول الرقيق المقنع مطلقاً أو مواعظ القرآن المرغبة المرهبة {الْحَسَنَةِ} التى لا يخفى أنك تنصحهم بها لظهور حسنها ونفعها والذى هو أولى بالدعاء بها ذو النظر السليم وهو غالب الناس وعامتهم الذين لم يبلغوا حد الكمال ولم يكونوا لحد النقصان، وقيل المراد بالحكمة والموعظة الحسنة القرآن كأّنه قيل ادع بالقرآن الجامع للحكمة والموعظة الحسنة، {وَجَادِلْهُم بِالَّتِى} أى بالقولة أو بالخصلة أو بالمجادلة أو بالطريقة التى {هِىَ أَحْسَنُ} أفضل طرق الجدال بأَن تكون جامعة للرفق واللين مشتملة على الوجه الأَيسر والمقدمات التى هى أشهر فإِن ذلك هو المؤثر: فى المعاند وذلك كالحجج العقلية وقيل الدعاء إِلى الله سبحانه بآياته وحججه والذى هو أولى بالجدال بالتى هى أحسن من هو معاند مجادل مخاصم وذلك نزل بمكة، قيل ونسخ بآية السيف من حيث إِنها أمر بالاختصار على الدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتى هى أحسن والصحيح أن لا نسخ فى ذلك فإِنه أمر حسن يتمسك به قبل الأمر بالقتال وبعده {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} أى فسبيل ذلك الضال أى السبيل المأْمور به ذلك الضال وسبيل ربك وهو الظاهر المتبادر فربك هو المعاقب له، {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} فهو المثيب لهم فليست الإِثابة والعقاب إِليك إِنما عليك أن لا تقصر فى الدعاء إِلى سبيل ربك فمن كان فيه خير كفاه الوعظ ولو قليلا ومن لا خير فيهِ عجزت عنهِ الحيل حتى أن دعاءك لهُ فى عدم التأْثير كالضرب فى حديد بارد وأعلم فى الموضعين اسم تفضيل على بابهِ فإِن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد يحصل لهُ علم أيضاً لو خارج عن بابهِ أى عالم، ومعنى كونِهِ أعلم بمن ضل وبالمهتدى أنهُ أعلم بمن ضل ضلالة لا يرجع عنها وبمن يهتدى بعد ضلالتهِ أو من أول الأَمر أو أنهُ أعلم بمن ضل منك لأَنك قد تحسب أحدا ضالا من جهة كذا، والله سبحانهُ يعلمهُ ضالا منها ومن غيرها وبالمهتدى لأَنك قد تحسبهُ مهتدياً من جهة والله يعلمه منها ومن غيرها أو تحسبهُ مهتدياً والله يعلمهُ أنهُ غير مهتد، ولما رأى المسلمون ما فعل المشركون من المثلة بقتلى أحد ولم يتركوا ميتاً إلا مثلوا بِهِ غير حنظلة بن أبى عمر والراهب لأَن أباه عمر وكان مع المشركين"حديث : ورأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما فعلوا بعمِه حمزة. قالوا: إِن أظهرنا الله عليهم لنزيدن على ما فعلوا أو لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب، وقال ـ صلى الله عليه وسلم لأُمثلن بسبعين منهم مكان حمزة. فأَنزل الله عز وجل: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}."

اطفيش

تفسير : {ادْعُ} يا محمد الناس كلهم {إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ} دينه، ولا يهمك مخالفة اليهود والنصارى وقريش، وقد نسخ السبت بالأحد، ونسخ الأحد بالجمعة، ولا سبت ولا أحد بعد بعثتك، بل الجمعة على الكل والقرآن لا التوراة ولا الإنجيل إلا ما لم يخالف القرآن. {بِالْحِكْمَةِ} القرآن أو الدلائل القطعية، ومنه القرآن وهو أصلها، فإنه قول موضح للحق كما قيل: الحكمة الدليل الموضح المزيل للشبهة، كما قال أبو حيان: الحكمة الكلام الصواب القريب، الواقع فى النفس أجمل موقع وهو حق لا إشكال فيه، وما قيل: إن الحكمة إتقان العمل، وإتقان العمل غير معروف، بل هى إتقان العلم وضد السفه، ووضع الأشياء فى مواضعها، وقيل: الحكمة هنا النبوة والرسالة. {وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} الخطاب المقنع ولو بما هو ظنى عند المخاطب يتوصل به إلى القطعى، أو هى الترغيب والترهيب على وجه يتبيَّن به أنك تريد نفعهم، والنصح لهم، أو الرفق بترقيق القول، ويقال هنا: ثلاثة الكاملون علما وعقلا وبصيرة، يدعوهم بالحكمة وهى: الحجج القطعية يدركونها، وينفعون الناس بها، وينتفعون، وأصحاب النظر السليم، وهم الغالب، وهم دون هؤلاء يدعوهم بالموعظة الحسنة. القسم الثالث أصحاب جدال وعناد، وفيهم قوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالّتِى} بالمجادلة التى، أو بالطريق التى {هِىَ أَحْسَنُ}، وهى ما فوق الموعظة فى الشدة، ودون الحجج التى لا يدركونها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم" تفسير : ومن هذا قول العلماء: كلم الإنسان على قدر عقله، لتسلم منه، ويسلم منك، فيجادل المعاندين فى رفق بمقدمات تسهل لهم، ويقبح عندهم إنكارها، وأحسن باق على التفصيل، ويجوز خروجه بمعنى جادلهم بما هو حسن، ولا تقابلهم بمثل ما يفعلون من الاحتيالات الفاسدة القبيحة، فإما أن يؤمنوا، وإما أن لا يزيد شرهم. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} المراد الحصر فى الموضعين، فإن علم الخلق كلهم دون علمه، وكل ما علمت يا محمد من أحوال قومك، فإن الله أعلم به منك، فلا تقلق وما عليك إلا ما يطابق علمك منهم، ويجوز الخروج عن التفضيل، أى ربك عالم بهم، وهو مجازيهم، وهو مولاك ومولى لهم فى الخير، ولا بد من الحصر، فإنه تعالى عالم لا غير عالم، واسم الرب لمزيد اللطف به صلى الله عليه وسلم تذكير الإحسان، فكما أحسن الله إليك فيما مضى يحسن إليك فى المستقبل بالنصر والجزاء والستر. والخطاب تلويح بعد الكفار عن مقام اللطف، وذكر فى الكفار ضل بصيغة الفعل إشارة إلى أنهم غيَّروا الفطرة، كل مولود يولد على الفطرة، بدَّلوها بالكفر، وذكر فى المؤمنين لفظ المهتدين، وهو اسم للدلالة على أنهم استمروا على الفطرة، ولو فصلها كفر لأنهم رجعوا إليها، واستمروا، وربما كانت فيهم ولم تفصل بالكلية حتى رجعوها، وقوم من ضل على المهتدين، لأن الكلام وارد فيهم، وعليك البلاغ، وقد بلغت وإليه هو المجازى، ولا تلح عليهم بعد مرة إبلاغ أو مرتين، وليس عليك الهدى، بل الله هو الهادى، ولما نزل القتال وقتل حمزة، ومُثِّل به بقطع أنفه وأذنيه، وذكره وأنثييه، وثقب بطنه ثقبا واسعاً، أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستقيد منهم سبعين ويمثل بهم، فأنزل الله عز وجل قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ} إلخ وأعتق عن يمينه، والآية دلت على أن حكم الجماعة للقاتلين حكم القاتل منهم، لأنه قاتل بهم، فكأنهم قاتولن، كما قال عمر رضى الله عنه فى امرأة قتلت فى اليمن: لو تمالأ عليها أهل صنعاء لقتلتهم، فجاز للنبى صلى الله عليه وسلم أن يمثّل بقتيل من المشركين، ولو لم يكن هو الذى قتل حمزة ومثّل به، والقتال فى المدينة، فالآيات الثلات مدنيات، جعلهن فى سورة مكية، وهى محكمة، وهو الصحيح. وقيل: نزلت فى مكة مطلقة لا فى شأن حمزة فتكون تمهيداً له، ويعترض بأنه يحتاج إلى مناسبة لذكرها هنا. وعن ابن عباس: أباح الله له صلى الله عليه وسلم أن يقاتل من قاتله، بل أوجب، ولا يبدأ بالقتال، ثم نسخ إلى البدء بالقتال، وحمزة رضى الله عنه أكبر منه صلى الله عليه وسلم بعامين، وأشار بأن إلى أن الأصل عدم المعاقبة، إذ لم يقل: وإذا عاقبتم، والفعل مستعمل فى الإرادة. والمعنى وإن أردتم معاقبة من أساء إليكم، والفعل مستعمل فى معناه الظاهر، وفى إرادته وفى الاقتصار عليه كقوله تعالى: "أية : وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه" تفسير : [الأنعام: 119] أى ألا تنتصروا على الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وكلوا مما ذكر اسم الله عليه، أى اقتصروا على الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وفى تأثيره كقوله: "أية : ولكن الله رمى"تفسير : [الأنفال: 17] أى أوصله وآثره، وقوله تعالى: "أية : إنَّما تُنذر مَن اتَّبع الذكر" تفسير : [يس: 11] أى يؤثر إنذارك وفى المشاكلة المشابهة كقوله: {ما عوقبتم به} فإن الإساءة أولا ليست معاقبة، ولكن تشابهها صورة فهو استعارة للشبه الصورى، ومشاكلة لما معه من قوله: عاقبتم وعاقبوا، وذلك من تسمية السبب باسم المسبب. وفيه تلويح باستبعاد الإساءة حتى إنه من شأنها أن لا تكون، وإنما تكون المعاقبة، وقوله: هو عائد إلى المصدر المعلوم من صبرتم، كأنه قيل للصبر والسلام للابتداء، وقعت فى جواب القسم المقدم على الشرك، أى والله لئن صبرتم. ومعنى كونه خيراً للصابرين أنه منفعة لهم للثواب فى الآخرة والنصر فى الدنيا، والثناء الحسن، وقطع مادة المتنة والسوء، أو خير اسم تفضيل، أى هو أفضل لهم لذلك من الانتقام، وأنه تلويح بأن من شأن النفس أن لا تصبر، فلم يقل: وإذا صبرتم فهو والله خير للصابرين، وبعد ما فضل الصبر قال: واصبر بالأمر البدنى، بل الواجبى فى حقه صلى الله عليه وسلم، لأن الانتقام فى حق الأنبياء مما يعد ذنباً. {وَمَا صَبْرُكَ إلاّ بِاللهِ} بتوفيقه، فلم يقتل بعد ذلك سبعين انتقاما، بل الله كسائر جهاده، ولم يمثل بواحد توفيقا من الله سبحانه له، وقد أكد للصبر فى حقنا أيضاً بالقسم، ولفظ هو وخير والتعبير بأن، ووضع الظاهر موضع المضمر إذ لم يقل لهو خير لكم. {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} حزن على عدم إيمان الكفار مع شدة إيذائهم له، وعنادهم لشدة حبه لدين الله وإنفاذه، ورسوخ الرحمة كما خير فى إهلاكهم فأبى وقال: أرجو أن يؤمن منهم مؤمن أو يلد مؤمنا، فقال الله: "أية : لعلك باخع" تفسير : [الشعراء: 3] إلخ ونحو ذلك أمراً له أن يتسلى عنهم، أو على بمعنى اللام، وقيل: لا تحزن على قتلى أحد من المسلمين، وفيه تفكيك الضمائر، فإن الضمير فى قوله تعالى: {وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقِ مِمَّا يَمْكُرُونَ} للكفار لا بقتل أحد من المسلمين، وهذا من جملة تسليته صلى الله عليه وسلم فى شأن عمه حمزة، ووعد بالنصر، ومقتضى الظاهر، ولا يكن فيك أى فى صدرك ضيق من كيدهم، فغلب الكلام لنكتة هى أنه إِذا اشتد الهم أحاط بالمهتم إحاطة الظرف بالمظروف، وما مصدرية، ولا حاجة إلى جعلها اسماً بمعنى من مكرٍ يمكرونه، أو المكر الذى يمكرونه وهو مصدر، ويجوز أن يكون وصفاً مشدداً لوسط مخفف.

الالوسي

تفسير : {ٱدْعُ} أي من بعثت إليهم من الأمة قاطبة فحذف المفعول دلالة على التعميم، وجوز أن يكون المراد افعل الدعوة تنزيلاً له منزلة اللازم للقصد إلى إيجاد نفس الفعل إشعاراً بأن عموم الدعوة غني عن البيان وإنما المقصود الأمر بإيجادها على وجه مخصوص. وتعقب بأن ذلك لا يناسب المقام كما لا يناسب قوله تعالى: {وَجَـٰدِلْهُم }. {إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ } إلى الإسلام الذي عبر عنه تارة بالصراط المستقيم وأخرى بملة إبراهيم عليه السلام، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير النبـي صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. {بِٱلْحِكْمَةِ } بالمقالة المحكمة وهي الحجة القطعية المزيحة للشبه؛ وقريب من هذا ما في «البحر» أنها الكلام الصواب الواقع من النفس أجمع موقع {وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } وهي الخطابات المقنعة والعبر النافعة التي لا يخفى عليهم إنك تناصحهم بها. {وَجَـٰدِلْهُم } ناظر معانديهم {بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } بالطريقة التي هي أحسن طرق المناظرة والمجادلة من الرفق واللين واختيار الوجه الأيسر واستعمال المقدمات المشهورة تسكيناً لشغبهم وإطفاءً للهبهم كما فعله الخليل عليه السلام. واستدل ـ كما قيل ـ أرباب المعقول بالآية على أن المعتبر في الدعوة من بين الصناعات الخمس إنما هو البرهان والخطابة والجدل حيث اقتصر في الآية على ما يشير إليها، وإنما تفاوتت طرق دعوته عليه الصلاة والسلام لتفاوت مراتب الناس، فمنهم خواص وهم أصحاب نفوس مشرقة قوية الاستعداد لإدراك المعاني قوية الانجذاب إلى المبادي العالية مائلة إلى تحصيل اليقين على اختلاف مراتبه وهؤلاء يدعون بالحكمة بالمعنى السابق. ومنهم عوام أصحاب نفوس كدرة ضعيفة الاستعداد شديدة الألف بالمحسوسات قوية التعلق بالرسوم والعادات قاصرة عن درجة البرهان لكن لا عناد عندهم وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة بالمعنى المتقدم. ومنهم من يعاند ويجادل بالباطل ليدحض به الحق لما غلب عليه من تقليد الأسلاف ورسخ فيه من العقائد الباطلة فصار بحيث لا تنفعه المواعظ والعبر بل لا بد من إلقامه الحجر بأحسن طرق الجدال لتلين عريكته وتزول شكيمته وهؤلاء الذين أمر صلى الله عليه وسلم بجدالهم بالتي هي أحسن، وإنما لم تعتبر المغالطة والشعر لأن فائدة المغالطة تغليط الخصم والاحتراز عن تغليطه إياه ومرتبة الرسول عليه الصلاة والسلام تنافي أن يغلط وتتعالى أن يغلط، والشعر وإن كان مفيداً للخواص والعوام فإن الناس في باب الإقدام والإحجام أطوع للتخييل منهم للتصديق إلا أن مداره على الكذب ومن ثمة قيل: الشعر أكذبه أعذبه فلا يليق بالصادق المصدوق كما يشهد به قوله تعالى: {أية : وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشّعْرَ وَمَا يَنبَغِى لَهُ } تفسير : [يس: 69] لا يقال: الشعر الذي هو أحد الصناعات قياس مؤلف من مقدمات مخيلة والشعر الذي مداره على الكذب هو الكلام الموزون المقفى وهو الذي نفى تعليمه عنه صلى الله عليه وسلم لما قيل: كون الشعر مذموماً ليس لكونه كلاماً موزوناً مقفى بل لاشتماله على تخيلات كاذبة فهما من واد واحد ذكر ذلك بعض المتأخرين. وقد ذهب/ غير واحد إلى أن فيها إشارة إلى تفاوت مراتب المدعوين إلا أنه خالف في بعض ما تقدم، ففي «الكشف» بعد أن ذكر أن كلام الزمخشري يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ينبغي أن يجمع في الدعوة بين الثلاث فيكون الكلام في نفسه حسن التأليف منتجاً لما علق به من الغرض ومع ذلك مقصوداً به المناصحة لمن خوطب به ويكون المتكلم حسن الخلق في ذلك معلماً ناصحاً شفيقاً رفيقاً ما نصه: والأحسن على ما ذهب إليه المحققون أنه تعميم للدعوة حسب مراتب المدعوين في الفهم والاستعداد، فمن دعي بلسان الحكمة ليفاد اليقين العياني أو البرهاني هم السابقون، ومن دعي بالموعظة الحسنة وهي الإقناعات الحكمية لا الخطابات المشهورة طائفة دون هؤلاء، ومن دعي بالمجادلة الحسنة هم عموم أهل الإسلام والكفار أيضاً اهـ، ولا أرى ما يوجب نفي أن يكون المراد بالموعظة الحسنة الخطابات المشهورة، وكونها مركبة من مقدمات مظنونة أو مقبولة من شخص معتقد فيه ولا يليق بالنبـي صلى الله عليه وسلم استعمال الظنيات أو أخذ كلام الغير والدعوة به هو الموجب لذلك لا يخفى ما فيه فتدبر. وذكر الإحسائي رئيس الفرقة الظاهرة في زماننا المسماة بالكشفية في كتابه «شرح الفوائد» ما محصله أن المدعوين من المكلفين ثلاثة أنواع، وكذا الأدلة التي أشارت إليها الآية فإن كانوا من الحكماء العقلاء والعلماء النبلاء فدعوتهم إلى الحق الذي يريده الله تعالى منهم من معرفته بدليل الحكمة وهو الدليل الذوقي العياني الذي يلزم منه العلم الضروري بالمستدل عليه لأنه نوع من المعاينة كقولنا في رد من زعم أن حقائق الأشياء كانت كامنة في ذاته تعالى بنحو أشرف ثم أفاضها إنه لا بد وأن يكون لذاته سبحانه قبل الإفاضة حال مغاير لما بعدها سواء كان التغير في نفس الذات أو فيما هو في الذات فإن حصل التغير في الذات لزم حدوثها وإن حصل فيما هو في الذات ـ أعني حقائق الأشياء الكامنة ـ لزم أن تكون الذات محلاً للمتغير المختلف ويلزم من ذلك حدوثها. وكقولنا في إثبات أنه سبحانه أظهر من كل شيء: إن كل أثر يشابه صفة مؤثرة وأنه قائم بفعله قيام صدور كالأشعة بالنيرات والكلام بالمتكلم، فالأشياء هي ظهور الواجب بها لها لأنه سبحانه لا يظهر بذاته وإلا لاختلفت حالتاه، ولا يكون شيء أشد ظهوراً من الظاهر في ظهوره لأن الظاهر أظهر من ظهوره وإن كان لا يمكن التوصل إلى معرفته إلا بظهوره مثل القيام فإن القائم أظهر في القيام من القيام والقاعد أظهر في القعود من القعود وإن كان لا يمكن التوصل إلى معرفتهما إلا بالقيام والقعود فتقول: يا قائم ويا قاعد، والمعنى لك إنما هو القائم والقاعد لا القيام والقعود لأنه بظهوره لك بذلك غيب عليك مشاهدته وإن التفت إليه احتجب عنك القائم والقاعد، وهو آلة لمعرفة المعارف الحقية كالتوحيد وما يلحق به، ومستنده الفؤاد وهو نور الله تعالى المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى»تفسير : والنقل من الكتاب والسنة، وشرطه الذي يتوقف عليه فتح باب النور ثلاثة أشياء: أحدها أن تنصف ربك وتقبل منه سبحانه قوله ولا تتبع شهوة نفسك. وثانيها أن تقف عند بيانك وتبينك وتبيينك على قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤلاً} تفسير : [الإسراء: 36] وثالثها أن تنظر في تلك الأحوال أعني البيان وما بعده بعينه تعالى وهي العين التي هي وصف نفسه لك أعني وجودك من حيث كونه أثراً ونوراً لا بعينك التي هي أنت من حيث ـ إنك أنت ـ أنت فإنك لا تعرف بهذه العين إلا الحادثات المحتاجة الفانية. وإن كانوا من العلماء ذوي الألباب وأرباب القلوب فدعوتهم إلى الحق الذي يريده سبحانه منهم من اليقين الحقيقي في اعتقاداتهم بدليل الموعظة الحسنة وهي الدليل العقلي اليقيني الذي يلزم منه اليقين في الإيمان به/ سبحانه وبغيره مما أمرهم بالإيمان به وهو آلة لعلم الطريقة وتهذيب الأخلاق وعلم اليقين والتقوى، وهذه العلوم وإن كانت قد تستفاد من غيره ولكن بدون ملاحظته لا يوقف على اليقين والاطمئنان الذي هو أصل علم الأخلاق، ومستنده القلب والنقل، وشرط صحته والانتفاع به اتصاف عقلك به بأن تلزم ما ألزمك به ولا تظلمه وهو كقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } تفسير : [فصلت: 52] وقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأحقاف: 10] إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. وإن كانوا من العلماء أصحاب الرسوم كالمتكلمين ونظائرهم فدعوتهم إلى الحق الذي يريده سبحانه منهم من اليقين الرسمي بمقتضى طبيعتهم القاصرة بدليل المجادلة بالتي هي أحسن وهي الدليل العلمي القطعي الذي يلزم منه العلم فيما ذكر وهو آلة لعلم الشريعة، ومستنده العلم والنقل، وشرطه إنصاف الخصم بأن يقيمه على النحو المقرر في علم الميزان، وقد ذكره العلماء في كتبهم الأصولية والفروعية بل لا يكاد يسمع منهم غير هذا الدليل وهو محل المناقشات والمعارضات، وأما الدليلان الأولان فليس فيهما مناقشة ولا معارضة فإذا اعترض عليهما معترض فقد اعترض فيهما بغيرهما اهـ المراد منه وهو كما ترى، وإنما ذكرته لتعلم حال المرؤوس من حال الرئيس، ولقد رأيت مشايخ هذه الطائفة يتكلمون بما هو كشوك القنافذ ويحسبونه كريش الطواويس، وجوز أن يراد بالحكمة والموعظة الحسنة القرآن المجيد فإنه جامع لكلا الأمرين فكأنه قيل: ادع بالقرآن الذي هو حكمة وموعظة حسنة وقيل غير ذلك، ومنه أن الحكمة النبوة وليس من الحكمة، وفسر بعضهم المجادلة الحسنة بالإعراض عن أذاهم وادعى أن الآية منسوخة بآية السيف، والجمهور على أنها محكمة وأن معنى الآية ما تقدم، ولكون الحكمة أعلى الدلائل وأشرافها والمدعوين به الكاملين الطالبين للمعارف الإلهية والعلوم الحقيقية وقليل ما هم جيء بها أولاً، ولكون الجدل أدنى الدلائل إذ ليس المقصود منه سوى إلزام الخصم وإفحامه ولا يستعمل إلا مع الناقصين الذين تغلب عليهم المشاغبة والمخاصمة وليسوا بصدد تحصيل هاتيك العلوم ذكر أخيراً، ولكون الموعظة الحسنة دون الحجة وفوق الجدل والمدعوين بها المتوسطين الذين لم يبلغوا في الكمال حد الحكماء المحققين ولم يكونوا في النقصان بمرتبة أولئك المشاغبين وسطت بين الأمرين، وكأنه إنما لم يقل: ادع إلى سبيل بالحكمة والموعظة والجدال الأحسن لما أن الجدال ليس من باب الدعوة بل المقصود منه غرض آخر مغاير لها وهو الإلزام والإفحام كما قاله الإمام فليفهم. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ } الذي أمرك بدعوة الخلق إليه وأعرض عن قبوله. {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} إليه وهو تعليل لما ذكر أولاً من الأمرين كأنه قيل: اسلك في الدعوة والمناظرة الطريقة المذكورة وما عليك غير ذلك وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فإلى الله سبحانه لا إلى غيره إذ هو أعلم بمن يبقى على الضلال وبمن يهتدي إليه فيجازي كلاً منهما ما يستحقه كذا قيل. واعترض بأن دلالة الآية على المجازاة مسلمة وأما أن حصول الهداية والضلالة ليس لغيره تعالى فالآية لا تدل عليه أصلاً. وأجيب بأنه إذا انحصر علم الهداية والضلالة فيه تعالى علم أنه لا يكون لغيره سبحانه علمهما فكيف يكون له حصولهما فالقول بعدم دلالة الآية على ذلك غير سديد، وقيل: المعنى اسلك في الدعوة والمناظرة الطريقة المذكورة فإنه تعالى هو أعلم بحال من لا يرعوي عن الضلال لسوء اختياره وبحال من يصير أمره إلى الاهتداء لما فيه من الخير فما شرعه لك في الدعوة هو الذي تقتضيه الحكمة فإنه كاف في هداية المهتدين وإزالة/ عذر الضالين، وقيل: المعنى إنما عليك البلاغ فلا تلح عليهم أن أبوا بعد الإبلاغ مرة أو مرتين مثلاً فإن ربك هو أعلم بهم فمن كان فيه خير كفته النصيحة اليسيرة ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل، وتقديم الضالين لأن الكلام فيهم، وإيراد الضلال بصيغة الفعل الدال على الحدوث لما أنه تغيير لفطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها وإعراض عن الدعوة وذلك أمر عارض بخلاف الاهتداء الذي هو عبارة عن الثبات على الفطرة والجريان على موجب الدعوة ولذلك جيء به على صيغة الاسم المنبـىء عن الثبات، وجملة {هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} قيل: عطف على جملة {إِنَّ رَبَّكَ } الخ أو على خبر إن وتكرير {هُوَ أَعْلَمُ } للتأكيد والإشعار بتباين حال المعلومين ومآلهما من العقاب والثواب وهو في الجملة الأولى ضمير فصل للتخصيص كما هو ظاهر كلام البعض أو للتقوية كما قيل، ولا يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من اللطافة.

ابن عاشور

تفسير : {ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ}. يتنزل معنى هذه الآية منزلة البيان لقوله:{أية : أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} تفسير : [سورة النحل: 123] فإن المراد بما أوحي إليه من اتّباع ملّة إبراهيم هو دين الإسلام، ودين الإسلام مبنيّ على قواعد الحنيفية، فلا جرم كان الرسول بدعوته الناس إلى الإسلام داعياً إلى اتّباع ملّة إبراهيم. ومخاطبة الله رسوله بهذا الأمر في حين أنه داع إلى الإسلام وموافق لأصول ملّة إبراهيم دليل على أن صيغة الأمر مستعملة في طلب الدّوام على الدعوة الإسلامية مع ما انضمّ إلى ذلك من الهداية إلى طرائق الدعوة إلى الدين. فتضمّنت هذه الآية تثبيت الرسول على الدعوة وأن لا يؤيسه قول المشركين له {أية : إنما أنت مفتر} تفسير : [سورة النحل: 101] وقولهم: {أية : إنما يعلّمه بشر} تفسير : [سورة النحل: 103]؛ وأن لا يصدّه عن الدعوة أنه تعالى لا يهدي الذين لا يؤمنون بآيات الله. ذلك أن المشركين لم يتركوا حيلة يحسبونها تثبّط النبي عن دعوته إلا ألقوا بها إليه من: تصريح بالتكذيب، واستسخار، وتهديد، وبذاءة، واختلاق، وبهتان، كما ذلك محكي في تضاعيف القرآن وفي هذه السورة، لأنهم يجهلون مراتب أهل الاصطفاء ويزنونهم بمعيار موازين نفوسهم، فحسبوا ما يأتونه من الخزعبلات مثبطاً له وموشكاً لأن يصرفه عن دعوتهم. وسبيل الربّ: طريقهُ. وهو مجاز لكل عمل من شأنه أن يبلّغ عاملَه إلى رضى الله تعالى، لأن العمل الذي يحصل لعامله غرض ما يُشبهِ الطريقَ الموصل إلى مكان مقصود، فلذلك يستعار اسم السبيل لسبب الشيء. قال القرطبي: إن هذه الآية نزلت بمكّة في وقت الأمر بمهادنة قريش، أي في مدّة صُلح الحديبية. وحكى الواحدي عن ابن عباس: أنها نزلت عقِب غزوة أُحد لما أحزن النبي منظرُ المُثلة بحمزة رضي الله عنه وقال: لأقتلنّ مكانه سبعين رجلاً منهم. وهذا يقتضي أن الآية مدنية. ولا أحسب ما ذكراه صحيحاً. ولعلّ الذي غَرّ مَن رواه قوله: {أية : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}تفسير : [النحل: 126] كما سيأتي، بل موقع الآية متّصل بما قبله غير محتاج إلى إيجاد سبب نزول. وإضافة {سبيل} إلى {ربك} باعتبار أن الله أرشد إليه وأمر بالتزامه. وهذه الإضافة تجريد للاستعارة. وصار هذا المركب علماً بالغلبة على دين الإسلام، كما في قوله تعالى: {أية : إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله} تفسير : [سورة الأنفال: 36]، وهو المراد هنا، وفي قوله عقبه {أية : إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} تفسير : [سورة النحل: 125]. ويطلق سبيل الله علماً بالغلبة أيضاً على نصرة الدين بالقتال كما في قوله تعالى: {أية : وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} تفسير : [سورة التوبة: 41]. والباء في قوله: {بالحكمة} للملابسة، كالباء في قول العرب للمعرّس: بالرفاء والبنين، بتقدير: أعرست، يدل عليه المقام، وهي إما متعلقة بــــ {ادع}، أو في موضع الحال من ضمير {ادع}. وحذف مفعول {ادع} لقصد التعميم، أو لأن الفعل نزل منزلة اللازم، لأن المقصود الدوام على الدعوة لا بيان المدعوين، لأن ذلك أمر معلوم من حال الدعوة. ومعنى الملابسة يقتضي أن لا تخلو دعوته إلى سبيل الله عن هاتين الخصلتين: الحكمة، والموعظة الحسنة. فالحكمة: هي المعرفة المُحكمة، أي الصائبة المجرّدة عن الخطأ، فلا تطلق الحكمة إلا على المعرفة الخالصة عن شوائب الأخطاء وبقايا الجهل في تعليم الناس وفي تهذيبهم. ولذلك عرّفوا الحكمة بأنها: معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية بحيث لا تلتبس على صاحبها الحقائق المتشابهة بعضها ببعض ولا تخطىء في العلل والأسباب. وهي اسم جامع لكل كلام أو علم يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم إصلاحاً مستمراً لا يتغيّر. وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : يؤتي الحكمة من يشاء} تفسير : في سورة البقرة (269) مفصّلاً فانظره. وتطلق الحكمة على العلوم الحاصلة للأنبياء، ويرادفها الحكم. والموعظة: القول الذي يلين نفس المقول له لعمل الخير. وهي أخصّ من الحكمة لأنها حكمة في أسلوب خاص لإلقائها. وتقدمت عند قوله تعالى: {أية : فأعرض عنهم وعظهم} تفسير : في سورة النساء (63). وعند قوله: {أية : موعظة وتفصيلاً لكل شيء} تفسير : في سورة الأعراف (145). ووصفها بالحُسْن تحريض على أن تكون ليّنة مقبولة عند الناس، أي حسنة في جنسها، وإنما تتفاضل الأجناس بتفاضل الصفات المقصودة منها. وعطف {الموعظة} على «الحكمة» لأنها تغاير الحكمة بالعُموم والخصوص الوجهي، فإنه قد يسلك بالموعظة مسلك الإقناع، فمن الموعظة حكمة، ومنها خطابة، ومنها جدل. وهي من حيث ماهيّتها بينها وبين الحكمة العموم والخصوص من وجه، ولكن المقصود بها ما لا يخرج عن الحكمة والموعظة الحسنة بقرينة تغيير الأسلوب، إذ لم يعطف مصدر المجادلة على الحكمة والموعظة بأن يقال: والمجادلة بالتي هي أحسن، بل جيء بفعلها، تنبيهاً على أن المقصود تقييد الإذن فيها بأن تكون بالتي هي أحسن، كما قال: {أية : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} تفسير : [سورة العنكبوت: 46]. والمجادلة: الاحتجاج لتصويب رأي وإبطال ما يخالفه أو عمل كذلك. ولما كان ما لقيه النبي من أذى المشركين قد يبعثه على الغلظة عليهم في المجادلة أمره الله بأن يجادلهم بالتي هي أحسن. وتقدمت قريباً عند قوله: {أية : تجادل عن نفسها} تفسير : [سورة النحل: 111]. وتقدمت من قبل عند قوله: {أية : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم}تفسير : في سورة النساء (107). والمعنى: إذا ألجأتك الدعوة إلى محاجّة المشركين فحاججهم بالتي هي أحسن. والمفضل عليه المحاجّة الصادرة منهم، فإن المجادلة تقتضي صدور الفعل من الجانبين، فعلم أن المأمور به أن تكون المحاجّة الصادرة منه أشدّ حسناً من المحاجّة الصادرة منهم، كقوله تعالى: {أية : ادفع بالتي هن أحسن} تفسير : [سورة المؤمنون: 96]. ولما كانت المجادلة لا تكون إلا مع المعارضين صرّح في المجادلة بضمير جمع الغائبين المراد منه المشركون، فإن المشركين متفاوتون في كيفيات محاجتهم، فمنهم من يحاجّ بلين، مثل ما في الحديث: أن النبي قرأ القرآن على الوليد بن المغيرة ثم قال له: هل ترى بما أقول بأساً قال: لا والدماء. وقرأ النبي القرآن على عبد الله بن أُبيّ ابن سَلول في مجلس قومه، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إن كان ما تقول حقاً فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدّثه إيّاه ومن لم يأتك فلا تغتّه ولا تأته في مجلسه بما يكره منه. وتصدّي المشركين لمجادلة النبي تكرّر غير مرّة. ومن ذلك ما روي عن ابن عباس: أنه لما نزل قوله تعالى: {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} تفسير : [سورة الأنبياء: 98] الآية، حديث : قال عبد الله الزِّبَعْرَى: لأخصُمَنّ محمداً، فجاءه فقال: يا محمد قد عُبد عيسى، وعُبدتِ الملائكة فهل هم حصب لجهنّم؟ فقال النبي: اقرأ ما بعدُ {إن الذين سبقت لهم منّا الحسنى أولئك عنها مبعدون} [سورة الأنبياء: 101]تفسير : . أخرجه ابن المنذر وابن مردويه والطبراني، وأبو داود في كتاب الناسخ والمنسوخ. وقُيدت الموعظة بالحسنة ولم تقيد الحكمة بمثل ذلك لأن الموعظة لما كان المقصود منها غالباً ردع نفس الموعوظ عن أعماله السيئة أو عن توقّع ذلك منه، كانت مظّنة لصدور غلظة من الواعظ ولحصول انكسار في نفس الموعوظ، أرشد الله رسوله أن يتوخّى في الموعظة أن تكون حسنة، أي بِإلانَة القول وترغيب الموعوظ في الخير، قال تعالى خطاباً لموسى وهارون: {أية : اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليّناً لعلّه يتذكّر أو يخشى} تفسير : [سورة طه: 43 - 44] وفي حديث الترمذي عن العرباض بن سارية أنه قال: وعظَنا رسولُ الله موعظة وجِلَت منها القلوب وذَرَفَتْ منها العيون الحديث. وأما الحكمة فهي تعليم لمتطلبي الكمال من معلّم يهتمّ بتعليم طلابه فلا تكون إلا في حالة حسنة فلا حاجة إلى التنبيه على أن تكون حسنة. والمجادلة لما كانت محاجة في فعل أو رأي لقصد الإقناع بوجه الحقّ فيه فهي لا تعدو أن تكون من الحكمة أو من الموعظة، ولكنها جعلت قسيماً لهما هنا بالنظر إلى الغرض الداعي إليها. وإذ قد كانت مجادلة النبي لهم من ذيول الدعوة وُصفت بالتي هي أحسن كما وصفت الموعظة بالحسنة. وقد كان المشركون يجادلون النبي قصداً لإفحامه، وتمويهاً لتغليطه نبّه الله على أسلوب مجادلة النبي إيّاهم استكمالاً لآداب وسائل الدعوة كلها. فالضمير في {وجادلهم} عائد إلى المشركين بقرينة المقام لظهور أن المسلمين لا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم ولكن يتلقّون منه تلقّي المستفيد والمسترشد. وهذا موجب تغيير الأسلوب بالنسبة إلى المجادلة إذ لم يقل: والمجادلةِ الحسنة، بل قال: {وجادلهم}، وقال تعالى أيضاً: {أية : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} تفسير : [سورة العنكبوت: 46]. ويندرج في التي هي أحسن ردّ تكذيبهم بكلام غير صريح في إبطال قولهم من الكلام الموجّه، مثل قوله تعالى {أية : وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} تفسير : [سورة سبأ: 24]، وقوله: {أية : وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون} تفسير : [سورة الحج: 68 - 69]. والآية تقتضي أن القرآن مشتمل على هذه الطرق الثلاثة من أساليب الدعوة، وأن الرسول إذا دعا الناس بغير القرآن من خطبه ومواعظه وإرشاده يسلك معهم هذه الطرق الثلاثة. وذلك كله بحسب ما يقتضيه المقام من معاني الكلام ومن أحوال المخاطبين من خاصّة وعامّة. وليس المقصود لزوم كون الكلام الواحد مشتملاً على هذه الأحوال الثلاثة؛ بل قد يكون الكلام حكمة مشتملاً على غِلظة ووعيد وخالياً عن المجادلة. وقد يكون مجادلة غير موعظة، كقوله تعالى: ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرّم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض. وكقول النبي صلى الله عليه وسلمحديث : إنك لتأكل المِرباع وهو حرام في دينكتفسير : ، قاله لعديّ بن حاتم وهو نصراني قبلَ إسلامه. ومن الإعجاز العلمي في القرآن أن هذه الآية جمعت أصول الاستدلال العقلي الحقّ، وهي البرهان والخطابة والجَدل المعبّر عنها في علم المنطق بالصناعات وهي المقبولة من الصناعات. وأما السفسطة والشعر فيَرْبَأُ عنهما الحكماء الصادقون بله الأنبياء والمرسلين. قال فخر الدين: إن الدعوة إلى المذهب والمقالةِ لا بدّ من أن تكون مبنيّة على حُجّة. والمقصود من ذكر الحجّة إما تقرير ذلك المذهب وذلك الاعتقاد في قلوب السامعين، وإما إلزام الخصم وإفحامُه. أما القسم الأول فينقسم إلى قسمين لأن تلك الحجّة إما أن تكون حُجّة حقيقية يقينية مبرأة من احتمال النقيض، وإما أن لا تكون كذلك بل تكون مفيدة ظناً ظاهراً وإقناعاً، فظهر انحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة: أولها: الحجّة المفيدة للعقائد اليقينية وذلك هو المسمّى بالحكمة. وثانيها: الأمارات الظنّية وهي الموعظة الحسنة. وثالثها: الدلائل التي القصد منها إفحام الخصم وذلك هو الجَدل. وهو على قسمين، لأنه: إما أن يكون مركّباً من مقدّمات مسلّمة عند الجمهور وهو الجدل الواقع على الوجه الأحسن، وإما أن يكون مركّباً من مقدّمات باطلة يحاول قائلها ترويجها على المستمعين بالحيل الباطلة. وهذا لا يليق بأهل الفضل» ا هــــ. وهذا هو المدعو في المنطق بالسفسطة، ومنه المقدمات الشعرية وهي سفسطة مزوّقة. والآية جامعة لأقسام الحجّة الحقّ جمعاً لمواقع أنواعها في طرق الدعوة، ولكن على وجه التّداخل، لا على وجه التباين والتقسيم كما هو مصطلح المنطقيين، فإن الحجج الاصطلاحية عندهم بعضها قسيم لبعض، فالنسبة بينها التبايُن. أما طرق الدعوة الإسلامية فالنسبة بينها العموم والخصوص المطلق أو الوجهي. وتفصيله يخرج بنا إلى تطويل، وذهنك في تفكيكها غير كليل. فإلى الحكمة ترجع صناعة البرهان لأنه يتألف من المقدمات اليقينية وهي حقائق ثابتة تقتضي حصول معرفة الأشياء على ما هي عليه. وإلى الموعظة ترجع صناعة الخطابة لأن الخطابة تتألف من مقدّمات ظنّية لأنها مراعى فيها ما يغلب عند أهل العقول المعتادة. وكفى بالمقبولات العادية موعظة. ومثالها من القرآن قوله تعالى {أية : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا} تفسير : [سورة النساء: 22] فقوله: {ومقتاً} أشار إلى أنّهم كانوا إذا فعلوه في الجاهلية يُسمونه نكاح المَقت، فأجري عليه هذا الوصف لأنه مُقنع بأنه فاحشة، فهو استدلال خطابي. وأما الجدل فما يورد في المناظرات والحجاج من الأدّلة المسلّمة بين المتحاجَيْن أو من الأدّلة المشهورة، فأطلق اسم الجدل على الاستدلال الذي يروج في خصوص المجادلة ولا يلتحق بمرتبة الحكمة. وقد يكون مما يُقبل مثله في الموعظة لو ألقي في غير حال المجادلة. وسمّاه حكماء الإسلام جدلاً تقريباً للمعنى الذي يطلق عليه في اللغة اليونانية. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}. هذه الجملة تعليل للأمر بالاستمرار على الدّعوة بعد الإعلام بأن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله، وبعد وصف أحوال تكذيبهم وعنادهم. فلما كان التّحريض بعد ذلك على استدامة الدعوة إلى الدين محتاجاً لبيان الحكمة في ذلك بيّنت الحكمة بأن الله هو أعلم بمصير الناس وليس ذلك لِغير الله من الناس فما عليك إلا البلاغ، أي فلا تيْأس من هدايتهم ولا تتجاوز إلى حدّ الحزن على عدم اهتدائهم لأن العلم بمن يهتدي ومن يضلّ موكول إلى الله وإنما عليك التبليغ في كل حال. وهذا قول فصل بين فريق الحقّ وفريق الباطل. وقُدم العلم بمن ضَلّ لأنه المقصود من التعليل لأن دعوتهم أوكد والإرشاد إلى اللّين في جانبهم بالموعظة الحسنة والمجادلة الحسنى أهمّ، ثم أتبع ذلك بالعلم بالمهتدين على وجه التكميل. وفيه إيماء إلى أنه لا يدري أن يكون بعض من أيس من إيمانه قد شرح الله صدره للإسلام بعد اليأس منه. وتأكيد الخبر بضمير الفصل للاهتمام به. وأما {إنّ} فهي في مقام التعليل ليست إلا لمجرّد الاهتمام، وهي قائمة مقام فاء التفريع على ما أوضحه عبد القاهر في دلائل الإعجاز؛ فإن إفادتها التأكيد هنا مستغنى عنها بوجود ضمير الفصل في الجملة المفيدة لقصر الصّفة على الموصوف، فإن القصر تأكيد على تأكيد. وإعادة ضمير الفصل في قوله: {وهو أعلم بالمهتدين} للتّنصيص على تقوية هذا الخبر لأنه لو قيل: وأعلمُ بالمهتدين، لاحتمل أن يكون معطوفاً على جملة {هو أعلم بمن ضل} على أنه خبر (لإنّ) غيرُ داخل في حيّز التقوية بضمير الفصل، فأعيد ضمير الفصل لدفع هذا الاحتمال. ولم يقل: وبالمهتدين، تصريحاً بالعلم في جانبهم ليكون صريحاً في تعلّق العلم به. وهذان القصران إضافيان، أي ربّك أعلم بالضّالين والمهتدين، لا هؤلاء الذين يظنّون أنهم مهتدون وأنكم ضالون. والتفضيل في قوله: {هو أعلم} تفضيل على علم غيره بذلك. فإنه علم متفاوت بحسب تفاوت العالمين في معرفة الحقائق. وفي هذا التفضيل إيماء إلى وجوب طلب كمال العلم بالهدى، وتمييز الحقّ من الباطل، وغوص النظر في ذلك، وتجنّب التسرّع في الحكم دون قوة ظنّ بالحقّ، والحذر من تغلّب تيارات الأهواء حتى لا تنعكس الحقائق ولا تسير العقول في بنَيّات الطرائق، فإن الحقّ باققٍ على الزمان والباطل تكذبه الحجّة والبرهان. والتخلّق بهذه الآية هو أن كل من يقوم مقاماً من مقامات الرسول صلى الله عليه وسلم في إرشاد المسلمين أو سياستهم يجب عليه أن يكون سالكاً للطرائق الثلاث: الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، وإلا كان منصرفاً عن الآداب الإسلامية وغير خليق بما هو فيه من سياسة الأمّة، وأن يخشى أن يعرّض مصالح الأمّة للتلف، فإصلاح الأمّة يتطلّب إبلاغ الحقّ إليها بهذه الوسائل الثلاث. والمجتمعُ الإسلامي لا يخلو عن متعنّت أو مُلَبّس وكلاهما يُلقي في طريق المصلحين شَواكَ الشبه بقصد أو بغير قصد. فسبيل تقويمه هو المجادلة، فتلك أدنى لإقناعه وكشف قناعه. في «الموطأ» أن عمر بن الخطاب ــــ رضي الله عنه ــــ قال في خطبة خطبها في آخر عمره: «أيها الناس قد سُنّت لكم السّنن، وفُرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة، إلا أن تضلّوا بالناس يميناً وشمالاً» وضرب بإحدى يديه على الأخرى. (لعلّه ضرب بيده اليسرى على يده اليمنى الممسكة السيف أو العصا في حال الخطبة). وهذا الضرب علامة على أنه ليس وراء ما ذُكر مطلب للناس في حكم لم يسبق له بيان في الشريعة. وقدم ذكر علمه {بمن ضل عن سبيله} على ذكر علمه {بالمهتدين} لأن المقام تعريض بالوعيد للضالين، ولأن التخلية مقدمة على التحلية، فالوعيد مقدّم على الوعد.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يجادل خصومه بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة: من إيضاح الحق بالرفق واللين. وعن مجاهد {وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} قال: أعرض عن أذاهم. وقد اشار إلى هذا المعنى في قوله: {أية : وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}تفسير : [العنكبوت: 46] أي إلاّ الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجادلهم بالسيف حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. ونظير ما ذكر هنا من المجادلة بالتي هي أحسن: قوله لموسى وهارون في شأن فرعون {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}تفسير : [طه: 44]. ومن ذلك القول اللين: قول موسى له {أية : هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ}تفسير : [النازعات: 18-19]. قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أعلم بمن ضل عن سبيله. أي زاغ عن طريق الصواب والحق، إلى طريق الكفر والضلال. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله (في أول القلم) {أية : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ}تفسير : [القلم: 7-8]، وقوله (في الأنعام): {أية : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ }تفسير : [الأنعام: 117]، وقوله (في النجم): {أية : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ}تفسير : [النجم: 30] والآيات لمثل ذلك كثيرة جداً. والظاهر أن صيغة التفضيل التي هي {أعلم} في هذه الآيات يراد بها مطلق الوصف لا التفضيل. لأن الله لا يشاركه أحد في علم ما يصير إليه خلقه من شقاوة وسعادة. فهي كقول الشنفرى: شعر : وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل تفسير : أي لم أكن بعجلهم. وقول الفرزدق: شعر : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول. تفسير : أي عزيزة طويلة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إلى سبيل ربك: أي إلى طاعته إذ طاعة الله موصلة إلى رضوانه وإنعامه فهي سبيل الله. بالحكمة: أي بالقرآن والمقالة المحكمة الصحيحة ذات الدليل الموضح للحق. والموعظة الحسنة: هي مواعظ القرآن، والقول الرقيق الحسن. وجادلهم بالتي هي أحسن: أي بالمجادلة التي هي أحسن من غيرها. لهو خيرٌ للصابرين: أي خيرٌ من الإِنتقام عاقبةٌ. ولا تك في ضيقٍ مما يمكرون: أي لا تهتم بمكرهم، ولا يضيق صدرك به. مع الذين اتقوا: أي اتقوا الشرك والمعاصي. والذين هم محسنون: أي في طاعة الله، ومعيته تعالى هي نصره وتأييده لهم في الدنيا. معنى الآيات: يخاطب الرب تعالى رسوله تشريفاً وتكليفاً: {ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ} أي إلى دينه وهو الإِسلام سائر الناس، وليكن دعاؤك {بِٱلْحِكْمَةِ} التي هي القرآن الكريم الحكيم {وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} وهي مواعظ القرآن وقصصه وأمثاله، وترغيبه وترهيبه، {وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي خاصمهم بالمخاصمة التي هي أحسن وهي الخالية من السب والشتم والتعريض بالسوء، فإن ذلك أدعى لقبول الخصم الحق وما يدعي إليه، وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} من الناس {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} وسيجزيهم المهتدي بهداه، والضال بضلاله، كما هو أعلم بمن ضل واهتدى أزلاً. فهون على نفسك ولا تشطط في دعوتك فتضر بنفسك، والأمر ليس إليك. بل لربك يهدي من يشاء ويضل من يشاء وما عليك إلا الدعوة بالوصف الذي وصف لك، بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، وقوله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} لا أكثر، {وَلَئِن صَبَرْتُمْ} وتركتم المعاقبة {لَهُوَ} أي صبركم {خَيْرٌ} لكم من المعاقبة على الذنب والجناية، وقوله تعالى: {وَٱصْبِرْ} على ترك ما عزمت عليه أيها الرسول من التمثيل بالمشركين جزاء تمثيلهم بعمك حمزه، فأمره بالصبر ولازمه ترك المعاقبة والتمثيل معاً، وقوله: {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي إلا بتوفيقه وعونه، فكن مع ربك تستمد منه الصبر كما تستمد منه العون والنصر، وقوله تعالى: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي على عدم اهتدائهم إلى الحق والأخذ به والسير في طريقه الذي هو الإسلام {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ} نفسي يؤلمك {مِّمَّا يَمْكُرُونَ} بك فإن الله تعالى كافيك مكرهم وشرهم إنه معك فلا تخف ولا تحزن لأنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأنت منهم. وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} يخبر تعالى رسوله والمؤمنين أنه عز وجل بنصره وتأييده ومعونته وتوفيقه مع الذين اتقوا الشرك والمعاصي فلم يتركوا فرائض دينه، ولم يفشوا محارمه والذين هم محسنون في طاعة ربهم إخلاصاً في النية والقصد، وأداء على نحو ما شرع الله وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الدعوة إلى الله تعالى أي إلى الإِسلام وهو واجب كفائي، إذا قامت به جماعة أجزأ ذلك عنهم. 2- بيان أسلوب الدعوة وهو أن يكون بالكتاب والسنة وأن يكون خالياً من العنف والغلظة والشدة، وأن تكون المجادلة بالتي هي أحسن من غيرها. 3- جواز المعاقبة بالأخذ بقدر ما أخذ من المرء، وتركها صبراً واحتساباً أفضل. 4- معية الله تعالى ثابتة لأهل التقوى والإِحسان، وهي معية نصرٍ وتأييد وتسديد.

القطان

تفسير : ثم ختم الله تعالى هذه السورة المباركة باربع آيات فيها مثال الكمال، وجماع الاخلاق الفاضلة والتسامح والصبر، والحثّ على التحمل، ووعد بأننا اذا تحلّينا بهذه الاخلاق فانه سيكون معنا وينصرنا ويوفقنا. ادعُ يا محمد الى دين ربك بالحكمة، والقول اللطيف بالموعظة الحسنة، وجادل من يخالفك بالتي هي احسن، وان اردتم عقاب من يعتدي عليكم ايها المسلمون فخذوا حقكم بان تعاقبوا بمثل ما فعل بكم، وتأكدوا انكم ان صبرتم وتسامحتم ولم تقتصّوا لانفسكم فإنه خير لكم في الدنيا والآخرة، لما في ذلك من ضبط النفس واستجلاب القلوب. عاقِبوا لأجل الحق، ولا تعاقبوا لأجل انفسكم. ثم يلتفت الخطاب الى رسول الله {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ}. فلا يأخذك الحزن لان الناس كلهم لا يهتدون، فانما عليك واجب اداء الرسالة، اما الهدى والضلال فهما بيد الله، ولا يضيق صدرك من مكرهم وتدبيرهم، فالله كافيك اذاهم، وناصرك عليهم. وقد وفى بوعده. قراءات: قرأ ابن كثير واسماعيل: "في ضيق" بكسر الضاد. والباقون: "في ضيق" بفتح الضاد. ثم تأتي الختمة الحسنة في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}. ان الله مع الذين اتقوا محارمه فاجتنبوها، والذين يحسنون في كل شيء، فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. نسأل الله تعالى ان يجعلنا منهم، وان يوفق هذه الامة الى الاحسان والتقوى والاتحاد، والحمد لله رب العالمين.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَجَادِلْهُمْ} (125) - ادْعُ يَا مُحَمَّدُ قَوْمَكَ إِلَى سُلُوكِ طَرِيقِ اللهِ، طَرِيقِ الحَقِّ الذِي شَرَعَهُ اللهُ لِلنَّاسِ، وَاسْتَعْمِلْ فِي دَعْوَتِكَ مَعْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الوَسِيلَةَ النَاجِعَةَ مَعَهُ، وَالطَّرِيقَةَ المُنَاسِبَةَ، وَجَادِلْ أَهْلَ الكِتَابِ بِالحُجَّةِ وَالقَوْلِ اللَّيِّنِ، وَالعِبَارَةِ الحَسَنَةِ التِي لاَ تَشُوبُهَا قَسْوَةٌ وَلاَ عُنْفٌ، لِيَسْتَمِرَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمُ الحِوَارُ وَالجَدَلُ وَالنِّقَاشُ، فَتَسْتَطِيعَ إِقْنَاعَهُمْ بِصِحَّةِ دَعْوَتِكَ، وَحَمْلَهُمْ عَلَى اتِّبَاعِكَ، وَاتَرْكُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرَهُمْ للهِ، فَهُوَ الذِي يَعْلَمُ مَنْ ضَلَّ فَلاَ يُفِيدُ مَعَهُ جَدَلٌ وَلاَ دَعْوَةٌ، وَهُوَ الذِي يَعْلَمُ مَنْ صَفَتْ نَفُسُهُ، وَسَلِمَ تَفْكِيرُهُ، فَاهْتَدَى وَآمَنَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فبعد أن تحدثتْ الآيات عن النموذج الإيماني الأعلى في الإنسان في شخص أبي الأنبياء إبراهيم، وجعلتْ من أعظم مناقبه أن الله أمر خاتم رسُله باتباعه، أخذتْ في بيان الملامح العامة لمنهج الدعوة إلى الله. قوله: {ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ ..} [النحل: 125]. الحق تبارك وتعالى لا يُوجّه هذا الأمر بالدعوة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم إلا وهو يعلم أنه سيُنفِّذ ما أُمِر به، وسيقوم بأمر الدعوة، ويتحمل مسئوليتها. {ٱدْعُ}: بمعنى دُلَّ الناس وارشدهم. {سَبِيلِ رَبِّكَ} [النحل: 125]. السبيل هو الطريق والمنهج، والحكمة: وَضْع الشيء في موضعه المناسب، ولكن لماذا تحتاج الدعوةُ إلى الله حكمةً؟ لأنك لا تدعو إلى منهج الله إلا مَنِ انحرف عن هذا المنهج، ومَنِ انحرف عن منهج الله تجده أَلِف المعصية وتعوَّد عليها، فلا بُدَّ لك أنْ ترفقَ به لِتُخرجه عما ألف وتقيمه على المنهج الصحيح، فالشدة والعنف في دعوة مثل هذا تنفره، لأنك تجمع عليه شدتين: شدة الدعوة والعنف فيها، وشدة تَرْكه لما أحبَّ وما أَلِفَ من أساليب الحياة، فإذا ما سلكتَ معه مَسْلَك اللِّين والرِّفق، وأحسنت عَرْض الدعوة عليه طاوعك في أنْ يتركَ ما كان عليه من مخالفة المنهج الإلهي. ومعلوم أن النصْح في عمومه ثقيل على النفس، وخاصة في أمور الدين، فإياك أن تُشعِر مَنْ تنصحه أنك أعلم منه أو أفضل منه، إياك أن تواجهه بما فيه من النقص، أو تحرجه أمام الآخرين؛ لأن كل هذه التصرّفات من الداعية لا تأتي إلا بنتيجة عكسية، فهذه الطريقة تثير حفيظته، وربما دَعَتْه إلى المكابرة والعناد. وهذه الطريقة في الدعوة هي المرادة من قوله تعالى: {بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ..} [النحل: 125]. ويُروى في هذا المقام - مقام الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة - قصة دارت بين الحسن والحسين رضي الله عنهما، هذه القصة تجسيدٌ صادق لما ينبغي أنْ يكون عليه الداعية. فيُروى أنهما رَأيَا رجلاً لا يُحسِن الوضوء، وأراد أنْ يُعلِّماه الوضوء الصحيح دون أنْ يجرحَا مشاعره، فما كان منهما إلا أنهما افتعلا خصومة بينهما، كل منهما يقول للآخر: أنت لا تُحسِن أنْ تتوضأ، ثم تحاكما إلى هذا الرجل أنْ يرى كلاً منهما يتوضأ، ثم يحكم: أيهما أفضل من الآخر، وتوضأ كل منهما فأحسن الوضوء، بعدها جاء الحُكْم من الرجل يقول: كل منكما أحسن، وأنا الذي ما أحسنْتُ. إنه الوعظ في أعلى صورة، والقدوة في أحكم ما تكون. مثال آخر للدعوة يضربه لنا الرسول صلى الله عليه وسلم، حينما أتاه شاب في فَوْرة شبابه، يشتكي عدم صَبْره عن رغبة الجنس، وهي - كما قلنا - من أشرس الغرائز في الإنسان. جاء الشاب وقال: "يا رسول الله إئذن لي في الزنا". هكذا تجرأ الشاب ولم يُخْفِ عِلّته، هكذا لجأ إلى الطبيب ليطلب الدواء صراحة، ومعرفة العلة أولَ خَطوات الشفاء. فماذا قال رسول الله؟ انظر إلى منهج الدعوة، كيف يكون، وكيف استلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الداء من نفس هذا الشاب؟ فلم يزجره، ولم ينهره، ولم يُؤذه، بل أخذه وربَّت على كتفه في لطف ولين، ثم قال: "حديث : أتحبه لأمك؟ قال: لا يا رسول الله، جُعِلْتَ فِدَاك. قال: فكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، قال: أَتُحبه لأختكَ؟ قال: لا يا رسول الله جُعِلْتُ فِدَاك، قال: "فكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم". وهكذا حتى ذكر العمة والخالة والزوجة، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده الشريفة على صدر الشاب ودعا له: "اللهم نَقِّ صدره، وحَصِّن فَرْجه" فقام الشاب وأبغض ما يكون إليه أن يزني، وهو يقول: فوالله ما هَمَّتْ نفسي بشيء من هذا، إلا ذكرْتُ أمي وأختي وزوجتي . تفسير : فلنتأمل هذا التلطُّف في بيان الحكم الصحيح، فمعالجة الداءات في المجتمع تحتاج إلى فقه ولباقة ولين وحُسْن تصرف، إننا نرى حتى الكفرة حينما يصنعون دواءً مُرّاً يغلفونه بغُلالة رقيقة حُلْوة المذاق ليستسيغه المريض، ويسهل عليه تناوله. وما أشبه علاج الأبدان بعلاج القلوب في هذه المسألة. ويقول أهل الخبرة في الدعوة إلى الله: النصح ثقيل فلا تُرْسِله جبلاً، ولا تجعله جدلاً .. والحقائق مُرّة فاستعيروا لها خِفّة البيان. وكان صلى الله عليه وسلم إذا سمع عن شيء لا يرضيه من ذنب أو فاحشة في مجتمع الإيمان بالمدينة كان يصعد منبره الشريف، ويقول: "حديث : ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ". تفسير : ويكتفي بالتوجيه العام دون أنْ يجرحَ أحداً من الناس على حَدِّ قولهم في الأمثال: إياك أعني واسمعي يا جاره. ومن ذلك ما كان يلجأ إليه العقلاء في الريف حينما يتعرض أحدٌ للسرقة، أو يضيع منه شيء ذو قيمة، فكانوا يعلنون عن فَقْد الشيء الذي ضاع أو سُرِق ويقول: ليلة كذا بعد غياب القمر سوف نرمي التراب. ومعنى "نرمي التراب" أن يحضر كل منهم كمية من التراب يلقيها أمام بيت صاحب هذا الشيء المفقود، وفي الصباح يبحثون في التراب حتى يعثروا على ما فُقِد منهم، ويصلوا إلى ضالَّتهم دون أنْ يُفتضحَ الأمر، ودون أن يُحرَج أحد، وربما لو واجهوا السارق لأنكر وتعقدت المسألة. وقوله سبحانه: {وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} [النحل: 125]. والجدل مناقشة الحجج في قضية من القضايا، وعلى كُلِّ من الطرفين أنْ يعرضَ حُجّته بالتي هي احسن. أي: في رفق ولين ودون تشنُّج أو غَطْرسة. ويجب عليك في موقف الجدال هذا ألاَّ تُغضِبَ الخصْم، فقد يتمحَّك في كلمة منك، ويأخذها ذريعة للانصراف من هذا المجلس. وقوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]. قد يتساءل البعض: ما علاقة هذا التذييل للآية بموضوع الدعوة إلى الله؟ يريد الحق سبحانه أن يُبيّن لنا حساسية هذه المهمة، وأنها تُبنى على الإخلاص لله في توجيه النصيحة، ولا ينبغي للداعية أبداً أنْ يغُشَّ في دعوته، فيقصد من ورائها شيئاً آخر، وقد تقوم بموعظة وفي نفسه استكبار على الموعوظ، أو شعور أنك أفضل منه أو أعلم منه. ومن الناس - والعياذ بالله - مَنْ يجمع القشور عن موضوع ما، فيظن أنه أصبح عالماً، فيضر الناس أكثر مِمّا ينفعهم. إذن: إنْ قُبِل الغش في شيء فإنه لا يُقبل في مجال الدعوة إلى الله، فإياك أنْ تغشَّ بالله في الله؛ لأنه سبحانه وتعالى أعلم بمَنْ يضل الناس، ويصدهم عن سبيل الله، وهو أعلم بالمهتدين. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ليكن دعاؤك للخلق مسلمهم وكافرهم إلى سبيل ربك المستقيم المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح { بِالْحِكْمَةِ } أي: كل أحد على حسب حاله وفهمه وقوله وانقياده. ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب. إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها، وإما بذكر إكرام من قام بدين الله وإهانة من لم يقم به. وإما بذكر ما أعد الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل، فإن كان [المدعو] يرى أن ما هو عليه حق. أو كان داعيه إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا. ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها. وقوله: { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ } علم السبب الذي أداه إلى الضلال، وعلم أعماله المترتبة على ضلالته وسيجازيه عليها. { وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } علم أنهم يصلحون للهداية فهداهم ثم منَّ عليهم فاجتباهم.