١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
126
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: هذه الآية فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: وهو الذي عليه العامة أن النبـي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة وقد مثلوا به قال: « حديث : والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك » تفسير : فنزل جبريل عليه السلام بخواتيم سورة النحل فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمسك عما أراد. وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء، وأبي بن كعب والشعبي وعلى هذا قالوا: إن سورة النحل كلها مكية إلا هذه الآيات الثلاث. والقول الثاني: أن هذا كان قبل الأمر بالسيف والجهاد، حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدؤا بالقتال وهو قوله تعالى: { أية : وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } تفسير : [البقرة: 190] وفي هذه الآية أمر الله بأن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا. والقول الثالث: أن المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم، وهذا قول مجاهد والنخعي وابن سيرين قال ابن سيرين: إن أخذ منك رجل شيئاً فخذ منه مثله، وأقول: إن حمل هذه الآية على قصة لا تعلق لها بما قبلها يوجب حصول سوء الترتيب في كلام الله تعالى وذلك يطرق الطعن إليه وهو في غاية البعد، بل الأصوب عندي أن يقال: المراد أنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بأحد الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالطريق الأحسن، ثم إن تلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم، وبالإعراض عنه والحكم عليه بالكفر والضلالة وذلك مما يشوش القلوب ويوحش الصدور، ويحمل أكثر المستمعين على قصد ذلك الداعي بالقتل تارة، وبالضرب ثانياً وبالشتم ثالثاً، ثم إن ذلك المحق إذا شاهد تلك السفاهات، وسمع تلك المشاغبات لا بد وأن يحمله طبعه على تأديب أولئك السفهاء تارة بالقتل وتارة بالضرب، فعند هذا أمر المحقين في هذا المقام برعاية العدل والإنصاف وترك الزيادة، فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب حمل الآية عليه. فإن قيل: فهل تقدحون فيما روي أنه عليه السلام ترك العزم على المثلة وكفر عن يمينه بسبب هذه الآية؟ قلنا: لا حاجة إلى القدح في تلك الرواية، لأنا نقول: تلك الواقعة داخلة في عموم هذه الآية فيمكن التمسك في تلك الواقعة بعموم هذه الآية، إنما الذي ينازع فيه أنه لا يجوز قصر هذه الآية على هذه الواقعة، لأن ذلك يوجب سوء الترتيب في كلام الله تعالى. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى أمر برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية ورتب ذلك على أربع مراتب: المرتبة الأولى: قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } يعني إن رغبتم في استقباء القصاص فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه، فإن استيفاء الزيادة ظلم والظلم ممنوع منه في عدل الله ورحمته وفي قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } دليل على أن الأولى له أن لا يفعل، كما أنك إذا قلت للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح، كان معناه أن الأولى بك أن لا تأكله، فذكر تعالى بطريق الرمز والتعريض على أن الأولى تركه. والمرتبة الثانية: الانتقال من التعريض إلى التصريح وهو قوله: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّـٰبِرينَ } وهذا تصريح بأن الأولى ترك ذلك الانتقام، لأن الرحمة أفضل من القسوة والإنفاع أفضل من الإيلام. المرتبة الثالثة: وهو ورود الأمر بالجزم بالترك وهو قوله: {وَٱصْبِرْ } لأنه في المرتبة الثانية ذكر أن الترك خير وأولى، وفي هذه المرتبة الثالثة صرح بالأمر بالصبر، ولما كان الصبر في هذا المقام شاقاً شديداً ذكر بعده ما يفيد سهولته فقال: {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } أي بتوفيقه ومعونته وهذا هو السبب الكلي الأصلي المفيد في حصول الصبر وفي حصول جميع أنواع الطاعات. ولما ذكر هذا السبب الكلي الأصلي ذكر بعده ما هو السبب الجزئي القريب فقال: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ } وذلك لأن إقدام الإنسان على الانتقام، وعلى إنزال الضرر بالغير لا يكون إلا عند هيجان الغضب، وشدة الغضب لا تحصل إلا لأحد أمرين: أحدهما: فوات نفع كان حاصلاً في الماضي وإليه الإشارة بقوله: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } قيل معناه: ولا تحزن على قتلى أحد، ومعناه لا تحزن بسبب فوت أولئك الأصدقاء. ويرجع حاصله إلى فوت النفع. والسبب الثاني: لشدة الغضب توقع ضرر في المستقبل، وإليه الإشارة بقوله: {وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ } ومن وقف على هذه اللطائف عرف أنه لا يمكن كلام أدخل في الحسن والضبط من هذا الكلام بقي في لفظ الآية مباحث: البحث الأول: قرأ ابن كثير: {وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ } بكسر الضاد، وفي النمل مثله، والباقون: بفتح الضاد في الحرفين. أما الوجه في القراءة المشهورة فأمور: قال أبو عبيدة: الضيق بالكسر في قلة المعاش والمساكن، وما كان في القلب فإنه الضيق. وقال أبو عمرو: الضيق بالكسر الشدة والضيق بفتح الضاد الغم. وقال القتيبي: ضيق تخفيف ضيق مثل هين وهين ولين ولين. وبهذا الطريق قلنا: إنه تصح قراءة ابن كثير. البحث الثاني: قرىء {وَلاَ تَكُن فِى ضَيْقٍ }. البحث الثالث: هذا من الكلام المقلوب، لأن الضيق صفة، والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون المصوف حاصلاً في الصفة، فكان المعنى فلا يكون الضيق فيك، إلا أن الفائدة في قوله: {وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ } هو أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به، فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى والله أعلم. المرتبة الرابعة: قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } وهذا يجري مجرى التهديد لأن في المرتبة الأولى رغب في ترك الانتقام على سبيل الرمز، وفي المرتبة الثانية عدل عن الرمز إلى التصريح وهو قوله: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّـٰبِرينَ } وفي المرتبة الثالثة أمرنا بالصبر على سبيل الجزم، وفي هذه المرتبة الرابعة كأنه ذكر الوعيد في فعل الانتقام فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } عن استيفاء الزيادة: {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } في ترك أصل الانتقام، فإن أردت أن أكون معك فكن من المتقين ومن المحسنين. ومن وقف على هذا التريب عرف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون على سبيل الرفق واللطف مرتبة فمرتبة، ولما قال الله لرسوله: {ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } ذكر هذه المراتب الأربعة، تنبيهاً على أن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة يجب أن تكون واقعة على هذا الوجه، وعند الوقوف على هذه اللطائف يعلم العاقل أن هذا الكتاب الكريم بحر لا ساحل له. المسألة الثالثة: قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } معيته بالرحمة والفضل والرتبة، وقوله: {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } إشارة إلى التعظيم لأمر الله تعالى، وقوله: {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } إشارة إلى الشفقة على خلق الله، وذلك يدل على أن كمال السعادة للإنسان في هذين الأمرين أعني التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله، وعبر عنه بعض المشايخ فقال: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق، وقال الحكماء: كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وعن هرم بن حيان أنه قيل له عند القرب من الوفاة أوص، فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي، ولكني أوصيكم بخواتيم سورة النحل. المسألة الرابعة: قال بعضهم: إن قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّـٰبِرينَ } منسوخ بآية السيف، وهذا في غاية البعد، لأن المقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفية الدعوة إلى الله تعالى، وترك التعدي وطلب الزيادة، ولا تعلق لهذه الأشياء بآية السيف، وأكثر المفسرين مشغوفون بتكثير القول بالنسخ، ولا أرى فيه فائدة والله أعلم بالصواب. قال المصنف رحمه الله: تم تفسير هذه السورة ليلة الثلاثاء بعد العشاء الآخرة بزمان معتدل، وقال رحمه الله: الحق عزيز والطريق بعيد والمركب ضعيف والقرب بعد والوصل هجر والحقائق مصونة والمعاني في غيب الغيب محصونة والأسرار فيما وراء العز مخزونة، وبيد الخلق القيل والقال والكمال ليس إلا لله ذي الإكرام والجلال، والحمدلله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: أطبق جمهور أهل التفسير أن هذه الآية مدنية، نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أُحُد، ووقع ذلك في صحيح البخاري وفي كتاب السِّيَر. وذهب النحاس إلى أنها مكية، والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالاً حسناً؛ لأنها تتدرّج الرتبُ من الذي يُدْعَى ويُوَعَظ، إلى الذي يجَادل، إلى الذي يجازَى على فعله. ولكن ما روى الجمهور أثبت. روى الدّارَقُطْنِيّ عن ٱبن عباس قال: حديث : لما ٱنصرف المشركون عن قتلى أُحُد ٱنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى منظراً ساءه، رأى حمزة قد شُقّ بطنه، وٱصطُلِم أنفه، وجُدِعت أذناه، فقال: «لولا أن يحزن النساء أو تكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير لأمثلنّ مكانه بسبعين رجلاً» ثم دعا ببردة وغطّى بها وجهه، فخرجت رجلاه فغطى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وجعل على رجليه من الإذْخر، ثم قدّمه فكبر عليه عشراً، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه، حتى صلّى عليه سبعين صلاة، وكان القتلى سبعين، فلما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية: {ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ إِلَىٰقَوْلُهُ وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} فصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُمَثِّل بأحدتفسير : . خرجه إسماعيل بن إسحاق من حديث أبي هريرة، وحديثُ ٱبن عباس أكمل. وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة ألا ينال من ظالمه إذا تمكّن إلا مثل ظلامته لا يتعدّاه إلى غيره. وحكاه الماوردي عن ٱبن سيرين ومجاهد. الثانية: وٱختلف أهل العلم فيمن ظلمه رجل في أخذ مال ثم ٱئتمن الظالمُ المظلومَ على مال، هل يجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه؛ فقالت فرقة: له ذلك؛ منهم ٱبن سيرين وإبراهيم النخعِيّ وسفيان ومجاهد؛ واحتجت بهذه الآية وعموم لفظها. وقال مالك وفرقة معه: لا يجوز له ذلك؛ وٱحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أدّ الأمانة إلى من ٱئتمنك ولا تخن من خانك»تفسير : . رواه الدارقطني وقد تقدّم هذا في «البقرة» مستوفًى. ووقع في مسند ٱبن إسحاق أن هذا الحديث إنما ورد في رجل زنى بامرأة آخر، ثم تمكن الآخر من زوجة الثاني بأن تركها عنده وسافر؛ فاستشار ذلك الرجل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في الأمر فقال له: «حديث : أدّ الأمانة إلى من ٱئتمنك ولا تخن من خانك»تفسير : . وعلى هذا يتقوّى قول مالك في أمر المال؛ لأن الخيانة لاحقة في ذلك، وهي رذيلة لا انفكاك عنها، فينبغي أن يتجنبها لنفسه؛ فإن تمكن من الانتصاف من مالٍ لم يأتمنه عليه فيُشبه أن ذلك جائز وكأن الله حكم له؛ كما لو تمكن الأخذ بالحكم من الحاكم. وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة، نسختها «واصبِر وما صبرك إِلا بِالله». الثالثة: في هذه الآية دليل على جواز التماثل في القصاص؛ فمن قَتل بحديدة قُتل بها. ومن قَتل بحجر قُتل به، ولا يتعدّى قدر الواجب، وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة» مستوفى، والحمد لله. الرابعة: سمّى الله تعالى الإذايات في هذه الآية عقوبة، والعقوبة حقيقة إنما هي الثانية، وإنما فعل ذلك ليستوي اللفظان وتتناسب دباجة القول، وهذا بعكس قوله: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 54] وقوله: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} تفسير : [البقرة: 15] فإن الثاني هنا هو المجاز والأوّل هو الحقيقة؛ قاله ابن عطية.
البيضاوي
تفسير : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } لما أمره بالدعوة وبين له طرقها أشار إليه وإلى من يتابعه بترك المخالفة، ومراعاة العدل مع من يناصبهم، فإن الدعوة لا تنفك عنه من حيث إنها تتضمن رفض العادات، وترك الشهوات والقدح في دين الأسلاف والحكم عليهم بالكفر والضلال. وقيل إنه عليه الصلاة والسلام لما رأى حمزة وقد مثل به فقال: «حديث : والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك»تفسير : فنزلت. فكفر عن يمينه، وفيه دليل على أن للمقتص أن يماثل الجاني وليس له أن يجاوزه، وحث على العفو تعريضاً بقوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ } وتصريحاً على الوجه الآكد بقوله: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ } أي الصبر. {خَيْرٌ لّلصَّـٰبِرينَ } من الانتقام للمنتقمين، ثم صرح بالأمر به لرسوله لأنه أولى الناس به لزيادة علمه بالله ووثوقه عليه فقال:
ابن كثير
تفسير : يأمر تعالى بالعدل في القصاص، والمماثلة في استيفاء الحق؛ كما قال عبد الرزاق عن الثوري عن خالد، عن ابن سيرين: أنه قال في قوله تعالى: {فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} إن أخذ منكم رجل شيئاً، فخذوا مثله، وكذا قال مجاهد وإبراهيم والحسن البصري وغيرهم، واختاره ابن جرير. وقال ابن زيد: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين، فأسلم رجال ذوو منعة، فقالوا: يارسول الله لو أذن الله لنا، لانتصرنا من هؤلاء الكلاب، فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد. وقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد حين قتل حمزة رضي الله عنه، ومثل به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لئن أظهرني الله عليهم، لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم» تفسير : فلما سمع المسلمون ذلك، قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم، لنمثلن بهم مثلة لم يمثلهاأحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} إلى آخر السورة، وهذا مرسل، وفيه رجل مبهم لم يسم. وقد روي هذا من وجه آخر متصل، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا صالح المري عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه، أو قال: لقلبه، فنظر إليه، وقد مثل به، فقال: «حديث : رحمة الله عليك، إن كنت ما علمتك إلا وصولاً للرحم، فعولاً للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك، لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع - أو كلمة نحوها - أما والله على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك» تفسير : فنزل جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بهذه السورة، وقرأ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} إلى آخر الآية، فكفَّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعني: عن يمينه، وأمسك عن ذلك، وهذا إسناد فيه ضعف؛ لأن صالحاً هو ابن بشير المري ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث، وقال الشعبي وابن جريج: نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم: لنمثلن بهم، فأنزل الله فيهم ذلك. وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا هدية بن عبد الوهاب المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا عيسى بن عبيد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد، قتل من الأنصار ستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين، لنربينَّ عليهم، فلما كان يوم الفتح قال رجل: لا تعرف قريش بعد اليوم، فنادى مناد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمن الأسود والأبيض، إلا فلاناً وفلاناً - ناساً سماهم - فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} إلى آخر السورة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نصبر ولا نعاقب» تفسير : وهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن، فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل؛ كما في قوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40] ثم قال: {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 40] الآية. وقال: {أية : وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} تفسير : [المائدة: 45] ثم قال: {أية : فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} تفسير : [المائدة: 45] وقال في هذه الآية: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} ثم قال: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرينَ}. وقوله تعالى: {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} تأكيد للأمر بالصبر، وإخبار بأن ذلك لا ينال إلا بمشيئة الله وإعانته، وحوله وقوته، ثم قال تعالى: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: على من خالفك، فإن الله قدر ذلك {وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ} أي: غم {مِّمَّا يَمْكُرُونَ} أي: مما يجهدون أنفسهم في عداوتك وإيصال الشر إليك، فإن الله كافيك وناصرك ومؤيدك ومظهرك ومظفرك بهم. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} أي: معهم بتأييده ونصره، ومعونته وهديه وسعيه، وهذه معية خاصة؛ كقوله: {أية : إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} تفسير : [الأنفال: 12] وقوله لموسى وهارون: {أية : لاَ تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} تفسير : [طه: 46] وقول النبي صلى الله عليه وسلم للصديق وهما في الغار: «حديث : لا تحزن إن الله معنا» تفسير : وأما المعية العامة، فبالسمع والبصر والعلم؛ كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تفسير : [الحديد: 4] وكقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ} تفسير : [المجادلة: 7] وكما قال تعالى: {أية : وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا} تفسير : [يونس: 61] الآية، ومعنى {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} أي: تركوا المحرمات، {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} أي: فعلوا الطاعات، فهؤلاء الله يحفظهم ويكلؤهم، وينصرهم ويؤيدهم ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم، وقال ابن أبي حاتم: حدثناأبي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا مسعر عن عون عن محمد بن حاطب: كان عثمان رضي الله عنه من الذين اتقوا والذين هم محسنون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ } عن الانتقام {لَهُوَ } أي الصبر {خَيْرٌ لّلصَّٰبِرينَ } فكفّ صلى الله عليه وسلم وكفّر عن يمينه. رواه البزار.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عُوقبتم به} فيها قولان: أحدهما: أنها نزلت في قتلى أحُد حين مثلت بهم قريش. واختلف قائل ذلك في نسخه على قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله} الثاني: أنها ثابتة غير منسوخة فهذا أحد القولين. والقول الثاني: أنها نزلت في كل مظلوم ان يقتص من ظالمه، قاله ابن سيرين ومجاهد {واصبر} فيه وجهان: أحدهما: اصبر على ما أصابك من الأذى، وهو محتمل. الثاني: واصبر بالعفو عن المعاقبة بمثل ما عاقبوا من المثلة بقتلى أُحد، قاله الكلبي. {وما صبر إلا بالله} يحتمل وجهين: أحدهما: وما صبر إلا بمعونة الله. الثاني: وما صبرك إلا لوجه الله. {ولا تحزن عليهم} فيه وجهان: أحدهما: إن لم يقبلوا. الثاني: إن لم يؤمنوا. {ولا تك في ضيقٍ مما يمكرون} قرأ بن كثير {ضيق} بالكسر وقرأ الباقون بالفتح. وفي الفرق بينهما قولان: أحدهما: أنه بالفتح ما قل، وبالكسر ما كثر، قاله أبو عبيدة. الثاني: أنه بالفتح ما كان في الصدر، وبالكسر ما كان في الموضع الذي يتسع ويضيق، قاله الفراء. قوله عز وجل: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} اتقوا يعني فيما حرم الله عليهم. والذين هم محسنون فيما فرضه الله تعالى، فجمع في هذه الآية اجتناب المعاصي وفعل الطاعات. وقوله: {مع الذين اتقوا} أي ناصر الذي اتقوا. وقال بعض أصحاب الخواطر: من اتقى الله في أفعاله أحْسَنَ إليه في أحواله، والله أعلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} نزلت في قريش لما مثلوا بقتلى أُحُد ثم نسخت بقوله ـ تعالى ـ {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 127] أو هي محكمة، أو نزلت في كل مظلوم أن يقتص بقدر ظلامته. {وَاصْبِرْ} عن المعاقبة بمثل ما عاقبوا به قتلى أُحد من المثلة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ...} الآية: أطبق أهْل التفسير أنَّ هذه الآية مدنيَّة، نزلَتْ في شأن التمثيل بَحْمَزة وغيره في يَوْمِ أحُدِ، ووقع ذلك في «صحيحِ البخاريِّ» وغيره، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: حديث : «لَئِنْ أَظْفَرَنِي اللَّهُ بِهِمْ لأُمثِّلَنَّ بِثَلاَثِين » تفسير : كتاب «النْحَّاس» وغيره: « بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ »، فقال الناس: إِنْ ظفرنا، لنفعلَنَّ ولنفعَلنَّ، فنزلَتْ هذه الآية، ثم عزم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الصَّبْر عن المجازاة بالتمثيل في القتلى، ويروى أنه عليه السلام قَالَ لأصحابه: حديث : «أَمَّا أنا فَأصْبِرُ كَمَا أُمِرْتُ، فَمَاذَا تَصْنَعُونَ؟ فَقَالُوا: نَصْبِرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كما نُدِبْنَا!!!»تفسير : . وقوله: {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } أي بمعونة اللَّهِ وتأييده على ذلك. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } قيل: الضمير في قوله: {عَلَيْهِمْ } يعودُ على الكُفار، أي: لا تتأسَّف عليهم أنْ لم يُسْلِمُوا، وقالتْ فرقة: بل يعودُ على القَتْلى حمزة وأصحابه الذين حَزِنَ عليهم صلى الله عليه وسلم والأولُ أصوبُ. {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ } قرأ الجمهور: «في ضَيْقٍ» - بفتح الضاد -، وقرأ ابن كثير بكسر الضاد، وهما لغتان. {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ }: أي بالنصْرِ والمعونةِ، و {ٱتَّقَوْاْ } يريدُ المعاصِيَ، و{مُّحْسِنُونَ } هم الذين يتزيَّدون فيما نُدِبَ إِليه من فِعْلِ الخَيْرِ وصلَّى اللَّهُ على سَيِّدنا محمدٍ وآله وصَحْبه وسلَّم تسليماً.
السيوطي
تفسير : أخرج الترمذي وحسنه وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة فمثلوا بهم فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لَنُربِيَنَّ عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نصبر ولا نعاقب... كفوا عن القوم إلا أربعة ". تفسير : وأخرج ابن سعد والبزار وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل، عن أبي هريرة: "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد، فنظر إلى منظر لم يَرَ شيئاً قط كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه قد مثل به فقال: رحمة الله عليك فإنك كنت ما علمت وصولاً للرحم فعولاً للخيرات، ولولا حزن من بعدك عليك لسّرني أن أتركك حتى يحشرك الله من أرواح شتى، أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك. فنزل جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم النحل {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ...} الآية. فكفّر النبي عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر ". تفسير : وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قتل حمزة ومثل به: "لئن ظفرت بقريش لأمثلن بسبعين رجلاً منهم. فأنزل الله {وإن عاقبتم...} الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نصبر يا رب"تفسير : : فصبر ونهى عن المثلة. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير، عن الشعبي قال: حديث : لما كان يوم أحد وانصرف المشركون فرأى المسلمون بإخوانهم مثله، جعلوا يقطعون آذانهم وآنافهم ويشقون بطونهم. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن أنالَنَا الله منهم لنفعلن ولنفعلن... فأنزل الله {وإن عاقبتم ...} الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بل نصبر" ". تفسير : وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة يوم أحد حيث قتل حمزة ومثل به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلاً منهم, فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط "تفسير : . فأنزل الله {وإن عاقبتم فعاقبوا...} إلى آخر السورة. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} قال: هذا حين أمر الله نبيه أن يقاتل من قاتله، ثم نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم. قال: فهذا من المنسوخ. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد قال: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين فأسلم رجال ذو منعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب. فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: {إن الله من الذين اتقوا والذين هم محسنون} قال: اتقوا فيما حرم الله عليهم وأحسنوا فيما افترض عليهم. وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن هرم بن حيان أنه لما نزل به الموت قالوا له: أوص. قال: أوصيكم بآخر سورة النحل {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ...} إلى آخر السورة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} قال: لا تعتدوا. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن سيرين في قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} قال: إن أخذ منك رجل شيئاً فخذ منه مثله.
السلمي
تفسير : قال الجنيد: فى قوله: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ} فلم تعاقبوا لهو خير للصابرين التاركين العقوبة الذى أباح العلم فعلها بالأدب الذى يتبعه بالأمر ويلزمه بالترغيب إنه خير للصابرين. قال أبو سعيد الخراز: أخبر عن موضع الإباحة بالقصاص ونهى عن إمكان النفس من شهوتها وبلوغ مناها، وعرف أن الفضل فى احتمال مُؤن الصبر. يقول عز وجل: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}. قال النبى صلى الله عليه وسلم: إلى موضع الفضل ففرض عليه ذلك. وقيل له: إن الفضل على الخلق تطوع وعليك فرض واصبر، ثم أعلمه أن ذلك لا يتم إلا بخلوة وتشبيه بالحق بقوله: {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} [الآية: 127]. قال الواسطى: فى هذه الآية أخبره بأنه هو الذى تولاهم فحجبهم عن المعاينة فى الحضرة وهم ثلاث طوائف عند اللقاء، طائفة ترمدت بقيومة دواميته وأزليته، فلم تجدّ عند اللقاء عليها آفة الاتصال أنوار السرمدية بأنوار الأبدية، وطائفة لقيتة فى زينته وحين نظره واختياره فضمرهم فى نعمته وحجبهم بكرامته فهى متلذذة بنعمة محجوبة عن حقيقته، وطائفة لقيته بشواهد طاعاتها وزهدها، فقال لهم مرحبًا بمقدمكم فحجبها فى نفس ما خاطبهم. وقال ابن عطاء: بأمره وببره. وقال جعفر: أمر الله أنبياءه بالصبر وجعل الحظ الأعلى منه للنبى صلى الله عليه وسلم. قال سهل: واصبر واعلم أنه لا معين على الصبر إلا الله. حيث جعل صبره بالله لا بنفسه، فقال وما صبرك إلا بالله. قال الجنيد: عظم المنة عليه لما أدبه بالقيام على شروط الاستقامة بقوله: واصبر: ومن لم يكن صبره مباشرًا لبلاء، فى حين وروده بما تقدم من التوطئة على العزم على الصبر عند أول صدمة ترد منه لم يؤمن أن يأخذ الجزع من صبره بعد أوان تفضى صبره. قال الثورى: فى هذه الآية هو الصبر على الله بالله. قال أبو القاسم: الحكيم أصبر عباده، وما صبرك إلا بالله عبودية فمن ترقى من درجة لك وصل إلى درجة بك، فقد انتقل من درجة العبادة إلى درجة العبودية. قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : بك أحيا، وبك أموت ". تفسير : قال الواسطى: فى هذه الآية قال لما أظهر الله تعالى البلاء أشهده لذة مباشرته، بل لا يكون لأحد وقت إلا والله تعالى يوجده لذة المباشرة {أية : وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 43].
القشيري
تفسير : إذا جرى عليكم ظُلُمٌ من غيرَكم وأردتم الانتقامَ.. فلا تتجاوزُوا حَدَّ الإذنِ بما هو في حكم الشرع. {وَلَئِن صَبَرْتُمْ}: فتركتم الانتصافَ لأِجْلِ مولاكم فهو خيرُ لكم إِنْ فَعَلْتُمْ ذلك. والأسبابُ التي قد يترك لأجلها المرءُ الانتصافَ مختلفة؛ فمنهم من يترك ذلك طمعاً في الثواب غداً فإنه أوفر وأكثر، ومنهم من يترك ذلك طمعاً في أن يتكفَّل اللَّهُ بخصومه، ومنهم من يترك ذلك لأنه مُكْتَفٍ بعلم الله تعالى بما يجري عليه، ومنهم من يترك ذلك لِكَرَم نَفسِه، وتَحرُّرِه عن الأخطار ولاستحبابه العفوَ عند الظَّفَرِ، ومنهم مَنْ لا يرى لنفسه حقاً، ولا يعتقد أَنَّ لأحدٍ هذا الحق فهو على عقد إرادته بِتَرْكِ نَفْسِه؛ فمِلْكُه مُبَاحٌ ودَمَهُ هَدَر. ومنهم من ينظرإلى خصمه - أي المتسلط عليه - على أنَّ فِعْلَه جزاءٌ على ما عمله هو من مخالفة أمر الله، قال تعالى:{أية : وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}تفسير : [الشورى: 30] فاشتغاله باستغفاره عن جُرْمِه يمنعه عن انتصافه من خصمه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان عاقبتم} اى اردتم المعاقبة على طريقة قول الطبيب للمحمى ان اكلت فكل قليلا {فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} اى بمثل ما فعل بكم وقد عبر عنه بالعقاب على طريقة اطلاق اسم المسبب على السبب نحو كما تدين تدان اى كما تفعل تجازى سمى الفعل المجازى عليه باسم الجزاء على الطريقة المذكورة او على نهج المشاكلة والمزاوجة يعنى تسمية الاذى الابتدائى معابة من باب المشاكلة والا فانها فى وضعها الاصل تستدعى ان تكون عقيب فعل نعم العرف جار على اطلاقها على ما يعذب به احد وان لم يكن جزاء فعل كما فى حواشى سعدى المفتى. قال القرطبى اطبق جمهور اهل التفسير ان هذا الآية مدنية نزلت فى شأن سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ان المشركين مثلوا بالمسلمين يوم احد بقروا بطونهم وجدعوا انوفهم واذانهم وقطعوا مذاكيرهم ما بقى احد غير ممثول به الا حنظلة بن الراهب لان اباه عامر الراهب كان مع ابى سفيان فتركوه لذلك حديث : ولما انصرف المشركون عن قتلى احد انصرف رسول الله عليه الصلاة والسلام فرأى منظرا ساءه رأى حمزة قد شق بطنه واصطلم انفه وجدعت اذناه ولم ير شيئا كان اوجع لقلبه منه فقال "رحمة الله عليك كنت وصولا للرحم فعالا للخير لولا ان تحزن النساء او يكون سنة بعدى لتركتك حتى يبعثك الله من بطون السباع والطير اما والله لئن اظفرنى الله بهم لامثلن بسبعين مكانك"تفسير : وقال المؤمنين ان اظهرنا الله عليهم لنزيدن على صنعهم ولنمثلن مثلة لم يمثلها احد من العرب باحد قط ولنفعلن ثم دعا عليه السلام ببردته فغطى بها وجه حمزة فخرجت رجلاه فجعل على رجليه شيئا من الاذخر ثم قدمه فكبر عليه عشرا ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه حتى صلى عليه سبعين صلاة وكان القتلى سبعين. وفى التبيان صلى النبى عليه السلام على عمه حمزة سبعين تكبيرة او صلاة انتهى - روى - ان ابا بكر رضى الله عنه صلى على فاطمة رضى الله عنها وكبر اربعا وهذا احد ما استدل به فقهاء الحنفية على تكبيرات الجنازة اربع كما فى انوار المشارق. قال فى اسباب النزول ما حاصله ان حمزة رضى الله عنه قتله وحشى الحبشى وكان غلاما لجبير بن مطعم بن عدى بن نوفل وكان عمه طعيمة بن عدى قد اصيب يوم بدر فلما سارت قريش الى احد قال له جبير ان قتلت حمزة عم محمد لعمى طعيمة فانت عتيق فأخذ الوحشى حربته فقذفه بها وكانت لا تخطئ حربة الحبشة حين قذفوا فكان ما كان حديث : ثم اسلم الوحشى وقال له صلى الله عليه وسلم "هل تستطيع ان تغيب عنى وجهك"تفسير : وذلك انه عليه السلام كرهه لقتله حمزة فخرج فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج الناس الى مسيلمة الكذاب قال الوحشى لاخرجن الى مسيلمة لعلى اقتله فاكافئ به حمزة فخرج مع الناس فوفقه الله لقتله. ثم ان القتلى لما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية فكفر عليه السلام عن يمينه وكفه عما اراده والامر وان دل على اباحة المماثلة فى المثلة من غير تجاوز لكن فى تقييده بقوله {وان عاقبتم} حث على العفو تعريضا. قال فى البحر العلوم لا خلاف فى تحرير المثلة وقد وردت الاخبار بالنهى عنها حتى الكلب العقور {ولئن صبرتم} اى عن المعاقبة بالمثل وعفوتم وهو تصريح بما علم تعريضا {لهو} اى لصبركم هذا {خير} لكم من الانتصار بالمعاقبة اى العفو خير للعافين من الانتقام وانما قيل {للصابرين} مدحا لهم وثناء عليهم بالصبر وعند ذلك قال صلى الله عليه وسلم "حديث : بل نصبر يا رب " تفسير : قال فى الخلاصة رجل قال لآخر يا خبيث هل يقول له بلى أنت الاحسن ان يكف عنه ولا يجيب ولو رفع الامر الى القاضى ليؤديه يجوز ومع هذا لو اجاب لا بأس به. وفى مجمع الفتاوى لو قال لغيره يا خبيث فجازاه بمثله جاز لانه انتصار بعد الظلم وذلك مأذون فيه قال الله تعالى {أية : ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل}تفسير : والعفو افضل قال الله تعالى {أية : فمن عفا واصلح فاجره على الله}تفسير : وان كانت تلك الكلمة موجبة للحد لا ينبغى ان يجيبه بمثله تحرزا عن ايجاب الحد على نفسه. وفى تنوير الابصار للامام التمر تاشى ضرب غيره بغير حق وضرب المضروب يعزران ويبدأ باقامة التعزير بالبادى انتهى. ثم امر به صلى الله عليه وسلم صريحا لانه اولى الناس بعزائم الامور لزيادة علمه بشؤونه تعالى ووفود وثوقه به فقيل {واصبر} على ما اصابك من جهتهم من فنون الآلام والأذية وعاينت من اعراضهم عن الحق بالكلية وصبره عليه السلام مستتبع لاقتداء الامة كقول من قال لابن عباس رضى الله عنهما عند التعزية اصبر نكن بك صابرين فانما صبر الرعية عند صبر الرأس {وما صبرك الا بالله} بتوفيق الله واعانته لك على الصبر لان الصبر من صفات الله ولا يقدر احد ان يتصف بصفاته اى الا به بان يتحلى بتلك الصفة. قال جعفر الصادق رضى الله عنه امر الله انبياءه بالصبر وجعل الحظ الاعلى منه للنبى صلى الله عليه وسلم حيث جعل صبره بالله لا بنفسه وقال {وما صبرك الا بالله} {ولا تحزن عليهم} اى على الكافرين بوقوع اليأس من ايمانهم بك ومتابعتهم لك نحو {فلا تأس على القوم الكافرين} {ولا تك} اصله لا تكن حذفت النون تخفيفا لكثرة استعماله بخلاف لم يصن ولم يخن ونحوهما ومعنى كثرة الاستعمال انهم يعبرون بكان ويكون عن كل الافعال فيقولون كان زيد يقول وكان زيد يجلس فان وصلت بساكن رددت النون وتحركت نحو {أية : ومن يكن الشيطان}تفسير : و{أية : لم يكن الذين}تفسير : الآية {فى ضيق} اى لا تكن فى ضيق صدر من مكرهم فهو من الكلام المقلوب الذى يسجع عليه عند امن الالتباس لان الضيق وصف فهو يكون فى الانسان ولا يكون الانسان فيه. وفيه لطيفة اخرى وهى ان الضيق اذا عظم وقوى صار كالشئ المحيط به من جميع الجوانب {مما يمكرون} اى من مكرهم بك فيما يستقبل فاول نهى عن التأثم بمطلوب من قبلهم فات والثانى عن التأثم بمحذور من جهتهم آت.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإِنْ عاقبتم} من آذَاكُمْ {فعَاقِبوا بمثل ما عُوقبتم به} أي: إن صنع بكم صنيع سوء فافعلوا مثله، ولا تزيدوا عليه. والعقوبة، في الحقيقة، إنما هي في الثانية. وسميت الأولى عقوبة؛ لمشاكلة اللفظ. وقال الجمهور: إن الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطلب، لما بَقَر المشركون بطنه يوم أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لئن أظْفَرَنِي اللهُ بِهمْ لأُمَثِّلَنَّ بسِبْعِينَ منهم"تفسير : . فنزلت الآية، فكفّر النبيّ صلى الله عليه وسلم عن يمينه، وترك ما أراد من المُثْلَةِ. ولا خلاف أن المثلة حرام، وقد وردت أحاديث بذلك. ومقتضى هذا: أن الآية مدنية. ويحتمل أن تكون الآية عامة، ويكون ذكرهم حمزة على وجه المثال. وتكون، على هذا، مكية كسائر السورة. واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في مال، ثم ائتمن عليه، هل يجوز خيانته، في القدر الذي ظلمه فيه؟ فأجاز ذلك قوم؛ لظاهر الآية، ومنعه مالك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَدِّ الأَمَانَةَ لِمَنْ ائْتَمَنَك، ولا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ"تفسير : . قاله ابن جزي. {ولئن صبرتم}، ولم تعاقبوا من أساء إليكم، {لهو} أي: الصبر {خيرٌ للصابرين}؛ فإن العقوبة مباحة، والصبر أفضل من الانتقام، ويحتمل أن يريد بالصابرين هنا العموم، أو يريد المخاطبين، كأنه قال: فهو خير لكم. ثم صرح بالأمر لرسوله به؛ لأنه أولى الناس به؛ لزيادة علمه بالله، فقال: {واصبر وما صبرك إِلا بالله}؛ إلا بتوفيقه وتثبيته. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: "حديث : أما أنا فأصبر كما أمرت، فماذا تصنعون؟"تفسير : قالوا: نصبر كما ندبنا. {ولا تحزنْ عليهم}؛ على الكافرين؛ حيث لم يؤمنوا؛ حِرْصًا عليهم. أو على المؤمنين؛ لأجل ما فعل بهم. {ولا تَكُ في ضيق مما يمكرون} أي: لا يضيق صدرك بمكرهم، ولا تهتم بشأنهم، فأنا ناصرك عليهم. والضيق - بفتح الضاد مُخَفَّفًا - من ضَيِّقٍ؛ كَمَيْتِ ومَيِّتٍ. وقرئ بالكسر، وهو مصدر. ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدريْن، معًا، لِضاق. {إِنَّ الله مع الذين اتقوا} الكفر والمعاصي، {والذين هم محسنون} في أعمالهم، فهو معهم بالولاية والنصر والرعاية والحفظ. أو مع الذين اتقوا الله بتعظيم أمره. والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه. أو مع الذين اتقوا ما يقطعهم عن الله، والذين هم محسنون بشهود الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه"تفسير : . فهو معهم بالمحبة والوداد؛ "فإذا أحببته كنت له". والله تعلى أعلم. الإشارة: من شأن الصوفية: الأخذ بالعزائم، والتمسك بالأحسن في كل شيء، متمثلين لقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} تفسير : [الزُّمَر: 18]. ولذلك قالوا: الصوفي: دمه هدر، وماله مباح؛ لأنه لا ينتصر لنفسه، بل يدفع بالتي هي أحسن السيئة. فالصبر دأبهم، والرضى والتسليم خُلقهم. وحقيقة الصبر هي: حبس القلب على حكم الرب، من غير جزع ولا شكوى. ومواطنه أربعة: الطاعة، والمعصية، والنعمة، والبلية. فالصبر على الطاعة: بالمبادرة إليها، وعن المعصية: بتركها، وعلى النعمة: بشكرها، وأداء حق الله فيها، وعلى البلية: بالرضى وعدم الشكوى بها. وأقسام الصبر ستة: صبر في الله، وصبر لله، وصبر مع الله، وصبر بالله، وصبر على الله، وصبر عن الله. أما الصبر في الله: فَهُوَ الصبر في طلب الوصول إلى الله، بارتكاب مشاق المجاهدات والرياضات. وهو صبر الطالبين والسائرين. وأما الصبر لله: فهو الصبر على مشاق الطاعات وترك المنهيات ونزول البليات، يكون ذلك ابتغاء مرضاة الله، لا لطلب أجر ولا نيل حظ. وهو صبر المخلصين. وأما الصبر مع الله: فهو الصبر على حضور القلب مع الله، على سبيل الدوام؛ مراقبة أو مشاهدة. فالأول: صبر المحبين، والثاني: صبر المحبوبين. وأما الصبر بالله: فهو الصبر على ما ينزل به من المقادير، لكنه بالله لا بنفسه، وهو صبر أهل الفناء من العارفين المجذوبين السالكين. وأما الصبر على الله: فهو الصبر على كتمان أسرار الربوبية عن غير أهلها، أو الصبر على دوام شهود الله. وأما الصبر عن الله: فهو الصبر على الوقوف بالباب عند جفاء الأحباب، فإذا كان العبد في مقام القرب واجدًا لحلاوة الأنس، مشاهدًا لأسرار المعاني، ثم فقد ذلك من قلبه، وأحس بالبعد والطرد - والعياذ بالله - فليصبر، وليلزم الباب حتى يَمن الكريم الوهاب، ولا يتزلزل، ولا يتضعضع، ولا يبرح عن مكانه، مبتهلاً، داعيًا إلى الله، راجيًا كرم مولاه، فإذا استعمل هذا فقد استعمل الصبر؛ قيامًا بأدب العبودية. وهو أشد الصبر وأصعبه، لا يطيقه إلا العارفون المتمكنون، الذين كملت عبوديتهم، فكانوا عبيدًا لله في جميع الحالات، قَرَّبهم أو أبعدهم. رُوِيَ أن رجلاً دخل على الشبلي رضي الله عنه، فقال: أي صبر أشد على الصابر؟ فقال له الشبلي: الصبر في الله، قال: لا، قال: الصبر لله، قال: لا، قال: الصبر مع الله، قال: لا، فقال له: وأي شيء هو؟ فقال: الصبر عن الله. فصاح الشبلي صيحة عظيمة، كادت تتلف فيها روحه. هـ. لأن الحبيب لا يصبر عن حبيبه. لكن إذا جفا الحبيب لا يمكن إلا الصبر والوقوف بالباب، كما قال الشاعر: شعر : إنْ شَكَوْتَ الهَوَى فما أنت مِنَّا أحْمِلِ الصَّدَ والجفا يا مُعَنَّا تفسير : وقال رجل لأبي محمد الحريري رضي الله عنه: كنت على بساط الأنس، وفتح على طريق البسط، فزللت زلة، فحجبت عن مقامي، فكيف السبيل إليه؟ دلني على الوصول إلى ما كنت عليه. فبكى أبو محمد وقال: يا أخي، الكل في قهر هذه الخطة، لكني أنشدك أبياتًا لبعضهم، فأنشأ يقول: شعر : قــف بالـديـــار فـهـــذه آثـارهـــم تبكي الأحبة حسرة وتشوقا كـم قـد وقفـتُ بربعهــا مستخبـرا عن أهله أو سائلاً أو مشفقا فأجابني داعي الهوى في رسمها فارقْتَ من تهوى فعز الملتقى تفسير : ومن هذا المعنى قضية الرجل الذي بقي في الحرم أربعين سنة يقول: لبيك. فيقول له الهاتف: لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك. فقيل له في ذلك، فقال: هذه بابه، وهل ثَمَّ باب أخرى أقصده منها؟ فقبله الحق تعالى، ولبى دعوته. وكذلك قضية الرجل الذي قيل له، من قِبَلِ الوحي: إنك من أهل النار؛ فزاد في العبادة والاجتهاد. فهذا كله يصدق عليه الصبر عن الله. لكن لا يفهم كماله إلا من كملت معرفته، وتحقق بمقام الفناء، فحينئذ قد يسهل عليه أمره؛ لكمال عبوديته، كما قال القائل: شعر : وَكُنْتُ قَدِيمًا أَطْلُبُ الوَصْلَ مِنْهُمُ فلَمَّا أَتَانِي العِلْمُ وارْتَفَع الجَهْلُ تيقـنـت أَنَّ العَبْــدَ لا طَلـَــبٌ لَـهُ فَإِنْ قَرُبُوا فَضْلٌ وإِنْ بَعُدُوا عَدْلُ وإنْ أَظْهَرُوا لَمْ يُظْهِرُوا غَيْرَ وَصْفِهِمْ وإِنْ سَتَرُوا فالستْرُ مِنْ أَجْلِهِمْ يَحْلُو تفسير : وأما من لم تكمل معرفته، فقد ينكره ويذمه، كالعباد والزهاد والعشاق، فإنهم لا يطيقونه، فإما أن يختل عقلهم، أو يرجعون إلى الانهماك في البطالة. والله تعالى أعلم. وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الجنابذي
تفسير : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} يعنى ان عاقبتم قصاصاً واتى بلفظ الشّكّ للاشعار بان المؤمن لا ينبغى له القصاص بل شأنه العفو واقدامه على القصاص كالمشكوك؛ وهذا لمن لم يترقّ عن مرتبة النّفس، وقوله ليعفوا وليصفحوا لمن عرج منها الى مقام القلب، وقوله والله يحبّ المحسنين لمن اتّصف بصفات الرّوح وبعبارةٍ اخرى الاوّل لمن قبل الرّسالة، والثّانى لمن قبل النّبوّة، والثّالث لمن قبل الولاية {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} يعنى ان صبرتم عن القصاص والمراد من الصّبر العفو وكظم الغيظ الّذى ذكر فى الآيات الاُخر كما انّ الرّضا بمنزلة الصّفح وفوق كلّ المراتب الاحسان الى من اساء ونزول الآية كما فى الاخبار فى غزوة احد لانّ المشركين مثّلوا من قتلى المسلمين فقال المسلمون: لئن ادالنا الله عليهم لنمثلنّ باخيارهم، "حديث : او قال النّبىّ (ص) حين حضر حمزة ورأى ما فعل به وبكى: لئن امكننى الله من قريشٍ لامثلنّ سبعين رجلاً منهم"تفسير : ، فنزل عليه (ص) جبرئيل (ع) فقال: وان عاقبتم (الآية) لكنّ مضمونها عامّ.
اطفيش
تفسير : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} فكفر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن يمينه، فقال: بل أصبر. فقال للصحابة: ما أنتم فاعلون. قالوا: نصبر كما صبرت وكما ندبنا فلم يمثلوا بأحد. "حديث : روى أن هند بنت عتبة جاءت حمزة وقد جذع المشركون أنفه وقطعوا ذكره وشقوا بطنه فقطعت من كبده فمضغت ولم تطق أن تبلع، وقيل بلعت ما قطعته ولم يلبث فى بطنها حتى رمت به، فبلغ ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: أما لو أكلتها لم تدخل النار أبداً حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيئاً من جسده النار"تفسير : ، وأسلمت بعد ذلك، فكان قوله ذلك لظنه أنها تموت مشركة لا للجزم بأنها تموت مشركة لعلها مع إِسلامها تموت غير موفية به. وروى "حديث : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى عمه حمزة ـ رضى الله عنه ـ قد شق بطنه وجذع أنفه واصطلم أذناه فقال: لولا أن تحزن النساء أو تكون السنة بعدى لتركته حتى يبعث من بطون السباع والطير، لأقتلن سبعين سيداً مكانه منهم ثم دعا ببرده فغطى بها وجهه فخرجت رجلاه فجعل عليهما شيئاً من الإِذخر فقدمه وكبر عليه عشراً وصلى عليه سبعين صلاة"تفسير : ، وروى سبعين تكبيرة، وكان القتلى سبعين رجلا دفنهم من غير غسل ولا صلاة، كذا زعم بعض ولا غسل دم. روى "حديث : لما رأى حال عمهِ حمزة وقد مثلوا بِه بكى بكاءً شديداً ولم ير شيئاً أوجع لقلبه منهُ، فقال رحمة الله عليه كنت وصولا للرحم فعالا للخيرات ولولا حزن من بعدك عليك لسرنى أن أدعك أن تحشر من أجواف شتى، أما والله لأَن أظفرنى الله بهم لأُمثلن بسبعين منهم مكانك"تفسير : . وقيل: قال بثلاثين، فنزلت الآية وذلك بالمدينة {وإِن عاقبتم فعاقبوا}.. إلخ. قال كعب: أصيب من الأَنصار أربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة، فقالت الأَنصار: لأَن أصبنا منهم يوماً لنزيدن فى الفعل والمثلة، ولما كان فتح مكة أنزل الله تعالى {وإِن عاقبتم}.. الخ، فقالوا: بل نصبر يا ربنا. وروى أن رجلا من المسلمين قال: لا قريش بعد اليوم. فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ كفوا عن القوم إِلا أربعة: والذى قتل حمزة هو وحشى كان غلاماً لجبير ابن مطعم بن عدى وكان عمه طعيمة بن عدى أصيب ببدر فلما سارت قريش إِلى أحد قال له: إِن قتلت حمزة عم محمد بعمى فأَنت عتيق، قال: وكنت حبشياً أقذف بالحربة قذف الحبشية ما أخطىء بها شيئاً فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة حتى رأيته فى عرض الجيش مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هداً، ما يقول له شىء فوالله إِنى لأتهيأ له وأستتر منه بحجر وشجر ليدنو منى إِذ تقدم إِليه سباع بن عبد العزى، فلما رآه حمزة قال له: يا ابن مقطعة البطون فضربه والله لكأنما أطاح رأْسه وهززت حربتى فدفعتها إِليه فوقعت فى ثديه حتى خرجت من رجله وتركتهُ حتى مات فأخذت حربتى ثم رجعت إِلى الناس فقعدت فى العسكر ولم يكن لى بغيره حاجة وإِنما قتلتهُ لأُعتق ولما قدمت مكة عتقت وأقمت بها حتى فشا فيها الإِسلام فخرجت إِلى الطائف، فلما رجع منها قدم على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرآه. فقال: أنت قاتل حمزة أنت وحشى. قلت: نعم. قد كان من الأَمر ما بلغك وذلك بعد إِسلامه، فقال هل تستطيع أن تغيب وجهك عنى. قال: فخرجت فلما قبض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فخرج الناس إِلى مسيلمة الكذاب، قلت: لأخرجن إِليهِ لعلى أقتلهُ فأُكافئ به حمزة فخرج مع الناس فقتلهُ يوم اليمامة أو شارك رجلا فى قتلهِ. استشهد حمزة رضى الله عنه فى أُحد نصف شوال ثالث سنين الهجرة بعد أن قتل أحد وثلاثين كافراً. قال وحشى: رأيته يهد الأَبطال هداً فاختفيت لهُ فلما تمكنت منهُ رميتهُ بحربتى فأصابته فوليت هارباً فتبعنى ثم سقط. قال بعضهم: لما أسلم قبله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال غيب وجهك عنى، أى خشية أن يصيبه منه شىء إِذا تذكر قتل حمزة، وخرج يوم اليمامة فشارك رجلا فى قتل مسيلمة الكذاب، فكان يقول هذه بتلك ومع ذلك فقد أصابه لما صح عن ابن المسيب أنه قال: كنت أعجب لقاتل حمزة كيف ينجو حتى مات غريقاً فى الخمر. وقال ابن هشام: بلغنى أنه لم يزل يجد فى الخمر حتى خلع عن الديوان، فكان عمر يقول: لقد علمت أن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة، ولما رآه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قتيلا بكى ولما رأى ما مثل به شهق وقال: لئن أصاب بمثلك أبدا ما وقفت موقفاً أغيظ لى من هذا. وذكر ابن شاذان عن ابن مسعود ما رأينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ باكياً قط أشد من بكائه على حمزة وضعه فى القبلة ثم وقف على جنازته وبكى حتى كاد يغشى عليه، يقول: يا حمزة يا عم رسول الله، يا أسد الله، وأسد رسوله، يا حمزة يا فاعل الخيرات، يا حمزة يا كاشف الكربات، يا ذابا عن وجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليس فى هذا نواح ولا تعديد شمائل بل إِخبار بفضائله وشمائلهِ رضى الله عنه، وصح حديث "حديث : أنه سيد الشهداء يوم القيامة"تفسير : ، وصحح الحاكم حديث "حديث : والذى نفسى بيده إِنه لمكتوب عند الله تبارك وتعالى فى السماء السابعة حمزة بن عبد المطلب أسد الله، وأسد رسوله"تفسير : ، لكن تعقب وورد من طرق أن الملائكة غسلته، وصححه الحاكم لكن تعقب، ورويت بفضل الله ورحمته فى صحيحى الذى منَّ الله بِهِ علىَّ مع قِلة عِلمى الذى جعلته تماماً لترتيب مسند الربيع بن حبيب وما ألحق به ما يدل على أن تعديد فضائل حمزة عند موته جائز وأنهُ مختص بذلك عن غيره وصرحت الآية أن للمقتص أن يماثل الجانى فيمثل به كما مثل به بلالا زيادة وفيها الحث على العفو تعريضاً بقوله إِن عاقبتم بإِن الشرطية الدالة على الشك بحسب الوضع وتصريحاً بقوله ولئن صبرتم.. الخ. فإِنه قيل الصبر خير فإِن كان ولا بد من القصاص فلا تزيدوا على ما فعل بكم، وقد اتفقوا على تحريم الزيادة وأنها ظلم وعلى تحريم المثلة بمن لم يمثل وإِن قلت هل يتصور القصاص بالقتل فى قتال المشركين والنهى عن الزيادة. قلت: نعم. بأَن يقتل ولى المقتول قاتل وليه لأَنه قتل وليه، ويقتل سواه لشركهِ ونهى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن المثلة ولو بالكلب العقور وقيل لما أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالدعاء إِلى سبيل الرب وبين له طرق الدعاء أشار إِليه وإِلى من تبعه باستعمال المسامحة مع العدو لأَنها أجلب له إِلى الدين أو بالعدل إِن عاقبوا وترك المخالفة فإن الدعاء إِلى سبيل الرب لا ينفك عن ترك المخالفة، لأَن الدعاء يتضمن رفع العادة وترك الشهوة وترك القدح فى دين الإِسلام ويتضمن الحكم عليهم بالكفر والضلال وعلى كل حال فالآية محكمة واردة فى تعلم الأَدب فى القصاص بأَن يعفو ولا يجاوز الجناية وبذلك قال مجاهد والنخعى والشعبى وابن سيرين والثورى، وقال ابن عباس والضحاك: هى أمر بقتال من قاتل ولا يبدأ بقتال ثم عز الله الإِسلام ونزلت براءة فنسخت آية السيف وعليه فالمعنى ولئن صبرتم عن قتال من بدأكم بالقتال، والصحيح الأَول والمعنى ولئن صبرتم عن القصاص والضمير فى قوله لهو عائد إِلى الصبر أى الصبر خير للصابرين من الانتقام للمنتقمين والمراد جنس الصبر وجنس الصابرين ويحتمل أن يراد صبر المخاطبين فوضع الظاهر موضع المضمر أى لصبركم خير لكم ثناء عليهم بصبرهم على الشدائد أو وصفاً بهم بالصفة التى تحصل بهم إِذا صبروا عن المعاقبة وإن قتل الفعل الأَول ليس عقاباً وهو فعل المشركين فلم قيل بمثل ما عوقبتم به، قلت: قيل ذلك ليشاكل قوله عاقبتم ويسمى ذلك مشاكلة، وهى ذكر الشىء بلفظ غيره لوقوع ذلك الشىء فى صحته ذلك الغير وقوعاً محققاً كما فى الآية أو مقدراً كما مر فى قوله صيغة الله وقرىء وإِن عقبتم فعقبوا بالتشديد وإِسقاط الأَلف أى إِن تبعتم من ظلمكم بالانتصار فاتبعوا بمثل ما فعل بكم ولما كان الصبر أفضل شىء وأنكى سلاح فى العدو وأمتن عدة وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ أولى الناس بزيادة علمه بالله سبحانه ووثوقه به أمره به تصريحاً فقال {وَاصْبِرْ} على ما يؤذيك وعما تحب من الانتقام وغيره {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ} أى إِلا بتوفيق الله وإِعانته وتقويته فاستعن به، {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أى على المشركين إِن لم يسلموا كقوله تعالى: {أية : فَلا تَأْس على القوم الكافرين}. تفسير : وقوله: {أية : فلعلك بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلى آثَارِهِمْ إِن لَّم يُؤْمِنُوا}. تفسير : الخ ونحو ذلك وقيل لا تحزن على قتلى أحد وما فعل بهم من المثلة فإِنهم قد افضوا إِلى رحمة الله ورضوانه والأَول أصوب ويناسبه عود الواو فى يمكرون إِلى المشركين فإِنه عائد إِليهم على كلا القولين، {وَلاَ تَكُ} وقرىء تكن، {فِى ضَيْقٍ} بفتح الضاد وإِسكان الياء مصدر ضاق وذلك ضيق الصدر، ويجوز أن يكون صفة على أن أصله ضيق الصدر، ويجوز أن يكون صفة على أن أصله ضيق بفتح الضاد وكسر الياء مشددة فخفف أى فى أمر ضيق، وقرأ ابن كثير بكسر الضاد وإِسكان الياء هنا، وفى النمل وهو مصدر أو وصف والقراءتان بمعنى واحد وهما لغتان، وقال أبو عمرو بن العلاء: الضيق بالفتح الغم وبالكسر الشدة، وقال أبو عبيدة الكسر فى قلة المعاش وفى المسكن والفتح فى القلب والصدر، فى الكلام قلب فإِن مقتضى الظاهر أن يقال ولا يك فيك ضيق لأَن الصفة هى الحالة فى الموصوف دون العكس، ونكتة القلب هنا أن البشر مطبوع على الضيق مما يؤذيه فلابد من وجود بعض الضيق فنهاه أن يحيط بهِ الضيق كما يحيط اللباس بلابسهِ {مِمَّا يَمْكُرُونَ} ما مصدرية أى من مكرهم فإِن الله كافيك وناصرك.
الالوسي
تفسير : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} أي إن أردتم المعاقبة {فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} أي مثل ما فعل بكم وقد عبر عنه بالعقاب على طريقة إطلاق اسم المسبب على السبب نحو كما تدين تدان على نهج المشاكلة، وقال الخفاجي: إن العقاب في العرف مطلق العذاب ولو ابتداء وفي أصل اللغة المجازاة على عذاب سابق فإن اعتبر الثاني فهو مشاكلة وإن اعتبر الأول فلا مشاكلة، وعلى الاعتبارين صيغة المفاعلة ليست للمشاركة، والآية نزلت في شأن التمثيل بحمزة رضي الله تعالى عنه يوم أحد، فقد صح عن أبـي هريرة أن النبـي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة يوم استشهد فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه ونظر إليه قد مثل به فقال: ((رحمة الله تعالى عليك فإنك كنت ما علمت وصولاً للرحم فعولاً للخيرات ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله تعالى من أرواح شتى أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك)) فنزل جبريل عليه السلام والنبـي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم النحل {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ } إلى آخرها فكفَّر عليه الصلاة والسلام عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر، فهي على هذا مدنية. وذهب النحاس إلى أنها مكية وليست في شأن التمثيل بحمزة رضي الله تعالى عنه واختاره بعضهم لما يلزم على ذلك من عدم الارتباط المنزه عنه كلام رب العزة جل شأنه إذ لا مناسبة لتلك القضية لما قبل، وأما على القول بأنها مكية فوجه الارتباط أنه لما أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالدعوة وبين طريقها أشار إليه عليه الصلاة والسلام وإلى من يتابعه بمراعاة العدل مع من يناصبهم والمماثلة فإن الدعوة لا تكاد تنفك عن ذلك كيف لا وهي موجبة لصرف الوجوه عن القبل المعبودة وإدخال الأعناق في قلادة غير معهودة قاضية عليها بفساد ما يأتون وما يذرون وبطلان دين استمرت عليه آباؤهم الأولون وقد ضاقت بهم الحيل وعيت بهم العلل وسدت عليهم طرق المحاجة والمناظرة وأرتجت دونهم أبواب المباحثة والمحاورة وترددت في صدورهم الأنفاس ووقعوا في حيص بيص يضربون أخماساً في أسداس لا يجدون إلا الأسنة مركباً ويختارون الموت الأحمر دون دين الإسلام مذهباً، وإلى الأول ذهب جمهور المفسرين ووقع ذلك في "صحيح البخاري" بل قال القرطبـي: إنه مما أطبق عليه المفسرون، وما ذكر من لزوم عدم الارتباط عليه ليس بشيء، فإن التنبيه على تلك القضية للإشارة إلى أن الدعوة لا تخلو من مثل ذلك وأن المجادلة تنجر إلى المجالدة فإذا وقعت فاللائق ما ذكر فلا فرق في الارتباط بحسب المآل بين أن تكون/ مكية وأن تكون مدنية، وخصوص السبب لا ينافي عموم المعنى، فالمعوّل عليه عدم العدول عما قاله الجمهور. وقرأ ابن سيرين: {وإن عقبتم فعقبوا} بتشديد القافين أي وإن قفيتم بالانتصار فقفوا بمثل ما فعل بكم غير متجاوزين عنه. واستدل بالآية على أن للمقتص أن يفعل بالجاني مثل ما فعل في الجنس والقدر وهذا مما لا خلاف فيه. وأما اتحاد الأدلة بأن يقتل بحجر من قتل به وبسيف من قتل به مثلاً فذهب إليه بعض الأئمة، ومذهب أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه لا قود إلا بالسيف، ووجه ذلك مع أن الآية ظاهرة في خلافه أن القتل بالحجر ونحوه مما لا يمكن مماثلة مقداره شدة وضعفاً فاعتبرت مماثلته في القتل وازهاق الروح والأصل في ذلك السيف كما ذكره الرازي في "أحكامه". وذكر بعضهم أنه اختلف في هذه الآية فأخذ الشافعي بظاهرها، وأجاب الحنفية بأن المماثلة في العدد بأن يقتل بالواحد واحد لأنها نزلت لقول النبـي صلى الله عليه وسلم «حديث : لأمثلن بسبعين منهم» تفسير : لما قتل حمزة ومثل به كما سمعت فلا دليل فيها، وقال الواحدي: إنها منسوخة كغيرها من المثلة وفيه كلام في "شروح الهداية". وفي تقييد الأمر بقوله سبحانه {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} حث على العفو تعريضاً لما في «إن» الشرطية من الدلالة على عدم الجزم بوقوع ما في حيزها فكأنه قيل: لا تعاقبوا وإن عاقبتم الخ كقول طبيب لمريض سأله عن أكل الفاكهة إن كنت تأكل الفاكهة فكل الكمثرى، وقد صرح بذلك على الوجه الآكد فقيل: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ} أي عن المعاقبة بالمثل {لَهُوَ} أي لصبركم ذلك على حد {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [المائدة: 8] {خَيْرٌ} من الانتصار بالمعاقبة {لّلصَّـٰبِرينَ} أي لكم إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الجليل مدحاً لهم وثناء عليهم بالصبر، وفيه إرشاد إلى أنه إن صبرتم فهو شيمتكم المعروفة فلا تتركوها إذاً في هذه القضية أو وصفاً لهم بصفة تحصل لهم إذا صبروا عن المعاقبة فهو على حد من قتل قتيلاً وهو الظاهر من اللفظ، وفيه ترغيب في الصبر بالغ، ويجوز عود الضمير إلى مطلق الصبر المدلول عليه بالفعل، والمراد بالصابرين جنسهم فيدخل هؤلاء دخولاً أولياً. ثم إنه تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم صريحاً بما ندب إليه غيره تعريضاً من الصبر لأنه عليه الصلاة والسلام أولى الناس بعزائم الأمور لزيادة علمه بشؤونه سبحانه ووثوقه به تعالى فقال تعالى: {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ...}.
ابن عاشور
تفسير : عَطف على جملة {أية : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} تفسير : [سورة النحل: 125]، أي إن كان المقام مقام الدعوة فلتكن دعوتك إيّاهم كما وصفنا، وإن كنتم أيها المؤمنون معاقبين لمشركين على ما نالكم من أذاهم فعاقبوهم بالعدل لا بِتجاوُز حدّ ما لقيتم منهم. فهذه الآية متّصلة بما قبلها أتم اتّصال، وحسبك وجود العاطف فيها. وهذا تدرّج في رتب المعاملة من معاملة الذين يدعون ويوعظون إلى معاملة الذين يجادلون ثم إلى معاملة الذين يجازون على أفعالهم، وبذلك حصل حسن الترتيب في أسلوب الكلام. وهذا مختار النحاس وابن عطية وفخر الدين، وبذلك يترجّح كون هذه الآية مكية مع سوابقها ابتداء من الآية الحادية والأربعين، وهو قول جابر بن زيد، كما تقدم في أول السورة. واختار ابن عطية أن هذه الآية مكّية. ويجوز أن تكون نزلت في قصة التّمثيل بحَمزة يوم أُحُد، وهو مرويّ بحديث ضعيف للطبراني. ولعلّه اشتبه على الرّواة تذكر النبي الآيةَ حين توعّد المشركين بأن يمثّل بسبعين منهم إن أظفره الله بهم. والخطاب للمؤمنين ويدخل فيه النبي. والمعاقبة: الجزاء على فعل السوء بما يسوء فاعل السوء. فقوله: {بمثل ما عوقبتم} مشاكَلَةٌ لِــــ{عاقبتم}. استعمل {عوقبتم} في معنى عوملتم به، لوقوعه بعد فعل {عاقبتم}، فهو استعارة وجه شبهها هو المشاكلة. ويجوز أن يكون {عوقبتم} حقيقة لأن ما يلقونه من الأذى من المشركين قصدوا به عقابهم على مفارقة دين قومهم وعلى شتم أصنامهم وتسفيه آبائهم. والأمر في قوله: {فعاقبوا} للوجوب باعتبار متعلّقه، وهو قوله: {بمثل ما عوقبتم به} فإن عدم التجاوز في العقوبة واجب. وفي هذه الآية إيماء إلى أن الله يُظهر المسلمين على المشركين ويجعلهم في قبضتهم، فلعلّ بعض الذين فتنهم المشركون يبعثه الحَنق على الإفراط في العقاب. فهي ناظرة إلى قوله: {أية : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} تفسير : [سورة النحل: 110]. ورغّبهم في الصبر على الأذى، أي بالإعراض عن أذى المشركين وبالعفو عنه، لأنه أجلب لقلوب الأعداء، فوصف بأنه خير، أي خير من الأخذ بالعقوبة، كقوله تعالى: {أية : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم } تفسير : [سورة فصّلت: 34]، وقوله: {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله} تفسير : [سورة الشورى: 40]. وضمير الغائب عائد إلى الصبر المأخوذ من فعل صبرتم}، كما في قوله تعالى: {أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى} تفسير : [سورة المائدة: 8]. وأكّد كون الصبر خيراً بلام القسم زيادة في الحثّ عليه. وعبّر عنهم بالصابرين إظهاراً في مقام الإضمار لزيادة التنويه بصفة الصابرين، أي الصبر خبر لجنس الصابرين.
الشنقيطي
تفسير : نزلت هذه الآية الكريمة من سورة النحل بالمدينة، في تمثيل المشركين بحمزة ومن قتل معه يوم أحد. فقال المسلمون: لئن أظفرنا الله بهم لنمثلن بهم. فنزلت الآية الكريمة، فصبروا لقول تعالى: {لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} مع أن سورة النحل مكية، إلا أن هذه الآيات الثلاث من آخرها. والآية فيها جواز الانتقام والإرشاد إلى أفضلية العفو. وقد ذكر تعالى هذا المعنى في القرآن. كقوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الشورى: 40] الآية، وقوله: {أية : وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}تفسير : [المائدة: 45] الآية، وقوله: {أية : وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ}تفسير : [الشورى: 41] إلى قوله {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ }تفسير : [الشورى: 43]، وقوله {أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ}تفسير : [النساء: 148] إلى قوله {أية : أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً }تفسير : [النساء: 149] كما قدمنا. مسائل بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى - يؤخذ من هذه الآية حكم مسألة الظفر، وهي أنك إن ظلمك إنسان: بأن أخذ شيئاً من مالك بغير الوجه الشرعي ولم يمكن لك إثباته، وقدرت له على مثل ما ظلمك به على وجه تأمن معه الفضيحة والعقوبة. فهل لك أن تأخذ قدر حقك أو لا؟ أصح القولين، وأجراهما على ظواهر النصوص وعلى القياس: أن لك أن تأخذ قدر حقك من غير زيادة. لقوله تعالى في هذه الآية: {فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} الآية، وقوله: {أية : فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة: 194]. وممن قال بهذا القول: ابن سرين وإبراهيم النخعي، وسفيان ومجاهد، وغيرهم. وقالت طائفة من العلماء منهم مالك: لا يجوز ذلك. وعليه خليل بن إسحاق المالكي في مختصره بقوله في الوديعة: وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها. واحتج من قال بهذا القول بحديث "حديث : أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك. ولا تخن من خانك"تفسير : اهـ. وهذا الحديث على فرض صحته لا ينهض الاستدلال به. لأن من أخذ قدر حقه ولم يزد عليه لم يخن من خانه، وإنما أنصف نفسه ممن ظلمه. المسألة الثانية - أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة المماثلة في القصاص. فمن قتل بحديدة قتل بها، ومن قتل بحجر قتل به. ويؤيده "رضه صلى الله عليه وسلم رأس يهودي بين حجرين قصاصاً لجارية فعل بها مثل ذلك". وهذا قول أكثر أهل العلم خلافاً لأبي حنيفة ومن وافقه، زاعماً أن القتل بغير المحدد شبه عمد، لا عمد صريح حتى يجب فيه القصاص. وسيأتي لهذا إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح في سورة الإسراء. المسألة الثالثة: أطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة اسم العقوبة على الجناية الأولى في قوله: {بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} والجناية الأولى ليست عقوبة. لأن القرآن بلسان عربي مبين. ومن أساليب اللغة العربية المشاكلة بين الألفاظ. فيؤدي لفظ بغير معناه الموضوع له مشاكلة للفظ آخر مقترن به في الكلام. كقول الشاعر: شعر : قالوا اقترح شيئاَ نجد لك طبخه قلت اطبخوا لي جبةً وقميصا تفسير : أي خيطوا لي. وقال بعض العلماء: ومنه قول جرير: شعر : هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذَّكر تفسير : بناء على القول بأن الأرامل لا تطلق في اللغة إلا على الإناث. ونظير الآية الكريمة في إطلاق إحدى العقوبتين على ابتداء الفعل مشاكلة للفظ الآخر - قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ }تفسير : [الحج: 60] الآية، ونحوه أيضاً. قوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40] مع أن القصاص ليس بسيئة وقوله: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ}تفسير : [البقرة: 194] الآية. لأن القصاص من المعتدي أيضاً ليس باعتداء كما هو ظاهر، وإنما أدى بغير لفظه للمشاكلة بين اللفظين: قوله تعالى: {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالصبر، وأنه لا يمتثل ذلك الأمر بالصبر إلا بإعانة الله وتوفيقه. لقوله: {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} وأشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}تفسير : [فصلت: 35]، لأن قوله: {وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} الآية، معناه أن خصلة الصبر لا يلقاها إلا من كان له عند الله الحظ الأكبر والنصيب الأوفر، بفضل الله عليه، وتيسير ذلك له.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِّلصَّابِرينَ} {لَئِن} (126) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِالعَدْلِ فِي القَصَاصِ، وَالمُمَاثَلَةِ فِي الاسْتِيفَاءِ لِلْحَقِّ، فَإِنْ أَخَذَ رَجُلٌ مِنْكُمْ شَيْئاً، فَخُذُوا مِثْلَهُ. وَفِي مَعْرَكَةِ أُحُدٍ قُتِلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ (عَمُّ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم) وَمَثَّلَ المُشْرِكُونَ بِجُثَّتِهِ، فَاغْتَاظَ الرَّسُولُ لِذَلِكَ كَثِيراً وَقَالَ: (حديث : لَئِنْ أَظْهَرَنِي اللهُ عَلَيْهِمْ لأُمَثِّلَّنَ بِثَلاَثِينَ رَجُلاً مِنْهُمْ)تفسير : . فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، فَكَفَّرَ الرَّسُولُ عَنْ يَمِينِهِ وَأَمْلَكَ عَنْ ذلِكَ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ المُؤْمِنينَ إِذَا صَبَرُوا، وَلَمْ يَقْتَصُّوا لأَِنْفُسِهِمْ، كَانَ ذلِكَ خَيْراً لَهُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ. وَلِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَمْثَالٌ فِي القُرْآنِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ العَدْلِ وَالنَّدْبِ إِلى الفَضْلِ {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَاْ}،تفسير : ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلاحظ أن هذا المعنى ورد في قوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 194]. وبمقارنة الآيتين نرى أنهما يقرران المثلية في رد الاعتداء: {فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ ..} [النحل: 126]. و {أية : فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ ..} تفسير : [البقرة: 194]. إذن: الحق سبحانه، وإنْ شرع لنا الرد على الاعتداء بالمثل، إلا أنه جعله صعباً من حيث التنفيذ، فمَنِ الذي يستطيع تقدير المثلية في الرد، بحيث يكون مثله تماماً دون اعتداء، ودون زيادة في العقوبة، وكأن في صعوبة تقدير المثلية إشارةً إلى استحباب الانصراف عنها إلى ما هو خير منها، كما قال تعالى: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: 126]. فقد جعل الله في الصبر سَعة، وجعله خيراً من رَدِّ العقوبة، ومقاساة تقدير المثلية فيها، فضلاً عما في الصبر من تأليف القلوب ونَزْع الأحقاد، كما قال الحق سبحانه: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [فصلت: 34]. ففي ذلك دَفْع لشراسة النفس، وسَدٌّ لمنافذ الانتقام، وقضاء على الضغائن والأحقاد. وقوله: {لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: 126]. الخيرية هنا من وجوه: أولاً: في الصبر وعدم رَدِّ العقوبة بمثلها إنهاءٌ للخصومات، وراحة للمجتمع أن تفزعه سلسلة لا تنتهي من العداوة. ثانياً: مَنْ ظُلِم من الخلق، فصبر على ظلمهم، فقد ضمن أن الله تعالى في جواره؛ لأن الله يغار على عبده المظلوم، ويجعله في معيته وحفظه؛ لذلك قالوا: لو علم الظالم ما أعدَّه الله للمظلوم لَضنَّ عليه بالظلم. والمتتبع لآيات الصبر في القرآن الكريم يجد تشابهاً في تذييل بعض الآيات. يقول تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17]. وفي آية أخرى: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. ولا ننسى أن المتكلم هو الله، إذن: ليس المعنى واحداً، فلكل حرف هنا معنى، والمواقف مختلفة، فانظر إلى دِقّة التعبير القرآني. ولما كانت المصائب التي تصيب الإنسان على نوعين: النوع الأول: هناك مصائب تلحق الإنسان بقضاء الله وقدره، وليس له غريم فيها، كمن أُصيب في صحته أو تعرَّض لجائحة في ماله، أو انهار بيته .. الخ. وفي هذا النوع من المصائب يشعر الإنسان بألم الفَقْد ولذْعة الخسارة، لكن لا ضغن فيها على أحد. إذن: الصبر على هذه الأحداث قريب؛ لأنه ابتلاء وقضاء وقدر، فلا يحتاج الأمر بالصبر هنا إلى توكيد، ويناسبه قوله تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17]. أما النوع الآخر: فهو المصائب التي تقع بفعل فاعل، كالقتل مثلاً، فإلى جانب الفَقْد يوجد غريم لك، يثير حفيظتك، ويهيج غضبك، ويدعوك إلى الانتقام كلما رأيته، فالصبر في هذه أصعب وحَمْل النفس عليه يحتاج إلى توكيد كما في الآية الثانية: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. فاستعمل هنا لام التوكيد؛ لأن الصبر هنا شاقّ، والفرصة مُتَاحَة للشيطان لِيُؤلّب القلوب، ويثير الضغائن والأحقاد. كما نلاحظ في الآية الأولى قال: (وَاصْبِرْ). وفي الثانية قال: (صَبَر وغَفَر) لأن أمامه غريماً يدعوه لأنْ يغفر له. ويُحكى في قصص العرب قصة اليهودي المرابي الذي أعطى رجلاً مالاً على أنْ يردَّه في أجل معلوم، واشترط عليه إنْ لم يَفِ بالسداد في الوقت المحدد يقطع رَطْلاً من لحمه، ووافق الرجل، وعند موعد السداد لم يستطع الرجل أداء ما عليه. فرفع اليهودي الأمر إلى القاضي وقَصَّ عليه ما بينهما من اتفاق، وكان القاضي صاحب فِطْنة فقال: نعم العقد شريعة المتعاقدين، وأمر له بسكين. وقال: خُذْ من لحمه رَطْلاً، ولكن في ضربة واحدة، وإنْ زاد عن الرطل أو نقص أخذناه من لحمك أنت. ولما رأى اليهودي مشقة ما هو مُقْدِم عليه آثر السلامة وتصالح مع خصمه. والسؤال الآن: ما علاقة هذه الآية: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ ..} [النحل: 126]. بما قبلها: {أية : ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [النحل: 125]. الدعوة إلى منهج يلفت الإنسان - خليفة الله في أرضه - أنْ يلتزمَ بمنهج الله الذي استخلفه، ووضع له هذا المنهج لِيُنظّم حركة حياته، والداعية يواجه هؤلاء الذين يُفسدون في الأرض، ويحققون لأنفسهم مصالح على حساب الغير، والذي يحقق لنفسه مصلحة على حساب غيره لا بُدَّ أن يكون له قوة وقدرة، بها يطغى ويستعلي ويظلم. فإذا جاء منهج الله تعالى ليعدل حركة هؤلاء ويُخرجهم مما أَلفُوه، وينزع منهم سلطان الطغيان والظلم، ويسلبهم هذا السوط الذي يستفيدون به، فلا بُدَّ أنْ يُجادلوه ويصادموه ويقفوا في وجهه، فقد جمع عليهم شدة النصح والإصلاح، وشدة تَرْك ما ألفوه. فعلَى الداعية - إذن - أن يتحلى بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادلهم بالتي هي أحسن، فإذا ما تعدَّى أمرُهم إلى الاعتداء على الداعية، إذا ما استشرى الفساد وغلبت شراسة الطباع، فسوف نحتاج إلى أسلوب آخر، حيث لم يَعُدْ يُجدي أسلوب الحكمة. ولا بُدَّ لنا أن نقفَ الموقف الذي تقتضيه الرجولة العادية، فضلاً عن الرجولة الإيمانية، وأن يكون لدينا القدرة على الرد الذي شرعه لنا الحق سبحانه وتعالى، دون أن يكون عندنا لَدَد في الخصومة، أو إسراف في العقوبة. فجاء قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..} [النحل: 126]. وفي الآية تحذير أن يزيدَ الردّ على مثله، وبذلك يتعلم الخصوم أنك خاضع لمنهج رباني عادل يستوي أمامه الجميع، فهم وإن انحرفوا وأجرموا فإن العقاب بالمثل لا يتعداه، ولعل ذلك يلفتهم إلى أن الذي أمر بذلك لم يطلق لشراسة الانتقام عنانها، بل هَدَّأَها ودعاها إلى العفو والصفح، ليكون هذا أدعى إلى هدايتهم. وهذا التوجيه الإلهي في تقييد العقوبة بمثلها قبل أن يتوجه إلى أمته صلى الله عليه وسلم توجّه إليه صلى الله عليه وسلم في تصرُّف خاص، لا يتعلق بمؤمن على عموم إيمانه، ولكن بمؤمن حبيب إلى رسول الله، وصاحب منزلة عظيمة عنده، إنه عمه وصاحبه حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء رضي الله عنه. فقد مثَّل به الكفار في أُحُد، وشقَّتْ هند بطنه، ولاكت كبده، فشقَّ الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثَّر في نفسه، وواجه هذا الموقف بعاطفتين: عاطفته الإيمانية، وعاطفة الرحم والقرابة فهو عمه الذي آزره ونصره، ووقف إلى جواره، فقال في انفعاله بهذه العاطفة: "حديث : لئن أظهرني الله عليهم لأُمثِّلنَّ بثلاثين رجلاً منهم ". تفسير : ولكن الحق سبحانه العادل الذي أنزل ميزان العدل والحق في الخلق هَدَّأ من رَوْعه، وعدَّل له هذه المسألة ولأمته من بعده، فقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..} [النحل: 126]. والمتأمل للأسلوب القرآني في هذه الآية يلحظ فيها دعوة إلى التحنُّن على الخصم والرأفة به، فالمتحدث هو الله سبحانه، فكل حرف له معنى، فلا تأخذ الكلام على إجماله، ولكن تأمل فيه وسوف تجد من وراء الحرف مراداً وأن له مطلوباً. لماذا قال الحق سبحانه: (وإنْ) ولم يستخدم (إذا) مثلاً؟ إن عاقبتم: كأن المعنى: كان يحب ألاَّ تعاقبوا. أما (إذا) فتفيد التحقيق والتأكيد، والحق سبحانه يريد أنْ يُحنِّن القلوب، ويضع ردَّ العقوبة بمثلها في أضيق نطاق، فهذه رحمة حتى مع الأعداء، هذه الرحمة تُحبِّبهم في الإسلام، وتدعوهم إليه، وبها يتحوَّل هؤلاء الأعداء إلى جنود في صفوف الدعوة إلى الله. كما أن في قوله: (عَاقَبْتُمْ) دليل على أن ردَّ العقوبة يحتاج إلى قوة واستعداد، كما قال تعالى: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 60]. كأنه يقول: كونوا دائماً على استعداد، وفي حال قوة تُمكنكم من الردِّ إذا اعتُدِي عليكم، كما أن في وجود القوة والاستعداد ما يردع العدو ويرهبه، فلا يجرؤ على الاعتداء من البداية، وبالقوة والاستعداد يُحفظ التوازن في المجتمع، فالقوي لا يفكّر أحد في الاعتداء عليه. وهذا ما نراه الآن بين دول العالم في صراعها المحموم حول التسلُّح بأسلحة فاتكة. وكلمة: {مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..} [النحل: 126]. نلاحظ أن الردَّ على الاعتداء يُسمَّى عقوبة، لكن الاعتداء الأول لماذا نُسميه أيضاً عقوبة؟ قالوا: لأن هذه طريقة في التعبير تسمَّى "المشاكلة"، أي: جاءت الأفعال كلها على شاكلة واحدة. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40]. لأن ردَّ السيئة لا يُسمَّى سيئة. ولسائل في هذه القضية أن يسأل: طالما أن الإسلام يسعى في هذه المسألة إلى العفو، فلماذا لم يُقرِّره من البداية؟ وما فائدة الكلام عن العقوبة بالمثل؟ نقول: لأن المجتمع لا يكون سليم التكوين إلا إذا أَمِن كل إنسان فيه على نفسه وعِرْضه وماله .. إلخ. وهذا الأمن لا يتأتَّى إلا بقوة تحفظه، كما أن للمجتمع توازناً، هذا التوازن في المجتمع لا يُحفظ إلا بقوة تضمن أداء الحقوق والواجبات، وتضمن أن تكون حركة الإنسان في المجتمع دون ظلم له. كما أن للحق سبحانه حكمة سامية في تشريع العقوبة على الجرائم، فهدف الشارع الحكيم أن يَحُدَّ من الجريمة، ويمنع حدوثها، فلو علم القاتل أنه سيُقتل ما تجرّأ على جريمته، ففي تشريع العقوبة رحمة بالمجتمع وحفظ لسلامته وأمْنه. ونرى البعض يعترض على عقوبة الردة، فيقول: كيف تقتلون مَن يرتد عن دينكم؟ وأين حرية العقيدة إذن؟ نقول: في تشريع قتل المرتد عن الإسلام تضييق لمنافذ الدخول في هذا الدين، بحيث لا يدخله أحد إلا بعد اقتناع تام وعقيدة راسخة، فإذا علم هذا الحكم من البداية فللمرء الحرية يدخل أو لا يدخل، لا يغصبه أحد، ولكن ليعلم أنه إذا دخل، فحكم الردة معلوم. إذن: شرعَ الإسلامُ العقوبةَ ليحفظ للمجتمع توازنه، وليعمل عملية ردع حتى لا تقع الجريمة من البداية، لكن إذا وقعتْ يلجأ إلى علاج آخر يجتثُّ جذور الغِلِّ والأحقاد والضغائن من المجتمع. لذلك سبق أن قلنا عن عادة الأخذ بالثأر في صعيد مصر: إنه يظل في سلسلة من القتل والثأر لا تنتهي، وتفزِّع المجتمع كله، حتى الآمنين الذين لا جريرة لهم، وتنمو الأحقاد والكراهية بين العائلات في هذا الجو الشائك، حتى إذا ما تشجَّع واحد منهم، فأخذ كفنه على يديه وذهب إلى وليّ القتيل، وألقى بنفسه بين يديه قائلاً: ها أنا بين يديك وكفني معي، فاصنع بي ما شئت، وعندها تأبى عليهم كرامتهم وشهامتهم أنْ يثأروا منه، فيكون العفو والصفح والتسامح نهاية لسلسلة الثأر التي لا تنتهي. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى -مبيحا للعدل ونادبا للفضل والإحسان- { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ } من أساء إليكم بالقول والفعل { فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } من غير زيادة منكم على ما أجراه معكم. { وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ } عن المعاقبة وعفوتم عن جرمهم { لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ } من الاستيفاء وما عند الله خير لكم وأحسن عاقبة كما قال تعالى: {أية : فمن عفا وأصلح فأجره على الله } تفسير : ثم أمر رسوله بالصبر على دعوة الخلق إلى الله والاستعانة بالله على ذلك وعدم الاتكال على النفس فقال: { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ } هو الذي يعينك عليه ويثبتك. { وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } إذا دعوتهم فلم تر منهم قبولا لدعوتك، فإن الحزن لا يجدي عليك شيئا. { وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ } أي: شدة وحرج { مِمَّا يَمْكُرُونَ } فإن مكرهم عائد إليهم وأنت من المتقين المحسنين. والله مع المتقين المحسنين، بعونه وتوفيقه وتسديده، وهم الذين اتقوا الكفر والمعاصي، وأحسنوا في عبادة الله، بأن عبدوا الله كأنهم يرونه فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم، والإحسان إلى الخلق ببذل النفع لهم من كل وجه. نسأل الله أن يجعلنا من المتقين المحسنين. تم تفسير سورة النحل والحمد لله.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [126] 299- أنا الحسين بن حُرَيث، أنا الفضل بن موسى، عن عيسى بن عُبيد، عن ربيع، عن أبي العالية، عن أُبَيِّ بن كعب، قال: حديث : لمَّا كان يوم أُحُد، أُصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة: منهم حمزة، فمثَّلوا به، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنُرَبينَّ عليهم، فلما أن كان يوم فتح مكة، فأنزل الله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفُّوا عن القوم غير أربعة ".
همام الصنعاني
تفسير : 1515- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}: [الآية: 126]، قال: مُثَّل بالمسلمين يَوْمَ أُحُدٍ، فقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} ثم قال بعد ذلك: {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}: [الآية: 127]. 1516- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد، عن ابن سيرين، قال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ}: [الآية: 126]، يقول: إن أخذ الرجلُ منك شيئاً فخذ منه مثله. 1517- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم: قال: إن أخَذَ منك شيئاً فخذ منه مثله. 1518- قال عبد الرزاق، قال سفيان الثوري ويقول: إن أَخَذَ منك ديناراً فلا تأخذ منه إلا ديناراً، وإن أخذ منك شيئاً فَلاَ تأخذ إلاّ مثلَ ذلِكَ. 1519- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن التيمي، عن داود، عن الشعبي، قال: لا تَخُنن من خَانَكَ أكثر مما خانك، فإن أخذت منه مثل ما أخذ منك فليس عليك بأس. 1520- عبد الرزاق، قال: سمعت هشاماً يحدث عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لاَ تخن من خانك، وأدَّ الأمانة إلى مَن اتمنك ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):