١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
127
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه مسألة واحدة: قال ٱبن زيد: هي منسوخة بالقتال. وجمهور الناس على أنها مُحْكَمَة. أي اصبر بالعفو عن المعاقبة بمثل ما عاقبوا من المُثْلَة. {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي على قتلى أحد فإنهم صاروا إلى رحمة الله. {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ} ضَيْق جمع ضيقة؛ قال الشاعر:شعر : كَشَـفَ الضَّيقةَ عنـا وفَسَـحْ تفسير : وقراءة الجمهور بفتح الضاد. وقرأ ابن كثير بكسر الضاد، ورويت عن نافع، وهو غلط ممن رواه. قال بعض اللغويين: الكسر والفتح في الضاد لغتان في المصدر. قال الأخفش: الضَّيق والضِّيق مصدر ضاق يضيق. والمعنى: لا يضيق صدرك من كفرهم. وقال الفراء: الضَّيق ما ضاق عنه صدرك، والضِّيق ما يكون في الذي يَتَّسع ويضيق؛ مثلُ الدار والثوب. وقال ابن السِّكّيت: هما سواء؛ يقال: في صدره ضَيق وضِيق. القُتَبِيّ: ضَيْق مخفف ضيّق؛ أي لا تكن في أمر ضَيّق فخفف؛ مثل هَيّن وهَيْن. وقال ابن عرفة: يقال ضاق الرجل إذا بخل، وأضاق إذا ٱفتقر. وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } أي الفواحش والكبائر بالنصر والمعونة والفضل والبر والتأييد. وتقدّم معنى الإحسان. وقيل لِهَرِم بن حِبّان عند موته: أوصنا؛ فقال: أوصيكم بآيات الله وآخر سورة النحل: {ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ} إلى آخرها.
البيضاوي
تفسير : {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} إلا بتوفيقه وتثبيته. {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} على الكافرين أو على المؤمنين وما فعل بهم. {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ} في ضيق صدر من مكرهم، وقرأ ابن كثير في {ضَيْقٍ} بالكسر هنا وفي «النمل» وهما لغتان كالقول والقيل، ويجوز أن يكون الضيق تخفيف ضيق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } بتوفيقه {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } أي الكفار إن لم يؤمنوا لحرصك على إيمانهم {وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ } أي لا تهتم بمكرهم فأنا ناصرك عليهم.
النسفي
تفسير : {وَاصْبِرْ} أنت فعزم عليه بالصبر {وَمَا صبَرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ} أي بتوفيقه وتثبيته {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} على الكفار أن لم يؤمنوا وعلى المؤمنين وما فعل بهم الكفار فإنهم وصلوا إلى مطلوبهم {وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} {ضِيق} مكي. والضيق تخفيف الضيق أي في أمر ضيق ويجوز أن يكونا مصدرين كالقيل والقول، والمعنى ولا يضيقن صدرك من مكرهم فإنه لا ينفذ عليك {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا والَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} أي هو ولي الذين اجتنبوا السيئات وولي العاملين بالطاعات. قيل: من اتقى في أفعاله وأحسن في أعماله كان الله معه في أحواله. ومعيته نصرته في المأمور وعصمته في المحظور.
ابو السعود
تفسير : {وَٱصْبِرْ} أي على ما أصابك من جهتهم من فنون الآلامِ والأَذية وعاينتَ من إعراضهم عن الحق بالكلية {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأشياء، أي وما صبرُك ملابساً ومصحوباً بشيء من الأشياء إلا بالله أي بذكره والاستغراقِ في مراقبة شؤونه والتبتّلِ إليه بمجامع الهِمّة، وفيه من تسليته عليه الصلاة والسلام وتهوينِ مشاقِّ الصبرِ عليه وتشريفِه ما لا مزيدَ عليه. أو إلا بمشيئته المبنيّةِ على حِكَمٍ بالغة مستتبِعةٍ لعواقبَ حميدةٍ، فالتسليةُ من حيث اشتمالُه على غايات جميلة، وقيل: إلا بتوفيقه ومعونتِه فهي من حيث تسهيلُه وتيسيرُه فقط {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي على الكافرين بوقوع اليأسِ من إيمانهم بك ومتابعتِهم لك نحو { أية : فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [المائدة، الآية 68] وقيل: على المؤمنين وما فُعل بهم والأولُ هو الأنسب بجزالة النظمِ الكريم {وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ} بالفتح، وقرىء بالكسر وهما لغتان كالقَوْل والقيل، أي لا تكن في ضيق صدرٍ وحرَج، ويجوز أن يكون الأولُ تخفيفَ ضيِّق، كهيْن من هيِّن، أي في أمر ضيِّقٍ {مّمَّا يَمْكُرُونَ} أي من مكرهم بك فيما يُستقبل، فالأولُ نهيٌ عن التألم بمطلوبٍ مِنْ قبلَهم فاتَ، والثاني عن التألم بمحذور من جهتهم آتٍ، والنهيُ عنهما مع أن انتفاءَهما من لوازم الصبرِ المأمورِ به لا سيما على الوجه الأولِ لزيادة التأكيدِ وإظهارِ كمالِ العنايةِ بشأن التسليةِ، وإلا فهل يخطُر ببال من توجّه إلى الله سبحانه بشراشرِ نفسِه متنزهاً عن كل ما سواه من الشواغل شيءٌ من مطلوب فيُنهىٰ عن الحزن بفواته أو محذورٍ فكيف عن الخوف من وقوعه.
التستري
تفسير : قوله: {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}[127] قال سهل: واصبر واعلم أنه لا معين على الأمور إلا الله تعالى، والله سبحانه وتعالى أعلم.
القشيري
تفسير : "واصبر" تكليف، "وما صبرك إلا بالله": تعريف. "واصبر" تحققٌ بالعبودية، "وما صبرك إلا بالله" إخبارٌ عن الربوبية. "ولا تحزن عليهم.." أي طالِعْ التقدير، فما لا نجعلُ له خطراً عندنا لا ينبغي أن يوجِبَ أثراً فيك، فمَنْ أَسْقَطْنا قَدْرَه فاستَصْغِر أَمْرَه. وإذا عرفتَ انفرادَنا بالإيجادِ فلا يضيق قلبُك بشدّة عداوتهم، فإِنَّا ضَمَنَّا كِفايتَك، وألا نُشْمِتَهم بك، وألا نجعلَ لهم سبيلاً إليك.
الجنابذي
تفسير : {وَٱصْبِرْ} لمّا كان المؤمنون الغير الخارجين من دار النّفس غير متحمّلين للاذى متبادرين الى القصاص قال فيهم على طريق المداراة ولئن صبرتم بخلاف محمّد (ص) ولذلك امره (ص) صريحاً بالصّبر للاشعار بانّ التّمكّن من الصّبر انّما هو نعمة من الله لانّ البشريّة مقتضيته للانتقام قال {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} اى على اصحابك وما فعل بهم من القتل والمثلة بناءً على نزول الآية، او ولا تحزن على الضّالين الماكرين لك او لعلىّ (ع) او للمؤمنين {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} فى حقّ اصحابك او فيك او فى علىّ (ع) وهذا اشارة الى الصّفح وتطهير القلب عن الحقد على المسيء.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ} فصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يمثّل. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المثلة. قوله: { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: على المشركين إن لم يؤمنوا { وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} أي: لا يضيق صدرك بمكرهم وكذبهم عليك فإن الله معك. { إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا} أي: في العون والنصر والتأييد {وَّالَّذِين هُم مُّحْسِنُونَ}.
الالوسي
تفسير : {وَٱصْبِرْ} على ما أصابك من جهتهم من فنون الآلام والأذية وعاينت من إعراضهم بعد الدعوة عن الحق بالكلية {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} استثناء مفرغ من أعم الأشياء أي وما صبرك ملابساً ومصحوباً بشيء من الأشياء إلا بذكر الله تعالى والاستغراق بمراقبة شؤونه والتبتل إليه سبحانه بمجامع الهمة، وفيه من تسلية النبـي صلى الله عليه وسلم وتهوين مشاق الصبر عليه وتشريفه ما لا مزيد عليه أو إلا بمشيئته المبنية على حكم بالغة مستتبعة لعواقب حميدة فالتسلية من حيث اشتماله على غايات جليلة قاله شيخ الإسلام. وقال غير واحد: أي إلا بتوفيقه ومعونته فالتسلية من حيث تيسير الصبر وتسهيله ولعل ذلك أظهر مما تقدم. {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي على الكافرين وكفرهم بك وعدم متابعتهم لك نحو {أية : فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [المائدة: 68] وقيل: على المؤمنين وما فعل بهم من المثلة يوم أحد {وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ} بفتح الضاد، وقرأ ابن كثير بكسرها وروي ذلك عن نافع، ولا يصح على ما قال أبو حيان عنه وهما لغتان كالقول والقيل أي/ لا تكن في ضيق صدر وحرج وفيه استعارة لا تخفى ولا داعي إلى ارتكاب القلب، وقال أبو عبيدة: الضيق بالفتح مخفف ضيق كهين وهين أي لا تك في أمر ضيق. ورده أبو علي كما في "البحر" بأن الصفة غير خاصة بالموصوف فلا يجوز ادعاء الحذف ولذلك جاز مررت بكاتب وامتنع بآكل. وتعقب بالمنع لأنه إذا كانت الصفة عامة وقدر موصوف عام فلا مانع منه. {مّمَّا يَمْكُرُونَ} أي من مكرهم بك فيما يستقبل فالأول كما في "إرشاد العقل السليم" نهي عن التألم بمطلوب من جهتهم فات والثاني نهي عن التألم بمحذور من جهتهم آت، وفيه أن النهي عنهما مع أن انتفاءهما من لوازم الصبر المأمور به لزيادة التأكيد وإظهار كمال العناية بشأن التسلية وإلا فهل يخطر ببال من توجه إلى الله تعالى بشراشره متنزهاً عن كل ما سواه سبحانه من الشواغل شيء مطلوب فينهى عن الحزن بفواته، وقيل: يمكرون بمعنى مكروا، وإنما عبر بالمضارع استحضاراً للصورة الماضية، والأول نهي عن الحزن على سوء حالهم في أنفسهم من اتصافهم بالكفر والاعراض عن الدعوة والثاني نهي عن الحزن على سوء حالهم معه صلى الله عليه وسلم من إيذائهم له بالتمثيل بأحبابه ونحوه والمراد من النهيين محض التسلية لا حقيقة النهي، وأنت تعلم أن الظاهر إبقاء المضارع على حقيقته فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : خص النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالصبر للإشارة إلى أن مقامه أعلى، فهو بالتزام الصبر أولى، أخذاً بالعزيمة بعد أن رخّص لهم في المعاقبة. وجملة {وما صبرك إلا بالله} معترضة بين المتعاطفات، أي وما يحصل صبرك إلا بتوفيق الله إيّاك. وفي هذا إشارة إلى أن صبر النبي صلى الله عليه وسلم عظيم لقي من أذى المشركين أشدّ مما لقيه عموم المسلمين. فصبره ليس كالمعتاد، لذلك كان حصوله بإعانة من الله. وحذره من الحزن عليهم أن لم يؤمنوا كقوله: {أية : لعلّك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} تفسير : [سورة الشعراء: 3]. ثم أعقبه بأن لا يضيق صدره من مكرهم، وهذه أحوال مختلفة تحصل في النفس باختلاف الحوادث المسببة لها، فإنهم كانوا يعاملون النبي مرة بالأذى علناً، ومرة بالإعراض عن الاستماع إليه وإظهارِ أنهم يغيظُونه بعدم متابعته، وآونة بالكيد والمكر له وهو تدبير الأذى في خفاء. والضيق بفتح الضّاد وسكون الياء مصدر ضاق، مثل السّير والقَول. وبها قرأ الجمهور. ويقال: الضِيق بكسر الضاد مثل: القيل. وبها قرأ ابن كثير. وتقدم عند قوله: {أية : وضائق به صدرك} تفسير : [سورة هود: 12]. والمراد ضيق النفس، وهو مستعار للجزع والكدر، كما استعير ضدّه وهو السعة والاتّساع للاحتمال والصبر. يقال: فلان ضيق الصدر، قال تعالى في آخر الحجر {أية : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} تفسير : [سورة الحجر: 97]. ويقال سعة الصدر. والظرفية في {ضيق} مجازية، أي لا يلابسك ضيق ملابسة الظرف للحال فيه. و{ما} مصدرية، أي من مكرهم. واختير الفعل المنسبك إلى مصدر لما يؤذن به الفعل المضارع من التجدّد والتكرّر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 127- واصبر أنت - أيها النبى - فإن ذلك يسهل عليك كثيرا من مشقات الحياة، ويعالج مشاكلها، ولا تحزن على عدم استجابة قومك لدعوتك، وإيمانهم بك، ولا يضق صدرك من مكرهم وتدابيرهم لخنق دعوتك، فإنك لن يضرك شئ من فعلهم، وقد أديت ما عليك واتقيت ربك. 128- فإن ربك مع الذين اتقوا غضب الله باجتناب نواهيه، وأحسنوا لله أعمالهم بالإقبال على طاعته، يعينهم وينصرهم فى الدنيا ويجزيهم خير الجزاء فى الآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : (127) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ الكَرِيمَ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا أَصَابَهُ مِنْ أَذًى فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمِنْ إِعْرَاضٍ عَنِ الدَّعْوَةِ، وَيُخْبِرُهُ بِأَنَّ الصَّبْرَ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَعَوْنِهِ وَقُوَّتِهِ، وَيَقُولُ لَهُ لاَ تَحْزَنْ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، وَلاَ تَكُنْ فِي ضِيقٍ وَغَمٍّ مِمَّا يُجْهِدُونَ أَنْفُسَهُمْ بِهِ فِي عَدَاوَتِكَ، وَإِيصَالِ الأَذَى إِلَيْكَ، فَإِنَّ اللهَ كَافِيكَ وَنَاصِرُكَ وَمُظْهِرُكَ عَلَيْهِمْ. ضَيْقٍ - ضِيقِ صَدْرٍ وَحَرَجٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن ذكرتْ الآيات فضل الصبر وما فيه من خيرية، وكأن الآية السابقة تمهد للأمر هنا (وَاصْبِرْ) ليأتمر الجميع بأمر الله، بعد أنْ قدَّم لهم الحيثيات التي تجعل الصبر شجاعة لا ضعفاً، كمَا يقولون في الحكمة: من الشجاعة أنْ تجبُنَ ساعة. فإذا ما وسوس لك الشيطان، وأغراك بالانتقام، وثارت نفسُك، فالشجاعة أنْ تصبر ولا تطاوعهما. قوله تعالى: {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ..} [النحل: 127]. من حكمة الله ورحمته أنْ جعلك تصبر على الأذى؛ لأن في الصبر خيراً لك، والله هو الذي يُعينك على الصبر، ويمنع عنك وسوسة الشيطان وخواطر السوء التي تهيج غضبك، وتجرّك إلى الانتقام. والحق سبحانه وتعالى يريد من عبده أن يتجه لإنفاذ أمره، فإذا علم ذلك من نيته تولّى أمره وأعانه، كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. إياك أن تعتقد أن الصبر من عندك أنت، فالله يريد منك أن تتجه إلى الصبر مجرد اتجاه ونية، وحين تتجه إليه يُجنّد الله لك الخواطر الطيبة التي تُعينك عليه وتُيسِّره لك وتُرضيك به، فيأتي صبرك جميلاً، لا سخطَ فيه ولا اعتراضَ عليه. ثم يقول تعالى: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ..} [النحل: 127]. لقد امتنّ الله على أمة العرب التي استقبلتْ دعوة الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، بأنْ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ومن أوسطهم، يعرفون حَسبَه ونَسبَه وتاريخه وأخلاقه، وقد كان صلى الله عليه وسلم مُحباً لقومه حريصاً على هدايتهم، كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]. أي: تعز عليه مشقتكم، ويؤلمه عَنَتكم وتعبكم، حريص عليكم، يريد أن يستكمل لكم كل أنواع الخير؛ لأن معنى الحرص: الضَّنّ بالشيء، فكأنه صلى الله عليه وسلم يضِنّ بقومه. وقد أوضح هذا المعنى في الحديث الشريف: "حديث : إنما مثلي ومثَل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحّمون فيه ". تفسير : لذلك حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه لما رأى من كفرهم وعنادهم وتكبُّرهم عن قبول الحق، وهو يريد لهم الهداية والصلاح؛ لأنك إذا أحببتَ إنساناً أحببتَ له ما تراه من الخير، كمن ذهب إلى سوق، فوجدها رائجة رابحة، فدلّ عليها من يحب من أهله ومعارفه. كذلك لما ذاق رسول الله صلى الله عليه وسلم حلاوة الإيمان أحبَّ أنْ يُشاركه قومه هذه المتعة الإيمانية. والحق سبحانه وتعالى هنا يُسلِّي رسوله، ويخفف عنه ما صُدم في قومه، يقول له: لا تحزن عليهم ولا تُحمّل نفسك فوق طاقتها، فما عليك إلا البلاغ. ويخاطبه ربه في آية أخرى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6]. أي: لا تكن مُهْلكاً نفسَك أسَفاً عليهم. وقوله: {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127]. الضيق: تأتي بالفتح وبالكسر، ضِيْق، ضَيْق. والضيق: أن يتضاءل الشيء الواسع أمامك عما كنت تُقدِّره، والضيق يقع للإنسان على درجات، فقد تضيق به بلده فينتقل إلى بلد آخر. وربما ضاقت عليه الدنيا كلها، وفي هذه الحالة يمكن أنْ تسعه نفسه، فإذا ضاقتْ عليه نفْسه فقد بلغ أقصى درجات الضيق، كما قال تعالى عن الثلاثة الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله: {أية : وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ..} تفسير : [التوبة: 118]. فالحق سبحانه ينهى رسوله صلى الله عليه وسلم أنْ يكون في ضيق من مكر الكفار؛ لأن الذي يضيق بأمر ما هو الذي لا يجد في مجال فكره وبدائله ما يخرج به من هذا الضيق، إنما الذي يعرف أن له منفذاً ومَخْرجاً فلا يكون في ضَيْق. فالمعنى: لا تَكُ في ضيق يا محمد، فالله معك، سيجعل لك من الضيق مخرجاً، ويرد على هؤلاء مكرهم: {أية : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}تفسير : [الأنفال: 30]. ولذلك يقول: لا كرب وأنت رب. فساعة أن تضيق بك الدنيا والأهل والأحباب، وتضيق بك نفسك فليسعْك ربك، ولتكُنْ في معيته سبحانه؛ ولذلك قال تعالى بعد ذلك: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فِي ضَيْقٍ} معناه في شِدةٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):