١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
128
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } المعاصي. {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } في أعمالهم بالولاية والفضل، أو مع الذين اتقوا الله بتعظيم أمره والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله بما أنعم عليه في دار الدنيا وإن مات في يوم تلاها أو ليلة كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية»
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } الكفر والمعاصي {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } بالطاعة والصبر بالعون والنصر.
ابن عبد السلام
تفسير : {اتَّقَواْ} المحرمات، وأحسنوا بالفرائض والطاعات.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} تعليلٌ بما سبق من الأمر والنهي، والمرادُ بالمعية الولايةُ الدائمةُ التي لا تحوم حول صاحبها شائبةُ شيءٍ من الجزَع والحزنِ وضِيق الصدورِ، وما يُشعر به دخولُ كلمة مع من متبوعيّة المتقين إنما هي من حيث إنهم المباشرون للتقوى وكذا الحالُ في قوله سبحانه: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} تفسير : [الأنفال، الآية 46] ونظائرِهما كافة، والمرادُ بالتقوى المرتبةُ الثالثة منه الجامعة لما تحتها من مرتبة التوقي عن الشرك ومرتبةِ التجنّب عن كل ما يؤثِمُ من فعل وترك، أعني التنزّهَ عن كل ما يشغَلُ سِرَّه عن الحق والتبتّلِ إليه بشراشر نفسِه، وهو التقوى الحقيقيُّ المُورِث لولايته تعالى المقرونة ببشارة قوله سبحانه: { أية : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [يونس، الآية 62] والمعنى أن الله وليُّ الذين تبتلوا إليه بالكلية وتنزّهوا عن كل ما يشغل سرَّهم عنه فلم يخطُرْ ببالهم شيءٌ من مطلوب أو محذور فضلاً عن الحزن بفواته أو الخوفِ من وقوعه وهو المعنيُّ بما به الصبرُ المأمورُ به حسبما أشير إليه وبه يحصل التقريب ويتم التعليل كما في قوله تعالى: { أية : فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [هود، الآية 49] على أحد التفسيرين كما حُقق في مقامه وإلا فمجردُ التوقي عن المعاصي لا يكون مداراً لشيء من العزائم المرخصِ في تركها فكيف بالصبر المشارِ إليه ورديفيه، وإنما مدارُه المعنى المذكورُ فكأنه قيل: إن الله مع الذين صبروا، وإنما أوثر ما عليه النظمُ الكريم مبالغةً في الحث على الصبر بالتنبـيه على أنه من خصائص أجل النعوتِ الجليلة وروادفِه كما أن قوله تعالى: {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} للإشعار بأنه من باب الإحسانِ الذي يتنافس فيه المتنافسون على ما فُصل ذلك حيث قيل: { أية : وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [هود: 115] وقد نُبّه على أن كلاًّ من الصبر والتقوى من قبـيل الإحسان في قوله تعالى: { أية : إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [يوسف: 90] وحقيقةُ الإحسان الإتيانُ بالأعمال على الوجه اللائقِ الذي هو حسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحسنها الذاتيِّ، وقد فسّره عليه الصلاة والسلام بقوله: « حديث : أن تعبدَ الله كأنك تراه فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك » تفسير : وتكريرُ الموصولِ للإيذان بكفاية كلَ من الصلتين في ولايته سبحانه من غير أن تكون إحداهما تتمةً للأخرى، وإيرادُ الأولى فعليةٌ للدِلالة على الحدوث كما أن إيرادَ الثانيةِ اسميةٌ لإفادة كونِ مضمونِها شيمةً راسخةً لهم، وتقديمُ التقوى على الإحسان لما أن التخليةَ متقدمة على التحلية، والمرادُ بالموصولَين إما جنسُ المتقين والمحسنين وهو عليه الصلاة والسلام داخلٌ في زمرتهم دخولاً أولياً، وإما هو عليه الصلاة والسلام ومن شايعه، عبّر عنهم بذلك مدحاً لهم وثناءً عليهم بالنعتين الجميلين، وفيه رمزٌ إلى أن صنيعَه عليه الصلاة والسلام مستتبِعٌ لاهتداء الأمةِ به كقول من قال لابن عباس رضي الله عنهما عند التعزية: [الكامل] شعر : اصبِرْ نكنْ بك صابرين فإنما صبرُ الرعية عند صبرِ الرأسِ تفسير : عن هرم بن حيان أنه قيل له حين الاحتضارِ: أوصِ، قال: إنما الوصيةُ من المال وأوصيكم بخواتيم سورة النحل. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من قرأ سورة النحل لم يحاسبْه الله تعالى بما أنعم عليه في دار الدنيا، وإن مات في يومِ تلاها أو ليلتَه كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية ». تفسير : والحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله أجمعين.
السلمي
تفسير : قال ممشاء الدينورى رحمه الله: رأيت ملكًا من الملائكة يقول لى: كل من كان مع الله تعالى فهو هالك إلا رجل واحد، قلت: ومن هو؟ قال: من كان الله معه وهو قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}. وقال بعضهم: من اتقى الله فى أفعاله أحسن الله تعالى إليه فى أحواله. قال الفضل بن عياض فى هذه الآية: اتقوا فيما نهاهم الله تعالى عنه وأحسنوا فيما أمرهم به.
القشيري
تفسير : إن الله معهم بالنصرة، ويحيطهم بالإحسان والبسطة. "الذين اتقوا" رؤيَةَ النصْرةِ مِنْ غيره، والذين هم أصحاب التبري من الحَوْلِ والقوة. والمحسن الذي يعبد الله كأنه يراه، وهذه حال المشاهدة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الله مع الذين اتقوا} اجتنبوا المعاصى ومعنى المعية الولاية والفضل {والذين هم محسنون} فى اعمالهم ويقال مع الذين اتقوا مكافاة المسيئ والذين هم محسنون الى من يعادى اليهم فالاحسان على الوجه الاول بمعنى جعل الشئ جميلا حسنا وعلى الثانى ضد الاساءة وفى الحديث "حديث : ان للمحسن ثلاث علامات يبادر فى طاعة الله ويجتنب محارم الله ويحسن الى من اساء اليه" شعر : ز احسان خاطر مردم شود شاد بتقوى خانه دين كردد آباد بسوى اين سفتها كر شتابى رضاى خلق وخالق هر دويابى تفسير : قال مشاد الدينورى رأيت ملكا من الملائكة يقول لى كل من كان مع الله فهو هالك الا رجل واحد قلت من هو قال من كان الله معه وهو قوله {ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} وذلك لان المقصود كينونة المحبوب مع المحب اذ هو يشعر بالرضى والاقبال واما كينونة المحب مع المحبوب فقد تحصل مع سخط المحبوب وادباره. وعن هرم بن حيان انه قيل له حين احتضر اوص فقال انما الوصية من المال ولا مال لى اوصيكم بخواتيم سورة النحل اى من {أية : ادع الى سبيل ربك}تفسير : الى آخرها. يقول الفقير سامحه الله القدير جمع شيخى وسندى روح الله روحه اصحابه قبل وفاته بيوم فقال اعلموا ايها الاصحاب انه لا مال لى حتى اوصى به ولكنى على مذهب اهل السنة والجماعة شريعة وطريقة ومعرفة وحقيقة فاعرفونى هكذا واشهدوا لى بهذا فى الدنيا والآخرة فهذا وصيتى واشار حضرة الشيخ بهذا الى انه لا زيغ ولا الحاد فى اعتقاده وفى طريقه اصلا فانهم قالوا ان اهل التصوف تفرقت على اثنتى عشرة فرقة فواحدة منهم سنييون وهم الذين اثنى عليهم العلماء والبواقى بدعيون. ويعلم السنى بشاهدين. احدهما ظاهر والآخر باطن فالظاهر استحكام الشريعة والباطن السلوك على البصيرة واليقظة والعلم لا على العمى والغفلة والجهل فمن عمل بخواتيم هذه السورة واتصف بحقيقة العفو والصبر والحلم والانشراح فى المنشط والمركه وترك الحزن والغم على الفائت والآتى. وبالتقوى على مراتبها وبالاحسان بانواعه فقد جعل لنفسه علامة الولاية والمعية والايمان الكامل وحسن الخاتمة وخير العاقبة اللهم احفظنا من الميل الى السوى والغير واختم عواقبنا بالخير يا رب تمت سورة النحل بما تحتويه من شواهد العقل والنقل فى يوم السبت التاسع عشر من شعبان المبارك المنتظم فى سلك شهور سنة اربع ومائة والف.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} وهم اصحابك، او انت واتباعك، او علىّ (ع) واتباعه فلا تك فى ضيقٍ ممّا فعل باصحابك فانّ لهم الزّلفى عند الله او لا تك فى ضيقٍ ممّا يحتالون فانّهم لن يصلوا بضررٍ اليك او الى علىّ (ع) او الى اتباعه، او هو تعليل للسّابق والمعنى انّ الله مع الّذين اتّقوا عن الضّيق والحزن او الحقد على المسيء او هو اشارة الى آخرة مراتب العبوديّة والتّقوى الحقيقيّة الّتى هى الفناء التّامّ فى الله والسّفر بالحقّ فى الحقّ، وقد تكرّر فيما سبق انّ لله مع عباده ومخلوقاته معيّتين؛ معيّةً هى من صفات الرّحمة الرّحمانيّة وهى عامّة، ومعيّةً هى من صفات الرّحمة الرّحيميّة وهى خاصّة؛ وهذا النّوع من المعيّة هو المراد فى امثال المقام {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} ذو وحسنٍ وهو الولاية او محسنون الى المسيء اليهم فالآية كما اشير اليه فى ذيل تفسير التّنزيل اشارة الى مراتب الانسان من اوّل مقام الاسلام الى آخر كمال الانسان فانّ قوله فان عاقبتم الى قوله لئن صبرتم اشارة الى اولى مراتبه فى الاسلام وقوله ولئن صبرتم (الى قوله) الاّ بالله اشارة الى ثانيتها من مقام العفو وكظم الغيظ وقوله ولا تحزن عليهم (الى قوله) ممّا يمكرون اشارة الى ثالثتها من مقام الصّفح وتطهير القلب عن الحقد على المسيء، وقوله انّ الله مع الّذين اتّقوا اشارة الى آخر مقام التّقوى وهو مقام الفناء التّامّ وهو الفناء عن الفناء، وقوله والّذين هم محسنون اشارة الى آخر مقامات الانسان وهو مقام البقاء بعد الفناء، ولو كنت متذكّراً لما اسلفنا فيما أسلفنا من بيان الاسفار الاربعة للسّلاّك واصطلاح الصّوفيّة الصّافية فيها امكنك التّفطّن بكون الآيات اشارة الى الاسفار الاربعة والله ولىّ التّوفيق.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا} تركوا المعاصى والكفر وقيل تركوا المثلة والزيادة فى القصاص، وتركوا المناهى، وقيل اتقوا الله بتعظيم أمره من فعل ذلك فإِن الله معه بالنصر والمعونة، {وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} فى أعمالهم بأَداء الفرض وزيادة بالنفل والرغبة فيما ندبوا إِليه كالعفو عن الجانى ومحسنون بالشفقة على خلق الله الرحمن الرحيم، قال بعضهم كمال الطريق صدق مع الحق، وخلق مع الخلق، وكمال الإِنس أن يعرف الحق لذاته والخير لأَجلهِ أن يعمل به والمراد بالحق الله سبحانهُ وتعالى. قال الزمخشرى وعن هرم بن سنان أنه قيل لهُ حين احتضر أوص. فقال: إِنما الوصية فى المال ولا مال لى أوصيكم بخواتم سورة النحل والله أعلم... ـ صلى الله على سيدنا محمد ـ وآله وصحبه وسلم. قال ابن عباس وقتادة.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا} تركوا الكفر والمعاصى والزيادة فى الانتقام، أو تركوه كله، واتبعوا وأمره وخافوه. {وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} بالطاعة والصبر، وعد انتقام، والإحسان إلى من أساء جلباً إلى الخير، حسما لمادة الشر والشفقة على خلق الله جل وعلا، والمراد بالمعية النصر والتوفيق والولاية والفضل، وقدم التقوى على الإحسان، لأن التخلى قبل التحلى، والمراد موصوف واحد عطفت عليه صفته، كأنه قيل: إن الله مع الذين جمعوا بين التقوى والإحسان، وأكد الإحسان بإيراده اسماً، وفى ذلك إيصاء بمكارم الأخلاق. قيل لهرم بن حيان حين احتضر: أوص، فقال: إنما الوصية فى المال ولا مال لى، ولكنى أوصيكم بخواتم سورة النحل.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} تعليل لما سبق من الأمر والنهي، والمراد بالمعية الولاية الدائمة التي لا يحوم حول صاحبها شيء من الجزع والحزن وضيق الصدر وما يشعر به دخول كلمة {مَعَ} من متبوعية المتقين من حيث أنهم المباشرون للتقوى، والمراد بها هنا أعلى مراتبها أعني التنزه عن كل ما يشغل السر عن الحق سبحانه والتبتل إليه تعالى بالكلية لأن ذلك هو المورث لولايته عز وجل المقرونة ببشارة {أية : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [يونس: 62] والمعنى أن الله تعالى ولي الذين تبتلوا إليه سبحانه بالكلية وتنزهوا عن كل ما يشغل سرهم عنه عز وجل فلم يخطر ببالهم شيء من مطلوب أو محذور فضلاً عن الحزن عليه فواتاً أو وقوعاً وهو المعني بما به الصبر المأمور به على أول الاحتمالات السالفة وبذلك يحصل التقريب ويتم التعليل وإلا فمجرد التوقي عن المعاصي لا يكون مداراً لشيء من العزائم المرخص في تركها فكيف بالصبر المشار إليه ورديفيه وإنما مداره المعنى المذكور فكأنه قيل: إن الله مع الذين صبروا، وإنما أوثر عليه ما في النظم الكريم مبالغة في الحث على الصبر بالتنبيه على أنه من خصائص أجل النعوت الجليلة وروادفه كما أن قوله تعالى: {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} للإشعار بأنه من باب الإحسان الذي فيه يتنافس المتنافسون على ما يؤذن بذلك قوله تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} تفسير : [هود: 115] وقد نبه سبحانه على أن كلاً من الصبر والتقوى من قبيل الإحسان بقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} تفسير : [يوسف: 90] وحقيقة الإحسان الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق، وقد فسره صلى الله عليه وسلم بأن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وتكرير الموصول للإيذان بكفاية كل من الصلتين في ولايته سبحانه من غير أن تكون احداهما تتمة للأخرى، وإيراد الأول فعلية للدلالة على الحدوث كما أن إيراد الثانية اسمية لإفادة كون مضمونها شيمة راسخة لهم، وتقديم التقوى على الإحسان لما أن التخلية مقدمة على التحلية، والمراد بالموصولين إما جنس المتقين والمحسنين ويدخل عليه الصلاة والسلام في زمرتهم دخولاً أولياً وإما هو صلى الله عليه وسلم وأشياعه رضي الله تعالى عنهم وعبر بذلك عنهم مدحاً لهم وثناء عليهم بالنعتين الجميلين، وفيه رمز إلى أن صنيعه عليه الصلاة والسلام مستتبع لاقتداء الأمة به كقول من قال لابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند التعزية:شعر : / اصبر نكن بك صابرين وإنما صبر الرعية عند صبر الرأس تفسير : قال كل ذلك في "إرشاد العقل السليم"، وإلى كون الجملة في موضع التعليل لما سبق ذهب العلامة الطيبـي حيث قال: إنه تعالى لما أمر حبيبه بالصبر على أذى المخالفين ونهاه عن الحزن على عنادهم وإِبائهم الحق وعما يلحقه من مكرهم وخداعهم علل ذلك بقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ} الخ أي لا تبال بهم وبمكرهم لأن الله تعالى وليك ومحبك وناصرك ومبغضهم وخاذلهم، وعمم الحكم إِرشاداً للاقتداء به عليه الصلاة والسلام، وفيه تعريض بالمخالفين وبخذلانهم كما صرح به في قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } تفسير : [محمد: 11] وذكر أن إيراد الجملة الثانية اسمية وبناء {مُّحْسِنُونَ} على {هُمْ} على سبيل التقوى مؤذن باستدامة الإحسان واستحكامه وهو مستلزم لاستمرار التقوى لأن الإحسان إنما يتم إذا لم يعد إلى ما كان عليه من الإساءة، وإليه الإشارة بما ورد «حديث : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» تفسير : وما ذكر من حمل التقوى على أعلى مراتبها غير متعين، وما ذكره في بيانه لا يخلو عن نظر كما لا يخفى على المتأمل، وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وغيرهم عن الحسن أنه قال في الآية: اتقوا فيما حرم الله تعالى عليهم وأحسنوا فيما افترض عليهم، ويوهم كلام بعضهم أن الجملة في موضع التعليل للأمر بالمعاقبة بالمثل حيث قال: إن المعنى إن الله بالعون والحرمة والفضل مع الذين خافوا عقاب الله تعالى وأشفقوا منه فشفقوا على خلقه بعد الإسراف في المعاقبة، وفسر الإحسان بترك الإساءة كما قيل:شعر : ترك الإساءة إحسان وإجمال تفسير : ولا يخفى ما فيه من البعد، وقد اشتملت هذه الآيات على تعليم حسن الأدب في الدعوة وترك التعدي والأمر بالصبر على المكروه مع البشارة للمتقين المحسنين، وقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وغيرهما عن هرم بن حيان أنه قيل له حين الاحتضار: أوص فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي وأوصيكم بخواتيم سورة النحل هذا. ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } تفسير : [النحل: 89] أي مما كان وما يكون فيفرق به بين المحق والمبطل والصادق والكاذب والمتبع والمبتدع، وقيل: كل شيء هو النبـي صلى الله عليه وسلم كما قيل إنه عليه الصلاة والسلام الإمام في قوله سبحانه: {أية : وَكُلَّ شىْء أَحْصَيْنَـٰهُ فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ } تفسير : [يس: 12] {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تفسير : [النحل: 90] قال السيادي: العدل رؤية المنة منه تعالى قديماً وحديثاً، والإحسان الاستقامة بشرط الوفاء إلى الأبد، وقيل: العدل أن لا يرى العبد فاتراً عن طاعة مولاه مع عدم الالتفات إلى العوض، وإيتاء ذي القربـى الإحسان إلى ذوي القرابة في المعرفة والمحبة والدين فيخدمهم بالصدق والشفقة ويؤدي إليهم حقهم، والفحشاء الاستهانة بالشريعة، والمنكر الإصرار على الذنب كيفما كان، والبغي ظلم العباد، وقيل: الفحشاء إضافة الأشياء إلى غيره تعالى ملكاً وإيجاداً {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 91] المأخوذ عليكم في عالم الأرواح بالبقاء على حكمه وهو الإعراض عن الغير والتجرد عن العلائق والعوائق في التوجه إليه تعالى إذا عاهدتم أي تذكرتموه بإشراق نور النبـي صلى الله عليه وسلم عليكم وتذكيره إياكم؛ قال النصرآبادي: العهود مختلفة فعهد العوام لزوم الظواهر وعهد الخواص حفظ السرائر وعهد خواص الخواص التخلي من الكل لمن له الكل {مَا عِندَكُمْ } من الصفات ينفد لمكان الحدوث {أية : وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ} تفسير : [النحل: 96] لمكان القدم فالعبد الحقيقي من كان فانياً من أوصافه باقياً بما عند الله تعالى كذا في "أسرار القرآن" {مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} أي/ عملا يوصله إلى كماله الذي يقتضيه استعداده {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} معتقد للحق اعتقاداً جازماً {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً} أي حياة حقيقية لا موت بعدها بالتجرد عن المواد البدنية والانخراط في سلك الأنوار القدسية والتلذذ بكمالات الصفات ومشاهدات التجليات الأفعالية والصفاتية {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم} من جنات الصفات والأفعال {أية : بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعمْلَونَ } تفسير : [النحل: 97] إذ عملهم يناسب صفاتهم التي هي مبادى أفعالهم وأجرهم يناسب صفات الله تعالى التي هي مصادر أفعاله فانظر كم بينهما من التفاوت في الحسن، ويقال: الحياة الطيبة ما تكون مع المحبوب ومن هنا قيل:شعر : كل عيش ينقضي ما لم يكن مع مليح ما لذاك العيش ملح {أية : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَـٰهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [النحل: 110] قال سهل هو اشارة إلى الذين رجعوا القهقرى في طريق سلوكهم ثم عادوا أي إن ربك للذين هجروا قرناء السوء من بعد أن ظهر لهم منهم الفتنة في صحبتهم ثم جاهدوا أنفسهم على ملازمة أهل الخير ثم صبروا معهم على ذلك ولم يرجعوا إلى ما كانوا عليه في الفتنة لساتر عليهم ما صدر منهم منعم عليهم بصنوف الإنعام، وقيل: إن ربك للذين هاجروا أي تباعدوا عن موطن النفس بترك المألوفات والمشتهيات من بعد ما فتنوا بها بحكم النشأة البشرية ثم جاهدوا في الله تعالى بالرياضات وسلوك طريقه سبحانه بالترقي في المقامات والتجريد عن التعلقات وصبروا عما تحب النفس وعلى ما تكرهه بالثبات في السير إن ربك لغفور يستر غواشي الصفات النفسانية رحيم بإفاضة الكمال والصفات القدسية {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} للنفس المستعدة القابلة لفيض القلب الثابتة في طريق اكتساب الفضائل الآمنة من خوف فواتها المطمئنة باعتقادها {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا} من العلوم والفضائل والأنوار {مّن كُلّ مَكَانٍ} من جميع جهات الطرق البدنية كالحواس والجوارح والآلات ومن جهة القلب {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ} ظهرت بصفاتها بطراً وإعجاباً بزينتها ونظراً إلى ذاتها ببهجتها وبهائها فاحتجبت بصفاتها الظلمانية عن تلك الأنوار ومالت إلى الأمور السلفية وانقطع إمداد القلب عنها وانقلبت المعاني الواردة عليها من طرق الحس هيآت غاسقة من صور المحسوسات التي أنجذبت إليها {فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ} بانقطاع مدد المعاني والفضائل والأنوار من القلب والخوف من زوال مقتنياتها من الشهوات والمألوفات {أية : بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } تفسير : [النحل: 112] من كفران أنعم الله تعالى {وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْهُمْ } أي من جنسهم وهي القوة الفكرية {فَكَذَّبُوهُ} بما ألقى إليهم من المعاني المعقولة والآراء الصادقة {فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي عذاب الحرمان والاحتجاب {أية : وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ } تفسير : [النحل: 113] في حالة ظلمهم وترفعهم عن طريق الفضيلة ونقصهم لحقوق صاحبهم {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً} لاجتماع ما تفرق في غيره من الصفات الكاملة فيه وكذا كل نبـي ولذا جاء في الخبر على ما قيل حديث : لو وزنت بأمتي لرجحت بهم تفسير : {قَـٰنِتًا لِلَّهِ} مطيعاً له سبحانه على أكمل وجه {حَنِيفاً} مائلاً عن كل ما سواه تعالى {أية : ولم يكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [النحل: 120] بنسبة شيء إلى غيره سبحانه {شَـٰكِراً} لأَنعمه مستعملا لها على ما ينبغي {ٱجْتَبَـٰهُ } اختاره بلا واسطة عمل لكونه من الذين سبقت لهم الحسنى فتقدم كشوفهم على سلوكهم {وَهَدَاهُ} بعد الكشف {أية : إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [النحل: 121] وهو مقام الإرشاد والدعوة ينعون به مقام الفرق بعد الجمع {وَءاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً } وهي الذكر الجميل والملك العظيم والنبوة {وَإِنَّهُ فِى ٱلآَخِرَةِ} قيل أي في عالم الأرواح {أية : لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [النحل: 122] المتمكنين في مقام الاستقامة وقيل أي يوم القيامة لمن الصالحين للجلوس على بساط القرب والمشاهدة بلا حجاب وهذا لدفع توهم أن ما أوتيه في الدنيا ينقص مقامه في العقبـى كما قيل إن مقام الولي المشهور دون الولي الذي في زوايا الخمول، وإليه الإشارة بقولهم: الشهرة آفة، وقد نص/ على ذلك الشعراني في كتبه {أية : إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } تفسير : [النحل: 124] وهم اليهود واختاروه لأنه اليوم الذي انتهت به أيام الخلق فكان بزعمهم أنسب لترك الأعمال الدنيوية وهو على ما قال الشيخ الأكبر قدس سره في "الفتوحات" يوم الأبد الذي لا انقضاء له فليله في جهنم ونهاره في الجنة واختيار النصارى ليوم الأحد لأنه أول يوم اعتنى الله تعالى فيه بخلق الخلق فكان بزعمهم أولى بالتفرع لعبادة الله تعالى وشكره سبحانه، وقد هدى الله تعالى لما هو أعظم من ذلك وهو يوم الجمعة الذي أكمل الله تعالى به الخلق وظهرت فيه حكمة الاقتدار بخلق الإنسان الذي خلق على صورة الرحمن فكان أولى بأن يتفرغ فيه الإنسان للعبادة والشكر من ذينك اليومين وسبحان من خلق فهدى {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّـٰبِرينَ } تفسير : [النحل: 126] لما في ذلك من قهر النفس الموجب لترقيها إلى أعلى المقامات {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } قيل: الصبر أقسام: صبر لله تعالى وصبر في الله تعالى وصبر مع الله تعالى وصبر عن الله تعالى وصبر بالله تعالى، فالصبر لله تعالى هو من لوازم الإيمان وأول درجات الإسلام وهو حبس النفس عن الجزع عند فوات مرغوب أو وقوع مكروه وهو من فضائل الأخلاق الموهوبة من فضل الله تعالى لأهل دينه وطاعته المقتضية للثواب الجزيل، والصبر في الله تعالى هو الثبات في سلوك طريق الحق وتوطين النفس على المجاهدة بالاختيار وترك المألوفات واللذات وتحمل البليات وقوة العزيمة في التوجه إلى منبع الكمالات وهو من مقامات السالكين يهبه الله تعالى لمن يشاء من أهل الطريقة، والصبر مع الله تعالى هو لأهل الحضور والكشف عند التجرد عن ملابس الأفعال والصفات والتعرض لتجليات الجمال والجلال وتوارد واردات الأنس والهيبة فهو بحضور القلب لمن كان له قلب والاحتراس عن الغفلة والغيبة عند التلوينات بظهور النفس، وهو أشق على النفس من الضرب على الهام وإن كان لذيذاً جداً، والصبر عن الله تعالى هو لأهل العيان والمشاهدة من العشاق المشتاقين المتقلبين في أطوار التجلي والاستتار المنخلعين عن الناسوت المتنورين بنور اللاهوت ما بقي لهم قلب ولا وصف كلما لاح لهم نور من سبحات أنوار الجمال احترقوا وتفانوا وكلما ضرب لهم حجاب ورد وجودهم تشويقاً وتعظيماً ذاقوا من ألم الشوق وحرقة الفرقة ما عيل به صبرهم وتحقق موتهم، والصبر بالله تعالى هو لأهل التمكين في مقام الاستقامة الذين أفناهم الله تعالى بالكلية وما ترك عليهم شيئاً من بقية الأنية والإثنينية ثم وهب لهم وجوداً من ذاته حتى قاموا به وفعلوا بصفاته وهو من أخلاق الله تعالى ليس لأحد فيه نصيب، ولهذا بعد أن أمر سبحانه به نبيه صلى الله عليه وسلم بين له عليه الصلاة والسلام إنك لا تباشره إلا بـي ولا تطيقه إلا بقوتي ثم قال سبحانه له صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } فالكل مني {أية : وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ } تفسير : [النحل: 127] لانشراح صدرك بـي {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } بقاياهم وفنوا فيه سبحانه {أية : وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } تفسير : [النحل: 128] بشهود الوحدة في الكثرة وهؤلاء الذين لا يحجبهم الفرق عن الجمع ولا الجمع عن الفرق ويسعهم مراعاة الحق والخلق، وذكر الطيبـي أن التقوى في الآية بمنزلة التوبة للعارف والإحسان بمنزلة السير والسلوك في الأحوال والمقامات إلى أن ينتهي إلى محو الرسم والوصول إلى مخدع الأنس، هذا والله سبحانه الهادي إلى سواء السبيل فنسأله جل شأنه أن يهدينا إليه ويوفقنا للعلم النافع لديه ويفتح لنا خزائن الأسرار ويحفظنا من شر الأشرار بحرمة القرآن العظيم والرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم.
ابن عاشور
تفسير : تعليل للأمر بالاقتصار على قدر الجرم في العقوبة، وللتّرغيب في الصبر على الأذى، والعفو عن المعتدين، ولتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالصبر، والاستعانة على تحصيله بمعونة الله تعالى، ولصرف الكدر عن نفسه مِن جرّاء أعمال الذين لم يؤمنوا به. عُللّ ذلك كله بأن الله مع الذين يتّقونه فيقفون عندما حدّ لهم، ومع المحسنين. والمعيّة هنا مجاز في التأييد والنّصر. وأتي في جانب التقوى بصلة فعلية ماضيَة للإشارة إلى لزوم حصولها وتقرّرها من قبلُ لأنها من لوازم الإيمان، لأن التّقوى آيلة إلى أداء الواجب وهو حقّ على المكلّف. ولذلك أمر فيها بالاقتصار على قدر الذنب. وأتي في جانب الإحسان بالجملة الإسمية للإشارة إلى كون الإحسان ثابتاً لهم دائماً معهم، لأن الإحسان فضيلة، فبِصاحبه حاجة إلى رُسوخه من نفسه وتمكّنه.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه مع عباده المتقين المحسنين. وقد تقدم إيضاح معنى التقوى والإحسان. وهذه المعية بعباده المؤمنين، وهي بالإعانة والنَّصر والتوفيق. وكرر هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: {أية : إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ}تفسير : [طه: 46]، وقوله: {أية : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُم}تفسير : [الأنفال: 12]، وقوله: {أية : لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا}تفسير : [التوبة: 40] وقوله: {أية : قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62]، إلى غير ذلك من الآيات. وأما المعية العامة لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامة والعلم، ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا: فالكائنات في يده جل وعلا أصغر من حبّة خردل، وهذه هي المذكورة أيضاً في آيات كثيرة. كقوله: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ}تفسير : [المجادلة: 7] الآية، وقوله: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}تفسير : [الحديد: 4] الآية، وقوله: {أية : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ}تفسير : [الأعراف: 7] وقوله: {أية : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ}تفسير : [يونس: 61] الآية إلى غير ذلك من الآيات. فهو جل وعلا مستو على عرشه كما قال، على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله، وهو محيط بخلقه، كلهم في قبضة يده، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين.
د. أسعد حومد
تفسير : (128) - إِنَّ اللهَ مُؤَيِّدٌ بِنَصْرِهِ وَعَوْنِهِ وَهُدَاهُ الَّذِينَ آمَنُوا، وَاتَّقَوْا مَحَارِمَ رَبِّهِمْ، فَاجْتَنَبُوهَا خَوْفاً مِنْ عِقَابِهِ، وَالَّذِينَ يُحْسِنُونَ رِعَايَةَ فَرَائِضِهِ، وَالقِيَامَ بِحُقُوقِهِ، وَلُزُومَ طَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَفِي تَرْكِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه قضية معيّة الله لمن اتقاه، فمَنِ اتقى الله فهو في جواره ومعيته، وإذا كنت في معية ربك فمَنْ يجرؤ أن يكيدك، أو يمكرُ بك؟ وفي رحلة الهجرة تتجلى معية الله تعالى وتتجسد لنا في الغار، حينما أحاط به الكفار، والصِّدِّيق يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: لو نظر أحدهم تحت قدميه لَرَآنا، فيجيبه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو واثق بهذه المعية: "حديث : يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". تفسير : فما علاقة هذه الإجابة من رسول الله بما قال أبو بكر؟ المعنى: ما دام أن الله ثالثهما إذن فهما في معية الله، والله لا تدركه الأبصار، فمَنْ كان في معيته كذلك لا تدركه الأبصار. وقوله: {ٱتَّقَواْ ..} [النحل: 128]. التقوى في معناها العام: طاعة الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ومن استعمالاتها نقول: اتقوا الله، واتقوا النار، والمتأمل يجد معناها يلتقي في نقطة واحدة. فمعنى "اتق الله": اجعل بينك وبين عذاب الله وقاية وحاجزاً يحميك، وذلك باتباع أمره واجتناب نهيه؛ لأن للحق سبحانه صفات رحمة، فهو: الرؤوف الرحيم الغفور، وله صفات جبروت فهو: المنتقم الجبار العزيز، فاجعل لنفسك وقاية من صفات الانتقام. ونقول: اتقوا النار، أي: اجعلوا بينكم وبين النار وقاية، والوقاية من النار لا تكون إلا بطاعة الله باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، إذن: المعنى واحد، ولكن جاء مرّة باللازم، ومرَّة بلازم اللازم. وقوله: {وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128]. المحسن: هو الذي يُلزم نفسه في عبادة الله بأكثر مما ألزمه الله، ومن جنس ما ألزمه الله به، فإنْ كان الشرع فرض عليك خمس صلوات في اليوم والليلة، فالإحسان أن تزيدها ما تيسَّر لك من النوافل، وإنْ كان الصوم شهرَ رمضان، فالإحسان أنْ تصومَ من باقي الشهور كذا من الأيام، وكذلك في الزكاة، وغيرها مِمَّا فرض الله. لذلك نجد أن الإحسان أعلى مراتب الدين، وهذا واضح في حديث جبريل حينما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكُنْ تراه فإنه يراك ". تفسير : والآية الكريمة تُوحِي لنا بأن الذي اتقوا لهم جزاء ومعيّة، وأن الذين هم محسنون لهم جزاء ومعيّة، كُلٌّ على حسب درجته؛ لأن الحق سبحانه يعطي من صفات كماله لخَلْقه على مقدار معيتهم معه سبحانه، فالذي اكتفى بما فرض عليه، لا يستوي ومَنْ أحسن وزاد، لا بُدَّ أن يكون للثاني مزيَّة وخصوصية. وفي سورة الذاريات يقول تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 15-16]. لم يقل "مؤمنين"؛ لأن المؤمن يأتي بما فُرِض عليه فحسب، لكن ما وجه الإحسان عندهم؟ يقول تعالى: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 17-19]. وكلها أمور نافلة تزيد عما فرض الله عليهم. ويجب أن نتنبه هنا إلى أن المراد من قوله تعالى: {أية : وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 19]. ليست الزكاة، بل هي الصدقة، لأنه في الزكاة قال سبحانه: {أية : حَقٌّ مَّعْلُومٌ ..} تفسير : [المعارج: 24].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: اتَّقَوا مَا حَرَمَ عَليهِم فِيما افْتَرَضَ عَليهِم. وأَحسنَوا معناه أَدَّوا الفرائضَ.
همام الصنعاني
تفسير : 1526- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن رجل، عن الحسن: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}: [الآية: 128]، قال: اتقوا الله فيما حَرَّم عليهم، وأحسنوا فيما افترض عليهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):