١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
المنزل الرابع
جزء
١٥
Tafseer
الرازي
تفسير : سورة بني إسرائيل عددها: مائة آية وعشر آيات عن ابن عباس أنها مكية، غير قوله: { أية : وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ } تفسير : [الإسراء: 71] إلى قوله: { أية : وَٱجْعَل لّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا } تفسير : [الإسراء: 80] فإنها مدنيات، نزلت حين جاء وفد ثقيف. بسم الله الرحمن الرحيم {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا إِنَّهُ هُوَ السميع البصير}. في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال النحويون: {سُبْحَانَ } اسم علم للتسبيح يقال: سبحت الله تسبيحاً وسبحاناً، فالتسبيح هو المصدر، وسبحان اسم علم للتسبيح كقولك: كفرت اليمين تكفيراً وكفراناً وتفسيره تنزيه الله تعالى من كل سوء. قال صاحب «النظم»: السبح في اللغة التباعد، يدل عليه قوله تعالى: { أية : إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً } تفسير : [المزمل: 7] أي تباعداً فمعنى: سبح الله تعالى، أي بعده ونزهه عما لا ينبغي وتمام المباحث العقلية في لفظ التسبيح قد ذكرناها في أول سورة الحديد، وقد جاء في لفظ التسبيح معان آخرى: أحدها: أن التسبيح يذكر بمعنى الصلاة، ومنه قوله تعالى: { أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبّحِينَ } تفسير : [الصافات: 143] أي من المصلين، والسبحة الصلاة النافلة، وإنما قيل للمصلي مسبح، لأنه معظم لله بالصلاة ومنزه له عما لا ينبغي. وثانيها: ورد التسبيح بمعنى الاستثناء في قوله تعالى: { أية : قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ } تفسير : [القلم: 28] أي تستثنون وتأويله أيضاً يعود إلى تعظيم الله تعالى في الاستثناء بمشيئته. وثالثها: جاء في الحديث: « حديث : لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء » تفسير : قيل معناه نور وجهه، وقيل: سبحات وجهه، نور وجهه الذي إذا رآه الرائي قال: سبحان الله، وقوله: {أَسْرَىٰ } قال أهل اللغة: أسرى وسرى لغتان: وقوله: {بِعَبْدِهِ } أجمع المفسرون على أن المراد محمد عليه الصلاة والسلام، وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر بن الحسين رحمه الله قال: سمعت الشيخ الإمام أبا القاسم سليمان الأنصاري قال: لما وصل محمد صلوات الله عليه إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في العارج أوحى الله تعالى إليه: يا محمد بم أشرفك؟ قال: « أية : رب بأن تنسبني إلى نفسك بالعبودية » تفسير : فأنزل الله فيه: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } وقوله: {لَيْلاً } نصب على الظرف. فإن قيل: الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل؟ قلنا: أراد بقوله: {لَيْلاً } بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية، واختلفوا في ذلك الليل قال مقاتل: كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة، ونقل صاحب «الكشاف» عن أنس والحسن أنه كان ذلك قبل البعثة. وقوله: {مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } اختلفوا في المكان الذي أسرى به منه، فقيل هو المسجد الحرام بعينه وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن، وروي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق » تفسير : وقيل أسري به من دار أم هانيء بنت أبي طالب. والمراد على هذا القول بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به، وعن ابن عباس الحرم كله مسجد، وهذا قول الأكثرين وقوله: {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى } اتفقوا على أن المراد منه بيت المقدس وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام وقوله: {ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ } قيل بالثمار والأزهار، وقيل بسبب أنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة. واعلم أن كلمة {إِلَىٰ } لانتهاء الغاية فمدلول قوله: {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى } أنه وصل إلى حد ذلك المسجد فأما أنه دخل ذلك المسجد أم لا فليس في اللفظ دلالة عليه، وقوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا } يعني ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله تعالى. فإن قالوا: قوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا } يدل على أنه تعالى ما أراه إلا بعض الآيات، لأن كلمة {مِنْ } تفيد التبعيض، وقال في حق إبراهيم: { أية : وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 75] فيلزم أن يكون معراج إبراهيم عليه السلام أفضل من معراج محمد صلى الله عليه وسلم. قلنا: الذي رآه إبراهيم ملكوت السموات والأرض، والذي رآه محمد صلى الله عليه وسلم بعض آيات الله تعالى، ولا شك أن آيات الله أفضل. ثم قال: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } أي أن الذي أسرى بعبده هو السميع لأقوال محمد، البصير بأفعاله، العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الرياء، مقرونة بالصدق والصفاء، فلهذا السبب خصه الله تعالى بهذه الكرامات، وقيل: المراد سميع لما يقولون للرسول في هذا الأمر، بصير بما يعملون في هذه الواقعة. المسألة الثانية: اختلف في كيفية ذلك الإسراء فالأكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا على أنه أسرى بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأقلون قالوا: إنه ما أسري إلا بروحه حكي عن محمد بن جرير الطبري في «تفسيره» عن حذيفة أنه قال ذلك رؤيا. وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أسري بروحه، وحكي هذا القول أيضاً عن عائشة رضي الله عنها، وعن معاوية رضي الله عنه. واعلم أن الكلام في هذا الباب يقع في مقامين: أحدهما: في إثبات الجواز العقلي. الثاني: في الوقوع. أما المقام الأول: وهو إثبات الجواز العقلي، فنقول: الحركة الواقعة في السرعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها والله تعالى قادر على جميع الممكنات، وذلك يدل على أن حصول الحركة في هذا الحد من السرعة غير ممتنع، فنفتقر ههنا إلى بيان مقدمتين: المقدمة الأولى: في إثبات أن الحركة الواقعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها ويدل عليه وجوه: الوجه الأول: أن الفلك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدور وقد ثبت في الهندسة أن نسبة القطر الواحد إلى الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع، فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع وبتقدير أن يقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم فهو لم يتحرك إلا بمقدار نصف القطر فلما حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور فكان حصول الحركة بمقدار نصف القطر أولى بالإمكان، فهذا برهان قاطع على أن الارتقاء من مكة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث من الليل أمر ممكن في نفسه، وإذا كان كذلك كان حصوله في كل الليل أولى بالإمكان، والله أعلم. الوجه الثاني: وهو أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين وكذا مرة ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع، وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه. الوجه الثالث: أنه كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القول بمعراج محمد صلى الله عليه وسلم في الليلة الواحدة ممتنعاً في العقول، كان القول بنزول جبريل عليه الصلاة والسلام من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعاً، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعناً في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة، فثبت أن القائلين بامتناع حصول حركة سريعة إلى هذا الحد، يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل عليه الصلاة والسلام في اللحظة من العرش إلى مكة، ولما كان ذلك باطلاً كان ما ذكروه أيضاً باطلاً. فإن قالوا: نحن لا نقول إن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم ينتقل من مكان إلى مكان، وإنما نقول المراد من نزول جبريل عليه السلام هو زوال الحجب الجسمانية عن روح محمد صلى الله عليه وسلم حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضراً متجلياً في ذات جبريل عليه الصلاة والسلام. قلنا: تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، فأما جمهور المسلمين فهم مقرون بأن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكة، وإذاكان كذلك كان الإلزام المذكور قوياً، روي أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر قصة المعراج كذبه الكل وذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له: إن صاحبك يقول كذا وكذا فقال أبو بكر: إن كان قد قال ذلك فهو صادق، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الرسول له تلك التفاصيل، فكلما ذكر شيئاً قال أبو بكر صدقت فلما تمم الكلام قال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله حقاً، فقال له الرسول: وأنا أشهد أنك الصديق حقاً، وحاصل الكلام أن أبا بكر رضي الله عنه كأنه قال لما سلمت رسالته فقد صدقته فيما هو أعظم من هذا فكيف أكذبه في هذا؟ الوجه الرابع: أن أكثر أرباب الملل والنحل يسلمون وجود إبليس ويسلمون أنه هو الذي يتولى إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم، ويسلمون أنه يمكنه الانتقال من المشرق إلى المغرب لأجل إلقاء الوساوس في قلوب بني آدم، فلما سلموا جواز مثل هذه الحركة السريعة في حق إبليس فلأن يسلموا جواز مثلها في حق أكابر الأنبياء كان أولى، وهذا الإلزام قوي على من يسلم أن إبليس جسم ينتقل من مكان إلى مكان، أما الذين يقولون إنه من الأرواح الخبيثة الشريرة وأنه ليس بجسم ولا جسماني، فهذا الإلزام غير وارد عليهم، إلا أن أكثر أرباب الملل والنحل يوافقون على أنه جسم لطيف متنقل. فإن قالوا: هب أن الملائكة والشياطين يصح في حقهم حصول مثل هذه الحركة السريعة لأنهم أجسام لطيفة، ولا يمتنع حصول مثل هذه الحركة السريعة في ذواتها، أما الإنسان فإنه جسم كثيف فكيف يعقل حصول مثل هذه الحركة السريعة فيه؟ قلنا: نحن إنما استدللنا بأحوال الملائكة والشياطين على أن حصول حركة منتهية في السرعة إلى هذا الحد ممكن في نفس الأمر، وأما بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها كانت أيضاً ممكنة الحصول في جسم البدن الإنساني، فذاك مقام آخر سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى الوجه الخامس: أنه جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه الصلاة والسلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة قال تعالى في صفة مسير سليمان عليه الصلاة والسلام: { أية : غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } تفسير : [سبأ: 12] بل نقول: الحس يدل على أن الرياح تنتقل عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان في غاية البعد في اللحظة الواحدة، وذلك أيضاً يدل على أن مثل هذه الحركة السريعة في نفسها ممكنة. الوجه السادس: أن القرآن يدل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر بدليل قوله تعالى: { أية : قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } تفسير : [النمل: 40] وإذاكان ممكناً في حق بعض الناس، علمنا أنه في نفسه ممكن الوجود. الوجه السابع: إن من الناس من يقول: الحيوان إنما يبصر المبصرات لأجل أن الشعاع يخرج من عينيه ويتصل بالمبصر ثم إنا إذا فتحنا العين ونظرنا إلى رجل رأيناه فعلى قول هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا إلى رجل في تلك اللحظة اللطيفة، وذلك يدل على أن الحركة الواقعة على هذا الحد من السريعة من الممكنات لا من الممتنعات، فثبت بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية في السرعة إلى هذا الحد أمر ممكن الوجود في نفسه. المقدمة الثانية: في بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها وجب أن لا يكون حصولها في جسد محمد صلى الله عليه وسلم ممتنعاً، والذي يدل عليه أنا بينا بالدلائل القطعية أن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها، فلما صح حصول مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام، وذلك يوجب القطع بأن حصول مثل هذه الحركة في جسد محمد صلى الله عليه وسلم أمر ممكن الوجود في نفسه. وإذا ثبت هذا فنقول: ثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات، وثبت أن حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد صلى الله عليه وسلم ممكن، فوجب كونه تعالى قادراً عليه وحينئذ يلزم من مجموع هذه المقدمات أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه، أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب، إلا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام، بل هو حاصل في جميع المعجزات، فانقلاب العصا ثعباناً تبلغ سبعين ألف حبل من الحبال والعصي، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب، وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصم، وإظلال الجبل العظيم في الهواء عجيب، وكذا القول في جميع المعجزات فإن كان مجرد التعجب يوجب الإنكار والدفع، لزم الجزم بفساد القول بإثبات المعجزات وإثبات المعجزات فرع على تسليم أصل النبوة وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإنكار والإبطال فكذا ههنا، فهذا تمام القول في بيان أن القول بالمعراج ممكن غير ممتنع، والله أعلم. المقام الثاني: في البحث عن وقوع المعراج قال أهل التحقيق: الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح محمد صلى الله عليه وسلم وجسده من مكة إلى المسجد الأقصى القرآن والخبر، أما القرآن فهو هذه الآية، وتقرير الدليل أن العبد اسم لمجموع الجسد والروح، فوجب أن يكون الإسراء حاصلاً لمجموع الجسد والروح. واعلم أن هذا الاستدلال موقوف على أن الإنسان هو الروح وحده أو الجسد وحده أو مجموع الجسد والروح، أما القائلون بأن الإنسان هو الروح وحده، فقد احتجوا عليه بوجوه: أحدها: أن الإنسان شيء واحد باق من أول عمره إلى آخر، والأجزاء البدنية في التبدل والتغير والانتقال والباقي غير متبدل، فالإنسان مغاير لهذا البدن. وثانيها: إن الإنسان قد يكون عارفاً بذاته المخصوصة حال ما يكون غافلاً عن جميع أجزائه البدنية، والمعلوم مغاير للمغفول عنه، فالإنسان مغاير لهذا البدن. وثالثها: أن الإنسان يقول بمقتضى فطرته السليمة يدي ورجلي ودماغي وقلبي، وكذا القول في سائر الأعضاء فيضيف كلها إلى ذاته المخصوصة والمضاف غير المضاف إليه فذاته المخصوصة وجب أن تكون مغايرة لكل هذه الأعضاء. فإن قالوا: أليس أنه يضيف ذاته إلى نفسه، فيقول ذاتي ونفسي فيلزمكم أن تكون نفسه مغايرة لذاته، وهذا محال. قلنا: نحن لا نتمسك بمجرد اللفظ حتى يلزمنا ما ذكرتموه، بل إنما نتمسك بمحض العقل، فإن صريح العقل يدل على أن الإنسان موجود واحد وذلك الشيء الواحد يأخذ بآلة اليد ويبصر بآلة العين، ويسمع بآلة الأذن فالإنسان شيء واحد، وهذه الأعضاء آلات له في هذه الأفعال، وذلك يدل على أن الإنسان شيء مغاير لهذه الأعضاء والآلات، فثبت بهذه الوجوه أن الإنسان شيء مغاير لهذه البنية ولهذا الجسد. إذا ثبت هذا فنقول: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } المراد من العبد جوهر الروح وعلى هذا التقدير فلم يبق في الآية دلالة على حصول الإسراء بالجسد. فإن قالوا: فالإسراء بالروح ليس بأمر مخالف للعادة، فلا يليق به أن يقال: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ }. قلنا: هذا أيضاً بعيد، لأنه لا يبعد أن يقال: إنه حصل لروحه من أنواع المكاشفات والمشاهدات ما لم يحصل لغيره ألبتة، فلا جرم كان هذا الكلام لائقاً به، فهذا تقرير وجه السؤال على الاستدلال بهذه الآية في إثبات المعراج بالروح والجسد معاً. والجواب: أن لفظ العبد لا يتناول إلا مجموع الروح والجسد، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : أَرَأَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ } تفسير : [العلق: 9، 10] ولا شك أن المراد من العبد ههنا مجموع الروح والجسد. وقال أيضاً في سورة الجن: { أية : وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } تفسير : [الجن: 19] والمراد مجموع الروح والجسد فكذا ههنا، وأما الخبر فهو الحديث المروي في الصحاح وهو مشهور وهو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس، ثم منه إلى السموات، واحتج المنكرون له بوجوه: أحدها: بالوجوه العقلية وهي ثلاثة:أولها: أن الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة. وثانيها: أن صعود الجرم الثقيل إلى السموات غير معقول. وثالثها: أن صعوده إلى السموات يوجب انحراق الأفلاك، وذلك محال. والشبهة الثانية: أن هذا المعنى لو صح لكان أعظم من سائر المعجزات وكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى يستدلوا به على صدقه في ادعاء النبوة، فأما أن يحصل ذلك في وقت لا يراه أحد ولا يشاهده أحد، فإنه يكون ذلك عبثاً، وذلك لا يليق بالحكيم. والشبهة الثالثة: تمسكوا بقوله: { أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } تفسير : [الإسراء: 60] وما تلك الرؤيا إلا حديث المعراج، وإنما كان فتنة للناس؟ لأن كثيراً ممن آمن به لما سمع هذا الكلام كذبه وكفر به فكان حديث المعراج سبباً لفتنة الناس، فثبت أن ذلك رؤيا رآه في المنام. الشبهة الرابعة: أن حديث المعراج اشتمل على أشياء بعيدة، منها ما روي من شق بطنه وتطهيره بما زمزم وهو بعيد، لأن الذي يمكن غسله بالماء هو النجاسات العينية ولا تأثير لذلك في تطهير القلب عن العقائد الباطلة والأخلاق المذمومة، ومنها ما روي من ركوب البراق وهو بعيد، لأنه تعالى لما سيره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك، فأي حاجة إلى البراق، ومنها ما روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة ثم إن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يزل يتردد بين الله تعالى وبين موسى إلى أن عاد الخمسون إلى خمس بسبب شفقة موسى عليه الصلاة والسلام. قال القاضي: وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره، وأنه يوجب البداء وذلك على الله تعالى محال، فثبت أن ذلك الحديث مشتمل على ما يجوز قبوله فكان مردوداً. والجواب عن الوجوه العقلية قد سبق فلا نعيدها. والجواب عن الشبهة الثانية: ما ذكره الله تعالى وهو قوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا } وهذا كلام مجمل وفي تفصيله وشرحه وجوه: الأول: أن خيرات الجنة عظيمة، وأهوال النار شديدة، فلو أنه عليه الصلاة والسلام ما شاهدهما في الدنيا، ثم شاهدهما في ابتداء يوم القيامة فربما رغب في خيرات الجنة أو خاف من أهوال النار، أما لما شاهدهما في الدنيا في ليلة المعراج فحينئذ لا يعظم وقعهما في قلبه يوم القيامة فلا يبقى مشغول القلب بهما، وحينئذ يتفرغ للشفاعة. الثاني: لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة المعراج للأنبياء والملائكة، صارت سبباً لتكامل مصلحته أو مصلحتهم. الثالث: أنه لا يبعد أنه إذا صعد الفلك وشاهد أحوال السموات والكرسي والعرش، صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه، فتحصل له زيادة قوة في القلب باعتبارها يكون في شروعه في الدعوة إلى الله تعالى أكمل وقلة التفاته إلى أعداء الله تعالى أقوى، يبين ذلك أن من عاين قدرة الله تعالى في هذا الباب، لا يكون حاله في قوة النفس وثبات القلب على احتمال المكاره في الجهاد وغيره إلا أضعاف ما يكون عليه حال من لم يعاين. واعلم أن قوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا } كالدلالة على أن فائدة ذلك الإسراء مختصة به وعائدة إليه على سبيل التعيين. والجواب عن الشبهة الثالثة: أنا عند الانتهاء إلى تفسير تلك الآية في هذه السورة نبين أن تلك الرؤيا رؤيا عيان لا رؤيا منام. والجواب عن الشبهة الرابعة: لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، والله أعلم. المسألة الرابعة: أما العروج إلى السموات وإلى ما فوق العرش، فهذه الآية لا تدل عليه، ومنهم من استدل عليه بأول سورة والنجم، ومنهم من استدل عليه بقوله تعالى: { أية : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ } تفسير : [الانشقاق: 19] وتفسيرهما مذكور في موضعه، وأما دلالة الحديث فكما سلف، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: {سُبْحَانَ} «سبحان» اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ولم ينصرف لأن في آخره زائدتين، تقول: سبّحت تسبيحاً وسُبحاناً، مثل كفّرت اليمين تكفيراً وكفراناً. ومعناه التنزيه والبراءة لله عز وجل من كل نقص. فهو ذكر عظيم لله تعالى لا يصلح لغيره؛ فأما قول الشاعر:شعر : أقول لمّا جاءني فَخْرهُ سبحانَ مِن عَلْقَمةَ الفاخِرِ تفسير : فإنما ذكره على طريق النادر. وقد حديث : روى طلحة بن عبيد الله الفَيّاض أحدُ العشرة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما معنى سبحان الله؟ فقال: تنزيه الله من كل سوء»تفسير : . والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه، إذ لم يجر من لفظه فعل، وذلك مثل قعد القُرْفصاء، واشتمل الصَّمّاء؛ فالتقدير عنده: أنزّه الله تنزيهاً؛ فوقع «سبحان الله» مكان قولك تنزيهاً. الثانية: قوله تعالى: {أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} «أسرى» فيه لغتان: سرى وأسرى؛ كسقى وأسقى، كما تقدّم. قال:شعر : أسْرتْ عليه من الجَوْزَاء سارِيَةٌ تُزْجِي الشَّمال عليه جامدَ البَرَد تفسير : وقال آخر:شعر : حَيِّ النَّضيرة ربة الخِدْرِ أسْرَت إليّ ولم تكن تَسْري تفسير : فجمع بين اللغتين في البيتين. والإسراء: سير الليل؛ يقال: سَرَيت مَسْرًى وسُرًى، وأسريت إسراء؛ قال الشاعر:شعر : وليلة ذات نَدًى سريتُ ولم يَلِتْنِي من سُراها لَيْتُ تفسير : وقيل: أسرى سار من أوّل الليل، وسرى سار من آخره؛ والأوّل أعرف. الثالثة: قوله تعالى: {بِعَبْدِهِ} قال العلماء: لو كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم اسم أشرفُ منه لسمّاه به في تلك الحالة العلية. وفي معناه أنشدوا:شعر : يا قومِ قلبي عند زهراءِ يعرفه السامع والرائي لا تَدْعُنِي إلاّ بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي تفسير : وقد تقدّم. قال القُشَيْرِيّ: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السّنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه ٱسمَ العبودية تواضعاً للأمة. الرابعة: ثبت الإسراء في جميع مصنَّفات الحديث، ورُوي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه. وذكر النقاش ممن رواه عشرين صحابياً. روى الصحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أتيت بالبراق وهو دابة أبيضُ (طويل) فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طَرفه ـ قال ـ فركبته حتى أتيت بيت المقدس ـ قال ـ فربطته بالحَلْقة التي يَرْبِطُ بها الأنبياء ـ قال ـ ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترتَ الفِطْرة ـ قال ـ ثم عَرج بنا إلى السماء...» تفسير : وذكر الحديث. ومما ليس في الصحيحين ما خرّجه الآجُرِّيّ والسَّمَرْقنْديّ، قال الآجري عن أبي سعيد الخُدْرِيّ في قوله تعالى {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} قال أبو سعيد: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلةِ أسْرِيَ به، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتِيت بدابّة هي أشبه الدواب بالبغل له أذنان يضطربان وهو البراق الذي كانت الأنبياء تركبه قبلُ فركبته فانطلق تقع يداه عند منتهى بصره فسمعت نداء عن يميني يا محمد على رِسْلِك حتى أسألك فمضيت ولم أُعَرِّج عليه ثم سمعت نداء عن يساري يا محمد على رِسْلِك فمضيت ولم أعَرِّج عليه ثم استقبلتني ٱمرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة يديها تقول على رِسْلِك حتى أسألك فمضيت ولم أُعَرِّج ثم أتيت بيت المقدس الأقصى فنزلت عن الدابة فأوثقته في الحَلْقة التي كانت الأنبياء تُوثق بها ثم دخلت المسجد وصلّيت فيه فقال لي جبريل عليه السلام ما سمعتَ يا محمد فقلتُ سمعتُ نداءً عن يميني يا محمد على رِسْلِك حتى أسألك فمضيت ولم أُعَرّج فقال ذلك داعي اليهود ولو وقفتَ لتهوّدت أمتك ـ قال ـ ثم سمعت نداء عن يساري على رِسْلِك حتى أسألك فمضيت ولم أُعَرّج عليه فقال ذلك داعي النصارى أمَا إنك لو وقفت لتنصّرت أمتك ـ قال ـ ثم استقبلتني ٱمرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة يديها تقول على رِسْلِك فمضيت ولم أُعَرّج عليها فقال تلك الدنيا لو وقفتَ لاخترت الدنيا على الآخرة ـ قال ـ ثم أتِيت باناءين أحدهما فيه لبن والآخر فيه خمر فقيل لي خذ فٱشرب أيَّهما شئت فأخذت اللبن فشربته فقال لي جبريل أصبت الفِطْرة ولو أنك أخذت الخمر غَوَتْ أمّتك ثم جاء بالمعراج الذي تعرج فيه أرواح بني آدم فإذا هو أحسن ما رأيتُ أو لم تروا إلى الميت كيف يحدّ بصره إليه فعرج بنا حتى أتينا باب السماء الدنيا فٱستفتح جبريل فقيل من هذا قال جبريل قالوا ومن معك؟ قال محمد قالوا وقد أرسل إليه؟ قال نعم ففتحوا لي وسلّموا عليّ وإذا مَلَك يحرس السماء يقال له إسماعيل معه سبعون ألف ملك مع كل ملك مائة ألف ـ قال ـ وما يعلم جُنُودَ رَبِّك إلا هو...» تفسير : وذكر الحديث إلى أن قال: «حديث : ثم مضينا إلى السماء الخامسة وإذا أنا بهارون بن عمران المُحَبّ في قومه وحوله تبع كثير من أمته فوصفه النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال طويل اللحية تكاد لحيته تضرب في سُرّته ثم مضينا إلى السماء السادسة فإذا أنا بموسى فسلم عليّ ورحب بي ـ فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ـ رجل كثير الشعر ولو كان عليه قميصان خرج شعره منهما...» تفسير : الحديث. وروى البزّار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتِي بفرس فحمل عليه، كلُّ خُطوة منه أقصى بصره... وذكر الحديث. وقد جاء في صفة البراق من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بينا أنا نائم في الحِجْر إذ أتاني آتٍ فحركني برجله فٱتبعت الشخص فإذا هو جبريل عليه السلام قائم على باب المسجد معه دابة دون البغل وفوق الحمار وجهها وجه إنسان وخُفّها خُفُّ حافر وذَنَبها ذنب ثور وعُرْفها عرف الفرس فلما أدناها مني جبريل عليه السلام نفرت ونفشت عرفها فمسحها جبريل عليه السلام وقال يا بُرْقة لا تَنْفِري من محمد فوالله ما ركبك مَلك مقرّب ولا نبيّ مُرْسَل أفضلُ من محمد صلى الله عليه وسلم ولا أكرم على الله منه قالت قد علمت أنه كذلك وأنه صاحب الشفاعة وإني أحِبّ أن أكون في شفاعته فقلت أنت في شفاعتي إن شاء الله تعالى...» تفسير : الحديث. وذكر أبو سعيد عبد الملك بن محمد النّيْسابوري عن أبي سعيد الخدري قال: حديث : لما مر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإدريس عليه السلام في السماء الرابعة قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبيّ الصالح الذي وُعدنا أن نراه فلم نره إلا الليلة قال فإذا فيها مريم بنت عمران لها سبعون قصراً من لؤلؤ ولأم موسى بن عمران سبعون قصراً من مرجانة حمراء مكللة باللؤلؤ أبوابها وأسِرّتها من عرق واحد فلما عرج المعراج إلى السماء الخامسة وتسبيحُ أهلها سبحان من جمع بين الثلج والنار من قالها مرة واحدة كان له مثلُ ثوابهم ٱستفتح الباب جبريلُ عليه السلام ففُتح له فإذا هو بكهل لم يُرَ قَطّ كَهْلٌ أجمل منه عظيم العينين تضرب لحيته قريباً من سرته قد كاد أن تكون شَمْطة وحوله قوم جلوس يقصّ عليهم فقلت يا جبريل من هذا قال هارون المُحَبّ في قومه...»تفسير : وذكر الحديث. فهذه نبذة مختصرة من أحاديث الإسراء خارجة عن الصحيحين، ذكرها أبو الربيع سليمان بن سبع بكمالها في كتاب (شفاء الصدور) له. ولا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السِّيَر أن الصلاة إنما فرضت على النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة في حين الإسراء حين عرج به إلى السماء. واختلفوا في تاريخ الإسراء وهيئة الصلاة، وهل كان إسراءً بروحه أو جسده؛ فهذه ثلاث مسائل تتعلق بالآية، وهي مما ينبغي الوقوف عليها والبحث عنها، وهي أهمّ من سَرْد تلك الأحاديث، وأنا أذكر ما وقفت عليه فيها من أقاويل العلماء واختلاف الفقهاء بعون الله تعالى. فأما المسألة الأولى ـ وهي هل كان إسراء بروحه أو جسده؛ اختلَف في ذلك السلف والخلف، فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح، ولم يفارق شخصُه مضجَعه، وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق، ورؤيا الأنبياء حق. ذهب إلى هذا معاوية وعائشة، وحكي عن الحسن وابن إسحاق. وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح؛ واحتجوا بقوله تعالى: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجدالحرام إلى المسجد الأقصى» فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء. قالوا: ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره، فإنه كان يكون أبلغ في المدح. وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد وفي اليقظة، وأنه ركب البراق بمكة، ووصل إلى بيت المقدس وصلّى فيه ثم أسْرِيَ بجسده. وعلى هذا تدل الأخبار التي أشرنا إليها والآية. وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة، ولا يُعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، ولو كان مناماً لقال بروح عبده ولم يقل بعبده. وقوله: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم: 17] يدل على ذلك. ولو كان مناماً لما كانت فيه آية ولا معجزة، ولما قالت له أم هانىء: لا تحدِّث الناس فيكذبوك، ولا فُضّل أبو بكر بالتصديق، ولما أمكن قريشاً التشنيعُ والتكذيب، وقد كذبه قريش فيما أخبر به حتى ٱرتد أقوام كانوا آمنوا، فلو كان بالرؤيا لم يستنكر، وقد قال له المشركون: إن كنت صادقاً فخبّرنا عن عِيرنا أين لقِيتَها؟ قال: «بمكان كذا وكذا مررتُ عليها ففزِع فلان فقيل له: ما رأيت يا فلان، قال: ما رأيت شيئا غير أن الإبل قد نفرت». قالوا: فأخبرنا متى تأتنا العير؟ قال: «تأتيكم يوم كذا وكذا». قالوا: أيَّة ساعة؟ قال: «ما أدري، طلوع الشمس من هاهنا أسرع أم طلوع العِيرُ من هاهنا». فقال رجل: ذلك اليوم؟ هذه الشمس قد طلعت. وقال رجل: هذه عِيركم قد طلعت، وٱستخبروا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن صفة بيت المقدس فوصفه لهم ولم يكن رآه قبل ذلك. روى الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد رأيتُنِي في الحِجْر وقريش تسألني عن مَسْرَاي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أُثْبِتْها فكُرِبْتُ كَرْباً ما كُرِبت مثله قطّ ـ قال ـ فرفعه الله لي أنظر إليه فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به» تفسير : الحديث. وقد اعتُرض قول عائشة ومعاوية: «إنما أسرى بنَفْس رسول الله صلى الله عليه وسلم» بأنها كانت صغيرة لم تشاهِد، ولا حدّثت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأما معاوية فكان كافراً في ذلك الوقت غير مشاهد للحال، ولم يحدّث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ومن أراد الزيادة على ما ذكرنا فليقف على (كتاب الشفاء) للقاضي عياض يجد من ذلك الشفاء. وقد احتجّ لعائشة بقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} تفسير : [الإسراء: 60] فسماها رؤيا. وهذا يردّه قوله تعالى: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} ولا يقال في النوم أسرى. وأيضاً فقد يقال لرؤية العين: رؤيا، على ما يأتي بيانه في هذه السورة. وفي نصوص الأخبار الثابتة دلالةٌ واضحة على أن الإسراء كان بالبدن، وإذا ورد الخبر بشيء هو مجوّز في العقل في قدرة الله تعالى فلا طريق إلى الإنكار، لا سيما في زمن خرق العوائد، وقد كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم معارجُ؛ فلا يبعد أن يكون البعض بالرؤيا، وعليه يحمل قوله عليه السلام في الصحيح: «حديث : بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان» تفسير : الحديث. ويحتمل أن يردّ من الإسراء إلى نوم. والله أعلم. المسألة الثانية: في تاريخ الإسراء، وقد اختلف العلماء في ذلك أيضاً، واختُلف في ذلك على ٱبن شهاب؛ فروى عنه موسى بن عقبة أنه أسِرَي به إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وروى عنه يونس عن عروة عن عائشة قالت: تُوفِّيت خديجة قبل أن تُفرض الصلاة. قال ابن شهاب: وذلك بعد مبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم بسبعة أعوام. وروى عنه الوَقّاصيّ قال: أسْرِيَ به بعد مبعثه بخمس سنين. قال ابن شهاب: وفُرض الصيام بالمدينة قبل بدر، وفرضت الزكاة والحج بالمدينة، وحُرمت الخمر بعد أُحُد. وقال ابن إسحاق: أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس، وقد فشا الإسلام بمكة في القبائل. وروى عنه يونس بن بكير قال: صلّت خديجة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم. وسيأتي. قال أبو عمر: وهذا يدلك على أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام؛ لأن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بثلاث وقيل بأربع. وقول ابن إسحاق مخالف لقول ابن شهاب، على أن ابن شهاب قد اختلف عنه كما تقدّم. وقال الحَرْبِيّ: أسري به ليلة سبع وعشرين من (شهر) ربيع الآخرة قبل الهجرة بسنة. وقال أبو بكر محمد بن عليّ بن القاسم الذهبي في تاريخه: أسري به من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهراً. قال أبو عمر: لا أعلم أحداً من أهل السير قال ما حكاه الذهبي، ولم يُسْنِد قوله إلى أحد ممن يضاف إليه هذا العلم منهم، ولا رفعه إلى من يحتج به عليهم. المسألة الثالثة: وأما فرض الصلاة وهيئتها حين فرضت، فلا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السِّيَر أن الصلاة إنما فرضت بمكة ليلة الإسراء حين عُرج به إلى السماء، وذلك منصوص في الصحيح وغيره. وإنما اختلفوا في هيئتها حين فرضت؛ فروي عن عائشة رضي الله عنها أنها فرضت ركعتين ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعاً، وأَقرّتِ صلاة السفر على ركعتين. وبذلك قال الشَّعْبِيّ وميمون بن مِهْران ومحمد بن إسحاق. قال الشعبيّ: إلا المغرب. قال يونس بن بكير: وقال ابن إسحاق ثم إن جبريل عليه السلام أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم حين فرضت عليه الصلاة يعني في الإسراء فهمز له بعقِبه في ناحية الوادي فٱنفجرت عين ماء فتوضأ جبريل ومحمد ينظر عليهما السلام فوَضّأ وجهه واستنشق وتمضمض ومسح برأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين ونضح فرجه، ثم قام يصلي ركعتين بأربع سجدات، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقر الله عينه وطابت نفسه وجاءه ما يحب من أمر الله تعالى، فأخذ بيد خديجة ثم أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات هو وخديجة، ثم كان هو وخديجة يصليان سواء. وروي عن ابن عباس أنها فرضت في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين. وكذلك قال نافع بن جبير والحسن بن أبي الحسن البصري، وهو قول ابن جريج، وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يوافق ذلك. ولم يختلفوا في أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة الإسراء عند الزوال، فعلّم النبيّ صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها. وروى يونس بن بكير عن سالم مولى أبي المهاجر قال سمعت ميمون بن مهران يقول: كان أوّل الصلاة مثنى، ثم صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعاً فصارت سُنّة، وأُقِرّت الصلاة للمسافر وهي تمام. قال أبو عمر: وهذا إسناد لا يحتج بمثله، وقوله «فصارت سُنّة» قول منكر، وكذلك استثناء الشعبي المغرب وحدها ولم يذكر الصبح قولٌ لا معنى له. وقد أجمع المسلمون أن فرض الصلاة في الحضر أربع إلا المغرب والصبح ولا يعرفون غير ذلك عملاً ونقلاً مستفيضاً، ولا يضرهم الاختلاف فيما كان أصل فرضها. الخامسة: قد مضى الكلام في الأذان في «المائدة» والحمد لله. ومضى في «آل عمران» أن أوّل مسجد وُضع في الأرض المسجدُ الحرام، ثم المسجد الأقصى. وأن بينهما أربعين عاماً من حديث أبي ذَرّ، وبناء سليمان عليه السلام المسجد الأقصى ودعاؤه له من حديث عبد الله بن عمرو ووجه الجمع في ذلك؛ فتأمله هناك فلا معنى للإعادة. ونذكر هنا قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تُشَدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس».تفسير : خرّجه مالك من حديث أبي هريرة. وفيه ما يدل على فضل هذه المساجد الثلاثة على سائر المساجد؛ لهذا قال العلماء: من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا برحلة وراحلة فلا يفعل، ويصلّي في مسجده، إلا في الثلاثة المساجد المذكورة فإنه من نذر صلاة فيها خرج إليها. وقد قال مالك وجماعة من أهل العلم فيمن نذر رِباطاً في ثَغْر يسدّه: فإنه يلزمه الوفاء حيث كان الرباط لأنه طاعة لله عز وجل. وقد زاد أبو البَخْتَرِيّ في هذا الحديث مسجد الجند، ولا يصح وهو موضوع، وقد تقدّم في مقدّمة الكتاب. السادسة: قوله تعالى: {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} سُمِّيَ الأقصَى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام، وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظَّم بالزيارة، ثم قال: {ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} قيل: بالثمار وبمجاري الأنهار. وقيل: بمن دُفن حوله من الأنبياء والصالحين؛ وبهذا جعله مقدّسا. وروى معاذ بن جبل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يقول الله تعالى يا شام أنت صفْوَتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي» تفسير : أصله سام فَعُرِّبَ. {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} هذا من باب تلوين الخطاب. والآيات التي أراه الله من العجائب التي أخبر بها الناس، وإسراؤه من مكة إلى المسجد الأقصى في ليلة وهو مسيرة شهر، وعروجه إلى السماء ووصفه الأنبياء واحداً واحداً، حسبما ثبت في صحيح مسلم وغيره. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} تقدّم.
البيضاوي
تفسير : وقيل إلا قوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك} إلى آخر ثمان آيات وهي مائة وإحدى عشرة آية {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} سبحان اسم بمعنى التسبيح {ٱلَّذِى } هو التنزيه يستعمل علماً له فيقطع عن الإِضافة ويمنع عن الصرف قال:شعر : قَدْ قُلْتُ لَمَّا جَاءَني فَخْرُهُ سبحان من علقمة الفاخر تفسير : وانتصابه بفعل متروك إظهاره، وتصدير الكلام به للتنزيه عن العجز عما ذكر بعد. و {أَسْرَىٰ} وسرى بمعنى، و {لَيْلاً } نصب على الظرف. وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء، ولذلك قرىء: من «الليل». أي بعضه كقوله: {أية : وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ }تفسير : [الإسراء: 79] {مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } بعينه لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق»تفسير : أو «من الحرم» وسماه المسجد الحرام لأنه كله مسجد أو لأنه محيط به، أو ليطابق المبدأ المنتهى. لما «حديث : روي أنه صلى الله عليه وسلم كـان نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسرى به ورجع من ليلته، وقص القصة عليها وقال: مثل لي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فصليت بهم»تفسير : ثم خرج إلى المسجد الحرام وأخبر به قريشاً فتعجبوا منه استحالة، وارتد ناس ممن آمن به، وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: إن كان قال لقد صدق، فقالوا: أتصدقه على ذلك، قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق، واستنعته طائفة سافروا إلى بيت المقدس فجلى له فطفق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أما النعت فقد أصاب فقالوا أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون إلى الثنية فصادفوا العير كما أخبر، ثم لم يؤمنوا وقالوا ما هذا إلا سحر مبين وكان ذلك قبل الهجرة بسنة. واختلف في أنه كان في المنام أو في اليقظة بروحه أو بجسده، والأكثر على أنه أسرى بجسده إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السموات حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، ولذلك تعجب قريش واستحالوه، والاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الأرض مائة ونيفاً وستين مرة، ثم إن طرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في أقل من ثانية، وقد برهن في الكلام أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض وأن الله قادر على كل الممكنات فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي صلى الله عليه وسلم، أو فيما يحمله، والتعجب من لوازم المعجزات. {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد. {ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ} ببركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من لدن موسى عليه الصلاة والسلام، ومحفوف بالأنهار والأشجار. {لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا} كذهابه في برهة من الليل مسيرة شهر ومشاهدته بيت المقدس وتمثل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام له، ووقوفه على مقاماتهم، وصرف الكلام من الغيبة إلى التكلم لتعظيم تلك البركات والآيات. وقرىء «ليريه» بالياء.{إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوال محمد صلى الله عليه وسلم. {ٱلبَصِيرُ} بأفعاله فيكرمه ويقربه على حسب ذلك.
ابن كثير
تفسير : يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه؛ لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره، ولا رب سواه، {ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم {لَيْلاً} أي: في جنح الليل {مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وهو مسجد مكة {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} وهو بيت المقدس الذي بإيلياء؛ معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام، ولهذا جمعوا له هناك كلهم، فأمهم في محلتهم ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: {ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ} أي: في الزروع والثمار {لِنُرِيَهُ} أي: محمداً {مِنْ ءْايَـٰتِنَآ} أي: العظام؛ كما قال تعالى: {لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَى} وسنذكر من ذلك ما وردت به السنة من الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} أي: السميع لأقوال عباده مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم، البصير بهم، فيعطي كلاً منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة. (ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء: رواية أنس بن مالك رضي الله عنه) قال الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثني عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان ـ هو ابن بلال ـ عن شريك بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة: أنه جاءه ثلاثة نفر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه ـ وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ـ فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشو إيماناً وحكمة، فحشا به صدره ولغاديده ـ يعني عروق حلقه ـ ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب باباً من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: فمرحباً به وأهلاً، يستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلم عليه، ورد عليه آدم، فقال: مرحباً وأهلاً بابني، نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: «حديث : ما هذان النهران يا جبريل؟»تفسير : قال: هذان النيل والفرات عنصرهما. ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده، فإذا هو مسك أذفر، فقال: «حديث : ما هذا يا جبريل؟» تفسير : قال: هذا الكوثر الذي خبأه لك ربك، ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الملائكة الأولى: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحباً به وأهلاً، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله تعالى، فقال موسى: رب لم أظن أن يرفع علي أحدٌ، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله عز وجل، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه فيما يوحي خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط به حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟ قال: «حديث : عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة» تفسير : قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار جبريل: أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار تعالى وتقدس، فقال وهو في مكانه: «حديث : يا رب خفف عنا؛ فإن أمتي لا تستطيع هذا» تفسير : فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يرده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة، فقال: «حديث : يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم، فخفف عنا» تفسير : فقال الجبار تبارك وتعالى: يا محمد قال: «حديث : لبيك وسعديك» تفسير : قال: إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضت عليك في أم الكتاب، فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: «حديث : خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها» تفسير : قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضاً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا موسى قد والله استحييت من ربي عز وجل؛ مما أختلف إليه» تفسير : قال: فاهبط باسم الله. قال: واستيقظ وهو في المسجد الحرام. هكذا ساقه البخاري في كتاب التوحيد، ورواه في صفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر عبد الحميد عن سليمان بن بلال. ورواه مسلم عن هارون بن سعيد عن ابن وهب عن سليمان قال، فزاد ونقص، وقدم وأخر، وهو كما قال مسلم؛ فإن شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث، وساء حفظه، ولم يضبطه؛ كما سيأتي بيانه إن شاء الله في الأحاديث الأخر، ومنهم من يجعل هذا مناماً توطئة لما وقع بعد ذلك، والله أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: في حديث شريك زيادة تفرد بها، على مذهب من زعم أنه صلى الله عليه وسلم رأى الله عز وجل، يعني قوله: {ثُمَّ دَنَا} الجبار رب العزة {فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}. قال: وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل أصح، وهذا الذي قاله البيهقي رحمه الله في هذه المسألة هو الحق؛ فإن أبا ذر قال: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: «حديث : نور أنى أراه؟» تفسير : وفي رواية: «حديث : رأيت نوراً» تفسير : أخرجه مسلم، وقوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ} إنما هو جبريل عليه السلام، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين، وعن ابن مسعود، وكذلك هو في صحيح مسلم عن أبي هريرة، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت البناني عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبت، فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: أصبت الفطرة. قال: ثم عرج بي إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرح بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى، فرحبا بي، ودعوا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، فقيل: ومن معك؟ فقال: محمد، فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد، فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم (قال): يقول الله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل، فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد أرسل إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى عليه السلام، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، فقيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها، تغيرت، فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها. قال: «فأوحى الله إلي ما أوحى، وقد فرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، قال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: أي رب خفف عن أمتي، فحط عني خمساً، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فعلت؟ فقلت: قد حط عني خمساً، فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى، ويحطّ عني خمساً خمساً حتى قال: يا محمد هن خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت عشراً، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت» تفسير : ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن حماد بن سلمة بهذا السياق، وهو أصح من سياق شريك. قال البيهقي: وفي هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسري به عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس، وهذا الذي قاله هو الحق الذي لاشك فيه ولا مرية، وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجاً ملجماً ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا؟ فوالله ما ركبك قط أكرم على الله منه، قال: فارفض عرقاً، ورواه الترمذي عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديثه. وقال أحمد أيضاً: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني راشد بن سعيد وعبد الرحمن بن جبير عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما عرج بي إلى ربي عز وجل، مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدروهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم» تفسير : وأخرجه أبو داود من حديث صفوان بن عمرو به، ومن وجه آخر ليس فيه أنس، فالله أعلم، وقال أيضاً: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن سليمان التيمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مررت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام قائماً يصلي في قبره»تفسير : . ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن سليمان بن طرخان التيمي وثابت البناني، كلاهما عن أنس، قال النسائي: هذا أصح من رواية من قال: سليمان عن ثابت عن أنس، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في "مسنده": حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد عن التيمي عن أنس قال: أخبرني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، مر على موسى وهو يصلي في قبره، وقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا معتمر عن أبيه قال: سمعت أنساً: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر بموسى وهو يصلي في قبره، قال أنس: ذكر أنه حمل على البراق، فأوثق الدابة، أو قال: الفرس. قال أبو بكر: صفها لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هي كذه وذه» تفسير : فقال: أشهد أنك رسول الله. وكان أبو بكر رضي الله عنه قد رآها، وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في مسنده: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا الحارث بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بينا أنا نائم، إذ جاء جبريل عليه السلام، فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة فيها كوكري الطير، فقعد في أحدهما، وقعدت في الآخر، فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلب طرفي، ولو شئت أن أمس السماء لمسست، فالتفت إلى جبريل كأنه حلس لاط، فعرفت فضل علمه بالله علي، وفتح لي باب من أبواب السماء، فرأيت النور الأعظم، وإذا دون الحجاب رفرف الدر والياقوت، وأوحي إلي ما شاء الله أن يوحي» تفسير : ثم قال: ولا نعلم روى هذا الحديث إلا أنس، ولا نعلم رواه عن أبي عمران الجوني إلا الحارث بن عبيد، وكان رجلاً مشهوراً من أهل البصرة. ورواه الحافظ البيهقي في الدلائل عن أبي بكر القاضي عن أبي جعفر محمد بن علي بن دحيم عن محمد بن الحسين بن أبي الحسين، عن سعيد بن منصور، فذكره بسنده مثله، ثم قال: وقال غيره في هذا الحديث في آخره: ولط دوني، أو قال: دون الحجاب رفرف الدر والياقوت، ثم قال: هكذا رواه الحارث بن عبيد. ورواه حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن محمد بن عمير بن عطارد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ملإ من أصحابه، فجاءه جبريل، فنكت في ظهره، فذهب به إلى الشجرة، وفيها مثل وكري الطير، فقعد في أحدهما، وقعد جبريل في الآخر، فنشأت بنا حتى بلغت الأفق، فلو بسطت يدي إلى السماء لنلتها، فدلي بسبب وهبط إلى النور فوقع جبريل مغشياً عليه كأنه حلس، فعرفت فضل خشيته على خشيتي، فأوحي إلي: نبياً ملكاً، أو نبياً عبداً؟ وإلى الجنة ما أنت؟ فأومأ إليّ جبريل وهو مضطجع: أن تواضع. قال: قلت: لا، بل نبياً عبداً. قلت: وهذا إن صح، يقتضي أنها واقعة غير ليلة الإسراء، فإنه لم يذكر فيها بيت المقدس، ولا الصعود إلى السماء، فهي كائنة غير ما نحن فيه، والله أعلم. وقال البزار أيضاً: حدثنا عمرو بن عيسى حدثنا أبو بحر، حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل، وهذا غريب. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا يونس، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عن أنس بن مالك قال: لما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق، فكأنها حركت ذنبها، فقال لها جبريل: مه يا براق فوالله ما ركبك مثله، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو بعجوز على جانب الطريق فقال: «حديث : ما هذه يا جبريل؟» تفسير : قال: سر يا محمد، قال: فسار ما شاء الله أن يسير، فإذا شيء يدعوه متنحياً عن الطريق، فقال: هلم يا محمد فقال له جبريل: سر يا محمد فسار ما شاء الله أن يسير، قال: فلقيه خلق من خلق الله، فقالوا: السلام عليك (يا أول)، السلام عليك (يا آخر)، السلام عليك يا حاشر، فقال له جبريل: اردد السلام يا محمد، فرد السلام، ثم لقيه الثانية، فقال له مثل مقالته الأولى، ثم الثالثة كذلك، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الخمر والماء واللبن، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء، لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر، لغويت ولغوت أمتك، ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء عليهم السلام، فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة. ثم قال له جبريل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق، فلم يبق من الدنيا إلا كما بقي من عمر تلك العجوز. وأما الذي أراد أن تميل إليه، فذاك عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه، وأما الذين سلموا عليك، فإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن وهب. وفي بعض ألفاظه نكارة وغرابة. (طريق أخرى) - عن أنس بن مالك، وفيها غرابة ونكارة جداً وهي في "سنن النسائي" المجتبى ولم أرها في الكبير، قال: حدثنا عمرو بن هشام، حدثنا مخلد ـ هو ابن الحسين ـ عن سعيد بن عبد العزيز، حدثنا يزيد بن أبي مالك، حدثنا أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها، فركبت، ومعي جبريل عليه السلام، فسرت، فقال: انزل فصلّ، فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة، وإليها المهاجر، ثم قال: انزل فصل، فصليت فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى، ثم قال انزل فصل فصليت، فقال أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام، ثم دخلت بيت المقدس، فجمع لي الأنبياء عليهم السلام، فقدمني جبريل عليه السلام حتى أممتهم، ثم صعد بي إلى السماء الدنيا، فإذا فيها آدم عليه السلام، ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى عليهما السلام، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فإذا فيها يوسف عليه السلام، ثم صعد بي إلى السماء الرابعة، فإذا فيها هارون عليه السلام، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة، فإذا فيها إدريس عليه السلام. ثم صعد بي إلى السماء السادسة، فإذا فيها موسى عليه السلام، ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فإذا فيها إبراهيم عليه السلام، ثم صعد بي فوق سبع سموات، وأتيت سدرة المنتهى، فغشيتني ضبابة، فخررت ساجداً، فقيل لي: إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك، فرجعت بذلك حتى أمر بموسى عليه السلام، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: فإنك لا تستطيع أن تقوم بها، لا أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فرجعت إلى ربي، فخفف عني عشراً، ثم أتيت موسى، فأمرني بالرجوع، فرجعت فخفف عني عشراً، ثم ردت إلى خمس صلوات، قال: فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتين فما قاموا بهما، فرجعت إلى ربي عز وجل، فسألته التخفيف، فقال: إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك، قال: فعرفت أنها من الله عز وجل صِرَّي، فرجعت إلى موسى عليه السلام، فقال: ارجع، فعرفت أنها من الله عز وجل صِرَّي - يقول: أي: حتم ـ فلم أرجع».تفسير : (طريق أخرى) - وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، أتاه جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل، حمله جبريل عليها، ينتهي خفها حيث ينتهي طرفها، فلما بلغ بيت المقدس، وبلغ المكان الذي يقال له: باب محمد صلى الله عليه وسلم أتى إلى الحجر الذي ثمة، فغمزه جبريل بأصبعه، فثقبه، ثم ربطها، ثم صعد، فلما استويا في صرحة المسجد، قال جبريل: يا محمد هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ فقال: «حديث : نعم» تفسير : فقال: فانطلق إلى أولئك النسوة، فسلم عليهن، وهن جلوس عن يسار الصخرة، قال: «حديث : فأتيتهن، فسلمت عليهن، فرددن علي السلام، فقلت: من أنتن؟ فقلن: نحن خيرات حسان، نساء قوم أبرار نقوا فلم يدرنوا، وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا، قال: ثم انصرفت، فلم ألبث إلا يسيراً حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن، وأقيمت الصلاة، قال: فقمنا صفوفاً ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل عليه السلام فقدمني فصليت بهم، فلما انصرفت، قال جبريل: يا محمد أتدري من صلى خلفك؟ ـ قال ـ قلت: لا ـ قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله عز وجل».تفسير : قال: «حديث : ثم أخذ بيدي جبريل، فصعد بي إلى السماء، فلما انتهينا إلى الباب، استفتح، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم ـ قال ـ ففتحوا له، وقالوا: مرحباً بك وبمن معك ـ قال ـ فلما استوى على ظهرها، إذا فيها آدم، فقال لي جبريل: يا محمد ألا تسلم على أبيك آدم؟ ـ قال ـ قلت: بلى، فأتيته فسلمت عليه، فرد علي، وقال: مرحباً بابني الصالح والنبي الصالح ـ قال - ثم عرج بي إلى السماء الثانية، فاستفتح، فقالوا: من أنت؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، ففتحوا له، وقالوا: مرحباً بك وبمن معك، فإذا فيها عيسى وابن خالته يحيى عليهما السلام، ـ قال ـ ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، ففتحوا له، وقالوا: مرحباً بك وبمن معك، فإذا فيها يوسف عليه السلام، ثم عرج بي إلى السماء الرابعة، فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل، فقالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم ـ قال ـ ففتحوا له، وقالوا: مرحباً بك وبمن معك، فإذا فيها إدريس عليه السلام ـ قال ـ فعرج بي إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقالوا: من أنت؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم ـ قال ـ ففتحوا وقالوا: مرحباً بك وبمن معك، وإذا فيها هارون عليه السلام. ثم عرج بي إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقالوا: من أنت، قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم ـ قال ـ ففتحوا وقالوا: مرحباً بك وبمن معك، وإذا فيها موسى عليه السلام، ثم عرج بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقالوا: من أنت؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، ففتحوا له، وقالوا: مرحباً بك وبمن معك، وإذا فيها إبراهيم عليه السلام، فقال جبريل: يا محمد ألا تسلم على أبيك إبراهيم؟ قلت: بلى، فأتيته فسلمت عليه، فرد علي السلام، وقال: مرحباً بابني الصالح والنبي الصالح، ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى بي إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعليه طير أخضر أنعم طير رأيت، فقلت: يا جبريل إن هذا الطير لناعم، قال: يا محمد آكله أنعم منه، ثم قال: يا محمد أتدري أي نهر هذا؟ ـ قال ـ قلت: لا، قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله أياه، فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض من الياقوت والزمرد، ماؤه أشد بياضاً من اللبن ـ قال ـ فأخذت من آنيته آنية من الذهب، فاغترفت من ذلك الماء، فشربت، فإذا هو أحلى من العسل، وأشد رائحة من المسك. ثم انطلق بي حتى انتهيت إلى الشجرة، فغشيتني سحابة فيها من كل لون (فرفضني) جبريل، وخررت ساجداً لله عز وجل، فقال الله لي: يا محمد إني يوم خلقت السموات والأرض افترضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك ـ قال ـ ثم انجلت عني السحابة، فأخذ بيدي جبريل فانصرفت سريعاً، فأتيت على إبراهيم فلم يقل شيئاً، ثم أتيت على موسى، فقال: ما صنعت يا محمد؟ فقلت: فرض ربي علي وعلى أمتي خمسين صلاة، قال: فلن تستطيعها أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك، فرجعت سريعاً حتى انتهيت إلى الشجرة، فغشيتني السحابة، ورفضني جبريل، وخررت ساجداً، وقلت: ربي إنك فرضت علي وعلى أمتي خمسين صلاة، ولن أستطيعها أنا ولا أمتي، فخفف عنا، قال: وضعت عنكم عشراً ـ قال ـ ثم انجلت عني السحابة، وأخذ بيدي جبريل ـ قال ـ فانصرفت سريعاً حتى أتيت على إبراهيم، فلم يقل لي شيئاً، ثم أتيت على موسى، فقال لي: ما صنعت يا محمد؟ فقلت: وضع عني ربي عشراً، قال: فأربعون صلاة لن تستطيعها أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنكم. فذكر الحديث كذلك إلى خمس صلوات، وخمس بخمسين، ثم أمره موسى أن يرجع فيسأله التخفيف، فقال، «إني استحييت منه تعالى».تفسير : قال: ثم انحدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: «حديث : ما لي لم آت أهل سماء إلا رحبوا بي وضحكوا لي غير رجل واحد، فسلمت عليه، فرد علي السلام ورحب بي، ولم يضحك لي؟» تفسير : قال: يا محمد ذاك مالك، خازن جهنم، لم يضحك منذ خلق، ولو ضحك إلى أحد لضحك إليك، قال: ثم ركب منصرفاً، فبينا هو في بعض الطريق، مر بعير لقريش تحمل طعاماً، منها جمل عليه غرارتان: غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذى بالعير، نفرت منه، واستدارت، وصرع ذلك البعير وانكسر، ثم إنه مضى، فأصبح، فأخبر عما كان، فلما سمع المشركون قوله، أتوا أبا بكر، فقالوا: يا أبا بكر هل لك في صاحبك؟ يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر، ورجع في ليلته، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن كان قاله فقد صدق، وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا، لنصدقه على خبر السماء، فقال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما علامة ما تقول؟ قال: مررت بعير لقريش، وهي في مكان كذا وكذا، فنفرت الإبل منا، واستدارت، وفيها بعير عليه غرارتان: غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فصرع فانكسر، فلما قدمت العير، سألوهم فأخبروهم الخبر على مثل ما حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق، وسألوه، وقالوا: هل كان فيمن حضر معك موسى وعيسى؟ قال: نعم قالوا: فصفهم لنا، قال: «حديث : أما موسى، فرجل آدم، كأنه من رجال أزد عمان، وأما عيسى، فرجل ربعة سبط تعلوه حمرة كأنما يتحادر من شعره الجمان» تفسير : هذا سياق فيه غرائب عجيبة. رواية أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك: أن مالك بن صعصعة حدثه: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال: «حديث : بينما أنا في الحطيم ـ وربما قال قتادة: في الحجر ـ مضطجعاً إذ أتاني آت، فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة ـ قال ـ فأتاني فقدّ ـ سمعت قتادة يقول: فشق ـ ما بين هذه إلى هذه» تفسير : وقال قتادة: فقلت للجارود، وهو إلى جنبي: ما يعني؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته، وقد سمعته يقول: من قصته إلى شعرته، قال: «حديث : فاستخرج قلبي ـ قال ـ فأتيت بطست من ذهب مملوء إيماناً وحكمة، فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض» تفسير : قال: فقال الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال: نعم، يقع خطوه عند أقصى طرفه، قال: «حديث : فحملت عليه، فانطلق بي جبريل عليه السلام حتى أتى بي إلى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء ـ قال ـ ففتح لنا، فلما خلصت، فإذا فيها آدم عليه السلام، قال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح لنا، فلما خلصت، فإذا عيسى ويحيى، وهما ابنا الخالة، قال: هذان يحيى وعيسى، فسلم عليهما - قال: - فسلمت عليهما، فردا السلام، ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء - قال -: ففتح لنا، فلما خلصت، فإذا يوسف عليه السلام، قال: هذا يوسف - قال: - فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء - قال: - ففتح لنا، فلما خلصت، فإذا إدريس عليه السلام، قال هذا إدريس - قال -: فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، - قال - ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا، فلما خلصت، فإذا هارون عليه السلام، قال: هذا هارون، فسلم عليه فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح - قال: - ثم صعد حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به؛ ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا، فلما خلصت، فإذا بموسى عليه السلام، قال: هذا موسى، فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح - قال - فلما تجاوزته بكى قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي - قال: - ثم صعد حتى أتى السماء السابعة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا، فلما خلصت، فإذا إبراهيم عليه السلام، فقال: هذا إبراهيم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح - قال: - ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فقال: هذه سدرة المنتهى، قال: وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات - قال: - ثم رفع إلى البيت المعمور».تفسير : قال قتادة: وحدثنا الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفاً ثم لا يعودون فيه، ثم رجع إلى حديث أنس قال: «حديث : ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل. - قال: - فأخذت اللبن، قال: هذه الفطرة، أنت عليها وأمتك - قال: - ثم فرضت عليّ الصلاة خمسين صلاة كل يوم - قال: - فنزلت حتى أتيت موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ ـ قال -: فقلت: خمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة، وإني خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك - قال - فرجعت، فوضع عني عشراً - قال - فرجعت إلى موسى، فقال: بمَ أمرت؟ قلت: بأربعين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك - قال: - فرجعت فوضع عشراً أخر، فرجعت إلى موسى، فقال: بمَ أمرت؟ فقلت: أمرت بثلاثين صلاة، قال: إن أمتك لا تستطيع ثلاثين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك - قال: - فرجعت فوضع عشراً أخر، فرجعت إلى موسى، فقال: بمَ أمرت؟ فقلت: أمرت بعشرين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع عشرين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك - قال: - فرجعت، فوضع عشراً عني أخر، فرجعت إلى موسى، فقال: بمَ أمرت؟ فقلت: أمرت بعشر صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع لعشر صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك - قال - فرجعت، فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال: بمَ أمرت؟ قال: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك - قال: - قلت: قد سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، فنفذت، فنادى مناد: قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي» تفسير : وأخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة بنحوه. (رواية أنس عن أبي ذر) قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيماناً، فأفرغه في صدري، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئت إلى السماء، قال جبريل لخازن السماء: افتح، قال: من هذا؟ قال: جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد صلى الله عليه وسلم فقال: أرسل إليه؟ قال: نعم، فلما فتح، علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى، ثم عرج بي إلى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قاله الأول، ففتح» قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السادسة، قال أنس: فلما مر جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم بإدريس، قال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس، ثم مررت بموسى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت: من هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى، ثم مررت بإبراهيم، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم. قال الزهري: فأخبرني ابن حزم أنّ ابن عباس هو وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام».تفسير : قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى عليه السلام، فقال: ما فرض الله على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال موسى: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: ارجع إلى ربك، قلت: قد استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها من المسك» تفسير : وهذا لفظ البخاري في كتاب الصلاة، ورواه في ذكر بني إسرائيل وفي الحج وفي أحاديث الأنبياء من طرق أخرى عن يونس به، ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان منه عن حرملة عن ابن وهب عن يونس به نحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته، قال: وما كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأى ربه؟ فقال: إني قد سألته، فقال: قد رأيته نوراً أنىّ أراه» هكذا قد وقع في رواية الإمام أحمد، وأخرجه مسلم في صحيحه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع، عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: «حديث : نور أنى أراه»تفسير : . وعن محمد بن بشار عن معاذ بن هشام: حدثنا أبي عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته، فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: «حديث : رأيت نوراً».تفسير : (رواية أنس عن أبي بن كعب الأنصاري رضي الله عنه) قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن إسحاق بن محمد المسيبّي، حدثنا أنس بن عياض، حدثنا يونس بن يزيد قال: قال ابن شهاب: قال أنس بن مالك: كان أبي بن كعب يحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيماناً، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء، فلما جاء السماء الدنيا إذا رجل عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة، فإذا نظر قبل يمينه تبسم، وإذا نظر قبل يساره بكى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة التي عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل يمينه هم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله هم أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى - قال - ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا، ففتح له» تفسير : قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وإبراهيم وعيسى، ولم يثبت لي كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم عليه السلام في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة، قال أنس: فلما مر جبريل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم بإدريس قال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: «حديث : قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا إدريس - قال -: ثم مررت بموسى فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت: من هذا؟ قال: موسى، ثم مررت بعيسى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم - قال - ثم مررت بإبراهيم، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم».تفسير : قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع صريف الأقلام» تفسير : قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فرض الله على أمتي خمسين صلاة، قال: فرجعت بذلك حتى أمر على موسى، فقال موسى: ماذا فرض ربك على أمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة، فقال لي موسى: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعت ربي فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، قال: فرجعت إلى موسى، فقال، راجع ربك، فقلت: قد استحييت من ربي - قال -: ثم انطلق بي حتى أتى سدرة المنتهى، قال: فغشيها ألوان ما أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك» تفسير : هكذا رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وليس هو في شيء من الكتب الستة، وقد تقدم في الصحيحين من طريق يونس عن الزهري، عن أبي ذر مثل هذا السياق سواء، فالله أعلم. (رواية بريدة بن الحصيب الأسلمي) قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبد الرحمن بن المتوكل ويعقوب بن إبراهيم، واللفظ له، قالا: حدثنا أبو نميلة، حدثنا الزبير بن جنادة عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لما كان ليلة أسري بي - قال - فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس - قال - فوضع أصبعه فيها، فخرقها فشد بها البراق» تفسير : ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن الزبير بن جنادة إلا أبو نميلة، ولا نعلم هذا الحديث إلا عن بريدة، وقد رواه الترمذي في التفسير من جامعه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي به، وقال: غريب. (رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنه) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب قال: قال أبو سلمة: سمعت جابر بن عبد الله يحدث: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من طرق عن حديث الزهري به. وقال البيهقي: حدثنا أحمد بن الحسن القاضي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتهى إلى بيت المقدس، لقي فيه إبراهيم وموسى وعيسى، وأنه أتي بقدحين: قدح من لبن وقدح من خمر، فنظر إليهما، ثم أخذ قدح اللبن، فقال جبريل: أصبت، هديت للفطرة، لو أخذت الخمر، لغوت أمتك، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فأخبر أنه أسري به، فافتتن ناس كثير كانوا قد صلوا معه، وقال ابن شهاب: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: فتجهز، أو كلمة نحوها، ناس من قريش إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك، يزعم أنه جاء إلى بيت المقدس، ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة؟ فقال أبو بكر: أو قال ذلك،؟ قالوا: نعم، قال: فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: فتصدقه بأن يأتي الشام في ليلة واحدة، ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح؟ قال: نعم، أنا أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء، قال أبو سلمة: فبها سمي أبو بكر الصديق. قال أبو سلمة: فسمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحدث: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه»تفسير : . (رواية حذيفة بن اليمان رضي الله عنه) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا سليمان عن شيبان، عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: أتيت على حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وهو يحدث عن ليلة أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم وهو يقول: فانطلقا حتى أتيا بيت المقدس، فلم يدخلاه، قال: قلت: بل دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتئذ، وصلى فيه، قال: ما اسمك يا أصلع؟ فأنا أعرف وجهك، ولا أدري ما اسمك، قال: قلت أنا زر بن حبيش، قال: فما علمك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيه ليلتئذ؟ قال: قلت: القرآن يخبرني بذلك، قال: فمن تكلم بالقرآن فلج اقرأ، قال: فقلت: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} قال: يا أصلع، هل تجد صلى فيه؟ قلت: لا. قال: والله ما صلى فيه رسول الله ليلتئذ، لو صلى فيه لكتبت عليكم صلاة فيه كما كتب عليكم صلاة في البيت العتيق، والله ما زايلا البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء، فرأيا الجنة والنار، ووعد الآخرة أجمع، ثم عادا عودهما على بدئهما، قال: ثم ضحك حتى رأيت نواجذه. قال: وتحدثوا أنه ربطه لا يفر منه، وإنما سخره له عالم الغيب والشهادة، قلت: يا عبد الله أي دابة البراق؟ قال: دابة أبيض طويل، هكذا، خطوه مد البصر. ورواه أبو داود الطيالسي عن حماد بن سلمة، عن عاصم به. ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من حديث عاصم، وهو ابن أبي النجود، به. وقال الترمذي: حسن، وهذا الذي قاله حذيفة رضي الله عنه نفي ما أثبته غيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربط الدابة بالحلقة، ومن الصلاة ببيت المقدس مما سبق وما سيأتي، مقدم على قوله، والله أعلم بالصواب. (رواية أبي سعيدسعد بن مالك بن سنان الخدري) قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب "دلائل النبوة": حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو بكر يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو محمد راشد الحماني عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له أصحابه: يا رسول الله أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها، قال: قال الله عز وجل: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} الآية: قال: فأخبرهم، قال: «حديث : فبينما أنا نائم عشاء في المسجد الحرام، إذ أتاني آت فأيقظني، فاستيقظت فلم أر شيئاً، فإذا أنا بكهيئة خيال، فأتبعته بصري حتى خرجت من المسجد الحرام، فإذا أنا بدابة أدنى شبهاً بدوابكم هذه، بغالكم هذه، غير أنه مضطرب الأذنين، يقال له: البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي، يقع حافره عند مد بصره، فركبته، فبينما أنا أسير عليه، إذ دعاني داع من يميني: يا محمد انظرني أسألك، يا محمد انظرني أسألك، يا محمد انظرني أسألك، فلم أجبه، ولم أقم عليه، فبينما أنا أسير عليه، إذ دعاني داع عن يساري: يا محمد انظرني أسألك، فلم أجبه، ولم أقم عليه، فبينما أنا أسير، إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها، وعليها من كل زينة خلقها الله، فقالت: يا محمد انظرني أسألك، فلم ألتفت إليها، ولم أقم عليها حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها بها. ثم أتاني جبريل عليه السلام بإنائين: أحدهما خمر، والآخر لبن، فشربت اللبن، وأبيت الخمر، فقال جبريل: أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك، فقلت: الله أكبر الله أكبر، فقال جبريل: ما رأيت في وجهك هذا؟ قال: فقلت بينما أنا أسير، إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد انظرني أسألك، فلم أجبه، ولم أقم عليه، قال: ذاك داعي اليهود، أما إنك لو أجبته أو وقفت عليه لتهودت أمتك - قال - فبينما أنا أسير، إذ دعاني داع عن يساري قال: يا محمد انظرني أسألك، فلم ألتفت، ولم أقم عليه، قال: ذاك داعي النصارى، أما إنك لو أجبته، لتنصرت أمتك - قال - فبينما أنا أسير، إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة خلقها الله تقول: يا محمد انظرني أسألك، فلم أجبها، ولم أقم عليها، قال: تلك الدنيا، أما إنك لو أجبتها أو قمت عليها، لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة. قال: ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلى كل واحد منا ركعتين، ثم أتيت بالمعراج الذي كانت تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم ير الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحاً إلى السماء؟ فإنما يشق بصره طامحاً إلى السماء عجبه بالمعراج، قال: فصعدت أنا وجبريل، فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل، وهو صاحب السماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك، مع كل ملك جنوده مائة ألف ملك، قال: قال الله عز وجل: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} قال: فاستفتح جبريل باب السماء، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم، فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله عز وجل على صورته، فإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته من المؤمنين، فيقول: روح طيبة ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين، فمضيت هنيهة، فإذا أنا بأخونة عليها لحم مشرح ليس يقربها أحد، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن، عندها أناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك يأتون الحرام ويتركون الحلال، قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل، قال: فتفتح أفواههم، فيلقمون من ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم، فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء من أمتك {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بنساء تعلقن بثديهن، فسمعتهن يضججن إلى الله عز وجل، قلت: يا جبريل من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء الزناة من أمتك. قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم، خر، فيقول: اللهم لاتقم الساعة. قال: وهم على سابلة آل فرعون، قال: فتجيء السابلة فتطؤهم، قال: فسمعتهم يضجون إلى الله - قال - قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك {ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ} قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم فيلقمونه، فيقال له: كل كما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون. قال: ثم صعدنا إلى السماء الثانية، فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله عز وجل، قد فضل الناس في الحسن؛ كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قلت: ياجبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه، فرد عليّ. ثم صعدنا إلى السماء الثالثة، واستفتح، فإذا أنا بيحيى وعيسى عليهما السلام، ومعهما نفر من قومهما، فسلمت عليهما وسلما عليّ، ثم صعدنا إلى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكاناً علياً، فسلمت عليه فسلم عليّ. قال: ثم صعدنا إلى السماء الخامسة، فإذا أنا بهارون، ونصف لحيته بيضاء، ونصفها سوداء، تكاد لحيته تصيب سرته من طولها، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا المحبب في قومه، هذا هارون بن عمران، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم عليّ. ثم صعدت إلى السماء السادسة، فإذا أنا بموسى بن عمران رجل آدم، كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دون القميص، فإذا هو يقول: يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا، بل هذا أكرم على الله مني. قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران عليه السلام، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم عليّ. ثم صعدت إلى السماء السابعة، فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن، ساند ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه فسلم عليّ. وإذا أنا بأمتي شطرين: شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس، وشطر عليهم ثياب رُمْد قال - فدخلت البيت المعمور، ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرُّمْد وهم على خير، فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي. قال: والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. قال: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تكاد تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين تجري يقال لها: سلسبيل، فينشق منها نهران (أحدهما) الكوثر (والآخر) يقال له نهر الرحمة، فاغتسلت فيه، فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر. ثم إني رفعت إلى الجنة، فاستقبلتني جارية، فقلت: لمن أنت يا جارية؟ قالت: لزيد بن حارثة، وإذا بأنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وإذا رمانها كالدلاء عظماً، وإذا أنا بطيرها كأنها بختكم هذه، فقال عندها صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قد أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر - قال - ثم عرضت علي النار، فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته، لو طرحت فيها الحجارة والحديد، لأكلتها، ثم أغلقت دوني. ثم إني رفعت إلى سدرة المنتهى، فتغشاني، فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى. قال: وينزل على كل ورقة منها ملك من الملائكة - قال: - وفرضت علي خمسون صلاة، وقال: لك بكل حسنة عشر، فإذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة، فإذا عملتها كتبت لك عشراً، وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها، لم يكتب عليك شيء، فإن عملتها، كتبت عليك سيئة واحدة. ثم رجعت إلى موسى، فقال: بم أمرك ربك؟ فقلت: بخمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، ومتى لا تطيقه تكفر، فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتى، فإنها أضعف الأمم، فوضع عني عشراً، وجعلها أربعين، فما زلت أختلف بين موسى وربي، كلما أتيت عليه، قال لي مثل مقالته، حتى رجعت إليه، فقال لي: بم أمرت؟ فقلت: أمرت بعشر صلوات. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فرجعت إلى ربي فقلت: أي رب خفف عن أمتي، فإنها أضعف الأمم، فوضع عني خمساً وجعلها خمساً، فناداني ملك عندها: تممت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها. ثم رجعت إلى موسى، فقال: بم أمرت؟ فقلت: بخمس صلوات. قال: ارجع إلى ربك فإنه لا يؤوده شيء، فاسأله التخفيف لأمتك، فقلت: رجعت إلى ربي حتى استحييت تفسير : . ثم أصبح بمكة يخبرهم بالأعاجيب: إني أتيت البارحة بيت المقدس، وعرج بي إلى السماء، ورأيت كذا وكذا، فقال أبو جهل يعني ابن هشام: ألا تعجبون مما قال محمد؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس، ثم أصبح فينا، وأحدنا يضرب مطيته مصعدة شهراً، ومقفلة شهراً، فهذه مسيرة شهرين في ليلة واحدة قال: فأخبرتهم بعير لقريش لما كنت في مصعدي، رأيتها في مكان كذا وكذا، وأنها نفرت، فلما رجعت وجدتها عند العقبة، وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا وكذا، ومتاعه كذا وكذا، فقال أبو جهل: يخبرنا بأشياء، فقال رجل منهم: أنا أعلم الناس ببيت المقدس، وكيف بناؤه وهيئته، وكيف قربه من الجبل، فإن يك محمد صادقاً، فسأخبركم، وإن يك كاذباً، فسأخبركم، فجاء ذلك المشرك، فقال: يا محمد أنا أعلم الناس ببيت المقدس، فأخبرني: كيف بناؤه، وكيف هيئته، وكيف قربه من الجبل؟ قال: فرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس من مقعده، فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته، قال: بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا، فقال الآخر: صدقت، فرجع إليهم فقال: صدق محمد فيما قال، أو نحواً من هذا الكلام. وكذا رواه الإمام أبو جعفر بن جرير بطوله عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور عن معمر عن أبي هارون العبدي، وعن الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق عن معمر، عن أبي هارون العبدي به. ورواه أيضاً من حديث ابن إسحاق حدثني روح بن القاسم عن أبي هارون به نحو سياقه المتقدم، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أحمد بن عبدة، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد، عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، فذكره بسياق طويل حسن أنيق، أجود مما ساقه غيره، على غرابته وما فيه من النكارة. ثم ذكره البيهقي أيضاً من رواية نوح بن قيس الحدائي وهشيم ومعمر عن أبي هارون العبدي، واسمه عمارة بن جوين، وهو مضعف عند الأئمة، وإنما سقنا حديثه ههنا لما فيه من الشواهد لغيره، ولما رواه البيهقي: أخبرنا الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو نعيم أحمد بن محمد بن إبراهيم البزار، حدثنا أبو حامد بن بلال، حدثنا أبو الأزهر، حدثنا يزيد بن أبي حكيم قال: رأيت في النوم رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله رجل من أمتك يقال له سفيان الثوري لا بأس به؟ فقال رسول الله: «حديث : لا بأس به» تفسير : حدثنا عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري عنك يا رسول الله ليلة أسري بك، قلت: رأيت في السماء، فحدثته بالحديث، فقال لي: «حديث : نعم» تفسير : فقلت له: يا رسول الله إن ناساً من أمتك يحدثون عنك في السرى بعجائب؟ فقال لي: «حديث : ذلك حديث القصاص».تفسير : (رواية شداد بن أوس) قال الإمام أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي، حدثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم الأشعري عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي، حدثنا الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير، حدثنا شداد بن أوس قال: قلنا: يا رسول الله كيف أسري بك؟ قال: «صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتماً، فأتاني جبريل عليه السلام بدابة أبيض - أو قال: بيضاء - فوق الحمار ودون البغل، فقال: اركب، فاستصعب عليّ، فرازها بأذنها، ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا، يقع حافرها حيث انتهى طرفها، حتى بلغنا أرضاً ذات نخل، فأنزلني فقال صل فصليت، ثم ركبت، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، قال: صليت بيثرب، صليت بطيبة. فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها عند منتهى طرفها، ثم بلغنا أرضاً، قال: انزل، ثم قال: صل، فصليت، ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، قال: صليت بمدين عند شجرة موسى، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضاً بدت لنا قصور، فقال: انزل، فنزلت، فقال: صل، فصليت، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى المسيح بن مريم، ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، فأتى قبلة المسجد، فربط فيه دابته، ودخلنا المسجد من باب تميل فيه الشمس والقمر، فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين في أحدهما لبن، وفي الآخر عسل، أرسل إلي بهما جميعاً، فعدلت بينهما، ثم هداني الله عز وجل، فأخذت اللبن، فشربت حتى قرعت به جبيني، وبين يدي شيخ متكىء على مثواة له، فقال: أخذ صاحبك الفطرة، إنه ليهدى. ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي فيه المدينة، فإذا جهنم تنكشف عن مثل الروابي، قلت: يا رسول الله كيف وجدتها؟ قال: وجدتها مثل الحمة السخنة، ثم انصرف بي، فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا، قد أضلوا بعيراً لهم قد جمعه فلان، فسلمت عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد، ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة، فأتاني أبو بكر رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله أين كنت الليلة، فقد التمستك في مظانك؟ فقال: علمت أني أتيت من بيت المقدس الليلة، فقال: يا رسول الله إنه مسيرة شهر، فصفه لي، قال: ففتح لي صراط كأني إليه، لا يسألني عن شيء إلا أنبأته به، فقال أبو بكر: أشهد إنك لرسول الله، وقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة، قال: فقال: إن من آية ما أقول لكم أني مررت بعير لكم في مكان كذا وكذا، وقد أضلوا بعيراً لهم، فجمعه فلان، وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا، يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود، وغراراتان سوداوان. فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حين كان قريباً من نصف النهار حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا رواه البيهقي من طريقين عن أبي إسماعيل الترمذي به، ثم قال بعد تمامه: هذا إسناد صحيح، وروى ذلك مفرقاً من أحاديث غيره، ونحن نذكر من ذلك إن شاء الله ما حضرنا، ثم ساق أحاديث كثيرة في الإسراء كالشاهد لهذا الحديث، وقد روى هذا الحديث عن شداد بن أوس بطوله الإمام أبو عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي به، ولا شك أن هذا الحديث - أعني الحديث المروي عن شداد بن أوس - مشتمل على أشياء، منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي، ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم، وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس، وغير ذلك، والله أعلم. (رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما) قال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه قال: حدثنا ابن عباس قال: ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الجنة، فسمع في جانبها وَجْسَاً، فقال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا بلال المؤذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين جاء إلى الناس: «حديث : قد أفلح بلال، رأيت له كذا وكذا» تفسير : قال: فلقيه موسى عليه السلام، فرحب به قال: مرحباً بالنبي الأمي، قال: وهو رجل آدم طويل، سبط شعره مع أذنيه أو فوقهما، فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى، قال: فمضى فلقيه شيخ جليل متهيب، فرحب به وسلم عليه، وكلهم يسلم عليه، قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم - قال - ونظر في النار، فإذا قوم يأكلون الجيف، قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ورأى رجلاً أحمر أزرق جداً قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عاقر الناقة - قال - فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى، قام يصلي، فإذا النبيون أجمعون يصلون معه، فلما انصرف، جيء بقدحين أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال، في أحدهما لبن وفي الآخر عسل،فأخذ اللبن فشرب منه، فقال الذي كان معه القدح: أصبت الفطرة، إسناد صحيح، ولم يخرجوه. (طريق أخرى) - قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ثابت أبو زيد، حدثنا هلال، حدثني عكرمة عن ابن عباس قال: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم، فقال الناس: نحن لا نصدق محمداً بما يقول، فارتدوا كفاراً، فضرب الله رقابهم مع أبي جهل، وقال أبو جهل: يخوفنا محمد بشجرة الزقوم، هاتوا تمراً وزبداً فتزقموا، ورأى الدجال في صورته رؤيا عين ليس برؤيا منام، وعيسى وموسى وإبراهيم، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال فقال: «حديث : رأيته فيلمانياً أقمر هجاناً، إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري، كأن شعر رأسه أغصان شجرة، ورأيت عيسى عليه السلام أبيض، جعد الرأس حديد البصر، ومبطن الخلق، ورأيت موسى عليه السلام أسحم آدم، كثير الشعر، شديد الخلق، ونظرت إلى إبراهيم عليه السلام فلم أنظر إلى إرب منه إلا نظرت إليه مني، حتى كأنه صاحبكم، قال جبريل: سلم على أبيك، فسلمت عليه» تفسير : ورواه النسائي من حديث أبي زيد ثابت بن يزيد عن هلال، وهو ابن خباب به، وهو إسناد صحيح. (طريق أخرى) - قال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر الشافعي، أنبأنا إسحاق بن الحسن، حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا شيبان عن قتادة عن أبي العالية قال: حدثنا ابن عم نبيكم صلى الله عليه وسلم ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلاً طوالاً جعداً، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم عليه السلام مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس» تفسير : وأري مالكاً خازن جهنم، والدجال، في آيات أراهن الله إياه، قال: {أية : فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} تفسير : [السجدة: 23] فكان قتادة يفسرها أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد لقي موسى عليه السلام {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِى إِسْرَٰءِيلَ} قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل، رواه مسلم في الصحيح عن عبد بن حميد عن يونس بن محمد، عن شيبان، وأخرجاه من حديث شعبة عن قتادة مختصراً. (طريق أخرى) - وقال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا دبيس المعدل، ثنا عفان قال: ثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة؟ قالوا: ماشطة بنت فرعون وأولادها، سقط المشط من يدها فقالت: باسم الله، فقالت بنت فرعون: أبي، قالت: ربي وربك ورب أبيك، قالت: أوَلك رب غير أبي؟ قالت: نعم، ربي وربك ورب أبيك الله.,. قال: فدعاها، فقال: ألك رب غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله عز وجل. قال: فأمر ببقرة من نحاس، فأحميت، ثم أمر بها أن تلقى فيها، قالت: إن لي إليك حاجة، قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي في موضع، قال: ذاك لك؛ لما لك علينا من الحق، قال: فأمر بهم، فألقوا واحداً واحداً، حتى بلغ رضيعاً فيهم، فقال: يا أمه قعي ولا تقاعسي، فإنك على الحق، قال: وتكلم أربعة في المهد وهم صغار: هذا، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن مريم عليه السلام. تفسير : . إسناد لا بأس به، ولم يخرجوه (طريق أخرى) - قال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن جعفر وروح بن المعين قالا: حدثنا عوف عن زرارة بن أوفى عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لما كان ليلة أسري بي، فأصحبت بمكة، فظعت، وعرفت أن الناس مكذبي» تفسير : فقعد معتزلاً حزيناً، فمر به عدوالله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزىء: هل كان من شيء؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم» تفسير : قال: وما هو؟ قال: «حديث : إني أسري بي الليلة»تفسير : ، قال: إلى أين؟ قال: «حديث : إلى بيت المقدس» تفسير : قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : ، قال: فلم ير أن يكذبه مخافة أن يجحد الحديث إن دعا قومه إليه، فقال: أرأيت إن دعوت قومك، أتحدثهم بما حدثتني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم» تفسير : فقال: يا معشر بني كعب بن لؤي قال: فانفضت إليه المجالس، وجاؤوا حتى جلسوا إليهما، قال: حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إني أسري بي الليلة» تفسير : فقالوا: إلى أين؟ قال: «حديث : إلى بيت المقدس»تفسير : . قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : . قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً للكذب، قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفيهم من قد سافر إلى ذلك البلد، ورأى المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : فما زلت أنعت حتى التبس عليّ بعض النعت، قال: فجيء بالمسجد، وأنا أنظر إليه، حتى وضع دون دار عقيل أو عقال، فنعته وأنا أنظر إليه، قال: وكان مع هذا نعت لم أحفظه. قال: فقال القوم: أما النعت، فوالله لقد أصاب فيه» تفسير : وأخرجه النسائي من حديث عوف بن أبي جميلة وهو الأعرابي به، ورواه البيهقي من حديث النضر بن شميل وهوذة عن عوف، وهو ابن أبي جميلة الأعرابي أحد الأئمة الثقات. (رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه) قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا السري بن خزيمة، حدثنا يوسف بن بهلول، حدثنا عبد الله بن نمير عن مالك بن مغول عن الزبير بن عدي عن طلحة بن مصرف عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهى إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي ما يصعد به حتى يقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها حتى يقبض {إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} قال: غشيها فراش من ذهب، وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً المقحمات، يعني: الكبائر. ورواه مسلم في صحيحه عن محمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب، كلاهما عن عبد الله بن نمير به، ثم قال البيهقي: وهذا الذي ذكره عبد الله بن مسعود طرف من حديث المعراج، وقد رواه أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن أبي ذرعن النبي صلى الله عليه وسلم ثم رواه مرة مرسلاً من دون ذكرهما، ثم إن البيهقي ساق الأحاديث الثلاثة كما تقدم، قلت: وقد روي عن ابن مسعود بأبسط من هذا، وفيه غرابة، وذلك فيما رواه الحسن ابن عرفة في جزئه المشهور: حدثنا مروان بن معاوية عن قنان بن عبد الله النهمي، حدثنا أبو ظبيان الجنبي قال: كنا جلوساً عند أبي عبيدة بن عبد الله، يعني: ابن مسعود، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وهما جالسان، فقال محمد بن سعد لأبي عبيدة: حدثنا عن أبيك ليلة أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة: لا، بل حدثنا أنت عن أبيك، فقال محمد: لو سألتني قبل أن أسألك لفعلت، قال: فأنشأ أبو عبيدة يحدث، يعني: عن أبيه؛ كما سئل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أتاني جبريل عليه السلام بدابة فوق الحمار ودون البغل، فحملني عليه، ثم انطلق يهوي بنا، كلما صعد عقبة استوت رجلاه كذلك مع يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طوال سبط آدم كأنه من رجال أزد شنوءة، فيرفع صوته يقول: أكرمته وفضلته، قال: فدفعنا إليه، فسلمنا عليه فرد السلام، فقال، من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد، قال: مرحباً بالنبي الأمي العربي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، قال: ثم اندفعنا، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى بن عمران. قال: قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك، قلت: ويرفع صوته على ربه؟ قال: إن الله قد عرف له حدته. قال: ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السرج، تحتها شيخ وعياله، قال: فقال لي جبريل: اعمد إلى أبيك إبراهيم، فدفعنا إليه، فسلمنا عليه فرد السلام، فقال إبراهيم: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا ابنك أحمد، قال: فقال: مرحباً بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، يا بني إنك لاق ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جلها في أمتك فافعل. قال: ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى، فنزلت فربطت الدابة في الحقلة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها، ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد، قال: ثم أتيت بكأسين من عسل ولبن، فأخذت اللبن فشربت، فضرب جبريل عليه السلام منكبي وقال: أصبت الفطرة ورب محمد قال: «ثم أقيمت الصلاة، فأممتهم، ثم انصرفنا فأقبلنا» تفسير : إسناد غريب، ولم يخرجوه، فيه من الغرائب سؤال الأنبياء عنه عليه السلام ابتداء، ثم سؤاله عنهم بعد انصرافه، والمشهور في الصحاح كما تقدم أن جبريل كان يعلمه بهم أولاً ليسلم عليهم سلام معرفة، وفيه أنه اجتمع بالأنبياء عليهم السلام قبل دخوله المسجد الأقصى، والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السموات، ثم نزل إلى بيت المقدس ثانياً وهم معه. وصلى بهم فيه، ثم إنه ركب البراق وكر راجعاً إلى مكة، والله أعلم. (طريق أخرى) - قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا العوام عن جبلة بن سحيم عن مرثد بن جنادة، عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فتذاكروا أمر الساعة، قال: فردوا أمرهم إلى إبراهيم عليه السلام، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أماوجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله عز وجل، وفيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج، قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني، ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافراً فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون فيطؤون بلادهم، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس إلي، فيشكونهم، فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم، حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، أي تنتن، قال: فينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادها ليلاً أو نهاراً تفسير : . وأخرجه ابن ماجه عن بندار عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب. (رواية عبد الرحمن بن قرظ أخي عبد الله بن قرظ الثمالي) قال سعيد بن منصور: حدثنا مسكين بن ميمون مؤذن مسجد الرملة، حدثني عروة بن رويم عن عبد الرحمن بن قرظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى من بين زمزم والمقام، جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات العلى، فلما رجع قال: سمعت تسبيحاً في السموات العلى مع تسبيح كثير، سبحت السموات العلى من ذي المهابة مشفقات من ذي العلو بما علا، سبحان العلي الأعلى، سبحانه وتعالى. ونذكر ههنا الحديث عند قوله تعالى من هذه السورة: {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ} الآية. (رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه) قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان، عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس قال: قال أبو سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ضاهيت اليهودية، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس، فلم يعظم الصخرة تعظيماً يصلي وراءها وهي بين يديه كما أشار كعب الأحبار وهو من قوم يعظمونها حتى جعلوها قبلتهم، ولكن من الله عليه بالإسلام فهدي إلى الحق، ولهذا لما أشار بذلك، قال له أمير المؤمنين عمر: ضاهيت اليهودية، ولا أهانها إهانة النصارى الذين كانوا قد جعلوها مزبلة من أجل أنها قبلة اليهود، ولكن أماط عنها الأذى، وكنس عنها الكناسة بردائه. وهذا شبيه بما جاء في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها».تفسير : (رواية أبي هريرة وهي مطولة جداًوفيها غرابة) قال الإمام أبو جعفر بن جرير في تفسير سورة سبحان: حدثنا علي بن سهل، ثنا حجاج ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي عن أبي هريرة أو غيره - شك أبو جعفر - في قول الله عز وجل: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} الآية، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ميكائيل، فقال جبريل لميكائيل: ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر له قلبه وأشرح له صدره، قال: فشق عن بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طساس من ماء زمزم، فشرح صدره فنزع ما كان فيه من غل، وملأه علماً وحلماً وإيماناً ويقيناً وإسلاماً، وختم بين كتفيه بخاتم النبوة، ثم أتاه بفرس فحمله عليه، كل خطوة منه منتهى بصره أو أقصى بصره، قال: فسار وسار معه جبريل عليهما السلام، قال: فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم«حديث : يا جبريل ما هذا؟» تفسير : قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين، ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت، عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: «حديث : ما هؤلاء يا جبريل؟» تفسير : قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة، ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والنعم، ويأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، قال: «حديث : فما هؤلاء يا جبريل؟» تفسير : قال: هؤلاء الذي لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله تعالى شيئاً، وما الله بظلام للعبيد، ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم نيء في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من اللحم النيء الخبيث، ويدعون النضيج الطيب، فقال: «حديث : ما هؤلاء يا جبريل؟» تفسير : فقال: هذا الرجل من أمتك، تكون عنده المرأة الحلال الطيبة، فيأتي امرأة خبيثة، فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيباً، فتأتي رجلاً خبيثاً فتبيت معه حتى تصبح، قال: ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته، ولا شيء إلا خرقته، قال: «حديث : ما هذا يا جبريل؟» تفسير : قال: هذا مثل أقوام أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونها، ثم تلا: {أية : وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ} تفسير : الآية [الأعراف: 86]، قال: ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، فقال: «حديث : ما هذا يا جبريل؟» تفسير : قال هذا الرجل من أمتك يكون عليه أمانات للناس لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها، ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت، عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: «حديث : ما هذا يا جبريل؟» تفسير : فقال: هؤلاء خطباء الفتنة، ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، فقال: «حديث : ما هذا يا جبريل؟» تفسير : فقال هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة، ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها. ثم أتى على واد فوجد ريحاً طيبة باردة وريح مسك وسمع صوتاً، فقال: «حديث : يا جبريل ما هذه الريح الطيبة الباردة، وما هذا المسك، وما هذا الصوت؟» تفسير : قال: هذا صوت الجنة تقول: يا رب ائتني بما وعدتني، فقد كثرت غرفي وإستبرقي، وحريري وسندسي، وعبقريــــي ولؤلؤي، ومرجاني وفضتي وذهبي، وأكوابي وصحافي وأباريقي وأكؤسي، وعسلي ومائي ولبني وخمري، فائتني بما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحاً ولم يشرك بي شيئاً، ولم يتخذ من دوني أنداداً، ومن خشيني فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكل عليّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلا أنا، لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون وتبارك الله أحسن الخالقين، قالت: قد رضيت. قال: ثم أتى على واد، فسمع صوتاً منكراً، ووجد ريحاً خبيثة، فقال: «حديث : ما هذا يا جبريل وما هذا الصوت؟» تفسير : فقال: هذا صوت جهنم تقول: يا رب ائتني بما وعدتني؛ فقد كثرت سلاسلي، وأغلالي وسعيري، وحميمي، وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري، واشتد حري، فائتني بما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت. قال: ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فنزل فربط فرسه إلى الصخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة قالوا، يا جبريل من هذا معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: أوقد أرسل إليه؟ فقال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء. قال: ثم لقي أرواح الأنبياء، فأثنوا على ربهم، فقال إبراهيم عليه السلام: الحمد لله الذي اتخذني خليلاً، وأعطاني ملكاً عظيماً، وجعلني أمة قانتاً يؤتم بي، وأنقذني من النار، وجعلها علي برداً وسلاماً، ثم إن موسى عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليماً، وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي قوماً يهدون بالحق وبه يعدلون، ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكاً عظيماً، وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب. ثم إن سليمان عليه السلام أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح، وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وآتاني من كل شيء فضلاً، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير، وفضلني على كثير من عباده المؤمنين، وآتاني ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي طيباً ليس فيه حساب. ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه عز وجل، فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته، وجعل مثلي كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وجعلني أبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهرني، وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل. قال: ثم إن محمداً صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه عز وجل، فقال: «حديث : كلكم أثنى على ربه، وإني مثن على ربي، فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وأنزل علي الفرقان فيه بيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي أمة وسطاً، وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحاً وخاتماً» تفسير : فقال إبراهيم عليه السلام: بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وسلم. قال أبو جعفر الرازي: خاتم بالنبوة فاتح بالشفاعة يوم القيامة. ثم أتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فأتي بإناء منها فيه ماء، فقيل له: اشرب، فشرب منه يسيراً، ثم دفع إليه إناء آخر فيه لبن، فقيل له: اشرب، فشرب منه حتى روي، ثم دفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له: اشرب، فقال: لا أريده، قد رويت، فقال له جبريل: أما إنها ستحرم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا القليل. قال: ثم صعد به إلى السماء فاستفتح، فقيل: من هذا يا جبريل؟ فقال: محمد، فقالوا: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، ففتح لهما، فدخل فإذا برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء، كما ينقص من خلق الناس، عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، فإذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى وحزن، فقلت: يا جبريل من هذا الشيخ التام الخلق الذي لم ينقص من خلقه شيء، وما هذان البابان؟ فقال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا نظر إلى من يدخل الجنة من ذريته، ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر إلى من يدخلها من ذريته بكى وحزن. ثم صعد به جبريل إلى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا معك؟ فقال: محمد رسول الله، فقالوا: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو بشابين، فقال: يا جبريل من هذان الشابان؟ قال: هذا عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابنا الخالة عليهما السلام. قال: فصعد به إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل قد فضل على الناس في الحسن، كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قال: من هذا يا جبريل الذي قد فضل على الناس في الحسن؟ قال: هذا أخوك يوسف عليه السلام. قال: ثم صعد به إلى السماء الرابعة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل، قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا إدريس عليه السلام رفعه الله مكاناً علياً. قال: فصعد به إلى السماء الخامسة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل جالس وحوله قوم يقص عليهم، قال: من هذا يا جبريل، ومن هؤلاء حوله؟ قال: هذا هارون المحبب، وهؤلاء بنو إسرائيل. قال: فصعد به إلى السماء السادسة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل جالس فجاوزه فبكى الرجل، فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: موسى، قال: فما باله يبكي؟ قال: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله عز وجل، وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا، وأنا في أخرى، فلو أنه بنفسه، لم أبال، ولكن مع كل نبي أمته. قال: ثم صعد به إلى السماء السابعة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، فقالوا: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي، وعنده قوم جلوس، بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فدخلوا نهراً فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء. ثم دخلوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلصت ألوانهم فصارت مثل ألوان أصحابهم، جاؤوا فجلسوا إلى أصحابهم، فقال: يا جبريل من هذا الأشمط، ثم من هؤلاء البيض الوجوه ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، وما هذه الأنهار التي دخلوا فيها فجاؤوا وقد صفت ألوانهم؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، أول من شمط على وجه الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه، فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فقوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار، فأولها رحمة الله، والثاني نعمة الله، والثالث سقاهم ربهم شراباً طهوراً. قال: ثم انتهى إلى السدرة، فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك على سنتك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها، والورقة منها تغطي الأمة كلها، قال: فغشيها نور الخلاق عز وجل، وغشيتها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة، من حب الرب تبارك وتعالى، قالوا: فكلمه الله عند ذلك فقال له: سل، فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلاً، وأعطيته ملكاً عظيماً، وكلمت موسى تكليماً وأعطيت داود ملكاً عظيماً، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكاً، وسخرت له الجن والإنس والشياطين، وسخرت له الرياح، وأعطيت له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل، فقال له الرب عز وجل: وقد اتخذتك خليلاً - وهو مكتوب في التوراة حبيب الرحمن - وأرسلتك إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أمتك أمة وسطاً، وجعلت أمتك هم الأولين وهم الآخرين، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من أمتك أقواماً قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول النبيين خلقاً، وآخرهم بعثاً، وأولهم يقضى له، وأعطيتك سبعاً من المثاني لم يعطها نبي قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك الكوثر، وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام والهجرة والجهاد والصلاة والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلتك فاتحاً خاتماً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : فضلني ربي بست: أعطاني فواتح الكلام وخواتيمه، وجوامع الحديث، وأرسلني إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وقذف في قلوب أعدائي الرعب من مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض كلها طهوراً ومسجداً»تفسير : ، قال: وفرض عليه خمسين صلاة. فلما رجع إلى موسى قال: بم أمرت يا محمد؟ قال: بخمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه عز وجل فسأله التخفيف، فوضع عنه عشراً، ثم رجع إلى موسى فقال له: بكم أمرت؟ قال بأربعين، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، ولقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه، فسأله التخفيف، فوضع عنه عشراً، فرجع إلى موسى، فقال: بكم أمرت: قال أمرت بثلاثين، فقال له موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه عز وجل، فسأله التخفيف، فوضع عنه عشراً، فرجع إلى موسى فقال له: بكم أمرت؟ قال: أمرت بعشرين، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه عز وجل فسأله التخفيف، فوضع عنه عشراً فرجع إلى موسى عيله السلام، فقال له: بكم أمرت؟ قال: أمرت بعشر، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه عز وجل فسأله التخفيف، فوضع عنه خمساً، فرجع إلى موسى عليه السلام، فقال له: بكم أمرت؟ قال: أمرت بخمس، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت، فما أنا براجع إليه، قيل: أما إنك كما صبرت نفسك خمس صلوات، فإنهن يجزين عنك خمسين صلاة، فإن كل حسنة بعشر أمثالها، قال: فرضي محمد صلى الله عليه وسلم كل الرضا، قال: وكان موسى عليه السلام من أشدهم عليه حين مر به، وخيرهم له حين رجع إليه. ثم رواه ابن جرير عن محمد بن عبيد الله عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أو غيره - شك أبو جعفر - عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بمعناه، وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي عن أبي سعيد الماليني، عن ابن عدي، عن محمد بن الحسن السكوني البالسي بالرملة: حدثنا علي بن سهل، فذكر مثل ما رواه ابن جرير عنه، وذكر البيهقي أن الحاكم أبا عبد الله رواه عن إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني عن جده، عن إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن حاتم بن إسماعيل، حدثني عيسى بن ماهان، يعني: أبا جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. وقال ابن أبي حاتم: ذكر أبو زرعة، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا يونس بن بكير حدثنا عيسى بن عبد الله التميمي عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس البكري، عن أبي العالية أو غيره - شك عيسى - عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} فذكر الحديث بطوله كنحو مما سقناه، (قلت): وأبو جعفر الرازي قال فيه الحافظ أبو زرعة الرازي: يهم في الحديث كثيراً، وقد ضعفه غيره أيضاً، ووثقه بعضهم، والظاهر أنه سيىء الحفظ، ففيما تفرد به نظر. وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه شيء من حديث المنام من رواية سمرة بن جندب في المنام الطويل عند البخاري، ويشبه أن يكون مجموعاً من أحاديث شتى، أو منام، أو قصة أخرى غير الإسراء، والله أعلم. وقد روى البخاري ومسلم في "الصحيحين" من حديث عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : حين أسري بي، لقيت موسى عليه السلام - فنعته، فإذا رجل حسبته قال - مضطرب رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة، قال: ولقيت عيسى - فنعته النبي صلى الله عليه وسلم قال - ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس - يعني حمام، قال: - ولقيت إبراهيم، وأنا أشبه ولده به - قال: - وأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، قيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن، فشربت، فقيل لي: هديت الفطرة - أو أصبت الفطرة - أما إنك لو أخذت خمراً، غوت أمتك» تفسير : وأخرجاه من وجه آخر عن الزهري به نحوه. وفي "صحيح مسلم" عن محمد بن رافع عن الحجين بن المثنى، عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كرباً ما كربت مثله قط، فرفعه الله إلي أنظر إليه، ما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى قائم يصلي، وإذا هو رجل جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي، أقرب الناس شبهاً به عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي، أقرب الناس شبهاً به صاحبكم - يعني: نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت قال قائل: يا محمد هذا مالك خازن جهنم، فالتفت إليه، فبدأني بالسلام».تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : رأيت ليلة أسري بي لما انتهيت إلى السماء السابعة، فنظرت فوق، فإذا رعد وبرق وصواعق، قال: وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيَّات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء آكلو الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا، نظرت أسفل مني، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم، لا يتفكرون في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب» تفسير : ورواه الإمام أحمد عن حسن وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة به. ورواه ابن ماجه من حديث حماد به. (رواية جماعة من الصحابة ممن تقدم وغيرهم) قال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد الله يعني الحاكم، حدثنا عبد الله بن زيد بن يعقوب الدقاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن الحسين الهمداني، حدثنا أبو محمد هو إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا عمر بن سعد النضري من بني نضرة بن معين، حدثني عبد العزيز وليث ابن أبي سليم، وسلمان الأعمش وعطاء بن السائب، بعضهم يزيد في الحديث على بعض، عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس وعن محمد بن إسحاق بن يسار عمن حدثه عن ابن عباس، وعن سليم بن مسلم العقيلي عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن مسعود، وجويبر عن الضحاك بن مزاحم، قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم هانىء راقداً، وقد صلى العشاء الآخرة، قال أبو عبد الله الحاكم: قال لنا هذا الشيخ، وذكر الحديث، فكتبت المتن من نسخة مسموعة منه، فذكر حديثاً طويلاً يذكر فيه عدد الدرج والملائكة وغير ذلك مما لا ينكر شيء منها في قدرة الله، إن صحت الرواية. قال البيهقي: فيما ذكرنا قبل في حديث أبي هارون العبدي في إثبات الإسراء والمعراج كفاية، وبالله التوفيق. (قلت): وقد أرسل هذا الحديث غير واحد من التابعين وأئمة المفسرين رحمة الله عليهم أجمعين. (رواية عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها) قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني مكرم بن أحمد القاضي، حدثني إبراهيم بن الهيثم البكري، حدثني محمد بن كثير الصنعاني، حدثنا معمر بن راشد عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، أصبح يحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، فقال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك، لقد صدق، قالوا: فتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق. (رواية أم هانىء بنت أبي طالب) قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح باذان عن أم هانىء بنت أبي طالب في مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول: ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى الصبح وصلينا معه، قال: «حديث : يا أم هانىء لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين» تفسير : الكلبي متروك بمرة ساقط، لكن رواه أبو يعلى في مسنده عن محمد بن إسماعيل الأنصاري عن ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن أبي صالح، عن أم هانىء بأبسط من هذا السياق، فليكتب ههنا، وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن عكرمة، عن أم هانىء قالت: بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به في بيتي، ففقدته من الليل، فامتنع مني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن جبريل عليه السلام أتاني فأخذ بيدي فأخرجني، فإذا على الباب دابة دون البغل وفوق الحمار، فحملني عليها ثم انطلق حتى أتى بي إلى بيت المقدس، فأراني إبراهيم عليه السلام يشبه خلقه خلقي ويشبه خلقي خلقه، وأراني موسى آدم طويلاً سبط الشعر، شبهته برجال أزد شنوءة، وأراني عيسى بن مريم ربعة أبيض يضرب إلى الحمرة، شبهته بعروة بن مسعود الثقفي، وأراني الدجال ممسوح العين اليمنى، شبهته بقطن بن عبد العزى - قال - وأنا أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم بما رأيت»تفسير : فأخذت بثوبه فقلت: إني أذكرك الله إنك تأتي قومك يكذبوك وينكرون مقالتك، فأخاف أن يسطوا بك، قالت: فضرب ثوبه من يدي ثم خرج إليهم، فأتاهم وهم جلوس فأخبرهم ما أخبرني، فقام جبير بن مطعم، فقال: يا محمد أن لو كنت شاباً كما كنت، ما تكلمت بما تكلمت به وأنت بين ظهرانينا. فقال رجل من القوم: يا محمد هل مررت بإبل لنا في مكان كذا كذا؟ قال: «حديث : نعم والله قد وجدتهم قد أضلوا بعيراً لهم فهم في طلبه» تفسير : قال: هل مررت بإبل لبني فلان؟ قال: «حديث : نعم وجدتهم في مكان كذا وكذا وقد انكسرت لهم ناقة حمراء، وعندهم قصعة من ماء فشربت ما فيها» تفسير : قالوا: فأخبرنا عدتها، وما فيها من الرعاة؟ قال: «حديث : قد كنت عن عدتها مشغولاً» تفسير : فقام فأوتي بالإبل فعدها، وعلم ما فيها من الرعاة، ثم أتى قريشاً فقال لهم: «حديث : سألتموني عن إبل بني فلان فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاة فلان وفلان، وسألتموني عن إبل بني فلان، فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاة ابن أبي قحافة وفلان وفلان، وهي تصبحكم بالغداة على الثنية» تفسير : قال: فقعدوا على الثنية ينظرون أصدقهم ما قال؟ فاستقبلوا الإبل فسألوهم: هل ضل لكم بعير؟ فقالوا: نعم، فسألوا الآخر، هل انكسرت لكم ناقة حمراء؟ قالوا: نعم، قالوا: فهل كانت عندكم قصعة؟ قال أبو بكر: أنا والله وضعتها، فما شربها أحد، ولا أهرقوه في الأرض، فصدقه أبو بكر وآمن به، فسمي يومئذ الصديق. (فصل) وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه، فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء عليهم السلام، ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة، فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب، ولم يتحصل على مطلب. وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه عليه السلام أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك، وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جداً، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد، لأخبر النبي صلى الله عليه وسلم به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرر. قال موسى بن عقبة الزهري: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، وكذا قال عروة. وقال السدي: بستة عشر شهراً، والحق أنه عليه السلام أسري به يقظة لا مناماً من مكة إلى بيت المقدس راكباً البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد، ربط الدابة عند الباب ودخله، فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما صلى الله عليه وسلم وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، أي: أقلام القدر بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته، وله ستمائة جناح، ورأى رفرفاً أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه؛ لأنه الكعبة السماوية، يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة منه، ولطفاً بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها. ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم، جعل يسأل عنهم جبريل واحداً واحداً، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولاً مطلوباً إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به، اجتمع به هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام له في ذلك. ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس، والله سبحانه وتعالى أعلم، وأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء، أو الجميع، فقد ورد أنه في بيت المقدس، وجاء أنه في السماء. ويحتمل أن يكون ههنا وههنا؛ لأنه كالضيافة للقادم، والله أعلم، ثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه، أو بروحه فقط؟ على قولين، فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناماً، ولا ينكرون أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل ذلك مناماً، ثم رآه بعد يقظة؛ لأنه كان عليه السلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والدليل على هذا قوله تعالى: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ} فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناماً لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظماً، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذبيه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضاً فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقد قال تعالى: {أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} وقال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، رواه البخاري، وقال تعالى: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم: 17] والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضاً فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه، والله أعلم. وقال آخرون بل أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه لا بجسده، قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أن معاوية بن أبي سفيان، كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله صادقة. وحدثني بعض آل أبي بكر: أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أسري بروحه. قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها؛ لقول الحسن إن هذه الآية نزلت: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} ولقول الله في الخبر عن إبراهيم: {أية : إِنِّىۤ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} تفسير : [الصافات: 102] قال: ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحي يأتي للأنبياء من الله أيقاظاً ونياماً، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : تنام عيناي وقلبي يقظان» تفسير : والله أعلم، أي ذلك كان قد جاءه، وعاين من الله فيه ما عاين على أي حالاته كان نائماً أو يقظاناً، كل ذاك حق وصدق، انتهى كلام ابن إسحاق. وقد تعقبه أبو جعفر بن جرير في "تفسيره" بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن، وذكر من الأدلة على رده بعض ما تقدم، والله أعلم. (فائدة حسنة جليلة) روى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب "دلائل النبوة" من طريق محمد بن عمر الواقدي: حدثني مالك بن أبي الرجال عن عمرو بن عبد الله عن محمد بن كعب القرظي، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة إلى قيصر، فذكر وروده عليه وقدومه إليه، وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل، ثم استدعى من بالشام من التجار، فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه، فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم كما سيأتي بيانه، وجعل أبو سفيان يجهد أن يحقر أمره ويصغره عنده. قال في هذا السياق عن أبي سفيان: والله ما منعني من أن أقول عليه قولاً أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها علي، ولا يصدقني في شيء. قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري به، قال: فقلت: أيها الملك ألا أخبرك خبراً تعرف أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قال: قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا، أرض الحرم، في ليلة، فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء، ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصباح. قال، وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال بطريق إيلياء: قد علمت تلك الليلة، قال: فنظر إليه قيصر، وقال: وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كان تلك الليلة، أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني كلهم فعالجته، فغلبنا، فلم نستطع أن نحركه، كأنما نزاول به جبلاً، فدعوت إليه النجاجرة، فنظروا إليه، فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه النجاف والبنيان، ولا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى. قال: فرجعت وتركت البابين مفتوحين. فلما أصبحت غدوت عليهما، فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط دابة، قال: فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، وقد صلى الليلة في مسجدنا، وذكر تمام الحديث. (فائدة) قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس، وتكلم عليه فأجاد وأفاد، ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس، وشداد بن أوس وأبي بن كعب وعبد الرحمن بن قرط وأبي حبة وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة، وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب وأبي الحمراء، وصهيب الرومي وأم هانىء، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين، منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ }تفسير : [الصف: 8].
المحلي و السيوطي
تفسير : {سُبْحَانَ } أي تنزيه {ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم {لَيْلاً } نصب على الظرف، والإِسراء: سير الليل، وفائدة ذكره الإِشارة بتنكيره إلى تقليل مدّته {مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } أي مكة {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلاْقْصَى } بيت المقدس لبُعْده منه {ٱلَّذِى بَٰرَكْنَا حَوْلَهُ } بالثمار والأنهار {لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَٰتِنَا } عجائب قدرتنا {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ } أي العالم بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، فأنعم عليه بالإِسراء المشتمل على اجتماعه بالأنبياء وعروجه إلى السماء ورؤية عجائب الملكوت ومناجاته له تعالى.
الشوكاني
تفسير : قوله: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } هو مصدر سبح، يقال: سبح يسبح تسبيحاً وسبحاناً، مثل كفر اليمين تكفيراً وكفراناً، ومعناه التنزيه والبراءة لله من كل نقص. وقال سيبويه: العامل فيه فعل لا من لفظه، والتقدير: أنزه الله تنزيهاً، فوقع سبحان مكان تنزيهاً، فهو على هذا مثل قعد القرفصاء واشتمل الصماء؛ وقيل: هو علم للتسبيح كعثمان للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحان، ثم نزل منزلة الفعل وسدّ مسدّه، وقد قدّمنا في قوله: {أية : سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } تفسير : [البقرة: 32]. طرفاً من الكلام المتعلق بسبحان. والإسراء قيل: هو سير الليل، يقال: سرى وأسرى، كسقى وأسقى لغتان، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله:شعر : حي النضير ربة الخدر أسرت إليّ ولم تكن تسري تفسير : وقيل هو سير أوّل الليل خاصة، وإذا كان الإسراء لا يكون إلاّ في الليل فلا بدّ للتصريح بذكر الليل بعده من فائدة، فقيل: أراد بقوله {ليلاً} تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسافة أربعين ليلة. ووجه دلالة {ليلاً} على تقليل المدّة ما فيه من التنكير الدالّ على البعضية، بخلاف ما إذا قلت: سريت الليل فإنه يفيد استيعاب السير له جميعاً. وقد استدلّ صاحب الكشاف على إفادة ليلاً للبعضية بقراءة عبد الله وحذيفة (من الليل). وقال الزجاج: معنى {أسرى بعبده ليلاً} سير عبده، يعني: محمداً ليلاً، وعلى هذا فيكون معنى أسرى: معنى سير، فيكون للتقيد بالليل فائدة، وقال: {بعبده} ولم يقل: بنبيه أو رسوله، أو بمحمد تشريفاً له صلى الله عليه وسلم. قال أهل العلم: لو كان غير هذا الاسم أشرف منه، لسماه الله سبحانه به في هذا المقام العظيم، والحالة العلية:شعر : لا تدعني إلا بياعبدها فإنه أشرف أسمائي ادعاء بأسماء نبزا في قبائلها كأن أسماء أضحت بعض أسمائي تفسير : {مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } قال الحسن وقتادة: يعني المسجد نفسه، وهو ظاهر القرآن. وقال عامة المفسرين: أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم من دار أم هانىء، فحملوا المسجد الحرام على مكة، أو الحرام، لإحاطة كل واحد منهما بالمسجد الحرام، أو لأن الحرم كله مسجد. ثم ذكر سبحانه الغاية التي أسرى برسوله إليها فقال: {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلاْقْصَى } وهو بيت المقدس. وسمي الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، ولم يكن حينئذٍ وراءه مسجد، ثم وصف المسجد الأقصى بقوله: {ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ } بالثمار والأنهار والأنبياء والصالحين، فقد بارك الله سبحانه حول المسجد الأقصى ببركات الدنيا والآخرة. وفي {باركنا} بعد قوله {أسرى} التفات من الغيبة إلى التكلم. ثم ذكر العلة التي أسرى به لأجلها فقال: {لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا } أي: ما أراه الله سبحانه في تلك الليلة من العجائب التي من جملتها قطع هذه المسافة الطويلة في جزء من الليل {إنَّهُ} سبحانه {هُوَ ٱلسَّمِيعُ } بكل مسموع، ومن جملة ذلك قول رسوله صلى الله عليه وسلم {ٱلبَصِيرُ } بكل مبصر، ومن جملة ذلك ذات رسوله وأفعاله. وقد اختلف أهل العلم هل كان الإسراء بجسده صلى الله عليه وسلم مع روحه، أو بروحه فقط؟ فذهب معظم السلف والخلف إلى الأوّل، وذهب إلى الثاني طائفة من أهل العلم منهم عائشة، ومعاوية، والحسن، وابن إسحاق، وحكاه ابن جرير عن حذيفة بن اليمان، وذهبت طائفة إلى التفصيل فقالوا: كان الإسراء بجسده يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، واستدلوا على هذا التفصيل بقوله: {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلاْقْصَى }، فجعله غاية للإسراء بذاته صلى الله عليه وسلم. فلو كان الإسراء من بيت المقدس إلى السماء، وقع بذاته لذكره، والذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة هو ما ذهب إليه معظم السلف والخلف من أن الإسراء بجسده وروحه يقظة إلى بيت المقدس، ثم إلى السموات، ولا حاجة إلى التأويل وصرف هذا النظم القرآني وما يماثله من ألفاظ الأحاديث إلى ما يخالف الحقيقة، ولا مقتضى لذلك إلاّ مجرد الاستبعاد وتحكيم محض العقول القاصرة عن فهم ما هو معلوم من أنه لا يستحيل عليه سبحانه شيء، ولو كان ذلك مجرد رؤيا كما يقوله من زعم أن الإسراء كان بالروح فقط، وأن رؤيا الأنبياء حق لم يقع التكذيب من الكفرة للنبي صلى الله عليه وسلم عند إخباره لهم بذلك حتى ارتدّ من ارتدّ ممن لم يشرح بالإيمان صدراً، فإن الإنسان قد يرى في نومه ما هو مستبعد، بل ما هو محال ولا ينكر ذلك أحد؛ وأما التمسك لمن قال بأن هذا الإسراء إنما كان بالروح على سبيل الرؤيا بقوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ }تفسير : [الإسراء: 60] فعلى تسليم أن المراد بهذه الرؤيا هو هذا الإسراء فالتصريح الواقع هنا بقوله: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } والتصريح في الأحاديث الصحيحة الكثيرة بأنه أسرى به لا تقصر عن الاستدلال بها على تأويل هذه الرؤيا الواقعة في الآية برؤية العين، فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا، وكيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريح الأحاديث الصحيحة بأن النبي صلى الله عليه وسلم ركب البراق؟ وكيف يصح وصف الروح بالركوب؟ وهكذا كيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريحه بأنه كان عند أن أسري به بين النائم واليقظان؟ وقد اختلف أيضاً في تاريخ الإسراء، فروي أن ذلك كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة. وروي أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام. ووجه ذلك أن خديجة صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ماتت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بثلاث؛ وقيل: بأربع، ولم تفرض الصلاة إلاّ ليلة الإسراء. وقد استدل بهذا ابن عبد البرّ على ذلك، وقد اختلفت الرواية عن الزهري. وممن قال بأن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة الزهري في رواية عنه، وكذلك الحربي فإنه قال: أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة سبع وعشرين من ربيع الأوّل قبل الهجرة بسنة. وقال ابن القاسم في تاريخه: كان الإسراء بعد مبعثه بثمانية عشر شهراً. قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحداً من أهل السير قال بمثل هذا. وروي عن الزهري أنه أسري به قبل مبعثه بسبعة أعوام، وروي عنه أنه قال: كان قبل مبعثه بخمس سنين. وروى يونس عن عروة عن عائشة أنها قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة. {وَءاتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ } أي: التوراة، قيل: والمعنى كرّمنا محمداً بالمعراج وأكرمنا موسى بالكتاب {وَجَعَلْنَـٰهُ } أي: ذلك الكتاب؛ وقيل: موسى {هُدًى لّبَنِى إِسْرٰءيلَ } يهتدون به {أَن لا تَتَّخِذُواْ}. قرأ أبو عمر بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالفوقية أي: لئلا يتخذوا. والمعنى: آتيناه الكتاب لهداية بني إسرائيل لئلا يتخذوا {مِن دُونِى وَكِيلاً } قال الفراء: أي كفيلاً بأمورهم، وروي عنه أنه قال: كافياً؛ وقيل: أي متوكلون عليه في أمورهم، وقيل: شريكاً، ومعنى الوكيل في اللغة من توكل إليه الأمور. {ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } نصب على الاختصاص أو النداء، ذكرهم سبحانه إنعامه عليهم في ضمن إنجاء آبائهم من الغرق، ويجوز أن يكون المفعول الأوّل لقوله {أن لا تتخذوا} أي: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلاً، كقوله: {أية : وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَٱلنَّبِيّيْنَ أَرْبَابًا } تفسير : [آل عمران: 80]. وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من فاعل {تتخذوا}، وقرأ مجاهد بفتح الذال، وقرأ زيد بن ثابت بكسرها، والمراد بالذرية هنا: جميع من في الأرض، لأنهم من ذرية من كان في السفينة؛ وقيل: موسى وقومه من بني إسرائيل. وهذا هو المناسب لقراءة النصب على النداء والنصب على الاختصاص، والرفع على البدل وعلى الخبر، فإنها كلها راجعة إلى بني إسرائيل المذكورين، وأما على جعل النصب على أن {ذرية} هي المفعول الأوّل لقوله {لا تتخذوا}، فالأولى تفسير الذرية بجميع من في الأرض من بني آدم. {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } أي: نوحاً، وصفه الله بكثرة الشكر وجعله كالعلة لما قبله إيذاناً بكون الشكر من أعظم أسباب الخير، ومن أفضل الطاعات حثاً لذريته على شكر الله سبحانه. وقد أخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: أسري بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال: أسري برسول الله إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وأخرج البيهقي عن عروة مثله. وأخرج البيهقي أيضاً عن السدّي قال: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مهاجره بستة عشر شهراً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ } قال: أنبتنا حوله الشجر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَءاتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إِسْرٰءيلَ } قال: جعله الله هدى يخرجهم من الظلمات إلى النور وجعله رحمة لهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى وَكِيلاً } قال: شريكاً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } قال: هو على النداء. يا ذرية من حملنا مع نوح. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن زيد الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : {ذرية من حملنا مع نوح}، ما كان مع نوح إلاّ أربعة أولاد: حام، وسام، ويافث، وكوش، فذلك أربعة أولاد انتسلوا هذا الخلق"تفسير : . واعلم أنه قد أطال كثير من المفسرين كابن كثير والسيوطي وغيرهما في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها، وليس في ذلك كثير فائدة، فهي معروفة في موضعها من كتب الحديث، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهو مبحث آخر، والمقصود في كتب التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز، وذكر أسباب النزول، وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية، وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه حاجة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} أما قوله {سبحان} ففيه تأويلان: أحدهما: تنزيه الله تعالى من السوء، وقيل بل نزه نفسه أن يكون لغيره في إسراء عبده تأثير. الثاني: معناه برأه الله تعالى من السوء، وقد قال الشاعر: شعر : أقول لمّا جاءني فَخْرُه سبحان مِنْ علقمةَ الفاخِر تفسير : وهو ذكر تعظيم لله لا يصلح لغيره، وإنما ذكره الشاعر على طريق النادر، وهو من السبح في التعظيم وهو الجري فيه إلى أبعد الغايات. وذكر أبان بن ثعلبة أنها كلمة بالنبطية "شبهانك". وقد ذكر الكلبي ومقاتل: إن {سبحان} في هذا الموضع بمعنى عجب، وتقدير الآية: عجب من الذي أسرى بعبده ليلاً، وقد وافق على هذا التأويل سيبويه وقطرب، وجعل البيت شاهداً عليه، وأن معناه عجبٌ من علقمة الفاخر. ووجه هذا التأويل أنه إذا كان مشاهدة العجب سبباً للتسبيح صار التسبيح تعجباً فقيل عجب، ومثله قول بشار: شعر : تلقي بتسبيحةٍ مِنْ حيثما انصرفت وتستفزُّ حشا الرائي بإرعاد تفسير : وقد جاء التسبيح في الكلام على أربعة أوجه: أحدها: أن يستعمل في موضع الصلاة، من ذلك قوله تعالى: {أية : فلولا أنه كان من المسبِّحينَ} تفسير : [الصافات: 143] أي من المصلين. الثاني: أن يستعمل في الاستثناء، كما قال بعضهم في قوله تعالى: {أية : ألم أقل لكم لولا تسبحون} تفسير : [القلم: 28] أي لولا تستثنون. الثالث: النور، للخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : لأحرقت سبحات وجهه" تفسير : أي نور وجهه. الرابع: التنزيه، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن التسبيح فقال: "حديث : تنزيه الله تعالى عن السوء ". تفسير : وقوله تعالى: {أسرى بعبده} أي بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والسُّرى: سير الليل، قال الشاعر: شعر : وليلة ذا ندًى سَرَيت ولم يلتني مِنْ سُراها ليت تفسير : وقوله {من المسجد الحرام} فيه قولان: أحدهما: يعني من الحرم، والحرم كله مسجد. وكان صلى الله عليه وسلم حين أُسرى به نائماً في بيت أم هانىء بنت أبي طالب، روى ذلك أبو صالح عن أم هانىء. الثاني: أنه أسرى به من المسجد، وفيه كان حين أسري به روى ذلك أنس بن مالك. ثم اختلفوا في كيفية إسرائه على قولين: أحدهما: أنه أسريَ بجسمه وروحه، روى ذلك ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو هريرة وحذيفة بن اليمان. واختلف قائلو ذلك هل دخل بيت المقدس وصلى فيه أم لا، فروى أبو هريرة أنه صلى فيه بالأنبياء، ثم عرج به إلى السماء، ثم رجع به الى المسجد الحرام فصلى فيه صلاة الصبح من صبيحة ليلته. وروى حذيفة بن اليمان أنه لم يدخل بيت المقدس ولم يُصلّ فيه ولا نزل عن البراق حتى عرج به، ثم عاد إلى ملكه. والقول الثاني: أن النبي صلى الله عليه السلام أسري بروحه ولم يسر بجسمه، روى ذلك عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما فُقِدَ جَسَدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله أسرى بروحه. وروي عن معاوية قال: كانت رؤيا من الله تعالى صادقة، وكان الحسن يتأول قوله تعالى {أية : وما جَعَلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنةً للناس} تفسير : [الإسراء: 60] أنها في المعراج، لأن المشركين كذبوا ذلك وجعلوا يسألونه عن بيت المقدس وما رأى في طريقه فوصفه لهم، ثم ذكر لهم أنه رأى في طريقه قعباً مغطى مملوءاً ماء، فشرب الماء ثم غطاه كما كان، ثم ذكر لهم صفة إبل كانت لهم في طريق الشام تحمل متاعاً، وأنها تقدُم يوم كذا مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق؛ فخرجوا في ذلك اليوم يستقبلونها، فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد أشرقت ولم تأت، وقال آخر: هذه والله العير يقدُمها جمل أورق كما قال محمد. وفي هذا دليل على صحة القول الأول أنه أسرى بجسمه وروحه. وقوله تعالى: {إلى المسجد الأقصى} يعني بيت المقدس، وهو مسجد سليمان بن داود عليهما السلام وسمي الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام. ثم قال تعالى: {الذي باركنا حوله} فيه قولان: أحدهما: يعني بالثمار ومجاري الأنهار. الثاني: بمن جعل حوله من الأنبياء والصالحين ولهذا جعله مقدساً. وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : يقول الله تعالى: يا شام أنت صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي ". تفسير : {لنريه من آياتنا} فيه قولان: أحدهما: أن الآيات التي أراه في هذا المسرى أن أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة، وهي مسيرة شهر. الثاني: أنه أراه في هذا المسرى آيات. وفيها قولان: أحدهما: ما أراه من العجائب التي فيها اعتبار. الثاني: من أري من الأنبياء حتى وصفهم واحداً واحداً. {إنه هو السميع البصير} فيه وجهان: أحدهما: أنه وصف نفسه في هذه الحال بالسميع والبصير، وإن كانتا من صفاته اللازمة لذاته في الأحوال كلها لأنه حفظ رسوله عند إسرائه في ظلمة الليل فلا يضر ألا يبصر فيها، وسمع دعاءه فأجابه إلى ما سأل، فلهذين وصف الله نفسه بالسميع البصير. الثاني: أن قومه كذبوه عن آخرهم بإسرائه، فقال: السميع يعني لما يقولونه من تصديق أو تكذيب، البصير لما يفعله من الإسراء والمعراج.
ابن عطية
تفسير : لفظ الآية يقتضي أن الله عز وجل أسرى بعبده، وهو محمد عليه السلام، ويظهر أن {أسرى} هي هنا معداة بالهمزة إلى مفعول محذوف تقديره، أسرى الملائكة بعبده، وكذلك يقلق أن يسند {أسرى} وهو بمعنى سرى إلى الله تعالى، إذ هو فعل يعطي النقلة كمشى وجرى وأحضر وانتقل، فلا يحسن إسناد شيء من هذا ونحن نجد مندوحة، فإذا صرحت الشريعة بشيء من هذا النحو كقوله في الحديث "حديث : أتيته سعياً، وأتيته هرولة" تفسير : حمل ذلك بالتأويل على الوجه المخلص من نفي الحوادث، و {أسرى} في هذه الآية تخرج فصيحة كما ذكرنا ولا تحتاج إلى تجوز قلق في مثل هذا اللفظ، فإنه ألزم للنقلة من أتيته و {أية : أتى الله بنيانهم} تفسير : [النحل: 26] ويحتمل أن يكون {أسرى} بمعنى سرى على حذف مضاف كنحو قوله تعالى {أية : ذهب الله بنورهم} تفسير : [البقرة: 17] ووقع الإسراء في جميع مصنفات الحديث، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه، وذكر النقاش عمن رواه عشرين صحابياً، فروى جمهور الصحابة وتلقى جل العلماء منهم أن الإسراء كان بشخصه صلى الله عليه وسلم، وأنه ركب البراق من مكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه، وروى حذيفة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل عن البراق في بيت المقدس ولا دخله، قال حذيفة ولو صلى فيه لكتبت عليكم الصلاة فيه، وأنه ركب البراق بمكة ولم ينزل عنه حتى انصرف إلى بيته، إلا في صعوده إلى السماء، وقالت عائشة ومعاوية إنما أسري بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارق شخصه مضجعه وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق من ربه عز وجل، وجوزه الحسن وابن إسحاق، والحديث، قال القاضي أبو محمد، مطول في البخاري ومسلم وغيرهما، فلذلك اختصرنا نصه في هذا الباب، وركوب البراق على قول هؤلاء يكون من جملة ما رأى في النوم، قال ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن في كتاب الطبري: البراق هو دابة إبراهيم الذي كان يزور عليه البيت الحرام. قال القاضي أبو محمد: يريد أن يجيء من يومه ويرجع وذلك من مسكنه بالشام، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ولو كانت منامة ما أمكن قريشاً التشنيع ولا فضل أبو بكر بالتصديق، ولا قالت له أم هاني: لا تحدث الناس بهذا فيكذبوك إلى غير هذا من الدلائل، واحتج لقول عائشة بقوله تعالى: {أية : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} تفسير : [الإسراء: 60]، ويحتمل القول الآخر لأنه يقال لرؤية العين رؤيا، واحتج أيضاً بأن في بعض الأحاديث: فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام وهذا محتمل أن يريد من الإسراء إلى نوم، واعترض قول عائشة بأنها كانت صغيرة لم تشاهد ولا حدثت عن النبي عليه السلام، وأما معاوية فكان كافراً في ذلك الوقت غير مشاهد للحال صغيراً، ولم يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: {سبحان} مصدر غير متمكن لأنه لا يجري بوجوه الإعراب ولا تدخل عليه الألف واللام ولم يجر منه فعل، وسبح إنما معناه قال سبحان الله فلم يستعمل سبح إلا إشارة إلى {سبحان}، ولم ينصرف لأن في آخره زائدتين وهو معرفة بالعلمية وإضافته لا تزيده تعريفاً، هذا كله مذهب سيبويه فيه، وقالت فرقة: قال القاضي أبو محمد: نصبه على النداء كأنه قال: "يا سبحان"، قال القاضي أبو محمد الذي، وهذا ضعيف ومعناه تنزيهاً لله، حديث : وروى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما معنى سبحان الله؟ قال: "تنزيهاً لله من كل سوء"تفسير : ، والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي هو من معناه لا من لفظه إذ يجر من لفظه فعل، وذلك مثل قعد القرفصاء واشتمل الصماء، فالتقدير عنده أنزه الله تنزيهاً فوقع {سبحان} مكان قولك تنزيهاً، وقال قوم من المفسرين: {أسرى} فعل غير متعد عداه هنا بحرف جر تقول سرى الرجل وأسرى إذ سار بالليل بمعنى، وقد ذكرت ما يظهر في اللفظ من جهة العقيدة، وقرأ حذيفة وابن مسعود "أسرى بعبده من الليل من المسجد الحرام"، وقوله من {المسجد الحرام}، قال أنس بن مالك: أراد المسجد المحيط بالكعبة نفسها ورجحه الطبري وقال: هو الذي يعرف إذا ذكر هذا الاسم، وروى الحسن بن أبي الحسن عن النبي عليه السلام أنه قال: "حديث : بينا أنا نائم في الحجر إذ جاءني جبريل والملائكة"تفسير : ، الحديث بطوله. وروى قوم أن ذلك كان بين زمزم والمقام، وروى مالك بن صعصعة عن النبي عليه السلام: "حديث : بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان"تفسير : ، وذكر عبد بن حميد الكشي في تفسيره عن سفيان الثوري أنه قال: أسري بالنبي عليه السلام من شعب أبي طالب، وقالت فرقة: {المسجد الحرام} مكة كلها واستندوا إلى قوله تعالى {أية : لتدخلن المسجد الحرام} تفسير : [الفتح: 27] وعظم المقصد هنا إنما هو مكة، وروى بعض هذه الفرقة عن أم هاني أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء في بيتي، وروي بعضها عن النبي عليه السلام، أنه قال: "حديث : خرج سقف بيتي" تفسير : وهذا يلتئم مع قول أم هاني، وكان الإسراء فيما قال مقاتل قبل الهجرة بعام، وقاله قتادة، وقيل بعام ونصف، قاله عروة عن عائشة وكان ذلك في رجب، وقيل في ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول والنبي صلى الله عليه وسلم ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوماً، والمتحقق أن ذلك كان بعد شق الصحيفة، وقبل بيعة العقبة، ووقع في الصحيحين لشريك بن أبي نمر وهم في هذا المعنى فإنه روى حديث الإسراء فقال فيه: وذلك قبل الوحي إليه، ولا خلاف بين المحدثين أن هذا وهم من شريك، و {المسجد الأقصى}، مسجد بيت المقدس، وسماه {الأقصى} أي في ذلك الوقت كان أقصى بيوت الله الفاضلة من الكعبة، ويحتمل أن يريد بـ {الأقصى} البعيد دون مفاضلة بينه وبين سواه، ويكون المقصد إظهار العجب في الإسراء إلى هذا البعد في ليلة. و"البركة حوله" هي من جهتين، إحداهما النبوءة والشرائع والرسل الذين كانوا في ذلك القطر وفي نواحيه وبواديه، والأخرى النعم من الأشجار والمياه والأرض المفيدة التي خص الله الشام بها، وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: "حديث : إن الله بارك فيما بين العريش إلى الفرات وخص فلسطين بالتقديس" تفسير : وقوله: {لنريه من آياتنا} يريد لنري محمداً بعينه آياتنا في السماوات والملائكة والجنة والسدرة وغير ذلك مما رآه تلك الليلة من العجائب، ويحتمل أن يريد لنري محمداً للناس آية، أي يكون النبي صلى الله عليه وسلم آية في أن يصنع الله ببشر هذا الصنع وتكون الرؤية على هذا رؤية قلب، ولا خلاف أن في هذا الإسراء فرضت الصلوات الخمس على هذه الأمة. وقوله: {إنه هو السميع البصير} وعيد من الله للكفار تكذيبهم محمداً في أمر الإسراء، فهي إشارة لطيفة بليغة إلى ذلك أي {هو السميع} لما تقولون {البصير} بأفعالكم.
ابن عبد السلام
تفسير : {سُبْحَانَ}: تنزيه الله ـ تعالى ـ من السوء، أو براءة الله ـ تعالى ـ من السوء. وهو تعظيم لا يصلح لغير الله. أخذ من السبح في التعظيم وهو الجري فيه، وقيل هو هنا تعجيب أي اعجبوا للذي أسرى، لما كان مشاهدة العجب سبباً للتسبيح صار التسبيح تعجباً. ويطلق التسبيح على الصلاة، وعلى الاستثناء {أية : لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} تفسير : [القلم: 28]، وعلى النور "سبحات وجهه"، وعلى التنزيه، "حديث : سئل الرسول صلى الله عليه سلم عن التسبيح فقال: "إنزاه الله ـ تعالى ـ على السوء" " تفسير : . {بِعَبْدِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم. والسرى سير الليل. {الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الحرم كله، أو المسجد نفسه، سرت روحه وجسده فصلى في بيت المقدس بالأنبياء ثم عرج إلى السماء ثم رجع إلى المسجد الحرام فصلى به الصبح آخر ليلته، أو لم يدخل القدس ولم ينزل عن البراق حتى عرج به ثم عاد إلى مكة، أو أسرى بروحه دون جسده فكانت رؤيا من الله ـ تعالى ـ صادقة: {الأَقْصَا} لبعده من المسجد الحرام. {بَارَكْنَا} بالثمار ومجرى الأنهار، أو بمن جُعل حوله من الأنبياء والصالحين {مِنْ ءَايَاتِنَا} عجائبنا، أو من أريهم من الأنبياء حتى وصفهم واحداً واحداً {السَّمِيعُ} لتصديقهم بالإسراء وتكذيبهم {الْبَصِيرُ} بما فعل من الإسراء والمعراج.
النسفي
تفسير : {سُبْحَانَ} تنزيه الله عن السوء وهو علم للتسبيح كعثمان للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك إِظهاره تقديره أسبح الله سبحان، ثم نزل سبحان منزلة الفعل فسد مسده ودل على التنزيه البليغ {الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم وسرى وأسرى لغتان {لَيْلاً} نصب على الظرف وقيده بالليل والإسراء لا يكون إلا بالليل للتأكيد، أو ليدل بلفظ التنكير على تقرير مدة الإسراء وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة {مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قيل: أسري به من دار أم هانىء بنت أبي طالب. والمراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الحرم كله مسجد. وقيل: هو المسجد الحرام بعينه وهو الظاهر، فقد قال عليه السلام: «حديث : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق وقد عرج بي إلى السماء في تلك الليلة»تفسير : وكان العروج به من بيت المقدس وقد أخبر قريشاً عن عيرهم وعدد جمالها وأحوالها، وأخبرهم أيضاً بما رأى في السماء من العجائب، وأنه لقي الأنبياء عليهم السلام وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى، وكان الإسراء قبل الهجرة بسنة وكان في اليقظة، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: والله ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عرج بروحه. وعن معاوية مثله. وعلى الأول الجمهور إذ لا فضيلة للحالم ولا مزية للنائم {إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَا} هو بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} يريد بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء عليهم السلام ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة {لِنُرِيَهُ} أي محمداً عليه السلام {مِنْ آيَـاتِنَا} الدالة على وحدانية الله وصدق نبوته برؤيته السماوات وما فيها من الآيات {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} للأقوال {الْبَصِيرُ} بالأفعال ولقد تصرف الكلام على لفظ الغائب والمتكلم فقيل {أسرى} ثم {باركنا} ثم {إنه هو} وهي طريقة الالتفات التي هي من طرق البلاغة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل {سبحان الذين أسرى بعبده ليلاً} روى ابن الجوزي حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن تفسير سبحان الله فقال: "تنزيه الله عن كل شيء"تفسير : . هكذا ذكره بغير سند وقال النحويون: سبحان اسم علم على التسبيح يقال سبحت الله تسبيحاً فالتسبيح هو المصدر وسبحان الله علم للتسبيح وتفسير سبحان الله، تنزيه الله عن كل سوء ونقيصة وأصله في اللغة التباعد فمعنى سبحان الله بعده ونزاهته عن كل ما لا يبغي {الذي أسرى} يقال سري به وأسري به لغتان {بعبده} أجمع المفسرون والعلماء والمتكلمون، أن المراد به محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلف أحد من الأمة في ذلك، وقوله بعبده إضافة تشريف وتعظيم وتبجيل وتفخيم وتكريم ومنه قول بعضهم. شعر : لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي تفسير : قيل: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدرجات العالية والرتب الرفيعة ليلة المعراج، أوحى الله عز وجل إليه يا محمد بم شرفتك؟ قال: رب حيث نسبتني إلى نفسك بالعبودية. فأنزل الله سبحانه وتعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً. فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل. قلت: أراد بقوله ليلاً بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه أسري به في بعض ليلة من مكة إلى الشام مسيرة شهر أو أكثر، فدل تنكير الليل على البعضية {من المسجد الحرام} قيل كان الإسراء من نفس مسجد مكة وفي حديث مالك بن صعصعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر"تفسير : وذكر حديث المعراج، وسيأتي بكماله فيما بعد وقيل عرج به من دار أم هانىء بنت أبي طالب وهي بنت عمه أخت علي رضي الله تعالى عنه، فعلى هذا أراد بالمسجد الحرام الحرم {إلى المسجد الأقصى} يعني إلى بيت المقدس سمي أقصى لبعده عن المسجد الحرام أو لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد {الذي باركنا حوله} يعني الأنهار والأشجار والثمار، وقيل سماه مباركاً لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي وقبلة الأنبياء قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإليه تحشر الخلق يوم القيامة. فإن قلت: ظاهر الآية يدل على أن الإسراء كان إلى بيت المقدس والأحاديث الصحيحة تدل على أنه عرج به إلى السماء فكيف الجمع بين الدليلين، وما فائدة ذكر المسجد الأقصى فقط؟ قلت: قد كان الإسراء على ظهر البراق إلى المسجد الإقصى، ومنه كان عروجه إلى السماء على المعراج وفائدة ذكر المسجد الأقصى فقط أنه صلى الله عليه وسلم لو أخبر بصعوده إلى السماء أولاً لاشتد إنكارهم لذلك فلما أخبر أنه أسرى به إلى بيت المقدس، وبان لهم صدقه فيما أخبر به من العلامات التي فيه وصدقوه عليها أخبر بعد ذلك بعروجه إلى السماء، فجعل الإسراء إلى المسجد الأقصى كالتوطئة لمعراجه إلى السماء. وقوله تعالى: {لنريه من آياتنا} يعني من عجائب قدرتنا فقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة الأنبياء وصلى بهم ورأى الآيات العظام. فإن قلت لفظة من قوله من آياتنا تقتضي التبعيض وقال في حق إبراهيم عليه السلام وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض، وظاهر هذا يدل على فضيلة إبراهيم عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم ولا قائل به فما وجهه. قلت: ملكوت السموات والأرض من بعض آيات الله أيضاً ولآيات الله أفضل من ذلك وأكثر والذي أراه محمداً صلى الله عليه وسلم من آياته وعجائبه تلك الليلة كان أفضل من ملكوت السموات والأرض، فظهر بهذا البيان فضل محمد صلى الله عليه وسلم على إبراهيم صلى الله عليه وسلم {إنه هو السميع} لأقواله ودعائه {البصير} لأفعاله الحافظة له في ظلمة الليل وقت إسرائه وقيل إنه هو السميع لما قالته له قريش حين أخبرهم بمسراه إلى بيت المقدس {البصير} بما ردوا عليه من التكذيب. وقيل: إنه هو السميع لأقوال جميع خلقه البصير بأفعالهم فيجازي كل عامل بعمله. وحمله على العموم أولى. فصل في ذكر حديث المعراج وما يتعلق به من الأحكام، وما قال العلماء فيه (ق) حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال: "حديث : بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعاً، ومنهم من قال بين النائم واليقظان إذ أتاني آت فقد قال وسمعته يقول: فشق ما بين هذه إلى هذه فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به قال من ثغرة نحره إلى شعرته سمعته يقول من قصته إلى شعرته، فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيماناً، فغسل قلبي ثم حشى ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض فقال له الجارود: أهو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه، فانطلق بي جبريل عليه السلام حتى أتى المساء الدنيا فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل: وقد أرسل إليه قال: نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح. قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال: محمد قيل: وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا خالة قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح، والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل: ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال: نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت، فإذا إدريس قال: هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا هارون قال: هذا هارون فسلم عليه فسلمت فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قال مرحباً فنعم المجيء فلما خلصت فإذا موسى قال: هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل: ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء لما خلصت فإذا إبراهيم قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال: هذه سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل قال: أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال: هي الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت على الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت، فمررت على موسى فقال بم أمرت قلت: أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى، قال: بم أمرت؟ قلت: بخمس صلوات كل يوم قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال سألت: ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم قال: فلما جاوزت نادى منادي أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي"تفسير : زاد في رواية أخرى "حديث : وأجزي بالحسنة عشراً"تفسير : وفي رواية أخرى "حديث : بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان وفيه ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملىء إيماناً وحكمة، وفيه فرفع إلى البيت المعمور فسألت جبريل فقال هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا مرة أخرى"تفسير : (ق) "حديث : عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل، ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيماناً، فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء الدنيا: افتح قال من هذا قال هذا جبريل قيل هل معك أحد قال: نعم معي محمد صلى الله عليه وسلم قال: فأرسل إليه قال نعم فافتح ففتح قال: فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة قال فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلت يا جبريل من هذا قال هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، قال: ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح. فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا ففتح. قال أنس بن مالك: فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه قد وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة، قال: لما مر جبريل ورسول الله بإدريس قال مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: ثم مر فقلت من هذا قال هذا إدريس قال: ثم مررت بموسى فقال مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح قال: فقلت من هذا قال: هذا موسى. قال ثم مررت بعيسى فقال مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح قلت من هذا قال: عيسى ابن مريم قال ثم مررت بإبراهيم فقال مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح قال فقلت من هذا قال هذا إبراهيم. قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام. قال ابن حزم وأنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ففرض الله على أمتي خمسين صلاة قال: فرجعت بذلك حتى مررت بموسى فقال موسى: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة. قال لي موسى: فراجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال فراجعت ربي فوضع شطرها. قال فرجعت إلى موسى فأخبرته قال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال: فراجعت ربي فقال: هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي قال فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك فقلت قد استحييت من ربي قال: ثم انطلق بي جبريل حتى أتى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ماهي؟ قال: ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك"تفسير : (ق) عن شريك بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول "حديث : ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام. فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم هو خيرهم فقل آخرهم خذوا خيرهم فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه نور من ذهب محشواً إيماناً، وحكمة فحشا به صدره ولغاد يده يعني عروق حلقه ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب باباً من أبوابها فناداه أهل السماء من هذا فقال جبريل قالوا: ومن معك قال معي محمد قالوا: وقد بعث إليه قال نعم قالوا: مرحباً به وأهلاً يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء ما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم فوجد في السماء الدنيا آدم عليه السلام فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه ورد عليه السلام وقال: مرحباً وأهلاً يا بني نعم الابن أنت فإذا هو في السماء الدنيا، بنهرين يطردان فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذان النيل والفرات عنصر هما ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب بيده, فإذا هو مسك أذفر قال ما هذا يا جبريل قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك ثم عرج إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى من هذا؟ قال جبريل قالوا: ومن معك قال محمد قالوا: وقد بعث إليه قال: نعم قالوا: مرحباً به وأهلاً ثم عرج به إلى السماء الثالثة. وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية. ثم عرج به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء الخامسة. فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء السادسة. فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء السابعة. فقالوا له مثل ذلك. كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم أحفظ اسمه وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله فقال موسى: رب لم أظن أن يرفع علي أحد، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى فكان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك قال عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت فعلا به إلى الجبار تعالى، فقال: وهو مكانه يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضعفوا فتركوه فأمتك أضعف أجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً، فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام ليشير عليه، فلا يكره ذلك جبريل فرفعه عند الخامسة فقال: يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم، فخفف عنا. فقال الجبار: يا محمد. قال: لبيك وسعديك قال: إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب قال: فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ قال: خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها. قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه. قال: فاهبط بسم الله فاستيقظ وهو في المسجد الحرام"تفسير : هذا لفظ حديث البخاري وأدرج مسلم حديث شريك بن أنس الموقوف عليه في حديث ثابت البناني المسند، فذكر من أول حديث شريك طرفاً ثم قال: وساق الحديث نحو حديث ثابت قال مسلم، وقدم وأخر وزاد ونقص وليس في حديث ثابت من هذه الألفاظ إلا ما نورده على نصه، أخرجه مسلم وحده وهو حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عن منتهى طرفه. قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل عليه السلام اخترت الفطرة قال ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه، قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا فرحبا بي ودعوا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاسستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل، قيل ومن معك قال محمد، قيل: وقد بعث إليه، قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام فإذا هو قد أعطى شطر الحسن، قال: فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة. فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل وقد بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب ودعا لي بخير، قال الله تعالى ورفعناه مكاناً علياً ثم عرج بنا إلى الخامسة. فاستفتح جبريل فقيل: من هذا قال: جبريل قيل: ومن معك قال محمد قيل: وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل، فقيل من هذا قال جبريل قيل: ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال محمد قيل: وقد بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كأذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلائل فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف على أمتي فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقلت: قد حط عني خمساً قال: إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف قال: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً، فإن عملها كتبت واحدة قال فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه" تفسير : هذه رواية مسلم وأخرجه الترمذي مختصراً وفيه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بالبراق ليلة أسرى به ملجماً مسرجاً، فاستصعب عليه فقال له جبريل أبمحمد تفعل هكذا ما ركبك أحد أكرم على الله منه فارفض عرقاً"تفسير : وأخرجه النسائي مختصراً، والمعنى واحد وفي آخره قال: فرجعت إلى ربي فسألته التخفيف فقال إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فخمس بخمسين فقم بها أنت وأمتك, فعرفت أن أمر الله جرى بقول حتم فلم أرجع. فصل قال البغوي: قال بعض أهل الحديث ما وجدنا للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئاً لا يحتمل مخرجاً إلا حديث شريك بن أبي نمر عن أنس، وأحال الأمر فيه على شريك وذلك أنه ذكر فيه إن ذلك كان قبل الوحي، واتفق أهل العلم على أن المعراج كان بعد الوحي بنحو من اثنتي عشرة سنة وفيه أن الجبار تبارك وتعالى دنا فتدلى وذكرت عائشة أن الذي تدلى هو جبريل عليه السلام. قال البغوي: وهذا الاعتراض عندي لا يصح لأن هذا كان رؤيا في النوم أراه الله ذلك قبل أن يوحى إليه بدليل آخر الحديث، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي، وقبل الهجرة بسنة تحقيقاً لرؤياه التي رآها من قبل كما أنه رأى فتح مكة في المنام عام الحديبية سنة ست من الهجرة, ثم كان تحقيقها سنة ثمان، ونزل قوله سبحانه وتعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق. وقال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى في كتابه شرح مسلم: قد جاء في رواية شريك في هذا الحديث أوهام أنكرها عليه العلماء وقد نبه مسلم على ذلك بقوله قدم وأخر وزاد ونقص منه قوله وذلك قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم يوافق عليه فإنه الإسراء أقل ما قيل فيه أنه كان بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر شهراً. وقال الحربي: كانت ليلة الإسراء ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقال الزهري: كان ذلك بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بخمس سنين. وقال ابن إسحاق: أسري به صلى الله عليه وسلم وقد فشا الإسلام بمكة والقبائل. قال الشيخ محيي الدين: وأشبه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق وأما قوله في رواية شريك وهو نائم وفي الرواية الأخرى بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان، فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم، ولا حجة فيه إذ قد يكون ذلك حالة أو وصول الملك إليه، وليس في الحديث ما يدل على كونه نائماً في القصة كلها هذا كلام القاضي عياض، وهذا الذي قاله في رواية شريك وأن أهل العلم قد أنكروها قد قاله غيره، وقد ذكر البخاري في رواية شريك هذه عن أنس في كتاب التوحيد من صحيحه، وأتى بالحديث مطولاً. قال الحافظ من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس قد زاد فيه زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين، والأئمة المشهورين كابن شهاب وثابت البناني وقتادة يعني عن أنس فلم يأت أحد منهم بما أتى شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث قال: والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المعمول عليها. فصل في شرح بعض ألفاظ حديث المعراج وما يتعلق به، كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة يقال كانت في رجب ويقال في رمضان وقد تقدم زيادة على هذا القدر في الفصل الذي قبل هذا واختلف الناس في الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: إنما كان ذلك في المنام والحق الذي عليه أكثر الناس، ومعظم السلف وعامة الخلف من المتأخرين والفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري بروحه وجسده صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً} ولفظ العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، والأحاديث الصحيحة التي تقدمت تدل على صحة هذا القول لمن طالعها، وبحث عنها وحكى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كل ذلك كان رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أسري بروحه. وحكي هذا القول عن عائشة أيضاً وعن معاوية ونحوه والصحيح ما عليه جمهور العلماء من السلف والخلق والله أعلم قوله صلى الله عليه سلم أتيت بالبراق هو اسم للدابة التي ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به واشتقاقه من البرق لسرعته، أو لشدة صفائه وبياضه ولمعانه وتلألؤه ونوره والحلقة بإسكان اللام، ويجوز فتحها والمراد بربط البراق بالحلقة الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب، وإن ذلك لا يقدح في التوكل إذا كان الاعتماد على الله تعالى وقوله جاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فيه اختصار والتقدير، قال لي اختر فاخترت اللبن وهو قول جبريل اخترت الفطرة يعني فطرة الإسلام، وجعل اللبن علامة للفطرة الصحيحة السليمة لكونه سهلاً طيباً سائغاً للشاربين وأنه سليم العاقبة، بخلاف الخمر فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع الشر. قوله: ثم عرج بي حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: من أنت قال: جبريل فيه بيان الأدب لمن استأذن وأن يقول: أنا فلان ولا يقول: أنا فإنه مكروه وفيه أن للسماء أبواباً وبوابين وأن عليها حرساً وقول بواب السماء وقد أرسل إليه، وفي الرواية الأخرى وقد بعث إليه معناه للإسراء وصعوده السماء وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة، فإن ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدة هذا هو الصحيح في معناه، وقيل غيره وقوله فإذا أنا بآدم وذكر جماعة من الأنبياء فيه استحباب لقاء أهل الفضل والصلاح بالبشر والترحيب والكلام اللين الحسن، وإن كان الزائر أفضل من المزور وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه إذا أمن عليه من الإعجاب وغيره من أسباب الفتنة وقوله فإذا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور فيه دليل على جواز الاستناد إلى القبلة، وتحويل ظهره إليها. وقوله ثم ذهب بي إلى السدرة هكذا، وقع في هذه الرواية السدرة الألف واللام وفي باقي الروايات إلى سدرة المنتهى قال ابن عباس وغيره من المفسرين: سميت بذلك لأن علم الملائكة ينتهي إليها. ولم يجاوزها أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن مسعود: سميت بذلك لكونها ينتهي إليها ما يهبط من فوقها، وما يصعد من تحتها من أمر الله عز وجل وقوله وإذا ثمرها كالقلال، هو بكسر القاف جمع قلة بضمها، وهي الجرة الكبيرة التي تسع قربتين أو أكثر قوله فرجعت إلى ربي. قال الشيخ محيي الدين النووي: معناه رجعت إلى الموضع الذي ناجيته فيه أولاً فناجيته فيه ثانياً وقوله: فلم أزل أرجع بين موسى وبين ربي معناه وبين موضع مناجاة ربي عز وجل. قلت: وأما الكلام على معنى الرؤية وما يتعلق بها فإنه سيأتي إن شاء الله تعالى في تفسير سورة النجم، عند قوله تعالى ثم دنا فتدلى. قوله ففرض الله سبحانه وتعالى على أمتي خمسين صلاة إلى قوله فوضع شطرها وفي الرواية الأخرى فوضع عني عشراً وفي الأخرى خمساً ليس بين هذه الرواية منافاة، لأن المراد بالشطر الجزء وهو الخمس، وليس المراد منه التصنيف، وأما رواية العشر فهي رواية شريك ورواية الخمس رواية ثابت البناني وقتادة، وهما أثبت من شريك فالمراد حط عني خمساً إلى آخره ثم قال: خمس وهن خمسون يعني خمسين في الأجر والثواب لأن الحسنة بعشر أمثالها، واحتج العلماء بهذا الحديث على جواز نسخ الشيء قبل فعله وفي أول الحديث أنه شق صدره صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، وقد شق أيضاً في صغره وهو عند حليمة التي كانت ترضعه، فالمراد بالشق الثاني زيادة التطهير لمن يراد به من الكرامة ليلة المعراج. وقوله: أتيت بطست من ذهب، قد يتوهم متوهم أنه يجوز استعمال إناء الذهب لنا وليس الأمر كذلك لأن هذا الفعل من فعل الملائكة، وهو مباح لهم استعمال الذهب أو يكون هذا قد كان قبل تحريمه وقوله ممتلىء إيماناً وحكمة فأفرغها في صدري. فإن قلت الحكمة والإيمان معان والإفراغ صفة الإجسام، فما معنى ذلك؟ قلت: يحتمل أنه جعل في الطست شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما، فسمي إيماناً وحكمة لكونه سبباً لهما وهذا من أحسن المجاز. وقوله في صفة آدم عليه السلام: فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة هو جمع سواد، وقد فسره في الحديث بأنه نسم بنيه يعني أرواح بنيه وقد اعترض على هذا، بأن أرواح المؤمنين في السماء وأرواح الكفار تحت الأرض السفلى فكيف تكون في السماء والجواب عنه أنه يحتمل أن أرواح الكفار، تعرض على آدم عليه السلام، وهو في السماء فوافق وقت عرضها على آدم مرور النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر بما رأى. وقوله: فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى فيه شفقة الوالد على أولاده وسروره وفرحه بحسن حال المؤمن منهم، وحزنه على سوء حال الكفار منهم. وقوله في إدريس مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح قد اتفق المؤرخون على إن إدريس، هو أخنوخ وهو جد نوح عليهما السلام فيكون جد النبي صلى الله عليه وسلم كما أن إبراهيم جده، فكان ينبغي أن يقول بالنبي الصالح والابن الصالح كما قال آدم وإبراهيم عليهما السلام: فالجواب عن هذا أنه قيل: إن إدريس المذكور هنا هو إلياس، وهو من ذرية إبراهيم فليس هو جد نوح هذا جواب القاضي عياض. قال الشيخ محيي الدين: ليس في الحديث ما يمنع كون إدريس أباً لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإن قوله: الأخ الصالح يحتمل أن يكون قاله تلطفاً وتأدباً، وهو أخ وإن كان أباً لأن الأنبياء إخوة، والمؤمنون إخوة والله أعلم. فصل في ذكر الآيات التي ظهرت بعد المعراج الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وسياق أحاديث تتعلق بالإسراء قال البغوي؛ روي أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به وكان بذي طوى قال: يا جبريل إن قومي لا يصدقون. قال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق. قال ابن عباس وعائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما كانت ليلة أسري بي إلى السماء أصبحت بمكة فضقت بأمري وعرفت أن الناس يكذبوني فروي أنه صلى الله عليه وسلم قعد معتزلاً حزيناً، فمر به أبو جهل فجلس إليه فقال كالمستهزىء هل استفدت من شيء؟ قال: نعم أسري بي الليلة قال إلى إين؟ قال إلى بيت المقدس قال أبو جهل: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال: نعم فلم يرد أبو جهل أن ينكر ذلك مخافة أن يجحده الحديث، ولكن قال: أتحدث قومك بما حدثتني به. قال: نعم. قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا، فانقضت المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما. قال: حدث قومك بما حدثتني قال: نعم أسري بي الله قالوا إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس قالوا ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال: نعم قال. فبقي الناس بين مصفق وبين واضع يده على رأسه متعجباً وارتد أناس ممن كان قد آمن به وصدقه، وسعى رجل من المشركين إلى أبي بكر فقال له هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس قال: أو قد قال ذلك قال نعم قال لئن كان قال ذلك لقد صدق قالوا: أو تصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس وجاء في ليلة قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني أصدقه بما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة فلذلك سمي أبو بكر الصديق. قال: وكان في القوم من أتى المسجد الأقصى. قالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد قال: نعم قال فذهبت أنعت حتى التبس علي قال فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل فنعت المسجد وأنا أنظر إليه، فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب فيه ثم قالوا يا محمد أخبرنا عن عيرنا فهي أهم إلينا هل لقيت منها شيئاً؟ قال: نعم مررت بعير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيراً وهم في طلبه، وفي رحالهم قدح من ماء فعطش فأخذته فشربته، ثم وضعته كما كان فسلوا هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا قالوا: هذه آية قال ومررت بعير بني فلان وفلان راكبان قعوداً لهما بذي طوى فنفر بعيرهما مني فرمى بفلان, فانكسرت يده فسلوهما عن ذلك قالوا وهذه آية أخرى قالوا: فأخبرنا عن عيرنا قال مررت بها بالتنعيم قالوا فما عدتها وأحمالها وهيئتها؟ فقال: كنت في شغل عن ذلك ثم مثلت له بعدتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها وكانوا بالحزورة قال: نعم هيئتها كذا وكذا وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس"تفسير : قالوا: وهذه آية. ثم خرجوا يشتدون نحو الثنية وهم يقولون والله لقد قص محمد شيئاً وبينه حتى أتوا كداء فجلسوا عليه فجعلوا ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبونه إذ قال قائل منهم: هذه الشمس قد طلعت. وقال آخر: وهذه العير قد طلعت يقدمها بعير أورق فيه فلان وفلان كما قال: فلم يؤمنوا وقالوا: هذا سحر مبين (م) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثلها قط. قال: فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعداً كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم يعني به نفسه صلى الله عليه سلم فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال لي قائل: يا محمد يا محمد هذا مالك صاحب النار، فسلم عليه فالتفتُّ إليه فبدأني بالسلام"تفسير : (ق) عن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لما كذبتني قريش قمت إلى الحجر فجلى الله إلي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه زاد البخاري في رواية: لما كذبني قريش حين أسري بي إلى المقدس"تفسير : وذكر الحديث (م) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتيت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، فإذا هو قائم يصلي في قبره"تفسير : . عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما انتهينا إلى بيت المقدس قال جبريل كذا بأصبعه فخرق به الحجر وشد به البراق"تفسير : أخرجه الترمذي. فإن قلت: كيف رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى يصلي في قبره وكيف صلى بالأنبياء في بيت المقدس ثم وجدهم على مراتبهم في السموات، وسلموا عليه وترحبوا به وكيف تصح الصلاة من الأنبياء بعد الموت، وهم في الدار الآخرة؟ قلت أما صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في بيت المقدس يحتمل أن الله سبحانه وتعالى، جمعهم له ليصلي بهم ويعرفوا فضله وتقدمه عليهم ثم إن الله سبحانه وتعالى، أراه إياهم في السموات على مراتبهم ليعرف هو مراتبهم وأما مروره بموسى، وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر، فيحتمل أنه كان بعد رجوعه من المعراج، وأما صلاة الأنبياء وهم في الدار الآخرة فهم في حكم الشهداء بل أفضل منهم، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء} فالأنبياء أحياء بعد الموت، وأما حكم صلاتهم فيحتمل أنها الذكر والدعاء وذلك من أعمال الآخرة فإن الله تعالى قال {أية : دعواهم فيها سبحانك اللهم}تفسير : [يونس: 10] وورد في الحديث أنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، ويحتمل أن الله سبحانه وتعالى خصّهم بخصائص في الآخرة كما خصهم في الدنيا بخصائص لم يخص بها غيرهم. منها أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رآهم يلبون، ويحجون، فكذلك الصلاة والله أعلم بالحقائق.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {يتخذوا} بياء الغيبة. أبو عمرو وعباس مخيراً. الباقون بتاء الخطاب {أساتم} بالمد: أبو عمرو ويزيد الأصبهاني عن ورش والأعشى وحمزة في الوقف. {ليسوء} بياء الغيبة على التوحيد: ابن عامر وحمزة وأبو بكر وحماد و{لنسوء} بالنون: علي. الباقون {ليسؤوا} على الجمع {ويبشر} مخففاً: حمزة وعلي. {ويخرج} بالياء مجهولاً: يزيد {ويخرج} لازماً: يعقوب الآخرون بالنون متعدياً {تلقاه} مشدداً: ابن عامر ويزيد، وروى النقاش عن ابن ذكوان بالإمالة. الباقون مخففة، وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة {قرأ كتابك} بغيرهم: الأعشى وأوقية وحمزة في الوقف: {أمرنا} من باب المفاعلة: يعقوب. الوقوف: {آياتنا} ط {البصير} ه {وكيلاً} ط لمن قرأ {تتخذوا} بتاء الخطاب لإمكان أن يجعل {ذرية} منادى {نوح} ط {شكوراً} ه {كبيراً} ه {الديار} ط {مفعولاً} ه {نفيراً} ه {فلها} ط لأن ما بعد عائد إلى قوله {فإذا جاء وعد أولٰهما} مع اعتراض العوارض {تتبيراً} ه {يرحمكم} ه للابتداء بالشرط مع العطف {عدنا} ه حذراً من توهم العطف {حصيراً} ه {كبيراً} ه لا للعطف {أليما} ه {بالخير} ط {عجولاً} ه {والحساب}، ط {تفصيلاً} ه {عنقه} ط {منشوراً} ه {كتابك} ط {حسيباً} ه ط للابتداء بعد بالشرط {لنفسه} ج للشرط مع العطف {عليها} ط {أخرى} ط {رسولاً} ه {تدميراً} ه {نوح} ط {بصيراً} ه {جهنم} ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف {مدحوراً} ه {مشكوراً} ه {عطاء ربك} ط {محظوراً} ه {بعض} ط {تفصيلاً}. الوقوف: لما عزم على نبيه في خواتيم النحل جوامع مكارم الأخلاق حكى طرفاً مما خصة به من المعجزات فقال: {سبحان الذي} وهو اسم علم للتسبيح وقد مر إعرابه في قوله: {أية : سبحانك لاعلم لنا إلاَّ ما علمتنا}تفسير : [البقرة: 32] والمراد تنزيه الله من كل مالا يليق بجلاله {وأسرى} وسرى لغتان. يروى أنه لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المراتب العلية في معراجه في معراجه أوحى الله إليه يا محمد: بم أشرِّفك؟ فقال: يا رب تنسبني إلى نفسك بالعبودية. فأنزل فيه: {سبحان الذي أسرى بعبده} وقوله: {ليلاً} نصب على الظرف وفيه تأكيد الإسراء، وفي تنكيره تقليل مدة الإسراء لأن التنكير فيه معنى البعضية، أخبر أنه أسرى به في بعض الليل {من المسجد الحرام} عن النبي صلى الله عليه وسلم: بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق. وقيل: المراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به. وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد وإلى هذا القول ذهب الأكثرون. قالوا: إنه أسرى به من دار أم هانيء بنت أبي طالب قبل الهجرة بسنة. وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعثة. {إلى المسجد الأقصى} هو بيت المقدس بالإتفاق سمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد. {الذي باركنا حوله} يري بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى عليه السلام، ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة. وقوله: {أسرى} مع قوله: {باركنا} سلوك لطريقة الالتفات {لنريه من آياتنا} بيان لحكمة الإسراء. سؤال: أرى إبراهيم عليه السلام ملكوت السموات والأرض، وأرى محمداً صلى الله عليه وسلم بعض آياته فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل؟ الجواب: لعل بعض الآيات المضافة إلى الله تعالى أشرف وأجل من ملكوت السموات والأرض كلها ولهذا ختم الآية بقوله: {إنه هو السميع} لأقوال محمد {البصير} بأفعاله المهذبة الخالصة فيكرمه على حسب ذلك. واعلم أن الأكثرين من علماء الإسلام اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأقلون على أنه ما أسرى إلا بروحه. حكى محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كان ذلك رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عرج بروحه. وحكى هذا القول عن عائشة أيضاً. وقد احتج بعض العقلاء على هذا القول بوجوه منها: أن الحركة الجسمانية البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة: ومنها أن صعوده إلى السموات يوجب انخراق الفلك. ومنها أنه لو صح ذلك لكان من أعظم معجزاته فوجب أن يكون بمحضر من الجم الغفير حتى يستدلوا بذلك على صدقه، وما الفائدة في إسراته ليلاً على حين غفلة من الناس. ومنها أن الإنسان عبارة عن الروح وحده لأنه باقٍ من أول عمره إلى آخره، والأجزاء البدنية في التغير والانتقال والباقي مغاير للمتغير، ولأن الإنسان يدرك ذاته حين ما يكون غافلاً عن جميع جوارحه وأعضائه. ومنها قوله سبحانه. {أية : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس}تفسير : [الإسراء: 60] وما تلك الرؤيا إلاَّ حديث المعراج. وإنما كانت فتنة للناس لأن كثيراً ممن آمن به حين سمعها ارتد وكفر به. ومنها أن حديث المعراج الجسماني اشتمل على أشياء بعيدة عن العقل كشق بطنه وتطهيره بماء زمزم وركوب البراق وإيجاب خمسين صلاة، فإن ذلك يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، وأنه يوجب البداء. أجاب الأكثرون عن الأول بأنه حركة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى فوق الفلك الأعظلم لم يكن إلاّ نصف قطر الفلك، ونسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة أمثال وسبع هي نصف حركة الفلك في يوم بليلته، وإذا كان الأكثر واقعاً فالأقل بالإمكان أولى، ولو كان القول بمعراج محمد صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة ممتنعاً لكان القول بنزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعاً، لأن الملائكة أيضاً أجسام عند جمهور المسلمين، وكذا القول في حركات الجن والشياطين وقد سخر الله تعالى لسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، وقد {أية : قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}تفسير : [النمل: 40]. وكان عرش بلقيس في أقصى اليمن وسليمان في الشام. وعلى قول من يقول إن الإبصار بخروج الشعاع فإنما ينتقل شعاع العين من البصر إلى الكواكب الثابتة في آن واحد، فيثبت أن المعراج أمر ممكن في نفسه. أقصى ما في الباب الاستبعاد وخرق العادة ولكنه ليس مخصوصاً بهذه الصورة وإنما ذلك أمر حاصل في جميع المعجزات. وعن الثاني أن انخراق الأفلاك عند حكماء الإسلام جائز. وعن الثالث أن فائدة الإسراء قد عادت إليه حيث شاهد العالم العلوي والعرش والكرسي وما فيها وعليها فحصل في قلبه زيادة قوة وطمأنينة، بها انقطعت تعلقاته عن الكونين ولم يبق مشغول القلب بشيء من أمور الدنيا والآخرة. وعن الرابع أن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد. وعن الخامس أن تلك الرؤيا هي غير حكاية المعراج كما سيجيء في تفسيره، ولو سلم أنها هي المعراج فالرؤيا بمعنى الرؤية. وعن السادس أنه لا اعتراض على الله تعالى في شيء من أفعاله وأنه على كل شيء قدير. واعلم أنه ليس في الآية دلالة على العروج من بيت المقدس إلى السموات وإلى ما فوق العرش إلاَّ أنه ورد الحديث به، ومنهم من استدل على ذلك بأول سورة النجم أو بقوله {أية : لتركبن طبقاً عن طبق}تفسير : [الانشقاق: 19] وتفسيرهما مذكور في موضعه. يروى أنه صلى الله عليه وسلم نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانىء وقال: مثل لي النبيون وصليت بهم. وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال: مالك؟ قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم قال: وإن كذبوني. فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث الإسراء به وأنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس ومنه عرج إلى السماء ورأى ما فيها من العجائب ولقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى. فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم، فمن بين مصفقٍ وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً، وارتد ناس ممن كان آمن به. وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: إن كان قال ذلك لفد صدق. قالوا: أتصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق. وكان فيهم من سافر إلى الشام فاستنعتوه المسجد فجلى له صلى الله عليه وسلم بيت المقدس فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا: أما النعت فقد أصاب. فقالوا: أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالهم وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، وقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد صلى الله عليه وسلم، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلاَّ سحر مبين. ولما حكى طرفاً من إكرام محمد صلى الله عليه وسلم ذكر شيئاً من إكرام موسى فقال: {وآتينا موسى الكتاب} أي التوراة {وجعلناه هدى لبني إسرائيل} أخرجناهم بواسطته من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين {ألا تتخذوا} من قرأ على الغيبة فــ"أَنْ" ناصبة ولام العاقبة محذوفة أي لئلا يتخذوا، ومن قرأ على الخطاب فَـ"أَنْ" مفسرة معناها أي لا تتخذوا كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا، وزائدة والقول مضمر يعني قلنا لهم لا تتخذوا {من دوني وكيلاً} رباً تكلون إليه أمركم يا {ذرية من حملنا مع نوح} قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح عليه السلام لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين: سام وحام ويافث، والناس كلهم من ذرية أولئك. فقوله "يا ذرية" قائم مقام قوله: {يا أيها الناس} وعلى القراءة الأولى انتصب {ذرية} على الاختصاص، وعلى القراءتين احتمل أن ينتصب على أنه مفعول آخر ليتخذوا أي لا تجعلوهم أرباباً كقوله: {أية : ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً}تفسير : [آل عمران: 80] من ذرية المحمولين مع نوح وعيسى وعزير. ثم علل النهي عن الإشراك بقوله: {إنه كان عبداً شكوراً} أي أنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم في الشكر لله وعدم اتخاذ الشريك له. ويجوز أن يكون تعليلاً لاختصاص بني إسرائيل والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فهم متصلون به، فلهذا استأهلوا الاختصاص. وجوز في الكشاف أن يكون ثناء على نوح بطريق الاستطراد. يروى من شكره أنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه، وكان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجاً آثر به. ثم ذكر أن كثيراً من بني إسرائيل ما اهتدوا بهدى التوراة فقال: {وقضينا إلى بني إسرائيل} أوحينا إليهم وحياً مقضياً مقطوعاً به في الكتاب الذي هو التوراة. وقول: {لتفسدن} جواب قسم محذوف، أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن {في الأرض} أرض مصر {مرتين ولتعلن} لتعظمن وتستولن على الناس {علواً كبيراً} تسلطاً عظيماً وبغياً شديداً {فإذا جاء وعد} عقاب {أولاهما} أولى المرتين {بعثنا} أرسلنا وسلطنا {عليكم عباد لنا أولي بأس شديد} أصحاب نجدة وشدة قتال {فجاسوا} ترددوا للمارة {خلال الديار} أوساطها وفرجها يعني ديار بيت المقدس {وكان} وعد العقاب {وعداً مفعولاً} لا بد من وقوعه {ثم رددنا لكم الكرة} الدولة والغلبة {عليهم} على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو: {وجعلناكم أكثر نفيراً} مما كنتم. والنفير من ينفر مع الرجل من قومه. احتجت الأشاعرة بقوله سبحانه: {قضينا} بعثنا {وكان وعداً مفعولاً} على صحة القضاء والقدر وأن الفساد والنهب والقتل والأسر كلها بفعله. وأجابت المعتزلة بأن المراد أنه خلى بينهم وبين ما فعلوا ولم يمنعهم عن تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظها. وضعف بأن تفسير البعث بالتخلية وعدم المنع خلاف الظاهر، على أن الدليل الكلي العقلي قد دل على وجوب انتهاء الكل إليه. ولما حكى عنهم أنهم حين عصوا سلط عليهم أعداءهم مهد قاعدة كلية في الإحسان والإساءة قائلاً {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} لم يقل فعليها أو فإليها للتقابل، مع أن حروف الإضافة بعضها يقوم مقام البعض. قال أهل الإشارة: إنه أعاد الإحسان ولم يذكر الإساءة إلا مرة ففيه دليل على أن جانب الرحمة أغلب {فإذا جاء وعد} عقاب المرة {الآخرة} بعثناهم حذف جواب "إذاً" لدلالة ذكره أولاً عليه. ومعنى {ليسوؤا وجوهكم} ليجعلها الله، أو الوعد، أو البعث، أو ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه {وليتبروا ما علوا} ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه، ويجوز أن يكون "ما" بمعنى المدة أي ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل. وقوله: {تتبيراً} ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقاً للخبر. وروى أن بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء وذلك أول الفسادين، فسلط الله عليهم بختنصر أو سنجاريب وجنوده أو جالوت. عن ابن عباس: قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وسبوا منهم سبعين ألفاً وبقوا في الذل إلى أن قيض الله ملكاً آخر من أهل بابل وتزوج بامرأة من بني إسرائيل وطلبت من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل، وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه، ثم أقدموا على قتل زكريا ويحيى عليهما السلام وقصدوا قتل عيسى ابن مريم عليه السلام، وهذا ثاني الإفسادين فانتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له قسطنطين الملك. وقال صاحب الكشاف: المرة الأولى قتل زكريا وحبس أرميا، والآخرة قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى. واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام، والمقصود الأصلي الذي دل عليه القرآن هو أنهم كلما عصوا وأفسدوا سلط الله عليهم أعداءهم. وفيه تحذير للعقلاء من مخالفة أوامر الله ونواهيه، ثم قال: {عسى ربكم} يا بني إسرائيل {أن يرحمكم} بعد إنتقامه منكم في المرة الثانية {وإن عدتم} للثالثة {عدنا} لها. قال أهل السير: ثم إنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي. وهو تكذيب محمد وكتمان ما ورد من نعته في التوراة والإنجيل. فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والإجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا حشمة لهم ولا عزة فيهم إلى يوم القيامة، وأما بعد ذلك فهو قوله {وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً} أي محبساً حاصراً ومحصوراً لا يتخلصون منه أبداً. وعن الحسن: بساطاً كما يبسط الحصير المنسوج. ثم لما شرح فعله في حق عباده المخلصين كمحمد صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام وفي حق عبيدة العاصين كأكثر بني إسرائيل، وكان في ذلك تنبيه على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته تقتضي كل شر وغرامة، عظم شأن القرآن المبين للأحكام الهادي للأنام فقال: {إن هذا القرآن يهدي للتي} أي للحالة أو الشريعة أو الطريقة التي {هي أقوام} وفي حذف الموصوف فخلفه بعرفها أهل البلاغة لعموم الاعتبار وذهاب الوهم كل مذهب. قيل: هذا الشيء أقوم من ذلك. إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة، ثم يكون للأول على الآخر. وكيف يتصور في غير هذا الدين شيء من الاستقامة حتى يستقيم هذا التفضيل؟ وأجيب بأن "أفعل" ههنا بمعنى الفاعل كقولنا "الله أكبر" هو الكبير. وكقولهم "الناقص والأشج أعدلا بني مروان" أي عادلا بني مروان. ويمكن أن يقال: لا شيء من الأديان إلا وفيه نوع من الاستقامة كالاعتراف بالله الواجب بالذات، والالتزام لأصول الأخلاق ومكارم العادات وقوانين السياسات إلا أن بعض الخلل أبطل الكل فالكل ينهدم بانهدام الجزء. ثم إن كون القرآن هادياً إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح له نتيجة وأثر وذلك هو البشارة بالأجر الكبير لأهل الإيمان والعمل الصالح وبالعذاب الأليم لغيرهم، وأنت خبير بأن لفظ البشارة بمعنى الإنذار يستعمل للتهكم إذ البشارة مطلق الخبر المغير للبشرة فكأنه قيل: ويخبر الذي لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذاباً. ويجوز أن يبشر المؤمنين ببشارتين: إحداهما بثوابهم والأخرى بعذاب أعدائهم. قال في الكشاف: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟ وأجاب على أصول الاعتزال بأن الناس كانوا حينئذ إما من أهل التقوى وإما من أهل الشرك، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك. قلت: هذا الجواب منه عجيب، فإن هذا الصنف لو سلم أنه لم يكن موجوداً في ذلك العصر إلا أن حكمه يجب أن يذكر في القرآن الذي فيه أصول الأحكام، على أن ذكر الفساق من الأمة في القرآن المكي والمدني موجودة قال تعالى: {أية : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد}تفسير : [لقمان: 32] {أية : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم}تفسير : [الزمر: 52] {أية : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم}تفسير : [آل عمران: 135]. وإذا كان ذكرهم في القرآن وارداً وأنه تعلى يعدد ههنا أوصاف القرآن على جهة المدح فأي مقام أدعى إلى ذكر هذا الوصف من ههنا. والجواب الحق أن الفسقة جعلوا بالعين أهل الإيمان والله أعلم. قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة. والجواب المنع من الخصوص ولو سلم فإيمانهم بالآخرة كلا إيمان، فبعضهم أنكروا المعاد الجسماني وبعضهم قالوا: لن تمسنا النار إلاَّ أياماً. واعلم أنه سبحانه قال ههنا: {أجراً كبيراً} وفي أول الكهف {أية : أجراً حسناً}تفسير : [الآية: 2]، رعاية للفاصلة وإلا فالأجر الكبير والأجر الحسن كلاهما الجنة. ولما بين أن القرآن كافٍ في الهداية ذكر أن الإنسان قد يعدل عن التمسك بأحكامه فقال: {ويدع الإنسان} أي جنس الكافر. وقد ذكر جمع من المفسرين أنه النضر بن الحرث دعا {أية : اللَّهم إن كان هذا هو الحق من عندك}تفسير : [الأنفال: 32]، الآية فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته صبراً. وكان بعضهم يقول: ائتنا بعذاب الله، وآخرون متى هذا الوعد جهلاً منهم واعتقاداً أن محمداً صلى الله عليه وسلم كاذب. وقيل: المراد أنه يدعو الله عند غضبه وضجره فيلعن نفسه وولده وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك. ويروى أنه صلى الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فأقبل يئن بالليل فقالت له: مالك تئن؟ فشكا ألم القد فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب. فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم دعا به فأعلم بشأنه فقال صلى الله عليه وسلم: اللَّهم اقطع يديها فرفعت سودة يديه تتوقع الإجابة وأن يقطع الله يديها قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلترد سودة يديها. {وكان الإنسان عجولاً} يستعجل بالعذاب مع أنه آتيه أو يتسرع إلى طلبه كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله معتقداً أن خيره فيه وإن كان ذلك عند التأمل مضراً له. وقيل: أراد بهذا الإنسان آدم، وذلك أنه لما انتهى الروح إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى فذهب لينهض فلم يقدر. وليس هذا القول بالحقيقة مغايراً للأول لأن أصل الآدمي إذا كان كذلك كان كل فرد منه متصفاً به لا محالة. قال أهل النظم: لما ذكر نعمة الدين وهو القرآن أردفها بنعمة الدنيا فقال: {وجعلنا الليل والنهار آيتين} وفيه أن القرآن لا يتم المقصود منه إلا بنوعية المحكم والمتشابه، فكذا الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بجزئيه الليل والنهار. فالمحكم كالنهار في وضوحه، والمتشابه بمنزلة الليل في خفائه. وبوجه آخر لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد أكدها بدليل آخر من عجائب الزمان. وبوجه آخر لما وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك فينتقل الهواء من الإنارة إلى الظلام وبالعكس، وينتقل القمر من النقصان إلى الامتلاء وبالضد. {فمحونا آية الليل} هي من إضافة الشيء إلى نفسه للبيان كقولك "نفس الشيء أو ذاته" أي فمحونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموساً مظلماً لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو {وجعلنا} الآية. التي هي {النهار مبصرة} ذات إيصار وذلك باعتبار من فيها أي تبصر فيها الأشياء وتستبان، أو أريد بالإبصار الإضاءة لأنها سببه. وقيل: المضاف محذوف والتقدير وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية غير بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء {لتبتغوا فضلاً من ربكم} لتتواصلوا ببياض النهار أو بشعاع الشمس المستلزم للنهار إلى التصرف في وجوه معايشكم. {ولتعلموا} باختلاف الجديدين أو بزيادة ضوء القمر ونقصانه {عدد السنن} الشمسية أو القمرية المركبة من الشهور {و} لتعلموا جنس {الحساب} المبني على الساعات والأيام والشهور والسنين والأدوار. وقيل: أراد بمحو القمر الكلف الذي هو وجهه. وسببه في الشرع ما روي أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله تعالى جبريل فأمر جناحه على وجه القمر فأذهب عنه أثر الضياء. وسببه عند الفلاسفة أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء كارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، ولما كانت تلك الأجرام أقل ضوءاً من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان. ونحن قد ذكرنا له وجهاً آخر في الهيئة، قال أهل التجارب: إن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه لا سيما في أحوال البحار والبحارين على ما يذكره الأطباء، إلا أن الكلف ليس له مدخل في ابتغاء فضل الله وفي معرفة الحسابات تفصيلاً. نعم لو قيل: إن الكلف نقص من نور القمر حتى لم يقو على إزالة ظلام الليل بالكلية فبقي في وقت السكون والراحة بحالة ووقت التردد في طلب المعاش بحالة، وصار تعاقب الليل والنهار سبباً لمعرفة الأيام وما يتركب منها كان متجهاً. ثم قال: {وكل شيء} مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم {فصلناه تفصيلاً} بيناه بياناً غير ملتبس حتى انزاحت العلل وزالت الأعذار فلا يهلك من يهلك إلا عن بينة فلذلك قال: {وكل إنسان ألزمناه طائره} أي عمله {في عنقه} وبوجه آخر لما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل لابتغاء المعاش وللدعة والراحة ولمعرفة المواقيت، وكان الغرض الأصلي من الكل هو الاشتغال بخدمة المعبود وتهذيب الأفعال وإصلاح الأقوال، ذكر أن الإنسان مؤاخذ في عرصة القيامة بأقواله وأفعاله وسائر أحواله ليظهر أنه هل أتى بما هو المقصود من خلقه أم لا. قال أكثر أهل اللغة: إن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال اعتبروا أحوال الطائر أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار فهل يطير متيامناً أو متياسراً أو صاعداً في الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على ما يسوقهم عملهم إليه من خير أو شر، فإطلاق الطائر على العمل تسمية للنبي باسم لازمه. وقال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ ويقال له البخت. فالطائر ما وقع للشخص في الأزل مما هو نصيبه من العقل والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة كأنه طائر يطير إليه من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب طيراناً لا نهاية له ولا غاية إلا إن انتهى إلى ذلك الشخص في وقته المقدر من غير خلاص ولا مناص وفي هذا دليل على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل، والكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية. وإنه سبحانه أكد هذا المعنى بإضافة الإلزام على نفسه ثم بقوله: {في عنقه}. يقال: جعلت هذا الأمر في عنقك أي قلدتكه والزمتك الاحتفاظ به. فإن كان خيراً يزينه كان كالطوق، وإن كان شراً يشينه كان كالغل. ومن أمثال العرب "تقلدها طوق الحمامة" {ونخرج له} من قرأ بالنون فظاهر. وقوله: {يلقاه منشوراً} صفتان للكتاب أو {يلقاه} صفة {منشوراً} حال من مفعول يلقاه. ومن قرأ بالياء مجهولاً أو لازماً فالضمير للطائر {وكتاباً} حال منه، يقال: لقيت الشيء ولقانيه غيري. عن الحسن: يا ابن آدم بسطت الصحيفة وطويت في قبرك معك، ثم إذا بعثت قلدتها في عنقك {اقرأ كتابك} على إضمار القول. قال قتادة: يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن قارئاً و {وبنفسك} فاعل كفى و {حسيباً} تمييز بمعنى حاسب وإنه كثير من فعل بالضم كقريب وبعيد، ولكنه من فعل بالفتح غريب، منه ما قال سيبويه: ضريب القداح بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم. "وعلى" متعلق بحسيب من قولك حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى الكافي ثم وضع. موضع الشهيد فعدي بعلى لأن الشاهد يكفي المدعي ما أهمه. وذكر حسيباً بمعنى رجلاً حسيباً لأنه بمنزلة الشهيد، والغالب أن الشهادة يتولاها الرجال كالقضاء والإمارة والنفس مؤوّل بالشخص، أو حمل "فعيل" بمعنى "فاعل" على "فعيل" بمعنى "مفعول" كقتيل، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب. قال الحسن: عدل الله في حقك من جعلك حسيب نفسك. وقال السدي: يقول الكافر يومئذٍ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} وروي أن يؤتى المؤمن يوم القيامة صحيفته وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته قال الله تعالى له: فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك فيعظم سروره ويصير من الذين قال الله في حقهم {أية : وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة}تفسير : [عبس: 38 - 39] قال الحكيم: التكرار يوجب تقرير الآثار، فكل عمل يصدر من الإنسان خيراً أو شراً فإنه يحصل منه في جوهر روحه أثر مخصوص إلا أن ذلك الأثر يخفى ما دام الروح متعلقاً بالبدن مشتغلاً بواردات الحواس والقوى، فإذا انقطعت علاقته عن البدن قامت قيامته لأن النفس كأنها كانت ساكنة مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي، فيزول الغطاء وتنكشف الأحوال ويظهر على لوح النفس نقش كل شيء عمله في مدة عمره، وهذا معنى الكتابة والقرآءة بحسب العقل، وإنه لا ينافي ما ورد في النقل. ثم بين أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضده مختص بفاعله لا يتعدى منه إلى غيره فقال: {من اهتدى} إلى قوله: {وزر أخرى}. قال الجبائي: فيها دلالة على أن الأطفال لا يعذبون بكفر آبائهم، وأن الوزر والإثم ليس من فعل الله وإلا لم يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره بل كان يجب أن لا وزر أصلاً لأن الصبي لا يوصف بالوزر لأنه غير مختار. وجواب الأشاعرة أن الوزر مختص بأفعال المكلفين من الثقلين، وقدَحَت عائشة بذلك في صحة ما رواه ابن عمر "إنَّ الميت ليعذب ببكاء أهله" واستدل به جماعة من الفقهاء في الامتناع من ضرب الدية على العاقلة. ويمكن أن يجاب بأنه ما من عام إلا وقد خصص. أما قوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} فقد استدل به الأشاعرة في أن وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع لأن الوجوب لا تتقرر ما هيته إلا بترتيب العقاب على الترك ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية. أجاب الخصم بأنه لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي لأن النبي إذا جاء وادعى المعجزة فهل يجب على المستمع قبول قوله والتأمل في معجزته أو لا يجب، والثاني باطل بالاتفاق، وعلى الأوّل إن وجب بالعقل فهو المدعي، وإن وجب بالشرع فذلك الشارع إن كان ذلك النبي لزم إثبات الشيء، وإن كان غيره دار أو تسلسل. وبوجه آخر إذا أوجب النبي بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى لذلك إلا ترتب العقاب على الترك أو الفعل. ثم إنه يجب على المكلف أن يحترز عن العقاب أو لا يجب لا سبيل إلى الثاني بالاتفاق، وعلى الأول يلزم الوجوب العقلي وإلا لزم الدور أو التسلسل. ثم إن مذهب أهل السنة جواز العفو عن عقاب الكبيرة فتكون ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، ولا ذم مع جواز العفو فلم يبق إلا أن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، ولا يكون هذا الخوف إلا بمحض العقل فثبت أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه. فأما أن تجري الآية على ظاهرها يقال: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الرسل ومجيء الأنبياء كالتنبيه على النظر وكالإيقاظ من رقدة الغفلة والحجة وإن كانت لازمة لهم قبل بعثة الرسل إلا أنها بعد البعثة ألزم. وإما أن يخصص عموم الآية فيقال: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع. ومما ارتضاه الإمام فخر الدين الرازي أن مجرد العقل سبب في أنه يجب عليها فعل ما ينتفع به وترك ما يستضر به، أما مجرد العقل فلا يدل على أنه يجب على الله شيء وذلك أنا مجبولين على طلب النفع والاحتراز عن الضرر، والله تعالى منزه عن ذلك. ولقائل أن يقول: إنه سبحانه منزه عن الانتفاع والاستضرار إلا أنه حكيم جواد فلم لا يقبح من الحكيم الجواد ترك ما ينتفع به غيره وفعل ما يستضر به، وإذا قبح منه ذلك حسن منه ضده، والحكيم لا يترك الأحسن. فصدور ذلك الأحسن منه ألبته هو الذي لك أن تسميه وجوباً كما وصف به نفسه في قوله: {أية : كان على ربك حتماً مقضياً}تفسير : [مريم: 71] ولكم من آية في القرآن دالة على أن الفعل قد يصدر منه صدوراً لا يحتمل النقيض من ذلك قوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها}. وللمفسرين في معنى {أمرنا} قولان: الأول أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي وعلى هذا اختلفوا في المأمور به، فالأكثرون على أن الطاعة والخير. وقال في الكشاف: معناه وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم بالفسق ففسقوا. ولما كان من أصول الاعتزال أنه تعالى لا يأمر بالفحشاء ذكر أن الأمر بالفسق ههنا مجاز، ووجهه أنه صب عليهم النعمة صباً فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكان إيتاء النعمة سبباً لإيثارهم الفسوق على الائتمار فكأنهم مأمورون بذلك. ثم إنه جعل تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا عن قبيل التكاليف بعلم الغيب، ولم يجوّز أن تكون من قبيل "أمرته فعصاني" فإنه يفهم منه أن المأمور به طاعته ولكنه حكم بأنه مثل أمرته فقام أو أمرته فقرأ فإنه لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة. ولقائل أن يقول: كما أن قوله "أمرته فعصاني" يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية من حيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له فكذلك قوله: "أمرته ففسق" يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به كما أن كونها معصية ينافي كونها مأموراً بها، وهذا ظاهر فلا أدري لم أصرّ جار الله على قوله مع ضعفه ومخالفته أصله. القول الثاني إن معنى: {أمرنا مترفيها} أكثرنا فساقها. قال الواحدي: تقول العرب: أمر القوم. إذا كثروا، وأمرهم الله إذا كثرهم، وآمرهم أيضاً بالمد واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة"تفسير : فالسكة النخيل المصطفة، والمهرة المأمورة كثيرة النتاج. وقد حمل بعضهم الحديث على الأمر ضد النهي أي قال الله لها: كوني كثيرة النسل فكانت، حديث : وروي أن رجلاً من المشركين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أرى أمرك هذا حقيراً. فقال صلى الله عليه وسلم: إنه سيأمرتفسير : أي سيكثر وسيكبر. والمترف في اللغة المنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش: {ففسقوا فيها} خرجوا عما أمرهم الله {فحق عليها القول} استوجبت العذاب {فدمرناها تدميراً} أهلكناها على سبيل الاستئصال. قال الأشاعرة: ظاهرة الآية يدل على أنه تعالى أراد إهلاكهم ابتداء، ثم توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق ويؤيده قوله: {فحق عليها القول} أي بالكفر ثم التعذيب. وقال الكعبي: إن سائر الآيات دلت على أنه تعالى لا يبتدىء بالتعذيب كقوله: {أية : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}تفسير : [الرعد: 11] وقوله: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} فتلك الآيات محكمة وهذه المتشابهات فيجب حمل هذه على تلك. قال في التفسير الكبير: أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية القفال فإنه ذكر وجهين: الأول أخبر الله أنه لا يعذب أحداً بما علمه منه ما لم يعمل به أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره حتى يظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه ومعنى الآية وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم. الثاني أن نقول: وإذا أردنا إهلاك قوم بسبب ظهور العصيان منهم لم نعالجهم بالعذاب في أوّل ظهور المعصية منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي. وخص المترفين بذلك لأن نعمة الله عليهم أكثر فكان الشكر عليهم أوجب، فإذا لم يرجعوا وأصروا صب عليهم البلاء صباً. وزعم الجبائي أن المراد بالإرادة الدنو والمشارفة كقولك إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة، وإذا أراد التاجر يريد ان يفتقر أتاه الخسران من كل جهة. ليس المعنى أن المريض يريد أن يموت والتاجر يريد أن يفتقر، وإنما عنيت أنه سيصير إلى ذلك، فمعنى الآية وإذا قرب وقت إهلاك قرية. وقد نقلنا مثله عن صاحب الكشاف، ولا يخفى أنه عدول عن الظاهر. ثم ذكر عادته الجارية مع القرون الخالية فقال: {وكم أهلكنا} فـ {كم} مفعول {أهلكنا} و{من القرون} بيان لكم وتمييز له أراد بهم عاداً وثمود ونحوهما. ثم خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة قائلاً {وكفى بربك} الآية. قال الفراء: إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم كقولك "كفاك به" "وأكرم به رجلاً" "وطاب بطعامك طعاماً" ولا يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك. وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وإنذار شديد لغيرهم لأن العلم التام مع القدرة الكاملة والحكمة الشاملة يقتضي إيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه. ثم أكد المعاني المذكورة من قوله: {وكل إنسان ألزمناه طائره} ومن قوله: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} بقوله: {من كان يريد العاجلة} أي المنفعة أو الدار العاجلة {عجلنا له فيها} ثم قيد المعجل بقيدين: أحدهما قوله: {ما نشاء} ولهذا ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه. وثانيهما قوله: {لمن نريد} وهو بدل من {له} بدل البعض من الكل لأن الضمير يرجع إلى "من" وهو للمعلوم، ولهذا ترى كثيراً منهم يتمنون البعض اليسير من الدنيا ولا يؤتون فيجتمع عليهم فقر الدنيا وحرمان الآخرة بل عذابها لقوله: {ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً} مطروداً من رحمة الله. {ومن أراد الآخرة} بأن يعقد بها همته ويتجافى عن دار الغرور {وسعى لها سعيها} أي حق السعي لأجلها وذلك أن يكون العمل الذي يتوسل به إلى الفوز بثواب الآخرة من جملة القرب والطاعات وعلى قوانين الشرع والعقل لا البدعة والهوى {وهو مؤمن} لأن شيئاً من صور الأعمال الصالحة لا يوجب الثواب إلا بعد تقديم الإيمان {فأولئك كان سعيهم مشكوراً} قال العلماء: الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظماً عند ذلك الشاكر. والله سبحانه تعالى، يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة لأنه يعلم كونهم محسنين في تلك الأعمال وأنه يثنى عليهم بكلامه ويعاملهم المعاملات الدالة على كونهم معظمين عند الله. وفي قوله: {من كان يريد العاجلة} دون أن يقول: "من أراد العاجلة" كما قال: {ومن أراد الآخرة} إشارة إلى أن مريد نفع الدنيا لا يكون مذموماً إلا إذا كان غالباً في ذلك ثابت القدم فسيح الأمل، ومريد الآخرة يكون محموداً بأدنى التفاتة بعد وجود الشرط. قالت الأشاعرة: إن مجموع القدرة مع الداعي هو الموجب للفعل ونحن نشكر الله على الإيمان لأنه أعطى القدرة والداعية، ولكنه حين حصل الإيمان للعبد واستتبع السعادات الباقية صار العبد أيضاً مشكوراً، ولا منافاة بين الأمرين. وقالت المعتزلة: نحن لا نشكر الله على الإيمان لأن المدح على عمل لم يعمله الممدوح قبيح. قال تعالى: {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} ولكنا نشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل. واعلم أنه تعالى ذكر صنفين من الناس: قاصد خيرات الدنيا وقاصد خيرات الآخرة. وههنا ثلاثة أقسام أخر: الأوّل أن يكون طلب الآخرة في عمله راجحاً فقيل إنه غير مقبول أيضاً لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حكاية عن رب العزة: "حديث : أنا أغنى الأغنياء عن الشكر من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه"تفسير : وقيل: يعارض المثل بالمثل ويبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة فيقع في حيز القبول. الثاني أن يكون طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين. الثالث أن يكون طلب الدنيا راجحاً. واتفقوا على أن هذين القسمين أيضاً لا يقبلان إلا أنهما على كل حال خير من الرياء المحض. ثم بين كمال رأفته وشمول رحمته فقال: {كلا} أي كل واحد من الفريقين {نمد} أي نزيدهم من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع بالمعصية. وقوله: {هؤلاء وهؤلاء} بدل من كل و{من عطاء ربك} متعلق بــ {نمد} {وما كان عطاء ربك محظوراً} ممنوعاً من المكلف بسبب عصيانه {أنظر} يا محمد أو يا من له أهلية النظر والاعتبار إلى عطائنا المباح للفريقين في الدنيا {كيف فضلنا بعضهم على بعض} فأوصلناه إلى مؤمن وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر وقبضناه عن كافر آخر ليكون بعضهم تحت تسخير بعض. {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً} لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا. وقيل: المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين يدخلون النار فيظهر فضل المؤمنين على الكافرين. وعن بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟!. التأويل: نزه نفسه بقوله: {سبحان} عن الاتحاد الكلي، ولكن أخبر عن مقام وصول حبيبه. فقوله: {أسرى} إشارة إلى الجذبة الخفية عن الأغيار، وقوله {بعبده} إشارة إلى مقام تصحيح نسبة العبدية التي هي آخر مقامات السالكين، وقوله: {ليلاً} رمز إلى أن ذلك الجذب كاد يكون خفياً عن المجذوب إذا كان ذاهلاً عن أنانيته. وقوله: {من المسجد الحرام} هو مقام يحرم فيه الالتفات إلى ما سوى الله. {إلى المسجد الأقصى} هو مقام الفناء في الله {الذي باركنا حوله} بالبقاء بالله {لنريه من آياتنا} التي لم تسمع إذن ولا أبصرت عين {إنه هو السميع البصير} فلا يصل أحد إليه إلا إذا سمع به وأبصر به. هذا ما خطر ببال هذا الضعيف في تأويل هذه الآية فإن كان صواباً فمن فضل الله وعطائه، وإلا فمني ومن الشيطان {فجاسوا خلال الديار} الجسدانية بالقتل وفك التركيب وخلال الديار المعنوية حين استولت الصفات الذميمة على الخصال الحميدة لتخريب بيت مقدس القلب {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} باستيلاء داود القلب وقتل جالوت النفس {وأمددناكم بأموال} الطاعات {وبنين} الإيمان والإيقان {وإذا جاء وعد الآخرة} حين ارتد عن الطريقة {ليسوؤا} وجوه قلوبكم بحجب سوء أعمالكم {وإن عدتم} إلى الجهل {عدنا} إلى الفضل، أو وإن عدتم إلى الندم عدنا إلى الكرم، أو إن عدتم إلى العبودية عدنا إلى الربوبية، أو إن عدتم إلى التقربات عدنا إلى الجذبات {وجعلنا ليل} البشرية ونهار الروحانية {فمحونا آية الليل} وهي قمر القلب فني في نور العقل حين تطلع شمس شهود الحق وهي آية النهار، فإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح {لتبتغوا فضلاً من ربكم} وهو تجلي ذاته وصفاته، وقد اختص الإنسان به من بين المخلوقات. {ولتعلموا} أيام الطلب وحساب الترقي من مقام إلى مقام وكل شيء يحتاج إليه السالك بيناه بالإشارات {من كان يريد العاجلة} فيه أن قلب الإنسان بين أصبعي قهر الرحمن ولطفه وبحسب ذلك يحوّل وجه الى الدنيا حتى يؤل أمره إلى درجات البعد أو يحوّله إلى الآخرة حتى يصل إلى درجات الوصال والله المستعان على ما تصفون.
الثعالبي
تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: {سُبْحَٰنَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}: جل العلماء على أن الإسراء كان بشَخْصه صلى الله عليه وسلم، وأنه ركِب البُرَاق من مكَّة، ووصل إِلى بيت المقدس، وصلَّى فيه، وقالتْ عائشة ومعاوية: إِنما أُسْرِي بِرُوحه، والصحيحُ ما ذهب إليه الجمهورُ، ولو كانتْ منامةً، ما أمكن قريشاً التشنيعُ، ولا فُضِّل أبو بكر بالتصديق، ولا قالَتْ له أمُّ هانىء: لا تحدِّث الناس بهذا، فيكذِّبوك، إِلى غير هذا من الدلائل، وأما قول عائشة فإنها كانت صغيرة، ولا حدثَتْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكذلك معاوية. قال ابن العربيِّ: قوله تعالى: {سُبْحَٰنَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} قال علماؤنا: لو كان للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ٱسْمٌ هو أشرَفُ منه، لسماه اللَّه تعالى به في تلك الحَالةِ العَلِيَّة، وقد قال الأستاذ جمال الإِسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هَوَازِنَ: لما رَفَعه اللَّه إِلى حضرته السَّنِيَّةِ وأرقاه فوق الكواكِب العُلْويَّة؛ الزمه اسم العبوديَّة، تواضُعاً وإِجلالاً للألوهية. انتهى من «الأحكام». و{سُبْحَٰنَ} مصدر معناه: تنزيهاً للَّه، وروى طلحة بن عبيد اللَّه الفَيَّاض أحد العَشَرة، أنه قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: ما معنى سبحان اللَّه؟ قال: تَنْزِيهُ اللَّه مِنْ كُلِّ سوء، وكان الإسراء فيما قال مقاتِلٌ وقتادةُ: قبل الهجرة بعامٍ، وقيل: بعام ونصفٍ، والمتحقِّق أن ذلك كان بَعْدَ شَقِّ الصحيفة، وقبل بيعة العقبة، ووقع في «الصحيحين» لشَرِيك بن أبي نَمِرٍ، وَهْمٌ في هذا المعنى؛ فإنه روى حديثَ الإِسراء، فقال فيه: وذلك قبل أنْ يوحى إِليه، ولا خلاف بين المحدِّثين؛ أن هذا وَهْمَ من شريك. قال * ص *: {أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } بمعنى: سَرَى، وليست همزتُهُ للتعدية، بل كـــ«سَقَى وَأَسْقَى»، والباء للتعدية، و{لَيْلاً} ظرفٌ للتأكيد؛ لأن السُّرَى لا يكون لغةً إِلا بليلٍ، وقيل: يعنى به في جوف الليل، فلم يكن إِدْلاجاً ولا ٱدِّلاَجاً انتهى. و{ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى}: بيت المقدس، «والأقصى» البعيدُ، والبركة حولَهُ منْ وجهين: أحدهما: النبوَّة والشرائعُ والرسُل الذين كانوا في ذَلِكَ القُطْر، وفي نواحيه. والآخر: النِّعَم من الأشجار والمياه والأرض المفيدة. وقوله سبحانه: {لِنُرِيَهُ } يريد لنري محمَّداً بعينه آياتنا في السموات والملائكة والجَنَّةَ والسِّدْرةَ وغير ذلك من العجائبِ، مما رآه تلك الليلة، ولا خلاف أنَّ في هذا الإِسراء فُرِضَت الصلواتُ الخمسُ على هذه الأمة. وقوله سبحانه: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ } وعيد للمكذِّبين بأمر الإِسراء، أي: هو السميع لما تقولون، البصير بأفعالكم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} الآية. قال النحويُّون: "سُبْحَانَ" اسم علم للتَّسبيح يقال: سبحت تسبيحاً فالتسبيح هو المصدر، وسبحان اسم على للتسبيح؛ كقوله: "كَفَّرتُ اليمينَ تَكْفيراً وكُفْراناً"، وتقدَّم الكلام عليه في أول البقرة، ومعناه تنزيه الله عن كلِّ سوء. والنصبُ على المصدر، كأنه وضع موضع "سبَّحت الله تسبيحاً" وهو مفرد، إذا أفرد، وفي آخره زائدتان: الألف والنون، فامتنع من الصرف؛ للتقدير والزيادتين. وعن سيبويه أنَّ من العرب من ينكِّرهُ؛ فيقول: "سُبْحَاناً" بالتنزيه. وقال أبو عبيدٍ: لا ينتصب على النِّداء، فكأنه قال: "يا سُبْحانَ الله، يا سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبدِه". قال القرطبي: سُبْحانَ، اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنَّه لا يجري بوجوه الإعراب، ولا يدخل فيه الألف واللام، ولم يجر منه فعلٌ، ولم ينصرف؛ لأنَّ في آخره زائدتين، ومعناه التنزيهُ، والبراءة لله، فهو ذكر؛ فلا يصلح لغيره، فأمَّا قول من قال: [السريع] شعر : 3373- أقُولُ لمَّا جَاءنِي فَخرُهُ سُبحَانَ مِنْ عَلْقمَةَ الفَاخِرِ تفسير : فإنما ذكره على طريق النَّادر. روى طلحة بن عبيد الله أنه قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: "ما مَعْنَى سبحان لله" فقال: "تَنْزيهُ الله عن كُلِّ سُوءٍ". وقال صاحبُ النظم: "السَّبح في اللغة التباعد؛ قال تعالى: {أية : إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً} تفسير : [المزمل: 7] أي: تباعداً طويلاً فمعنى "سَبح": تنزيهه عمَّا لا ينبغي". وللتَّسبيح معانٍ أخر؛ قد يكون بمعنى الصلاة؛ كقوله: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} تفسير : [الصافات: 143] أي المصلِّين والسبحة: صلاة النافلة، وإنما قيل للمصلِّي: "مُسَبِّح"؛ لأنه معظم لله بالصلاة، ومنزِّهٌ له عمَّا لا ينبغي. وقد يرد التسبيح بمعنى الاستثناء؛ كقوله تعالى: {أية : قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} تفسير : [القلم: 28] أي تستثنون. وتأويله أيضاً يعود إلى تعظيم الله في الاستثناء بمشيئته، وجاء في الحديث: "حديث : لأحْرقَتْ سُبحَاتُ وجْهِه" تفسير : قيل: معناه: وجهه وقيل: معناه: نور وجهه الذي إذا رآه الرّائي، قال: "سبحان الله". ويكون "سُبْحَانَ الله" بمعنى التعجُّب. وقوله: "أسْرَى" و "سَرَى" لغتان، وتقدَّم الكلام عليهما في سورة هود [آية: 81]، وأن بعضهم خصَّ "أسْرَى" باللَّيل. قال الزمخشريُّ هنا: فإن قلت: الإسراء لا يكون إلاَّ ليلاً؛ فما معنى ذكر الليل؟. قلت: أراد بقوله "ليلاً" بلفظ التنكير، تقليل مدَّة الإسراءِ، وأنه أسْرِي به في بعض الليل، من "مكَّة" إلى "الشام" مسيرة أربعين ليلة؛ وذلك أنَّ التنكير دلَّ على البعضيَّة، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة "من اللَّيل"، أي: بعضه؛ كقوله: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ} تفسير : [الإسراء: 79]. انتهى. فيكون "سَرَى" و "أسْرَى" كـ "سَقَى" و "أسْقَى" والهمزة ليست للتعدية؛ وإنما المعدَّى الباء في "بعبده"، وقد تقدَّم أنها لا تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور، في البقرة، خلافاً للمبرِّد. وزعم ابن عطية أنَّ مفعول "أسْرَى" محذوف، وأن التعدية بالهمزة؛ فقال: "ويظهر أنَّ" "أسْرَى" معدَّاةٌ بالهمزة إلى مفعول محذوف، أي: أسرى الملائكة بعبده؛ لأنه يقلقُ أن يسند "أسْرَى" وهو بمعنى "سَرَى" إلى الله تعالى؛ إذ هو فعلٌ يقتضي النَّقلة؛ كـ "مَشَى، وجرى، وأحضر، وانتقل" فلا يحسن إسناد شيء من هذا مع وجود مندوحةٍ عنه، فإذا وقع في الشريعة شيء من ذلك، تأوَّلناهُ؛ نحو: أتَيْتهُ هَرْولةً. وهذا كلُّه إنما بناهُ؛ اعتقاداً على أن التعدية بالباء تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في ذلك، وتقدَّم الردُّ على هذا المذهب في أوَّل البقرة في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ} تفسير : [البقرة: 20]. ثم جوَّز أن يكون "أسْرَى" بمعنى "سَرَى" على حذف مضافٍ؛ كقوله: {أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} تفسير : [البقرة: 17] يعني: فيكون التقدير: الذي أسْرِى ملائكته بعبده، والحامل له على ذلك ما تقدَّم من اعتقاد المصاحبة. والعبد هو محمد صلى الله عليه وسلم. قوله: "لَيْلاً" منصوب على الظرف، وقد تقدم فائدة تنكيره. و "مِنَ المسجد" "مِنْ" لابتداء الغاية. فصل في وقت الإسراء قال مقاتل: "كان قبل الهجرة بستَّة عشر شهراً"، ونقل الزمخشري عن أنس والحسين: كان قبل البعثة، واختلفوا في المكان الذي أسْرِي به منه، فقيل: هو المسجد الحرامُ بعينه؛ لظاهر القرآن، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : بَيْنَا أنَا في المَسْجدِ الحَرامِ عِندَ البَيْتِ بيْنَ النَّائمِ واليَقْظَانِ، إذْ أتَانِي جِبْريلُ عليه السلام بالبراقِ ". تفسير : وقيل: أسري به من دار أمِّ هانىء بنت أبي طالبٍ، وعلى هذا، فالمراد بالمسجد الحرام الحرمُ. قال ابن عبَّاس: "الحرم كلُّه مَسْجِدٌ"، وهذا قول الأكثرين. وقوله: {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى}. اتفقوا على أنه بيتُ المقدس، وسمي بالأقصى؛ لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام. وقوله: {بَارَكْنَا حَوْلَهُ}. قيل: بالأزهار والثمار. وقيل: لأنه مقرُّ الأنبياء، ومهبطُ الملائكةِ. واعلم أنَّ كلمة: "إلى" لانتهاء الغاية، فمدلول قوله: {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} أنه وصل إلى ذلك، فأما أنه دخل المسجد أم لا، فليس في اللفظ دلالةٌ عليه، إلاَّ أنه ورد الحديثُ أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى فيه. قوله: "حولَه" فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوبٌ على الظَّرفِ، وقد تقدَّم في تحقيق القول فيه أوَّل البقرة. والثاني: أنه مفعولٌ. قال أبو البقاء: "أي: طيَّبْنَا ونَمَّيْنَا". يعني ضمَّنه معنى ما يتعدَّى بنفسه، وفيه نظرٌ؛ لأنه لا يتصرَّفُ. قوله: "لِنُريَهُ" قرأ العامة بنون العظمة؛ جرياً على "بَارَكْنَا" وفيهما التفات من الغيبة في قوله "الَّذي أسْرَى بعبده" إلى التكلُّم في "بَاركْنَا" و "لنُرِيَهُ"، ثم التفت إلى الغيبة في قوله: "إنه هُوَ" إن أعدنا الضمير إلى الله تعالى، وهو الصحيح، ففي الكلام التفاتان. وقرأ الحسن "لِيُريَهُ" بالياء من تحت، أي: الله تعالى، وعلى هذه القراءة يكون في هذه الآية أربعةُ التفاتات: وذلك أنَّه التفت أوَّلاً من الغيبة في قوله "الَّذي أسْرَى بعبْدهِ" إلى التكلم في قوله "بَاركْنَا" ثم التفت ثانياً من التكلُّم في "باركْنَا" إلى الغيبة في "ليُرِيَهُ" على هذه القراءة، ثم التفت ثالثاً من هذه الغيبة إلى التكلم في "آيَاتِنَا"، ثم التفت رابعاً من هذا التكلم إلى الغيبة في قوله "إنَّهُ هُو" على الصحيح في الضمير؛ أنه لله، وأمَّا على قول نقله أبو البقاء أنَّ الضمير في "إنَّه هُو" للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يجيء ذلك، ويكون في قراءة العامة التفاتٌ واحدٌ، وفي قراءة الحسنِ ثلاثةٌ. وأكثر ما ورد الالتفاتُ فيه ثلاث مراتٍ على ما قاله الزمخشريُّ في قول امرىء القيس: [المتقارب] شعر : 3374- تَطَاولَ لَيْلُكَ بالأثْمُدِ .................. تفسير : الأبيات. وتقدَّم النزاعُ معه في ذلك، وبعض ما يجابُ به عنه أوَّل الفاتحة. ولو ادَّعى مُدَّعٍ أنَّ ها هنا خمسة التفاتاتٍ لاحتيج في دفعه إلى دليلٍ واضحٍ، والخامس: الالتفاتُ من "إنَّهُ هُوَ" إلى التكلُّم في قوله {أية : وَءَاتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ} تفسير : [الإسراء: 2] الآية. والرؤيةُ هنا بصرية. وقيل: قلبية، وإليه نحا ابن عطيَّة، فإنه قال: "ويحتمل أن يريد: لنُرِيَ محمداً للنَّاس آية، أي: يكون النبي صلى الله عليه وسلم آية في أن يصنع الله ببشرِ هذا الصنيع" فتكون الرؤية قلبية على هذا. فصل في معنى "لِنُريَهُ" معنى الرُّؤية هو ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات الدالَّة على قدرة الله تعالى. فإن قيل: قوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَآ} يدلُّ على أنَّه تعالى ما أراه إلاَّ بعض الآيات؛ لأن كلمة "مِنْ" للتبعيض وقال في حقِّ إبراهيم: {أية : وَكَذَٰلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 75] فيلزم أن يكون معراج إبراهيم - عليه السلام - أفضل من معراج محمد صلى الله عليه وسلم قلنا: فالجواب أن الذي رآه إبراهيم ملكوت السموات والأرض، والذي رآه محمد بعض آياتِ الله، ولا شكَّ أن آيات الله أفضلُ. ثم قال: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} أي: السميعُ لأقوال محمدٍ صلى الله عليه وسلم أي: المجيبُ لدعائهِ البصير: أي: لأفعاله العالم بكونها خالصة عن شوائب الرياءِ، مقرونة بالصِّدق والصَّفاء. فصل في كيفية الإسراء اختلفوا في كيفيَّة ذلك الإسراء، فالأكثرون على أنه أسْرِي بجسد رسُول الله صلى الله عليه وسلم. وروي عن عائشة وحذيفة: أن ذلك كان رُؤيا، قالا: ما فُقِد جَسَدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنَّ الله أسْرَى برُوحهِ. فالكلامُ في هذا الباب في مقامين. الأول: في إثبات الجوازِ العقليِّ. والثاني: في الوُقوعِ. فالمقام الأول؛ وهو الجواز العقليُّ: فنقول: الحركة الواقعة في السُّرعة إلى هذا الحدِّ ممكنةٌ في نفسها، والله - تعالى - قادرٌ على جميع الممكنات، والدليل على أنَّ هذه الحركة السَّريعة ممكنة غير ممتنعةٍ تفتقر إلى مقدِّمتين: الأولى: أنَّ الحركة الواقعة إلى هذا الحدِّ يدلُّ عليها وجوهٌ: الأول: أنَّ الفلك الأعظم يتحرَّك من أوَّل الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدَّور، وثبت في الهندسة أنَّ نسبة القطر إلى الدَّور نسبة الواحد إلى ثلاثةٍ وسبعة فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبعة فبتقدير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم، فهو لم يتحرَّك إلا مقدار نصف القطر، فلمَّا حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدَّور، كان حصول الحركةِ بمقدار نصفِ القطر أولى بالإمكان، فهذا برهانٌ قاطعٌ على أنَّ الارتفاع من مكَّة إلى ما فوق العرشِ في مقدار ثلث اللَّيل أمرٌ ممكنٌ في نفسه، وإذا كان كذلك، كان حصوله في كلِّ الليل أولى بالإمكان. الثاني: ثبت في الهندسة أنَّ قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين مرَّة، وكذا وكذا وكذا، ثم إنا نشاهد أنَّ طُلوعَ القرص يحصل في زمان لطيفٍ سريعٍ، فدلَّ على أنَّ بلوغ الحركة في السُّرعة إلى هذا الحدِّ أمرٌ ممكنٌ في نفسهِ. الثالث: أنه كما يستبعدُ في العقلِ صعود الجسم الكثيف عن مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللَّطيف الرُّوحانِي من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القولُ بمعراج محمد صلى الله عليه وسلم في الليلة الواحدة ممتنعاً في العقول، فإن القول بنزول جبريل - عليه السلام - من العرشِ إلى مكَّة في اللحظة الواحدة ممتنعاً، ولو حكمنا بهذا الامتناع، كان ذلك طعناً في نُبوَّة جميع الأنبياء - عليهم السلام - والقول بثبوتِ المعراج فرعٌ على تسليم جواز أصل النبوة؛ فيلزم القائل بامتناع حصول حركةٍ سريعةٍ إلى هذا الحدِّ، القول بامتناع جبريل - عليه السلام - من الانتقال في اللَّحْظَة من العَرْشِ إلى مكة، ولمَّا كان ذلك باطلاً، كان ما ذكروا أيضاً باطلاً. فإن قالوا: نحن لا نقول: إنَّ جبريل - عليه السلام - جسمٌ ينتقل من مكانٍ إلى مكانٍ، وإنما نقول: المراد من نزول جبريل- عليه السلام - هو زوالُ الحجبِ الجسمانيَّة عن جسمِ محمَّد صلى الله عليه وسلم حتَّى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضراً متجلِّياً في ذات جبريل - عليه السلام -. قلنا: تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، أمَّا جمهور المسلمين فيقولون: إنَّ جبريل - عليه السلام - جسمٌ، وأنَّ نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك [إلى مكَّة]، وإذا كان كذلك، كان الإلزام المذكور قويًّا. "حديث : رُوِيَ أنه - عليه السلام - لما ذكر قصَّة المعراجِ كذَّبه الكلُّ، وذهبوا إلى أبي بكرٍ، وقالوا له: "إنَّ صاحبك يقول كذا وكذا"، فقال أبو بكرٍ: "إنْ كَانَ قد قال ذلك، فهو صادقٌ"، ثم أتى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فذكر الرسول له تلك التفاصيل، وكلَّما ذكر شيئاً، قال أبو بكرٍ - رضي الله عنه-: "صَدَقْتَ"، فلمَّا تمَّ الكلام، قال أبو بكرٍ: "أشْهَدُ أنَّك رسُولُ الله حقًّا"، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: وأشْهَدُ أنَّك صدِّيقٌ حقًّا ". تفسير : وحاصل الكلام أنَّ أبا بكرٍ كأنه قال: لمَّا سلمتُ رسالته فقد صدَّقتهُ فيما هُو أعْظَمُ من هذا، فكَيْفَ أكذِّبه في هذا؟!. الرابع: أكثر أرباب الملل والنِّحل يُسلِّمُونَ وجود إبليس، ويسلِّمون أنه هو الذي يلقي الوسوسة في قلوب بني آدم، فلما جوَّزوا مثل هذه الحركة السريعة في حقِّ إبليس ويسلِّمون، فلأن يسلِّموا جوازها في حقِّ أكابرِ الأنبياءِ أولى، وهذا الإلزام قوي على من يسلِّم أنَّ إبليس جسمٌ ينتقل من مكانٍ إلى مكانٍ. وأمَّا من يقول: إنه من الأرواحِ الخبيثة الشِّرِّيرة، وأنَّه ليس بجسم، ولا جسمانيٍّ، فلا يرد عليهم هذا الإلزامُ إلا أن أكثر أرباب الملل والنِّحل يوافقون على أنه جسمٌ لطيفٌ ينتقل. فإن قالوا: إنَّ الملائكة والشياطين يصحُّ في حقِّهم مثل هذه الحركة السَّريعة، إلاَّ أنهم اجسامٌ لطيفةٌ، فلا يمتنع حصُولُ مثل هذه الحركة السريعة في ذواتها، أمَّا الإنسان فإنَّه جسم كثيف، وكيف يعقل حصول مثل هذه الحركة فيه؟ قلنا: نحن إنما استدللنا بأحوال الملائكة والشَّياطين على أن حصول حركةٍ منتهية في السُّرعة إلى هذا الحدِّ ممكن في نفس الأمر. فأمَّا بيانُ أنَّ هذه الحركة، لمَّا كانت ممكنة الوجود في نفسها، كانت أيضاً ممكنة الحصول في جسم البدن الإنسانيِّ، فذاك مقام آخر يأتي تقريره إن شاء الله تعالى. الخامس: أنه جاء في القرآن أنَّ الرياح كانت تسير بسليمان - صلوات الله عليه - إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة؛ قال تعالى: {أية : غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} تفسير : [سبأ: 12] بل نقول: الحسُّ يدل على أنَّ الرياح تنتقل عند شدَّة هبوبها من مكانٍ إلى مكانٍ في غاية البعد في اللَّحظة الواحدة، وذلك أيضاً يدلُّ على أنَّ مثل هذه الحركةِ السريعة في نفسها ممكنةٌ. السادس: أن القرآن يدلُّ على أنَّ الذي عنده علمٌ من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمنِ إلى أقصى الشَّام في مقدار لمحِ البصر، قال تعالى: {أية : قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} تفسير : [النمل: 40]. وإذا كان ذلك ممكناً في حقِّ بعض النَّاس، علمنا أنه في نفسه ممكنٌ. السابع: أن من الناس من يقول: إنَّ الحيوان إنما يُبْصِرُ المرئيَّات لأجل أن الشُّعَاع يخرج من عينيه ويتَّصِل بالمرئيَّات، فإذا فتحنا العين، ونظرنا إلى شخصٍ، رأيناه، فعلى قولِ هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا إلى الشخص في تلك اللحظة اللَّطيفة، وذلك يدلُّ على أنَّ الحركة الواقعة على هذا الحدِّ من السرعة من الممكنات لا من الممتنعات، فثبت بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية في السرعة إلى هذا الحدِّ أمرٌ ممكن الوجود في نفسه. المقدمة الثانية: في بيان أنَّ هذه الحركة، لمَّا كانت ممكنة الوجود في نفسها، وجب ألاَّ يمتنع حصولها في جسم محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه ثبت بالدَّلائل القطعيَّة أن الأجسام متماثلةٌ في تمام ماهيَّتها، فلما صحَّ حصول مثل هذه الحركة في حقِّ بعض الأجسام، وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام، وذلك يوجب القطع بأنَّ حصول مثل هذه الحركة في جسد محمد صلى الله عليه وسلم أمر ممكن الوجود في نفسه. وإذا ثبت هذا فنقول: ثبت بالدَّليل أنَّ خالق العالم قادرٌ على كلِّ الممكنات، وثبت أنَّ حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحدِّ في جسد محمد صلى الله عليه وسلم ممكنٌ؛ فوجب كونه تعالى قادراً عليه، فلزم من مجموع هذه المقامات: أن القول بثبوت هذا المعراج أمرٌ ممكن الوجود في نفسه، أقصى ما في الباب أنَّه يبقى التعجُّب، إلاَّ أن التعجُّب غير مخصوص بهذا المقام، بل هو حاصلٌ في جميع المعجزات، فانقلابُ العصا ثعباناً يبلع سبعين ألف حبلٍ من الحبالِ والعصيِّ، ثم تعودُ في الحال عصاً صغيرة، كما كانت أمرٌ عجيبٌ، وخروج الناقة من الجبلِ الأصمِّ أمرٌ عجيبٌ، وإظلال الجبل في الهواء أمرٌ عجيبٌ، وكذا سائر المعجزات، فإن كان مجرَّد التعجب يوجبُ الإنكار والدفع، لزم الجزم بفساد القول بنبوة كل الأنبياء عليهم السلام، لكن القول بإثبات المعجزات فرع على تسليم أصل النبوة، وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإنكار والإبطال، فكذا هنا. فصل في ترجيح القول بالإسراء بالجسد والروح قال المحقِّقُون: إنه تعالى أسْرَى بروح محمَّد صلى الله عليه وسلم وجسده من مكَّة إلى المسجد الأقصى؛ ويدلُّ عليه القرآن والخبر: أما القرآن، فهذه الآية؛ وتقرير الدليل أن العبد اسم لمجموع الجسد والرُّوح، قال تعالى: {أية : أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} تفسير : [العلق: 9-10] وقال تعالى: {أية : وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ} تفسير : [الجن: 19]. وأما الخبرُ، فما روى أنس بن مالكٍ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : فُرِجَ عَن سَقْفِ بَيْتِي وأنَا بِمكَّة، فَنزَلَ جِبْريلُ - عَليْهِ السَّلامُ - فَفُرِجَ صَدْري، ثُمَّ غَسلَهُ بِمَاءِ زَمْزَم، ثُمَّ جَاءَ بِطسْتٍ مِنْ ذَهبٍ مُمْتلِىءٍ حِكْمةً وإيماناً، ففرَّغهُ فِي صَدْرِي، ثمَّ أطْبَقهُ ". تفسير : وروى مالك بن صعصعة أنَّ نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة الإسراء به قال: "حديث : بَيْنَا أنَا فِي الحطِيم - ورُبَّما قال: في الحِجْرِ - بيْنَ النَّائمِ واليَقْظانِ، فأتيتُ بِطسْتٍ من ذَهب مَمْلُوءةٍ حِكمةً وإيماناً، فشُقَّ من النَّحْرِ إلى مراق البَطْن واسْتُخرجَ قَلْبي، فغُسِلَ، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أعِيدَ ". تفسير : وفي رواية سعيد وهشام: "حديث : ثُمّ غُسلَ البَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِىءَ إيماناً وحِكْمَةً، ثُمَّ أتِيتُ بالبُراقِ، وهو دَابَّةٌ أبْيضُ طَويلٌ فوقَ الحِمارِ، ودُونَ البَغْلِ، تقَعُ حَافِرهُ عند مُنْتهَى طَرْفهِ، فَرَكبْتهُ فانْطَلقْتُ مَعَ جِبْريل عليه السلام، حتَّى أتيت البيْتَ المقدس قال: فَربَطْتهُ في الحَلْقةِ الَّتِي تَرْبطُ بِهَا الأنْبِيَاءُ" قال: "ثُمَّ دخلتُ المسجدَ، فَصلَّيْتُ فِيهِ ركْعَتينِ، ثمَّ خَرجْتُ، فجَاءَنِي جِبريلُ بإنَاءٍ مِنْ خَمْر وإنَاءٍ من لبَنٍ، فأخَذْتُ اللَّبنَ، فقال جِبْريلُ: أخَذْتَ الفِطْرَة، فانْطلقَ بِي جِبْريلُ؛ حتَّى أَتَى السَّماء الدُّنْيَا.." تفسير : الحديث. واحتجَّ المنكرون بوجوهٍ عقليَّةٍ ونقليَّةٍ: أما العقلية: فأوَّلها: أن الحركة البالغة في السُّرعة إلى هذا الحدِّ غيرُ معقولةٍ. وثانيها: أنَّ صعود الجرمِ الثقيل إلى السَّموات غير معقول. وثالثها: أنَّ صعودهُ إلى السماوات يوجب انخراق الأفلاك، وذلك محالٌ، ولأنَّ هذا المعنى، لو صحَّ، لكان أعظم من سائر معجزاته، فكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع النَّاس حتَّى يستدلُّوا به على صدقه في ادعاء النبوَّة، فأما أن يحصل ذلك في وقتٍ لا يراه أحدٌ، ولا يشاهده يكون عبثاً؛ وذلك لا يليق بالحكيم. وأمَّا النقل: فقوله تعالى: {لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَآ} [الإسراء: 1] وقوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} تفسير : [الإسراء: 60] وما تلك الرؤيا إلاَّ حديث المعراج، والرؤيا لما في المنام، وإنما كانت فتنة للنَّاس؛ لأنَّ كثيراً ممَّن آمن به، لمَّا سمع هذا الكلام كذَّبهُ وكفر، وكان حديث المعراج سبب فتنة الناس. وأيضاً: فحديث المعراج اشتمل على أشياء بعيدة. منها: ما رُوِيَ من شقِّ بطنه وتطهيره بماءِ زَمْزَم، وهو بعيد؛ لأن الذي يمكن غسله بالماءِ هو النَّجاسات العينيَّة، ولا تأثير لذلك في تطهير القلب عن العقائد الباطلة، والأخلاق الذَّميمة. وأيضاً: فما رُوِيَ من ركوب البُراق - وهو بعيد - لأنَّه تعالى، لمَّا سيَّره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك، فأيُّ حاجةٍ إلى البراق. وما رُوِيَ أنه تعالى أوجب خمسين صلاة، ثم إنَّ محمَّداً صلى الله عليه وسلم لا زال يتردَّد بين يدي الله، وبين موسى عليه السلام. قال القاضي: وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، فإنه يوجبُ البداء، وذلك على الله محالٌ؛ فثبت أنَّ ذلك الحديث مشتملٌ على ما لا يجوز قبوله، فكان مردوداً. فالجواب عن الوجوه العقليَّة قد سبق. وأمَّا قوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَآ}، فهذا كلام مجمل، وفي شرحه وجوه: الأول: أن خيرات الجنَّة عظيمة، وأهوال النَّار شديدة، فلو أنه - عليه السلام - ما شاهدهما في الدنيا، ثمَّ شاهدهما في ابتداء يوم القيامة، فربَّما رغب في خيرات الجنة، أو خاف من أهوال النَّار، أمَّا لمَّا شاهدهما في الدنيا في ليلة المعراج، فحينئذ لا يعظم وقعهما في قلبه يوم القيامة، فلا يبقى مشغول القلب بهما، وحينئذ يتفرّغ للشَّفاعة. الثاني: لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة المعراج للأنبياء والملائكة سبباً لتكامل مصلحته أو مصلحتهم. الثالث: لا يبعد أنه إذا صعد الفلك، وشاهد أحوال السماوات، والكرسيِّ، والعرش، صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه، فيحصل له زيادة قوَّةٍ في القلب، باعتبارها يكون شروعه في الدعوةِ إلى الله تعالى أكمل، وقلَّة التفاته إلى أعداء الله أقوى، يبين ذلك أنَّ من عاين قدرة الله في هذا الباب لا يكون حاله في قوَّة النَّفسِ وثبات القلب على احتمال المكاره في الجهاد وغيره إلا أضعاف ما يكون لمن لم يعاين، فقوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَآ} كالدَّلالة على أن فائدة ذلك الإسراء مختصَّة به، وعائدة إليه؛ على سبيل التعيين وأما قوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ} تفسير : [الإسراء: 60] فيأتي الجواب عند تفسير تلك الآية في هذه السورة، ونبيِّن أن تلك الرؤيا رؤيا عيانٍ لا رؤيا منامٍ. وأما حديث المعراج، فلا اعتراض على الله - تعالى - في أفعاله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. واعلم أن العروج إلى السَّماء، وإلى ما فوق العرش، فهذه الآية لا تدلُّ عليه، ومنهم من استدلَّ عليه بأوَّل سورة النجم، ومنهم من استدل عليه بقوله: {أية : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} تفسير : [الانشقاق: 19] وسيأتي تفسيرها في موضعه إن شاء الله تعالى. فصل رُوِيَ لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أسري به فكان بـ "ذِي طُوًى" قال: "حديث : يا جبريل: إنَّ قَوْمِي لا يُصدِّقُونَني، قال: يُصدِّقُكَ أبو بكرٍ، وهُو الصِّدِّيقُ تفسير : قال ابن عبَّاس وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لمَّا كَانتْ لَيْلة أسْرِي بِي، فأصْبَحْتُ بِمكَّةَ، فضِقْتُ بأمْرِي، وعَرفْتُ النَّاس مُكذِّبينَ"، فروي أنه - عليه السلام - قعد مُعتزِلاً حزيناً، فمرَّ به أبو جهلِ بنُ هِشام، فجَلسَ إليْهِ، فقال كالمُستهزىء: هَل اسْتفَدت مِنْ شَيْءٍ؟ قال: نَعَمْ، أسْرِي بِي اللَّيلةَ، قَالَ: إلى أيْنَ؟ قال: إلى بَيْتِ المقْدسِ، قال: ثُمَّ أصْبَحْتَ بين ظهْرَانيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قال أبُو جهْلٍ: يا مَعْشرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤيٍّ هَلُمَّ، فانفَضَّتْ إليه المجَالِسُ، فَجَاءُوا حتَّى جَلسُوا إليْهمَا قَالَ: قحَدِّثْ قوْمَكَ ما حدَّثْتَنِي، قَالَ: نَعَمْ، إنِّي أسْرِي بِي اللَّيْلةَ، قَالُوا: إلى أيْنَ؟ قَالَ: إلى بَيْتِ المقْدسِ، قالُوا: ثُمَّ أصْبَحْتَ بيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: نعم قَالَ: فمن بَيْن مُصفِّقٍ، ومِنْ بَينِ واضعِ يدَهِ على رَأسهِ مُتعجِّباً، وارْتَدَّ ناسٌ ممَّنْ كان آمَنَ بِهِ وصَدَّقهُ، وسَعَى رجُلٌ من المُشْركينَ إلى أبِي بَكْرٍ، فقَالَ: هَلْ لَكَ في صَاحِبكَ يَزْعمُ أنَّهُ أسْرِي به إلى بَيْتِ المَقْدسِ؟ قال: أو قَدْ قَالَ؟ قَالُوا: نَعمْ، قَالَ: لَئِن قَالَ ذلِكَ، لقَدْ صَدقَ، قَالُوا: وتُصدِّقهُ أنَّه ذهَبَ إلى بَيْتِ المَقدِسِ في لَيْلةٍ، وجَاءَ قَبْلَ أنْ يُصْبحَ؟ قَالَ: نَعَمْ إنِّي لأصَدِّقهُ بِمَا هُوَ أبْعَدُ من ذلِكَ، أصَدِّقهُ بِخبَرِ السَّماءِ بغُدْوةٍ أو رَوْحَةٍ، ولِذلِكَ سُمِّي أبُو بكرٍ "الصِّديق"، قال: وفِي القوْمِ مَنْ قَدْ أتَى المَسْجدَ الأقْصَى، فقَالُوا: هَلْ تَسْتَطيعُ أنْ تَنْعَتَهُ لَنَا؟ قَالَ: نَعمْ، قَالَ: فَذهَبْتُ أنْعَتُ وأنْعَتُ، فمَا زِلتُ أنْعَتُ حتَّى التبسَ عليَّ، فَجيءَ بالمسْجِدِ، وأنَا أنْظرُ إليْهِ، فقَالَ قَوْمٌ: أمَّا النَّعْتُ فواللهِ لَقدْ أصَابَ، ثُمَّ قالوا: يا مُحمَّد، أخبرنا عن عيرنَا، فَهِيَ أهَمُّ إلَيْنَا، هَلْ لَقيتَ مِنْهَا شَيْئاً؟ قَالَ: نَعمْ، مَررْتُ عَلى عِير بَنِي فُلانٍ، وهِيَ بالرَّوحَاءِ، وقَدْ أضلُّوا بَعِيراً لهُم، وهُمْ فِي طَلبهِ، وفي رِحَالهِمْ قَدحٌ مِنْ ماءٍ، فَعطِشْتُ فأخَذتهُ فَشربْتهُ، ثُمَّ وضَعْتهُ، فَسَلوهُمْ: هَلْ وجَدُوا المَاء فِي القَدحِ حِينَ رَجعُوا إليْهِ، قالوا: هَذهِ آيةٌ. قَالَ: ومررْتُ بِعير بَنِي فُلانٍ وفُلانٍ وفُلانٍ رِاكِبانِ قَعُوداً لهُمَا بِذي مَوضعٍ، فنَفرَ بعَيرهُمَا منِّي فَرمَى فُلاناً، فانْكَسرَتْ يَدهُ، فسَلُوهُمَا عَنْ ذلِكَ قالوا: وهَذهِ آيةٌ. قَالُوا: فأخْبِرْنَا عَنْ عِيرنَا، قَالَ: مَررْتُ بِهَا بالتَّنعِيم، قالوا: فمَا عِدَّتُهَا وأحْمالُهَا، وهَيْئَتُهَا، ومَنْ فِيهَا؟ فقال: نعم هَيْئَتُهَا كَذَا وكذَا، وفِيهَا فُلانٌ، يَقدمُهَا جملٌ أوْرقُ، عليهِ غِرارتَان مَخِيطتَانِ، تَطْلعُ عَليْكُم عِند طُلُوعِ الشَّمْسِ، قالوا: وهذه آيةٌ أخرى، ثمَّ خَرجُوا يَشْتدُّونَ نحو الثَّنيَّةِ يقولون: لقَدْ قَصَّ مُحمَّد بَيْننا وبَيْنهُ، حتَّى أتَوْا كُدًى فجلسُوا عليْهَا، فجَعلُوا يَنْتظرُون مَتَى تَطلعُ الشَّمسُ فيُكَذِّبُونَهُ، إذ قال قَائلٌ منهم: "والله هذه الشَّمسُ قد طَلعَتْ" وقال آخرون: والله، هذه الإبلُ قد طلعتْ، يَقْدمُها بعيرٌ أورق، وفيها فلانٌ كما قال لهُم فلمْ يُؤمِنُوا، وقالوا: "إنْ هذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ". تفسير : وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَقَدْ رَأيْتُني فِي الحِجْرِ، وقُريْشٌ تَسْألُنِي عَنْ مَسْرايَ، فَسألَتْنِي عَنْ أشْياءَ مِنْ بَيتِ المقْدسِ، لَمْ أثْبِتْهَا فَكرِبْتُ كَرَباً ما كَربْتُ مِثْلهُ قَطُّ، قَالَ: فَرفَعهُ الله إليَّ أنْظرُ إليْهِ، مَا يَسْألُونني عَنْ شَيءٍ إلاَّ أنْبَأتُهمْ بِهِ، وقَدْ رَأيْتُني في جَماعَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فإذا مُوسَى قَائمٌ يُصلِّي، فَإذا رَجلٌ بثَوْبٍ جَعْدٌ، كأنَّهُ مِنْ رِجالِ شَنُوءة، وإذَا عيسَى قائمٌ يُصلِّي، أقْربُ النَّاس بِهِ شَبَهاً عُروَةُ بنُ مسْعُودٍ الثَّقفيُّ، وإذا إبْراهيمُ قَائمٌ يصلِّي، أشبهُ النَّاس به شبهاً صَاحِبكُمْ - يَعْنِي نَفسَهُ - فحَانَتِ الصَّلاة، فأممْتُهُمْ فلمَّا فَرغْتُ مِنَ الصَّلاة، قَال لِي قَائِلٌ: هَذَا مَالكٌ صَاحبُ النَّار، فَسلِّمْ عَليْهِ، فالتَفَتُّ إليْهِ فَبَدأنِي بالسَّلام تفسير : فصل اختلفوا في الرؤية، فقال ابن عباس: رآهُ بفؤاده مرَّتين، وأبو هريرة أطلق الرؤية، وصرَّح ابن خزيمة وآخرون بالرُّؤية بالعينين، وهو اختيار أبي الحسن الأشعريِّ والنَّوويِّ في فتاويه، واستدلَّ من منع ذلك بما روى مسلم "حديث : عن أبي ذرٍّ قال: قُلت: يا رسول الله، هَلْ رَأيْتَ ربَّك قال: "نُورٌ" وفي رواية: "رأيْتُ نُوراً" ". تفسير : وقالوا: لم يمكن رؤية الباقي بالعين الفانية، ولهذا قال تعالى لموسى فيما رُوِيَ في الكتب الإلهية: "يا مُوسَى، إنَّه لا يَرانِي حيٌّ إلاَّ مَاتَ ولا يابس إلا تَدَهْدَهَ". قالت عائشة وجماعة: "إنَّ ذلك كان رُؤيا منامٍ". وقال غيرهما من الصحابة: إنَّ ذلك كان في اليقظة، فإنَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يرى رؤيا إلاَّ جَاءتْ مثلَ فلقِ الصُّبْحِ. واختلف العلماءُ في أنَّ الإسراء والمعراج، هل كانا في ليلةٍ واحدةٍ، أو كل واحدٍ في ليلةٍ؟ فمنهم من زعم أن الإسراء في اليقظة، والمعراج في المنام، وذهب آخرون إلى أنَّ الإسراء كان مرتين، مرَّة بروحه مناماً، ومرة بروحه وجسده يقظة، وذهب آخرون إلى تعدُّد الإسراء في اليقظة، وقالوا: "إنَّها أربع إسراءات" لتعدُّد الروايات في الإسراء، واختلاف ما يذكر فيها، فبعضهم يذكر شيئاً لم يذكره الآخر، وبعضهم يذكر شيئاً ذكره الآخر، وهذا لا يدلُّ على التعدُّد؛ لأنَّ بعض الرواة قد يحذف بعض الخبر؛ للعلم به، أو ينساهُ، أو يذكر ما هو الأهمُّ عنده، أو يبسطُ تارة، فيسوقه كلَّه، وتارة يحدث المخاطب بما هو الأنفع له، ومن جعل كلَّ رواية إسراء على حدةٍ، فقد أبعد هذا؛ لأنَّ كل السياقات فيها السلام على الأنبياء، وفي كلِّ منها تعريفه بهم، وفي كلِّها تفرض عليه الصلوات، فكيف يمكنُ أن يدعى تعدد ذلك؛ وما عدد ذلك؟ هذا في غاية البعد والاستحالة، والله أعلم، ذكر هذا الفصل ابن كثير.
البقاعي
تفسير : لما كان مقصود النحل التنزه عن الاستعجال وغيره من صفات النقص، والاتصاف بالكمال المنتج لأنه قادر على الأمور الهائلة ومنها جعل الساعة كلمح البصر أو أقرب، وختمها بعد تفضيل إبراهيم عليه السلام والأمر باتباعه بالإشارة إلى نصر أوليائه - مع ضعفهم في ذلك الزمان وقلتهم - على أعدائه على كثرتهم وقوتهم، وكان ذلك من خوارق العادات ونواقص المطردات، وأمرهم بالتأني والإحسان، افتتح هذه بتحقيق ما أشار الختم إليه بما خرقه من العادة في الإسراء، وتنزيه نفسه الشريفة من توهم استبعاد ذلك، تنبيهاً على أنه قادر على أن يفعل الأمور العظيمة الكثيرة الشاقة في أسرع وقت، دفعاً لما قد يتوهم أو يتعنت به من يسمع نهيه عن الاستعجال وأمره بالصبر، وبياناً لأنه مع المتقي المحسن، وتنويهاً بأمر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإعلاماً بأنه رأس المحسنين وأعلاهم رتبة وأعظمهم منزلة، بما آتاه من الخصائص التي منها المقام المحمود، وتمثيلاً لما أخبر به من أمر الساعة فقال تعالى: {سبحان} وهو علم للتنزيه، دال على أبلغ ما يكون من معناه، منصوب بفعل متروك إظهاره، فسد مسده {الذي أسرى} فنزه نفسه الشريفة عن كل شائبة نقص يمكن أن يضفيها إليه أعداؤه بهذا اللفظ الأبلغ عقب الأمر بالتأني آخر النحل. كما نزه نفسه الشريفة بذلك اللفظ عقب النهي عن الاستعجال في أولها، وهو راد لما علم من ردهم عليه وتكذيبهم له إذا حدثهم عن الإسراء، وفيه مع ذلك إيماء إلى التعجيب من هذه القصة للتنبيه على أنها من الأمور البالغة في العظمة إلى حد لا يمكن استيفاء وصفه. ولما كان حرف الجر مقصوراً على إفادة التعدية في "سرى" الذي بمعنى أسرى وكان أسرى يستعمل متعدياً وقاصراً عبر به، واختير القاصر للدلالة على المصاحبة زيادة في التشريف فقال تعالى: {بعبده} أي الذي هو أشرف عباده وأحقهم بالإضافة إليه الذي لم يتعبد قط لسواه من صنم ولا غيره لرجاء شفاعة ولا غيرها. ولما كان الإسراء هو السير في الليل، وكان الشيء قد يطلق على جزء معناه بدلالة التضمن مجازاً مرسلاً، نفي هذا بقوله تعالى: {ليلاً} وليدل بتنوين التحقير على أن هذا الأمر الجليل كان في جزء يسير من الليل، وعلى أنه عليه الصلاة والسلام لم يحتج - في الإسراء والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العلي الأعلى - إلى رياضة بصيام ولا غيره، بل كان مهيئاً لذلك متأهلاً له، فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش {من المسجد الحرام} أي من الكعبة المشرفة مسجد إبراهيم عليه السلام، قيل: كان نائماً في الحطيم، وقيل: في الحجر، وقيل: في بيت أم هانىء - وهو قول الجمهور، فالمراد بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد {إلى المسجد الأقصى} أي الذي هو أبعد المساجد حينئذ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقاً من مكة المشرفة، بينهما أربعون ليلة، فصلى بالأنبياء كلهم: إبراهيم وموسى ومن سواهما - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام، ورأى من آياتنا ما قدرناه له، ورجع إلى بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من الليل وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهراً ذهاباً وشهراً إياباً، ثم وصفه بما يقتضي تعظيمه وأنه أهل للقصد فقال تعالى: {الذي باركنا} أي بما لنا من العظمة، بالمياه والأشجار وبأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات {حوله} أي لأجله فما ظنك به نفسه! فهو أبلغ من "باركنا فيه" ثم منه إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً؛ ولعله حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور فهومهم عن إدراك أدلته لو أنكروه بخلاف الإسراء، فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرها قبل ذلك، فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد الله بالمعراج؛ ثم ذكر سبحانه الغرض من الإسراء بما يزيد في تعظيم المسجد فقال: {لنريه} بعينه وقلبه {من ءاياتنا} السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليل عليه السلام ملكوت السماوات والأرض، وجعل الالتفات لتعظيم الآيات والبركات؛ روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما فأخذ اللبن فقال جبرئيل عليه السلام: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك. وعن جابر رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: حديث : لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه . تفسير : ولما كان المعول عليه غالباً في إدراك الآيات حس السمع والبصر، وكان تمام الانتفاع بذلك إنما هو بالعلم، وكان سبحانه قد خص هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كمال الحس مما يعد معه حس غيره عدماً، عبر عن ذلك كله بقوله تعالى: {إنه} أي هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء {هو} أي خاصة {السميع} أي أذناً وقلباً بالإجابة لنا والإذعان لأوامرنا {البصير *} بصراً وبصيرة بدليل ما أخبر به من الآيات، وصدقه من الدلالات، حين نعت ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء مما كان يراه وهو ينعت لهم وهم لا يرونه ولا يقاربون ذلك ولا يطمعون فيه، وقال من كان دخل منهم إلى بيت المقدس: أما النعت والله فقد أصاب، أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها، وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا ذلك اليوم نحو الثنية يشتدون، فقال قائل: هذه والله الشمس قد طلعت، فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت، يقدمها جمل أورق كما قال محمد، ثم لم يؤمنوا وقالوا: إن هذا إلا سحر مبين. قال الإمام الرازي في اللوامع: وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبصر جميع ما في الملكوت بالعين المبصرة مشاهدة لم يسترب فيه حتى روي أنه قال: حديث : رأيت ليلة أسري بي إلى العلى الذرة تدب على وجه الأرض من سدرة المنتهى تفسير : . وذلك لحدة بصره، والبصر على أقسام: بصر الروح، وبصر العقل الذي منه التوحيد، وبصر القربة الذي خص به الأولياء وهو نور الفراسة، وبصر النبوة، وبصر الرسالة. وهذه الأبصار كلها مجموعة لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً، وله زيادة بصر قيادة الرسل وسيادتهم، فإنه سيد المرسلين وقائدهم، وكان مطلعاً على الملك والملكوت كما قال: زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها - انتهى. وهذا الأخير رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " حديث : إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها" تفسير : وكان يبصر من ورائه كما يبصر من أمامه - كما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه، وفي كثير من طرقه عدم التقييد بالصلاة، وهذا صريح في أن بصره لم يكن متقيداً بالعين، بل خلق الله تعالى الأبصار في جميع أعضائه وكذا السمع، فإن كون العين محلاً لذلك وكذا الأذن إنما هو بجعل الله، ولو جعل ذلك في غيرهما لكان كما يريد سبحانه ولا مانع، ولم يكن الظلام يمنعه من نفود البصر ففي مسند أحمد حديث : عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: فقدت رحلي ليلة فمررت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يشد لعائشة رضي الله عنها، فقال: ما لك يا جابر؟ فقلت: فقدت جملي أو ذهب في ليلة ظلماء، فقال لي: هذا جملك، اذهب فخذه، فذهبت نحو ما قال لي، فلم أجده فرجعت إليه فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! ما وجدته، فقال لي: على رسلك، حتى إذا فرغ أخذ بيدي فانطلق حتى أتينا الجمل فدفعه إليّ، قال: هذا جملك تفسير : - الحديث. وروى البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء، تفسير : وروي مثل ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وقال القاضي عياض في الشفا: حكى بقي بن مخلد عن عائشة رضي الله عنها قالت، حديث : كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى في الظلمة كما يرى في الضوء، تفسير : وأسند عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: لما تجلى الله لموسى عليه الصلاة والسلام كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ. وجوز أن يكون اختصاص نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك بعد الإسراء - انتهى. وقد أخرج حديث أبي هريرة هذا الحافظ نور الدين الهيثمي في زوائد المعجمين: الأوسط والأصغر للطبراني، ولعل هذا من مناسبة تعقيب هذه الآية بذكر موسى عليه السلام. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم قوله { إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً} إلى قوله تعالى { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} الآية، كان ظاهر ذلك تفضيل إبراهيم عليه السلام على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى جميع الأنبياء لا سيما مع الأمر بالاتباع، فأعقب ذلك بسورة الإسراء، وقد تضمنت من خصائص نبيناً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وانطوت على ما حصل منه المنصوص في الصحيح والمقطوع به والمجمع عليه من أنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم - سيد ولد آدم، فاستفتحت السورة بقصة الإسراء وقد تضمنت - حسبما وقع في صحيح مسلم وغيره - إقامته بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفيهم إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء من غير استثناء، هذه رواية ثابت عن أنس رضي الله عنه، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً - أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وأنزل عليّ القرآن فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي وسطاً وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحاً وخاتماً، فقال إبراهيم عليه السلام: بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه من طريق الربيع بن أنس وذكر سدرة المنتهى وأنه تبارك وتعالى قال له: سل! فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلاً، وأعطيته ملكاً عظيماً، وكلمت موسى تكليماً، وأعطيت داود ملكاً عظيماً، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكاً عظيماً، وسخرت له الجن والإنس والشياطين والرياح، وأعطيته ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل، فقال له ربه تبارك وتعالى: قد اتخذتك حبيباً فهو مكتوب في التوراة - "محمد حبيب الرحمن" وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت أمتك هم الأولون والآخرون. وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول النبيين خلقاً وآخرهم بعثاً، وأعطيتك سبعاً من المثاني ولم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبياً قبلك، وجعلتك فاتحاً وخاتماً. وفي حديث شريك أنه رأى موسى عليه السلام في السماء السابعة قال: بتفضيل كلام الله، قال: ثم علا به فوق ذلك ما لا يعلمه إلا الله، فقال موسى: لم أظن أن يرفع عليّ أحد. وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرجه البزار حديث : في ذكر تعليمه عليه الصلاة والسلام الأذان وخروج الملك فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يا جبريل! من هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق! إني لأقرب الخلق مكاناً، وإن هذا الملك ما رأيته قط منذ خلقت قبل ساعتي هذه. وفيه: ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقدمه، فأم بأهل السماء فيهم آدم ونوحتفسير : ، وفي هذا الحديث قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين راويه: فيومئذ أكمل الله لمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم - الشرف على أهل السماوات والأرض؛ قال ابن الزبير: وقد حصل منه تفضيله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً - بالإسراء وخصوصه بذلك، ثم قد انطوت السورة على ذكر المقام المحمود، وهو مقامه في الشفاعة الكبرى، وذلك مما خص به حسبما ثبت في الصحيح وانعقد عليه إجماع أهل السنة، ولا أعلم في الكتاب العزيز سورة تضمنت من خصائصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً - الذي فضل به كافة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام مثل ما تضمنت هذه والحمد لله - انتهى. ولما ثبت بهذه الخارقة ما أخبر به عن نفسه المقدسة من عظيم القدرة على كل ما يريد، وما حباه صلى الله عليه وعلى آله وسلم به من الآيات البينات في هذا الوقت اليسير، أتبعه ما منح في المسير من مصر إلى الأرض المقدسة من الآيات في مدد طوال جداً موسى عليه السلام الذي كان أعظم الأنبياء بركة على هذه الأمة ليلة الإسراء لما أرشد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه من مراجعة الله تعالى في تخفيف الصلاة حتى رجعت من خمسين إلى خمس مع أجر خمسين، والذي كان أنهى العروج به إذ ناجاه الله وقربه رأس جبل الطور بعد الأمر بالرياضة بالصوم والتخلي أربعين يوماً، والذي تقدم في آخر النحل أن قومه اختلفوا عليه في السبت، تنفيراً من مثل حالهم، وتسلية عمن تبعهم في تكذيبهم وضلالهم، وذلك في سياق محذر للمكذبين عظائم البلاء، فقال تعالى - عاطفاً على ما تقديره، فآتينا عبدنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم الكتاب المفصل المعجز، وجعلناه هدى للخلق كافة، وتولينا حفظه فكان آية باقية حافظاً لدينه دائماً: {وءاتينا} أي بعظمتنا {موسى الكتاب} أي الجامع لخيري الدارين لتقواه وإحسانه، معظماً له بنون العظمة، فساوى بين النبيين في تعظيم الإراءة والإيتاء وخص محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإضافة آياته إلى مظهر العظمة، وكان إيتاء موسى عليه السلام الكتاب في نيف وأربعين سنة بعد أن أخرج معه بني أسرائيل من حبائل فرعون وجنوده الذين كانوا لا يحصون كثرة بتلك الآيات الهائلة التي لا يشك عاقل أن من قدر عليها لا يمتنع عليه شيء أراده، وفي هذه المدة الطويلة - بل بزيادة - كان وصول بني إسرائيل من مصر إلى هذا المسجد الذي أوصلنا عبدنا إليه ورددناه إليكم في بعض ليلة راكباً البراق الذي كان يركبه الأنبياء قبله، يضع حافره في منتهى طرفه، وبنو إسرائيل كانوا يسيرون جميع النهار مجتهدين ثم يبيتون في الموضع الذي أدلجوه منه في التيه لا يقدرون أن يجوزوه أربعين سنة - على ما قال كثير من العلماء، أو أنهم كانوا في هذه المدة يدورون حول جبل أدوم كما في التوراة، فثبت أنا إنما نفعل بالاختيار على حسب ما نراه من الحكم، ثم ذكره ثمرة كتاب موسى عليه السلام فقال تعالى: {وجعلناه} أي الكتاب، بما لنا من العظمة {هدى}. ولما كان هذا التنوين يمكن أن يكون للتعظيم يستغرق الهدى، بين الحال بقوله: {لبني إسرائيل} بالحمل على العدل في التوحيد والأحكام، وأسرينا بموسى عليه السلام وبقومه من مصر إلى بلاد المسجد الأقصى، فأقاموا سائرين إليها أربعين سنة ولم يصلوا، ومات كل من خرج منهم من مصر إلا "النقيبين الموفيين" بالعهد، فقد بان الفصل بين الإسرائين كما بان الفصل بين الكتابين، فذكر الإسراء أولاً دليل على حذف مثله لموسى عليه السلام ثانياً، وذكر إيتاء الكتاب ثانياً دليل على حذف مثله أولاً، فالآية من الاحتباك؛ ثم نبه على أن المراد من ذلك كله التوحيد اعتقاداً وعبادة بقوله تعالى: {ألا} أي لئلا {تتخذوا} بالياء التحتية في قراءة أبي عمرو، وبالفوقانية في قراءة الباقين، فنبه بصيغة الافتعال على أنه - لكثرة ما على وحدانيته من الدلائل، وله إلى خلقه من المزايا والفضائل - لا يعدل عنه إلى غيره إلا بتكلف عظيم من النفس، ومنازعة بين الهوى والعقل وما فطر سبحانه عليه النفوس من الانقياد إليه والإقبال عليه، ونفر من له همة علية ونفس أبية من الشرك بقوله منبهاً بالجار على تكاثر الرتب دون رتبة عظمته سبحانه وعد الاستغراق لها، تاركاً نون العظمة للتنصيص على المراد من دون لبس بوجه: {من دوني} وقال تعالى: {وكيلاً *} أي رباً يكلون أمورهم إليه ويعتمدون عليه من صنم ولا غيره، لتقريب إليه بشفاعة ولا غيرها - منبهاً بذكر الوكالة على سفه آرائهم في ترك من يكفي في كل شيء إلى من لا كفاية عنده لشيء، ثم أتبعه ما يدل على شرفهم بشرف أبيهم، وأنه لم ينفعهم إدلاءهم إليه - عند إرادة الانتقام - بما ارتكبوا من الإجرام، فقال - منبهاً على الاهتمام بالتوحيد والأمر بالإخلاص بالعود إلى مظهر العظمة حيث لا لبس، ناصباً على الاختصاص في قراءة أبي عمرو، وعلى النداء عند الباقين، تذكيراً بنعمة الإيحاء من الغرق: {ذرية من حملنا} أي في السفينة بعظمتنا، على ظهر ذلك الماء الذي طبق ما تحت أديم السماء، ونبه على شرفهم وتمام نعمتهم بقوله تعالى: {مع نوح} أي من أولاده وأولادهم الذين أشرفهم إبراهيم الذي كان شاكراً ثم إسرائيل عليهما السلام، لأن الصحيح أن من كان معه من غيرهم ماتوا ولم يعقبوا، ولم يقل: ذرية نوح، ليعلم أنهم عقب أولاده المؤمنين لتكون تلك منة أخرى؛ ثم نبه على تقواه وإحسانه حثاً على الاقتداء به بقوله: {إنه كان} أي كوناً جبلياً {عبداً شكوراً *} أي مبالغاً في الشكر الذي هو صرف جميع ما أنعم الله به فيما خلقه له فأحسن إليه لشكره بأن جعل في ذريته النبوة والكتاب كما فعل بإبراهيم عليه السلام لأنه كان شاكراً، فاقتدوا بهذين الأبوين العظيمين في الشكر يزدكم، ولا تقلدوا غيرهما في الكفر يعذبكم، وخص نوحاً عليه السلام لأنه ما أملى لأحد ما أملى لقومه ولا أمهل أحداً ما أمهلهم، ثم أهلكهم أجمعين كما أومأ إليه قوله { حملنا} إهلاك نفس واحدة، ثم أذهب الماء بعد إغراقهم بالتدريج في مدة طويلة، فثبت أنه منزه عن العجلة، وأنه سبحانه تارة يفعل الأمور الكثيرة الشاقة في أسرع وقت، وترة يعمل ما هو دونها في أزمان طوال، فبان كالشمس أنه إنما يفعل على حسب ما يريد مما تقتضيه حكمته؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:حديث : أتي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مما ذلك؟ يجمع الله الناس: الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فذكر حديث الشفاعة العظمى وإتيانهم الأنبياء آدم وبعده أولي العزم عليهم الصلاة والسلام، وأنهم يقولون لنوح عليه السلام: وقد سماك الله عبداً شكوراً، وكلهم يتبرأ ويحيل على من بعده إلى أن وصل الأمر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربنا، ألا ترى إلى ما نحن فيه، فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع! فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده! إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرىتفسير : ثم أتبع ذلك ما يدل على شرف كتاب موسى وصحة نسبته إليه تعالى بما يقتضي شمول العلم وتمام القدرة بما كشف عنه الزمان من صدق إخباره، وفظاظة وعيده وإنذاره، تنبيهاً على أن من كذب بكتابه أهلكه كائناً من كان وإن طال إمهاله، فلا تغتروا بحلمه لأن الملوك لا تقر على أمر يقدح في ملكها، فقال تعالى: {وقضينا} أي بعظمتنا بالوحي المقطوع به، منزلين ومنهين {إلى بني إسرائيل} أي عبدنا يعقوب عليه السلام الذي كان أطوع أهل زمانه لنا {في الكتاب} الذي أوصلناه إليهم على لسان موسى عليه السلام {لتفسدن} أكد بالدلالة على القسم باللام لأنه يستبعد الإفساد مع الكتاب المرشد {في الأرض} أي المقدسة التي كأنها لشرفها هي الأرض بما يغضب الله {مرتين ولتعلن} أي بما صرتم إليه من البطر لنسيان المنعم {علواً كبيراً *} بالظلم والتمرد، ولا ينتقم منكم إلا على حسب ما تقتضيه حكمتنا في الوقت الذي نريد بعد إمهال طويل؛ والقضاء: فصل الأمر على إحكام {فإذا جاء وعد أولاهما} أي وقته الذي حددناه له للانتقام فيه {بعثنا} أي بعظمتنا؛ ونبه على أنهم أعداء بقوله: {عليكم} ونبه على عظمته، قدرته وسعة ملكه بقوله تعالى: {عباداً لنا} أي لا يدان لكم بهم لما وهبنا لهم من عظمتنا {أولي بأس} أي عذاب وشدة في الحرب شديدة {شديد فجاسوا} أي ترددوا مع الظلم والعسف وشديد السطوة؛ والجوس: طلب الشيء باستقصاء {خلال} أي بين {الديار} الملزوم لقهر أهلها وسفولهم بعد ذلك العلو الكبير؛ والخلال: انفراج ما بين الشيئين وأكثر لضرب من الوهن {وكان} أي ذلك البعث ووعد العقاب به {وعداً مفعولاً *} أي لا شك في وقوعه ولا بد أن يفعل لأنه لا حائل بيننا وبينه، ولا يبدل القول إلا عاجز أو جاهل؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم جالوت وجنوده؛ وعن سعيد بن المسيب أنهم بختنصر وجنوده؛ وعن الحسن: العمالقة؛ وعن سعيد بن جبير: سنجاريب وجنوده؛ قال في السفر الخامس من التوراة إشارة إلى هذه المرة الأولى - والله أعلم: وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم لم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه التي آمركم بها اليوم، ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص عليكم كله، ويدرككم العقاب، وتكونوا ملعونين في القرية والسفر وفي الخصر، ويلعن نسلكم وثمار أرضكم، وتكونوا ملعونين إذا دخلتم، وملعونين إذا خرجتم، ينزل بكم الرب البلاء والحشرات، وينزل بكم الضربات الشديدة وبكل شيء تمدون أيديكم إليه لتعملوه حتى يهلككم ويتلفكم سريعاً، من أجل سوء أعمالكم وترككم لعبادتي، يسلط الله عليكم الموت فيهلككم من الأرض التي تدخلونها لترثوها، يضربكم الله بحيران العقل والبهق والبرص، وبالحريق باشتمال النار، وباليرقان والجرب والسموم، ويسلط عليكم هذه الشعوب حتى تهلكوا، وتكون السماء التي فوقكم عليكم شبه النحاس، والأرض التي تحتكم شبه الحديد، ويصير الرب مطر أرضهم غباراً ويكسركم الرب بين يدي أعدائكم، تخرجون إليهم في طريق واحدة وتهربون في سبعة طرق، وتكونون مثلاً وفزعاً لجميع مملكات الأرض، وتكون جيفكم طعاماً لجميع السباع وطيور السماء، ولا يذب أحد عنكم، ويضربكم الرب بالجراحات التي ضرب بها أهل مصر، ويبليكم بالبرص والزحير وبالحكة، ولا يكون لكم شفاء من ذلك، ويضربكم الرب بالعمى والكمه ورعب القلب، وتكونون تجسسون في الظهيرة مثل ما يتجسس العميان، ولا يتم شيء مما تعملون، ولا يكون له تمام، وتكونون مقهورين مظلومين مغصوبين كل أيام حياتكم ولا يكون لكم منقذ، تخطبون المرأة فيتزوجها غيركم، وتبنون بيتاً ويسكنه غيركم، وتغرسون كروماً ولا تعصرون منها، وتذبحون ثيرانكم بين أيديكم ولا تأكلون منها شيئاً، ويؤخذ حمارك ظلماً ولا تقدر أن تخلصه، ويسوق العدو أغنامكم ولا يكون لكم منقذ، ويسبي بنيك وبناتك شعب آخر وتنظر إليهم ولا تقدر لهم على خلاص، وتشقى وتغتم نهارك كله أجمع ولا يكون لك حيلة، وثمار أرضك وكل كدك يأكله شعب لا تعرفه، وتكون مضطهداً مظلوماً طول عمرك، ويضربك الرب بجرح رديء على ركبتيك وساقيك ولا يكون لك، ويسلط عليك الجراحات من قرنك إلى قدمك ويسوقك الرب، ويسوق ملكك الذي ملكته عليك إلى شعب لم يعرفه أبوك، وتعبد هناك آلهة عملت من خشب وحجارة، وتكون مثلاً وعجباً ويفكر فيك كل من يسمع خبرك ثم قال: ويولد لك بنون وبنات ولا يكونون لك بل يسبون، وينطلق بهم مسبيين. ثم قال: ويسلط الرب عليك شعباً يأتيك وأنت جائع ظمآن، وتخدم أعداءك الذين يسلطهم الله عليك من بعيد من أقصى الأرض، ويسرع إليك مثل طيران النسر شعب لا تعرف لغتهم شعب وجوههم صفيقة لا تستحيي من الشيوخ، ولا ترحم الصبيان، ويضيق عليك في جميع قراك حتى يظفر بسوراتك المشيدة التي تتوكل عليها وتثق بها، وتضطر حتى تأكل لحم ولدك من الحاجة والضيق الذي يضيق عليك عدوك، والرجل المدلل منكم المتلذذ المفيق تنظر عيناه إلى أخيه وحليلته وإلى من بقي من ولده جائعاً ولا يعطيهم من لحم ابنه الذي يأكل، لأنه لا يبقى عنده شيء من الاضطهاد والضيق الذي يضيق عليك عدوك في كل قراك، والمرأة المخدرة المدللة المفيقة التي لم تطأ الأرض قدماها من الدلال تنظر عيناها إلى زوجها وإلى ابنها وبنتها وإلى ولدها التي تلد، وهي تأكلهم، وذلك من الحاجة والفقر وعدم الطعام مما يضيق عليك عدوك ويضطهدك في جميع قراك.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن حذيفة أنه قرأ "سبحان الذي أسرى بعبده من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى". وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً} قال: {سبحان} تنزيه الله تعالى {الذي أسرى} بمحمد صلى الله عليه وسلم {من المسجد الحرام} إلى بيت المقدس، ثم رده إلى المسجد الحرام. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول: شعر : قلت له لما علا فخره سبحان من علقمة الفاجر تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه من طريق ثابت، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه... فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن فقال جبريل: اخترت الفطرة. ثم عرج بنا إلى سماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإبني الخالة، عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا، فرحّبا بي ودعوا إلي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بموسى، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها فيها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى إلي ما أوحى وفرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب، خفف عن أمتي. فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمساً، فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي وموسى حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات لكل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحيت منه ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس قال: "حديث : ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة، جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم. فقال أحدهم: خذوا خيرهم. فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه، وتنام عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب محشواً إيماناً وحكمة فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب باباً من أبوابها فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحباً به وأهلاً. ووجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلم عليه ورد عليه آدم وقال: مرحباً وأهلاً بإبني... نعم الإبن أنت. فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال: ما هذان النهرين يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما. ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر. قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك. ثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا به وأهلاً. ثم عرج به إلى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية. ثم عرج به إلى السماء الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى الخامسة فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السابعة فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: رب لم أظن أن ترفع عليّ أحداً، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما يوحي إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إلي، خمسين صلاة كل يوم وليلة. قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، ارجع فليخفف عنك ربك وعنهم. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يستشيره فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار تبارك وتعالى فقال وهو مكانه: يا رب، خفف عنا...؛ فإن أمتي لا تستطيع ذلك. فوضع عنه عشر صلوات. ثم رجع إلى موسى واحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل على أدنى من هذا فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً، فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك. يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم، فخفف عنا. فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك وسعديك. قال: إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب، وكل حسنة بعشر أمثالها. فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك. فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها. فقال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفف عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا موسى، قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه. قال: فاهبط بسم الله. واستيقظ وهو في المسجد الحرام ". تفسير : وأخرج النسائي وابن مردويه من طريق يزيد بن أبي مالك، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتيت ليلة أسرى بي بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها... كانت تسخّر للأنبياء قبلي، فركبته معي جبريل فسرت، فقال: انْزِلْ فَصَلِّ. ففعلت... فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر إن شاء الله. ثم قال: انزل فصَلِّ. ففعلت فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى، ثم قال: انزل فَصلِّ. فصليت فقال أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى. ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء عليهم السلام، فقدَّمني جبريل فصليت بهم. ثم صعد بي إلى السماء الدنيا فإذا فيها آدم فقال لي: سلم عليه فقال: مرحباً بإبني والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فإذا فيها يوسف. ثم صعد بي إلى السماء الرابعة، فإذا فيها هارون. ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فإذا فيها إدريس. ثم صعد بي إلى السماء السادسة فإذا فيها موسى، ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا فيها إبراهيم، ثم صعد بي إلى فوق السبع سموات، وأتيت سدرة المنتهى فغشيتني ضبابة... فخررت ساجداً، فقيل لي: إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك، فمررت على إبراهيم فلم يسألني شيئاً، ثم مررت على موسى فقال لي: كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: إنك لن تستطيع أن تقوم بها أنت ولا أمتك، فاسأل ربك التخفيف. فرجعت فأتيت سدرة المنتهى فخررت ساجداً... فقلت: يا رب، فرضت علي وعلى أمتي خمسين صلاة، فلن أستطيع أن أقوم بها أنا ولا أمتي... فخفف عني عشراً. فمررت على موسى فسألني فقلت: خفف عني عشراً. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فخفف عني عشراً ثم عشراً حتى قال: هن خمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك. فعلمت أنها من الله صرى. فمررت على موسى فقال لي: كم فرض عليك؟ فقلت: خمس صلوات، فقال: فرض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما، فقلت: إنها من الله فلم أرجع ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن يزيد بن أبي مالك، عن أنس رضي الله عنه قال: "حديث : لما كان ليلة أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاه جبريل عليه السلام بدابة فوق الحمار ودون البغل. حمله جبريل عليها ينتهي خفها حيث ينتهي طرفها, فلما بلغ بيت المقدس أتى إلى الحجر الذي ثمة، فغمزه جبريل عليه السلام بإصبعه فثقبه، ثم ربطها ثم صعد... فلما استويا في صرحة المسجد قال جبريل: يا محمد، هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ قال: نعم. قال: فانطلق إلى أولئك النسوة فسلّم عليهن، وهن جلوس عن يسار الصخرة. فأتيتهن فسلَّمت عليهن فرددن عليَّ السلام، فقلت: من أنتن؟ فقلن: خيرات حسان... نساء قوم أبرار نقوا فلم يدرنوا، وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا. ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيراً حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة، فقمنا صفوفاً فانتظرنا من يؤمنا، فأخذ جبريل بيدي فقدّمني... فصليت بهم، فلما انصرفت قال جبريل: يا محمد، أتدري من صلَّى خلفك؟ قلت: لا. قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله. ثم أخذ بيدي فصعد بي إلى السماء، فلما انتهينا إلى الباب استفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتحوا له وقالوا: مرحباً بك وبمن معك. فلما استوى على ظهرها إذا فيها آدم. فقال لي جبريل: ألا تسلِّم على أبيك آدم؟ قلت: بلى... فأتيته فسلمت عليه، فردّ عليّ وقال لي: مرحباً بابني والنبي الصالح. ثم عرج بي إلى السماء الثانية فاستفتح فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها عيسى ويحيى. ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها يوسف. ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها إدريس. ثم عرج بي إلى السماء الخامسة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها هارون. ثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها موسى. ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها إبراهيم. ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى بي إلى نهر عليه خيام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد، وعليه طير خضر أنعم طير رأيت. فقلت: يا جبريل، إن هذا الطير لناعم. قال: يا محمد، آكله انعم منه. ثم قال: اتدري أي نهر هذا؟ قلت: لا. قال: الكوثر الذي أعطاك الله إياه، فإذا فيه آنية الذهب والفضة تجري على رضراض من الياقوت والزمرّد، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، فأخذت من آنيته فاغترفت من ذلك الماء فشربت فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك. ثم انطلق بي حتى انتهى إلى الشجرة، فغشيتني سحابة فيها من كل لون، فرفضني جبريل وخررت ساجداً لله. فقال الله لي: يا محمد، إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك. ثم انجلت عني السحابة وأخذ بيدي جبريل فانصرفت سريعاً، فأتيت على إبراهيم فلم يقل لي شيئاً، ثم أتيت على موسى فقال: ما صنعت يا محمد؟ قلت: فرض عليَّ وعلى أمتي خمسين صلاة. قال: فلن تستطيع أنت ولا أمتك. فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك. فرجعت سريعاً حتى انتهيت إلى الشجرة، فغشيتني السحابة وخررت ساجداً وقلت: ربي، خفف عنّا. قال: قد وضعت عنكم عشراً. ثم انجلت عني السحابة، فرجعت إلى موسى فقلت: وضع عني عشراً. قال: ارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنكم. فوضع عشراً إلى أن قال: هن خمس بخمسين، ثم انحدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما لي لم آت على أهل سماء إلا رحبوا بي وضحكوا إلي، غير رجل واحد سلمت عليه فرد علي السلام ورحب بي ولم يضحك إلي؟! قال: ذاك مالك خازن النار، لم يضحك منذ خلق ولو ضحك لأحد لضحك إليك. قال: ثم ركبت منصرفاً، فبينما هو في بعض طريقه مرّ بعير من قريش تحمل طعاماً منها جمل عليه غرارتان، غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذى العير نفرت منه واستدارت وصرع ذلك البعير وانكسر، ثم إنه مضى فأصبح فأخبر عما كان، فلما سمع المشركون قوله أتوا أبا بكر رضي الله عنه فقالوا: يا أبا بكر، هل لك في صاحبك؟ يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ثم رجع من ليلته...! فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن كان قاله فقد صدق، وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا، نصدقه على خبر السماء. فقال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما علامة ما تقول؟ قال: مررت بعير لقريش وهي في مكان كذا وكذا، فنفرت العير منا واستدارت... وفيها بعير عليه غرارتان: غرارة بيضاء، وغرارة سوداء. فصرع فانكسر، فلما قدمت العير سألوهم فأخبروهم الخبر على مثل ما حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك سمي أبو بكر (الصديق) وسألوه: هل كان فيمن حضر معك موسى وعيسى؟ قال: نعم. قالوا: فصفهما. قال: أما موسى، فرجل آدم كأنه من رجال ازد عمان. وأما عيسى، فرجل ربعة سبط، تعلوه حمرة كأنه يتحادر من لحيته الجمان ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة، عن أنس رضي الله عنه قال: "حديث : لما جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق، فكأنها هزت أذنيها فقال جبريل: يا براق، فوالله ما ركبك مثله. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو بعجوز على جانب الطريق، فقال: ما هذه يا جبريل؟ قال: سر يا محمد. فسار ما شاء الله أن يسير فإذا شيء يدعوه متنحياً عن الطريق يقول: هلم يا محمد، فقال له جبريل: سر يا محمد. فسار ما شاء الله أن يسير فلقيه خلق من خلق الله فقالوا: السلام عليك يا أول... السلام عليك يا آخر... السلام عليك يا حاشر. فقال له جبريل عليه السلام: اردد السلام. فرد السلام، ثم لقيه الثانية فقال له مثل ذلك، ثم الثالثة كذلك حتى انتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الماء والخمر واللبن، فتناول رسول الله اللبن. فقال له جبريل عليه السلام: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغوت أمتك، ثم بعث له آدم عليه السلام فمن دونه من الأنبياء، فأمّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، ثم قال جبريل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق، فلم يبق من الدنيا إلا ما بقي من عمر تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل إليه، فذاك عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه. وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق كثير بن خنيس، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بينما أنا مضطجع في المسجد ليلة نائماً، إذ رأيت ثلاثة نفر أقبلوا نحوي، فقال الأول: هو... هو. قال الأوسط: نعم. قال الآخر: خذوا سيد القوم، فرجعوا عني، ثم رأيتهم الليلة الثانية، فقال الأول: هو... هو. قال الأوسط: نعم. قال الآخر: خذوا سيد القوم، فرجعوا عني حتى إذا كانت الليلة الثالثة رأيتهم، فقال الأول هو هو. وقال الأوسط: نعم. وقال الآخر: خذوا سيد القوم، حتى جاؤوا بي زمزم فاستلقوني على ظهري ثم غسلوا حشوة بطني، ثم قال بعضهم لبعض: أنقوا. ثم أتى بطست من ذهب مملوءة حكمة وإيماناً، فأفرغ في جوفي. ثم عرج بي إلى السماء فاستفتح فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. ففتح...فإذا آدم إذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى. قلت: يا جبريل، من هذا...!؟ قال: هذا أبوك آدم، إذا نظر عن يمينه رأى من في الجنة من ذريته ضحك، وإذا نظر عن يساره رأى من في النار من ذريته بكى . تفسير : ثم قال أنس بن مالك: يا ابن أخي إنه يطول علي الحديث. حديث : ثم عرج بي حتى جاء السماء السادسة فاستفتح... فقال: من هذا؟ قال: جبريل. قال: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. ففتح فإذا موسى. ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح... قيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. ففتح فإذا إبراهيم، قال مرحباً بالابن والرسول. ثم مضى حتى جاء الجنة فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. ففتح الباب. قال: فدخلت الجنة فأُعْطِيتُ الكوثر، فإذا نهر في الجنة عضادتاه بيوت مجوفة من لؤلؤ، ثم مضى حتى جاء سدرة المنتهى {فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى} [النجم: 9] ففرض عليّ وعلى أمتي خمسين صلاة، فرجعت حتى أمر موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك. فرجعت إليه فوضع عني عشراً، فمررت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟ فقلت: أربعين صلاة. قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك. فرجعت إليه فوضع عني عشراً، فمررت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت: ثلاثين صلاة. قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك. فرجعت إليه فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت: عشرين صلاة. قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك. فرجعت فوضع عني عشراً، ثم مررت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت: عشر صلوات. قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك. فرجعت فوضع عني خمساً. ثم قال: إنه لا يبدل قولي ولا ينسخ كتابي، تخفيفها عنكم كتخفيف خمس صلوات، وإنها لكم كأجر خمسين صلاة. فمررت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت: خمس صلوات. قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك. فإن بني إسرائيل قد أُمِرُوا بأيسر من هذا فلم يطيقوه. قال: لقد رجعت إلى ربي حتى إني لأستحي منه ". تفسير : وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وصححه، عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: "حديث : قلنا يا رسول الله، كيف أسري بك؟ فقال: صليت بأصحابي العتمة بمكة معتماً، فأتاني جبريل بدابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل وقال: اركب، فاستصعبت علي فأدارها بأذنها ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا... يقع حافرها حيث أدرك طرفها حتى بلغنا أرضاً ذات نخل، فقال: انزل. فنزلت فقال: صَلِّ. فصليت، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بيثرب... صليت بطيبة، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضاً فقال: انزل. فنزلت. فقال: صلِّ فصليت، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بمدين، صليت عند شجرة موسى، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضاً بدت لنا قصورها، فقال: انزل فنزلت، ثم قال: صَلِّ فصليت، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ فقلت: الله أعلم. فقال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى المسيح ابن مريم، ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، فأتى قبلة المسجد فربط فيه الدابة، ودخلنا المسجد من باب فيه تميل الشمس والقمر فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشد ما أخذني فأُتيتُ بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر عسل، أُرْسِلَ إلي بهما جميعاً فعدلت بينهما، فهداني الله فأخذت اللبن فشربت حتى فرغت منه، وكان إلى جانبي شيخ متكئ على منبره فقال: أخذ صاحبك الفطرة وإنه لمهدي. ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي في المدينة، فإذا جهنم تنكشف عن مثل الزرابي فقلنا: يا رسول الله، كيف وجدتها؟ قال: مثل الحمة السخنة. ثم انصرف بي فمررنا بعير قريش بمكان كذا وكذا، وقد أضلوا بعيراً لهم قد جمعه فلان، فسلّمت عليهم فقال بعضهم: هذا صوت محمد، ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة فأتاني أبو بكر فقال: يا رسول الله، أين كنت الليلة؟ قد التمستك في مكانك. فقلت: أعلمت أني أتيت بيت المقدس الليلة؟ فقال: يا رسول الله، إنه مسيرة شهر فصفه لي. قال: ففتح لي صراط كأني أنظر إليه، لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم عنه. فقال أبو بكر رضي الله عنه: أشهد أنك رسول الله. وقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة، زعم أنه أتى بيت المقدس الليلة فقال: إن من آية ما أقول لكم: أني مررت بعير لكم بمكان كذا وكذا وقد أضلوا بعير لهم فجمعه فلان، وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم كذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه شيخ أسود وغرارتان سوداوان، فلما كان ذلك اليوم أشرف القوم ينظرون حتى كان قريباً من نصف النهار قدمت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه من طريق قتادة رضي الله عنه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن مالك بن صعصعة حدثه أن رسول الله حدثهم عن ليلة أسري به قال: "حديث : بينما أنا في الحطيم - وربما قال قتادة رضي الله عنه - في الحجر مضطجعاً، إذ أتاني آت فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة، فأتاني فشق ما بين هذه إلى هذه - يعني من ثغر نحره إلى شعرته - فاستخرج قلبي، فأوتيت بطست من ذهب مملوء إيماناً وحكمة فغسل قلبي بماء زمزم ثم حشى ثم أعيد مكانه. ثم أوتيت بدابة أبيض دون البغل وفوق الحمار يقال له البراق، يقع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى بي السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا فلما خلصت فإذا فيها آدم فقلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم عليه السلام، فسلم عليه. فسلمت عليه فرد علي السلام ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم صعد حتى أتى إلى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة فقلت: يا جبريل، من هذان؟ قال: هذان يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردا السلام ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد حتى أتى إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا فلما خلصت إذا يوسف فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد حتى أتى إلى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا فلما خلصت إذا إدريس فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح, ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. فلما خلصت إذا هارون فسلمت عليه فرد عليّ السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح, ثم صعد حتى أتى إلى السماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا فلما خلصت إذا أنا بموسى فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى. قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بُعِثَ بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي. ثم صعد حتى أتى إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا فلما خلصت إذا إبراهيم، قلت: من هذا يا جبريل قال: هذا أبوك إبراهيم فسلّم عليه، فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة وإذا أربعة أنهار يخرجن من أصلها: نهران باطنان: ونهران ظاهران، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار...!؟ فقال: أما الباطنان، فنهران في الجنة. وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع إليَّ البيت المعمور قلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه، آخر ما عليهم. ثم أُتِيتُ باناءين أحدهما خمر والآخر لبن، فعرضا عليّ فقيل: خذ أيهما شئت فأخذت اللبن فقيل لي: أصبت الفطرة، أنت عليها وأمتك. ثم فرضت عليَّ الصلاة خمسون صلاة كل يوم، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فرجعت إلى ربي فحط عني خمساً، فأقبلت حتى أتيت على موسى فأنبأته بما حط فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا يطيقون ذلك. قال: فما زلت بين موسى وبين ربي يحط عني خمساً خمساً حتى أقبلت بخمس صلوات، فأتيت على موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: بخمس صلوات كل يوم. قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك... إني قد بلوت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فقلت: لقد رجعت إلى ربي حتى لقد استحيت، ولكني أرضى وأسلم فنوديت أن يا محمد، إني قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي الحسنة بعشر أمثالها ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه وابن مردويه من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يحدث أن رسول الله قال: "حديث : فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بما زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغه في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء، فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل عليه السلام لخازن السماء: افتح. قال: من هذا؟ قال: جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمد. قال: أرسل إليه؟ قال: نعم. ففتح، فلما علونا السماء الدنيا إذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعلى يساره أسودة، فإذا نظر قبل يمينه تبسم وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة. والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى، ثم عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها افتح. فقال له خازنها مثل ما قال الأول، ففتح ". تفسير : قال أنس رضي الله عنه: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم. قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبّة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام". تفسير : قال ابن حزم وأنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى فقال: ما فرض الله على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة. قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك. فراجعت ربي فقال: هي خمس وهن خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: ارجع إلى ربك. قلت: قد استحيت من ربي. ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيتها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله بالمدينة عن ليلة أسري به من مكة إلى المسجد الأقصى قال: "حديث : بينا أنا نائم عشاء بالمسجد الحرام إذ أتاني آت فأيقظني، فاستيقظت فلم أر شيئاً وإذا أنا بكهيئة خيال فأتبعته بصري حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة أدنى شبهة بدوابكم هذه بغالكم، غير أنه مضطرب الأذنين يقال له البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي... يقع حافره عند مد بصره فركبته فبينا أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد، انظرني أسألك. فلم أجبه، ثم دعاني داع عن شمالي يا محمد، انظرني أسألك فلم أجبه، فبينا أنا سائر إذا بامرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينةٍ خَلَقَهَا الله، فقالت: يا محمد، أنظرني أسألك. فلما ألتفت إليها حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء عليهم السلام توثقها بها، ثم أتاني جبريل عليه السلام باناءين أحدهما خمر والآخر لبن فشربت اللبن وتركت الخمر، فقال جبريل: أصبت الفطرة، أما أنك لو أخذت الخمر غوت أمتك. فقلت: الله أكبر... الله أكبر... فقال جبريل: ما رأيت في وجهك هذا؟ قلت: بينا أنا اسير إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد، أنظرني أسألك فلم أجبه. قال: ذاك داعي اليهود، أما أنك لو أجبته لتهوّدت أمتك. قلت: وبينا أنا أسير إذ دعاني داع عن يساري: يا محمد، أنظرني أسألك، فلم أجبه. قال: ذاك داعي النصارى، أما أنك لو أجبته لتنصرت أمتك، فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة، تقول: يا محمد، أنظرني أسألك فلم أجبها. قال: تلك الدنيا أما أنك لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة. ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين، ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم تر الخلائق أحسن من المعراج..! أما رأيت الميت حين رمى بصره طامحاً إلى السماء عَجَبُهُ بالمعراج...؟ فصعدت أنا وجبريل فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك، مع كل ملك جنده مائة ألف. فاستفتح جبريل باب السماء قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: قد بعث إليه؟ قال: نعم، فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته لم يتغير منه شيء، وإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول: روح طيبة ونفس طيبة، اجعلوها في عليين. ثم تعرض عليه أرواح ذريته الكفار الفجار فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجّين. فقلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم فسلَّم عليّ ورحب بي فقال: مرحباً بالابن الصالح. ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأخونة عليها لحم قد أروح وأنتن، عندها أناس يأكلون منها. قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام. وفي لفظ: فإذا أنا بقوم على مائدة عليها لحم مشوي كأحسن ما رأيت من اللحم وإذا حوله جيف، فجعلوا يقبلون على الجيف يأكلون منها ويدعون اللحم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة... عمدوا إلى ما حرم الله عليهم وتركوا ما أحل الله لهم، ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بقوم بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خرّ يقول: الله لا تقم الساعة وهم على سابلة آل فرعون، فتجيء السابلة فتطؤهم، فسمعتهم يضجون إلى الله قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء من أمتك الذين يأكلون الربا، لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام لهم مشافر كمشافر الإبل قد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار، ثم يخرج من أسافلهم، فسمعتهم يضجون إلى الله. قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك {الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً} ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بنساء يُعَلَّقْنَ بثديهن، ونساء مُنَكّسَاتٍ بأرجلهن، فسمعتهن يَضْجُجْنَ إلى الله، قلت يا جبريل من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن، ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، ثم يدس في أفواههم، ويقول: كلوا مما أكلتم، فإذا أكره ما خلق الله لهم ذلك. قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون الذين يأكلون لحوم الناس. ثم صعدنا إلى السماء الثانية، فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب! قلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي, ثم صعدنا إلى السماء الثالثة، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى ومعهما نفر من قومهما شبيه أحدهما بصاحبه ثيابهما وشعرهما، فسلمت عليهما وسلما علي ورحبا بي, ثم صعدنا إلى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكاناً عليا، فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي, ثم صعدنا إلى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء، تكاد لحيته تصيب سرته من طولها، قلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا المحبب في قومه... هذا هرون بن عمران ومعه نفر كثير من قومه، فسلمت عليه وسلم عليّ ورحب بي ثم صعدنا إلى السماء السادسة فإذا أنا بموسى بن عمران رجل آدم كثير الشعر، وكان عليه قميصان خرج شعره منهما، وإذا هو يقول: يزعم الناس أني أكرم الخلق على الله وهذا أكرم على الله مني، ولو كان وحده لم أبال، ولكن كل نبي ومن تبعه من أمته. قلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي, ثم صعدنا إلى السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم، وإذا هو جالس مسند ظهره إلى البيت المعمور ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي وقال: مرحباً بالابن الصالح، فقيل لي: هذا مكانك ومكان أمتك، ثم تلا {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} [آل عمران: 68] وإذا بأمتي شطرين: شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمد. ثم دخلت البيت المعمور ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد، وهم على خير. فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي قال: والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه إلى يوم القيامة. ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا كل ورقة منها تكاد تغطي هذه الأمة، وإذا في أصلها عين تجري يقال لها سلسبيل فيشق منها نهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ فقال: أما هذا، فهو نهر الرحمة، وأما هذا، فهو نهر الكوثر الذي أعطاكه الله. فاغتسلت في نهر الرحمة فغفر لي من ذنبي ما تقدم وما تأخر، ثم أخذت على الكوثر حتى دخلت الجنة فإذا فيها ما لا عين رأت وما لا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإذا أنا بأنهار من ماء غير آسن، وأنها من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى. وإذا فيها رمان كأنه جلود الإبل المقتبة، وإذا فيها طير كأنها البخت. قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، إن تلك الطير لناعمة؟ قال: آكلها أنعم منها يا أبا بكر، وإني لأرجو أن تأكل منها. قال: ورأيت فيها جارية لعساء، فسألتها لمن أنت؟ فقالت: لزيد بن حارثة. فبشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً. ثم عرضت عليّ النار فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته، ولو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها ثم غلقت دوني. ثم إني رفعت إلى سدرة المنتهى فتغشاها فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى، ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة، ثم إن الله أمرني بأمره وفرض عليّ خمسين صلاة وقال: لك بكل حسنة عشر، إذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة فإذا عملتها كتبت لك عشراً؛ وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء، فإن عملتها كتبت عليك سيئة واحدة. ثم دفعت إلى موسى فقال: بم أمرك ربك؟ قلت: بخمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا يطيقون ذلك. فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب، خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم. فوضع عني عشراً... فما زلت أختلف بين موسى وبين ربي حتى جعلها خمساً، فناداني ملك: عندها تمت فريضتي وخففت عن عبادي، فأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها. ثم رجعت إلى موسى فقال: بم أُمِرْتَ؟ قلت: بخمس صلوات: قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييته. ثم أصبح بمكة يخبرهم العجائب: إني رأيت البارحة بيت المقدس وعرج بي إلى السماء ثم رأيت كذا وكذا، فقال أبو جهل: ألا تعجبون مما يقول محمد؟ قال: فأخبرته بعير لقريش لما كانت في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا وأنها نفرت، فلما رجعت رأيتها عند العقبة وأخبرتهم بكل رجل، وبعيره كذا ومتاعه كذا. فقال رجل: أنا أعلم الناس ببيت المقدس... فكيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل؟ فرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس فنظر إليه فقال: بناؤه كذا وهيئته كذا وقربه من الجبل كذا. فقال: صدقت ". تفسير : وأخرج البزار وأبو يعلى وابن جرير ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا من حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي ومعه ميكائيل، فقال جبريل لميكائيل عليهما السلام: ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح صدره. فشق عن بطنه فغسله ثلاث مرات واختلف إليه ميكائيل عليه السلام بثلاث طساس من ماء زمزم، فشرح صدره ونزع ما كان فيه من غلّ وملأه حلماً وعلماً وإيماناً ويقيناً وإسلاماً، وختم بين كتفيه بخاتم النبوّة، ثم أتاه بفرس فحمل عليه... كل خطوة منه منتهى بصره. فسار وسار معه جبريل، فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم... كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا جبريل، ما هذا..!؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله يضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه. ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين تثتاقل رؤوسهم عن الصلاة, ثم أتى على قوم على اقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع... يسرحون كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، قال: ما هؤلاء يا جبريل...!؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله شيئاً, ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ولحم آخر نيء خبيث، فجعلوا يأكلون من النيء الخبيث ويتركون النضيج الطيب. قلت: ما هؤلاء يا جبريل!؟ قال: هذا الرجل من أمتك... تكون عنده المرأة الحلال فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيباً فتأتي رجلاً خبيثاً تبيت معه حتى تصبح, ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته، قال: ما هذا يا جبريل...!!؟ قال: هذا مثل أقوام من أمتك... يقعدون على الطريق فيقطعونه. ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك يكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها, ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم بمقاريض من نار... كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: ما هؤلاء يا جبريل...!؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة. ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع. قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها. ثم أتى على واد فوجد ريحاً طيبة باردة وريح مسك، وسمع صوتاً فقال: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا صوت الجنة... تقول: يا رب، ائتني بما وعدتني فقد كثرت غرفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي واكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي وعسلي ومائي ولبني وخمري، فائتني ما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة. قالت: رضيت. ثم أتى على وادٍ فسمع شكوى ووجد ريحاً منتنة فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا صوت جهنم، تقول: رب ائتني بما وعدتني، فلقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حري فائتني ما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب. قالت: قد رضيت. ثم سار حتى أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة عليهم السلام... فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل، من هذا معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء. ثم لقي أرواح الأنبياء عليهم السلام فأثنوا على ربهم، فقال إبراهيم عليه السلام: الحمد لله الذي اتخذني خليلاً وأعطاني ملكاً عظيماً وجعلني أمة قانتاً يؤتم بي، وأنقذني من النار وجعلها عليّ برداً وسلاماً. ثم إن موسى عليه السلام أثنى على ربه عز وجل فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليماً وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي {أية : أمَّةٌ يهدون بالحق وبه يعدلون} تفسير : [الأعراف: 159] ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملك عظيماً، وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب. ثم إن سليمان عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح، وسخر لي الشياطين يعملون ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وآتاني من كل شيء فضلاً، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير، وفضلني على كثير من عباده المؤمنين، وآتاني ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي ملكاً طيباً، ليس فيه حساب، ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته وجعل مثلي مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهرني وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل. ثم إن محمد صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه عز وجل فقال: "حديث : كلكم أثنى على ربه وإني مثن على ربي" تفسير : فقال: "حديث : الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وأنزل علي الفرقان فيه تبيان لكل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي أمة وسطاً، وجعل أمتي هم الأولون والآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحاً وخاتماً". تفسير : فقال إبراهيم عليه السلام: بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وسلم. ثم: أتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فأتي بإناء منها فيه ماء، فقيل: اشرب، فشرب منه يسيراً، ثم رفع إليه إناء آخر فيه لبن، فقيل: اشرب، فشرب منه حتى روي، ثم رفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له: اشرب، فقال: لا أريده قد رويت. فقال له جبريل: - عليه السلام - أما إنها ستحرم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا قليل. ثم صعدوا بي إلى السماء فاستفتح، فقيل: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء، كما ينقص من خلق الناس، على يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه فرح وضحك، وإذا نظر إلى الباب الذي عن يساره بكى وحزن، فقلت يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي يمينه باب الجنة، إذا نظر إلى من يدخله من ذريته ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر من يدخله بكى وحزن. ثم صعد بي جبريل عليه السلام إلى السماء الثانية، فاستفتح قيل: من هذا معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فإذا هو بشابين، قال: يا جبريل، من هذان؟ قال: عيسى ابن مريم, ويحيى بن زكريا, فصعد به إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل قد فضل على الناس كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك يوسف عليه السلام, ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل، قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا إدريس رفعه الله مكاناً علياً. ثم صعد إلى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحباً به حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، ثم دخل فإذا هو برجل جالس وحوله قوم يقص عليهم، قال: من هذا يا جبريل ومن هؤلاء حوله؟ قال: هذا هرون المحبب وهؤلاء بنو إسرائيل. ثم صعد به إلى السماء السادسة فاستفتح فقيل له: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فإذا هو برجل جالس فجاوزه فبكى الرجل قال: يا جبريل من هذا؟ قال: موسى، قال: فما له يبكي؟ قال: زعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله، وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا وأنا في أخرى فلو أنه بنفسه لم أبال، ولكن مع كل نبي أمته. ثم صعد به إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فقام هؤلاء الذين في ألوانها شيء فدخلوا نهراً فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص ولم يكن في أبدانهم شيء، ثم دخلوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلصت ألوانهم فصارت مثل ألوان أصحابهم، فجاؤوا فجلسوا إلى أصحابهم، فقال: يا جبريل، من هذا الأشمط، ومن هؤلاء بيض الوجوه، ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، وما هذه الأنهار التي دخلوا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض. وأما هؤلاء البيض الوجوه، فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فقوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار، فأولها رحمة الله، والثاني نعمة الله، والثالث سقاهم ربهم شراباً طهوراً. ثم انتهى إلى السدرة، قيل له هذه السدرة ينتهي إليها كل واحد خلا من أمتك على نسك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها، والورقة منها مغطية للأمة كلها، فغشيها نور الخلاق عز وجل، وغشيتها الملائكة عليهم السلام أمثال الغربان حين تقع على الشجرة. فكلمه الله تعالى عند ذلك فقال له: سل، فقال: اتخذت إبراهيم خليلاً، وأعطيته ملكاً عظيماً، وكلمت موسى تكليماً، وأعطيت داود ملكاً عظيماً، وألنت له الحديد وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكاً عظيماً وسخرت له الجن والإنس والشياطين وسخرت له الرياح وأعطيته ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك وَأَعَذْتَهُ وأمَّه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل. فقال له ربه عز وجل: وقد اتخذتك خليلاً، وهو مكتوب في التوراة حبيب الرحمن، وأرسلتك إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك. ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من أمتك أقواماً قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول النبيين خلقاً، وآخرهم بعثاً، وأولهم يقضى له، وأعطيتك سبعاً من المثاني لم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك الكوثر وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام والهجرة والجهاد والصلاة والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلتك فاتحاً وخاتماً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فضلني ربي وأرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وألقى في قلب عدوي الرعب من مسيرة شهر، وأحل لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً، وأعطيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه، وعرضت علي أمتي فلم يخف علي التابع والمتبوع، ورأيتهم أتوا على قوم ينتعلون الشعر، ورأيتهم أتوا على قوم عراض الوجوه صغار الأعين، كأنما خرمت أعينهم بالمخيط، فلم يخف عليّ ما هم لاقون من بعدي، وأمرت بخمسين صلاة، فلما رجع إلى موسى عليه السلام قال: بم أمرت؟ قال: بخمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه فسأله التخفيف، فوضع عنه عشراً، ثم رجع إلى موسى فقال: بكم أمرت؟ قال: بأربعين: قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع فوضع عنه عشراً، إلى أن جعلها خمساً، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: قد رجعت إلى ربي حتى استحيت منه، فما أنا براجع إليه. قيل له: أما إنك كما صبرت نفسك على خمس صلوات، فإنهن يجزين عنك خمسين صلاة، وإن كل حسنة بعشر أمثالها، تفسير : فرضي محمد صلى الله عليه وسلم كل الرضا. قال: وكان موسى عليه السلام من أشدهم عليه حين مر به، وخيرهم له حين رجع إليه. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه عبد الرحمن، عن أبيه أبي ليلى: أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالبراق فحمله بين يديه، ثم جعل يسير به فإذا بلغ مكاناً مطأطئاً طالت يداه وقصرت رجلاه حتى يستوي به، وإذا بلغ مكاناً مرتفعاً, قصرت يداه وطالت رجلاه حتى يستوي به, ثم عرض له رجل عن يمين الطريق، فجعل يناديه يا محمد، إلى الطريق، مرتين، فقال له جبريل عليه السلام: امض ولا تكلم أحداً، ثم عرض له رجل عن يسار الطريق، فقال له إلى الطريق يا محمد، فقال له جبريل عليه السلام: امض ولا تكلم أحداً، ثم عرضت له امرأة حسناء جميلة، ثم قال له جبريل السلام: تدري من الرجل الذي دعاك عن يمين الطريق؟ قال: لا، قال: تلك اليهود دعتك إلى دينهم. ثم قال: تدري من الرجل الذي دعاك عن يسار الطريق؟ قال: لا، قال: تلك النصارى، دعتك إلى دينهم. ثم قال: تدري من المرأة الحسناء الجميلة؟ قال: لا، قال: تلك الدنيا تدعوك إلى نفسها، ثم انطلقا حتى أتيا بيت المقدس، فإذا هم بنفر جلوس، فقالوا مرحباً بالنبي الأمي، وإذا في النفر شيخ، قال: ومن هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، وهذا موسى، وهذا عيسى، ثم أقيمت الصلاة، فتدافعوا. حتى قدموا محمداً صلى الله عليه وسلم، ثم أتوا بأشربة، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم اللبن، فقال له جبريل عليه السلام أصبت الفطرة، ثم قيل له: قم إلى ربك، فقام فدخل، ثم جاء فقيل له: ماذا صنعت؟ قال: "فرضت على أمتي خمسون صلاة" فقال له موسى عليه السلام: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق هذا، فرجع ثم جاء فقال له موسى عليه السلام: ماذا صنعت؟ فقال: "ردها إلى خمس وعشرين صلاة" فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع ثم جاء فقال: ردها إلى اثنتي عشرة، فقال موسى عليه السلام: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع ثم جاء فقال: "ردها إلى خمس" فقال موسى عليه السلام: ارجع فاسأله التخفيف قال: "قد استحيت من ربي فما أراجعه وقد قال لي ربي أن لك بكل ردة رددتها مسألة أعْطَيْتُكَها". وأخرج ابن عرفة في جزئه المشهور وأبو نعيم في الدلائل وابن عساكر في تاريخه من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتاني جبريل عليه السلام بدابة دون البغل وفوق الحمار، فحملني عليه ثم انطلق يهوي بنا كلما صعد عقبة استوت رجلاه كذلك مع يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طَوَال سِبْطَ آدم كأنه من رجال شنوأة، وهو يقول: ويرفع صوته أكرمته وفضلته، فدفعنا إليه فسلمنا، فرد السلام، فقال: "من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد قال: مرحباً بالنبي الأمي العربي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، ثم اندفعنا، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك، قلت: ويرفع صوته على ربه؟! قال: إن الله قد عرف له حديثه، ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السراح تحتها شيخ وعياله، فقال لي جبريل عليه السلام: اعمد إلى أبيك إبراهيم، فدفعنا إليه فسلمنا عليه فرد السلام، فقال إبراهيم: من معك يا جبريل؟ قال: هذا ابنك أحمد، فقال: مرحباً بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، يا بني، إنك لاق ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جلها في أمتك فافعل، ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى، فنزلت فربطت الدابة بالحلقة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء عليهم السلام تربط بها، ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد، ثم أتيت بكأسين من عسل ولبن، فأخذت اللبن فشربت، فضرب جبريل عليه السلام منكبي، وقال أصبت الفطرة، ثم أقيمت الصلاة فأممتهم ثم انصرفنا فأقبلنا ". تفسير : وأخرج الحارث بن أبي أسامة والبزار والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل وابن عساكر من طريق علقمة رضي الله عنه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتيت بالبراق فركبته إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارتفعت يداه، فسار بنا في أرض غمة منتنة، ثم أفضينا إلى أرض فيحاء طيبة، فسألت جبريل عليه السلام؟ قال: تلك أرض النار وهذه أرض الجنة، فأتيت على رجل قائم يصلي، فقلت: من هذا يا جبريل؟ فقال: هذا أخوك عيسى عليه السلام فسرنا، فسمعنا صوتاً وتذمراً، فأتينا على رجل فقال: من هذا معك؟ قال: هذا أخوك محمد صلى الله عليه وسلم، فسلم ودعا بالبركة وقال: سل لأمتك اليسر، فقلت من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى عليه السلام، قلت على من كان تذمره؟ قال: على ربه عز وجل، قلت: أعلى ربه؟! قال: نعم. قد عرف حدته، ثم سرنا فرأيت مصابيح وضوءاً، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه شجرة أبيك إبراهيم عليه السلام ادن منها، فدنوت منها، فرحب بي ودعا لي بالبركة، ثم مضينا حتى أتينا بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي تربط بها الأنبياء عليهم السلام، ثم دخلت المسجد فنشرت لي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من سمى الله منهم ومن لم يسم، فصليت بهم إلا هؤلاء الثلاث: إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صليت ليلة أسري بي في مقدم المسجد، ثم دخلت إلى الصخرة، فإذا ملك قائم معه آنية ثلاث، فتناولت العسل، فشربت منه قليلاً، ثم تناولت الآخر فشربت منه حتى رويت، فإذا هو لبن، فقال اشرب من الآخر، فإذا هو خمر، قلت قد رويت. قال: أما أنك لو شربت من هذا لم تجتمع أمتك على الفطرة أبداً، ثم انطلق بي إلى السماء، ففرضت عليّ الصلاة، ثم رجعت إلى خديجة رضي الله عنها وما تحوّلت عن جانبها الآخر ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن أم هانئ رضي الله عنها قالت: بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به في بيتي، ففقدته من الليل، فامتنع عني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن جبريل عليه السلام أتاني فأخذ بيدي فأخرجني فإذا على الباب دابة دون البغل وفوق الحمار، فحملني عليها ثم انطلق حتى أتى بي إلى بيت المقدس، فأراني إبراهيم يشبه خلقه خلقي، ويشبه خلقي خلقه، وأرأني موسى آدم طوالاً، سبط الشعر أشبهه برجال ازد شنوأة، وأراني عيسى ابن مريم ربعة أبيض يضرب إلى الحمرة شبهته بعروة بن مسعود الثقفي، وأراني الدجال ممسوح العين اليمنى شبهته بقطن بن عبد العزى، قال: وأنا أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم ما رأيت" تفسير : فأخذت بثوبه، فقلت إني أذكرك الله، إنك تأتي قوماً يكذبونك وينكرون مقالتك، فأخاف أن يسطوا بك، قالت: فضرب ثوبه من يدي، ثم خرج إليهم فأتاهم وهم جلوس، فأخبرهم، فقام مطعم بن عدي فقال: يا محمد، لو كنت شاباً كما كنت ما تكلمت بما تكلمت به وأنت بين ظهرانينا. فقال رجل من القوم: يا محمد، هل مررت بإبل لنا في مكان كذا وكذا؟ قال: "نعم، والله وجدتهم قد أضلوا بعيراً لهم فهم في طلبه" قال: هل مررت بإبل لبني فلان قال: "نعم وجدتهم في مكان كذا وكذا، قد انكسرت لهم ناقة حمراء، فوجدتهم وعندهم قصعة من ماء فشربت ما فيها" قالوا: فأخبرنا عن عدتها وما فيها من الرعاء. قال: "قد كنت عن عدتها مشغولاً" فقام وأتى بالإبل فعدها وعلم ما فيها من الرعاء. ثم أتى قريشاً فقال لهم: "سألتموني عن إبل بني فلان، فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاء فلان وفلان، وسألتموني عن إبل بني فلان فهي كذا وكذا وفيها من الرعاء ابن أبي قحافة وفلان وفلان وهي مصبحتكم الغداة الثنية" فقعدوا إلى الثنية ينظرون أصدقهم ما قال، فاستقبلوا الإبل فسألوا، هل ضل لكم بعير؟ قالوا: نعم. فسألوا الآخر، هل انكسر لكم ناقة حمراء؟ قالوا: نعم. قال: فهل كان عندكم قصعة من ماء؟ قال أبو بكر رضي الله عنه: والله أنا وضعتها فما شربها أحد منا ولا أهريقت في الأرض، فصدقه أبو بكر رضي الله عنه وآمن به، فسمي يومئذ الصديق. وأخرج أبو يعلى وابن عساكر، عن أم هانئ رضي الله عنها قال: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم بغلس وأنا على فراشي، فقال: "حديث : شعرت أني نمت الليلة في المسجد الحرام فأتاني جبريل، فذهب بي إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل مضطرب الأذنين فركبته، فكان يضع حافره مد بصره، إذا أخذ بي في هبوط طالت يداه وقصرت رجلاه، وإذا أخذ بي في صعود طالت رجلاه وقصرت يداه، وجبريل لا يفوتني حتى انتهينا إلى بيت المقدس، فأوثقته بالحلقة التي كانت الأنبياء توثق بها، فنشر لي رهط من الأنبياء عليهم السلام منهم إبراهيم وموسى وعيسى فصليت بهم وكلمتهم، وأتيت بإناءين أحمر وأبيض، فشربت الأبيض، فقال لي جبريل عليه السلام: شربت اللبن وتركت الخمر، لو شربت الخمر لارتدت أمتك، ثم ركبته فأتيت المسجد الحرام، فصليت به الغداة، تفسير : فتعلقت بردائه وقلت: أنشدك الله يا ابن عم، إن تحدث بها قريشاً، فيكذبك من صدقك، فضربت بيدي على ردائه فانتزعته من يدي، فارتفع عن بطنه فنظرت إلى عكنه فوق ازاره كأنها طي القراطيس، وإذا نور ساطع عند فؤاده كاد يختطف بصري، فخررت ساجدة، فلما رفعت رأسي إذا هو قد خرج، فقلت لجاريتي: ويحك اتبعيه، وانظري ماذا يقول وماذا يقال له، فلما رجعت أخبرتني أنه انتهى إلى نفر من قريش فيهم المطعم بن عدي وعمرو بن هشام والوليد بن المغيرة. فقال: "إني صليت الليلة العشاء في هذه المسجد وصليت به الغداة وأتيت فيما بين ذلك ببيت المقدس فنشر لي رهط من الأنبياء فيهم إبراهيم وموسى وعيسى فصليت بهم وكلمتهم" فقال عمرو بن هشام - كالمستهزئ -: صفهم لي. فقال: صلى الله عليه وسلم: "حديث : أما عيسى ففوق الربعة ودون الطويل عريض الصدر جعد الشعر يعلوه صهبة كأنه عروة بن مسعود الثقفي، وأما موسى فضخم آدم طوال كأنه من رجال شنوأة كثير الشعر غائر العينين متراكب الأسنان مقلص الشفة خارج اللثة عابس، وأما إبراهيم فوالله لأنا أشبه الناس به خلقاً" تفسير : فضجوا وأعظموا ذاك، فقال المطعم: كل أمرك قبل اليوم كان أمماً غير قولك اليوم، أنا أشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعداً شهراً ومنحدراً شهراً تزعم أنك أتيته في ليلة! واللات والعزى لا أصدقك. فقال أبو بكر رضي الله عنه - يا مطعم، بئس ما قلت لابن أخيك جبهته وكذبته، أنا أشهد أنه صادق، فقالوا: يا محمد، صف لنا بيت المقدس، قال: دخلته ليلاً وخرجت منه ليلاً، فأتاه جبريل عليه السلام فصوّره في جناحه، فجعل يقول: باب منه كذا في موضع كذا، وباب منه كذا في موضع كذا، وأبو بكر رضي الله عنه يقول: صدقت صدقت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: "حديث : يا أبا بكر إن الله قد سماك الصديق" تفسير : قالوا يا محمد، أخبرنا عن عيرنا، قال: "حديث : أتيت على عير بني فلان بالروحاء قد أضلوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها فانتهيت إلى رحالهم ليس بها منهم أحد وإذا قدح ماء فشربت منه، ثم انتهيت إلى عير بني فلان فنفرت مني الإبل وبرك منها جمل أحمر عليه جوالق مخطط ببياض لا أدري أكسر البعير أم لا، ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التنعيم يقدمها جمل أورق وها هي ذه تطلع عليكم من الثنية" تفسير : فقال الوليد بن المغيرة: ساحر، فانطلقوا فنظروا فوجدوا كما قال، فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد. فأنزل الله {أية : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس} تفسير : [الإسراء: 60]. وأخرج ابن إسحق وابن جرير، عن أم هانئ رضي الله عنها قالت: ما أسري برسول الله إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين ". تفسير : وأخرج ابن سعد وابن عساكر، عن عبد الله بن عمر، وأم سلمة وعائشة وأم هانئ وابن عباس رضي الله عنهما، دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة من شعب أبي طالب إلى بيت المقدس. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حملت على دابة بيضاء بين الحمار وبين البغل في فخذها جناحان تحفز بهما رجليها، فلما دنوت لأركبها شمست، فوضع جبريل عليه السلام يده على معرفتها ثم قال: ألا تستحيين يا براق مما تصنعي، والله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم على الله منه، فاستحيت حتى ارفضت عرقاً، ثم قرت حتى ركبتها، فعلت بأذنيها وقبضت الأرض حتى كان منتهى وقع حافرها طرفها، وكانت طويلة الظهر طويلة الأذنين. وخرج معي جبريل لا يفوتني ولا أفوته حتى أتى بيت المقدس، فأتى البراق إلى موقفه الذي كان يقف فربطه فيه، وكان مربط الأنبياء عليهم السلام، رأيت الأنبياء جمعوا لي، فرأيت إبراهيم وموسى وعيسى، فظننت أنه لا بد أن يكون لهم إمام، فقدمني جبريل عليه السلام حتى صليت بين أيديهم، وسألتهم؟ فقالوا: بعثنا بالتوحيد". تفسير : وقال بعضهم: فقد النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، فتفرقت بنو عبد المطلب يطلبونه يلتمسونه، وخرج العباس رضي الله عنه حتى إذا بلغ ذا طوى، فجعل يصرخ يا محمد يا محمد، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك لبيك، فقال: ابن أخي، أعييت قومك منذ الليلة، فأين كنت؟ قال: أتيت من بيت المقدس، قال: في ليلتك؟! قال: نعم. قال: هل أصابك إلا خير؟ قال: ما أصابني إلا خير. وقالت أم هانئ رضي الله عنها: ما أسري به إلا من بيتنا، بينا هو نائم عندنا تلك الليلة صلى العشاء ثم نام، فلما كان قبل الفجر أنبهناه للصبح فقام فصلى الصبح. قال: "حديث : يا أم هانئ، لقد صليت معكم العشاء كما رأيت بهذا الوادي ثم قد جئت بيت المقدس فصليت به، ثم صليت الغداة معكم" تفسير : ثم قام ليخرج، فقلت لا تحدث هذا الناس فيكذبوك ويؤذوك. فقال: والله لأحدثنهم، فأخبرهم، فتعجبوا وقالوا لم نسمع بمثل هذا قط. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام: "حديث : يا جبريل، إن قومي لا يصدقوني" تفسير : قال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق. وافتتن ناس كثير وضلوا كانوا قد أسلموا وقمت في الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه، فقال بعضهم: كم للمسجد من باب؟ - ولم أكن عددت أبوابه - فجعلت أنظر إليها وأعدها باباً باباً وأعلمهم، وأخبرتهم عن عير لهم في الطريق وعلامات فيها، فوجدوا ذلك كما أخبرتهم. وأنزل الله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} قال: كانت رؤيا عين رآها بعينه. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بالبراق ليلة أسري به مسرجاً ملجماً ليركبه فاستصعب عليه فقال له جبريل عليه السلام: أبمحمد صلى الله عليه وسلم تفعل هذا؟ فوالله ما ركبك خلق أكرم على الله منه. قال: فأرفضّ عرقاً. وأخرج ابن مردويه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول، قبل الهجرة بسنة. وأخرج البيهقي في الدلائل، عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، قبل خروجه إلى المدينة بستة عشر شهراً. وأخرج البيهقي عن عروة مثله. وأخرج البيهقي، عن السدي رضي الله عنه قال: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، قبل مهاجره بستة عشر شهراً. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن مردويه والبيهقي في كتاب حياة الأنبياء، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مررت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام قائماً يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر ". تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي، عن أنس رضي الله عنه قال: حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، مر على موسى وهو يصلي في قبره. قال: وذكر لي أنه حمل على البراق. قال: فأوثقت الفرس. أو قال: الدابة بالحلقة. فقال أبو بكر رضي الله عنه صفها لي يا رسول الله، قال: كذه وذه. وكان أبو بكر رضي الله عنه قد رآها. وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أسري بي إلى السماء رأيت موسى يصلي في قبره ". تفسير : وأخرج الطبراني، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على موسى وهو قائم يصلي في قبره. وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أسري بي مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : لما أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل يمر بالنبي والنبيين معهم الرهط، والنبيين معهم القوم والنبي والنبيين ليس معهم أحد، حتى مر بسواد عظيم، "فقلت: من هؤلاء؟ فقيل موسى وقومه، ولكن ارفع رأسك وانظر، فإذا سواد عظيم! قد سد الأفق من ذا الجانب وذا الجانب، فقيل لي: هؤلاء وسوى هؤلاء من أمتك، سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب" قال: فدخل ولم يسألوه بأنفسهم ولم يفسر لهم. فقال قائلون: نحن هم. وقال قائلون هم أبناؤنا الذين ولدوا في الإسلام، فخرج فقال: "هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون". فقام عكاشة بن محصن فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ فقال: "أنت منهم"، فقام رجل آخر فقال: أنا منهم؟ قال: "سبقك بها عكاشة" . تفسير : وأخرج أحمد والنسائي والبزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة؟ قال: ماشطة بنت فرعون وأولادها كانت تمشطها، فسقط المشط من يدها، فقالت بسم الله، فقالت ابنة فرعون، أبي؟ قالت: بل ربي وربك ورب أبيك. قالت: أولك رب غير أبي؟ قالت: نعم. قالت: فأخبر بذلك أبي؟ قالت: نعم, فأخبرته, فدعاها فقال: ألك رب غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله الذي في السماء. فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أمر بها لتلقي فيها وأولادها. قالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي، فتدفنه جميعاً. قال: ذلك لك لما لك علينا من الحق، فألقوا واحداً واحداً حتى بلغ رضيعاً فيهم قال: أسرعي يا أمه ولا تقاعسي فإنك على الحق، فألقيت هي وولدها. تفسير : قال ابن عباس رضي الله عنه وتكلم أربعة وهم صغار: هذا، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم. وأخرج ابن ماجه وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن أبي بن كعب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليلة أسري بي وجدت ريحاً طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه؟ قال: هذه الماشطة وزوجها وابنها، بينما هي تمشط ابنة فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقال: تعس فرعون، فأخبرت أباها، وكان للمرأة ابنان وزوج، فأرسل إليهم، فراود المرأة وزوجها أن يرجعا عن دينهما، فأبيا، فقال: إني قاتلكما: فقالا إحسان منك إلينا، إن قتلتنا أن تجعلنا في بيت، ففعل، تفسير : فلما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، وجد ريحاً طيبة، فسأل جبريل عليه السلام؟ فأخبره. وأخرج أحمد وأبو داود، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون في وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليلة أسري بي مررت بناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت عادت كما كانت، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟، قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليلة أسري بي رأيت رجلاً يسبح في نهر يلقم الحجارة فسألت من هذا؟ فقيل لي: هذا آكل الربا ". تفسير : وأخرج الترمذي والبزار والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل، عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما كان ليلة أسري بي، أتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس، فوضع أصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: لما عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به الماء، ثم الخمر، ثم اللبن، أخذ اللبن. فقال له جبريل عليه السلام: أصبت الفطرة، وبه غذيت كل دابة، ولو أخذت الخمر غويت وغوت أمتك وكنت من أهل هذه، وأشار إلى الوادي الذي يقال له وادي جهنم، فنظر إليه فإذا هو نار تلتهب. وأخرج أحمد وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني ليلة أسري بي، وضعت قدمي حيث توضع أقدام الأنبياء عليهم السلام من بيت المقدس، وعرض عليّ عيسى عليه السلام، فإذا أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود، وعرض عليّ موسى عليه السلام، فإذا رجل جعد ضرب من الرجال، وعرض عليّ إبراهيم عليه السلام، فإذا أقرب الناس به شبهاً صاحبكم ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حين أسري بي لقيت موسى عليه السلام، فنعته فإذا هو رجل مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوأة، ولقيت عيسى عليه الصلاة والسلام فنعته ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس، ورأيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنا أشبه ولده به، وأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، قيل لي خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربت، قيل لي هديت للفطرة أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك ". تفسير : وأخرج مسلم والنسائي وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كرباً ما كربت مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه، ما سألوني عن شيء، إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وإذا موسى عليه السلام قائم وإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوأة، وإذا عيسى عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم، - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت قال قائل: يا محمد، هذا مالك خازن النار، فالتفت إليه فبدأني بالسلام ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن عمر رضي الله عنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم رأى مالكاً خازن النار، فإذا رجل عابس يعرف الغضب في وجهه. وأخرج أحمد، عن عبيد بن آدم، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس، فقال لكعب رضي الله عنه: أين ترى أن أصلي؟ قال: خلف الصخرة. قال: لا. ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلى. وأخرج أحمد وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والضياء في المختارة بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : ليلة أسري بالنبي دخل الجنة فسمع في جانبها وجساً، فقال: يا جبريل ما هذا؟ فقال: هذا بلال المؤذن. فقال النبي حين جاء إلى الناس: "قد أفلح بلال رأيت له كذا وكذا" فلقيه موسى عليه الصلاة والسلام فرحب به وقال مرحباً بالنبي الأمي، قال: "وهو رجل آدم طويل سبط، شعره مع أذنيه أو فوقهما، فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى عليه السلام، فمضى فلقيه رجل فرحب به، قال: من هذا؟ قال: هذا عيسى عليه السلام، فمضى فلقيه شيخ جليل مهيب فرحب به وسلم عليه، وكلهم يسلم عليه، قال: من هذا يا جبريل؟، قال: أبوك إبراهيم عليه السلام. قال: ونظر في النار، فإذا قوم يأكلون الجيف! قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس. ورأى رجلاً أحمر أزرق جداً، قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عاقر الناقة، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى، قام يصلي، ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه، فلما انصرف جيء بقدحين أحدهما عن اليمين، والآخر عن الشمال، في أحدهما لبن، وفي الآخرة عسل، فأخذ اللبن فشرب منه، فقال الذي كان معه القدح: أصبت الفطرة". وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن مردويه وابو نعيم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره، وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم، فقال ناس: نحن لا نصدق محمداً بما يقول: فارتدوا كفاراً! فضرب الله رقابهم مع أبي جهل. وقال أبو جهل: يخوفنا محمد بشجرة الزقوم، هاتوا تمراً وزبداً فتزقموا به. ورأى الدجال في صورته، رؤيا عين ليس برؤيا منام. وعيسى وموسى وإبراهيم عليهم السلام، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال؟ فقال: "رأيته قيلمانياً أقمرهجان، إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري، كأن شعره أغصان شجرة. ورأيت عيسى عليه السلام شاباً أبيض جعد الرأس حديد البصر مبطن الخلق، ورأيت موسى أسحم آدم كثير الشعر شديد الخلق، ونظرت إلى إبراهيم عليه السلام فلا أنظر إلى أرب منه إلا نظرت إليه مني حتى كأنه صاحبكم، قال جبريل سلم على أبيك فسلمت عليه". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والطبراني وابن مردويه من طريق قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران عليه السلام رجلاً طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوأة، ورأيت عيسى ابن مريم عليه السلام مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكاً خازن جهنم، والدجال في آيات أراهن الله" تفسير : قال: {أية : فلا تكن في مرية من لقائه} تفسير : [السجدة: 23] فكان قتادة رضي الله عنه يفسرها أن النبي صلى الله عليه وسام قد لقي موسى عليه السلام. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لقيت ليلة أسري بي، إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها، فلا يعلم بها أحد إلا الله تعالى. وفيما عهد إلي ربي، أن الدجال خارج، ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، فيهلكه الله إذا رآني، حتى أن الحجر والشجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافراً، فتعال فاقتله، فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطأون بلادهم، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، لا يمرون على ماء إلا شربوه، ثم يرجع الناس إلي، فيشكونهم فأدعو الله تعالى عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتى تجيف الأرض من نتن ريحهم، فينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر. ففيما عهد إليَّ ربي إن كان كذلك، أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلاً أو نهاراً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن حذيفة رضي الله عنه أنه حدث، عن ليلة أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: ما زايل البراق حتى فتحت له أبواب السماوات، فرأى الجنة والنار، ووعد الآخرة أجمع، ثم عاد ولفظ ابن مردويه، فأري ما في السماوات وأري ما في الأرض قيل له أي دابة البراق؟ قال: دابة طويل أبيض خطوه مد البصر. وأخرج أبو يعلى والطبراني في الأوسط وابن عساكر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليلة عرج بي إلى السماء، ما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوباً، محمد رسول الله، وأبو بكر الصديق خلفي ". تفسير : وأخرج البزار عن ابن عمر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما عرج بي إلى السماء، ما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوباً، محمد رسول الله ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند صحيح، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مررت ليلة أسري بي على الملأ الأعلى، فإذا جبريل كالحلس البالي من خشية الله تفسير : ، وفي لفظ لابن مردويه، حديث : مررت على جبريل في السماء الرابعة، فإذا هو كأنه حلس بال من خشية الله ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة، عن عبد الرحمن بن قرط رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليلة أسري بي إلى المسجد الأقصى، كان بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السماوات العلى، فلما رجع قال: سمعت تسبيحاً في السموات العلى مع تسبيح كثير سبحت السماوات العلى من ذي المهابة مشفقات من ذي العلوّ بما علا، سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ". تفسير : وأخرج ابن عساكر، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أسرى بي جبريل، سمعت تسبيحاً في السماوات العلى، فرجف فؤادي فقال لي جبريل عليه السلام: تقدم يا محمد ولا تخف، فإن اسمك مكتوب على العرش، لا إله إلا الله محمد رسول الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليلة أسري بي لما نتهينا إلى السماء السابعة، نظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق، وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات والعقارب ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت إلى أسفل مني، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم، لا يتفكرون في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أسري بي، مررت بالكوثر، فقال جبريل عليه السلام: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فضربت بيدي على تربته، فإذا مسك أذفر ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما عرج بي إلى السماء، رأيت نهراً يطرد عجاجاً مثل السهم، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، حافتاه قباب من در مجوف، فضربت بيدي إلى جانبه، فإذا مسكة ذفراء، فضربت بيدي إلى رضراضها، فإذا در. قلت: يا جبريل، ما هذا النهر؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت إبراهيم ليلة أسري بي وهو أشبه من رأيت بصاحبكم ". تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن حبان وابن رمدويه، عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : عرج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم خليل الرحمن، فقال إبراهيم: يا جبريل، من هذا الذي معك؟ فقال جبريل: هذا محمد، فرحب بي وقال: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة. فقال له النبي: - صلى الله عليه وسلم - وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتيت ليلة أسري بي على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقال: يا محمد، أخبر أمتك أن الجنة قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أسري بي رأيت الجنة من درة بيضاء، فقلت يا جبريل، إنهم يسألوني عن الجنة؟ قال: أخبرهم أن أرضها قيعان وترابها المسك ". تفسير : وأخرج ابن ماجة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت ليلة أسري بي مكتوباً على باب الجنة، الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل، ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة ". تفسير : وأخرج الطبراني، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أسري بي إلى السماء، أدخلت الجنة، فوقعت على شجرة من أشجار الجنة، لم أر في الجنة أحسن منها ولا أبيض ورقاً ولا أطيب ثمرة، فتناولت ثمرة من ثمراتها فأكلتها فصارت نطفة في صلبي، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة رضي الله عنها، فإذا أنا اشتقت إلى ريح الجنة شممت ريح فاطمة ". تفسير : وأخرج الحاكم وضعفه، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتاني جبريل عليه السلام بسفرجلة، فأكلتها ليلة أسري بي، فعلقت خديجة بفاطمة، فكنت إذا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رقبة فاطمة ". تفسير : وأخرج البزار وأبو قاسم البغوي وابن قانع كلاهما في معجم الصحابة وابن عدي وابن عساكر، عن عبد الله بن أسعد بن زرارة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليلة أسري بي انتهيت إلى قصر من لؤلؤة تفسير : ولفظ البغوي حديث : أسري بي في قفص من لؤلؤة، فراشه ذهب يتلألأ نوراً وأعطيت ثلاثاً: إنك سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين ". تفسير : وأخرج ابن قانع والطبراني وابن مردويه، عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أسري بي إلى السماء السابعة، فإذا على ساق العرش الأيمن، لا إله إلا الله محمد رسول الله ". تفسير : وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "حديث : لما عرج بي رأيت على ساق العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي ". تفسير : وأخرج ابن عساكر، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليلة أسري بي، رأيت على العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق عمر الفاروق عثمان ذو النورين ". تفسير : وأخرج الدارقطني في الأفراد والخطيب وابن عساكر، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رأيت ليلة أسري بي في العرش فريدة خضراء فيها مكتوب بنور أبيض، لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق عمر الفاروق ". تفسير : وأخرج البزار، عن علي رضي الله عنه قال: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان، أتاه جبريل عليه السلام بدابة يقال لها البراق، فذهب يركبها فاستصعبت، فقال لها جبريل عليه السلام - أسكني، فوالله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد, - صلى الله عليه وسلم - فركبها حتى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك، إذ خرج عليه ملك من الحجاب، فقال الملك: الله أكبر الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر, أنا أكبر، ثم قال الملك: أشهد أن لا إله إلا الله، فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا الله لا إله إلا أنا. فقال الملك: أشهد أن محمداً رسول الله، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أرسلت محمداً، فقال الملك: حيّ على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة. ثم قال: الله أكبر الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر أنا أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، فقيل من وراء الحجاب صدق عبدي، لا إله إلا أنا، ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه، فأم أهل السموات, فيهم آدم ونوح، فيومئذ أكمل الله لمحمد الشرف على أهل السموات والأرض. وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى السماء، فانتهى إلى مكان من السماء وقف فيه، وبعث الله ملكاً فقام من السماء مقاماً ما قامه قبل ذلك، فقيل له: علمه الأذان، فقال الملك: الله أكبر الله أكبر فقال الله: صدق عبدي أنا الله الأكبر، فقال الملك: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال الله: صدق عبدي أنا الله لا إله إلا أنا فقال الملك: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال الله: صدق عبدي أنا أرسلته وأنا اخترته وأنا ائتمنته، فقال: حي على الصلاة، فقال الله: صدق عبدي ودعا إلي فريضتي وحقي، فمن أتاها محتسباً كانت كفارة لكل ذنب، فقال الملك: حي على الفلاح، فقال الله: صدق عبدي أنا أقمت فرائضها وعدتها ومواقيتها، ثم قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تقدم، فتقدم، فائتم به أهل السموات، فتم له شرفه على سائر الخلائق. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أسري بي إلى السماء أذن جبريل، فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدّمني فصليت بالملائكة ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط، عن ابن عمر رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به إلى السماء، أوحى إليه بالأذان، فنزل به فعلمه جبريل. وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم - علم الأذان ليلة أسري به وفرضت عليه الصلاة. وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرضت عليه الصلاة ليلة أسري به. وأخرج أحمد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: فرض الله على نبيه صلى الله عليه وسلم الصلاة خمسين صلاة، فسأل ربه فجعلها خمس صلوات. وأخرج أبو داود والبيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل البول من الثوب سبع مرات، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل؟ حتى جعلت الصلاة خمساً، وغسل الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة. وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهى إلى سدرة المنتهى وإليها ينتهي ما يصعد به، وفي لفظ: يعرج به من الأرواح حتى يقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها حتى يقبض {أية : إذ يغشى السدرة ما يغشى} تفسير : [النجم: 16] قال: غشيها فراش من ذهب. وأعطي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المقحمات. وأخرج الطبراني، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لما أسري بي انتهيت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها أمثال القلال ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه - وسلم لما انتهى إلى سدرة المنتهى رأى فراشاً من ذهب يلوذ بها. وأخرج ابن مردويه، عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - قالت: حديث : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: يصف سدرة المنتهى، فقال: "فيها فراش من ذهب، وثمرها كالقلال، وأوراقها كآذان الفيلة" قلت: يا رسول، ما رأيت عندها؟ قال: "رأيته عندها" يعني ربه عز وجل . تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن مردويه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما مررت ليلة أسري بي بملأ من الملائكة إلا قالوا لي يا محمد، مر أمتك بالحجامة ". تفسير : وأخرج أحمد و والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما مررت بملأ من الملائكة ليلة أسري بي، إلا قالوا عليك بالحجامة" تفسير : وفي لفظ مر أمتك بالحجامة. وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما مررت على ملأ من الملائكة ليلة أسري بي إلا أمروني بالحجامة ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثني الله ليلة أسري بي إلى يأجوج ومأجوج أدعوهم إلى دين الله وعبادته، فأمروا أن يجيبوني وهم في النار مع من يحصى من ولد آدم، وولد إبليس ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد والطبراني في الأوسط وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، فكان بذي طوى قال: يا جبريل، إن قومي لا يصدقوني، قال يصدقك أبو بكر وهو الصديق". وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا: هل لك في صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس. قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن قال ذلك، لقد صدق. قالوا: فتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟! قال: نعم. إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. فلذلك سمي أبا بكر الصديق. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والبزار والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والضياء في المختارة وابن عساكر بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما كان ليلة أسري بي، فأصبحت في مكة قطعت وعرفت أن الناس مكذبي، فقعدت معتزلاً حزيناً، فمر به عدوّ الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ، هل كان من شيء؟ قال: نعم. قال وما هو؟ قال: "إني أسري بي الليلة" قال: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس" قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم. فلم يرد أن يكذبه مخافة أن يجحده الحديث، إن دعا قومه إليه. قال: أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني؟ قال: نعم. قال: هيا يا معشر بني كعب بن لؤي، فانقضت إليه المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما. قال: حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني أسري بي الليلة" قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس" قالوا إيليا؟ قال: نعم. قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم. قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً! قالوا: وتستطيع أن تنعت المسجد؟ وفي القوم من قد سافر إليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس عليّ بعض النعت، فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه، حتى وضع دون دار عقيل" أو عقال فنعته وأنا أنظر إليه، فقام القوم أما النعت فوالله لقد أصاب . تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما كذبتني قريش لما أسري بي إلى بيت المقدس قمت في الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن عروة رضي الله عنه قال: حديث : قالت قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أخبرهم بمسراه إلى بيت المقدس، أخبرنا ماذا ضل عنا وائتنا بآية ما تقول: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ضلت منكم ناقة ورقاء عليها بر لكم "فلما قدمت عليهم قالوا انعت لنا ما كان عليها، ونشر له جبريل عليه السلام ما عليها كله ينظر إليه، فأخبرهم بما كان عليها وهم قيام ينظرون، فزادهم ذلك شكاً وتكذيبا . تفسير : ًوأخرج البيهقي في الدلائل، عن السدي رضي الله عنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر قومه بالرفقة والعلامة في العير قالوا: فمتى تجيء؟ قال: يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون، وقد ولى النهار ولم تجئ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم، فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس، فلم ترد الشمس على أحد, إلا على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى يوشع بن نون عليه السلام حين قاتل الجبارين. واخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير، عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال: حديث : لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم, أتى بدابة دون البغل وفوق الحمار يضع حافره عند منتهى طرفه، يقال له البراق. ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعير للمشركين، فنفرت فقالوا: يا هؤلاء ما هذا؟ فقالوا ما نرى شيئاً؛ ما هذه الرائحة إلا ريح، حتى أتى بيت المقدس، فأتى بإناءين: في أحدهما خمر، وفي الآخر لبن فأخذ اللبن فقال جبريل عليه السلام: "هديت وهديت أمتك" . تفسير : وأخرج ابن سعد وابن عساكر، عن الواقدي، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة وغيره من رجاله قالوا: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يريه الجنة والنار فلما كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم في بيته ظهراً أتاه جبريل وميكائيل، فقالا: انطلق إلى ما سألت الله، فانطلقا به إلى السموات ما بين المقام وزمزم، فأتي بالمعراج، فإذا هو أحسن شيء منظراً، فعرج به إلى السموات سماءً سماءً فلقي فيها الأنبياء وانتهى إلى سدرة المنتهى، ورأى الجنة والنار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولما انتهيت إلى السماء السابعة لم أسمع إلا صريف الأقلام" تفسير : وفرضت عليه الصلوات الخمس ونزل جبريل عليه السلام، فصلى برسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات في مواقيتها. وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسري به، ريحه ريح عروس وأطيب من ريح عروس. وأخرج ابن مردويه، عن جبير قال: سمعت سفيان الثوري رضي الله عنه سئل، عن ليلة أسري به، فقال: أسري ببدنه. وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية الكلبي رضي الله عنه إلى قيصر وكتب إليه معه، فلقيه بحمص ودعا الترجمان، فإذا في الكتاب من محمد رسول الله، إلى قيصر صاحب الروم، فغضب أخ له وقال: تنظر في كتاب رجل بدأ بنفسه قبلك، وسماك قيصر صاحب الروم ولم يذكر أنك ملك؟! قال له قيصر: إنك والله ما علمت أحمق صغيراً، مجنوناً كبيراً: تريد أن تحرق كتاب رجل قبل أن أنظر فيه؟ فلعمري لئن كان رسول الله كما يقول: فنفسه أحق أن يبدأ بها مني، وإن كان سماني صاحب الروم، فلقد صدق، ما أنا إلا صاحبهم وما أملكهم، ولكن الله سخرهم لي ولو شاء لسلطهم علي، ثم قرأ قيصر الكتاب، فقال: يا معشر الروم، إني لأظن هذا الذي بشر به عيسى ابن مريم، ولو أعلم أنه هو مشيت إليه حتى أخدمه بنفسي، لا يسقط وضوءه إلا على يدي، قالوا: ما كان الله ليجعل ذلك في الإِعراب الأميين ويدعنا، ونحن أهل الكتاب قال: فأصل الهدى بيني وبينكم الإِنجيل، ندعو به فنفتحه، فإن كان هو إياه اتبعناه، وإلا أعدنا عليه خواتمه كما كانت إنما هي خواتيم مكان خواتم قال: وعلى الإِنجيل يومئذ اثنا عشر خاتماً من ذهب ختم عليه هرقل، فكان كل ملك يليه بعده ظاهر عليه بخاتم آخر، حتى ألقى ملك قيصر وعليه إثنا عشر خاتماً، يخبر أوّلهم لآخرهم أنه لا يحل لهم أن يفتحوا الإنجيل في دينهم، وإنهم يوم يفتحونه يغير دينهم ويهلك ملكهم، فدعا بالإنجيل ففض عنه أحد عشر خاتماً حتى بقي عليه خاتم واحد، فقامت الشمامسة والأساقفة والبطارقة، فشقوا ثيابهم وصكوا وجوههم ونتفوا رؤوسهم! قال: ما لكم؟ قالوا: اليوم يهلك ملك بيتك، وتغير دين قومك. قال: فأصل الهدى عندي. قالوا: لا تعجل حتى نسأل عن هذا ونكاتبه وننظر في أمره؟ قال: فمن نسأل عنه؟ قالوا: قوماً كثيراً بالشام، فأرسل يبتغي قوماً يسألهم؟ فجمع له أبو سفيان وأصحابه، فقال: أخبرني يا أبا سفيان عن هذا الرجل الذي بعث فيكم، فلم يأل أن يصغر أمره ما استطاع، قال: أيها الملك، لا يكبر عليك شأنه، إنا لنقول: هو ساحر، ونقول: هو شاعر، ونقول: هو كاهن. قال قيصر: كذلك والذي نفسي بيده كان يقال للأنبياء عليهم السلام قبله. قال: أخبرني عن موضعه فيكم. قال: هو أوسطنا. قال: كذلك بعث الله كل نبي من أوسط قومه. أخبرني عن أصحابه. قال: غلماننا وأحداث أسنانهم والسفهاء، أما رؤساؤنا فلم يتبعه منهم أحد. قال: أولئك والله أتباع الرسل، أما الملأ والرؤوس فأخذتهم الحمية. قال: أخبرني عن أصحابه هل يفارقونه بعدما يدخلون في دينه؟ قال: ما يفارقه منهم أحد. قال: فلا يزال داخل منكم في دينه؟ قال: نعم. قال: ما تزيدونني عليه إلا بصيرة، والذي نفسي بيده ليوشكن أن يغلب على ما تحت قدمي. يا معشر الروم، هلموا إلى أن نجيب هذا الرجل إلى ما دعا إليه ونسأله الشام أن لا يطأ علينا أبداً. فإنه لم يكتب قط نبي من الأنبياء إلى ملك من الملوك يدعوه إلى الله فيجيبه إلى ما دعاه، ثم يسأله مسألة إلا أعطاه مسألته ما كانت، فأطيعوني. قالوا: لا نطاوعك في هذا أبداً. قال أبو سفيان: والله ما يمنعني من أن أقول عليه قولاً أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها علي، ولا يصدقني حتى ذكرت قوله ليلة أسري به. قلت: أيها الملك، أنا أخبرك عنه خبراً تعرف أنه قد كذب. قال: وما هو؟ قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيليا، ورجع إلينا في تلك الليلة قبل الصباح قال: وبطريق إيليا عند رأس قيصر. قال البطريق: قد علمت تلك الليلة. فنظر إليه قيصر فقال ما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أبيت ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه عمالي ومن يحضرني كلهم، فعالجته فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلاً، فدعوت الناجرة، فنظروا إليه، فقالوا هذا باب سقط عليه التجاق والبنيان، فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من اين أتى، فرجعت وتركته مفتوحاً, فلما أصبحت غدوت، فإذا الحجر الذي من زاوية الباب مثقوب، وإذا فيه أثر مربط الدابة، فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، فقد صلى الليلة في مسجدنا، فقال قيصر: يا معشر الروم، أليس تعلمون أن بين عيسى وبين الساعة نبي بشركم به عيسى عليه السلام؟ وهذا هو النبي الذي بشر به عيسى، فأجيبوه إلى ما دعا إليه، فلما رأى نفورهم قال: يا معشر الروم، دعاكم ملككم يختبركم كيف صلابتكم في دينكم، فشتمتموه وسببتموه وهو بين أظهركم فخروا له سجداً. وأخرج الواسطي في فضائل بيت المقدس، عن كعب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، وقف البراق في الموقف الذي كان يقف فيه الأنبياء، ثم دخل من باب النبي، وجبريل عليه السلام أمامه، فأضاء له ضوء كما تضيء الشمس، ثم تقدم جبريل عليه السلام أمامه، حتى كان من شامي الصخرة، فأذن جبريل عليه السلام، ونزلت الملائكة عليهم السلام من السماء، وحشر الله لهم المرسلين عليهم السلام، فأقام الصلاة ثم تقدم جبريل عليه السلام، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالملائكة والمرسلين، ثم تقدم قدام ذلك إلى موضع، فوضع له مرقاة من ذهب ومرقاة من فضة وهو المعراج حتى عرج جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء. وأخرج الواسطي من طريق أبي حذيفة مؤذن بيت المقدس، عن جدته أنها رأت صفية زوج النبي رضي الله عنها وكعباً رضي الله عنه يقول: لها يا أم المؤمنين، صلي ههنا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالنبيين عليهم السلام حين أسري به ههنا، وأومأ أبو حذيفة بيده إلى القبلة القصوى في دبر الصخرة. وأخرج الواسطي، عن الوليد بن مسلم رضي الله عنه قال: حدثني بعض أشياخنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ظهر على بيت المقدس ليلة أسري به فإذا عن يمين المسجد وعن يساره نوران ساطعان، فقلت يا جبريل، ما هذان النوران؟ قال: أما هذا الذي عن يمينك فإنه محراب أخيك داود - عليه السلام - وأما هذا الذي عن يسارك فعلى قبر أختك مريم. وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن بن الحسين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني برجله، فجلست فلم أر شيئاً، فعدت لمضجعي، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئاً، فعدت لمضجعي فجاءني فهمزني بقدمه، فجلست فأخذ بعضدي، فقمت معه فخرج إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض بين الحمار والبغل له في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه يضع يده في منتهى طرفه، فحملني عليه، ثم خرج لا يفوتني ولا أفوته . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: {سبحان الذي أسرى بعبده} الآية. قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فحمله على البراق، فسار به إلى بيت المقدس، فمر بأبي سفيان في بعض الطريق وهو يحتلب ناقة، فنفرت من حس البراق فأهرقت اللبن، فسب أبو سفيان من نفرها، ونَدَّ جمل لهم أورق، فذهب إلى بعض المياه فطلبوه، فأخذوه، ومر بواد فنفخ عليه من ريح المسك، فسأل جبريل - عليه السلام - ما هذا الريح فقال: هؤلاء أهل بيت من المسلمين، حرقوا بالنار في الله عز وجل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن حوالة الأزدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : رأيت ليلة أسري بي عمود أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة، قلت: ما تحملون، قالوا: عمود الإسلام أمرنا أن نضعه بالشام . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {سبحان الذي أسرى بعبده} قال: أسري به من شعب أبي طالب. وأخرج ابن إسحق وابن جرير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما فقدت جسد رسول الله ولكن الله أسرى بروحه. وأخرج ابن إسحق وابن جرير، عن معاوية بن أبي سفيان: أنه كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله صادقة. وأخرج ابن النجار في تاريخه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتاني جبريل بالبراق، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: قد رأيتها يا رسول الله؟ قال: صفها لي، قال: بدنة. قال: صدقت، قد رأيتها يا أبا بكر . تفسير : وأخرج الخطيب، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أسري بي إلى السماء قربني الله تعالى حتى كان بيني وبينه كقاب قوسين أو أدنى لا بل أدنى، وعلمني المسميات، قال: يا محمد، قلت: لبيك يا رب، قال: هل غمك أن جعلتك آخر النبيين؟ قلت: يا رب، لا. قال: فهل غم أمتك أن جعلتهم آخر الأمم؟ قلت: يا رب لا، قال: أبلغ أمتك مني السلام، وأخبرهم أني جعلتهم آخر الأمم، لأفضح الأمم عندهم، ولا أفضحهم عند الأمم . تفسير : وأخرج الطبراني، عن أم هانئ رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به: "إني أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم" فكذبوه، وصدقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه, فسمي يومئذ الصديق. وأخرج ابن جرير من طريق ابن شهاب رضي الله عنه قال: أخبرني ابن المسيب وأبو أسامة بن عبد الرحمن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أسري به على البراق - وهي دابة إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام، يقع حافرها موضع طرفها. قال: فمرت بعير من عيرات قريش - بواد من تلك الأودية، فنفر بعير عليه غرارتان سوداء وزرقاء، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إيليا، فأتي بقدحين قدح خمر وقدح لبن، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن. قال له جبريل عليه السلام: هديت إلى الفطرة، لو أخذت قدح الخمر غوت أمتك. قال ابن شهاب رضي الله عنه: فأخبرني ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي هناك إبراهيم وموسى وعيسى، فنعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما موسى فضرب، رجل الرأس كأنه من رجال شنوأة، وأما عيسى فرجل أحمر كأنما خرج من ديماس، فأشبه من رأيت به عروة بن مسعود الثقفي، وأما إبراهيم فأنا أشبه ولده به. فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدث قريشاً أنه أسري به، فارتد ناس كثير بعدما أسلموا. قال أبو سلمة: فأتى أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فقيل له: هل لك في صاحبك؟ يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس. ثم رجع في ليلة واحدة. قال أبو بكر رضي الله عنه: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فأشهد إن كان قال ذلك، لقد صدق. قالوا: أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة؟ قال: إني أصدقه بأبعد من ذلك! أصدقه بخبر السماء. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن ابن جريج قال نافع بن جبير رضي الله عنه وغيره: لما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم من الليلة التي أسري به فيها، لم يرعه إلا جبريل عليه السلام يتدلى حين زاغت الشمس، ولذلك سميت الأولى، فأمر بلالاً يصيح في الناس الصلاة جامعة فاجتمعوا، فصلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم - وصلى النبي صلى الله عليه وسلم - للناس، طوّل الركعتين الأوليين، ثم قصر في الباقيتين، ثم سلم جبريل - عليه السلام - على النبي صلى الله عليه وسلم، وسلم النبي صلى الله عليه وسلم على الناس، ثم في العصر عمل مثل ذلك، ففعلوا كما فعلوا في الظهر، ثم نزل في أول الليل، فصيح الصلاةُ جامعة، فصلى جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم - وصلى النبي صلى الله عليه وسلم - للناس طوّل في الأولتين وقصر في الثالثة، ثم سلم جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم على الناس، ثم لما ذهب ثلث الليل نزل فصيح الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصلى جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم وصلى النبي صلى الله عليه وسلم للناس، فقرأ في الأولتين فطوّل وجَهَرَ وقصر في الباقيتين، ثم سلم جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم على الناس، ثم لما طلع الفجر صيح الصلاة جامعة، فصلى جبريل عليه السلام للنبي - صلى الله عليه وسلم - وصلى النبي صلى الله عليه وسلم للناس، فقرأ فيهما وجهر وطول ورفع صوته، ثم سلم جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم - وسلم النبي صلى الله عليه وسلم على الناس. وأخرج أبو بكر الواسطي في كتاب بيت المقدس، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كانت الأرض ماء فبعث الله تعالى ريحاً فمسحت الماء مسحاً، فظهرت على الأرض زبدة، فقسمها أربع قطع: خلق من قطعة مكة، والثانية المدينة، والثالثة بيت المقدس، والرابعة الكوفة. وقال الواسطي رضي الله عنه، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: أن داود عليه السلام أراد أن يعلم عدد بني إسرائيل كم هم، فبعث نقباء وعرفاء وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بلغ عددهم، فعتب الله عليه لذلك، وقال: قد علمت أني وعدت إبراهيم أن أبارك فيه وفي ذريته حتى أجعلكم كعدد الذر، وأجعلهم لا يحصى عددهم، وأردت أن تعلم عددهم، إنه لا يحصى عددهم، فاختاروا إثنين أن أبتليكم بالجوع ثلاث سنين، أو أسلط عليكم العدو ثلاثة أشهر، أو الموت ثلاثة أيام، فأشار بذلك داود عليه السلام على بني إسرائيل، فقالوا ما لنا بالجوع ثلاث سنين صبر، ولا بالعدوّ ثلاثة أشهر صبر، فليس لهم تقية، فإن كان لا بد، فالموت بيده لا بيده غيره، فمات منهم في ساعة ألوف كثيرة ما يدري عددهم، فلما رأى ذلك داود - عليه السلام - شق عليه ما بلغه من كثرة الموت, فسأل الله ودعا، فقال: يا رب، أنا آكل الحامض وبنو إسرائيل تدرس؟ أنا طلبت ذلك، وأمرت به بني إسرائيل، فما كان من شيء فبي، وارفع عن بني إسرائيل. فاستجاب له، ورفع عنهم الموت، فرأى داود عليه السلام الملائكة - عليهم السلام - سالين سيوفهم يغمدونها، يرفعون في سلم من ذهب من الصخرة، فقال داود: هذا مكان ينبغي أن يبنى فيه لله مسجد أو تكرمة، وأراد أن يأخذ في بنيانه، فأوحى الله إليه: هذا بيت المقدس، وإنك بسطت يدك في الدماء, فلست ببانيه، ولكن ابن لك بعدك اسمه سليمان، أسلمه من الدماء. فلما ملك سليمان عليه الصلاة والسلام بناه وشرفه، فلما أراد سليمان عليه السلام أن يبنيه قال للشياطين: إن الله عز وجل أمرني أن أبني بيتاً له لا يقطع فيه حجر بحديدة. فقالت الشياطين: لا يقدر على هذا إلا شيطان في البحر له مشربة يردها، فانطلقوا إلى مشربته فأخرجوا ماءها، وجعلوا مكانه خمراً فجاء يشرب، فوجد ريحاً، فقال شيئاً ولم يشرب، فلما اشتد ظمؤه جاء فشرب فأخذ، فبينما هم في الطريق إذا هم برجل يبيع الثوم بالبصل فضحك، ثم مر بامرأة تكهن لقوم فضحك، فلما انتهى إلى سليمان أخبر بضحكه، فسأله؟ فقال: مررت برجل يبيع الدواء بالداء، ومررت بامرأة تكهن وتحتها كنز لا تعلم به. فذكر له شأن البناء، فأمر أن يؤتى بقدر من نحاس لا تقلها البقر. فجعلوها على فروخ النسر، ففعلوا ذلك، فأقبل إليه، فلم يصل إلى فروخه، فعلا في جوّ السماء ثم تدلى فأقبل بعود في منقاره فوضعه على القدر فانفلقت، فعمدوا إلى ذلك العود فأخذوه فعملوا به الحجارة. وأخرج ابن سعد، عن سالم أبي النضر رضي الله عنه قال: لما كثر المسلمون في عهد عمر رضي الله عنه ضاق بهم المسجد، فاشترى عمر رضي الله عنه ما حول المسجد من الدور، إلا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات المؤمنين، فقال عمر رضي الله عنه للعباس: يا أبا الفضل إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم، وقد ابتعت ما حوله من المنازل؛ نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين. قال عمر: فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها، وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، أوسع بها في مسجدهم. فقال العباس - رضي الله عنه - ما كنت لأفعل. فقال عمر رضي الله عنه: اختر مني أحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، وإما أن أحطك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تصدق بها على المسلمين فيوسع بها في مسجدهم. فقال: لا ولا واحدة منها. فقال عمر رضي الله عنه: اجعل بيني وبينك من شئت. فقال أبي بن كعب رضي الله عنه, فانطلقا إلى أبي, فقصا عليه القصة, فقال أبي - رضي الله عنه - إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالا: حدثنا. فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله أوحى إلى داود، ابن لي بيتاً أُذْكَرُ فيه، فخط له هذه الخطة - خطة بيت المقدس - فإذا بربعها زاوية بيت من بني إسرائيل، فسأل داود أن يبيعه إياه فأبى، فحدث داود نفسه أن يأخذه منه، فأوحى الله إليه: "أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتاً أذكر فيه، فأردت أن تدخل في بيتي الغصب، وليس من شأني الغصب، وإن عقوبتك أن لا تبنيه" قال: يا رب، فمن ولدي قال: من ولدك. تفسير : قال: فأخذ عمر رضي الله عنه بمجامع ثياب أبي بن كعب رضي الله عنه وقال: جئتك بشيء، فجئت بما هو أشد منه، لتخرجنّ مما قلت، فجاء يقوده حتى أدخله المسجد، فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيهم أبو ذر رضي الله عنه. فقال أبي رضي الله عنه إني نشدت الله رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم - يذكر حديث بيت المقدس، حيث أمر الله تعالى، داود أن يبينه إلا ذكره. فقال أبو ذر: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال آخر: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأرسل أبياً. فأقبل أبي على عمر رضي الله عنه فقال: يا عمر، أتتهمني على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: يا أبا المنذر، لا والله ما اتهمتك عليه، ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهراً. قال: وقال عمر رضي الله عنه للعباس رضي الله عنه: اذهب فلا أعرض لك في ذلك. فقال العباس رضي الله عنه: أما إذ فعلت هذا، فإني تصدقت بها على المسلمين أوسع بها عليهم في مسجدهم، فأما وأنت تخاصمني فلا. فخط له عمر رضي الله عنه داره التي هي له اليوم وبناها من بيت مال المسلمين. وأخرج ابن سعد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت للعباس دار بالمدينة فقال عمر - رضي الله عنه - هبها لي أو بعنيها حتى أدخلها في المسجد فأبى. قال اجعل بيني وبينك رجلاً من أصحاب رسول الله، فجعلا أبي بن كعب رضي الله عنه بينهما، فقضى أبي على عمر. فقال عمر - رضي الله عنه - ما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أجرأ علي من أبي. قال: إذ أنصح لك يا أمير المؤمنين، أما علمت قصة المرأة؟ أن داود - عليه السلام - لما بنى بيت المقدس، ادخل فيه بيت امرأة بغير إذنها، فلما بلغ حجراً لرجال منع بناءه، فقال: أي رب، إذ منعتني ففي عقبي من بعدي. فلما كان بعد قال له العباس - رضي الله عنه - أليس قد قضيت لي؟ قال: بلى. قال: فهي لك قد جعلتها لله. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يأخذ دار العباس بن عبد المطلب ليزيد بها في المسجد، فأبى العباس رضي الله عنه أن يعطيها إياه. فقال عمر - رضي الله عنه - لآخذنها. قال: فاجعل بيني وبينك أبي بن كعب. قال: نعم، فأتيا أبياً فذكرا له، فقال أبي - رضي الله عنه - أوحى الله إلى سليمان بن داود - عليه السلام - أن يبني بيت المقدس، وكانت أرض لرجل فاشترى منه الأرض، فلما أعطاه الثمن، قال: الذي أعطيتني خير أم الذي أخذت مني؟ قال: بل الذي أخذت منك. قال: فإني لا أجيز، ثم اشتراها منه بشيء أكثر من ذلك، فصنع الرجل مثل ذلك مرتين أو ثلاثاً، فاشترط عليه سليمان عليه السلام, أني أبتاعها منك على حكمك، ولا تسألني أيهما خير. قال: نعم. فاشتراها منه بحكمة، فاحتكم إثني عشر ألف قنطار ذهباً، فتعاظم ذلك سليمان أن يعطيه، فأوحى الله إليه "إن كنت تعطيه من شيء هو لك فأنت أعلم، وإن كنت تعطيه من رزقنا، فأعطه حتى يرضى" قال: ففعل. قال: وإني أرى أن عباساً رضي الله عنه أحق بداره حتى يرضى. قال العباس رضي الله عنه - فإذ قضيت، فإني أجعلها صدقة على المسلمين. وأخرج عبد الرزاق، عن زيد بن أسلم قال: كان للعباس بن عبد المطلب دار إلى جنب مسجد المدينة، فقال له عمر رضي الله عنه بعنيها. وأراد عمر أن يدخلها في المسجد، فأبى العباس أن يبيعها إياه. فقال عمر رضي الله عنه: فهبها لي، فأبى. فقال عمر: فوسعها أنت في المسجد. فأبى، فقال عمر: لا بد لك من إحداهن، فأبى عليه. قال: فخذ بيني وبينك رجلاً. فأخذا أبي بن كعب، فاختصما إليه، فقال أبي لعمر: ما أرى أن تخرجه من داره حتى ترضيه: فقال له عمر: أرأيت قضاءك هذا في كتاب الله، أم سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال أبي: بل سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: وما ذاك؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس جعل كلما بنى حائطاً أصبح منهدماً، فأوحى الله إليه "أن لا تبن في حق رجل حتى ترضيه"" تفسير : فتركه عمر رضي الله عنه فوسعها العباس رضي الله عنه بعد ذلك في المسجد. وأخرج الواسطي عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: لما أمر الله تعالى داود أن يبني بيت المقدس قال: يا رب وأين أبنيه؟ قال: "حيث ترى الملك شاهراً سيفه" قال: فرآه في ذلك المكان. فأخذ داود عليه السلام فأسس قواعده ورفع حائطه، فلما ارتفع انهدم. فقال داود عليه السلام: يا رب، أمرتني أن أبني لك بيتاً، فلما ارتفع هدمته! فقال: "يا داود إنما جعلت خليفتي في خلقي، لم أخذته من صاحبه بغير ثمن؟ إنه يبنيه رجل من ولدك" فلما كان سليمان عليه السلام ساوم صاحب الأرض بها. فقال له: هي بقنطار، فقال له سليمان عليه السلام: قد استوجبتها، فقال له صاحب الأرض: هي خير أم ذاك؟ قال: لا، بل هي خير، قال: فإنه قد بدا لي. قال: أو ليس قد أوجبتها. قال: لا، ولكن البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. قال ابن المبارك - رضي الله عنه - هذا أصل الخيار. قال: فلم يزل يزايده ويقول له مثل قوله الأول حتى استوجبتها منه بتسعة قناطير، فبناه سليمان عليه السلام حتى فرغ منه، وتغلقت أبوابه فعالجها سليمان عليه السلام أن يفتحها فلم تنفتح حتى قال في دعائه: بصلوات أبي داود إلا تفتحت الأبواب، فتفتحت الأبواب. قال: ففرغ له سليمان - عليه السلام - عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل، خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، ولا تأتي ساعة من ليل ولا نهار، إلا والله عز وجل يعبد فيه. وأخرج الواسطي، عن الشيباني قال: أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود - عليه السلام - إنك لم تتم بناء بيت المقدس. قال أي رب، ولم؟ قال: لأنك غمرت يدك في الدم. قال: أي رب، ولم يكن ذلك في طاعتك؟ قال: بلى وإن كان. وأخرج ابن حبان في الضعفاء، والطبراني وابن مردويه والواسطي، عن رافع بن عمير رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : "قال الله لداود عليه السلام: ابن لي بيتاً في الأرض" فبنى داود عليه السلام بيتاً لنفسه قبل البيت الذي أمر به. فأوحى الله إليه: "يا داود قضيت بيتك قبل بيتي" قال: يا رب، هكذا قلت: من ملك استأثر، ثم أخذ في بناء المسجد، فلما تم السور سقط ثلث، فشكا ذلك إلى الله. فأوحى الله إليه: "إنك لا تصلح أن تبني لي بيتاً" قال: ولم يا رب؟ قال: لما جرى على يديك من الدماء! قال: يا رب أو لم يكن ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: "بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم" فشق ذلك عليه، فأوحى الله إليه "لا تحزن، فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان" فلما مات داود عليه السلام، أخذ سليمان في بنائه، فلما تم قرب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل. فأوحى الله تعالى إليه: "قد أرى سرورك ببنيان بيتي، فاسألني أعطك" قال: أسألك ثلاث خصال: حكماً يصادف حكمك، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "- أما الاثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة" ". تفسير : وأخرج الواسطي عن كعب، قال: أوحى الله إلى داود عليه السلام: "ابن لي بيت المقدس: فعارضه ببناء له. فأوحى الله إليه "يا داود أمرتك أن تبني بيتاً لي فعارضته ببناء لك ليس لك أن تبنيه" قال: يا رب، ففي عقبي. قال: في عقبك. فلما ولي سليمان - عليه السلام - أوحى الله إليه "أن ابن بيت المقدس" فبناه فلما كمل خرَّ ساجداً شاكراً لله تعالى. قال: يا رب، من دخله من خائف فأمنه، أو من داع فاستجب له، أو مستغفر فاغفر له، فأوحى الله إليه "أني قد خصصت لآل داود الدعاء" قال: فذبح أربعة آلاف بقرة، وسبعة آلاف شاة، وصنع طعاماً ودعا بني إسرائيل. وأخرج أحمد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن سليمان عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل ربه ثلاثاً، فأعطاه اثنتين، وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة. سأله حكماً يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد يعني بيت المقدس خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه" تفسير : قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ونحن نرجو أن يكون الله أعطاه ذلك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والواسطي، عن عبد الله بن عمر قال: إن الحرم، لَحَرَم في السموات السبع بمقداره من الأرض. وإن بيت المقدس لمقدس في السموات السبع بمقداره من الأرض. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ". تفسير : وأخرج الواسطي، عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: لما فرغ سليمان بن داود عليه السلام من بناء بيت المقدس، أنبت الله له شجرتين عند باب الرحمة: إحداهما تنبت الذهب، والأخرى تنبت الفضة. فكان في كل يوم ينتزع من كل واحدة مائتي رطل من ذهب وفضة، ففرش المسجد بلاطة ذهباً، وبلاطة فضة، فلما جاء بختنصر، خربه واحتمل منه ثمانين عجلة ذهباً وفضة فطرحه برومية. وأخرج ابن عساكر، عن يحيى بن عمرو الشيباني قال: لما بنى داود عليه السلام مسجد بيت المقدس، نهى أن يدخل الرخام بيت المقدس، لأنه الحجر الملعون، فخر على الحجارة فلعن. وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: تذاكرنا ونحن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - أيهما أفضل؟ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مسجد بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى، وليوشكن أن يكون للرجل مثل بسط فرشه من الأرض، حيث يرى منه بيت المقدس، خير له من الدنيا جميعاً، أو قال خير من الدنيا وما فيها ". تفسير : وأخرج الواسطي، عن كعب رضي الله عنه قال: أن الله عز وجل ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين. وأخرج الواسطي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال، وهو ببيت المقدس: يا نافع، أخرج بنا من هذا البيت، فإن السيئات تضاعف فيه، كما تضاعف الحسنات. وأخرج الواسطي عن مكحول رضي الله عنه: أن ميمونة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيت المقدس، قال: "حديث : نعم المسكن بيت المقدس، ومن صلى فيه صلاة بألف صلاة فيما سواه" تفسير : قالت: فمن لم يطق ذلك، قال فليهد إليه زيتاً. وأخرج الواسطي، عن مكحول رضي الله عنه قال: من صلى في بيت المقدس ظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءً وصبحاً، ثم صلى الغداة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وأخرج الواسطي، عن كعب رضي الله عنه قال: شكا بيت المقدس إلى الله عز وجل الخراب، فقيل: هل يتكلم المسجد؟ فقال: إنه ما من مسجد إلا وله عينان يبصر بهما، ولسان يتكلم به، وإنه ليلتوي من البزاق والنجاسة كما تلتوي الدابة من ضرب السوط. وأخرج الواسطي، عن كعب في بيت المقدس: اليوم فيه كألف يوم، والشهر فيه كألف شهر، والسنة فيه كألف سنة، ومن مات فيه فكأنما مات في السماء الدنيا. وأخرج الواسطي، عن الشيباني رضي الله عنه قال: ليس يعد من الخلفاء إلا من ملك المسجدين المسجد الحرام ومسجد بيت المقدس. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: {الذي باركنا حوله} قال: أنبتنا حوله الشجر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل} قال جعله الله هدى، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وجعله رحمة لهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {أن لا يتخذوا من دوني وكيلاً} قال: شريكاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {ذرية من حملنا مع نوح} قال: هو على النداء، يا ذرية من حملنا مع نوح. وأخرج ابن مردويه، عن عبد الله بن زيد الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ذرية من حملنا مع نوح" ما كان مع نوح إلا أربعة أولاد: حام وسام ويافث وكوش، فذاك أربعة أولاد انتسلوا هذا الخلق . تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أبي فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان نوح عليه السلام لا يحمل شيئاً صغيراً ولا كبيراً إلا قال: بسم الله والحمد لله، فسماه الله عبداً شكوراً ". تفسير : وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن سلمان رضي الله عنه قال: كان نوح عليه السلام إذا لبس ثوباً أو طعم طعاماً قال: الحمد لله فسمي عبداً شكوراً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، عن سعيد بن مسعود الثقفي الصحابي رضي الله عنه قال: إنما سمي نوح عليه السلام عبداً شكوراً، لأنه كان إذا أكل أو شرب أو لبس ثوباً أحمد الله. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن نوحاً لم يقم عن خلاء قط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ منفعته، وأخرج عني أذاه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن العوّام قال: حدثت أن نوحاً عليه السلام كان يقول: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني أذاه. واخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان، عن أصبغ بن زيد: أن نوحاً عليه السلام كان إذا خرج من الكنيف قال ذلك، فسمي {عبداً شكوراً}. وأخرج ابن أبي شيبة، عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه: أن نوحاً عليه السلام إذا خرج من الغائط قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني. وأخرج عبد الله بن حمد في زوائد الزهد، عن إبراهيم رضي الله عنه قال: شكره أن يسمي إذا أكل، ويحمد الله إذا فرغ. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {إنه كان عبداً شكوراً} قال: لم يأكل شيئاً قط إلا حمد الله، ولم يشرب شراباً قط إلا حمد الله عليه، فأثنى عليه {إنه كان عبدا شكوراً}. وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: كان نوح عليه السلام إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد لله، وإذا لبس قال: الحمد لله، وإذا ركب قال: الحمد لله، فسماه الله {عبداً شكوراً}. وأخرج ابن مردويه، عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنما سمى الله نوحاً {عبداً شكوراً} لأنه كان إذا أمسى وأصبح قال: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي رضي الله عنه أنه قال: حق الطعام أن يقول العبد: بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وشكره أن يقول: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا. وأخرج ابن أبي شيبة، عن تميم بن سلمة رضي الله عنه قال: حدثت أن الرجل إذا ذكر اسم الله على طعامه، وحمد الله على آخره، لم يسأل عن نعيم لذة الطعام. وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة والطبراني في الدعاء، عن حاتم عن عمر بن الخطاب أنه لبس جديداً فقال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي. ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من لبس ثوباً جديداً فقال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الذي خلق فتصدق به، كان في كنف الله وفي حفظ الله، وفي ستر الله حياً وميتاً" تفسير : قالها ثلاثاً. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا لبس أحدكم ثوباً جديداً، فليقل الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في الناس ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن عون بن عبد الله قال: لبس رجلا ثوباً جديداً، فحمد الله، فأدخل الجنة، أو غفر له. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل} قال: أعلمناهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل} قال: أخبرناهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل} قال: قضينا عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين} قال: هذا تفسير الذي قبله. وأخرج ابن المنذر والحاكم، عن طاوس قال: كنت عند ابن عباس - رضي الله عنهما - ومعنا رجل من القدرية، فقلت إن أناساً يقولون لا قدر. قال: أوفي القوم أحد منهم؟ قلت: لو كان، ما كنت تصنع به؟ قال: لو كان فيهم أحد منهم لأخذت برأسه. ثم قرأت عليه {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً}. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن الله عهد إلى بني إسرائيل في التوراة {لتفسدن في الأرض مرتين}. فكان أوّل الفساد: قتل زكريا عليه السلام، فبعث الله عليهم ملك النبط، فبعث الجنود وكانت أساورته ألف فارس {فهم أولو بأس} فتحصنت بنو إسرائيل، وخرج فيهم بختنصر يتيماً مسكيناً، إنما خرج يستطعم، وتلطف حتى دخل المدينة، فأتى مجالسهم وهم يقولون: لو يعلم عدوّنا ما قذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم وأشد القيام على الجيش، فرجعوا وذلك قول الله: {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد} الآية. ثم أن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط، فأصابوا منهم، فاستنقذوا ما في أيديهم، فذلك قوله: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} الآية. وأخرج ابن عساكر في تاريخه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: {لتفسدن في الأرض مرتين} قال: الأولى، قتل زكريا عليه الصلاة والسلام، والأخرى، قتل يحيى عليه السلام. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطية العوفي رضي الله عنه في قوله: {لتفسدن في الأرض مرتين} قال: أفسدوا المرة الأولى، فبعث الله عليهم جالوت فقتلهم، وأفسدوا المرة الثانية، فقتلوا يحيى بن زكريا عليهما السلام، فبعث الله عليهم بختنصر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث الله عليهم في الأولى جالوت، فجاس خلال ديارهم وضرب عليهم الخراج والذل، فسألوا الله أن يبعث إليهم ملكاً يقاتلون في سبيل الله، فبعث الله طالوت، فقتل جالوت فنصر بنو إسرائيل، وقتل جالوت بيدي داود عليه السلام، ورجع إلى بني إسرائيل ملكهم، فلما أفسدوا: بعث الله عليهم في المرة الآخرة بختنصر، فخرب المساجد وتبر {ما علوا تتبيراً} قال الله: بعد الأولى والآخرة {عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا} قال: فعادوا فسلط الله عليهم المؤمنين. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي هاشم العبدي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ملك ما بين المشرق والمغرب أربعة: مؤمنان، وكافران، أما الكافران، فالفرخان و بختنصر. فأنشأ أبو هاشم يحدث قال: كان رجل من أهل الشام صالحاً فقرأ هذه الآية {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب} إلى قوله: {علواً كبيراً} قال: يا رب، أما الأولى فقد فاتتني، فأرني الآخرة، فأتى وهو قاعد في مصلاه قد خفق برأسه فقيل: الذي سألت عنه ببابل واسمه بختنصر، فعرف الرجل أنه قد استجيب له، فاحتمل جراباً من دنانير فأقبل حتى انتهى إلى بابل، فدخل على الفرخان فقال: إني قد جئت بمال فأقسمه بين المساكين، فأمر به فأنزل، فجمعوهم له، ثم جعل يعطيهم ويسألهم عن أسمائهم، حتى إذا فرغ ممن بحضرته قيل له: فإنه قد بقيت منهم بقايا في الرساتيق، فجعل يبعث فتاه حتى إذا كان الليل رجع إليه فاقرأه رجلاً رجلاً، فأتى على ذكر بختنصر فقال: قف. كيف قلت؟ قال: بختنصر. قال: وما بختنصر هذا؟ قال: هو أشدهم فاقة، وهو مقعد يأتي عليه السفارون، فيلقي أحدهم إليه الكسرة، ويأخذ بأنفه. قال: فإني مسلم به [7] لا بد. قال الآخر: فإنما هو في خيمة له يحدث فيها، حتى أذهب فأقبلها وأغسله. قال: دونك هذه الدنانير. فأقبل إليه بالدنانير فأعطاه إياها. ثم رجع إلى صاحبه فجاء معه، فدخل الخيمة فقال: ما اسمك؟ قال: بختنصر. قال: من سماك بختنصر؟ قال: من عسى أن يسميني إلا أمي! قال: فهل لك أحد؟ قال: لا والله، إني لههنا أخاف بالليل أن تأكلني الذئاب. قال: فأي الناس أشد بلاء؟ قال: أنا. قال: أفرأيت إن ملكت يوماً من دهر أتجعل لي أن لا تعصيني؟ قال أي سيدي لا يضرك أن لا تهزأ بي. قال: أرأيت إن ملكت مرة أتجعل لي أن لا تعصيني؟ قال: أما هذه فلا أجعلها لك ولكن سوف أكرمك كرامة لا أكرمها أحداً. قال دونك هذه الدنانير، ثم انطلق فلحق بأرضه، فقام الآخر فاستوى على رجليه، ثم انطلق فاشترى حماراً وأرساناً، ثم جعل يستعرض تلك الأعاجم فيجزها فيبيعه، ثم قال: إلى متى هذا الشقاء؟ فعمد فباع ذلك الحمار وتلك الأرسان واكتسى كسوة، ثم أتى باب الملك، فجعل يشير عليهم بالرأي وترتفع منزلته حتى انتهوا إلى بواب الفرخان الذي يليه، فقال له الفرخان: قد ذكر لي رجل عندك، فما هو؟ قال: ما رأيت مثله قط! قال: ائتني به، فكلمه فأعجب به. قال: إن بيت المقدس وتلك البلاد قد استعصوا علينا، وانا باعثون عليهم بعثاً، وإني باعث إلى البلاد من يختبرها، فنظر حينئذ إلى رجال من أهل الأرب والمكيدة، فبعثهم جواسيس، فلما فصلوا إذا بختنصر قد أتى بخرجيه على بغلة، قال: أين تريد؟ قال: معهم قال: أفلا آذنتني فابعثك عليهم؟ قال: لا، حتى إذا وقعوا بالأرض قال: تفرقوا وسأل بختنصر عن أفضل أهل البلد؟ فدل عليه، فألقى خرجيه في داره. قال لصاحب المنزل: ألا تخبرني عن أهل بلادك، قال: على الخبير سقطت، هم قوم فيهم كتاب فلا يقيمونه، وأنبياء فلا يطيعونهم، وهم متفرقون. قال بختنصر كالمتعجب منه: كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون! فكتبهن في ورقة وألقى في خرجيه وقال: ارتحلوا، فاقبلوا، حتى قدموا على الفرخان، فجعل يسأل كل رجل منهم، فجعل الرجل يقول: أتينا بلاد كذا ولها حصن كذا ولها نهر كذا قال: يا بختنصر، ما تقول؟ قال: قدمنا أرضاً على قوم لهم كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون، فأمر حينئذ، فندب الناس وبعث إليهم سبعين ألفاً، وأمر عليهم بختنصر، فساروا حتى إذا علوا في الأرض أدركهم البريد: إن الفرخان قد مات ولم يستخلف أحداً. قال للناس: مكانكم. ثم أقبل على البريد حتى قدم على الناس وقال: كيف صنعتم؟ قالوا: كرهنا أن نقطع أمراً دونك. قال: إن الناس قد بايعوني. فبايعوه، ثم استخلف عليهم وكتب بينهم كتاباً، ثم انطلق بهم سريعاً حتى قدم على أصحابه، فأراهم الكتاب، فبايعوه وقالوا: ما بنا رغبة عنك. فساروا، فلما سمع أهل بيت المقدس تفرقوا وطاروا تحت كل كوكب، فشعث ما هناك، أي أفسد، وقتل من قتل وخرب بيت المقدس، واستبى أبناء الأنبياء فيهم دانيال. فسمع به صاحب الدنانير فأتاه فقال: هل تعرفني؟ قال: نعم. فأدنى مجلسه ولم يشفعه في شيء، حتى إذا نزل بابل لا ترد له راية. فكان كذلك ما شاء الله، ثم إنه رأى رؤيا فأفظعته، فأصبح قد نسيها. قال: عليّ بالسحرة والكهنة. قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها الليلة، والله لتخبرني بها، أو لأقتلنكم. قالوا: ما هي؟ قال: قد نسيتها قالوا: ما عندنا من هذا علم، إلا أن ترسل إلى أبناء الأنبياء. فأرسل إلى أبناء الأنبياء. قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها الليلة، والله لتخبرني بها أو لأقتلنكم. قالوا: ما هي؟ قال: قد نسيتها. قالوا غيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى. قال والله لتخبرني بها، أو لأضربن أعناقكم. قالوا: فدعنا حتى نتوضأ ونصلي وندعو الله تعالى. قال: فافعلوا. فانطلقوا فأحسنوا الوضوء، فأتوا صعيداً طيباً فدعوا الله، فأخبروا بها، ثم رجعوا إليه فقالوا: رأيت كأن رأسك من ذهب، وصدرك من فخار، ووسطك من نحاس، ورجليك من حديد. قال: نعم. قال: أخبروني بعبارتها أو لأقتلنكم. قالوا: فدعنا ندعو ربنا. قال اذهبوا، فدعوا ربهم فاستجاب لهم، فرجعوا إليه قالوا: رأيت كأن رأسك من ذهب، ملكك هذا يذهب عند رأس الحول من هذه الليلة. قال: ثم مه؟ قالوا: ثم يكون بعدك ملك يفخر على الناس، ثم يكون ملك يخشى الناس شدته، ثم يكون ملك لا يقله شيء، إنما هو مثل الحديد يعني الإسلام, فأمر بحصن فبني له، بينه وبين السماء، ثم جعل ينطقه بمقاعد الرجال والاحراس، وقال لهم: إنما هي هذه الليلة لا يجوز عليكم أحد، وإن قال أنا بختنصر إلا قتلتموه مكانه، كائناً من كان من الناس. فقعد كل أناس في مكانهم الذي وكلوا به. واهتاج بطنه من الليل، فكره أن يرى مقعده هناك. وضرب على أسمخة القوم، فاستثقلوا نوماً، فأتى عليهم وهم نيام، ثم أتى عليهم فاستيقظ بعضهم، فقال: من هذا؟ قال: بختنصر. قال: هذا الذي حفي إلينا فيه الليلة. فضربه فقتله، فأصبح الخبيث قتيلاً. وأخرج ابن جرير نحوه أخصر منه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه، وعن السدي وعن وهب بن منبه. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: ظهر بختنصر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دماً يغلي على كباء فسألهم ما هذا الدم؟ قالوا: أدركنا آبائنا على هذا وكلما [7] ظهر عليهم الكباء ظهر، فقتل على ذلك الدم سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم فسكن. وأخرج ابن عساكر، عن الحسن رضي الله عنه: أن بختنصر لما قتل بني إسرائيل وهدم بيت المقدس وسار بسبايا بني إسرائيل إلى أرض بابل، فسامهم سوء العذاب، أراد أن يتناول السماء، فطلب حيلة يصعد بها، فسلط الله عليه بعوضة، فدخلت منخره فوقفت في دماغه، فلم تزل تأكل دماغه وهو يضرب رأسه بالحجر حتى مات. وأخرج ابن جرير، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن بني إسرائيل لما اعتدوا في السبت وعلوا وقتلوا الأنبياء عليهم السلام بعث الله عليهم ملك فارس بختنصر، وكان الله ملكه سبعمائة سنة، فسار إليهم حتى دخل بيت المقدس، فحاصرها وفتحها، وقتل على دم زكريا عليه السلام سبعين ألفاً، ثم سبى أهلها وبني الأنبياء، وسلب حلى بيت المقدس، واستخرج منها سبعين ألفاً ومائة ألف عجلة من حلى، حتى أورده بابل" تفسير : قال حذيفة - رضي الله عنه - فقلت: يا رسول الله، لقد كان بيت المقدس عظيماً عند الله؟! قال: "حديث : "أجل" فبناه سليمان بن داود - عليه السلام - من ذهب ودر وياقوت وزبرجد وكان بلاطة ذهبا وبلاطة فضة، وعمده ذهباً، أعطاه الله ذلك وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين، فسار بختنصر بهذه الأشياء حتى نزل بها بابل، فأقام بنو إسرائيل مائة سنة يعذبهم المجوس وأبناء المجوس، فيهم الأنبياء وأبناء الأنبياء، ثم إن الله رحمهم، فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له كورس - وكان مؤمناً - أن: سر إلى بقايا بني إسرائيل حتى تستنقذهم، فسار كورس ببني إسرائيل ودخل بيت المقدس حتى رده إليه، فأقام بنو إسرائيل مطيعين لله مائة سنة، ثم إنهم عادوا في المعاصي، فسلط عليهم ابطنانحوس فغزا ثانياً بمن غزا مع بختنصر، فغزا بني إسرائيل، حتى أتاهم بيت المقدس، فسبى أهلها وأحرق بيت المقدس. وقال لهم: يا بني إسرائيل، إن عدتم في المعاصي، عدنا عليكم في السباء، فعادوا في المعاصي، فسير الله عليهم السباء الثالث: ملك رومية يقال له فاقس بن اسبايوس، فغزاهم في البر والبحر فسباهم، وسيَّر حلى بيت المقدس وأحرق بيت المقدس بالنيران، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: - "فهذا من صفة حلى بيت المقدس ويرده المهدي إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة يرسى بها على يافا، حتى تنتقل إلى بيت المقدس وبها يجتمع إليه الأوّلون والآخرون ". تفسير : وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال: كان إفسادهم الذي يفسدون في الأرض مرتين: قتل زكريا عليه السلام ويحيى بن زكريا، فسلط عليهم سابور ذا الأكتاف، ملكاً من ملوك فارس، من قبل زكريا، وسلط عليهم بختنصر من قبل يحيى. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: {فإذا جاء وعد أولاهما} قال: إذا جاء وعد أولى تينك المرتين اللتين قضينا إلى بني إسرائيل {لتفسدن في الأرض مرتين}. وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد} قال جند أتوا من فارس يتجسسون من أخبارهم ويسمعون حديثهم معهم بختنصر فوعى حديثهم من بين أصحابه، ثم رجعت فارس ولم يكثر قتال ونصرت عليهم بنو إسرائيل، فهذا وعد الأولى {فإذا جاء وعد الآخرة} بعث ملك فارس ببابل جيشاً وأمر عليهم بختنصر فدمروهم، فهذا وعد الآخرة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فجاسوا} قال فمشوا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: أما المرة الأولى فسلط عليهم جالوت، حتى بعث طالوت ومعه داود فقتله داود، ثم رد الكرة لبني إسرائيل {وجعلناكم أكثر نفيراً} أي عدداً وذلك في زمان داود {فإذا جاء وعد الآخرة} آخر العقوبتين {ليسوءوا وجوهكم} قال ليقبحوا وجوهكم، {وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة} قال: كما دخل عدوهم قبل ذلك {وليتبروا ما علوا تتبيرا} قال: يدمروا ما علوا تدميراً، فبعث الله عليهم في الآخرة بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلق الله إليه، فسبى وقتل وخرب بيت المقدس، وسامهم سوء العذاب. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: كانت الآخرة أشد من الأولى بكثير، فإن الأولى كانت هزيمة فقط، والآخرة كانت تدميراً، وحرق بختنصر التوراة حتى لم يترك فيها حرفاً واحداً، وخرب بيت المقدس. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {تتبيراً} قال: تدميراً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: {تبرنا} دمرنا بالنبطية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: {عسى ربكم أن يرحمكم} قال: كانت الرحمة التي وعدهم: بعث محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {وإن عدتم عدنا} قال: فعادوا، فبعث الله عليهم محمداً - صلى الله عليه وسلم - فهم يعطون {أية : الجزية عن يد وهم صاغرون} تفسير : [التوبة: 29]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً} قال: سجناً. وأخرج ابن النجار في تاريخه، عن أبي عمران الجوني في قوله: {وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً} قال سجناً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم, عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً} يقول جعل الله مأواهم فيها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {حصيراً} قال: يحصرون فيها. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: {حصيراً} قال: فراشاً ومهاداً.
ابو السعود
تفسير : {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} سبحان علمٌ للتسبـيح كعثمانَ للرجل وحيث كان المسمّى معنى لا عيناً، وجنساً لا شخصاً لم تكن إضافتُه من قبـيل ما في: زيدُ المعارك أو حاتمُ طيْءٍ، وانتصابه بفعل متروكِ الإظهار تقديرُه أسبح الله سبحان الخ، وفيه ما لا يخفى من الدلالة على التنزيه البليغِ من حيث الاشتقاقُ من السبْح الذي هو الذهابُ والإبعادُ في الأرض، ومنه فرسٌ سَبوحٌ أي واسعُ الجري، ومن جهة النقلِ إلى التفعيل، ومن جهة العدولِ من المصدر إلى الاسم الموضوعِ له خاصة لا سيما وهو علمٌ يشير إلى الحقيقة الحاضرةِ في الذهن ومن جهة قيامِه مَقام المصدر مع الفعل، وقيل: هو مصدرٌ كغفران بمعنى التنزه، ففيه مبالغةٌ من حيث إضافةُ التنزه إلى ذاته المقدسةِ ومناسبةٌ تامة بـين المحذوف وبـين ما عُطف عليه في قوله سبحانه وتعالى، كأنه قيل: تنزه بذاته وتعالى. والإسراءُ السيرُ بالليل خاصة كالسُّرى وقوله تعالى: {لَيْلاً} لإفادة قلةِ زمان الإسراءِ لِما فيه من التنكير الدالِّ على البعضية من حيث الأجزاءُ دَلالتَه على البعضية من حيث الأفراد، فإن قولك: سِرت ليلاً كما يفيد بعضيةَ زمان سيرِك من الليالي يفيد بعضيتَه من فرد واحد منها بخلاف ما إذا قلت: سرتُ الليلَ فإنه يفيد استيعابَ السير له جميعاً، فيكون معياراً للسير لا ظرفاً له ويؤيده قراءةُ (من الليل) أي بعضِه، وإيثارُ لفظ العبدِ للإيذان بتمحّضه عليه الصلاة والسلام في عبادته سبحانه وبلوغِه في ذلك غايةَ الغايات القاصيةِ ونهايةَ النهاياتِ النائية حسبما يلوّح به مبدأُ الإسراء ومنتهاه، وإضافةُ التنزيه أو التنزّه إلى الموصول المذكورِ للإشعار بعلّية ما في حيز الصلةِ للمضاف فإن ذلك من أدلة كمالِ قدرتِه وبالغِ حكمتِه ونهايةِ تنزهه عن صفات المخلوقين. {مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} اختُلف في مبدأ الإسراءِ فقيل: هو المسجدُ الحرام بعينه وهو الظاهرُ، فإنه رُوي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: « حديث : بـينا أنا في المسجد الحرام في الحِجْر عند البـيت بـين النائم واليقظانِ إذْ أتاني جبريلُ عليه الصلاة والسلام بالبُراق » تفسير : وقيل: هو دارُ أم هانىءٍ بنتِ أبـي طالب، والمراد بالمسجد الحرام الحرمُ لإحاطته بالمسجد والْتباسِه به، أو لأن الحرم كلَّه مسجد، فإنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما حديث : أنه عليه الصلاة والسلام كان نائماً في بـيت أم هانىء بعد صلاة العشاءِ فكان ما كان فقصّه عليها، فلما قام ليخرُج إلى المسجد تشبّثتْ بثوبه عليه الصلاة والسلام لتمنعه خشية أن يكذبه القومُ، قال عليه الصلاة والسلام: «وإن كذبوني»، فلما خرج جلس إليه أبو جهل فأخبره صلى الله عليه وسلم بحديث الإسراءِ فقال أبو جهل: يا معشر كعبِ بنِ لؤي بنِ غالب، هلُمّ فحدِّثْهم فمن مصفّق وواضعٍ يدَه على رأسه تعجباً وإنكاراً وارتد ناسٌ ممن كان آمن به، وسعى رجالٌ إلى أبـي بكر فقال: إن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أتصدّقه على ذلك؟ قال: إني أصدقه على أبعدَ من ذلك، فسُمِّيَ الصِّديقُ وكان فيهم من يعرف بـيت المقدس فاستنعتوه المسجدَ فجُلِّي له بـيتُ المقدس فطفِق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أما النعتُ فقد أصابه. فقالوا: أخبِرْنا عن عِيرنا، فأخبرهم بعدد جمالِها وأحوالها وقال: «تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمُها جملٌ أورَقُ»، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم: هذه والله الشمسُ قد أشرقت، فقال آخرُ: هذه والله العِيرُ قد أقبلت يقدمها جملٌ أورقُ كما قال محمد، ثم لم يؤمنوا قاتلهم الله أنى يؤفكونتفسير : . واختُلف في وقته أيضاً، فقيل: كان قبل الهجرةِ بسنة، وعن أنس والحسنِ أنه قبل البعثة، واختلف أيضاً أنه في اليقظة أو في المنام فعن الحسن أنه كان في المنام، وأكثرُ الأقاويل بخلافه، والحق أنه كان في المنام قبل البعثة وفي اليقظة بعدها، واختُلف أيضاً أنه كان جُسمانياً أو روحانياً، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما فُقِد جسدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولكن عُرج بروحه. وعن معاوية أنه قال: إنما عُرج بروحه، والحقُّ أنه كان جُسمانياً على ما ينبىء عنه التصديرُ بالتنزيه وما في ضمنه من التعجب، فإن الروحانيَّ ليس في الاستبعاد والاستنكار وخرقِ العادةِ بهذه المثابة، ولذلك تعجبت منه قريشٌ وأحالوه ولا استحالة فيه، فإنه قد ثبت في الهندسة أن قُطرَ الشمس ضِعفَ قطرِ الأرض مائة ونيفاً وستين مرة، ثم إن طرفها الأسفلَ يصل إلى موضع طرفِها الأعلى بحركة الفَلك الأعظمِ مع معاوقة حركةِ فلكِها لها في أقلَّ من ثانية، وقد تقرر أن الأجسام متساويةٌ في قَبول الأعراضِ التي من جملتها الحركةُ وأن الله سبحانه قادرٌ على كل ما يحيط به حيطة الإمكان فيقدر على أن يخلق تلك الحركةَ بل أسرعَ منها في جسد النبـي صلى الله عليه وسلم أو فيما يحمِله ولو لم يكن مستبعداً لم يكن معجزة {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} أي بـيتِ المقدس، سُمي به إذ لم يكن حينئذ وراءه مسجدٌ وفي ذلك من تربـية معنى التنزيهِ والتعجّب ما لا يخفى {ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ} ببركات الدين والدنيا لأنه مهبِطُ الوحي ومتعبَّدُ الأنبـياءِ عليهم الصلاة والسلام {لِنُرِيَهُ} غايةٌ للإسراء {مِنْ ءايَـٰتِنَا} العظيمةِ التي من جملتها ذهابُه في برهة من الليل مسيرةَ شهرٍ، ولا يقدح في ذلك كونُه قبل الوصول إلى المقصِد ومشاهدةِ بـيت المقدس وتمثّل الأنبـياءِ له ووقوفِه على مقاماتهم العلية عليهم الصلاة والسلام، والالتفاتُ إلى التكلم لتعظيم تلك البركاتِ والآياتِ، وقرىء ليريَه بالياء {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقواله عليه الصلاة والسلام بلا أذن {ٱلبَصِيرُ} بأفعاله بلا بصر حسبما يؤذِنُ به القصرُ فيكرمُه ويقرّبه بحسب ذلك، وفيه إيماءٌ إلى أن الإسراءَ المذكورَ ليس إلا لتكرمته عليه الصلاة والسلام ورفعِ منزلتِه وإلا فالإحاطةُ بأقواله وأفعاله حاصلةٌ من غير حاجة إلى التقريب، والالتفاتُ إلى الغَيبة لتربـية المهابة.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} [الآية: 1]. قال الواسطى: نزه نفسه، أن يكون لأحد فى تسيير نبيه عليه السلام حركة أو حظرة فيكون شريكًا فى الإسراء، والتسيير. قال أبو يزيد: نزه عما أبدا ولا تعرفه بما أخفى. وقال ابن عطاء: طهر مكان القربة وموقف الدنو عن أن يكون فيه تأثير لمخلوق بحالٍ، فسار بنفسه وسرا بروحه، وسبر بسره فلا السرُّ علم ما فيه الروح، ولا الروح علم ما يشاهد السرَّ، ولا النفس عندها شىء من خيرها وما هُما فيه، وكل واقف مع حده متلقٍ عنه بلا واسطة ولا بقاء بشرية، بل حق تحقق بعبده فحققه وأقامه حيث لا مقام، وخاطبه وأوحا إليه جلّ ربنا وتعالى. ذُكر أن رجلاً جاء إلى جعفر بن محمد وقال: صف إلىَّ المعراج: فقال: كيف أحدق لك مقامًا لم يسمع فيه جبريل صلوات الله وسلامه عليه مع عظم مقامة. سمعت النصرآباذى يقول: أسقط الأعمال والاعتراضات عن المعراج بقوله: أسرى: ولم يقل سُرى لأن القدرة تحمل كل شىء. قوله عز وجل: {ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} [الآية: 1]. قال بعضهم: قال الله تعالى لإبراهيم: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الآنعام: 75] وقال لمحمد عليه السلام {أية : لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا} تفسير : [طه: 23] فغمض عينه عن الآيات شغلاً منه بالحق ولم يلتفت إلى شىء من الآيات والكرامات فقيل له: {أية : إِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4] حديث لم يشغلك ما لنا عنَّا.
القشيري
تفسير : افتتح السورةَ بِذِكْرِ الثناء على نَفْسه فقال: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى} [الإسراء: 1]: الحقُّ سبَّحَ نَفْسَه بعزيزِ خطابِه، وأخبر عن استحقاقه لجلال قَدْرِه، وعن توحُّده بعلوِّ نُعُوتِه. ولمَّا أراد أَنْ يَعْرفَ العبِادُ ما خَصَّ به رسولَه - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ المعراجِ من عُلوٍّ ما رقَّاه إليه، وعِظَمِ ما لَقَّاه به أَزالَ الأعُجوبةَ بقوله: {أَسْرَىٰ}، ونفى عن نبيِّه خَطَرَ الإعجاب بقوله: {بِعَبْدِهِ}؛ لأَنَّ مَنْ عَرَفَ ألوهيته، واستحقاقَه لكمالِ العِزِّ فلا يُتَعَجَّبُ منه أن يفعل ما يفعل، ومَنْ عرف عبوديةَ نَفْسِه، وأَنَّه لا يَمْلِكُ شيئاً من أمره فلا يُعْجَبُ بحاله. فالآية أوضحت شيئين اثنين: نَفَى التعجَّبِ من إظهارِ فِعْلِ اللَّهِ عزَّ وجل، ونفَى الإعجاب في وصف رسول الله عليه السلام. ويقال أخبر عن موسى عليه السلام - حين أكرمه بإسماعه كلامه من غير واسطة - فقال: {أية : وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا}تفسير : [الأعراف: 143]، وأخبر عن نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه {أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} وليس مَنْ جاءَ بنفْسِه كمنْ أَسْرَى به ربُّه، فهذا مُتَحَمِّلٌ وهذا محمول، هذا بنعت الفَرْقِ وهذا بوصف الجمع، هذا مُرِيدٌ وهذا مُرَادٌ. ويقال جعل المعراجَ بالليل عند غَفْلَةِ الرُّقَبَاءِ وغَيْبَةِ الأجانب، ومن غير ميعاد، ومن غير تقديم أُهْبَةٍ واستعداد، كما قيل: ويقال جعل المعراجَ بالليل ليُظْهرَ تصديقَ مَنْ صَدَّقَ، وتكذيبَ مَنْ تعجَّب وكَذَّّبَ أو أنكر وجحد. ويقال لما كان تعبُّدهُ صلى الله عليه وسلم وتهجُّدُه بالليل جَعَلَ الحقُّ سبحانه المعراجَ بالليلِ. ويقال: شعر : ليلةُ الوَصْلِ أَصْفَى من شهور ودهور سواها تفسير : ويقال أرسله الحقُّ - سبحانه - ليبتعلَّم أهلُ الأرضِ منه العبادة، ثم رَقَّاه إلى السماءِ ليتعلَّمَ الملائكةُ منه آدابَ العبادة، قال تعالى في وصفه - صلى الله عليه وسلم -: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}تفسير : [النجم: 17]، فما التَفَتَ يميناً وشمالاً، وما طمع في مقامٍ ولا في إكرام؛ تجرَّد عن كلِّ طلبٍ وأَرَبٍ. قوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ}: كان تعريفه بالآيات ثم بالصفات ثم كَشّفٌ بالذات. ويقال من الآيات التي أراها له تلك الليلة أنه ليس كمثله - سبحانه - شيءٌ في جلالهِ وجماله، وعِزِّه وكبريائه، ومجده وسنائه. ثم أراه من آياته تلك الليلة ما عَرَفَ به صلوات الله عليه - أنه ليس أحدٌ من الخلائق مثْلَه في نبوته ورسالته وعلوِّ حالته وجلال رتبته.
البقلي
تفسير : {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} فى هذه الآية اشارات اشارة التقديس واشارة الغيرة واشارة الغيب واشارة السر فامّا اشارة التقديس فقوله سبحان اى منزه عن اشارة الجهات والاماكن فى الفوقية وما يتوهم اليه الخلق انه اذا وصل عبده الى وراء الوراء انه كان فى مكان اى لا تتوهموا برفع عبده الى ملكوت السّماوات انه رفع الى مكان او هو فى مكان فان الاكوان والمكان اقل من خردلة فى وادى قدرته الا ترى الى قوله عليه السّلام الكون فى يمين الرحمن اقل من خردلة فالعندية والفوقية منزهة عن اوهام المشبهة حيث توهموا انه اسرى به الى المكان اى سبحان من تقدس هذه التهمة واما اشارة الغيرة فقوله الذى ولم يذكر من اسم الظاهر مثل الله والرحمن لانه غار بنفسه ان يراه احد سوى عبده وما سمى النبى باسمه الظاهر ايضا غيره عليه فرفع الاسمين من البين لئلا يطلع عليهما من العرش الى الثرى واما اشارة الغيب قوله اسرى سرا على ما بين العبد والرب وقوله ليلا محل السر والنجوى فبان من التقديس افراد القدم عن الحدوث وسقوط الاكتساب عن محل التفضل وكون الاختصاص له من البرية وطهارة القدم عن احاطة الحدث به وبقاء العزة بوصفه عن محمدة العارفين وعرفان الموحدين وبان عن اسم المبهم حقائق المحبة وامتناع الصمدية عن ادراك الخليقة وبان من اشارة الغيب ظهور انوار الربوبية وسطوع انوار علم المجهول وبان من اشارة السر خطاب المتشابهات وغوامض علوم المشكلات والاشارة الىوقائع اشراط الساعة اسرى بعبده من محل الارادة الى محل المحبة ومن محل المحبة الى محل المعرفة ومن محل المعرفة الى محل التوحيد ومن محل التوحيد الى محل التفريد ومن محل التفريد الى محل الفناء ومن محل الفناء الى محل البقاء ومن محل البقاء الى محل الاتصاف ومن محل الاتصاف الى محل محل الاتحاد فلم يبق فيه منه شئ من رسوم الحدوثية من استيلاء القدم على الحدث فدنا منه ثم تدلى عنه ثم فنى فيه فكان بين فنائه وبقائه قاب قوسين قوس الازل وقوس الابد فبين القوسين غاب فى الغيب فبقى غيب واستوى او ادنى فازال بالغيرة غي غيبه كانه كان فى فناء الفناء والفناء عن فناء الفناء فبقى اسمه مع اسم الاشارة بقوله سبحان الذى اسرى بعبده اى هو مع مكانته فى مقام الاتحاد على وصف العبودية وسبحان الذى سبحان عن ان يكون محلا للحوادث او يحل فى الحوادث او امتزجت اللاهوتية بالناسوتية قوله سبحانه كان ازليا سرمديا كان سبحان قبل ايجاد العبد والتعبد عن القريب والبعيد هو هو بذاته وصفاه له لغيره امتنع عن القرب والبعد من جهة الخليقة بحال من الاحوال ابد الابدين اسرى من رؤية فعله وآياته الى رؤية صفاته ومن روية صفاته الى روية ذاته واشهده مشاهدة جماله فراى الحق بالحق وصار هناك موصوفا بوصف الحق فكان صورته روحه وروحه عقله وعقله قلبه وقلبه سِره فراى الحق بجميع وجوده لان وجوده صار بجميعه عينا من عيون الحق فراى الحق بجميع العيون وسمع خطاب بجميع الاسماع وعرف الحق بجميع القلوب حتى فنيت عيونه واسماعه وقلوبه وارواحه وعقوله فى الحق فنظر الحق الى الحق لاجله نيابة عنه لان عيون الحدوثية فنيت فى عيون الحق وعيون الحق رجعت الى الحق فراى الحق الحق وعرف الحق الحق وسمع الحق من الحق رحمة منه اليه وتلطفا به لانه لسمع ويرى الا ترى الى آخر الآية قوله {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} سمع كلامه من نفسه وابصر نفسه بنفسه كان فى الازل سميعا بصيرا لكن ههنا يسمع ويبصر بسمع عبده وبصر عبده قال الواسطى نزه نفسه ان يكون لاحد فى تسيير نبيه صلى الله عليه وسلم حركة وخطوة فيكون شريكا فى الاسراء والتسرية وقال ابو يزيد نزهه عما ابدى ولا تعرفه بما اخفى وقال ابن عطا طهر مكان القربة وموقف الدنو عن ان يكون فيه تاثير لمخلوق بحال فسرى بنفسه وسرى بروحه وسرى بسره فلا السر علم ما فيه الروح ولا الروح علم ما يشاهده السر ولا النفس عندها شئ من خبرهما وما هما فيه وكل وقف مع حده مشاهدا للحق متلقفا عنه بلا واسطة ولا بقاء بشرية بل حق تحقق بعبده فحققه واقامه حيث لا مقام وخاطبه واوحى اليه ما اوحى جل ربنا وتعالى وقال جاء رجل الى جعفر بن محمد وقال صف لى المعراج فقال كيف اصف لك مقاما لم يسمع فيه جبرئيل مع عظم محله وسبب بداية المعراج الذهاب الى المسجد الاقصى لان هناك الآيات الكبرى من بركة انوار تجليه لارواح الانبياء واشباحهم وهناك بقربه طور سينا وطور زيتا والمصيصة ومقام ابراهيم وموسى وعيسى فى تلك الجبال مواضع كشوف الحق لذلك قال باركنا حوله لنريه من آياتنا من علامات شواهد مشاهدتنا حتى يتعود برؤية شهودنا فى الآيات وليقوى برويتها حتى يطيق ان يرى آيات عظام الملكوت وسبب عروجه الى الملكوت ليرى جمال الجبروت فى انوارها لانه سال عن الحق رؤية ظهور صفاته فى مرآة آياته بقوله ارنا الاشياء كما هى فاراه الحق ما سال بقوله لنريه من آياتنا هو يريه وهو قادر بذلك وهو منزه عن الحلول فى الآيات الا ترى الى اول الآية كيف قال سبحان الذى والحكمة فى ذلك انه اذا قوى فى روية الصفات فى الملكوت الاعلى والملكوت السفلى يطيق ان يرى تصرف ذاته بلا حجاب ولا حسبان ولا قتام ولا ضباب ولا علة ولا آيات ولا شواهد بل يراه به لا بشئ ولا باياه قال بعضهم قال الله وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السّماوات والارض وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم لنريه من آياتنا فغمض عينيه على الآيات شغلا منه بالحق ولم يلتفت الى شئ من الآيات والكرامات فقيل له وانك لعلى خلق عظيم حيث لم يشغلك ما لنا عنا ويقال ارسله الحق سبحانه ليتعلم منه اهل الارض العبادة ثم رقاه الى السماء ليتعلم الملائكة منه اداب العبادة قال الله ما زاغ البصر وما طغى ما التفت يمينا ولا شمالا ما طمع فى مقام ولا فى اكرام وتحرز عن كل طلب وارب قال الاستاد فى قوله لنريه من آيا ما كان تعريفا بالآيات ثم تعريفا بالصفات ثم كشفا بالذات.
اسماعيل حقي
تفسير : {سبحان} اسم بمعنى التسبيح الذى هو التنزيه ومتضمن معنى التعجب وانتصابه بفعل مضمر متروك واظهاره تقديره اسبح الله عن صفات المخلوقين سبحان بمعنى تسبيحا ثم نزل منزلة الفعل فناب منابة كقولهم معاذ الله وغفرانك وغير ذلك. وقيل هو مصدر كغفران بمعنى التنزه وتصدير الكلام به للتنزيه عن العجز عما ذكره بعده وهو لا ينفى التعجب. قال فى التأويلات النجمية كلمة سبحان للتعجب بها يشير الى اعجب امر من اموره تعالى جرى بينه وبين حبيبه. وفى الاسئلة الحكم اما اقتران الاسراء بالتسبيح ليتقى بذلك ذو العقل وصاحب الوهم ومن يحكم عليه خياله من اهل التشبيه والتجسيم مما يخيله فى حق الخالق من الجهة والجسد والحد والمكان. وأنما تعجب بعروجه دون نزوله عليه السلام لانه لما عرج كان مقصده الحق تعالى ولما نزل كان مقصد الخلق والمقصود من التعجب التعجب بعروجه. وايضا ان عروجه اعجب من نزوله لان عروج الكثيف الى العلو من العجائب {الذى اسرى بعبده}. قال الكاشفى [با كى وبى عيبى آنراكه بجهت كرامت ببرد بنده خودرا كه محما ست صلى الله عليه وسلم] الاسراء السير بالليل خاصة كالسرى يقال اسرى وسرى اى سار ليلا ومنه السرية لواحدة السرايا لانها تسرى فى خفية واسرى به اى سيره ليلا. قال النضر سقط السؤال والاعتراضات على المعراج بقول اسرى دون سار ونظيره قوله عليه السلام "حديث : حببّ الى من دنياكم ثلاث"تفسير : حيث لم يقل احببت. وانما قال بعبده دون بنبيه لئلا يتوهم فيه نبوة والوهة كما توهموا فى عيسى ابن مريم عليهما السلام بانسلاخه عن الاكوان وعروجه بجسم الى الملأ الاعلى مناقصا للعادات البشرية واطوارها. وادخل الباء للمناسبة بين العبودية التى هى الذلة والتواضع وبين الباء التى هى حرف الخفض والكسر فان كل ذليل منكسر. وفيه اشارة الى شرف مقام العبودية حتى قال الامام فى تفسيره ان العبودية افضل من الرسالة لان بالعبودية ينصرف من الخلق الى الحق فهى مقام الجمع وبالرسالة ينصرف من الحق الى الخلق فهى مقام الفرق والعبودية ان يكل اموره الى سيده فيكون هو المتكفل باصلاح مهامه والرسالة التكفل بمهام الامة وشتان ما بينهما. قال الشيخ الاكبر قدس سره ان معراجه عليه السلام اربع وثلاثون مرة واحدة بجسده والباقى بروحه رؤيا رآها اى قبل النبوة وبعدها وكان الاسراء الذى حصل له قبل ان يوحى اليه توطئة له وتيسيرا عليه كما كان بدأ نبوته الرؤيا الصادقة والذى يدل على انه عليه السلام عرج مرة بروحه وجسده معا قوله اسرى بعبده فان العبد اسم للروح والجسد جميعا وايضا ان البراق الذى هو من جنس الدواب انما يحمل الاجساد وايضا لو كان بالروح حال النوم او حال الفناء او الانسلاخ لما استبعده المنكرون اذ المتهيئون من جميع الملل يحصل لهم مثل ذلك ويتعارفونه بينهم. قال الكاشفى [آنانكه درين قصه ثقل جسدرا مانع دانند از صعود ارباب بدعت اند ومنكر قدرت] شعر : آنكه سرشت تنش ازجان بود سير وعروجش بتن آسان بود تفسير : وقد ذكروا ان جبريل عليه السلام اخذ طينة النبى صلىالله عليه وسلم فعجنها بمياه الجنة وغسلها من كل كثافة وكدورة فكأن جسده الطاهر كان من العالم العلوى كروحه الشريف. فان قلت ففيم اسرى به. قلت قال صلى الله عليه وسلم "حديث : اسرى بى فى قفص من لؤلؤ فراشه من ذهب"تفسير : كما فى بحر العلوم {ليلا} نصب على الظرف وهو تأكيد اذ الاسراء فى لسان العرب لا يكن الا ليلا حتى لا يتخيل انه كان نهارا ولا يظن انه حصل بروحه او لافادة تقليل مدة الاسراء فى جزء من الليل لما فى التنكير من الدلالة على البعضية من حيث الافراد فان قولك سرت ليلا كما يفيد بعضية زمان سيرك من الليالى يفيد بعضيته من فرد واحد منها بخلاف ما اذا قلت سرت الليل فانه يفيد استيعاب السير له جميعا فيكون معيارا للسير لا ظرفا له وهى ليلة سبع وعشرين من رجب ليلة الاثنين وعليه عمل الناس قالوا انه عليه السلام ولد يوم الاثنين بعث يوم الاثنين واسرى به ليلة الاثنين وخرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين ومات يوم الاثنين ولعل سره ان يوم الاثنين اشارة الى التعين الثانى الذى هو مبدأ الفياضة ونظيره الباء كما ان الباء من الحروف الهجائية له التعين الثانى فكذا يوم الاثنين فكان الالف ويوم الاحد بمنزلة تعين الذات والباء ويوم الاثنين اى تعينهما بمنزلة تعين الصفات فافهم وفى وصف هذه الليلة: قال المولى الجامى قدس سره شعر : ز قدر او مثالى ليلة القدر ز نور او براتى ليلة البدر سوادطره اش خجلت ده حور بياض غره اش نور على نور نسيمش جعد سنبل شانه كرده هوايش اشك بشنم دانه كرده بمسمار ثوابت جرخ سيار به بسته در جهان درهاى ادبار طرب را جون سخن خندان ازولب كريزان روز محنت زو شباشب تفسير : فان قلت فلم جعل المعراج ليلا ولم يجعل نهارا حتى لا يكون اشكال وطعن. قلت ليظهر تصديق من صدق وتكذيب من كذب. وايضا ان الليل محل الخلوة بالحبيب فالليل حظ الفراش والوصال والنهار حظ اللباس والفراق والليل مظهر البطون والنهار مظهر الظهور والليل راحة من الجنة والنهار تعب والتعب من النار وكان الاسراء قبل الهجرة بسنة: يعنى [درسال دوازدهم از مبعث بوده] {من المسجد الحرام} اصح الروايات على ان الاسراء كان من بيت ام هانئ بنت ابى طالب وكان بيتها من الحرم والحرم كله مسجد. قالوا حدود الحرم من جهة المدينة على ثلاثة اميال ومن طريق العراق على سبعة اميال ومن طريق الجعرانة على تسعة اميال ومن طريق الطائف على سبعة اميال ومن طريق جده على عشرة اميال والمواقيت الخمسة التى وقتها النبى صلى الله عليه وسلم وعينها للاحرام فناء للحرم وهو فناء للمسجد الحرام وهو فناء للبيت شرفه الله تعالى فالبيت اشارة الى الذات الالهية والمسجد الحرام على الصفات والحرم الى الافعال وخارج المواقيت الى الآثار ومن قصد مكة سواء كان للزيارة او غيرها لا يحل له التجاوز من هذه الافنية غير محرم تعظيما لها وقس عليه دخول المساجد وحضور المشايخ اصحاب القلوب للصلاة والزيارة فانه لا بدمن ادب الظاهر والباطن فى كل منهما - ذكروا - ان الحجر الاسود اخرج من الجنة وله ضوء فكل موضع بلغ ضوءه كان حرما. وعن ابن عباس رضى الله عنهما لما هبط آدم الى الارض خر ساجدا معتذرا فارسل الله تعالى جبريل بعد اربعين سنة يعلمه بقبول توبته فشكا الى الله تعالى ما فاته من الطواف بالعرش فاهبط الله له البيت المعمور وكان ياقوتة حمراء فاضاء ما بين المشرق والمغرب فنفرت من ذلك النور الجن والشياطين وفزعوا وتفرقوا فى الجو ينظرونه فلما رأوه اى النور من جانب مكة اقبلوا يريدون الاقتراب اليه فارسل الله تعالى ملائكته فقاموا حوالى الحرم فى مكان الاعلام اليوم ومنعوهم فمن ثمة تسمى الحرم بالحرم {الى المسجد الاقصى} اى بيت المقدس وسمى بالاقصى اى الا بعد لانه لم يكن حينئذ ورآه مسجد فهو ابعد المساجد من مكة وكان بينهما اكثر من مسيرة شهر. قال بعض العارفين اشار بالمسجد الحرام الى مقام القلب المحرم ان يطوف به مشركوا القوى البدنية الحيوانية وترتكب فيه فواحشها وخطاياها وتحجه غير القوى الحيوانية من الصفات البهيمية والسبعية. واشار بالمسجد الاقصى الى مقام الروح الا بعد من العالم الجسمانى لشهود تجليات الذات. قال فى هدية المهديين معراج النبى عليه السلام الى المسجد الاقصى ثابت بالكتاب وهو فى اليقظة وبالجسد باجماع القرن الثانى ثم الى السماء بالخبر المشهور ثم الى الجنة او العرش او الى طواف العالم بخبر الواحد انتهى. قال الكاشفى [رفتن آن حضرت ازمه ببيت المقدس بنص قرآن ثابتست ومنكرآ أن كافر وعروج برآسمانها ووصول بمرتبهقربت باحاديث صححه مشهوره كه قريبست بحد تواتر ثابت كشث وهركه انكار آن كند ضال ومبتدع باشد] شعر : شاهد معراج نبى وافرست وآنكه مقرنيست بدين كافرست دستكه سلطنت اين وصال نيست به بامزدى خيل خيال عقل جه داند جه مقامست اين عشق شناست كه جه دامست اين تفسير : {الذى باركنا حوله} [آن مسجدى كه بركت كرديم بركرد او] ببركات الدين والدنيا لانه مهبط الوحى والملائكة ومتعبد الانبياء من لدن موسى عليه السلام ومحفوف بالانهار والاشجار المثمرة فدمشق والاردنّ فلسطين من المدائن التى حوله {لنريه من آيتنا} غاية للاسراء واشارة الى ان الحكمة فى الاسراء به اراءة آيات مخصوصة بذاته تعالى التى ما شرف باراءتها احدا من الاولين والآخرين الا سيد المرسلين وخاتم النبيين فانه تبارك وتعالى أرى خليله عليه السلام وهو اعز الخلق عليه بعد حبيبه الملكوت كما قال {أية : وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السموات والارض}تفسير : وأرى حبيبه آيات ربوبيته الكبرى كما قال {أية : لقد رأى من آيات ربه الكبرى}تفسير : ليكون من المحبين المحبوبين فمن تبعضية لان ما اراه الله تعالى فى تلك الاليلة انما هو بعض آياته العظمى واضافة الآيات الى نفسه على سبيل التعظيم لها لان المضاف الى العظيم عظيم. وسقط الاعتراض بان الله تعالى ارى ابراهيم ملكوت السموات والارض وأرى نبينا عليه السلام بعض آياته فيلزم ان يكون معراج ابراهيم افضل. وحاصل الجواب انه يجوز ان يكون بعض الآيات المضافة الى الله تعالى اعظم واشرف من ملكوت السموات والارض كلها كما قال تعالى {أية : لقد رأى من آيات ربه الكبرى } تفسير : قالوا فى التفاسير هى ذهابه فى بعض الليل مسيرة شهر ومشاهدته بيت المقدس وتمثل الانبياء له ووقوفه على مقاماتهم العلية ونحوها. قال فى اسئلة الحكم اما الآيات الكبرى. فمنها فى الآفاق ما ذكره عليه السلام من النجوم والسموات والمعارج العلى والرفرف الادنى وصرير الاقلام وشهود الالواح وما غشى الله سدرة المنتهى من الانوار وانتهاء الارواح والعلوم والاعمال اليها ومقام قاب قوسين من آيات الآفاق ومنها آيات الانفس كما قال سبحانه {سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم} وقوله {اوا دنى} وهو مقام المحبة والاختصاص باللهو {أية : فاوحى الى عبده ما اوحى}تفسير : مقام المسامرة وهو الهوّ غيب الغيب وايده {أية : ما كذب الفؤاد ما رأى}تفسير : والفؤاد قلب القلب وللقلب رؤية وللفؤاد رؤية فرؤية القلب يدركها العمى كما قال تعالى {أية : ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور}تفسير : والفؤاد لا يعمى لانه لا يعرف الكون وما له تعلق الا بسيده فان العبد هنا عبد من جميع الوجوه منزه مطلق التنزيه فى عبوديته فما نقل عبده من مكان الى مكان الا ليريه من آياته التى غابت عنه كانه تعالى قال ما اسريت به الا لرؤية الآيات لا الى ّ فانى لا يحدنى مكان ولا يقيدنى زمان ونسبة الامكنة والازمنة الى نسبة واحدة وانا الذى وسعنى قلب عبدى فكيف اسرى به الىّ وانا عنده ومعه اينما كان نزولا وعروجا واستواء {انه هوالسميع} لقوله صلى الله عليه وسلم بلا اذن كما يتكلم من غير آلة الكلام وهو اللسان ويعلم من غير اداة العلم وهو القلب {البصير} بافعال له بلا بصر حسبما يؤذن به القصر فيكرمه ويقربه بحسب ذلك. وفيه ايماء الى ان الاسراء المذكور ليس الا لتكرمته ورفع منزلته والا فالاحاطة باقواله وافعاله حاصلة من غير حاجة الى التقريب. وفى التأويلات وفى قوله {انه هو السميع البصير} اشارة الى ان النبى صلى الله عليه وسلم هو السميع الذى قال الله "حديث : كنت سمعا له في يسمع وبى يبصر"تفسير : فتحقيقه لنريه من آيتنا المخصوصة بجمالنا وجلالنا انه هو السميع بسمعنا البصير ببصرنا فانه لا يسمع كلامنا الا بسمعنا ولا يبصر جمالنا الا ببصرنا شعر : جودر مكتب بى نشانى رسيد جكويم كه آنجاجه ديد وشنيد ورق در نوشتند وكم شد سبق شنيدن بحق بود وديدن بحق تفسير : (وتفصيل القصة) انه عليه السلام بات ليلة الاثنين ليلة السابع والعشرين من رجب كما سبق فى بيت ام هانى بنت ابى طالب واسمها على الاشهر فاختة اسلمت يوم الفتح وهرب زوجها جبيرة الى نجران ومات بها على كفره واضطجع عليه السلام هناك بعد ان صلى الركعتين اللتين كان يصليهما وقت العشاء ونام ففرج عن سقف بيتها ونزل جبريل وميكائيل واسرافيل عليهم السلام ومع كل واحد منهم سبعون الف ملك وايقظه جبريل بجناحه كما قال المولى الجامى شعر : درين شب آن جراغ جشم ببنش سزاى آفرين از آفرينش جو دولت شد زبد خواهان نهانى سوى دولت سراى امهانى به بهلوتكيه بر مهد زمين كرد زمين را مهد جان نازنين كرد دلش ببدار جشمش درشكر خواب نديده جشم بخت اين خوابت درخواب درآمد نا كهان ناموس اكبر سبك روترازين طاوس اخضر برو ماليد بر كاى خواجه بر خيز كه امشب خواب آمد دولت انكيز برون بر يكزمان زين خوابكه رخت توبخت عالمى يبخواب به بخت تفسير : قال عليه السلام "حديث : فقمت الى جبريل فقلت اخى جبريل مالك فقال يا محمد ان ربى تعالى بعثنى اليك امرنى ان آتيه بك فى هذه الليلة بكرامة لم يكرم بها احد قبلك ولا يكرم بها احد بعدك فانك تريد ان تكلم ربك وتنظر اليه وترى فى هذه الليلة من عجائب ربك وعظمته وقدرته"تفسير : قال عليه السلام "حديث : فتوضأت وصليت ركعتين"تفسير : وشق جبريل صدره الشريف من الموضع المنخفض بين الترقوتين الى اسفل بطنه اى اشار الى ذلك فانشق فلم يكن الشق بآلة ولم يسل دم ولم يجد له عليه السلام الما لانه من خرق العادة وظهور المعجزات فجاء بطست من ماء زمزم واستخرج قلبه عليه السلام فغسل ثلاث مرات ونزع ما كان فيه من اذى. وفيه اشارة الى فضل زمزم على المياه كلها جنانية او غيرها ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ ايمانا وحكمة فافرغ فيه لان المعانى تمثل بالاجسام كالعلم بصورة اللبن ووضعت فيه السكنة ثم اعاد القلب الى مكانه والتأم صدره الشريف فكانوا يرون اثرا كأثر المخيط فى صدره وهو اثر مر وريد جبريل. ووقع له عليه السلام شق الصدر ثلاث مرات. والمرة الاولى. حين كان فى بنى سعد وهو ابن خمس سنين على ما قاله ابن عباس رضى الله عنهما واخرج فى هذه المرة الملقة السوداء من القلب التى هى حظ الشيطان ومحل غمزه اى محل ما يلقيه من الامور التى لا تنبغى فلم يكن للشيطان فى قلب النبى عليه السلام حظ وكذا لم يكن لقلبه الطاهر ميل الى لعب الصبيان ونحوه وهو مما اختص به دون الانبياء عليهم السلام اذ لم يكن لهم شرح الصدر على هذا الاسلوب وللورثة الكمل حظ من هذا المعنى فانه يخرج من بعضهم الدم الاسود بالقيئ فى حال اليقظة ومن بعضهم حال الفناء والانسلاخ والاول اتم لانه يزول القلب بالكلية فينشط للعبادات كالعادات وجاء جبريل فى هذه المرة بخاتم من نور يحار الناظرون دونه فختم به قلبه عليه السلام لحفظ ما فيه وختم ايضا بين كتفيه بخاتم النبوة اى الذى هو علامة على النبوة وكان حوله خيلان فيها شعرات سود مائلة الى الحضرة وكان كالتفاحة او كبيض الحمامة او كرز الحجلة وهو طائر على قدر الحمامة كالقطاة احمر المنقار والرجلين ويسمى دجاج البر وزرها بيضتها. قال الترمذى والصواب حجلة السرير واحدة الحجال وزرها الذى يدخل فى عروتها كما فى حياة الحيوان مكتوب عليه (لا اله الا الله محمد رسول الله) او (محمد نبى امين) او غير ذلك. والتوفيق بين الروايات بتنوع الحظوظ بحسب الحالات والتجليات او بالنسبة الى انظار الناظرين. قال الامام الدميرى ان بعض الاولياء سأل الله تعالى ان يريه كيف يأتى الشيطان ويوسوس فاراه الحق هيكل الانسان فى صورة بلور وبين كتفيه شامة سوداء كالعش والوكر فجاء الخناس يتحسس من جميع جوانبه وهو فى صورة خنزير له خرطوم كخرطوم الفيل فجاء من بين الكتفين فادخل خرطومه قبل قلبه فوسوس اليه فذكر الله تعالى فخنس وراءه ولذلك سمى بالخناس لانه ينكص على عقبيه مهما حصل نور الذكر فى القلب ولهذا السر الالهى كان عليه السلام يحتجم بين كتفيه ويأمر بذلك ووصاه جبريل بذلك لتضعيف مادة الشيطان وتضييق مرصده لانه يجرى وسوسته مجرى الدم ولذلك كان خاتم النبوة بين كتفيه اشارة الى عصمته من وسوسته لقوله "حديث : اعاننى الله عليه فاسلم"تفسير : اى بالختم الالهى ايده به وخصه وشرفه وفضله بالعصمة الكلية فاسلم قرينه وما اسلم قرين آدم فوسوس اليه لذلك. والمرة الثانية عند مجيئ الوحى فى بلوغه سن اربعين ليحصل له التحمل لاعباء الرسالة. والمرة الثالثة. ليلة الاسراء وهو ابن ثنتين وخمسين ليتسع قلبه لحفظ الاسرار الالهية والكلمات الربانية جاء جبريل هذه الليلة بدابة بيضاء ومن ثمة قيل لها البراق بضم الموحدة لشدة بريقها او لسرعتها فهى كالبرق الذى يلمع فى الغيم كما قال المولى الجامى قدس سره شعر : يسيج راه عرشت كردم اينك براقى برق سير آوردم اينك جهنده برزمين خوش باديابى برنده درهوا فرخ همايى جو عقل كل سوى افلاك كردى جو فكر هندسه كيتى نوردى نه دست كس عنان او بسوده نه از بابى ر كابش كشته سوه تفسير : وهى دابة فوق الحمار دون البغل. قال صاحب المنتقى الحكمة فى كونه على هيئة بغل ولم يكن على هيئة فرس التنبيه على ان الركوب فى سلم وامن لا فى خوف وحرب اولا ظهار الآية فى الاسراع العجيب فى دابة لا يوصف شكلها بالاسراع فانه كان يضع خطوه عند اقصى طرفه ويؤخذ من هذا انه اخذ من الارض الى السماء فى خطوة لان بصر من فى الارض يقع على السماء والى السموات السبع فى سبع خطوات لان بصر من يكون فى السماء يقع على السماء التى فوقها وبه يرد على من استبعد من المتكلمين احضار عرش بلقيس فى لحظة واحدة. وقال فى ربيع الابرار خد البراق كخد الانسان وقوائمها كقوائم البعير وعرفها كعرف الفرس وعليها سرج من لؤلؤة بيضاء وركابان من زبرجد اخضر وعليها لجام من ياقوت احمر يتلألأ نورا. قال فى انسان العيون لا ذكر ولا اثنى ومن لا يوصف بوصف المذكر والمؤنث فهو حقيقة ثالثة ويكون خارجا من قوله تعالى {أية : ومن كل شئ خلقنا زوجين}تفسير : كما خرجت الملائكة من ذلك فانهم ليسوا ذكورا ولا اناثا. قال عليه السلام "حديث : فما رأيت دابة أحسن منها وانى لمشتاق اليها من حسنها فقلت يا جبريل ما هذه الدابة فقال هذا البراق فاركب عليه حتى تمضى الى دعوة ربك فاخذ جبريل بلجامها وميكائيل بركابها واسرافيل من خلفها فقصدت الى ان اركبها فجمحت الدابة وابت فوضع جبريل يده على وركها وقال لها أما تستحيين مما فعلت فوالله ما ركبك احد اكرم على الله من محمد فرشحت عرقا من الحيا " تفسير : قال ابن دحية لم يركب البراق احد قبله عليه السلام ووافقه الامام النووى فقول جبريل ما ركبك لا ينافيه لان السالبة تصدق بنفى الموضوع. فقالت يا جبريل لم استصعب منه الا ليضمن ان يشفع لى يوم القيامة لانه اكرم الخلائق على الله فضمن لها ذلك. قالوا الورد الابيض خلق من عرق جبريل والاصفر من عرق البراق. وعن انس رضى الله عنه رفعه (لما عرج بى الى السماء بكت الارض من بعدى فنبت الاصفر من نباتها فلما رجعت قطر عرقى على الارض فنبت ورد احمر ألا من اراد ان يشم رائحتى فليشم الورد الاحمر). قال ابو الفرج النهر وانى هذا الخبر يسير من كثير مما اكرم الله تعالى نبيه عليه السلام ودل على فضله ورفيع منزلته كما فى المقاصد الحسنة. يقول الفقير هذا لا يستلزم ان لا يكون قبل هذا ورد احمر وابيض واصفر اذ ذلك من باب الكرامة ونظير ذلك ان حواء عليها السلام حين اهبطت الى الارض بكت فما وقع من قطرات دموعها فى البحر صار لؤلؤا وهذا لا يستلزم ان لا يكون قبل هذا در فى البحر وقيس عليه الملح فان ابراهيم عليه السلام اتى بكف من كافور الجنة فذراه فحيثما وقع ذره منه فى اطراف العالم انقلب مملحة وكان قبل هذا ملح لكن لا بهذه المثابة. قال عليه السلام (فركبتها). شعر : ازان دولت سرا جون خواجه دين خرامان شد بعزم خانه زين شد از سبوحيان كردون صداده كه سبحان الذى اسرى بعبده تفسير : واختلفوا هل ركبها جبريل معه. قال صاحب المنتقى الظاهر عندى انه لم يركب لانه عليه السلام مخصوص بشرف الاسراء فانطلق البراق يهوى به يضع حافره حيث ادرك طرفه حتى بلغ ارضنا فقال له جبريل انزل فصل ههنا ففعل ثم ركب فقال له جبريل أتدري أين صليت قال (لا) قال صليت بمدين وهى قرية تلقاء غزة عند شجرة موسى سميت باسم مدين بن موسى لما نزلها فانطلق البراق يهوى به فقال له جبريل انزل فصل ففعل ثم ركب فقال له أتدرى أين صليت قال (لا) قال صليت ببيت لحم وهى قرية تلقاء بيت المقدس حيث ولد عيسى عليه السلام بينا هو صلى الله عليه وسلم على البراق اذ رأى عفاريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار كلما التفت رآه فقال له جبريل ألا اعلمك كلمات تقولهن اذا انت قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه فقال عليه السلام (بلى) فقال جبريل قل اعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات اللاتى لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ فى الارض ومن شر ما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار الا طارقا يطرق بخير يا رحمن فقال عليه السلام (ذلك) فانكب فيه وطفئت شعلته. ورآى صلى الله عليه وسلم حال المجاهدين فى سبيل الله اى كشف له عن حالهم فى دار الجزاء بضرب مثال. فرأى قوما يزرعون ويحصدون من ساعته وكلما حصدوا عاد كما كان فقال (يا جبرائيل ما هذا) قال هؤلاء المجاهدون فى سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما انفقوا من خير فهو يخلفه والمراد تكرير الجزاء لهم. ونادى مناد عن يمينه يا محمد انظرنى اسألك فلم يجبه فقال (ما هذا يا جبريل) فقال هذا داعى اليهود أما انك لواجبته لتهودت امتك اى لتمسكوا بالتوراة والمراد غالب الامة. ونادى مناد عن يساره كذلك فلم يجبه فقال (ما هذا يا جبريل) فقال هذا داعى النصارى أما انك لو اجبته لتنصرت امتك اى لتمسكوا بالانجيل. وكشف له عليه السلام عن حال الدنيا بضرب مثال فرأى امرأة حاسرة عن ذراعيها لان ذلك شأن المقتنص لغيره عليها من كل زينة خلقها الله تعالى ومعلوم ان النوع الواحد من الزينة يجلب القلوب اليه فكيف بوجود سائر انواع الزينة: قال الحافظ شعر : خوش عروسيست جهان ازسر صورت ليكن هر كه بيوست بدو عمر خودش كابين داد تفسير : :وقال شعر : از ره مرو بعشوه دنيى كه اين عجوز مكاره مى نشيند ومحتاله رود تفسير : فقالت يا محمد انظرنى اسألك فلم يلتفت اليها فقال (من هذه يا جبريل) فقال تلك الدنيا أما انك لواجبتها لاختارت امتكم الدنيا على الآخرة. ورأى صلى الله عليه وسلم على جانب الطريق عجوزا فقالت يا محمد انظرنى فلم يلتفت اليها فقال (من هذه يا جبريل) فقال انه لم يبق شئ من عمر الدنيا الا ما بقى من عمر تلك العجوز. وفى كلام بعضهم قد يقال لها شابة وعجوز بمعنى يتعلق بذاتها وبمعنى يتعلق بغيرها. الاول وهوانها من اول وجود هذا النوع الانسانى الى ايام ابراهيم عليه السلام تسمى الدنيا شابة وفيما بعد ذلك الى بعثة نبينا عليه السلام كهلة ومن بعد ذلك الى يوم القيامة تسمى عجوزا وهذا بالنسبة الى القرن الانسانى والا فقد خلق آدم عليه السلام والدنيا عجوز ذهب شبابها ونضارتها كما وردفى بعض الاخبار. فان قلت الشباب ومقابله انما يكون فى الحيوان. قلت الغرض من ذلك التمثيل. وكشف له عليه السلام عن حال من يقبل الامانة مع عجزه عن حفظها بضرب مثال فاتى على رجل جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال (ما هذا يا جبريل) قال هذا الرجل من امتك يكون عنده امانات الناس لا يقدر على ادائها ويريد ان يتحمل عليها. قيل (اتقوا الواوات) اتى اتقوا مدلولات الكلمات التى اولها واو كالولاية والوزارة والوصاية والوكالة والوديعة. وكشف له عن حال من ترك الصلاة المفروضة فى دار الجزاء فاتى على قوم ترضخ رؤسهم كلما ارضخت عادت كما كانت فقال (يا جبريل من هؤلا) قال هؤلاء الذين تتثاقل رؤسهم عن الصلاة المكتوبة اى المفروضة عليهم. وكشف له عن حال من يترك الزكاة الواجبة عليه فاتى على قوم على اقبالهم رقاع وعلى ادبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الابل والغنم ويأكلون الضريع وهو اليابس من الشوك والزقوم ثمر شجر مر له زفرة قيل انه لا يعرف شجره فى الدنيا وانما هو شجر فى النار وهى المذكورة فى قوله تعالى {أية : انها شجرة تخرج فى اصل الجحيم}تفسير : ويأكلون رضف جهنم اى حجارتها المحماة التى تكون بها فقال (من هؤلاء يا جبريل) قال هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات اموالهم المفروضة عليهم. وكشف له عن حال الزناة بضرب مثل فاتى على قوم بين ايديهم لحم نضيج فى قدور ولحم نيئ ايضا فى قدور خبيث فجعلوا يأكلون من ذلك النيئ الخبيث ويدعون النضيج الطيب فقال (من هذا يا جبريل) قال هذا الرجل من امتك يكون عند المرأة الحلال الطيب فيأتى امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتى رجلا خبيثا فتبيت عنده حتى تصبح. وكشف له عن حال من يقطع الطريق بضرب مثال فاتى عليه السلام على خشبة لا يمر بها ثوب ولا شئ الا خرقته فقال (ما هذه يا جبريل) قال هذا مثل اقوام من امتك يقعدون على الطريق فيقطعونه وتلا {أية : ولا تقعدوا بكل صراط توعدون } تفسير : وفيه اشارة الى الزناة المعنوية وقطاع الطريق عن اهل الطلب وهم الدجاجلة والائمة والمضلة فى صورة السادة القادة الاجلة فانهم يفسدون ارحام الاستعدادات والاعتقادات بما يلقون فيها من نطف خلاف الحق ويصرفون المقلدين عن طريق التحقيق ويقطعون عليهم خير الطريق فاولئك يحشرون مع الزناة والقطاع. وكشف له عن حال من يأكل الربا اى حالته التى يكون عليها فى دار الجزاء فرأى رجلا يسبح فى نهر من دم يلقم الحجارة فقال (من هذا) فقال آكل الربا. وكشف له عن حال من يعظ ولا يتعظ فاتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت فقال (من هؤلاء يا جبريل) فقال هؤلاء خطباء الفتنة خطباء امتك يقولون ما لا يفعلون شعر : ازمن بكوى عالم تفسير كوى را كردر عمل نكوشى تونادان مفسرى بار درخت علم ندانم بجز عمل باعلم اكر عمل نكنى شاخ بى برى تفسير : وكشف له عن حال المغتابين للناس فمر على قوم لهم اظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقال (من هؤلاء يا جبريل) فقال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون فى اعراضهم. وكشف له عن حال من يتكلم بالفحش بضرب مثال فأتى على حجر يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد ان يرجع من حيث يخرج فلا يستطيع فقال (ما هذا يا جبريل) فقال هذا الرجل من امتك يتكلم الكلمة العظيمة ثم يندم عليه فلا يستطيع ان يردها. وكشف له حال من احوال الجنة فأتى على واد فوجده طيبا باردا ريحه ريح المسك وسمع صوتا فقال (ياجبريل ما هذا) قال هذا صوت الجنة تقول يا رب ائتنى ما وعدتنى. وكشف له عن حال من احوال النار فأتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا خبيثة فقال "ما هذا يا جبريل" قال صوت جهنم تقول يا رب ائتنى ما وعدتنى: وفى المثوى شعر : ذره ذره كاندرين ارض وسمامست جنس خود راهريكى جون كهرباست معده نانرا مى كشد تامستقر مى كشد مر آب را تف جكر جشم جذاب بتان زاين كويهاست مغز جويان از كلستان بويهاست تفسير : ومر عليه السلام على شخص متنحيا عن الطريق يقول هلم يا محمد قال جبريل سر يا محمد قال عليه السلام (من هذا) قال عدو الله ابليس اراد ان تميل اليه. شعر : آدمى را دشمن بنهان بسيست آدمئ باحذر عقال كسيست تفسير : ومر عليه السلام على موسى وهو يصلى فى قبره عند الكثيب الاحمر وهو يقول برفع صوته اكرمته وفضلته فقال (من هذا يا جبريل) قال هذا موسى بن عمران عليه السلام قال (ومن يعاتب) قال له يعاتب ربه فيك. والعتاب مخاطبة فيها ادلال والظاهر انه عليه السلام نزل عند قبره فصلى ركعتين. ومر عليه السلام على شجرة تحتها شيخ وعياله فقال (من هذا يا جبربيل) قال هذا ابوك ابراهيم عليه السلام فسلم عليه فرد عليه لاسلام فقال من هذا الذى معك يا جبريل قال هذا ابنك محمد صلى الله عليه وسلم قال مرحبا بالنبى العربى الامى ودعا له بالبركة وكان قبر ابراهيم تحت تلك الشجرة فنزل عليه السلام وصلى هناك ركعتين ثم ركب وسار حتى اتى الوادى الذى فى بيت المقدس فاذا جهنم تنكشف عن مثل الزرابى وهى النمارق اى الوسائد فقيل يا رسول الله كيف وجدتها قال "حديث : مثل الحممة"تفسير : اى الفحمة ومضى عليه السلام حتى انتهى الى ايليا من ارض الشام وهو بالكسر مدينة القدس واستقبله من الملائكة جم غفير لا يحصى عددهم فدخلها من الباب اليمانى الذى فيه مثال الشمس والقمر ثم انتهى الى بيت المقدس وكان بباب المسجد حجر فادخل جبريل يده فيه فخرقه فكان كهيئة الحلقة وربط به البراق. وفى حديث ابى سفيان رضى الله عنه قبل اسلامه انه قال لقيصر يحط من قدره صلى الله عليه وسلم ألا اخبرك ايها الملك عنه خبرا تعلم منه انه يكذب فقال وما هو قال انه يزعم انه خرج من ارضنا ارض الحرم فجاء مسجدكم هذا ورجع الينا فى ليلة واحدة فقال بطريق انا اعرف تلك الليلة فقال له قيصر ما اعلمك بها قال انى كنت لا ابيت ليلة حتى اغلق ابواب المسجد فلما كانت تلك الليلة اغفلقت الابواب كلها غير واحد وهو الباب الفلانى غلبنى فاستعنت عليه بعمالى ومن يحضرنى فلم يفد فقالوا ان البناء نزل عليه فاتركوه الى غد حتى يأتى بعض التجارين فيصلحه فتركته مفتوحا فلما اصبحت غدوت فاذا الحجر الذى من زاوية الباب مثقوب واذا فيه اثر مربط الدابة ولم اجد بالباب ما يمنعه من الاغلاق فعلمت انه انما امتنع لاجل ما كنت اجده فى العلم القديم ان نبيا يصعد من بيت المقدس الى السماء وعند ذلك قلت لاصحابى ما حبس هذا الباب الليلة الا لهذا الامر. ولا يخفى ان عدم انغلاق الباب انما كان ليكون آية والا فجبريل لا يمنعه باب مغلق ولا غيره وكذا خرق المربط وربط البراق والا فالبراق لا يحتاج الى الربط كسائر الدواب الدنيوية فان الله تعالى قد سخره لحبيبه عليه السلام. ولما استوى عليه السلام على الحجر المذكور قال جبريل يا محمد هل سألت ربك ان يريك الحور العين قال (نعم) قال جبريل فانطلق الى اولئك النسوة فسلم عليهن فسلم عليه السلام عليهن فرددن عليه السلام فقال من انتن قلن خيرات حسان نساء قوم ابرار نقوا فلم يدرنوا واقاموا فلم يظعنوا وخلدوا فلم يموتوا ثم دخل عليه السلام المسجد ونزلت الملائكة واحيى الله له آدم ومن دونه من الانبياء من سمى الله ومن لم يسم حتى لم يشذ منهم احد فرآهم فى صورة مثالية كهيئتهم الجسدانية الا عيسى وادريس والخضر والياس فانه رآهم باجسادهم الدنيوية لكونهم من زمرة الاحياء كما هو الظاهر فسلموا عليه وهنأوه بما اعطاه الله تعالى من الكرامة وقالوا الحمد لله الذى جعلك خاتم الانبياء فنعم النبى انت ونعم الاخ انت وامتك خير الامم ثم قال جبريل تقدم يا محمد وصل باخوانك من الانبياء ركعين فصلى بهم ركعتين وكان خلف ظهره ابراهيم وعن يمينه اسماعيل وعن يساره اسحاق عليهم السلام وكانوا سبعة صفوف ثلاثة صفوف من الانبياء المرسلين واربعة من سائر الانبياء. قال فى انسان العيون والذى يظهر والله اعلم ان هذه الصلاة كانت من النفل المطلق ولا يضر وقوع الجماعة فيها انتهى. وفى منية المفتى ايضا امامة النبى عليه السلام ليلة المعراج لارواح الانبياء وكانت فى النافلة انتهى. قال عليه السلام "حديث : لما وصلت الى بيت المقدس وصليت فيه ركعتين اى اماما بالانبياء والملائكة اخذنى العطش اشد ما اخذنى فأتيت بإناءين فى احدهما لبن وفى الآخر خمر فاخذت الذى فيه اللبن وكان ذلك بتوفيق ربى فشرتبه الا قليلا منه وتركت الخمر فقال جبريل اصبت الفطرة يا محمد"تفسير : لان فطرته هى الملائمة للعلم والحلم والحكمة (اما انك لو شربت الخمر لغوت امتك كلها ولو شربت اللبن كله لما ضل احد من امتك بعدك فقلت يا جبريل اردد علىّ اللبن حتى اشربه كله فقال جبريل قضى الامر ليقضى الله امرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة وان الله لسميع عليم). قال بعضهم انه لم يختلف احد انه عرج به صلى الله عليه وسلم من عند القبة التى يقال لها قبةالمعراج عن يقين الصخرة وقد جاء (صخرة بيت المقدس من صخور الجنة) وفيها اثر قدم النبى عليه السلام. قال ابى بن كعب ما ماء عذب الا وينبع من تحت صخرة بيت المقدس ثم يتفرق فى الارض وهذه الصخرة من عجائب الله فإنها صخرة شعثاء فى وسط المسجد الاقصى قد انقطعت من كل جهة لا يمسكها الا الذى يمسك السماء ان تقع على الارض الا باذنه ومن تحتها المغارة التى انفصلت من كل جهة فهى معلقة بين السماء والارض. قال الامام ابو بكر بن العربى فى شرح الموطأ امتنعت لهيبتها ان ادخل من تحتها لانى كنت اخاف ان تسقط علىّ بالذنوب ثم بعد مدة دخلتها فرأيت العجب العجاب تمشى فى جوانبها من كل جهة فتراها منفصلة عن الارض لا يتصل بها من الارض شئ ولا بعض شئ وبعض الجهات اشد انفصالا من بعض قال بعضهم بيت المقدس اقرب الارض الى السماء بثمانية عشر ميلا وباب السماء الذى يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس اى ولهذا اسرى به عليه السلام من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى ليحصل العروج مستويا من غير تعويج. يقول الفقير رقاه الله القدير الى معرفة سر المعراج المنير لعل وجه الاسراء الى بيت المقدس هو التبرك بقدمه الشريفة لكون مدينة القدس ومسجدها متعبد كثير من الانبياء ومدفنهم لا لانه يحصل العروج مستويا فان ذلك من باب قياس الغائب على الشاهد وتقدر الملكوت بالملك اذ الارواح الطيبة والطفها النبى عليه السلام بجسمه وروحه لا حائل لهم واعتبار الاستواء والتعويج من باب التكلف الذى لا يناسب حال المعراج. وقد ثبت ان عيسى عليه السلام سينزل الى المنارة البيضاء الدمشقية. ولم يعهد انها حيال باب السماء فالجواب العقلى لا يتمشى ههنا. قال فى ربيع الابرار (ثم قال لى جبريل قم يا محمد فقمت فاذا بسلم من ذهب قوائمه من فضة مركب من اللؤلؤ والياقوت يتلألأ نوره واذا اسفله على صخرة بيت المقدس ورأسه فى السماء فقيل لى يا محمد اصعد فصعدت) وفى انسان العيون عرج الى السماء من الصخرة على المعراج لا على البراق. والمعراج بكسر الميم وفتحها الذى تعرج ارواح بنى آدم فيه وهو سلم له مرقاة من ذهب وهذا المعراج لم تر الخلائق احسن منه أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحا الى السماء اى بعد خروج روحه فان ذلك عجبه بالمعراج الذى نصب لروحه لتعرج عليه وذلك شامل للمؤمن والكافر الا ان المؤمن يفتح لروحه باب السماء دون الكافر فترد بعد عروجها تحسرا وندامة وتكبيتا له وذلك المعراج اتى به من جنة الفردوس وانه منضد باللؤلؤ اى جعل فيه اللؤلؤ بعضه على بعض عن يمينه ملائكة ويساره ملائكة فصعد صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل. وفى كلام بعض المشايخ ان المراد بالمعراج صورة الجذب والانجذاب وتمثيل الصعود وإلا فالآلة لا تتمشى هناك اذ لا يقاس السير الملكوتى على السير الملكى والظاهر ان عالم الملكوت مشتمل على ما هو صورة ومعنى والصورة هناك تابعة للمعنى كحال صاحب السير والاسراء فانه لو لم يكن جسده تابعا لروحه لتعذر العروج لصورته صورة ولمعناه معنى وكل منهما خلاف ما تتصوره الاوهام وهو اللائح بالبال والحمد الله الملك المتعال. واعلم ان المعدن والنبات والحيوان مركبات تسمى بالمواليد الثلاثة آباؤها الاثيريات الى الاجرام الاثيرية التى هى الافلاك بما فيها من الاجرام النيرة وامهاتها العنصريات والعناصر اربعة الارض والماء والهواء والنار فالارض ثقيل على الاطلاق والماء ثقيل بالاضافة الى الهواء والنار وهو محيط باكثر الارض والهواء خفيف مضاف الى الثقلين يطلب العلو وهو محيط بكرة الارض والماء والنار خفيف على اطلاق يحيط بكرة الهواء والنبى صلى الله عليه وسلم جاوز هذه العناصر ليلة المعراج بالحركة القسرية والحركة القسرية غير منكورة عندنا وعند المحيلين لهذا الاسراء الجسمانى فانا نأخذ الحجر وطبعه النزول فنرمى به فى الهواء فصعوده فى الهواء بخلاف طبعه وبطبعه اما قولنا بخلاف طبعه فان طبعه يقتضى الحركة نحو المركز فصعوده فى الهواء عرضى بالحركة القسرية وهى الرمى به علوا واما قولنا وبطبعه فانه عليه السلام الفلك الاثيرى وهو نار والجسم الانسانى مهيأ مستعد لقبول الاحتراق ثم ان المانع من الاحتراق امور يسلمها الخصم فتلك الامور كانت الحجب التى خلقها الله سبحانه فى جسم المسرى به فلم يكن عنده استعداد الانفعال للحرق كبعض الاجسام المطلية بما يمنعها من الاحتراق بالنار اوامر آخر وهو ان الطريق الذى اخترقه ليس النار فيه الا محمولة فى جسم لطيف ذلك الجسم هو المحرق بالنار فسلب عنه النار وحل به ضدها كنار ابراهيم عليه السلام قال عليه السلام "حديث : انتهيت الى بحر اخضر عظيم اعظم ما يكون من البحار فقلت يا جبرائيل ما هذا البحر فقال يا محمد هذا بحر فى الهواء لا شئ من فوقه يتعلق به ولا شئ. من تحته يقر فيه ولا يدرى قعره وعظمته الا الله تعالى ولولا ان هذا البحر كان حائلا لاحترق ما فى الدنيا من حر الشمس"تفسير : ثم قال "حديث : ثم انتهيت الى السماء الدنيا واسمها رقيع فأخذ جبريل بعضدى وضرب بابها به وقال افتح الباب"تفسير : وانما استفتح لكون انسان معه ولو انفرد لما طلب الفتح ولكون مجيئه على خلاف ما كانوا يعرفونه قبل (قال الحارس من انت قال جبريل قال ومن معك فانه رأى شخصا معه لم يعرفه قال محمد قال اوقد بعث محمد قال نعم) وذلك لجواز ان يعرف ولادته عليه السلام ويخفى عليه بعثته قال (الحمد لله ففتح لنا الباب ودخلنا فلما نظر الىّ قال مرحبا بك يا محمد ولنعم المجيئ مجيئك فقلت يا جبريل من هذا قال هذا اسماعيل خازن السماء الدنيا وهو ينتظر قدومك فادن وسلم عليه فدنوت وسلمت فرد علىّ السلام وهنأنى فلما صرت اليه قال ابشر يا محمد فان الخير كله فيك وفى امتك فحمد الله على ذلك) وهذا الملك لم يهبط الى الارض قط الا مع ملك الموت لما نزل لقبض روحه الشريفة (تحت يده سبعون الف ملك تحت يد كل ملك سبعون الف ملك قال واذا جنوده قائمون صفوفا ولهم زجل بالتسبيح يقولون سبوحا سبوحا لرب الملائكة والروح قدوسا قدوسا لرب الارباب سبحان العظيم الاعظم وكان قراءتهم سورة الملك فرأيت فيها كهيئة عثمان بن عفان فقلت بم بلغت الى هنا قال بصلاة الليل) شعر : هر كبج سعادت كه خداد داد بحافظ ازيمن دعاى شب وورد سحرى بود تفسير : قال "حديث : ثم انتهيت الى آدم فاذا هو كهيئة يوم خلقه الله تعالى"تفسير : اى على غاية من الحسن والجمال "حديث : وكان تسبيحه سبحان الجليل الاجل سبحان الواسع الغنى سبحان الله العظيم وبحمده فاذا هو تعرض عليه ارواح ذريته المؤمنين فيقول روح طيبة ونفس طيبة خرجت من جسد طيب اجعلوها فى عليين وتعرض عليه ارواح ذريته الكفار فيقول روح خبيثة ونفس خبيثة خرجت من جسد خبيث اجعلوها فى سجين"تفسير : . فان قلت ارواح الكفار لا تفتح لها ابواب السماء فكيف تعرض عليه وهو فى السماء. قلت المراد بعض ارواح ذريته الكفار يقع نظره عليها وهى دون السماء لانها شفافة. فان قلت ما ذكر يقتضى ان يكون ارواح المؤمنين كلهم فى عليين فى السماء السابعة وقد ثبت ان ارواح العصاة محبوسة بين السماء والارض. قلت التحقيق ان مبدأ مراتب السعدآء من السماء الدنيا على درجات متفاوتة الى عليين ومبدأ مراتب الاشقياء من مقعر سماء الدنيا الى منازل مختلفة الى سجين تحت السابعة وهو مسكن ابليس وذريته فمراتب ارواح الكفار انزل من مراتب ارواح عصاة المؤمنين تلتحق بعد التهذيب لى مقارها العلوية قال عليه السلام "حديث : فتقدمت اليه وسلمت عليه فقال مرحبا بالابن الصالح والنبى الصالح"تفسير : اى لقيت رحبا وسعة وكان مقره فلك القمر لمناسبته فى السرعة فان القمر يسير فى الشهر ما يسير الشمس فى السنة من المنازل فناسب فى سرعة حركاته حركات الذهنية وانتقالاته الباطنية وموجب هذه الرؤية الخاصة اى رؤيته عليه السلام لآدم فى السماء الدنيا دون غيره من الانبياء عليهم السلام مناسبة صفاتية او فعلية او حالية فلا تنافى ان يشارك آدم فى هذه السماء غيره من بعض الانبياء وقس عليها الرؤية فيما فوقها من السموات كما سيجيئ. قال فى تفسير المناسبات فى سورة النجم فاول ما رأى صلى الله عليه وسلم من الانبياء عليهم السلام آدم عليه السلام الذى كان فى امن الله وجواره فاخرجه ابليس عدوه منهما. وهذه القصة تشبهها الحالة الاولى من احوال النبى عليه السلام حين اخرجه اعداؤه من حرم الله وجوار بيته فأشبهت قصته فى هذا قصة آدم مع ان آدم يعرض عليه ذريتة البر والفاجر منهم فكان فى السماء الدنيا بحيث يرى الفريقين لان ارواح اهل الشقاء لا تلج فى السماء ولا تفتح لهم ابوابها انتهى قال عليه السلام"حديث : ورأيت رجالا لهم مشافر كمشافر الابل"تفسير : اى كشفاه الابل "حديث : وفى ايديهم قطع من نار كالافهار"تفسير : اى الحجارة "حديث : التى كل واحد منها ملئ الكف يقذفونها فى افواههم تخرج من ادبارهم قلت من هؤلاء يا جبريل قال اكلة اموال اليتامى ظلما"تفسير : وهؤلاء لم يتقدم رؤيته لهم فى الارض ولعل المراد بالرجال الاشخاص او خصوا بذلك لانهم اولياء للايتام غالبا "حديث : ثم رأيت رجال لهم بطون امثال البيوت فيها حيات ترى من خارج البطون بطريق آل فرعون يمرون عليهم كالابل المهيومة حين يعرضون على النار لا يقدرون ان يتحولوا من مكانهم ذلك"تفسير : اى فتطأهم آل فرعون الموصوفون بما ذكر المقتضى لشدة وطئهم لهم والمهيومة التى اصابها الهيام وهوداء يأخذ الابل فتهيم فى الارض ولا ترعى او العطاش والهيام شدة العطش. وفى رواية "حديث : كلما نهض احدهم خر"تفسير : اى سقط "حديث : قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء اكلة الربا"تفسير : وتقدمت رؤيته عليه السلام لهم فى الارض لا بهذا الوصف بل ان الواحد منهم يسبح فى نهر من دم يلقم الحجارة ولا مانع من اجتماع الوصفين لهم اى فيخرجون من ذلك النهر ويلقون فى طريق من ذكر وهكذا عذابهم دائما "حديث : ثم رأيت اخونة عليها لحم طيب ليس عليها احد واخرى عليها لحم منتن عليها ناس يأكلون قلت يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام"تفسير : اى من الاموال اعم مما قبله وهؤلاء لم يتقدم رؤيته لهم فى الارض "حديث : ثم رأيت نساء متعلقات بثديهن فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء اللاتى ادخلن على الرجال ما ليس من اولادهن اى بسبب زناهن"تفسير : وفى رواية "حديث : انه عليه السلام رأى فى هذه السماء النيل والفرات"تفسير : وذلك لان متبعهما من تحت سدرة المنتهى ويمران فى الجنة ويجاوزانها الى السماء الدنيا فينصبان الى الارض من طرف العالم فيجريان. وفى زيادة الجامع الصغير "حديث : ان النيل يخرج من الجنة ولو التمستم فيه حين يسبح لوجدتم فيه من ورقها"تفسير : قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ثم عرج بنا الى السماء الثانية فاستفتح جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أوقد بعث اليه قال نعم ففتح لنا فاذا انا بابنى الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهم السلام"تفسير : اى شبيه احدهما بصاحبه ثيابهما وشعرهما "حديث : ومعهما نفر من قومهما فرحبا بى ودعوا لى بخير"تفسير : وكونهما ابن الخالة اى ان ام كل خالة الآخر هو المشهور والتفصيل فى آل عمران. قال فى تفسير المناسبات ثم رأى فى الثانية عيسى ويحيى وهما الممتحنان باليهود اما عيسى فكذبته اليهود وآذته وهموا بقتله فرفعه الله واما يحيى فقتلوه: قال فى المثنوى شعر : جون سفيها نراست اين كاروكيا لازم آ مد يقتلون الانبياء تفسير : ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله الى المدينة صار الى حالة ثانية من الامتحان وكانت محنته فيها باليهود وآذوه وظاهروا عليه وهموا بالقاء الصخرة عليه ليقتلوه فنجاه الله كما نجى عيسى منهم ثم سموه فى الشاة فلم تزل تلك الاكلة تعاده حتى قطعت ابهره كما قال عند الموت وهكذا فعلوا بابنى الخالة عيسى ويحيى. قوله تعاده يقال عادته اللسعة اذا اتته لعداد بالكسر اى لوقت وفى الحديث "حديث : ما زالت اكلة خيبر تعادنى فهذا اوان قطعت ابهرى"تفسير : وهو عرق فى الظهر متصل بالقلب اذا انقطع مات صاحبه وذلك ان يهودية اتت رسول الله بشاة مسمومة فاكل منها واكل القوم فقال عليه السلام "حديث : ارفعوا ايديكم فانها اخبرتنى انها مسمومة"تفسير : فمات بشر بن البراء منه فجيئ بها الى رسول الله فسألها عن ذلك فقالت اردت ان اقتلك فقال عليه السلام "حديث : ما كان الله ليسلط على ذلك"تفسير : اى على قتلى قال الشيخ افتاده قدس سره وانما لم يؤثر السم فيه عليه السلام الى الاحتضار لان ارشاده عليه السلام وان كان فى عالم التنزل غير ان تنزله كان من مرتبة الروح وهى اعدل المراتب فلم يؤثر فيه الى الاحتضار فلما احتضر تنزل الى ادنى المراتب لان الموت انما يجرى على البشرية فلما تنزل الى تلك المرتبة اثر فيه (ثم عرج بنا الى السماء الثالثة فاستفح جبريل فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل اوقد بعث اليه قال نعم ففتح لنا فاذا انا بيوسف عليه السلام ومعه نفر من قومه واذا هو اعطى شطر الحسن) اى نصف الحسن الذى اعطيه الناس غير نبينا عليه السلام وفى كلام بعضهم اعطى شطر الحسن الذى اوتيه نبينا عليه السلام وكان نبينا عليه السلام املح وان كان يوسف ابيض: قال المولى الجامى شعر : دبير صنع نوشت است كرد عارض تو بمشك ناب كه الحسن والملاحة لك تفسير : وذلك ان الحسن والملاحة من عالم الصفات ولم يحصل لغيره عليه السلام ما حصل له من تجليات الصفات على الكمال صورة ومعنى اذ هو افضل من الكل فالتجلى له اكمل وهو اللائح بالبال قال عليه السلام "حديث : فرحب بى ودعا لى بخير"تفسير : قال فى تفسير المناسبات اما لقاؤه ليوسف عليه السلام فى السماء فانه يؤذن بحالة ثالثة تشبه حالة يوسف عليه السلام وذلك ان يوسف ظفر باخوته بعدما اخرجوه من بين ظهرانيهم فصفح عنهم وقال {أية : لا تثريب عليكم اليوم}تفسير : الآية وكذلك نبينا عليه السلام اسر يوم بدر جملة من اقاربه الذين اخرجوه فيهم عمه العباس وابن عمه عقيل فمنعهم من اطلقه ومنهم من فداه ثم ظهر عليهم بعد ذلك عام الفتح فجمعهم فقال لهم "حديث : اقول ما قال اخى يوسف لا تثريب عليكم"تفسير : (ثم عرج بنا الى السماء الرابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل اوقد بعث اليه قال قد بعث اليه ففتح لنا فاذا انا بادريس عليه السلام فرحب بى ودعا لى بخير) قال الله تعالى فى حقه {أية : ورفعناه مكانا عليا}تفسير : اى السماء الرابعة حال حياته على احد الوجوه وكونه فى الجنة كما فى بعض الروايات لا ينافى وجوده فى السماء المذكورة تلك الليلة. قيل رفع الى السماء من مصر بعد ان خرج منها ودار الارض كلها وعاد اليها ودعا الخلائق الى الله تعالى باثنتين وسبعين لغة خاطب كل قوم بلغتهم وعلمهم العلوم وهو اول من استخراج علم النجوم اى علم الحوادث التى تكون فى الارض باقتران الكواكب وهو علم صحيح لا يخطئ فى نفسه وانما الناظر فى ذلك هو الذى يخطئ لعدم استيفائه النظر. قال فى المناسبات ثم لقاؤه لادريس عليه السلام فى السماء الرابعة وهو المكان الذى سماه الله مكانا عليا وادريس اول من آتاه الله الخط بالقلم فكان ذلك موذنا بحالة رابعة وهو شأنه صلى الله عليه وسلم حتى اخاف الملوك وكتب اليهم يدعوهم الى طاعته حتى قال ابو سفيان وهو عند ملك الروم حين جاء كتاب النبى عليه السلام ورأى ما رأى من خوف هرقل لقد امر امر ابن أبى كبشه حين اصبح يخافه ملك ابن ابى الاصفر وكتب بالقلم الى جميع ملوك الارض فمنهم من اتبعه على دينه كالنجاشى وملك عمان ومنهم من هادن واهدى اليه واتحفه المقوقس ومنهم من تعصى عليه فاظفره الله به وهذا مقام علىّ وخط بالقلم على نحو ما اوتى ادريس عليه السلام (ثم عرج بنا الى السماء الخامسة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أوقد بعث اليه قال نعم ففتح لنا فاذا انا بهارون عليه السلام ونصف لحيته بيضاء ونصف لحيته سوداء تكاد تضرب الى سرته من طولها وحوله قوم من بنى اسرائيل وهو يقص عليهم فرحب بى ودعا لى بخير) وكان هارون محببا فى قومه لانه كان الين اليهم من موسى لان موسى كان فيه بعض الشدة عليهم ومن ثمة كان له منهم بعض الاذى. قال فى المناسبات لقاؤه عليه السلام فى السماء الخامسة لهارون المحبب فى قومه يوذن بحب قريش وجميع العرب له بعد بغضهم فيه. قال وهب بن منبه وجدت فى احد وسبعين كتابا ان الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا الى انقضائها من العقل فى جنب عقله صلى الله عليه وسلم الا كحبة بين رمال الدنيا. ومما يتفرع على العقل اقناء الفضائل واجتناب الرذائل واصابة الرأى وجودة الفطنة وحسن السياسة والتدبير وقد بلغ من ذلك صلى الله عليه وسلم الغاية التى لم يبلغها بشر سواه ومما لا يكاد يقضى منه العجب حسن تدبيره صلى الله عليه وسلم للعرب الذين هم كالوحوش الشاردة كيف ساسهم واحتمل جفاءهم وصبر على اذاهم الى ان انقادوا اليه واجتمعوا عليه واختاروه على انفسهم وقاتلوا دونه اهلهم وآباءهم وابناءهم وهجروا فى رضاه اوطانهم (ثم عرج بنا الى السماء السادسة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أوقد بعث اليه قال نعم ففتح لنا فاذا انا بموسى عليه السلام فرحب بى ودعا لى بخير) وكان موسى رجلا آدم طوالا كثير الشعر مع صلابته لو كان عليه قميصان لنفذ الشعر منهما وكان اذا غضب يخرج شعر رأسه من قلنسوته وربما اشتعلت قلنسوته لشدة غضبه ولشدة غضبه لما فر الحجر بثوبه صار يضربه حتى ضربه ست ضربات او سبعا مع انه لا ادراك له ووجه بانه لما فر صار كالدابة والدابة اذا جمحت فصاحبها يؤدبها بالضرب. يقول الفقير انما فر الحجر لان للجمادات حياة حقانية عند اهل الله تعالى وربما يظهر اثرها فى الظاهر فتصير فى حكم الاحياء من ذوى الروح واليه الاشارة بهذه الابيات المثنوية شعر : بادرا بى شم اكر بينش نداد فرق جون مى كرد اندر قوم عاد كرنبودى نيل را آن نور ديد ازجه قبطى را زسبطى مى كزيد كرنه كوه وسنك باديدار شد بس جرا داودرا اويار شد اين زمين را كرنبودى جشم وجان ازجه قارون را فراخوردى جنان تفسير : قال عليه السلام "حديث : فلما جاوزت اى عن موسى بكى فقيل له ما يبكيك قال ابكى لان غلاما بعث بعدى يدخل الجنة من امته اكثر ممن يدخل من امتى"تفسير : اى بل ومن سائر الامم لان اهل الجنة من الامم مائة وعشرون صفا هذه الامة منها ثمانون صفا وسائر الامم اربعون. قال ابن الملك انما بكى موسى اشفاقا على امته حيث قصر عددها عن عدد امة محمد لا حسدا عليه لانه لا يليق به واما قوله ان غلاما بعث بعدى فلم يكن على سبيل التحقير بل على معنى تعظيم المنة لله تعالى لان محمدا مع كونه غير طويل العمر فى عبادة ربه خصه بهذه الفضيلة. يقول الفقير بكاء موسى عليه السلام هو المناسب لمقامه لانه كان له غيرة غالبة ولذا لما مر عليه السلام عليه وهو يصلى فى قبره عند الكثيب الاحمر سمع منه وهو يقول برفع صوته اكرمته فضلته يخاطب ربه ويعاتبه ادلالا وهو لا يستلزم الحسد والتحقير لان كمل افراد الامة مطهرون عن مثل هذا فكيف الانبياء خصوصا اولوا العزم منهم ومن البين ان اهل الجنة يرضون بما اوتوا من الدرجات على حسب استعداداتهم فلا يتمنى بعضهم مقام بعض لكونه خارجا عن الحكمة فكذا الانبياء والاولياء فى مقاماتهم المعنوية والا لما استراحوا وهو مخل برتبتهم. قال فى المناسبات ولقاؤه فى السماء السادسة لموسى عليه السلام يوذن بحالة تشبه حالة موسى عليه السلام حين امر بغزوة الشام وظهر على الجبابرة الذين كانوا فيها وادخل بنى اسرائيل البلد الذى خرجوا منه بعد اهلاك عدوهم وكذلك غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك من ارض الشام وظهر على صاحب دومة الجندل حتى صالحه على الجزية بعد ان اتى به اسيرا وافتتح مكة ودخل اصحابه البلد الذى خرجوا منه (ثم عرج بنا الى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أوقد بعث اليه قال نعم ففتح لنا فاذا انا بابراهيم عليه السلام قال هذا ابوك ابراهيم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبى الصالح) قال الامام التوربشتى امر النبى عليه السلام بالتسليم على الانبياء وان كان افضل لانه كان عابرا عليهم وكان فى حكم القائم وهم في حكم القعود والقائم يسلم على القاعد والمرئى كان ارواح الانبياء مشكلة بصورهم التى كانوا عليها الا عيسى فانه مرئى بشخصه قال عليه السلام "حديث : واذ ابراهيم رجل اشمط جالس عند باب الجنة"تفسير : اى فى جهتها والا فالجنة فوق السماء السابعة (على كرسى مسند ظهره الى البيت المعمور) وهو من عقيق محاذ للكعبة بحيث لو سقط سقط عليها (يدخله كل يوم سبعون الف ملك ثم لا يعودون كالانفاس الانسانية يدخلون من الباب الواحد ويخرجون من الباب الآخر) فالدخول من باب مطالع الكواكب والخروج من باب مغاربها قال عليه السلام "حديث : واذا انا بامتى شطرين شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس وشطر عليهم ثياب رمدة فدخلت البيت المعمور ودخل معى الذين عليهم الثياب البيض وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرمدة فصليت انا ومن معى فى البيت المعمور"تفسير : اى ركعتين والظاهر انه ليس المراد بالشطر النصف حتى يكون العصاة من امته بقدر الطائعين منهم. يقول الفقير المراد بالشطرين الفرقتان والفرقة التى عليهم ثياب بيض طائفة بالنسبة الى الذين عليهم ثياب رمدة لان الحكمة الالهية اقتضت كون اهل العصيان والنفس اكثر من اهل الطاعة والتزكية اذ المقصود ظهور الانسان الكامل وهو حاصل مع ان الواحد على الحق هو السواد الاعظم فيكون اهل الطاعة كالشطر بالنسبة الى اهل العصيان نسأل الله تعالى ان يدخلنا بيت القلب مع الداخلين ويزيل اوساخ وجوداتنا بحرمة النبى الامين. قال السهيلى قد ثبت فى الصحيح ان اطفال المؤمنين والكافرين فى كفالة سيدنا ابراهيم عليه السلام وان رسول الله قال لجبريل حين رآهم مع ابراهيم "حديث : من هؤلاء يا جبرائيل قال هؤلاء اولاد المؤمنين الذين يموتون صغارا"تفسير : قاله له "حديث : واولاد الكافرين"تفسير : قال واولاد الكافرين. وقد روى فى اطفال الكافرين ايضا "حديث : انهم خدم لاهل الجنة " تفسير : وجاء ان ابراهيم عليه السلام قال لرسول الله (اقرئ امتك منى السلام واخبرهم ان الجنة طيبة التربة عذبة الماء وان غراسها سبحان الله والحمدلله ولا اله الا الله والله اكبر) كما قال المولى الجامى شعر : يا دكن آنكه درشب اسرا باحبيب خدا خليل خدا كفت كووى ازمن اى رسول كرام امت خويش را زبعد سلام كه بود باك وخوش زمين بهشت ليك آنجا كسى درخت نكشت خاك او باك وطيب افتاده ليك هست از درختها ساده غرس اشجاران بسعى جميل بسمله حمد له است بس تهليل هست تكبير نيزا ازان اشجار خوشى كسى كش جزين نيايد كار باغ جنات تحتها الانهار سبز وخرم شود ازان اشجار تفسير : قال عليه السلام "حديث : واستقبلتنى جارية لعساء وقد اعجبتنى فقلت لها يا جارية انت لمن قالت لزيد بن حارثة"تفسير : واللعس لون الشفة اذا كان تضرب الى السواد قليلا وذلك مستملح. يقول الفقير زيد هذا هو الذى تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت زينب تحت نكاحه فطلقها ليتزوجها رسول الله فلما آثر النبى عليه السلام بها ابدل الله مكانها زوجا له من الحور مليحة جدا وجازاه بها فان لكل فناء وترك مشروع اثرا معنويا فما انتقص شئ فى الظاهر الا وقد انتقل فى الباطن والآخره باطن بالنسبة الى الدنيا فمن ترك حظه فيها وجده فى الآخرة اعلى منه واوفر. ورأى عليه السلام فى السماء السابعة فوجا من الملائكة نصف ابدانهم من النار ونصفها من الثلج فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار وهم يقولون اللهم كما الفت بين النار والثلج فالف بين قلوب عبادك المؤمنين حمله بعض الاكابر على معنى ان نصف اجزائه ثلج ونصف اجزائه نار فامتزجا وحصل بينهما مزاج واحد والظاهر ان الاول ادل على القدرة فان اجتماع الاضداد بالمعنى الذى ذكره موجود فى اكثر المركبات. قال فى المناسبات ثم لقاؤه فى السماء السابعة ابراهيم عليه السلام لحكمتين احداهما انه رآه عند البيت المعمور مسندا ظهره اليه والبيت المعمور حيال الكعبة اى بازائها ومقابلتها واليه تحج الملائكة كما ان ابراهيم هو الذى بنى الكعبة واذن فى الناس بالحج والحكمة الثانية ان آخر احوال النبى عليه السلام حجه الى البيت الحرام وحج معه ذلك العام نحو من سبعين الفا من المسلمين ورؤية ابراهيم عند اهل التأويل تؤذن بالحج لانه الداعى اليه والرافع لقواعد الكعبة المحجوجة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ثم ذهب بى"تفسير : اى جبريل "حديث : الى سدرة المنتهى"تفسير : وهى شجرة فوق السماء السابعة فى اقصى الجنة اليها ينتهى الملائكة باعمال اهل الارض من السعداء واليها تنزل الاحكام العرشية والانوار الرحمانية (واذا اوراقها كآذان الفيلة) جميع الفيل اى فى الشكل وهو الاستدارة لا فى السعة اذ الواحدة منها تظل الخلق كما فى بعض الروايات (وثمرها كالقلال) جمع قلة وهى الجرة العظيمة وهذه الشجرة هى الحد البرزخى بين الدارين فاغصانها نعيم لاهل الجنة واصولها زقوم لاهل النار ولا فنانها حنين بانواع التسبيحات والتحميدات والترجيعات عجيبة الالحان تطرب لها الارواح وتظهر عليها الاحوال وام فيها رسول الله ملائكة السموات فى الوتر فكان امام الانبياء فى بيت المقدس وامام الملائكة عند سدرة المنتهى فظهر بذلك فضله على اهل الارض والسماء ويخرج من اصل تلك الشجرة اربعة انهار باطنان اى يبطنان ويغيبان فى الجنة بعد خروجهما من اصل تلك الشجرة وهما الكوثر ونهر الرحمة ونهران ظاهران اى يستمران ظاهرين بعد خروجهما من اصل تلك الشجرة فيجاوزان الجنة وهما النيل نهر مصر والفرات نهر الكوفة. قال بعضهم لولا دخول بحر النيل فى الملح الذى يقال له البحر الاخضر قبل ان يصل الى بحيرة الزنج لما قدر احد على شربه لشدة حلاوته ومر الفرات فى بعض السنين فوجد فيه رمان مثل البعير فيقال انه رمان الجنة. يقول الفقير لعله من البساتين التى يقال لها جنان الارض اذ سقوط الثمار من اماكنها من الفساد غالبا وليس لثمار الجنة ذلك اللهم الا ان يقال وجود ذلك الرمان فى الفرات على تقدير ان يكون من رمان الجنة انما هو ليكون آية لذوى الاستبصار ودخل عليه السلام الجنة فاذا فيها جنابذ اى قباب الدر واذا ترا بها المسك ورمانها كالدلاء وطيرها كالبخت وانتهى الى الكوثر فاذا فيه آنية الذهب والفضة فشرب منه فاذا هو احلى من العسل واشد رائحة من المسك وفى الحديث "حديث : ما فى الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة الا وهى فى الجنة حتى الحنظل والذى نفس محمد بيده لا يقطف رجل ثمرة من الجنة فتصل الى فيه حتى يبدل الله مكانها خيرا منها"تفسير : وهذا القسم يرشد الى ان ثمرة الجنة كلها حلوة تؤكل وانها تكون على صورة ثمرة الدنيا المرة وغشى السدرة ما غشى من نور الحضرة الالهية فصار لها من الحسن غير تلك الحالة التى كانت عليها فما احد من خلق يستطيع ان ينعتها من حسنها لان رؤية الحسن تدهش الرائى ورأى عليه السلام جبرائيل عند تلك السدرة على الصورة التى خلقه الله عليها له ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الافق اى ما بين المشرق والمغرب يتناثر من اجنحته الدر والياقوت - يروى - ان جبريل لما وصل الى السدرة التى هى مقامه تأخر فلم يتجاوز فقال عليه السلام "حديث : أفى مثل هذا المقام يترك الخليل خليله"تفسير : فقال لو تجاوزت لاحرقت بالنور. وفى رواية لو دنوت انمله لاحرقت: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : جنان كرم درتيه قربت براند كه درسدره جبريل ازوبازماند بدو كفت سالار بيت الحرام كه اى حامل وحى برتر خرام جو در دوستى مخلصم با فتى عنانم ز صحبت جرا تافتى بكفتا فرا تر مجالم تماند بما ندم كه نيروى بالم نماند اكريك سرموى بر تر برم فروغ تجلى بوزد برم تفسير : فقال عليه السلام "حديث : يا جبريل هل لك من حاجة الى ربك قال يا محمد سل الله لى ان ابسط جناحى على الصراط لامتك حتى يجوزوا عليه"تفسير : قال عليه السلام "حديث : ثم زج بى فى النور فخرق بى سبعون الف حجاب ليس فيها حجاب يشبه حجابا غلظ كل حجاب خمسمائة عام وانقطع عنى حس كل ملك فلحقنى عند ذلك استيحاش فعند ذلك نادى مناد بلغة ابى بكر قف فان ربك يصلى"تفسير : اى يقول سبحانى سبحانى سبقت رحمتى على غضبى وجاء نداء من العلى الاعلى (ادن يا خير البرية ادن يا احمد ادن يا محمد فادنانى ربى حتى كنت كما قال ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى) - روى - انه عليه السلام عرج من السماء السابعة الى السدرة على جناح جبريل ثم منها على الرفرف وهو بساط عظيم. قال الشيخ عبد الوهاب الشعرانى هو نظير المحفة عندنا ونادى جبريل من خلفه يا محمد ان الله يثنى عليك فاسمع واطع ولا يهولنك كلامه فبدأ عليه السلام بالثناء وهو قوله "حديث : التحيات لله والصلوات والطيبات"تفسير : اى العبادات القولية والبدنية والمالية فقال تعالى "حديث : السلام عليك ايها النبى ورحمة الله وبركاته"تفسير : فعمم عليه السلام سلام الحق فقال "حديث : السلام علينا وعلى عبد الله الصالحين"تفسير : فقال جبريل (اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا عبده ورسوله) وتابعه جميع الملائكة. قال بعض الكبار اخترق الافلاك من غير ان تسكن عن تحريكها كاختراق الماء والهواء الى ان وصل سدرة المنتهى فقعد على الرفرف فاخترق عوالم الانوار الى ان جاز موضع القدمين الى العرش اى المستوى المفهوم من قوله {أية : الرحمن على العرش استوى}تفسير : كل ذلك بجسمه فعاين محل الاستواء فلما فارق عالم التركيب والتدبير لم يبق له انيس من جنسه فاستوحش من حيث مركبه فنودى بصوت ابى بكر (قف يا محمد ان ربك يصلى) فسكن وتلا عليه عند ذلك {أية : هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور}تفسير : هذا لسان الاحباب وخطاب الاخلاء والاصحاب وهذا اول الابواب المعنوية من هنا تقع فى بحر الاشارات والمعانى وهو الاسراء البسيط فتقع المشاهدة بالبصر لا بالجارحة لا عيان الارواح المهيمة التى لا مدخل لها فى عالم الاجسام فترك الرفرف ومشاهدة الجسم وانسلخ من الرسم والاسم وسافر برفرف همته فحطت العين بساحل بحر العمى حيث لا حيث ولا اين فادركت ما ادركت من خلف حجاب العزة الا حمى الذى لا يرتفع ابدا ثم عادت بلا مسافة الى شهود عينها ثم الى تركيب كونها المتروك بالمستوى مع الرفرف فقوله {أية : ثم دنا}تفسير : اشارة الى العروج والوصول وقوله {أية : فتدلى}تفسير : الى النزول والرجوع وقوله {أية : فكان قاب قوسين}تفسير : بمنزلة النتيجة اشارة الى الوصول الى مرتبة الذات الواحدية اى عالم الصفات المشار اليه بقوله تعالى {أية : الله الصمد}تفسير : وقوله تعالى {أية : او ادنى}تفسير : اشارة الى مرتبة الذات الاحدية اى عالم الذات المشار اليه بقوله تعالى {أية : الله احد}تفسير : وكان المعراج فى صورة الصعود والهبوط لانه وقع بالجسم والروح معا والا فالملك والملكوت مندرج فى الوجود الانسانى وكل تجل يحصل له انما هو من الداخل لا من الخارج قال صلى الله عليه وسلم "حديث : سألنى ربى فلم استطع ان اجيبه فوضع يده بين كتفىّ بلا تكييف ولا تحديد"تفسير : اى يد قدرته لانه سبحانه منزه عن الجارحة (فوجدت بردها فاورثنى علم الاولين والآخرين وعلمنى علوم شتى فعلم اخذ على كتمانه اذ علم انه لا يقدر على حمله غيرى وعلم خيرنى فيه وعلم امرنى بتبليغه الى العام والخاص من امتى) وهى الانس والجن وهذا التفصيل يدل على ان العلوم الشتى هذه العلوم الثلاثة كما يدل عليه الفاء وهى زائدة على علوم الاولين والآخرين فالعلم الاول من باب الحقيقة الصرفة والثانى من باب المعرفة والثالث من باب الشريعة. ومن جملة ما اوحى فى هذا الموطن من القرآن خواتيم سورة البقرة وبعض سورة والضحى وبعض الم نشرح لك وقوله تعالى {أية : هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور} تفسير : والوحى بلا واسطة يقتضى الخطاب فسمع عليه السلام كلام الحق من غير كيفية كما سمعه موسى عليه السلام من كل جانب ورآه شعر : كلام سرمدى بى نقل بشنيد خداوند جهانرا بى جهت ديد بديد آنجه زحدديندن برون بود مبرس اما ز كيفيت كه جون بود تفسير : قال الامام النووى الراجح عند اكثر العلماء انه رأى ربه بعينى رأسه. يقول الفقير يعنى بسره وروحه فى صورة الجسم بان كان كل جزء منه سمعا واتحد البصر بالبصيرة فهى رؤية بهما معا من غير تكييف فافهم فانه جملة ما ينفصل. فان قلت ما الفرق بين الانبياء وبين نبينا عليه السلام فى باب الرؤية فافهم يرونه ويشاهدونه حال الانسلاخ الكلى. قلت ما حصل لنبيّنا عليه السلام فوق الانسلاخ إذ الرؤية فى صورة الانسلاخ انما هى بالبصيرة فقط واما رؤيته تعالى فى الجنة فقيل لا يراه الملائكة وقيل يراه منهم جبريل خاصة مرة واحدة. قال بعضهم وقياس عدم رؤية الملائكة عدم رؤية الجن له تعالى ورد ذلك. يقول الفقير لعل وجه الاختلاف عند الحقيقة ان الملائكة والجن على جناح واحد وهو الجمال والانس على جناحين وهما الجمال والجلال المقول لهما الكمال فلا يرونه تعالى من مرتبة مؤمنى الانس وانما يشاهدونه تعالى من مرتبة انفسهم فافهم واما انه ليس لهم مشاهدة اصلا فلا مساعدة له بوجه من الوجوه واتفق العلماء على جواز رؤية الله تعالى فى المنام وصحتها اى وقوعها لان ذلك المرئى انما هو صفة من صفات الله تعالى - روى - عن ابى يزيد البسطامى قدس سره انه قال رأيت ربى فى المنام فقلت له كيف الطريق اليك فقال اترك نفسك ثم تعال - روى - ان حمزة القارئ قرأ عليه القرآن من اوله الى آخره فى المنام حتى اذا بلغ الى قوله {أية : وهو القاهر فوق عباده}تفسير : قال الله تعالى قل يا حمزة وانت القاهر. يقول الفقير سمعت من شيخى وسندى قدس سره ان شيخه عبد الله الشهير بذاكر زاده روح الله روحه اراد ان يستخلفه فامتنع عليه فرأى فى تلك الليلة فى المنام ان الله تعالى أعطاه المصحف وقال له خذ هذا وادع عبادى الىّ وكان من آثار هذا المنام ان الله تعالى وفقه لا حياء العلم والدعوة الى الله فى المراتب الاربع وزاد خلفاؤه على المائة والخمسين كلهم من اهل التفسير ولم يتيسر هذا المقام لغيره من مشايخ العصر قال عليه السلام "حديث : فرض الله علىّ خمسين صلاة فى كل يوم وليلة"تفسير : قيل كانت كل صلاة منها ركعتين ألا يرى انه من قال لله علىّ صلاة يلزمه ركعتان ويخالفه ما قالوا انه عليه السلام كان يصلى كل يوم وليلة ما يبلغ الى خمسين صلاة وفق ما فرض ليلة المعراج فالظاهر ان هذه الخمسين باعتبار الركعات لانه هو المضبوط عنه عليه السلام يعنى كان يصلى فى اليوم والليلة من الفرائض والنوافل خمسين ركعة وصرح بعضهم بان المراد الخمسون وقتا فالظاهر ان كل وقت كان مشتملا على ركعتين لان الصلاة فى الاصل كانت ركعتين ركعتين ثم زيدت فى الحضر واقرت فى السفر قال عليه السلام "حديث : فنزلت الى ابراهيم فلم يقل شيئا ثم اتيت موسى"تفسير : اى فى الفلك السادس (فقال ما فرض ربك على امتك قلت خمسين صلاة قال ارجع الى ربك فاسأله التخفيف فان امتك لا تطيق ذلك وانى والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بنى اسرائيل اشد المعالجة) يعنى مارستهم ولقيت الشدة فيما أردت فيهم من الطاعة قال عليه السلام "حديث : فرجعت الى ربى"تفسير : يعنى رجعت الى الموضع الذى ناجيت ربى فيه وهو سدرة المنتهى (فخررت ساجدا فقلت اى ربى خفف عن امتى فحط عنى خمسا فرجعت الى موسى واخبرته قال ان امتك لا تطيق ذلك قال فلم ازل ارجع بين ربى وموسى ويحط خمسا خمسا حتى قال موسى بم امرت قلت امرت بخمس صلوات كل يوم قال ارجع فاسأله التخفيف فقلت قد راجعت ربى حتى استحييت ولكن ارضى واسلم) يعنى فلا ارجع فان رجعت كنت غير راض ولا مسلم ولكن ارضى بما قضى الله واسلم امرى وامرهم الى الله (فلما جاوزت نادى مناد امضيت فريضتى) يعنى قال الله تعالى يا محمد هى خمس صلوات فى كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة كما قال {أية : من جاء بالحسنة فله عشر امثالها}تفسير : والصلاة انما تحصل بتوجه القلب والعمل الواحد فى مرتبة القلب يقابل العشرة وقال "حديث : من همّ بحسنه فلم يعملها كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشرا ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم يكتب شئ فان عملها كتبت سيئة واحدة " تفسير : وعن ابن عمر رضى الله عنهما كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرات وغسل البول من الثوب سبع مرات ولم يزل صلى الله عليه وسلم يسأل ربه حتى جعلت الصلاة خمسا وغسل الجنابة مرة واحدة وغسل البول من الثوب مرة وفى الحديث "حديث : اكثروا من الصلاة على موسى فما رأيت احدا من الانبياء احوط على امتى منه"تفسير : وجاء (كان موسى اشدهم على حين مررت به وخيرهم علىّ حين رجعت فنعم الشفيع كان لكم موسى) وذلك فانه كما تقدم لما جاوزه النبى عند الصعود بكى فنودى ما يبكيك فقال رب هذا غلام اى لانه صلى الله عليه وسلم كان حديث السن بالنسبة الى موسى بعثته بعدى يدخل الجنة من امته اكثر ممن يدخل من امتى. فان قلت هذا وقوع النسخ قبل البلاغ وقد اتفق اهل السنة والمعتزلة على منعه. قلت وقع بعد البلاغ بالنسبة الى النبى عليه السلام لانه كلف بذلك ثم نسخ فاذا نسخ فى حقه نسخ فى حق امته لان الاصل ان ما ثبت فى حق كل نبى ثبت فى حق امته الا ان يقول الدليل على الخصوصية. وعن انس رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيت ليلة اسرى بى الى السماء تحت العرش سبعين مدينة كل مدينة مثل دنياكم هذه سبعين مرة مملوءة من الملائكة يسبحون الله ويقدسونه ويقولون فى تسبيحهم اللهم اغفر لمن شهد الجمعة الى صلاتها اللهم اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة"تفسير : اى لصلاتها "حديث : ورأيت ليلة اسرى بى مكتوبا على باب الجنة الصدقة بعشر امثالها والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل ما بال القرض افضل من الصدقة قال لان السائل يسأل وعنده شئ والمستقرض لا يستقرض الا من حاجة"تفسير : وبيان كون درهم القرض بثمانية عشر درهما ان درهم القرض بدرهمين من دراهم الصدقة كما جاء فى بعض الروايات ودرهم الصدقة بعشر تصير الجملة عشرين ودرهم القرض يرجع للمقرض بدله بدرهمين من عشرين بتخلف ثمانية عشر "حديث : ورأيت رضوان خازن الجنة فلما رآنى فرح بى ورحب بى وادخلنى الجنة وارانى فيها من العجائب ما وعد الله فيها لاوليائه مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ورأيت فيها درجات اصحابى ورأيت فيها الانهار والعيون وسمعت فيها صوتا وهو يقول آمنا برب العالمين فقلت ما هذا الصوت يا رضوان قال هم سحرة فرعون وازواجهم وسمعت آخر وهو يقول لبيك اللهم فقلت من هو قال ارواح الحجاج وسمعت التكبير فقال هؤلاء الغزاة فى الارض السابعة فاذ على بابها مكتوب وان جهنم لموعدهم اجميعن"تفسير : قال عليه السلام "حديث : وابصرت ملكا لم يضحك فى وجهى فقلت يا اخى جبريل من هذا قال مالك خازن النار لم يضحك منذ خلقه الله ولو ضحك الى احد لضحك اليك فقال له جبريل يا مالك هذا محمد فسلم عليه فسلم علىّ وهنأنى بما صرت اليه من الكرامة والشرف"تفسير : وانما بدأ خازن النار بالسلام عليه صلى الله عليه وسلم ليزيل ما استشعر من الخوف منه ويشير الى انه ومن اتبعه من الصالحين سالمون من النار ناجون قال عليه السلام "حديث : فسألته ان يعرض علىّ النار بدركاتها فعرضها علىّ بما فيها واذا فيها غضب الله"تفسير : اى نقمته "حديث : لو طرحت فيها الحجارة والحديد لاكتلها واذا قوم يأكلون الجيف فقلت من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ورأيت قوما تنزع ألسنتهم من اقفيتهم فقلت من هم فقال هم الذين يحلفون بالله كاذبين ورأيت جماعة من النساء علقن بشعورهن فقلت من هن قال هن اللاتى لا يستترن من غير محارمهن ورأيت جماعة منهن لباسهن من القطران فقلت من هن قال نائحات"تفسير : جمع نائحة وهى الباكية على الميت مع عدا خلاقه ومحاسنه. ودل حديث المعراج على ان الجنة والنار مخلوقتان الآن لان الانسان اذا علم ثوابا مخلوقا اجتهد فى العبادة ليحصل ذلك الثواب واذا علم عقابا مخلوقا اجتهد فى اجتناب المعاصى لئلا يصيبه ذلك العقاب وقد صح ان الجنان قيعان عمارتها بالاعمال كما دل عليه حديث الغراس فيما سبق. واعلم انه عليه السلام اسرى به من مكة الى بيت المقدس على البراق ومن بيت المقدس الى السماء الدنيا على المعراج ومنها الى السماء السابعة على جناح الملائكة ومنها الى السدرة على جناح جبريل ومنها الى العرش على الرفرف والظاهر ان النزول كان على هذا الترتيب. وقال بعض الاكابر من اهل الله انه اسرى به الى السدرة على البراق واياما كان فلما نزل الى السماء الدنيا نظر الى اسفل منه فاذا هو بهرج ودخان واصوات فقال ما هذه يا جبريل قال هذه الشياطين يحومون على اعين بنى آدم حتى لا ينظروا الى العلامات ولا يتفكروا فى ملكوت السموات ولولا ذلك لرأوا العجائب اى ادركوها ونزل عليه السلام الى بيت المقدس وتوجه الى مكة وهو على البراق حتى وصل الى بيته الاشرف بالحرم المكى الاحمى بحجر الكعبة العظيمة او الى بيت ام هانى كما يدل عليه ما يجيئ من تقرير القصة وكان زمان ذهابه ومجيئه ثلاث ساعات او اربع ساعات. وفى كلام السبكى ان ذلك كان قدر لحظة ولا بدع لان الله تعالى قد يطيل الزمن القصير كما يطوى الطويل لمن يشاء - روى - فى مناقب الشيخ موسى السدرانى من اكابر اصحاب الشيخ ابى مدين قدس الله سرهما ان له وردا فى اليوم والليلة سبعين الف ختمة. يقول الفقير قال شيخى وسندى قدس سره فى الكلام عليه ان اليوم والليلة اربع وعشرون ساعة فيكون فى كل اثنتى عشر ساعة خمس وثلاثون الف ختمة لانه اما ان ينبسط الى ثلاث واربعين سنة وتسعة اشهر واما الى اكثر وعلى التقدير الاول يكون اليوم والليلة منبسطا الى سبع وثمانين سنة وستة اشهر فيكون فى كل يوم وليلة من ايام السنين المنبسطة اليها ولياليها ختمتان ختمة فى اليوم وختمة فى الليلة كما هو العادة ويحتمل التوجيه باقل من ذلك باعتبار سرعة القارى هذا فانه صدق وقد كشف لى هكذا وقد صدقته وقبلته وهذا سر عظيم انتهى كلام الشيخ. وقد ثبت فى الهندسة ان ما بين طرفى قرص الشمس اى عظمة وسمته ضعف ما بين طرفى كرة الارض مائة ونيفا وستين مرة ثم ان طرفها الاسفل يصل موضع طرفها الاعلى فى اقل من ثانية وهى جزء من ستين جزأ من الدقيقة والدقيقة جزء من ستين جزأ من الدرجة وهى جزء من خمسة عشرة جزأ من الساعة فاذا كانت هذه السرعة ممكنة للجماد فكيف لا يمكن لأفضل العباد اذا اراد رب البلاد والله تعالى قادر على جميع الممكنات فيقدر ان يخلق مثل هذه الحركة فى جسد النبى عليه السلام او فيما يحمله. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره قد ذهب عليه السلام وجاء ولم يتم ماء ابريقه انصبابا ومن كان مؤمنا لا ينكر المعراج ولكن وقوع السير المذكور فى مقدار ذلك الزمن اليسير يشكل عند العقل بحسب الظاهر واما عند التحقيق فلا اشكال ألا يرى ان فى الوجود الانسانى شيئا لطيفا اعنى القلب يسير من المشرق الى المغرب بل جميع العوالم فى آن واحد وهو بديهى لا ينكره من له ادنى تمييز حتى البله والصبيان أفلا يجوز ان تحصل تلك اللطافة لوجود النبى صلى الله عليه وسلم بقدرة الله تعالى فوقع ما وقع فى الزمن اليسير شعر : راه زاندازه برون رفته بى نتوان بردكه جون رفته عقل درين واقعه حاشا كند عقل نه حاشا كه تمنا كند تفسير : - روى - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من ليلته قص القصة على ام هانئ وقال "حديث : انى اريد ان اخرج الى قريش فاخبرهم بذلك"تفسير : فقالت انشدك الله اى بفتح الهمزة اى اسألك بالله ابن عم اى يا ابن عمى ان لا يحدث اى لا تحدث بهذا قريشا فيكذبك من صدقك فلما كان الغداة تعلقت بردائه فضرب بيده على ردائه فانتزعه من يدها وانتهى الى نفر من قريش فى الحطيم هو ما بين باب الكعبة والحجر الاسود واولئك النفر مطعم بن عدى وابو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة فقال "حديث : انى صليت العشاء"تفسير : اى اوقعت صلاة فى ذلك الوقت "حديث : فى هذا المسجد وصليت به الغداة"تفسير : اى اوقعت صلاة فى ذلك الوقت والا فصلاة العشاء لم تكن فرضت وكذا صلاة الغداة التى هى الصبح لم تكن فرضت كما تقدم "حديث : واتيت فيما بين ذلك بيت المقدس"تفسير : واخبرهم عما رأى فى السماء من العجائب وانه لقى الانبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى وجاء انه لما دخل المسجد الحرام وعرف ان الناس يكذبونه وما احب ان يكتم ما هو دليل على قدرة الله تعالى وما هو دليل على علو مقامه الباعث على اتباعه قعد حزينا فمر به عدو الله ابو جهل فجاء حتى جلس اليه عليه السلام فقال كالمستهزئ هل كان من شئ قال "حديث : نعم أسرى بى الليلة"تفسير : قال الى اين قال "حديث : الى بيت المقدس"تفسير : قال ثم اصبحت بين ظهرانينا قال "حديث : نعم"تفسير : قال ارأيت ان دعوت قومك تحدثهم ما حدثتنى قال "حديث : نعم"تفسير : قال يا معشر كعب بن لوى فانفضت اليه المجالس وجاؤوا حتى جلسوا اليهما فقال حدث قومك بما حدثتنى به فقال "حديث : انى اسرى بى"تفسير : قالوا الى اين قال "حديث : الى بيت المقدس فنشر لى الانبياء وصليت بهم وكلمتهم"تفسير : فقال ابو جهل كالمستهزئ صفهم لنا فقال عليه السلام "حديث : أما عيسى فوق الربعة دون الطويل"تفسير : اى لا طويل ولا قصير "حديث : عريض الصدر جاعد الشعر"تفسير : اى فى شعره "حديث : تثنى وتكسر تعلوه صهبه"تفسير : اى يعلو شعره شقرة "حديث : ظاهر الدم"تفسير : اى يعلوه حمرة "حديث : كأنما خرج من ديماس"تفسير : اى حمام واصله الكنّ الذى يخرج منه الانسان وهو عريان واصله الظملة يقال ليل دامس والحمام لفظ عربى. واول واضع له الجن وضعته لسليمان عليه السلام وقيل الواضع بقراط الحكيم وقيل شخص سابق على بقراط استفاده من رجل كان به تعقيد الغصب فوقع فى ماء حار فى جب فسكن فصار يستعمله حتى برئ وفى الحديث "حديث : اتقوا بيتا يقال له الحمام فمن دخله فليستتر"تفسير : ولم يدخل عليه السلام الحمام ولم يكن ذلك فى بلاد الحجاز وانما كان فى ارض العجم والشام "حديث : واما موسى فضخم آدم"تفسير : اى اسمر ومن ثمة كان خروج يده بيضاء مخالفا لونها لسائر لون جسده آية "حديث : طويل كأنه من رجال شنوءة"تفسير : وهى طائفة من اليمن اى ينسبون الى سنوءة وهو عبد المطلب بن كعب من اولاد الازد معروفون بالطول "حديث : كثير الشعر غائر العينين متراكم الاسنان متقلص الشفتين خارج اللثة"تفسير : وهو اللحم الذى خارج الاسنان عابس "حديث : واما ابراهيم فوالله انه لأشبه الناس بى خلقا وخلقا فضجوا"تفسير : اى صاح قريش وعظموا ذلك وصار بعضهم يصفق وبعضهم يضع يده على رأسه متعجبا ومنكرا قالوا نحن نضرب اكباد الابل الى بيت المقدس مصعدا شهرا ومنحدرا شهرا أتزعم انك اتيته فى ليلة واحدة واللات والعزى لا نصدقك وارتد ناس ممن كان آمن به وسعى رجال الى ابى بكر رضى الله عنه اى اسرع او مشى فقال ان كان قد قال ذلك فلقد صدق قالوا أتصدقه على ذلك قال انى اصدقه على ابعد من ذلك اى ان ذهب الى بيت المقدس فى ليلة واحدة اصدقه فانى اصدقه فى خبر السماء فى غدوة وهى ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس وروحه وهى اسم للوقت من الزوال الى الليل والمراد هنا انه ليخبرنى ان الخبر ليأتيه من السماء الى الارض فى ساعة من ليل او نهار فاصدقه فهذا اى مجيئ الخبر له من السماء بواسطة الملك ابعد مما تعجبون منه فسمى الصديق وهو الكثير الصدق فهو للمبالغة وتسمية ابى بكر بسبب هذا الجواب الصدق بهذا الاسم للمبالغة فى كيفية الصدق فانه صدق كامل فى مثل هذا المقام الذى كذب فيه اكثر الناس وكان على رضى الله عنه يحلف بالله ان الله انزل اسم ابى بكر من السماء الصديق اى فهى تسمية الله بالذات لا تسمية الخلق وكان فيهم من يعرف بيت المقدس فاستنعتوه المسجد اى قالوا يا محمد صف لنا بيت المقدس كم له من باب ارادوا بذلك اظهار كذبه عليه السلام لانهم عرفوا انه عليه السلام لم يره قال "حديث : فكربت كربا شديدا لم اكرب مثله قط لانهم سألونى عن اشياء لم اثبتها وكنت دخلته ليلا وخرجت منه ليلا فقمت فى الحجر فجلى الله لى بيت المقدس"تفسير : اى كشفه لى اى بوجود صورته ومثاله فى جناح جبريل او برفع الحجاب بينه وبين بيت المقدس حتى رآه عليه السلام وهو فى مكانه اذ كان يصل بصره الى حيث يصل اليه قلبه او باعدامه هناك وايجاده فى مكة طرفة عين بحيث يتصل بعدمه وجوده على ما هو شأن الخلق الجديد ومنه زيارة الكعبة لبعض الاولياء كما قال فى المثنوى شعر : هرنفس نوميشود دنيا وما بى خبر زنوشدن اندر بقا عمر همجون جوى نونو مى رسد مستمرى مى نمايد درجسد آن زتيزى مستمر شكل آمده است جون شرركس تيز جنبانى بدست شاخ آتش را بجنبانى بساز در نظر آتش نمايد بس دراز اين درازى مدت ازتيزى صنع مى نمايد سرعت انكيزى صنع تفسير : قال "حديث : فطفقت"تفسير : اى جعلت اخبرهم عن آياته اى علاماته وانا انظر اليه. قال فى المواهب ولم يسأله عما رأى فى السماء لانه لا عهد لهم بذلك فقالوا اما النعت فقد اصاب فقالوا ما آية ذلك يا محمد اى ما العلامة الدالة على هذا الذى اخبرت به فانا لم نسمع بمثل هذا قط اى هل رأيت فى مسراك وطريقك ما نستدل بوجوده على صدقك اى لان وصفك لبيت المقدس يحتمل ان تكون حفظته عمن ذهب اليه فقال عليه السلام "حديث : آية ذلك انى مررت بعير بنى فلان بوادى كذا"تفسير : اى فى الروحاء وهو محل قريب من المدينة اى بينه وبين المدينة ليلتان (قد اضلوا ناقة لهم) اى وانا متوجه وذاهب (وانتهيت الى رحالهم واذا قدح ماء فشربت منه) فاسألوهم عن ذلك وشرب الماء للغير جائز لانه كان عند العرب كاللبن مما يباح لكم مجتاز من ابناء السبيل قالوا فاخبرنا عن عيرنا قال "حديث : مررت بها فى التنعيم"تفسير : وهو محل قريب من مكة اى وانا راجع الى مكة فاخبرهم بعدد جمالها واحوالها "حديث : وانها تقدم مع طلوع الشمس يتقدمها جمل اورق"تفسير : وهو ما بياضه الى سواد "حديث : عليه غرارتان احداهما سوداء والاخرى برقاء"تفسير : اى فيها بياض وسواداى جوالق مخطط بياض فابتدر القوم الثنية اى الجبل فقال قائل منهم هذه والله الشمس قد اشرقت فقال آخر هذه والله العير قد اقبلت يتقدمها جمل اورق كما قال محمد عليه الغرارتان فتاب المرتدون واصر المشركون وقالوا انه ساحر. وجاء فى بعض الروايات ان الشمس حبست له عليه السلام عن الطلوع حتى قدمت تلك العير وحبس الشمس وقوفها عن السير اى عن الحركة بالكلية وقيل بطؤ حركتها وقيل ردها الى ورائها فان قيل حبسها ورجوعها مشكل لانها لو تخلفت اوردت لاختلت الافلاك وفسد النظام. قلنا حبسها وردها من باب المعجزات ولا مجال للقياس فى خرق العادات وقد وقع حبس الشمس لبعض الانبياء كداود وسليمان ويوشع وموسى عليهم السلام. واما عود الشمس بعد غروبها فقد وقع له صلى الله عليه وسلم فى خيبر فعن اسماء بنت عميش رضى الله تعالى عنها قالت كان عليه السلام يوحى اليه ورأسه الشريفة فى حجر على رضى الله عنه ولم يسر عنه حتى غربت الشمس وعلى لم يصل العصر فقال له رسول الله "حديث : أصليت العصر"تفسير : قال لا فقال عليه السلام "حديث : اللهم انه كان فى طعاتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس"تفسير : قالت اسماء فرأيتها طلعت بعد ما غربت وهو من اجل اعلام النبوة فليحفظ. وذكر انه وقع لبعض الوعاظ ببغداد كان يعظ بعد العصر ثم اخذ فى ذكر فضائل آل البيت فجاءت سحابة غطت الشمس فظن وظن الناس الحاضرون عنده ان الشمس غابت فارادوا الانصراف فاشار اليهم ان لا يتحركوا ثم ادار وجهه الى ناحية المغرب وقال شعر : لا تغربى يا شمس حتى ينتهى مدحى لآل المصطفى ولنجله ان كان للمولى وقوفك فليكن هذا الوقوف لولده ولنسله تفسير : فطعلت الشمس فلا يحصى ما رمى عليه من الحلى والثياب وهو من الاتفاقات الغريبة كما حكى ان بعض الناس كان يهوى شابا يلقب ببدر الدين فاتفق انه توفى ليلة البدر فلما اقبل الليل وتكمل البدر لم يتمالك محبة رؤيته من شدة الحزن وانشد يخاطب البدر. شعر : شقيقك غيب فى لحده وتطلع يا بدر من بعده فهلا خسفت وكان الخسوف لباس الحداد على فقده تفسير : فخسف القمر من ساعته فانظر الى صدق المحبة وتأثيرها فى القمر وصدق من قال ان المحبة مغناطيس القلوب: قال الكمال الخجندى شعر : بجشم اهل نظركم بود زبروانه دلى كه سوخته آتش محبت نيست تفسير : اللهم اجعلنا من اهل المحبة والوداد آمين وحين زالت الشمس من اليوم الذى يلى ليلة المعراج نزل جبريل وام بالنبى عليه السلام ليعلمه اوقات الصلوات وهيئتها واعداد ركعاتها ثم صيح باصحابه (الصلاة جامعة) لان الاقامة المعروفة للصلاة لم تشرع الا بالمدينة فاجتمعوا فصلى النبى عليه السلام بالناس فسميت تلك الصلاة صلاة الظهر لانها فعلت عند قيام الظهيرة اى شدة الحر او عند نهاية ارتفاع الشمس فصلاته عليه السلام بالناس كانت بعد صلاته مع جبريل وامه جبريل يومين يوما فى اول الوقت ويوما فى آخره وكان ذلك عند باب الكعبة مستقبلا لصخرة الله ثم التفت جبريل وقال يا محمد هذا وقتك ووقت الانبياء من قبلك والوقت ما بين هذين الوقتين وانما لم تقع البداءة بالصبح مع انها اول صلاة بعد ليلة الاسراء لان الاتيان بها يتوقف على بيان الاتيان بالكيفية اى على بيان علم كيفيتها المعلق عليه الوجوب كأنه قيل اوجبت حيث ما تبين كيفية فى وقته والصبح لم تبين كيفيتها فى وقتها فلم تجب. فان قيل قول جبريل هذا وقتك ووقت الانبياء من قبلك يقتضى ان هذه الصلوات كانت مشروعة لكل واحد من الانبياء قبله وليس كذلك لانها من خصائص هذه الامة. قلنا معناه ان وقتك هذا المحدود الطرفين مثل وقت الانبياء قبلك فانه كان محدود الطرفين او ان بعضهم صلى الفجر وبعضهم ما يليها وهو لا ينافى كون المجموع على هذه الكيفية من خصائص هذه الامة - روى - ان اول من صلى الفجر آدم عليه السلام حين اهبط الى الارض من الجنة اظلمت عليه الدنيا وجنّ الليل ولم يكن يرى قبل ذلك فخاف خوفا شديدا فلما انشق الفجر صلى ركعتين شكرا لله تعالى لحصول النجاة من ظلمة الليل ولرجوع النهار او لما تيب عليه كان ذلك عند الفجر فصلى ركعتين شكرا لحصول التوبة وزوال المخالفة وطلوع النور التوفيق وغروب ظلمة المخالفة. واول من صلى بعد الزوال ابراهيم عليه السلام حين فدى ابنه عند الظهر صلى اربعا شكرا لذهاب غم الولد ولنزول الفداء ولرضى الله حين نودى قد صدقت الرؤيا ولصبر ولده على اذى الذبح ومشقته. واول من صلى العصر يونس عليه السلام حين انجاه من ظلمات اربع الزلة والليل والماء وبطن الحوت. واول من صلى المغرب عيسى عليه السلام فالركعة الاولى لنفى الالوهية عن نفسه والثانية لنفيها عن والدته والثالثة لاثباتها لله تعالى وقيل غفر لداود عليه السلام عند الغروب فقام يصلى اربع ركعات فجهد اى تعب فجلس فى الثالثة اى سلم فيها فصارت المغرب ثلاثا. واول من صلى العشاء موسى عليه السلام حين خرج من مدين وضل الطريق وكان فى غم المرأة وغم اخيه هارون وغم فرعون عدوه وغم اولاده فلما انجاه الله من ذلك كله صلى اربعا. واول من صلى الوتر نبينا عليه الصلاة والسلام. قال فى تفسير التيسير ام رسول الله ملائكة السموات فى الوتر فكان امام الانبياء فى بيت المقدس وامام الملائكة عند سدرة المنتهى فظهر بذلك فضله على اهل الارض والسماء انتهى. قال فى التقدمة شرح المقدمة قيل لما قام الى الثالثة رأى والديه فى النار ففزع وانحل يداه ثم كبر وقنت واستغاث بالله من النار واهلها واتمها على ثلاث ركعات فصارت وترا. قيل فرضت الصلوات الخمس فى المعراج ركعتين ركعتين حتى المغرب ثم زيد فى صلاة الحضر فاكملها اربعا فى الظهر اى فى غير يوم الجمعة واربعا فى العصر وثلاثا فى المغرب واربعا فى العشاء واقرت صلاة الصبح على ركعتين فعن عائشة رضى الله عنها فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتان اى فى الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء فلما اقام رسول الله اى بعد شهر وقيل وعشرة ايام من الهجرة زيد فى صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر أى لم يزد عليها شيىء لطول القراءة فيها وتركت صلاة المغرب فلم يزد عليها الا ركعة فصارت ثلاثا وقيل فرضت الخمس فى المعراج اربعا الا المغرب ففرضت ثلاثا والا الصبح ففرضت ركعتين والا صلاة الجمعة ففرضت ركعتين ثم قصرت الاربع فى السفر اى فى السنة الرابعة من الهجرة وهو المناسب لقوله تعالى {أية : فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة } تفسير : قال بعضهم والحكمة فى جعل الصلاة فى اليوم والليلة خمسا ان الحواس لما كانت خمسا والمعاصى تقع بواسطتها كانت كذلك لتكون ماحية لما يقع فى اليوم والليلة من المعاصى اى بسبب تلك الحواس وقد اشار الى ذلك النبى عليه السلام بقوله "حديث : أرأيتم لو كان بباب احدكم نهر يغتسل منه فى اليوم والليلة خمس مرات أكان ذلك يبقى من درنه شيأ" قالوا لا يا رسول الله قال "فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا " تفسير : وقال بعضهم جعلها خمس صلوات اظهارا لسر التضعيف قال تعالى {أية : من جاء بالحسنة فله عشر امثالها}تفسير : فالخمس عشر مرات خمسون وهى العدد الذى فرض ليلة المعراج قبل التخفيف. وقيل لان الكعبة بنيت من خمس جبال طور سينا وطور زيتا والجودى زجلات وحرا وابو قبيس ولهذا السر جعل الطواف حول البيت الحرام بمنزلة الصلاة ولكن الصلاة افضل من الطواف الا فى حق الحاج فانه مختص بالمحل الشريف والصلاة بخلافه. وقيل جعلها خمسا شكرا للعناصر الاربعة وجمعيتها فى نشأة الانسان وقد جعل الله الصلاة على اربعة اركان القيام والركوع والقعود والسجود لتكون شكرا لهذه العناصر الاربعة. او لان الخلق اربعة اصناف قائم مثل الاشجار وراكع مثل الانعام وقاعد مثل الاحجار وساجد مثل الهوام فاراد ان يوافق الجميع فى احوالهم فيشئا كل واحد من الخلق وجعل الله فى اوضاع الصلاة جمعية العالم كلها وجعلت الصلاة مثنى وثلاث ورباع لتوافق اجنحة الملائكة فانها جعلت اجنحة للشخص بها يطير الى الله تعالى. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده قدس سره صلاة الصبح فى مقابلة الجسم والروح والاربع فى المراتب الاربع اى الطبيعة والنفس والقلب والروح وصلاة المغرب كانت لعيسى ولذلك صارت ثلاثا لانه ليس له حظ الطبيعة وقال حضرة شيخى وسندى قدس الله سره فى كتاب اللائحات البريات عند قوله تعالى {أية : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة}تفسير : ان الليل اشار الى مرتبة اللاتعين وهى مرتبة الجلال الاطلاقى الذاتى الحقيقى الوجودى لكمال الاطلاق الذاتى الحقيقى الوجودى والنهار اشارة إلى مرتبة التعيين وهي مرتبة الجمال الإطلاقى الذاتى الحقيقى الوجودى لذلك الكمال المذكور نعته ثم صلاة الفجر من الصلوة الخمس المشتمل عليها الليل والنهار بركعتيها اشارة الى الاثنينية والتمايز بين المرتبتين المذكورتين والركعة الاولى اشارة الى مرتبة الجلال والركعة الثانية اشارة الى مرتبة الجمال واحدية مجموع الركعتين واجتماع الركعتين والتقاؤهما فى ذلك المجموع اشارة الى كمال واجتماع الجلال والجمال والتقائهما فى ذلك الكمال ثم صلاة المغرب منها عكس صلاة الفجر ليظهر فيها ما بطن فيها من الاحدية الجامعة والركعة الاولى اشارة الى الجلال والثانية الى الجمال والثالثة الى الكمال الجامع ومرتبة اللاتعين مرتبة القوة ومرتبة التعين مرتبة الفعل ولولا القوة لما تحقق الفعل والقوة اجمال والفعل تفصيل فلولا خزينة القوة لما ظهر كرم الفعل وجود الفضل ثم صلاة العشاء منها بركعاتها الاربع اشارة الى التعينات الاربعة الذاتية والاسمائية والصفاتية والافعالية فى مرتبة اللاتعين والجلال بالقوة وصلاة الظهر منها بركعاتها الاربع اشارة الى تلك التعينات الاربعة فى مرتبة الجمال الالهى بالفعل وصلاة العصر منها بركعاتها الاربع اشارة اليها فى مرتبة الجمال الكونى بالفعل ثم الفرائض اشارة الى الوجود الحقانى الالهى المنبسط على الاكوان مطلقا والواجبات اشارة الى الوجودات الخلقية الكونية الاخصية والسنن اشارة الى الوجودات الخلقية الكونية الخاصية والمستحبات اشارة الى الوجودات الخلقية العامية ثم ساق حضرة الشيخ روح الله روحه فى ذلك الكتاب كلاما طويلا من طلبه وجده. وسئل ابن عباس رضى الله عنهما هل تجد الصلوات الخمس فى كتاب الله تعالى فقال نعم وتلا قوله {أية : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد فى السموات والارض وعشيا وحين تظهرون}تفسير : واراد بحين تمسون المغرب والعشاء وبحين تصبحون الفجر وبعشيا العصر وبحين تظهرون الظهر واطلاق التسبيح بمعنى الصلاة جاء فى قوله تعالى {أية : فلولا انه كان من المسبحين } تفسير : قال القرطبى اى من المصلين. وفى الكشاف عن ابن عباس رضى الله عنهما كل تسبيح فى القرآن فهو صلاة والعمدة فى الصلاة الطهارة الباطنة وحضور القلب: وفى المثنوى شعر : روى ناشسته نبيند روى خور لا صلاة كفت الا بالطهور تفسير : وهو بالفتح مصدر بمعنى التطهير ومنه (مفتاح الصلاة الطهور) واسم لما يتطهر به كما فى المغرب قال الحافظ شعر : طهارت ارنه بخون جكر كند عاشق بقول مفتى عشقش درست نيست نماز
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {سبحان}: مصدر غير متصرف، منصوب بفعل واجب الحذف، أي أسبحُ سبحان. وهو بمعنى التسبيح، أي: التنزيه، وقد يستعمل عَلَمًا له، فيقطع عن الإضافة ويمنع الصرف، كقول الشاعر: شعر : قَدْ أَقُولُ لَمَّا جَاءَني فَخْرُهُ سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ تفسير : و {ليلاً}: منصوب على الظرفية لأسرى. وفائدة ذكره، مع أن السرى هو السير بالليل، ليفيد التقليل، ولذلك نكّره، كأنه قال: أسرى بعبده مسيرة أربعين ليلة في بعض الليل، وذلك ابلغ في المعجزة. ويقال: أسرى وسرى، رباعيًا وثلاثيًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {سبحان الذي أسرى بعبده} وهو: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أي: تنزيهًا له عن الأماكن والحدود والجهات، إذ هو أقرب من كل شيء إلى كل شيء. وإنما وقع الإسراء برسوله - عليه الصلاة والسلام - ليقتبس أهلُ العالم العلوي، كما اقتبس منه أهل العالم السفلي، فأسرى به {ليلاً من المسجد الحرام} بعينه؛ لِمَا رُوي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "حديث : بَينَما أَنَا في المسْجِدِ الحَرَامِ في الحِجْر، عِنْدَ البَيْتِ، بَيْنَ النَّائِم واليقْظَانِ، إذْ أَتَانِي جِبْرِيلُ بالبُراقِ ". تفسير : أو: من الحرم؛ لِمَا رُوي أنه كان نائمًا في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء، فأُسْرِيَ به، وسماه مسجدًا؛ لأن الحرم كله مسجد. قاله البيضاوي. قلت: والظاهر أنه وقع مرتين: مرة بجسده من البيت، ومرة بروحه من بيت أم هانئ. والله تعالى أعلم بما كان. قال في المستخْرج من تفسير الغزنوني وغيره: قيل: كان رؤيا صادقة، وقيل: أسرى بروحه، وهو خلاف القرآن، وإن أسند إلى عائشة - رضي الله عنها -، والجمهور على ما رواه عامة الصحابة، دخل كلام بعضهم في بعض، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أتاني جبريل عليه السلام، وإذا دابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها مد بصرها، فمرّ بي بين السماء والأرض إلى بيت المقدس، فَنُشِرَ لي رَهْطٌ من الأنبياء، فصليت بهم. وإذا أنا بالمعراج، وهو أحسن ما رأيت، فعرج بي، فرأيت في سماء الدنيا رجلاً أعظم الناس وجهًا وهيكلاً، فقيل: هذا أبوك آدم، وفي السماء الثانية شابيْن، فقيل: هما يحيى وعيسى، وفي الثالثة رجلاً أفضل الناس حُسنًا، فقيل: أخوك يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم - صلوات الله على جميعهم -. فانتهيتُ إلى سِدرة المنتهى، فَغَشِيَتْهَا ملائكةٌ، كأنهم جراد من ذهب، فرأيتُ جبريل عليه السلام يتضاءل كأنه صَعْوة - أي: عصفور - فتخلف، وقال: وما منا إلا له مقام معلوم، فجاوزت سبعين حجابًا، ثم احتملني الرفرف إلى العرش، فنُوديتُ: حَيِّ ربك. فقلت: لا اُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". تفسير : فلما أخبر بما رأى كذَّبه أهل مكة، ولو كان في النوم ما أنكره المشركون. وقيل: كانا معراجين، بمكة والمدينة، في النوم واليقظة. هـ. قلت: وقوع المعراج بالمدينة غريب. قال المهدوي: مرْتَبة الإسراء بالجسم إلى تلك الحضرات العَلِية خاصة بنبينا، لم يكن لغيره من الأنبياء. وعدَّه السيوطي من الخصائص. قال ابن جزي: وحجة الجمهور: أنه لو كان منامًا، لم تُنكره قريش، ولم يكن في ذلك ما يُكَذَّبُ، ألا ترى أن أُم هانئ قالت له - عليه الصلاة والسلام-: (لا تُخبر بذلك أحدًا). وحجة من قال إنه كان منامًا: قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ} تفسير : [الإسراء: 60]، وإنما يقال: الرؤيا، في المنام، ويقال، فيما يرى بالعين: رؤية، وقوله، في آخر حديث الإسراء: "فاستيقظتُ وأنا في المسجد الحرام"، ثم قال: وقد يجمع بينهما بأنه وقع مرتين. هـ. وقوله تعالى: {إلى المسجد الأقصى} هو: بيت المقدس؛ لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، {الذي باركنا حوله} ببركات الدين والدنيا؛ لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء، ومحفوف بالأنهار والأشجار والثمار. أسرينا به؛ {لِنُريه من آياتنا} الدالة على عجائب قدرتنا، ونكشفَ له عن أسرار ذاتنا، فأَطْلعه الله على عجائب الملكوت، وأراه سَنَا الجبروت. رَوَى عكرمةُ عن ابن عباس: أنه قال: قد رأى محمدٌ ربه، قلت: أليس الله يقول: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} تفسير : [الأنعَام: 103]، قال: ويحك، ذلك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين. هـ. قلت: معنى كلامه: أنه إذا تجلى بنوره الأصلي، من غير واسطة، لا يمكن إدراكه، وأما إذا تجلى بواسطة المظهر فإنه يُمكن إدراكه، والحاصل: أن الحق تعالى إنما يتجلى على قدر الرائي، لا على قدره؛ إذ لا يطيقه أحد. وسيأتي، في الإشارة، بقية الكلام عليه، إن شاء الله. {إِنه هو السميعُ البصير} أي: السميع لأقوال حبيبه في حال مناجاته، البصيرُ بأحواله، فيكرمه ويُقربه على حسب ذلك. الإشارة: قال بعض الصوفية: إنما قال تعالى: {بعبده}، ولم يقل: بنبيه: ولا برسوله؛ ليدل على أن كل من كملت عبوديته كان له نصيب من الإسراء. غير أن الإسراء بالجسد مخصوص به - عليه الصلاة والسلام -، وأما الإسراء بالروح فيقع للأولياء؛ على قدر تصفية الروح، وغيبتها عن هذا العالم الحسي، فتعرج أفكارهم وأرواحهم إلى ما وراء العرش، وتخوض في بحار الجبروت، وأنوار الملكوت، كلٌّ على قدر تخليته وتحليته. وإنما خص الإسراء بالليل؛ لكونه محل فراغ المناجاة والمواصلات، ولذلك رتب بعثه مقامًا محمودًا على التهجد بالليل في هذه السورة. قاله المحشي. وقوله تعالى: {سبحان الذي أسرى}، قال الورتجبي: أي: تنزه عن إشارة الجهات والأماكن في الفوقية، وما يتوهم الخلق؛ من أنه إذ أوْصل عبده إلى وراء الوراء، أنه كان في مكان، أي: لا تتوهموا برفع عبده إلى ملكوت السماوات، أنه رفع إلى مكان، أو هو في مكان، فإن الأكوان والمكان أقل من خردلة في وادي قدرته، أي: في بحر عظمته؛ ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : الكون في يمين الرحمن أقل من خردلة"تفسير : . والعندية والفوقية منه، ونزّه نفسه عن أوهام المشبّهات، حيث توهموا أنه أسرى به إلى المكان، أي: سبحان من تنزه عن هذه التهمة. هـ. وقال القشيري: أرسله الحق تعالى؛ ليتعلم أهلُ الأرض منه العبادة، ثم رَقَّاه إلى السماء ليتعلّمَ منه الملائكةُ - عليهم السلام - آدابَ العبادة، قال تعالى: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النّجْم: 17]، وما التَفَتَ يمينًا ولا شمالاً، ما طمع في مقام، ولا في إكرام، تحرر عن كلِّ طلبٍ وأرَبٍ، تلك الليلة. هـ. قلت: ولذلك أكرمه الله تعالى بالرؤية، التي مُنِعَ منها نبيه موسى عليه السلام، حيث وقع منه الطلب "ربما دلهم الأدب على ترك الطلب"، وقال الورتجبي: أسرى به عن رؤية فعله وآياته، إلى رؤية صفاته، ومن رؤية صفاته إلى رؤية ذاته، وأشهده مَشاهد جماله، فرأى الحق بالحق، وصار هنالك موصوفًا بوصف الحق، فكان صورتُه روحَه، وروحُه عقلَه، وعقلُه قلبَه، وقلبُه سره، فرأى الحق بجميع وجوده؛ لأن وجوده فانٍ بجميعه، فصار عينًا من عيون الحق، فرأى الحق بجميع العيون، وسمع خطابه بجميع الأسماع، وعرف الحق بجميع القلوب. هـ. وقال، في قوله تعالى: {إِلى المسجد الأقصى} : سبب بداية المعراج بالذهاب إلى المسجد الأقصى، لأن هناك الآية الكبرى؛ من بركة أنوار تجليه لأرواح الأنبياء وأشباحهم، وهناك بقربه طور سيناء، وطور زيتا، والمصيصة، ومقام إبراهيم وموسى وعيسى، وفي تلك الجبال مواضع كشوف الحق، ولذلك قال: {باركنا حوله}، انظر تمامه. ولما كان لسيدنا موسى عليه السلام مزيد كلام ومراجعة مع نبينا عليه الصلاة والسلام
الطوسي
تفسير : قرأ ابو عمرو وحده {ألاّ يتخذوا} بالياء. الباقون بالتاء، والمعنى فيهما قريب، والتقدير، {وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألاّ تتخذوا} وقلنا لهم: لا تتخذوا، كما تقول: قلت لزيد قم، وقلت له ان يقوم. وقال تعالى {أية : قل للذين كفروا ستغلبون}تفسير : بالتاء والياء. ومعنى {من دوني وكيلاً} أي كافياً وربا، ونصب {ذرّية} على النداء، وهو خطاب لجميع الخلق، لأن الخلق كله من نسل نوح من بنيه الثلاثة: حام: وهو ابو السودان، ويافث: وهو أبو البيضان: الروم والترك والصقالبة وغيرهم، وسام: وهو ابو العرب والفرس. وتقديره يا ذرّية من حملنا، ووزن "ذرية" فعلية، من الذر، ويجوز ان يكون (فعولة) من الذر واصله (ذروية) فقلبت الواو ياء وادغمت في الياء، قال أبو علي النحوي: ويجوز ان يكون نصبا على أنه مفعول الاتخاذ لأنه فعل يتعدى إِلى مفعولين كقوله {أية : واتخذ الله إبراهيم خليلاً} تفسير : وقال{أية : اتخذوا أيمانهم جنة}تفسير : وعلى هذا يكون مفعولا ثانياً على القراءتين، ومتى نصبته على النداء، فانما يتأتى ذلك في قراءة من قرأ بالتاء، والاسهل أن يكون على قراءة من قرأ بالياء، لأن الياء للغيبة، والنداء للخطاب، و (أن) في قوله {ألا تتخذوا} يحتمل ثلاثة أوجه: احدها أن تكون (أن) الناصبة للفعل، والمعنى جعلناه هدى، كراهة أن تتخذوا، أو لان لا تتخذوا. والثاني - أن تكون (أن) بمعنى أي، لانه بعد كلام تام والتقدير أي لا تتخذوا. والثالث - أن تكون (أن) زائدة، ويضمر القول. والوكيل لفظه واحد، والمراد به الجمع، لأن معناه حينئذ (فعيلا) فيكون مفرد اللفظ والمراد به الجمع، نحو قوله {أية : وحسن أولئك رفيقاً}.تفسير : قال أبو عبيد: أهل المدينة يقولون في نصب {سبحان} أنه اسم في موضع مصدر سبحت الله تسبيحاً، والتسبيح هو المصدر، وسبحان اسم منه، كقولك كفّرت اليمين تكفيراً، أو كفراناً، والتكفير المصدر، والكفران الاسم، قال أمية ابن أبي الصلت: شعر : سبحانه ثم سبحاناً يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمد تفسير : وقال بعضهم انه يجوز أن يكون نصباً على النداء، يريد: يا سبحان ومعناه: التنزيه لله والتبعيد له من كل ما لا يليق به، والتسبيح يكون بمعنى الصلاة، كقوله{أية : فلولا أنه كان من المسبحين}تفسير : أي من المصلين - ذكره اكثر المفسرين - ومنه السبحة وهي النافلة. وروي أنه كان ابن عمر يصلي سبحته في موضعه الذي يصلي فيه المكتوبة ويكون بمعنى الاستثناء، كقوله {فلولا تسبحون} أي فلولا تستثنون، وهي لغة لبعض أهل اليمن، ولا وجه للكلام غيره، لأنه قال {إِنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة} الى قوله {ولا يستثنون} ثم {أية : قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون}تفسير : فذكّرهم تركهم الاستثناء فأما سبحة النور التي دون الله، قال المبرد: لا يعرف إِلا من الخبر الذي روي (لولا ذلك لاحرقت سبحات وجهه) بمعنى نور وجهه أي الذي إِذا رأى الرائي قال سبحان الله. وقال سيبويه {سبحان} براءة الله من السوء وهذا اسم لهذا المعنى معرفة وقال الاعشى: شعر : أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر تفسير : اي براءة منه ولا ينزه بلفظ سبحان غير الله، وانما ذكره الشاعر نادراً على الاصل واجراه كالمثل في قوله {أية : وإن من شيء إلا يسبح بحمده}تفسير : معناه ليس شيء إِلاَّ وفيه دلالة على تنزيه الله مما لا يليق به، وقولهم: سبح تسبيحاً أي قال سبحان الله، والسبح في التعظيم الجري فيه. والاسراء سير الليل، اسرى اسراء وسرى يسرى سرى لغتان، قال الشاعر: شعر : وليلة ذات دجى سريت ولم يلتني عن سراها ليت تفسير : وقوله {ليلاً} معناه بعض الليل، على تقليل وقت الاسراء، ويقوي ذلك قراءة حذيفة، وعبد الله {من الليل} وروت أم هاني بنت ابي طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في منزلها ليلة أسري به. وقال الحسن وقتادة: كان في نفس المسجد الحرام. وروي عن أم هاني أن الحرم كله مسجد. والمسجد الاقصى هو بيت المقدس، وهو مسجد سليمان بن داود - في قول الحسن وغيره من المفسرين - وانما قيل له: الأقصى، لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام. وقال الحسن: صلى النبي صلى الله عليه وسلم المغرب في المسجد الحرام. ثم أسري به الى بيت المقدس في ليلة ثم رجع، فصلى الصبح في المسجد الحرام، فلما اخبر به المشركين كذبوا ذلك، وقالوا: يسير مسيرة شهر في ليلة واحدة؟! وجعلوا يسألون عن بيت المقدس وما رأى في طريقه، فوصفه لهم شيئاً شيئاً بما يعرفونه. ثم اخبرهم انه رأى في طريقه قعباً مغطاً مملوءاً ماء فشرب الماء كله ثم غلطاه كما كان، ووصف لهم صفة إِبل كانت لهم في طريق الشام تحمل المتاع، فقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فقعدوا في ذلك اليوم يستقبلونها، فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد أشرقت، ولم تأت. وقال آخر هذا والله العير يقدمها جمل اورق، كما ذكر محمد، فكان ذلك معجزة له باهرة، ودلالة واضحة لولا العناد، وكان نفس الاسراء حجة له صلى الله عليه وسلم لا انه يحتاج إِلى دلالة كغيره، ولذلك قال تعالى {لنريه من آياتنا} فكان الاسراء من جملة الآيات التي تأكد بها يقينه وازدادت به بصيرته، لأنه كان قد علم نبوته بما تقدم له من الآيات، فكان هذا على وجه التأكيد لذلك. وعند أصحابنا وأكثر أصحاب التأويل، وذكره الجبائي ايضاً: انه عرج به في تلك الليلة الى السماء وأت حتى بلغ سدرة المنتهى في السماء السابعة، واراه الله من آيات السموات والارض ما ازداد به معرفة ويقيناً، وكان ذلك في يقظته دون منامه، والذي يشهد به القرآن الاسراء من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى، والباقي يعلم بالخبر. وقوله {الذي باركنا حوله} يعني بالثمار ومجاري الانهار، وقيل {باركنا} حوله بمن جعلنا حوله من الانبياء والصالحين، ولذلك جعله مقدساً. {لنريه من آياتنا} من العجائب التي فيها اعتبار. وروي أنه كان رأى الأنبياء حتى وصفهم واحداً واحداً. وقوله {إِنه هو السميع البصير} اخبار منه تعالى أنه يجب أن يدرك المبصرات والمسموعات اذا وجدت، لأنه حي ولا يجوز عليه الآفات. وقوله {وآتينا موسى الكتاب} يعني التوراة {وجعلناه} يعني التوراة التي انزلها {هدى} ودلالة لبني اسرائيل، وقلنا لهم {لا تتخذوا من دوني وكيلاً} أي ربّاً تتوكلون عليه وكافياً تسندون اموركم اليه. وقال مجاهد: معنى {وكيلاً} شريكا، قال المبرد: هذا لا شاهد له في اللغة. وقلنا يا {ذرّية من حملنا مع نوح} في سفينته وقت الطوفان {إنه كان عبداً شكوراً} يعني نوحاً كان عبداً كان لله شاكراً له على نعمه. وروي انه اذا كان اراد أكل طعام أو شراب قال: بسم الله، وإِذا شبع قال الحمد لله، ومن قال: هو نصب على أنه مفعول، فانه قال تقديره لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلاً من دوني.
الجنابذي
تفسير : {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} بعض ليلٍ {مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} الّذى فى بيت القدّس او الى المسجد الاقصى الّذى هو فى السّماء الرّابعة المسمّى بالبيت المعمور الّذى المسجد الاقصى مظهره وهو ملكوته كما انّ المسجد الحرام او مظهره وهو ملكوته، والسُّرى والاسراء بمعنىً وهو السّير باللّيل فذكر اللّيل بعده مبنىّ على التّجريد، او التّأكيد، وتعديته بالباء فقط وليس من قبيل الجمع بين التّعدية بالباء والهمزة {ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} فانّ حول بيت المقدّس الشّام ومصر وكلاهما ممتازان عن سائر البلاد بكثرة النّعم من كلّ جنس، والبيت المعمور الّذى هو فى السّماء الرّابعة معلوم كثرة بركات ما حوله. تحقيق المعراج الجسمانىّ اعلم، انّ الآية اشارة الى معراج الرّسول (ص) وقد اختلف الاخبار فى كيفيّته وسيره (ص) وما رآه مع اتّفاقها على وقوعه وانّه من معجزاته (ص) وقد اختلف فى انّه ببدنه الطّبيعىّ ام ببدنه المثالىّ ام بروحه، وانكرت الفلاسفة كونه بالبدن الجسمانىّ الطّبيعىّ لامتناع دخول الجسم الملكىّ فى الاجسام الملكوتيّة وللزوم الخرق والالتيام فى السّماوات وهو محال، وقالت المتشرّعة اقتفاءً لظاهر الاخبار انّه كان ببدنه الطّبيعىّ من غير تبيينٍ لوجه صحّته مع قوّة برهان الفلاسفة على امتناعه وسنحقّقه ان شاء الله تعالى، واورد انّه كما روى كان فى اقصر زمانٍ حيث كان حرارة مضجعه باقيةً ولم يسكن حركة حلقة الباب ولم يتمّ انصباب ماء الابريق الّذى سقط حين عروجه بعد رجوعه وكان ما قصّ علينا ممّا رآه فى معراجه ووقع منه من الصّلوات والمخاطبات لا يمكن وقوعه الاّ فى زمانٍ طويلٍ فلا يمكن التّوفيق وأشكل بانّه (ص) حين بلغ الى مقام القرب خاطبه علىّ (ع) ومدّ علىّ (ع) يده من وراء الحجاب وشاركه فى الغذاء وسدّ الطّريق علىّ (ع) حين سيره (ص) وكلّ ذلك يدلّ على كون علىٍّ (ع) اكمل منه (ص) مع انّه كان تابعاً له (ص) والتّابع لا يكون اكمل من المتبوع. وتحقيق ذلك بحيث لا يبقى ريب فى وقوعه ببدنه الطّبيعىّ ولا اشكال ممّا ذكر يستدعى تمهيد مقدّمةٍ فنقول: العالم ليس منحصراً فى هذا العالم المحسوس المعبّر عنه بعالم الطّبع بسماواته وارضيه بل فوقه البرزخ وهو عالم بين عالم الطّبع وعالم المثال وله الحكومة على عالم الطّبع والتّصرّف فيه اىّ تصرّفٍ شاء من الاحياء والاماتة وايجاد المعدوم واعدام الموجود وستر المحسوس واظهار غير المحسوس بصورة المحسوس ومنه طىّ الارض والسّير على الماء والهواء والدّخول فى النّار سالماً وقلب الماهيّات، ومنه طىّ الزّمان كما ورد فى الاخبار انّه قال المعصوم (ع) لمنافقٍ: اخسأ؛ فصار كلباً، وقال لآخر: انت امرأة بين الرّجال فصار امرأة، وانكر آخر قلب المهيّات عند المعصوم (ع) فصار الى نهرٍ ليغتسل فدخل الماء وارتمس فخرج فرأى نفسه امرأة على ساحل بحرٍ قرب قرية منكورةٍ فدخلت القرية وتزوّجت وعاشت مدّة وولدت لها اولاد ثمّ خرجت لتغتسل فى البحر فدخلت الماء وارتمست فخرجت على ساحل النّهر المعهود وهو رجل واذا بثيابه موضوعة كما وضعها فلبسها ودخل بيته واهله غير شاعرين بغيبته لقصر الزّمان، وامثال ذلك رويت عن التّابعين لهم على الصّدق وهذا من قبيل بسط الزّمان ان كان وقوعه فى عالم الملك، كما نقل انّ امرأة وقع لها ذلك فأخبرت وأنكرها جماعة فاوتيت باولادها بعد ذلك عن بلدة بعدية مع انّه لم تمض فى بلدها قدر ساعة، او من قبيل البسط فى الدّهر من غير تصرّفٍ فى الزّمان ان كان وقوعه فى الملكوت، وفوق البرزخ عالم المثال وله التّصرّف فى البرزخ والطّبع، وفوقه عالم النّفوس الكلّيّات المعبّر عنها بالمدبّرات امراً، وفوقه الارواح المعبّر بالصّافّات صفّاً ويعبّر عنها فى لسان الاشراقيّين بارباب الانواع وارباب الطّلمسات، وفوقها العقول المعبّر عنها بالمقرّبين وفوقها الكرسىّ وفوقها العرش وهو سرير الملك المتعال وهما بين الوجوب والامكان لا واجبان ولا ممكنان بل فوق الامكان وتحت الوجوب؛ وكلّ من تلك العوالم له الاحاطة والتّصرّف والحكومة على جميع ما دونه فاذا غلب واحد من تلك العوالم على ما دونه صار ما دونه بحكمه وذهب عنه حكم نفسه. ثمّ اعلم، انّ الانسان مختصر من تلك العوالم وله مراتب بازاء تلك العوالم وكلّ مرتبةٍ عالية لها الحكومة على ما دونها من غير فرقٍ كما نشاهد من حكومة النّفس على البدن والقوى لكن تلك المراتب فى اكثر النّاس بالقوّة وما بالفعل من النّفس المجرّدة الّتى هى بازاء عالم النّفوس ضعيفة غاية الضّعف بحيث لا يمكنها التّصرّف فى بدنها زائداً على ما جعله الله فى جبلّتها فكيف بغير بدنها، فاذا صار بعض تلك المراتب بالفعل كما فى اكثر الانبياء والاولياء (ع) او جميعها كما فى خاتم الانبياء (ص) وصاحبى الولاية الكلّيّة (ع) كان لهم التّصرّف فى ابدانهم باىّ نحوٍ شاءوا، وفى سائر اجزاء العالم كما روى عن الانبياء والاولياء (ع) من طىّ المكان والزّمان والسّير على الماء والهواء ودخول النّار واحياء الموتى واماتة الاحياء وقلب المهيّات وغير ذلك ممّا لا ينكر تمامها لكثرتها وتواتر الاخبار بمجموعها وان كان آحادها غير متواترةٍ، وامّا التّصرّف فى البدن الطّبيعىّ بحيث يخرجه عن حكم الامكان ويدخله فى عالم العرش الّذى هو فوق الامكان وفوق عالم العقول والملائكة المقرّبين كما ورى انّ جبرئيل تخلّف عن الرّسول (ص) فى المعراج وقال: لو دنوت انملة لاحترقت؛ مع انّه من عالم العقول المقرّبين فهو من خواص خاتم الكلّ فى الرّسالة والنّبوّة والولاية وهو من خواص نبيّنا (ص) لا يشاركه فيه غيره ولا نبىّ مرسل ولا خاتم الاولياء ولذلك جعلوا المعراج الجمسانىّ بالكيفيّة المخصوصة من خواصّه (ص)، ولمّا كان المعراج بتلك الكيفيّة امراً لا يتصوّرا مرفوقه من الممكن وكان لا يتيسّر الاّ اذا غلب العالم الّذى فوق الامكان على البدن الطّبيعىّ ولا يتسيّر تلك الغلبة بسهولة ولكلّ احدٍ وفى كلّ زمانٍ قالوا: انّ المعراج للنّبىّ (ص) كان مرّتين مع انّه نسب الى بعض العرفاء انّه قال: انّى اعرج كلّ ليلة سبعين مرّة، والمعراج بالرّوح امر يقع لكثير من المرتاضين بل ورد انّ الصّلاة معراج المؤمن؛ اذا تقرّر ذلك نقول: انّه (ص) عرج ببدنه الطّبيعىّ وعليه عباؤه ونعلاه الى بيت المقدس ومنه الى السّماوات، ومنها الى الملكوت، ومنها الى الجبروت، ومنها الى العرش الّذى هو فوق الامكان، وفى هذا السّير تخلّف جبرئيل (ع) عنه (ص) لانّه كان من عالم الامكان ولم يكن له طريق الى ما فوق الامكان لانّ الملائكة كلّ له مقام معلوم لا يتجاوزه بخلاف الانسان ولم يكن منه ذلك المعراج الاّ مرّتين كما فى الاخبار ولا يلزم منه خرق السّماوات لارتفاع حكم الملك عن بدنه بغلبة الملكوت، ولا استغراب فى عروج البدن الطّبيعىّ الى الملكوت والجبروت لسقوط حكم الملك بل حكم الامكان عنه مع بقاء عينه، ولا غرو فى كثرة وقائعه فى المعراج فانّه من بسط الدّهر مع قصر الزّمان كما قال: {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [الحج:47]، وقال ايضاً {أية : فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [المعارج:4]، فقدر ساعة من الدّهر بازاء قدر ساعة من الزّمان تكون كالف ساعةٍ من الزّمان او كخمسين الف ساعةٍ، وتكلّم علىّ (ع) ومدّ يده من وراء الحجاب كان بمقامه العلوىّ لا ببدنه الطّبيعىّ والفضل فى المعراج بان يكون بالبدن الطّبيعىّ ولذلك كان من خواصّه (ص) لم يشاركه فيه علىّ (ع) واخبار المعراج وكيفيّة وقائعه مذكورة فى المفصّلات، ومن هذه الآية يظهر فضل نبيّنا (ص) على موسى (ع) حيث كان سيره الى الله باسراء الله وسير موسى (ع) من قبل نفسه ونفى الرّؤية عنه تأبيداً بعد مسئلته وحصر الرّؤية فى نبيّنا (ص) بدون مسئلته، يعنى انّ محمّداً (ص) تحقّق بحقيقة السّمع والبصر بحيث لم يكن سمع الاّ وهو سمعه ولا بصر الاّ وهو بصره وما ذلك الاّ بالتّحقّق بحقيقة السّمع والبصر وما ذاك التّحقّق الاّ التّحقّق بحقيقة الاسماء والصّفات الّتى نفى شهودها عن موسى (ع) {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} يعنى فأريناه ايّاها فرآها فتحقّق بها فصار بحيث لم يكن سمع وبصر الاّ وهو سمعه وبصره فصار فى حال يقال فى حقّه {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} فعلى هذا قوله انّه هو السّميع البصير جواب لسؤال عن حاله (ص) بعد الاراءة كأنّه قيل: فما كان حاله بعد الاراءة؟ - فقال: تحقّق بالآيات والاسماء والصّفات، او حال مفيدة لهذا المعنى جعل المفسّرون ضمير انه لله اى انّ الله هو السّميع لكنّه خلاف ظاهر الآية لفظاً.
الأعقم
تفسير : قال الله سبحانه: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد} الآية، أسري به بعض الليل من مكة الى الشام مسيرة أربعين ليلة، واختلفوا في المكان الذي به أسري، فقيل: هو المسجد الحرام بعينه وهو الظاهر، وقيل: أسري به من دار أم هاني بنت أبي طالب، والمراد بالمسجد الحرام الحرم لاحاطته بالمسجد وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد، وروي أنه أسري به بعد العشاء، وروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : أتاني جبريل وانا بمكة، وقال: قم يا محمد، فقمت معه، وإذا بالبراق فوق الحمار ودون البغل، خده كخد الانسان، وذنبه كذنب البعير، وعرفه كعرف الفرس، وله جناحان، خطوه منتهى طرفه فقال: اركب، فركبت، ومضيت حتى انتهيت إلى بيت المقدس، وإذا ملائكة نزلت من السماء بالبشارة، وصليت في بيت المقدس، ثم صعد بي إلى السماء فرأيت عجائباً، ثم صعد بي جبريل إلى السماء الثانية فرأيت فيها عيسى ابن مريم، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فرأيت فيها يوسف، ثم صعد بي إلى الرابعة، ثم صعد بي إلى السابعة، فنظرت فيها خلقاً وملائكة، ورأيت الجنة والنار وما فيها، ورأيت العرش، ورأيت سدرة المنتهى، ثم رجعت إلى مكة، فلما أصبحت حدثت الناس فكذبني، أبو جهل والمشركون، فقال: فأخبرنا عن عيرنا، فقال: مررت بها في التنعيم يقدمها جمل أورق، وتطلع عليكم عند طلوع الشمس"تفسير : . وروي أنه ارتد جماعة ممن كان قد أسلم وسألوه عن صفة المسجد فوصفه لهم والتبس شيء فيه فرفع له حتى حكاه، وجلسوا ينتظرون مطلع الشمس فيكذبوه، فقال قائل: والله ان الشمس قد طلعت، وقال آخر: والله ان الإِبل قد طلعت يقدمها بعير أورق لونه مثل لون الرمان، وجاءتهم وقت طلوع الشمس فلم يؤمنوا إلا أن قالوا: هذا سحر مبين، واختلفوا هل كان رؤيا أو في اليقظة، وكان ذلك قبل الهجرة بسنة، قالوا: والوجه إنه لم يكن رؤيا إلا أنه أسري به وهو في اليقظة، السري والأسرى: الذهاب في الليل، تعليلاً للوقوف، وقيل: ليلاً دل على وسط الليل ذكره في الغرائب والعجائب أعني وسط الليل، وقوله: {الذي باركنا حوله} قيل: الثمار، وقيل: سمي مباركاً لأنه مقر الأنبياء، وفيه مهبط الملائكة وفيه يحشر الناس يوم القيامة {لنريه من آياتنا} من عجائب حجتنا التي فيه {إنه هو السميع} لأقوال من صدقك أو كذبك {البصير} بصير بما في الضمائر.
الهواري
تفسير : تفسير سورة بني إسرائيل وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: { سُبْحَانَ} يعني نفسه وينزّهُها { الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى} يعني بيت المقدس. { الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} يعني ما أراه الله ليلة أُسْرِيَ به. ذكروا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين. فأُتِيتُ، فَانْطُلِقَ بِي. فأُتِيت بطست من ذهب، فيها من ماء زمزم، فشُرِح صدري إلى مكان كذا وكذا. [قال قتادة: فقلت للذي معي: ما يعني] قال: يعني إلى أسفل بطني. فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم، ثم كنز أو قال حشي إيماناً وحكمة، ثم أعيد مكانه. ثم أُتيت بدابة أبيض يقال له البراق، فوق الحمار ودون البغل، يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحُملت عليه. ثم انطلقا حتى أتينا السماء الدنيا. فاستفتح جبريل؛ فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد عليه السلام. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتِح لنا، فقالوا: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. قال: فأتيت على آدم، فقلت لجبريل: من هذا؟ قال أبوك آدم. فسلّمت عليه فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبيّ الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل؛ قيل: ومن معك؟ قال: محمد عليه السلام. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتح لنا، وقالوا: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. فأتيت على يحيى وعيسى، فقلت: يا جبريل، من هذان؟ قال: هذان يحيى وعيسى، وأحسب أنه قال: ابنا الخالة. فسلّمت عليهما فقالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثالثة، فكان نحو هذا من كلام جبريل وكلامهم. فأتيت على يوسف، فقلت: يا جبريل: من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف، فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الرابعة. فأتينا على إدريس فقلت: من هذا يا جبريل، فقال: هذا أخوك إدريس، فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالحتفسير : .وعندها قال:[قتادة] قال الله: {أية : وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِياً} تفسير : [مريم:57] حديث : فانطلقنا حتى أتينا السماء الخامسة، فأتينا على هارون، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك هارون. فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء السادسة، فأتيت على موسى فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى، فسلّمت عليه فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلما جاوزته بكى؛ فقيل له: وما يبكيك؟ قال: رَبِّ، هذا غلام بعثته بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء السابعة فأتينا على إبراهيم، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم. فسلّمت عليه فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رفع لنا البيت المعمور بحيال الكعبة فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لا يعودون فيه أخر ما عليهم. ثم رفعت لنا سدرة المنتهى؛ فحدّثَ نبيُّ الله أن ورقها مثل آذان الفِيَلة، وأن نبقها مثل قلال هجر. وحدّث نبيّ الله أنه رأى أربعة أنهار يخرجن من تحتها: نهران باطنان ونهران ظاهران. فقلت يا جبريل ما هذه الأنهار؟ فقال: أما النهران الباطنان فنهران بالجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات. وأُتِيت بإناءين أحدهما لبن والآخر خمر، فعُرِضا عليّ فأخذت اللبن؛ فقيل لي: أصبت، أصاب الله بك أمتك على الفطرة. وفُرِضَت عليّ خمسون صلاة، أو قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم. فجئت بهن، حتى أتيت على موسى فقال لي: بِم أُمرت؟ فقلت: بخمسين صلاة كل يوم. فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك؛ إني قد بلوت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، ارجع إلى ربك وسله التخفيف لأمتك. فما زلت أسأل ربي ويقول لي موسى مثل مقالته هذه حتى رجعت بخمس صلوات كل يوم. فلما أتيت عليه قال لي: بم أمرت. قال: فقلت بخمس صلوات كل يوم. فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك. إني قد بلوت الناس من قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، راجع ربّك واسأله التخفيف لأمتك. فقلت: لقد راجعت ربي حتى لقد استحييت، ولكني أرضى وأسلِّم. قال: فنوديت، أو نادى منادٍ: إني قد أمضيت فريضتي وخفّفت عن عبادي وجعلت الحسنة بعشر أمثالها. تفسير : فانتهى هذا الحديث إلى ها هنا. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أُتِي بالبراق ليركبه استصعب، فقال له جبريل: اسكن، فوالذي نفس محمد بيده ما ركبك مخلوق أكرم على الله منه. قال: فارفضّ عرقاً وقرّ. وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : مررت ليلة أسري بي على رجال تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالخير والبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : بينما أنا في الجنة إذ أنا بنهر حافاته قباب اللؤلؤ المجوّف، فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا مسك أذفر. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله تفسير : وذكر بعض أصحاب النبي عن النبي عليه السلام هذا الحديث غير أنه أغزر منه وأطول، فيه ما ليس في الحديث الأول. قال: بينما أنا في البيت إذ أتيت، فشق النحر، فاستخرج القلب، فغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه. ثم أتيت بدابة أبيض يقال له البراق، فوق الحمار ودون البغل، مضطرب الأذنين، يقع خطوه عند منتهى طرفه. فحملت عليه فسار بي نحو بيت المقدس؛ فإذا منادٍ ينادي عن يمين الطريق: يا محمد، على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك. فمضيت ولم أعرج عليه. ثم إذا أنا بمنادٍ ينادي عن يسار الطريق: يا محمد، على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك، ولم أعرج عليه. ثم إذا بامرأة على قارعة الطريق، أحسبه قال: حسناء جملاء، عليها من كل الحليّ والزينة، ناشرة شعرها، رافعة يديها تقول: يا محمد، على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك. فمضيت ولم أعرج عليها حتى انتهيت إلى بيت المقدس، فأوثقت الدابة بالحلقة التي يوثق بها الأنبياء. ثم دخلت المسجد فصلّيت فيه ركعتين ثم خرجت. فأتاني جبريل بإناءين: إناء من لبن وإناء من خمر. فتناولت اللبن فقال: أصبت الفطرة. ثم قال لي جبريل: يا محمد، ما رأيت في وجهتك هذه؟ قلت: سمعت منادياً ينادي عن يمين الطريق: يا محمد على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك. قال: فما صنعت؟ قلت: مضيت ولم أعرّج عليه. قال: ذلك داعية اليهود. أما إنك لو عرّجت عليه لتهوّدت أمتك. قلت: ثم ماذا؟ قلت: ثم إذا أنا بمنادٍ ينادي عن يسارِ الطريق: يا محمد على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك، قال: فما صنعت؟ قلت: مضيت ولم أعرج عليه. قال: ذلك داعية النصارى. أما إنك لو عرّجت عليه لتنصّرت أمتك. قلت: ثم إذا أنا بامرأة على قارعة الطريق، أحسبه قال: حسناء جملاء عليها من كل الحليّ والزينة، ناشرة شَعرَها، رافعة يديها، تقول: يا محمد على رِسلك أسألك، يا محمد على رِسلك أسألك، يا محمد على رِسلك أسألك. قال: فما صنعت؟ قلت: مضيت ولم أعرّج عليها. قال: تلك الدنيا؛ أما إنك لو عرجت عليها لمِلت إلى الدنيا. ثم أتينا بالمعراج فإذا أحسن ما خلق الله، ألم تَرَ إلى الميّت حيث يشقّ بصره، فإنما يبعه المعراج عجباً به. ثم تلا هذه الآية: (أية : تَعْرُجُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ). تفسير : [المعارج:4] فقعدنا فيه، فعرج بنا حتى انتهينا إلى باب السماء الدنيا، وعليها ملك يقال له: إسماعيل، جنده سبعون ألف ملك، جند كل ملك سبعون ألف ملك، وتلا هذه الآية: (أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ) تفسير : [المدثر: 31] فاستفتح جبريل فقال: من هذا؟ قال جبريل؛ قيل: ومن معك؟ قال محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا. فأتيت على آدم، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم. فرحّب بي ودعا لي بخير. قال: وإذا الأرواح تعرض عليه. فإذا مرّ به روح مؤمن، قال: روح طيّب ورائحة طيّبة، وإذا مرّ به روح كافر قال روح خبيث ورائحة خبيثة. قال: ثم مضيت فإذا أنا بأخاوين عليها لحوم منتنة وأخاوين عليها لحوم طيبة وإذا رجال ينهسون اللحوم المنتنة ويدَعون اللحوم الطيّبة، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة يَدَعُون الحلال ويبتغون الحرام. قال: ثم مضيت فإذا أنا برجال تُفَكَّ أَلْحِيهِم وآخرين يجيئون بالصخور من النار فيقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم. قال: قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً. ثم تلا هذه الآية: (أية : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) تفسير : [النساء:10]. قال: ثم مضيت فإذا أنا بقوم يقطع من لحومهم بدمائهم فيُضْفَزُونها ولهم جؤار؛ فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الهمّازون اللّمّازون، ثم تلا هذه الآية: (أية : أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ) تفسير : [الحجرات:12] قال: وإذا أنا بنسوة معلقات بثُدِيهن، وأحسبه قال: وإذا حيّات وعقارب ينهشنهن؛ فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الظؤورة اللاتي يقتلن أولادهن. قال: ثم أتيت على سابلة آل فرعون حيث ينطلق بهم إلى النار يعرضون عليها غدواً وعشياً؛ فإذا رأوها قالوا ربنا لا تقومن الساعة لما يرون من عذاب الله، وإذا أنا برجال بطونهم كالبيوت يقومون فيقعون لظهورهم ولبطونهم فيأتي عليهم آل فرعون فيثردونهم بأرجلهم ثرداً. فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا. ثم تلا هذه الآية: (أية : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ) تفسير : [البقرة:275]. ثم عرج بنا حتى انتهينا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة بحيى وعيسى. فرحبا بي، ودعوا لي بخير. ثم عرج بنا حتى انتهينا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطى نصف الحسن، قال: فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا حتى انتهينا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل. فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال نعم. قالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس. فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا. فإذا أنا بهارون. وإذا لحيته شطران: شطر أبيض وشطر أسود. فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا المحبب في قومه وأكثر من رأيت تبعاً. فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا حتى انتهينا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل. فقيل من؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل أوقد بعث إليه؟ قال نعم. قالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا فإذا أنا بموسى، وإذا هو رجل أشعر، لو لبس قميصين لنفذهما الشعر. فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى. فرحب بي ودعا لي بخير. قال: فمضيت، ثم سمعت موسى يقول: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم الخلق على الله، وهذا أكرم على الله مني. ولو كان النبي وحده لهان عليّ، ولكن النبي ومن تبعه من أمته. ثم عرج بنا حتى انتهينا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، فقيل له: من هذا قال جبريل. قيل: ومن معك؟ قال محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا. فأتيت على إبراهيم فإذا هو مستند إلى البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة. فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم. فسلمت عليه. فرحب بي ودعا لي بخير. فإذا أمتي عنده شطران: شطر عليهم ثياب بيض، وشطر عليهم ثياب رمد؛ فدخل أصحاب الثياب البيض واحتبس الآخرون. فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. وكل إلى خير. ثم قيل لي: هذه منزلتك ومنزلة أمتك. ثم تلا هذه الآية: (أية : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) تفسير : [آل عمران:68]. قال: ثم انتهينا إلى سدرة المنتهى فإذا أحسن ما خلق الله، وإذا الورقة من ورقها لو غطّيت بها هذه الأمة لغطّتها. ثم انفجر من تحتها السلسبيل، ثم انفجر من السلسبيل نهران: نهر الرحمة ونهر الكوثر؛ فاغتسلت من الرحمة فغُفِر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر. ثم أعطيت الكوثر فسكلته حتى انفجر بي في الجنة، فإذا طيرها كالبخت، وإذا الرّمانة من رمانها كجلد البعير المقّتب. قال: ونظرت إلى جارية فقلت: لمن أنت يا جارية؟ فقالت: ليزيد بن حارثة. قال: فبشّرت بها زيداً. قال: ثمّ نظرت إلى النار، فإذا إِنَّ عذاب ربي لشديد، لا تقوم له الحجارة ولا الحديد. قال: ثم إني رُفِعت إلى سدرة المنتهى فغشّاها من أمر الله ما غشّى، ووقع على كل ورقة منها ملك، وأيّدها الله بأيده، وأوحى لي ما أوحى، وفرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة. فرجعت إلى موسى فقال: ما فرض عليك ربك؟ فقلت: فرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة. قال ارجع إلى ربك واسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: أي ربّ حُطَّ عن أمتي، فإن أمتي لا تطيق ذلك. فحطّ عني خمساً. فرجعت إلى موسى عليه السلام فقال: ما فرض عليك ربك؟ قال: قلت: حطّ عني خمساً. فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك. قال: فرجعت إلى ربي فحطّ عني خمساً. قال: فلم أزل أختلف ما بين ربي وبين موسى حتى قال: يا محمد: لا تبديل، إنه لا يُبَدَّل القولُ لَدَيَّ؛ هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، كل صلاة عشر، فتلك خمسوة صلاة. ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن عملها كتبت له عشراً. ومن همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت عليه سيئة واحدة. قال: فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف. فقلت: قد راجعته حتى لقد استحييت. وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : مررت ليلة أسري بي على سرير وعليه ملك قائم بيده حربة. فقلت: من هذا يا جبريل؟ فقال: إن نبياً أسري به قبلك فمر على هذا وهو قاعد، فظن أنه ربه، فأهوى له ساجداً، فأقامه الله منذ يومئذٍ ليعلم أنه عبد تفسير : قوله: تعالى: { لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} أي: ما أراه الله من الآيات والعبر في طريق بيت المقدس. قال: { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} يعني نفسه، لا أسمع منه ولا أبصر. قال الكلبي: لما أخبر النبي عليه السلام بذلك المشركين قال المشركون: تحدثنا أنك صليت الليلة في بيت المقدس ورجعت من ليلتك، وهو مسيرة شهر للذاهب وشهر للمقبل. وقال بعضهم: رويدك يا محمد نسألك عن عيرنا، هل رأيتها في الطريق؟ قال: نعم. قالوا أين؟ قال: مررت على عير بني فلان بالروحاء، وقد أضلّوا ناقة، وهم في طلبها، فمررت على رحالهم وليس بها منهم أحد [فوجدت في إناء من آنيتهم ماء فشربته، فسلوهم إذا رجعوا هل وجدوا الماء في الإِناء]. قالوا هذه والله آية بينة. قال: فمررت على عير بني فلان فنفرت مني الإِبل ساعة كذا وكذا. ووصف جملاً منها؛ قال: كان عليه أجير بني فلان، عليه جُوالق أسود مخطط ببياض. قالوا: هذه والله آية وقد عرفنا الجُوالق. قال: ثم مررت على عير بني فلان بالتنعيم. قالوا فإن كنت صادقاً فإنها تقدم الآن. قال: أجل. قالوا: فأخبرنا بعدتها وأحمالها ومن فيها. قال: كنت مشغولاً عن ذلك. قال: فبينما هو يحدثهم إذ مثل له عدتها وأحمالها في الحَدور يقدمها جمل أورق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ها هي ذي منحدرة من ثنية كذا وكذا من طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق، وعدتها كذا وكذا، وأحمالها كذا وكذا، وفيها فلان وفلان وفلان، وسمّي الرهط الذين فيها بأسمائهم لم يغادر منهم أحداً. فخرج رهط من قريش يسعون، قِبَل الثنية فإذا هم بها حين انحدرت من الثنية يقدمها جمل أورق كما قال. وفيها الرهط الذين سمّي مع طلوع الشمس؛ فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد بن المغيرة فيما قال: إنه ساحر. وجاء أبو بكر فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، حدثني ما رأيت عن يمينك حين دخلت بيت المقدس، وما رأيت عن يسارك. فحدثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدّقه أبو بكر وقال: أشهد أنك صادق فيومئذٍ سمّي الصديق، فقال رسول الله: حديث : وأنت الصديق يا أبا بكر
اطفيش
تفسير : {سُبْحَانَ الَّذِى} إِلخ سبحان اسم مصدر والمصدر التسبيح وعامله محذوف وجوبا، والأَصل سبحوا الذى أسرى بعبده تسبيحا حذف سبحوا وناب عنه تسبيحا وأُضيف للمفعول وهو الذى ناب سبحان عنه، والأًصل سبحوا تسبيح الذى، أى نزهوا التنزيه اللائق به حذف سبحوا وناب عنه تسبيح، وناب سبحان عن تسبيح وأصل هذا الأَصل سبحوا الذى أسرى الخ بذكر الظاهر مرتين للتقرير والتعظيم أو سبحوا الذى أسرى الخ تسبيحه بالإِضمار ولما حذف سبحوا الذى أسرى الخ ظهر فيما بعد قولك تسبيح ليظهر المعنى ولا يتعطل، وعلى كل حال فسبحان يصدر به الكلام بتنزيه عما ذكره بعده وبذكر تارة للتنزيه عما ذكر قبله ويصدر بها الكلام للتنزيه عن العجز عما ذكر بعد، كما هنا وأيضا ذكر لينفى توهم التشبيه بالحلول والجهات كيف يسرى إِلى وأنا عنده أين ما كان وهو أبلغ فى التنزيه بقولك سبحوا لأَنه اسم وهو أيضا دال على ما يدل عليه الفعل لأَنه ناب عنه حديث : وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن معنى سبحان فقال: معناه تنزيه الله عن كل شئ لا يليق به تفسير : وقد يستعمل علما للتسبيح فيقطع عن الإِضافة ويمنع الصرف للعلمية وزيادة الأَلف والنون كقول الأَعشى فى مدح عامر بن الطفيل وذم علقمة: شعر : قد قلت لما جاءنى فخره سبحان من علقمة الفاخر تفسير : قال ذلك قبل إِسلامه وقيل إِنه لم يسلم جاء ليسلم فصده المشركون بأَن محمدا يحرم، فقال أرجع أتروى منها عامى، ثم أسلم، فمات قبل الإِسلام والهاء فى فخره لعامر بن الخمر الطفيل ومعنى سبحان من علقمة لعجب من علقمة إِذ يفخر، وكان علقمة قد وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو شيخ فأَسلم وبايع واستعمله عمر بن الخطاب على حوران فمات بها وقد يقال إِن سبحان فى الآية ونحوها علم للتسبيح كما شهر لكنه أُضيف بعد تنكيره والأَصل تسبحوا الذى أسرى الخ. سبحان بالنصب ومنع الصرف ويجوز تقدير العامل مطلقا أسبح بصيغة مضارع الواحد المتكلم وسبح بصيغة أمر الواحد {أسْرَى} أى سرى فإِن سرى وأسرى لغتان بمعنى واحد، فليست الهمزة للتعدية وإِنما الذى للتعدية هو الباء بعد فى قوله بعبده ويجوز كونها للمصاحبة لكن مصاحبة باللطف والحفظ كقوله - صلى الله عليه وسلم - حديث : اللهم أنت الصاحب فى السفر تفسير : وأسند إسراء به إِلى الله تعالى ليعلم أن الأَمر هبة من عنده لم تخطر بقلبه والسرى والإِسراء السير ليلا وإِنما ذكر الليل للتأكيد ولإِزالة الوهم عما قد يعتقد أن الإِسراء والسرى يكونان فى النهار أيضا لأَن القرآن خوطب به الناس كلهم أهل اللسان العربى وغيرهم {بِعَبْدِهِ} هو سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بإِجماع الأُمة ولم يقع إِسراء بغيره من الأَنبياء بالجسم وإِضافته تشريف وتعظيم وكذا تسميته عبد الإِله وقد قال له تبارك وتعالى ليلة المعراج الإِسراء بما شرفك فقال يا رب بنسبتى للعبودية، فنزل: {سبحانه الذى أسرى بعبده} الخ. قال الشاعر: شعر : بالله لا تدعنى إِلا بيا عبدها فإِنه عندنا أشرف أسمائى تفسير : وقال الآخر: شعر : ودعتنى بالعبد يوما فقالوا قد دعته بأَشرف الأَسماء تفسير : ولو كان اسم أشرف من لفظ العبد لسماه به فى تلك الحال قال القشيرى لما أرقاه تلك المراقى سماه عبدا ليتواضع للأُلوهية ويجليها {لَيْلاً} نكر للدلالة على قلة مدة الإِسراء كأَنه قيل ما أسرى به إِلى المسجد الحرام ثم إِلى ما فوق السابعة إِلا فى ليلة واحدة ولذلك قرأ عبد الله بن مسعود وحذيفة من الليل أى بعضه، ذكر الزمخشرى حل ذلك ويعترض بأَن كلامه يقتضى استفراغ الليلة ولم تستفرغ ويجاب بأَن المراد أسرى بعبده ليلا لم يستفرغه الإِسراء والحكمة فى كون الإِسرى ليلا أنهُ - صلى الله عليه وسلم - حبيب الله سبحانه وتعالى والخلوة بالحبيب متحققة بالليل وكان فى جوف الليل لا فى أوله ولا فى آخره لأَن جوفه أشد خلوة أو كان ليلا يزداد المؤمنون إِيمانا بالغيب ويفتتن الكافرون فتنة زائدة إِذا الليل أخفى من النهار فلعله لو عرج به نهارا لفات المؤمن زيادة الإِيمان والكافر زيادة الفتنة وقال ابن مرزوق إِن الله جل جلاله لما محا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة انكسر الليل فجبر بأَن أسرى فيه بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل افتخر النهار على الليل فقيل لهُ لا تفتخر إِن كانت شمس الدنيا تشرق فيك فسيعرج شمس الوجود فى الليل إِلى السماء وقيل إِنهُ - صلى الله عليه وسلم - سراج والسراج إِنما يوقد ليلا، واعلم بأَن ليلة الإِسرى أفضل من ليلة القدر فى حق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليلة القدر أفضل فى حق الأُمة لأَنها لهم خير من عمل فى ثمانين سنة لمن قبلهم وأما ليلة الإِسراء فلم يأت فى أرجحية العمل فيها حديث صحيح ولا ضعيف ولذلك لم يعينها النبى - صلى الله عليه وسلم - لأَصحابه ولا عينها أحد من أصحابه بإِسناد صحيح ولا صح إِلى الآن ولن يصح بعد، ومن قال فيها شيئا فإِنما لمرجح استأنس به ولو تعلق بها نفع للأُمة ولو قليلا لبينه لهم - صلى الله عليه وسلم - قال مقاتل وقتادة كان الإِسراء قبل الهجرة بعام وقيل بعام ونصف والمتحقق أن ذلك كان بعد شق الصحيفة التى كتب فيها قريش أن لا يجالس أحد بنى هاشم ولا يبايعهم ولا يواكلهم ولا يشاربهم ولا يتزوج منهم أو يتزوجوا ولا ينفعوا، وقبل بيعة العقبة وقال شريك بن أبى نمر إِن ذلك قبل أن يوحى إِليه - صلى الله عليه وسلم - واتفق المحدثون على أن هذا وهم ورواية شريك أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إِليه وهو نائم فى المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ قال أوسطهم: هو خيرهم. فقال آخرهم: خذوا خيرهم ثم لم يرهم حتى أتوه ليلة أُخرى وقد نامت عيناه لا قلبه وكذا الأَنبياء لا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه وشقوا صدره وذهبوا به إِلى المسجد الأَقصى، وقد أجمع العلماء أن الصلوات الخمس فرضت ليلة الإِسرى فيكف يكون فرضها والإِسراء قبل الوحى. وصرح الخطابى وعياض والنووى إِن شريكا تفرد بذلك قلت لعل المجئ الثانى كان بعد الوحى، ثم رأيت ابن حجر ذكر أن فى دعوى التفرد نظرا، فقد وافقه كثير بن خنيس بمعجمة ونون مصغرة عن أنس كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعد الأَموى فى كتاب المغازى من طريقه قال ولم يقع التعيين بين المجيئين، فيحتمل أن المجئ الثانى كان بعد الوحى وحينئذ وقع الإِسراء فإِذا كان بينهما مدى فلا فرق بين أن تكون تلك المدة ليلة أو ليالى أو عدد سنين وذكر بعض أن شريكا ليس بالحافظ عند أهل الحديث والله أعلم، إِن صح هذا وذكر البغوى عن بعض المحدثين فى الرد على شريك أن العلماء اتفقوا على أن المعراج كان بعد الوحى بنو اثنتى عشرة سنة، قال البغوى: هذا الرد لا يصح لأَن ذلك فى النوم قبل الوحى ثم عرج به فى اليقظة بعد الوحى وقيل الهجرة بسنة تحقيقاً لرؤياه، كما رأى فتح مكة فى المنام عام الحديبية سنة ست من الهجرة، ثم كان تحقيقها سنة ثمان ونزل قوله تعالى: {أية : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} تفسير : وهذا جواب مثل ما مر لى ولابن حجر وقال النووى فى الرد على شريك: إِن أقل ما قيل إِن الإِسراء كان بعد مبعثه - صلى الله عليه وسلم - بخمسة عشر شهراً. وقال الحربى: كان ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر، قبل الهجرة بسنة، وقال الزهرى: بعد مبعثه - صلى الله عليه وسلم - بخمس سنين وقال ابن إِسحاق: أسرى به - صلى الله عليه وسلم - وقد فشى الإِسلام بمكة والقبائل، قال النووى: وأشبه الأَقوال قول ابن إِسحاق والزهرى وقيل كان فى رجب قبل الهجرة بسنة، وقيل فى رمضان قبل الهجرة لسنة، وذكر النووى فى تفاويه أنهُ أسرى بهِ - صلى الله عليهِ وسلم - مرة فى المنام ومرة فى اليقظة، وذكر السهيلى تصحيح هذا المذهب عن شيخ القاضى أبى بكر بن العربى وأن مرة النوم توطئة له وتيسير كما أن بدوء نبوته الرؤيا الصادقة ليسهل عليه أمر النبوة لأَنه تضعف عنهُ القوى البشرية، وقد جوز بعض قائلى ذلك أن تكون قصة المنام قبل البعث لأَجل قول شريك فى روايته أن ذلك قبل أن يوحى إليه، واستشهد بقول عائشة رضى الله عنها أول ما بدأ بهِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح وقد اختلفوا: هل الإِسراء بروحه وجسده فى يقظة أو بروحه فقط فى المنام وهل تعدد أو لا، فقلنا معشر الأَباضية إِنهُ بروحه فى منامه لقولهِ تعالى: {أية : وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إِلا فتنة للناس} تفسير : فإِن الرؤيا مصدر رأى الحلمية وأما مصدر رأى البصرة فالرؤية وقد أنكر ابن مالك والحريرى وغيرهما: ورد الرؤيا للبصرية ولحنوا المتنبى فى قوله ورؤياك أحلى فى العيون من الغمص، وأجيب بأَنه إِنما الرؤيا لوقوع ذلك فى الليل وسرعة تقضيه كأَنه منام وبأَن الرؤيا والرؤية واحد طرفين كقربى وقربة، ويشهد له قول ابن عباس هى الرؤيا عين أريها - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسرى به وإنما رأى غير الله سبحانه وتعالى، وزاد سعيد بن منصور عن سفيان فى آخر الحديث، وليس رؤيا منام وسواء فى ذلك الجواب فسرنا الرؤيا بما رآه فى طريقه إِلى بيت المقدس أو بما رآه فى السماوات لأَن الكل عندنا فى المنام وذلك لمستدرك على من يقول باختصاص الرؤيا بالحلمية أيضاً، وقيل الرؤيا رؤيا عام الحديبية حين رأى أنه دخل مكة فصده المشركون وارتد بذلك ناس وقيل رؤيا وقعة بدر وسأل ابن النقيب شيخه أبا العباس الأَندلسى القركبى. فقال: الصحيح أنها رؤية عين يقظة أراه جبريل مسارع القوم ببدر فأرى النبى - صلى الله عليه وسلم - والناس مصارعهم كما أراه جبريل فتسامعت به قريش فاستسخروا منه واحتج أيضاً من قال: إن الاسراء بروحه فى منامه، تقول عائشة ما فقد جسده الشريف، ومثله عن حذيفة ومعاوية وأجيب بأَن عائشة لم تحدث به عن مشاهدة لأَنها لم تكن إِذ ذاك زوجاً ولا فى سن من يضبظ أو لم تكن ولدت بعد على الخلاف فى الإِسراء متى كان، وأجاب السعد بأَن مراد عائشة ما فقد جسده عن الروح بل كان مع روحه فى اليقظة وكان الإِسراء بالجسد والروح جميعاً، واحتج من قال: بالروح والجسد فى اليقظة لإِنكار المشركين ذلك وتعجبهم واختصاص أبى بكر بفضيلة التصديق وبأَن الدواب لا تحمل الأَرواح، وقد صح أنه حمله البراق ولأَن الأَصل فى الفعل إِذا أطلق أنه فى اليقظة حتى يدل دليل ولأَن المتبادر من العبد الروح والجسد معاً ولو كان بالروح لم تقل أم هانى ألا تحدث الناس بهذا لئلا يكذبوك وإِن قلت: لم يذكر الإِسراء إِلى السماء فى الآية. قلت: مذكور بقوله: لنريه من آياتنا وما ذكرناه من كونه بالروح والجسد يقظة مذهب الجمهور وصححه الناس، وبه كنت أقول واحتج بغالب ما مر قبل على أن أطلع على أنه مقول للجمهور ولا لغيرهم، وقيل أن أطلع على تلك الحجج والحمد لله على ما ألهمنا وعلمنا، وقيل كان إِلى بيت المقدس بالجسد والروح يقظة ومنه إِلى السماء بالروح فى المنام لقوله: {سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إِلى المسجد الأَقصى} فجعل المسجد الأَقصى غاية الإِسراء الذى وقع التعجب به بعظيم القدرة والتمدح بتشريف النبى - صلى الله عليه وسلم - به وإِظهار الكرامة له بالإِسراء ولو كان الإِسراء إِلى زائد عن المسجد الأقصى بجسده وروحه لذكره فيكون أبلغ فى المدح والإِعجاز وأجيب بأَن حكمه التخصيص بالإِقصاء سؤال قريش له على سبيل الامتحان عما شاهدوه وعرفوه من صفة المسجد الأَقصى وقد علموا أنه لم يسافر إِليه ويصله فيجيبهم بما عاين ويوافق ما يعلمونه فتقوم الحجة عليهم وكذلك وقع ولذا لم يسأَلوه عما رأى فى السماء إِذا لا عهد لهم فى ذلك، وقيل إنه أسرى أربع إِسراءات يقظة لتعدد الروايات فى الإِسراء واختلاف ما يذكر فيها فبعضهم يذكر ما لم يذكره الآخر، وبعضه يسقط ما ذكره الآخر فأجيب بأنه لا يدل على التعدد لأَن بعض الرواة قد يحذف بعض الخبر للعمل أو لنسيانه أو لجهله به وذك بعيد جداً وهروب إِلى غير مهرب، ولو تعدد لأخبره به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُمته ولنقله الناس على التعدد، وذكر فى فتح البارى أنه وقع إِسراء أيضاً بالمدينة وليس فيه ما وقع بمكة من استفتاح الأَبواب، أبواب السماوات ولقاء الأَنبياء كل فى سماء، بل فى موضع واحد مع نبى إِنسان واحد ومع نبى اثنان ومع نبى ثلاثة وأكثر ولا المراجعة معهم ولا مع موسى فيما يتعلق بفرض الصلوات وتحقيقها ونحو ذلك، وأنه تكرر لقضايا بعضها قبل الهجرة وبعضها بعدها ومعظمها فى المنام، وذكر بعض أنه - صلى الله عليه وسلم - أسرى به بروحه وجسده فى اليقظة مرة واحدة وبروحه فى النوم ثلاثاً وثلاثين مرة، والحق أن الإسراء لم يكن إِلا مرة واحدة وأنه ما وقع إلا فى اليقظة بروحه وجسده، وهو مذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء والمتكلمين وهو الذى دلت عليه ظواهر الأَخبار الصحيحة ولم يذكر تعدده فى القرآن فلا يعدل عن ذلك إِلا لدليل قوى، وأما حديث فجعل يمر بالنبى ومعه واحد وبالنبى ومعه اثنان وهكذا فلا دليل فيه لاحتمال أن ذلك زيادة على الأنبياء المخصوصين المذكورين فى الحديث المشهور فى كل سماء، {مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} هو مسجد مكة الدائر بالكعبة، كما روى البخارى ومسلم عن قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - حدثهم عن ليلة الإِسراء. قال: بينما أنا فى الحطيم وربما قال قتادة فى الحجر مضطجع، والحجر هو الحطيم، فذكر حديث الإِسراء وقيل أسرى به من دار أم هانئ بنت أبى طالب وذكره الطبرانى وأنهُ بات فيه، على أن المراد بالمسجد الحرام مكة أو الحرم كله لإِحاطة كل منهما بالمسجد وعن ابن عباس: الحرم مسجد، وقد قيل المسجد الحرام فى الآية الحرم وعلى القولين رجع ذكر المسجد الحرام مع أن المراد دار أم هانئ أو الحرم ليطابق المبدأ المنتهى فإِن المنتهى هو المسجد الأَقصى، وروى الزهرى عن أنس عن أبى ذر فرج سقف بيتى وأنا بمكة، وروى الواقدى بأسانيده أنه أسرى به من شعب أبى طالب، ويجمع بين هذه الأقوال بأَنه بات فى بيت أم هانئ وبيتها عند شعب أبى طالب ففرج سقف بيتها، وأُضيف إِليه لأَنه كان يسكنه فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إِلى المسجد فكان به مضطجعاً وبه أثر النعاس ثم أخذه الملك فأخرجه من المسجد فأركبه البراق وإِنما جاء من السقف لا من الباب مبالغة فى المفاجأَة وتنبيهاً على أنه المراد لا غير وأن الطلب وقع على غير ميعاد حملا لألم الانتظار بخلاف موسى فمناجاته على ميعاد وتنبيها وتمهيداً على أنه يشق بطنه وقلبه ويلتئم على الفور كالسقف وذلك تهوين لأَمر الشق فيصير كذا، قيل وليس المراد أنه تأَلم بالشق ولكن يهابه عند إرادة الشروع فيه فيكون ذلك تهوينا لهذه المهابة وكذا فى شق بطنه وقلبه حين كان فى بنى سعد، كذا ظهر لى ثم رأيت ابن الجوزى وهو فى عصر السعد التفتازانى، قال: فشقه وما شق عليه، وحمله على أن مراده صبر صبر من لا يشق عليه خلاف الظاهر وقيل شق عليه لأَنه ورد فى حديث فأقبل وهو متنقع اللون أى صار كلون الغبار وهو شبيه بلون الميت وذلك للمشقة قلت: بل لرغبة بما رأى أنه فعل به وإِنما شق أولا لينشأ على أكمل الأَحوال من العصمة من الشيطان، ولعل هذا الشق سبب فى الإِسلام قرينة إِذ روى أنه غلب شيطانه فاسلم وشق أيضاً عند البعث لزيادة الكرامة وليقوى على الوحى وشق عند الإِسراء ليتهيأ للترقى إِلى الملأ الأَعلى والثبوت فى المقام الأَسنى والتقوى لاستجلاء الأَسماء الحسنى زاد بعضهم أيضاً أنه شق وهو ابن عشر سنين، قال الأجهورى: شعر : وشق صدر المصطفى وهو فى دار بنى سعد بلا مرية كشقه وهو ابن عشر وفى ليلة المعراج وللبعثة تفسير : ويروى شق صدره، ويروى شق بطنه، ويروى شق قلبه ويجمع بأَن المراد بالصدر البطن وقد ثبت أنه شق من الموضع المنخفض أسفل الصدر إِلى موضع نبات شعر العانة، ولما شق بطنه شق قلبه ولم يكن استخراج العلقة السوداء إِلا فى الشق الأَول، أخرجها الملك فقال: هذا خط الشيطان منك، وأما فى غير الأولى فاستخرج الأَذى وهو ما يكون فى جبلة البشر أو بقية ذلك العقلة وزاد خيراً وقوة قلب وإِسلام، روى أنه أتاه جبريل وميكائيل وملك آخر فاحتملوه من الحجر تعظيماً له حتى جاءوا به زمزماً فألقوه على ظهره فشق ذلك جبريل، وقال لميكائيل ائتنى بطست من ماء زمزم كى أطهر قلبه وأشرح صدره أى أُزيده تطهيراً وشرحاً، فاستخرج قلبه وغسله ثلاث مرات ونزع ما فيه من أذى وأتاه ميكائيل بثلاث طسات من ماء زمزم وبهن كان ذلك الغسل ثم أُعيده ما طهر به قلبه إِلى زمزم ليحصل لزمزم كمال الشرف، وقد جزم علماء الشافعية بأن ماء زمزم أفضل المياه أى سوى الماء النابع من بين أصابعه كما قيل: شعر : وأفضل المياه ماء قد نبع بين أصابع النبى المتبع يليه ماء زمزم والكوثر فنيل حيل مصر ثم باقى الأَنهر تفسير : قلت بل ماء الفرات يلى ماء النيل وماء سيحون، يلى ماء الفرات وماء جيحون، يلى ماء سيحون، ثم باقى الأَنهر، لأَن الأَربعة من الجنة على ما يذكر فى بعض الآثار ثم أتى بطشت من ذهب ممتلئا حكمة وإِيماناً أى شيئاً من الأَجسام يحصل الإِيمان والحكمة أو ذلك من تجسيم المعانى أو بتمثيل، وقال ابن أبى جمرة: الإِيمان والحكمة جوهران فأفرغه فى قلبه وملأه حكماً وعلماً ويقيناً وإِسلاماً، أى انقياداً لأَوامر الله فهو أثبت الناس ثم أطبقه ثم ختم بين كتفيه مائلا إِلى اليسار بخاتم النبوة، وكان خاتم النبوة لغيره من الأَنبياء فى أيديهم الأيمان، وشاركه الأَنبياء أيضاً فى شق الصدر وإِنما اختص بشق القلب وتكرر الشق وإِخراج العلقة وأنكر عياض وقوع الشق عند الإِسراء، والصحيح ثبوته ذكر الطبرانى عن ميمون أنه أتاه جبريل وميكائيل فقالا: أيهم؟ وكانت قريش تنام حول الكعبة. فقالا: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبنا ثم جاءوه وهم ثلاث، وذكر الشق. وروى مسلم: سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين فأتيت فانطلق بى، والمراد بالرجلين حمزة وجعفر رضى الله عنهما، وكان نائماً بينهما وذكر الشق وروى أنه أتوه مضطجعاً بين نوم ويقظة وهو محمول على ابتداء الحال، ولما خرج إِلى باب المسجد وأركب البراق استمر على اليقظة، وروى أنه استيقظ وهو فى بيت أم هانئ أو فى المسجد وأنه ذكر ذلك وبه تمسك أيضاً من قال: أنه أسرى بروحه فإِن قيل بالتعدد فلا إِشكال وإلا حمل على الاستيقاظ من الملكوت إِلى عالم الدنيا وإِنما كان طست من ذهب لأَنه أوانى الجنة ولا تأَكله النار ولا التراب ولا يصدأ وأنه أثقل الجواهر، كما أن قلبه - صلى الله عليه وسلم - أوانى أحوال الجنة لا تأكله النار ولا التراب بعد موته ولا يصدأ وأنه أثقل القلوب وأن الوحى ثقيل وأيضاً كان ذهباً ليناسب إِذهاب الرجس والذهاب إِلى الله تبارك وتعالى ولوقائه ونقائه وصفائه وإِنما استعمل فى أمره مع أنه حرام فى شرعه على الرجال لأَنه إِنما حرم فى الدنيا وتلك الحال من أحوال الآخرة، ولأَنه لم يتمتع به وإِنما كان بيد ملك هو المتناول به والملك لم يحرم عليه، وذكر ابن حجر أنه إِذا كان محرماً عليه تنزه أن يستعمل فى أمره يتعلق ببدنه المكرم، فالأَولى أن يجاب بأَن الذهب إِنما حرم بعد الهجرة، والحكمة فى شق القلب للحكمة والإِيمان مع إِمكانهما بلا شق أن تحصل له القوة على يمان من ثلاثة أوجه التصديق والمشاهدة وعدم الخوف من العادات المهلكة فإِنه معلوم أن القلب إِذا جرح مات صاحبه وكان الغسل بماء زمزم لأَنه يقوى القلب ويسكن الروع واستدل البلقينى بأَنه أفضل المياه حتى ماء الكوثر إِذ لو كان ماء أفضل منه لكان الغسل به، والمراد بالصدر فى رواية فغسل صدرى القلب كما فى الرواية الأَخرى أو غسل صدره وغسل قلبه ولما تم الشق والغسل وأخرج لباب المسجد أركبه جبريل على البراق ومضى به إِلى بيت المقدس المراد بقوله {إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} أى الأبعد وصفه بالأَقصى لأَنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد والمقدس بفتح الميم وكسر الدال مصدر ميمى بمعنى الطهارة وأُضيف إِليه لأَنهُ لم يعبد فيه صنم ولم يكن فيهِ، ويقال المقدس بضم الميم وفتح الدال وإِسكان القاف وبفتحها فتشدد الدال والإِضافة على هذين الوجهين إِضافة موصوف لصفة أى البيت المقدس أو المقدس عليهما هو الله سبحانه، ويسمى أيضاً مسجد الميا {الَّذِى بَارَكْنَا} التفات من الغيبة إِلى التكلم {حَوْلَهُ} بركات الدين والدنيا لأَنه متعبد الأَنبياء من وقت موسى عليه السلام ومهبط الوحى محفوف بالأَنهار الجارية والأَشجار المثمرة وقبلة الأَنبياء وهناك الحشر وحول الشئ جانبه وكان البراق مسرجاً ملجماً والسرج من لؤلؤة بيضاء، واللجام من ياقوت أحمر، والركابان من زمرد أخضر وليس البراق من خصوصيته - صلى الله عليه وسلم - ولكن اختص بكونه مسرجاً ملجماً ووضع حافره عند منتهى طرفه وكانت الأَنبياء تركبه قبله ويمشى بهم على شكل سير دواب الدنيا ولكن ذكروا أن إِبراهيم عليه السلام يغدو من الشام إِلى هاجر وإٍسماعيل ويقيل بمكة ويروح منها ويبيت عند أهله بالشام عليه ولعله يبارك له فى السير تحت إِبراهيم أو تطوى له الطريق أو يسرع البراق به إِسراعاً ليس على شكل وضع الرجل فى منتهى الطرف وفى هذا الجواب الآخر بعض منافرة لما ذكر من كون مشيه على شكل سير دواب الدنيا. قال النووى: شاركه - صلى الله عليه وسلم - فى ركوبه جميع الأَنبياء. قال الأَجهورى: وهو يحتاج إِلى نص صريح وأما ركوب إِبراهيم فسلم يركبه للبيت الحرام لزيارة إِسماعيل وهاجر أو للحج، قلت: بل النووى نفسه ذكر ذلك ونصه: قال صاحب مختصر العين وتبعه صاحب التحرير كان الأَنبياء يركبون البراق، قال: وهذا يحتاج إِلى نقل صحيح أ. هـ ذكر يزيد ابن أبى مالك عن أنس وصلا بالحديث ما نصه وكانت تسخر للأنبياء قبله، وفى حديث أبى سعيد عند ابن اسحاق نحوه، وقال ابن دحية وغيره: أنه - صلى الله عليه وسلم - اختص به وأول قول جبريل للبراق لما استعصت ما ركبك أكرم على الله منه بأن المعنى ما ركبك أحد قط فكيف يركبك أكرم منه كقول امرئ القيس على الأحب لا يهتدى بمناره ظاهره أن له منارا لا يهتدى به والمراد أنه لا منار له البتة فكيف يهتدى به وقد جزم السهيلى بأَن البراق استصعب عليه لبعد ركوب الأَنبياء قبيله وكذا وقع عند ابن اسحاق أنها استصعبت لبعد العهد بركوب الأَنبياء، لم تكن ركبت فى الفترة وعلى ذلك يحمل أحاديث - أنه صلى الله عليه وسلم - ربطه حيث تربط الأَنبياء بدون ذكر المربوط ما هو ولا حاجة إِلى ادعاء احتمال أن الذى يربطونه غير البراق وأنهم يربطون أنفسهم بحلقة صخرة بيت المقدس أى يتمسكون بها وتكون من جنس العروة الوثقى، وذكر البيهقى عن أبى سعيد فأَوثقت دابتى بالحلقة التى كانت الأَنبياء تربطها بها وذلك الربط عند وصوله إِلى بيت المقدس والبراق يذكر ويؤنث كما رأيت، وليس بذكر ولا أنثى وهو مخلوق بلا توليد ولا لتوليد، وذلك البراق هو نفس البراق الذى يركبه إِبراهيم وغيره. وروى أن الله تبارك وتعالى أعد لرسوله الله - صلى الله عليه وسلم - فى الجنة أربعين ألف براق ترعى فى مروج الجنة، ذكره بعض شراح البخارى، والمرج الأَرض الواسعة المخضبة والحكمة فى الإِسراء به راكبا مع القدرة على طى الأَرض له إِشارة إِلى أن ذلك تأْنيس له بالعادة فى مقام خرق العادة لأَن العادة جرت أن الملك إِذا استدعى من يختص به بعث إِليه بمركوب سنى يحمله عليه فى وفادته إِليه والحكمة فى كون البراق دون البغل وفوق الحمار أبيض ولم يكن على شكل الفرس، الإِشارة إِلى أن الركوب كان فى سلم وامن لا فى حرب وخوف وإِظهار المعجزة بوقوع الإِسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك فى العادة وسمى براقاً أُخذ من البريق وهو شديد البرق وهو اللمعان، وقيل سمى لسرعة سيره فهو كالبرق، وقيل لأَنه ذو لونين أبيض وأسود يقال شاة برقاء إِذا كان خلال صوفها الأَبيض طاقات سود حمر وكان هو كذلك فيه طاقات سود وصح أنه يضع خطوه عند أقصى طرفه بسكون الراء وبالفاء أى رجله عند منتهى ما يرى بصره فيقطع من الأَرض إِلى السماء فى خطوة لأن بصر الذى فى الأَرض يقع على السماء. قال ابن المنير: فبلغ أعلى السماوات فى سبع خطوات. وعن ابن مسعود كان إِذا أتى على جبال ارتفعت رجلاه، وإِذا هبط ارتفعت يداه، رواه أبو يعلى والبزار، ومعنى ارتفعت طالت وذلك رفقا براكبه. وروى ابن سعد له جناحان، ذكره الواقدى وذكر الغبطى أن له جناحين فى فخذيه يحفر بهما رجليه أى يعين، وكان فى فخذيه لئلا يتضرر راكبه وأنه مضطرب الأَذنين أى محركهما دائماً، وقيل طويلهما، وعن ابن عباس بسند ضعيف له خد كخد الإِنسان وعرف كَعُرْف الفرس وقوائم كالإِبل وأظلاف وذنب كالبقر وكان صدره ياقوتة حمراء ولما أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يركبه استصعب فقال له جبريل: ما حملك على هذا، ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه فارفض عرقاً أى سال وجرى عرقه بسبب العتاب. رواه الترمذى وابن حبان، قال الترمذى: حسن غريب. وقال ابن حبان: صحيح. وذكر ابن اسحاق عن قتادة أنه استصعب فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال: ألا تستحى يا براق، فوالله ما أركبك خلق اكرم على الله منه فاستحى حتى ارفض عرقاً وقر حتى ركبه، وهو مرسل لأَنه أسقط ذكر الصحابى وهو أنس. وفى رواية ويثمة عند ابن اسحاق تعست حتى لصقت بالأَرض فاستويت عليها وفى رواية ابن سعد فى شرف المصطفى فكان الذى أمسك بركابه جبريل وبزمام البراق ميكائيل أى بمقوده، وأما اللجام فكان بيده - صلى الله عليه وسلم - وذكر أن جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وذكر أن جبريل ركب أمامه على ذلك البراق وذكر أنه ركب خلفه ويجمع بين هذه الروايات بأَنه تارة يفعل كذا وتارة يفعل كذا، وإِنما استصعب ليضمن - صلى الله عليه وسلم - له الجنة أو لأَنه لم يذلل قبل ذلك إِن قلنا إِنه لم يركبه أحد قبله - صلى الله عليه وسلم - أو لبعد العهد بركوبه إِن قلنا إِنه ركب قبله أو للزهو بركوبه - صلى الله عليه وسلم - والطرب به وعليه فإِنما أراد جبريل بقوله ما حملك على هذا وقوله ألا تستحى زجره عما يوهم الامتناع أو استنطاقه بأَنه لم يرد الامتناع فعرق خجلا من العتاب وما أوهمه استصعابه. وفى مسند أحمد عن حذيفة أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبراق فلم يزل على ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إِلى بيت المقدس وهذا يفكر على الجمع المذكور بين الروايات آنفاً لكن لم يسند حذيفة ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ولعله قاله عن اجتهاد أو جبريل بالنصب على المعية والمصاحبة فى مجرد السير دون الركوب أو بالرفع على الابتداء أى وجبريل سائق أو قائد، وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجبريل وميكائيل إِلى أن بلغوا أرضاً ذات نخل. فقال له جبريل: انزل فصل هنا ففعل ثم ركب. فقال له: اتدرى اين صليت. قال: لا. قال: صليت بطيبة أى المدينة وإليهما الهجرة. وروى المهاجر فقيل بضم الميم وفتح الجيم مصدر ميمى بوزن مفاعلة لكن أسقطت التاء شذوذاً وكان الإِسراء قبلها بعام ونصف على الراجح فانطلق البراق يهوى به أى يسرع فهو مجاز مرسل تبعى علاقته اللزوم لأَنه يلزم من الهوى الإِسراع أو شبه مشية بالهوى بجماع غاية السرعة يضع حافره حيث أدرك طرفه ويسمى الحافر لأَنه يحفر الأَرض وهكذا سائر حوافر الدواب، فقال له جبريل انزل فصل هنا ففعل ثم ركب فقال له أتدرى أين صليت. قال: لا. قال: صليت بمدين عند شجرة موسى، ومدين بلد بالشام تلقاء غزة، والشجرة هى التى استظل بها موسى عليه السلام، وأسند ظهره ليستريح حين اتهم بقتل القبطى فهرب، وقال الحلبى: هى التى سمع منها النداء {أية : يا موسى إِنى أنا الله رب العالمين} تفسير : والراجح الأَول ثم ركب فانطلق البراق يهوى به ثم قال له: انزل فصل، ففعل ثم ركب فقال: أتدرى أين صليت. قال: لا. قال: صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى وهو جبل بالشام، وفى كلام بعض: جبل بين مصر وإيليا، ويقال طور سنين، وقد أقسم الله جل جلاله به وألفهُ للإِلحاق لا للتأْنيث فإِنما منع الصرف للعلمية مع العجمة أو مع التأْنيث على إِرادة البقعة ثم بلغوا أرضاً وبدت قصور فقال له انزل فصل، ففعل، ثم ركب وانطلق البراق يهوى به، فقال لهُ: أتدرى أين صليت. قال: لا. قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى بن مريم، وهو قرية بالشام تلقاء بين المقدس سميت بذلك لأَن اللحم يطلق على البيت الذى يغتاب فيه الناس، فلعل هذه القرية كانت محل اغتياب الناس كما فى القاموس وجملة المواضع التى صلى فيها فى طريقه إِلى المقدس أربعة، وذكر شداد ابن أوس أنهُ صلى فى ثلاثة واسقط الصلاة عند الشجرة، وذكر مر بمدين بأَرض بيضاء هى مدين فأمره بالصلاة فيها ذكره البزار والطبرانى والبيهقى مصححاً لهُ فى دلائلهُ وبين ما هو يسير على البراق إِذ رأى عفريتاً من الجن يطالبه بشعلة من نار يريد أن يحرق بها وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلما التفت رآه. فقال له جبريل: ألا أعلمك كلمات تقولهن إِذا قلتهن طفشت شعلته وخر لفيه أى على فيهِ، وكذلك كناية عن الموت فقال لهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلى فقال جبريل: قل أعوذ بوجه الكريم وبكلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ فى الأَرض ومن شر ما يخرج منها ومن فترة الليل والنهار إِلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن. فقالها، فانكب العفريت لفيهِ وانطفأَت شعلته وكلمات الله القرآن والتامات صفة كاشفة وما ينزل من السماء البلايا والمصايب كالزلازل والصواعق وما يعرج فيها هو سؤال الأَعمال التى هى سبب نزول البلاء، وذرأ خلق وما يخرج من الأَرض نبات ودواب مضرة ومعنى فترة الليل والنهار سكون الأَصوات فيهما وفى نسخة فتن الليل والنهار جمع فتنة وهى الميل عن الله وطارق الليل والنهار ما يحدث بغتة فساروا وأتى على قوم يزرعون فى يوم ويحصدون فى وقت والمراد باليوم الوقت، فلا يقال انهُ لم يمكث عندهم يومين كلما حصدوا شيئاً عاد كما كان فقال يا جبريل ما هذا. قال: هؤلاء المجاهدون فى سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من شئ فهو يخلفهُ وقولهُ ما هذا إِشارة إِلى الفعل فيقدر مضاف فى المبتدأ ومضاف فى الخبر أى كفعل هؤلاء فعل المجاهدين أو استعمل ما فى العقلاء استنكاراً لحالهم حتى كأَنهم لم يعرف جنسهم والمراد بالحسنة النفقة وغيرها وظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - حديث : كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إِلى سبعمائة ضعف تفسير : إِن هذه المضاعفة لا تختص بالمجاهدين. وقد يقال تكرر الجزاء هذا العدد المذكور لا يتخلف فى المجاهدين بخلاف غير وساروا ووجد ريحاً طيبة فقال: يا جبريل ما هذه الرائحة. فقال: رائحة ماشطة بنت فرعون، ورائحة أولادها وهى امرأة حزقيل خازن فرعون واسمها قنه، بينما هى تمشط بنت فرعون أى تسرح شعرها إِذ سقط المشط بتثليث الميم، فقالت: بسم الله تعس فرعون. فقالت ابنة فرعون: أو لك رب غير أبى؟ فقالت: نعم؟ قالت: أفأَخبر بذلك أبى. قالت: نعم. فدعاها، فقال: ألك رب غيرى؟ قالت: نعم. ربى وربك الله الذى خلقنا ورزقنا ويميتنا ويحيينا رب السماوات والأَرض لا شريك له، وكان للماشطة ابنان كبيران وولد صغير ذكر وقيل أنثى وزوج، فأَرسل إِليهم فرعون فحضروا، فراود المرأة وزوجها إِن يرجعا عن دينهما فأَبيا. فقال: إِنى قاتلكما. قالت: إِحسانا منك إن قتلتنا أن تدفننا فى بيت واحد. قال ذلك بما لك علينا من الحق وهو الخدمة. والتقدير أحسن إِلينا إِحساناً منك فأَمر ببقرة من نحاس أى بقدرة كبيرة واسعة من التبقر وهو التوسع أو تسع بقرة تامة بتوابلها وروى بنقرة بالنون وهى قدر يسخن فيها الماء أو غيره فاحميت، وروى أنه أحمى فيهما زيت طيب فألقوا فيها واحداً واحدا وابتدأ بالأَولاد للتخويف والحسرة حتى بلغوا الرضيع وكانت تحمله فتأَخرت قليلا، فقال: يا أماه قعى بفتح القاف فعل أمر من الوقوع ولا تقاعسى بفتح التاء أى لا تقاعسى أى لا تتأَخرى فإِنك على الحق فألقيت هى وأولاها، وأما زوجها فأرسل إِليه فرعون فى طلبه فقيل إنه أوى إِلى موضع كذا .. بجبل كذا.. كذا فبعث فى طلبه وأتى على قوم ترضخ رءوسهم كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شئ فقال جبريل من هؤلاء قال الذين تتثاقل رءُوسهم عن الصلاة المكتوبة أى يكسلون من الأُمم السالفة لأَن الصلاة لم تفرض حينئذ ومثل له حال من يكون بهذا الوصف من هذه الأُمة فيكون إِخبارا بما سيكون ثم أتى على قوم عراة على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون فى أودية جهنم كالإِبل والغنم ويأَكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم أى حجارتها المحماة فقال من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله شيئاً قيل عوقبوا بذلك لأَنهم يمنعونها ليزينوا بها ملابسهم ويوفوا بها مأكلهم ومشاربهم ويتفكهوا بها فأُبدلوا الرقاع والعراء بدل الملابس المزينة وأُبدلوا الضريع والزقوم والرضف بدل المآكل والمشارب الطيبة والمراد من يمنعها من الأُمم السابقة لأَنها لم تفرض حينئذ ومن يمنعها من هذه الأُمة فيكون إِخبارا بما سيكون قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : ينزل فى كل سنة اثنتان وسبعون لعنة لعنة على اليهود ولعنة على النصارى وسبعون على مانع الزكاة تفسير : ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج فى قدور ولحم آخر فى قدور نىّ خبيث فجعلوا يأكلون من النى الخبيث ويدعون النضيج الطيب فقال ما هذا يا جبريل فقال هذا الرجل من أُمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأَتى امرأة خبيثة والمرأة تأتى غير زوجها ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب ولا شئ إِلا حرقته فقال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا مثل أقوام من أُمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه أى يمنعون من سلوكه وتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل جبريل ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ورأى رجلا يسبح فى نهر من دم أى يعوم يلقم الحجارة أى ترميهِ الملائكة بالحجارة فى فيهِ فقال ما هذا يا جبريل؟ فقال هذا مثل آكل الربوا أى آخذه فهو مجاز مرسل من إِطلاق اسم المسبب على السبب ونكتته أن الأَكل أعظم منافع المال ثم أتى على رجل جمع حزمة حطب بضم الحاء الأولى وكسرها لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال ما هذا يا جبريل فقال هذا الرجل من أُمتك تكون عنده أمانات الناس لا يقدر على أدائها ويريد أن يتحمل عليها قيل المراد بالأَمانات ما يشمل أيضا الوفاء بالعهد والأَمر بالمعروف والنهى عن المنكر والنصح وسائر ما يجب للمسلم وأتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، وروى من نار كلما قرضت عادت لا يفتر عنهم فقال من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء خطباء الفتنة خطباء أُمتك أى بعض خطباء أُمتك وهو بدل بعض يقولون ما لا يفعلون والمراد بالخطباء ما يشتمل الوعاظ والمدرسين والعلماء وغيرهم وأضافهم إِلى الفتنة إِضافة سبب لمسبب لأَن حالهم سبب للإِفتان لمناقضة أقوالهم أفعالهم. ومر بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدرهم وكونها من نحاس حقيقة أو مجازا أى شديدة كالنحاس ولا شك أن الحديد أحد من النحاس ولكن خص النحاس لأَنه فى النار أشد حرارة ولذا تصنع منه القدور فقال من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحم الناس ويقعون فى أعراضهم وخص الوجوه والصدور لأَنها يظهر فيها الشين كما أظهروا شين أعراض من اغتابوا والغيبة كبيرة فى المسلم عندنا مطلقا وقال قوم إِن كانت فى العلم وحامل القرآن وإِلا فصغيرة قيل تباح فى مواضع منظومة فى قوله: شعر : القدح ليس بغيبة فى ستة متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقا ومستفت ومن طلب الإِعانة فى إِزالة منكر تفسير : وأتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل يريد أن يدخل من حيث خرج فلا يستطيع فقال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الرجل أى مثله يتكلم بالكلمة العظمية تكون سببا للهلاك مثلا أو لإِضاعة مال أو هجر مسلم ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها وفى الحديث البلاء موكل بالمنطق وبين ما هو يسير إِذ دعاه داع عن شماله يا محمد انظرنى بوصل الهمزة وضم الظاء أى انتظرنى أو انظر إِلى أن أسأَلك فلم يجبه فقال ما هذا يا جبريل؟ قال داعى اليهود أى مثل الداعى إِلى هواهم وما ظلوا به وكذا فى داعى النصارى والإِضافة عند اللقانى للبيان كما فى حديث ابن أبى ليلى قال له جبريل أتدرى من الرجل الذى دعاك عن يمين الطريق؟ قال: لا. قال تلك اليهود تدعوك إِلى دينها اهـ. أما أنك لو أجبته لتهودت أُمتك وبينما هو يسير إِذا دعاه داع عن شماله يا محمد انظرنى أسأَلك، فلم يجبه فقال ما هذا يا جبريل؟ قال داعى النصارى أما أنك لو أجبته لتنصرت أُمتك وبينما هو يسير إِذ هو بامرأة حاسرة عن ذراعيها أى كاشفة وعليها من كل زينة خلقها الله وذلك ما يجلب القلوب فقالت يا محمد انظرنى أسألك فلم يتلفت إِليها فقال: من هذا يا جبريل؟ قال تلك الدنيا أما أنك لو أجبتها لاختارت أُمتك الدنيا على الآخرة وقد تعرضت له يوما فقال إِنى لست أُريدك. قالت إِن لم تردنى فسيريدنى غيرك، وبينما هو يسير إِذا هو بشيخ يدعوه متنحيا عن الطريق مظهرا الديانة والورع يقول هلم يا محمد. فقال جبريل بل سر يا محمد قال من هذا يا جبريل؟ قال هذا عدو الله إِبليس أراد أن تميل إِليه وقد عصمك الله منه وإِنما بادره جبريل هنا بقوله بل سر يا محمد إِن نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كان عنده زيادة لطف ورحمة بالشيوخ والفقراء وقد علم جبريل ذلك منه ولأَن فتنة إِبليس أشد من فتنة غيره وسار فإِذا هو بعجوز على جانب الطريق، فقالت يا محمد انظرنى أسأَلك فلم يلتفت إِليها فقال من هذه يا جبريل قال إِنه لم يبق من عمر الدنيا إِلا ما بقى من هذه العجوز. وروى البيهقى فى الدلائل عن أنس أنه مر بجماعة فسلموا عليه فقالوا السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر. فقال له جبريل اردد عليهم السلام وهم ابراهيم وموسى وعيسى. وفى رواية أنه مر بموسى عليه السلام يصلى فى قبره فقال أشهد أنك رسول الله ولا مانع عن صلاة الأَنبياء فى قبورهم لأَنهم أحياء عند ربهم يرزقون يتعبدون بما يجدون من دواعى أنفسهم لا بما يلزمون به كما يليهم أهل الجنة الذكر. وروى أبو هريرة أنه رأى أخونة عليها لحم طيب ليس عليها أحد وأُخرى عليها لحم منتن عليها ناس يأكلون قال جبريل هؤلاء الذين يأكلون الحرام ويتركون الحلال ومر بقوم بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر. قال جبريل هم أكلة الربا ومر بقوم مشافرهم كالإِبل يلتقمون جمرا فيخرج من أسافلهم قال جبريل هم الذين يأَكلون أموال اليتامى ظلما ومر بنساء علقن بثديهن، وقال جبريل إِنهن الزوانى ومر بقوم يقطع من جنوبهم اللحم فيطعمون وأنهم الغمازون واللمازون ومر على واد فوجد ريحا طيبة باردة وريح مسك وسمع صوتا فقال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا صوت الجنة تقول رب ائتنى بما وعدتنى فقد كثرة عرفى واستبرقى وعبقرى ولؤلؤى ومرجانى وفضتى وذهبى وأكوابى وصحافى وأبارقى ومركبى وعسلى ومائى ولبنى وخمرى فائتنى بما وعدتنى فقال لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بى وبرسلى وعمل صالحا ولم يشرك بى ولم يتخذ من دونى أندادا ومن خشينى فهو آمن ومن سالنى أعطيتهُ ومن أقرضنى أجزيته ومن توكل علىَّ كفيته إِننى أنا الله لا إِله إِلا أنا لا أُخلف الميعاد. قد أفلح المؤمنون وتبارك الله أحسن الخالقين قالت قد رضيت، ثم أتى على واد فسمع صوتاً منكراً ووجد ريحا منتنا فقال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا صوت جهنم تقول ربى ائتنى ما وعدتنى فقد كثرت سلاسلى وأغلالى وسعيرى وحميمى وضريعى وغساقى وعذابى وقد بعد قعرى واشتد حرى فائتنى بما وعدتنى. قال لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب. قالت قد رضيت ولما وصل بيت المقدس ربط البراق بالحلقة، وروى ربط فرسه يعنى البراق لأَنه نزل منزلة الفرس وأنكر حذيفة الربط إِذ لا يفر منه وقد سخره له عالم الغيب والشهادة. رواه أحمد والترمذى وصلى ببيت المقدس وأنكر حذيفة أيضاً الصلاة فيه والواضح ثبوت الربط والصلاة والمثبت مقدم على النافى. وعن بريدة وضع جبريل إِصبعه فى الصخرة فخرقها فقد بها البراق أى بزمامه. رواه البزار والترمذى. وعن ابن مسعود وأبى سعيد دخلت أنا وجبريل بيت المقدس فصلى كل منا ركعتين أى على حدة وروى أنه دخل من بابه اليمانى ثم نزل عن البراق وربطه بالحلقة بالباب وروى أنه دخل من باب تميل فيه الشمس والقمر. ويجمع بين أحاديث الربط قبل الدخول وأحاديث الربط بعده بأَنهُ ربط أولا خارج المسجد ثم فك وربط داخله إِكراما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفى ربطه الأَخذ بالاحتياط فى الأُمور وتعاطى الأَسباب وليس ذلك قادحا فى التوكل وكان فى ذلك تأَنيس بالعادة فى ربط الدواب ومعنى ميل الشمس والقمر عن الباب أنما يمران عليهِ فيغربان منه: وقال القيلوبى يميلان إِليه عند طلوعهما بظهورهما عليه أو يميلان عند زوالهما عن الاستواء فيزول ضوؤها عنه جهة المشرق وقيل فيه تمثيل الشمس والقمر أى مثالهما فيه. وكان هذا الباب مفتوحا روى أن بعض بطارقة الروم وكله هرقل بحفظ بيت المقدس وكان لا ينام حتى يغلق أبوابه، فلما كان تلك الليلة أغلقها كلها إِلا هذا الباب الذى دخل منه - صلى الله عليه وسلم - فإِنه أعياه حتى استعان بعماله ومن حضره عليه فلم يستطع أحد أن يحركه ولما صلى الركعتين لم يلبث إِلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثيرون من الأَموات بأَرواحهم وأجسادهم على الراجح وقيل بأَرواحهم من الأَنبياء والشهداء ومن ألحق بهم فعرف النبيين بصفة تميزهم من بين راكع وساجد ثم أعلم جبريل الحاضرين بالصلاة وشرعوا فيها بلا أذان ولا إِقامة لأَنهما شرعا بالمدينة أو بهما ولو قبل أن يشرعا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأُمته وقاموا صفوفا ينتظرون من يومهم فأَخذ جبريل بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقدمه فصلى بهم فى مقدم المسجد وكانوا سبعة صفوف ثلاثة من المرسلين وأربعة من سائر الأَنبياء عليهم الصلاة والسلام وكان خلق ظهره إِبراهيم وعن يساره إِسحاق. وعن كعب أذن جبريل ونزلت الملائكة من السماء وحشر الله له المرسلين وزاد الله فى سعة المسجد حتى وسعهم فصلى بهم جميعا ركعتين كانتا مفروضتين عليه وقيل هما نافلتان والراجح أنهما نقل مطلق ولا يضر وقوع الجماعة فيها لأَنه للتشريع وجوز كثير من العلماء النفل السنن مطلقا بالجماعة وصلاة الموتى تلذذ لا تكليف لانقطاعه بالموت وعلى أنهما مفروضتان عليه فالأَقرب عند بعض أنهما الصبح ويحتملان أنهما العشاء على أنهما قبل العروج وإِما على أنهما بعده فالصبح قال ابن كثير ومن الناس من يزعم أنه أمهم فى السماء والذى تظاهرت به الروايات أنه بيت المقدس والظاهر أنها بعد رجوعه إِليه لأَنه لما مر بهم فى منازلهم جعل يسأَل جبريل عنهم واحدا واحدا وهو يخبره قال هذا هو اللايق لأَنه أولا كان مطلوبا ليفرض عليه الله تعالى أُمته ما يشاء ثم لما فرغ مما أُريد به اجتمع هو وإِخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه عليهم لتقديمه فى الإِمامة والظاهر أنه صلى بهم فى السماء بعد العروج وفى بيت المقدس قبلة وانتقلوا إِليه كما انتقل موسى من قبره الذى رآه يصلى فيه إِلى بيت المقدس والسماء وعن أنس لما بلغ بيت المقدس وبلغ المكان الذى يقال له باب محمد أتا إِلى الحجر الذى به فغمزه جبريل بإِصبعه فنقبه ثم ربط البراق ولما استويا فى سرحه المسجد قال جبريل يا محمد هل سأَلت ربك أن يريك الحور العين قال نعم قال فانطلق إِلى هؤلاء النسوة فسلم عليهن قال فسلمت عليهن فرددن على السلام فقلت لمن أنتن فقلن خيرات حسان نساء قوم أبرار نقوا فلم يدرنوا. أى لم يتوسخوا وأقاموا فلم يظعنوا وخلدوا فلم يموتوا وروى أنهن راهن عن يسار الصخرة ولا يبعد أنهن صلبن خلفه ويحتمل قبل أنه كشف عنهن له حتى راهن فى ذلك المحل وهن فى الجنة كرامة له وخرقا للعادة والحكمة فى رويته لهن تعظيمه واحتياجه إِلى معرفتهن لأَنه يزوجهن أمته وكن على اليسار مع شرف النبى إِشارة لتيسير حصولهن لهذه الأمة وليتفاول بتيسير المعراج وسهولته أو ليكون جانب اليمين له يرقى منه الصخرة وهل رقى الصخرة أو عرج من جهة يمينها خلاف والحور خلقن من الزعفران أو من تسبيح الملائكة ومن قطرات تقطر من جناح جبريل لينتفض بعد خروجه من بعض الأَنهار ولما فرغ من صلاته قال جبريل يا محمد أتدرى من صلى خلفك مؤتما بك قال لا قال كل نبى بعثه الله أى أوحى إِليه ولا ينافى قوله ما مر من أنه عرف النبيين لأَنه يحتمل أنه عرفهم بأَشخاصهم ولم يعرف أنهم صلوا كلهم خلفه مكانه. قال له أتدرى من صلى خلفك منهم لو عرف ونسى أو عرفهم ولم يعرف أنه لم يبق منهم أحد، ولما فرغ أثنى كل نبى على ربه سبحانه بثناء جميل فقال ابراهيم الحمد لله الذى اتخذنى خليلا وأعطانى ملكا عظيما وجعلنى أُمة قانتا يؤتم بى وأنقذنى من النار وجعلها على بردا وسلاما وقال موسى الحمد لله الذى كلمنى تكليما وجعل هلاك فرعون ونجاة بنى إِسرائيل على يدى وجعل من أُمتى قوما يهدون بالحق وبه يعدلون وقال داود الحمد لله الذى جعل لى ملكا وعلمنى الزبور وألان لى الحديد وسخر لى الجبال يسبحن والطير وأعطانى الحكمة وفصل الخطاب وقال سليمان الحمد لله الذى سخر لى الرياح وسخر لى الشياطين يعملون لى ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وكانت باليمن لا تحرك من مواضعها يأْكل من الواحدة ألف رجل، وعلمنى منطق الطير وآتانى من كل شئ فضلا وسخر لى الإِنس والطير والدواب وفضلنى على كثير من عباده المؤمنين وآتانى ملكاً لا ينبغى لأَحد من بعدى وجعل ملكى ملكاً طيباً ليس فيه حساب ولا عقاب، وقال عيسى عليه السلام: الحمد لله الذى جعلنى كلمته وجعل مثلى مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، وعلمنى الكتاب والحكمة والتوراة والإِنجيل وجعلنى أبرئ الأَكمه والأَبرص وأُحيى الموتى بإِذن الله ورفعنى وطهرنى وأعاذنى وأُمى من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان علينا سبيل. فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -حديث : كلكم أثنى على ربه وأنا مثن على ربى أى مزيد للثناء عليه ثم شرع يقول: الحمد لله الذى أرسلنى رحمة للعالمين وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وأنزل على الفرقان فيه تبيان كل شئ وجعل أُمتى خير أمه أُخرجت للناس وجعل أُمتى وسطاً أى خياراً عدولا، وجعل أُمتى هم الأَولون والآخرون، وشرح لى صدرى ووضع عنى وزرى، ورفع لى ذكرى، وجعلنى فاتحاً أى للشفاعة، خاتماً.. تفسير : أى للنبوة. فقال إِبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بهذا فضلكم محمد - صلى الله عليه وسلم - الإِشارة إِلى الثناء لا خصوص قولهِ ورفع لى ذكرى خلافاً للأجهورى أى بفصاحته وبلاغته وثوابه، وفضلكم بفتح الضاد والتخفيف زاد عليكم فى الفضل والأجر دنيا وأخرى وفيه رد على المعتزلة القائلين لا فضل لبعضهم على بعض، ويرد عليهم ظاهر القرآن أيضاً تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض وتوقف بعضهم، وقال السكوت أفضل والصحيح ثبوت التفضيل بين الأَنبياء غير المرسلين وأن المرسلين أفضل والتفضيل بين المرسلين، وفى حديث أبى أمامة عند الطبرانى فى الأَوسط ثم أقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدموا محمداً - صلى الله عليه وسلم - والجمع بينه وبين ما مر من أن مقدمه جبريل أنهم لما قدموه لم يتقدم حتى قدمه جبريل، وأخذ النبى - صلى الله عليه وسلم - من العطش أشد ما أخذه فجاءه جبريل - صلى الله عليه وسلم - بإِناء من خمر وإِناء من لبن فاختار اللبن، فقال له جبريل: اخترت الفطرة، ولو شربت الخمر لغوت أمتك ولم يتبعك منهم إِلا قليل. وفى رواية أن الآنية كانت ثلاثة والثالث فيه ماء، وأن جبريل قال له: لو شربت الماء لغرقت أمتك. وفى رواية أن أحد الآنية التى عرضت عليه فيه عسل بدل الماء، وأن جبريل قال له: لو شربت العسل لهلكت أمتك بحب الدنيا، ويجمع بين ذلك بان يكون بعض الرواة اقتصر على إِناءين وأن يكون أحد الثلاثة كان فيه عسل، ثم جعل فيه الماء أو مزج العسل به وغلب الماء على العسل أو تكون الأَوانى أربعة، وبعض الرواة اقتصر وبعض وفىَّ، روى أنه شرب من العسل قليلا. وروى أنه شرب من الماء قليلا، فمعنى لو شربت لورويت، والخمر التى أتى بها هى من خمر الجنة كما جزم به اللقانى وإِنما تجنبها لشبهها بخمر الدنيا التى ستحرم ويكون ذلك ابلغ فى الورع وأدق لأَنه ترك ما يشابه ما سيحرم، وأراد بالفطرة اللبن الذى هو علامة الفطرة التى خلق الله عليها العبد وهى الإِسلام لكون اللبن سهلا طيباً طاهراً سائغاً للشاربين سليم العاقبة، أو المعنى اخترت اللبن الذى عليه تنبت الخلقة وبه نبت اللحم ونشر العظم أو اخترته لأَنه الحلال الدائم فى دين الإِسلام بخلاف الخمر فستحرم وهى أم الخبائث جالبة لأَنواع الشر حالا ومثالا، وبما ذكرته أولا قال النووى، وقال القرطبى: يحتمل أنه سمى اللبن قطرة لأَنه أول شئ يدخل جوف المولود ويشق أمعاءه والسر فى ميله - صلى الله عليه وسلم - إِليه كونه مألوفا له، وترد القريبى القرطبى والغيطى فى كون تلك الخمر من الجنة أو لا فعلى أنها منها توقاها لمشابهة الخمر التى ستحرم وهى خمر الدنيا، حرمت فى المدينة وعلى أنها من الدنيا فتوقاها تورعاً وتعريضاً بأَنها ستحرم ولما وافق الصواب قال له جبريل: أصبت الفطرة، وروى: أصبت أصاب الله بك، قال ابن المنير: اتخذ شراباً حلالا ولو ماء وضاهى به الخمر فى الصورة وهيأَهُ بالهيئة التى يتعاطاها أهل الشهوات فى اجتماع وآلات فقد أتى منكراً ولا يجد وقد ذكر مثل ذلك صاحب المعلقات وهو من أصحابنا الأَباضية لكنه مجهول فالتحقيق أن ماء البن بلام واحدة وباء مضمومة ونون مشددة المسمى بالقهوة يحرم من حيث تسميته بالخمر وهى لفظ القهوة والاجتماع عليه بهيئة مخصوصة وآلة، فإِن لم يكن ذلك لم يحرم ولو سماه شاربه الخمر قهوة مع أن القهوة من أسماء الخمر إِذا لم يعرف معنى هذا الاسم أو عرف ولكن لم ينو المضاهاة، وعن بعض أنه أتى بإِناء خمر وإِناء لبن بعد ما خرج من المسجد ولم يذكر ثالثاً. وروى شداد وأوس أنه أتى بإِناء لبن وإِناء عسل فأخذ العسل بهداية الله فقال جبريل للملك الذى ناوله أخذ صاحبك الفطرة، وذكر ابن كثير وغيره أنه أتى بالأَوانى أيضاً عند سدرة المنتهى، قال جبريل أيضاً: أصبت الفطرة للتأْكيد والتحذير فيما سواه ثم أتى بالمعراج الذى تصعد عليه أرواح بنى آدم غير المشركين مع الملائكة بعد قبضها حتى تأْتى الدار البيضاء تحت العرش فتسجد ثم تؤمر بالرجوع حتى تحضر الدفن وما يفعل بجسدها ولم تر الخلائق أحسن من المعراج يراه المحتضر له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب أحد جانبيه ياقوتة حمراء والآخر زمردة خضراء، وهو من جنة الفردوس منضد باللؤلؤ، عن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة ليصعد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع جبريل عليه السلام إِلى السماوات ليرى فيهن قدرة الله وآياته كما قال {لِنُرِيهُ} وقرأ الحسن ليريه بالتحتية التفاتاً عن قوله باركنا، وقال أيضاً بعد أنه هو والالتفات من طريق البلاغة، {مِنْ آيَاتِنَا} فى السماوات فإِنما أسرى به إِلى بيت المقدس ليسرى منه إِلى السماوات فيرى الآيات وقد رأى آيات عظاماً سأَذكرها إِن شاء الله لك، وهى أعظم وأكثر مما رأى إِبراهيم الخليل عليه السلام، ولو ذكرت بمن التبعضية لأَن إِبراهيم رأى ملكوت السماوات والأَرض وهى بعض الآيات، وآيات الله أعم رؤيا منها أكثر مما رأى إِبراهيم ويحتمل أن يراد لنريه من آياتنا فى طريقه إِلى المسجد الأَقصى وفى طريقه إِلى السماوات، وذلك كله فى ليلة واحدة على الراجح وبما قررت به الآية يعلم بطلان استدلال بعض، على أن المعراج كان فى ليلة غير ليلة الإِسرى إِلى المسجد الأَقصى بالآية، لأَن الإِسراء إِلى السماوات لم يذكر هنا وإِنما قدم الإِسرى إِليه على المعراج ليعرج منه مستويا وقصداً لتفاؤته بالاستقامة وفى رؤيته بيت المقدس مطلقاً فوائد منها: إِظهار الحق على من عاند لأَنه لو عرج به إِلى السماء من مكة ولم ير المقدس فى ذهابه ولا رجوعه لم يجد لرد معاندتهم سبيلا إِلى البيان والإِيضاح وقد سأَلوه عن أشياء من بيت المقدس كانوا رأوها فأخبرهم بما يصدقونه، فيلزم أن يصدقوه فى بقية ما ذكر من العروج ومنها أن يرى القبلة التى صلى إِليها زماناً كما عرف الكعبة التى صلى إِليها ومنها أن المسجد الأقصى مجمع أرواح الأَنبياء عليهم السلام فاراد أن يشرفهم بزيارته - صلى الله عليه وسلم - ولما ارتقى هو وجبريل على المرقاة الأُولى ارتفعت بهما خمسمائة عام حتى بلغا السماء كما أن بين الدرجتين فى الجنة خمسمائة عام تنحط الدرجة كالجمل المبرك فيصعد عليها ولى الله ثم ترتفع إِلى مكانها والظاهر أنهُ سلم واحد خرق السماوات السبع من الأَرض لا سبع سلالم لكل سماء سلم، وفى كلام بعض ما يدل على أنه ارتقى على البراق والمشهور ما ذكرته، ورأيت فى كلام البخارى نصاً عن أنس أنه ارتقى على البراق وهو حسن ولو اشتهى أنه ارتقى على السلم، ولما ارتقيا بلغا بابا من أبواب السماء الدنيا يقال له باب الحفظة عليه ملائكة يحفظون السماوات من الشياطين لا يسمعون إِلى الملأَ الأَعلى ويحفظون الوحى النازل عليه - صلى الله عليه وسلم - ولكل أمة باب فى السماء الأُولى وقيل لكل شخص بابان، باب ينزل منه رزقه وباب يصعد منه عمله، وقيل للسماء باب واحد ينزل منه الرزق وتصعد منه الأَعمال، وعليه فالجمع باعتبار تعدد الأمور الصاعدة منه والنازلة وعلى هذه السماء ملك يسكن الهواء أسفلها قريباً منها هو خازنها وقائمها، ويسمى إِسماعيل أى مطيع الله لم يصعد إِلى السماء بالدخول فيها قط وقيل يدخلها ولا يصعد إِلى الثانية ولم يهبط إِلى الأَرض قط إلا يوم مات النبى - صلى الله عليه وسلم - فإِنه نزل مع ملك الموت ثم رجع وذكروا أن بين يديه فى خدمته سبعين ألف ملك، وعن أبى سعيد اثنا عشر ألف ملك، ألف ملك جند كل ملك مائة ألف ملك، فاستفتح جبريل باب السماء بالقرع وكان صوته معروفاً ولكونه بالقرع قيل من هذا وإِنما لم يفتح قبل مجئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أنه أبلغ فى الكرامة ليلم أن الفتح لأجله ولإِطلاعه على أنه معروف عند أهل السماء، بدليل قولهم أبعث إِليه ولم يقولوا ومن محمد وكذلك فى كل سماء ولما استفتح قال له أهل السماء: من هذا. قال: جبريل وذلك أنهم رأوهما ولم يعرفوهما بدليل قولهم من هذا، وقولهم ومن معك: وقد ذكروا أن جبريل لم يكن حينئذ على الصورة التى يعرفونه بها فسأَلوه من هذا ولما أخبرهم قالوا: ومن معك. قال: محمد وذلك أنهم أحسوا أن معه رفيقاً بالمشاهدة لكون السماء شفافة أو لزيادة النور بحضوره - صلى الله عليه وسلم - فسأَلوه عنه فقال: محمد. فقالوا: أوقد أرسل إِليه وفى رواية بعث إِليه وعلى الوجهين، فالمراد البعث للعروج لا الرسالة، لأَنهم عرفوا بها قبل ذلك واشتهرت فى الملأ الأَعلى، وقيل سأَلوا عن بعثه للعروج تعجباً من نعمة الله عليه بذلك واستبشاراً به وقد علموا أن بشر لا يترقى هذا الترقى إِلا بإِذن من الله تعالى وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إِليه، وقيل إِن الله تعالى أراد اطلاع نبيه على أنه معروف عند الملأ الأَعلى، لأنهم قالوا أو بعث إِليه أو أرسل إِليه فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له وإِلا لقالوا: ومن محمد كما مر ولما قيل أو بعث إِليه وقال جبريل نعم. قيل: مرحبا به وأهلا، أى صادفت رحبا بك، أى وسعاً أو رحب الله بك مرحباً أى ترحيباً، وأتيت أهلا وأهلك الله أهلا أى تأْهيلا، ويزيد الناس فى كلامهم وسهلا أى وصادفت أو أصبت مكاناً سهلا وعامل الثلاثة محذوف وجواباً لجريان ذلك مجرى المثل حياه الله من أخ ومن خليفة، أى أبقاه الله من الحياة أو سلم عليه من التحية أو طال حياته أو أكرمه غاية الإِكرام ومن زائدة فى التمييز عند بعض الأَخوة أخوة الإِيمان. قال الله سبحانه وتعالى: {أية : إِنما المؤمنون إخوة} تفسير : والخليفة وكيل الله فى تنفيذ الأَحكام والباقى دينه لأَنه خلف الأَديان كلها ولا ينسخ والآخر لأَنه خاتم الأَنبياء قالوا ولنعم المجئ جاء أى جاء ونعم المجئ مجيئه، ويحتمل أن يكون قالوه لما عاينوه من بركاته عليه السلام التى سبقته السماء مبشرة بقدومه وفيه تقديم وتأْخير كما علمت ويحتمل أن يكون جملة جاء حالا من المجئ، أى جاءه أو جاء وهو أى المجئ مجازاً وإِنما قيل مرحباً به لا مرحباً بك، لأَنه حيا قبل فتح الباب وقبل صدور الخطاب من النبى - صلى الله عليه وسلم - أو للتعظيم لأَن الغيبة ربما كانت أفخم من كاف الخطاب، والمتكلم بذلك هو ملك غير صاحب السماء وقيل هو صاحبها إِسماعيل المذكور، وقيل جماعة وهكذا سائر السماوات، ففتح الملك لما فلما قطعا غلظ السماء وجد فيها آدم كهيئته يوم خلق على صورته وجماله تعرض عليه أرواح الأَنبياء وذريته المؤمنين بعد موتهم، فيقول: روح طيبة نفس طيبة، وهذا عطف تفسير على أن الروح والنفس واحدة وهو الراجح، اجعلوها فى عليين ثم تعرض عليه أرواح ذريته الكفار، فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها فى سجين، وعن يمينه أسودة وباب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله أسودة وباب يخرج منه ريح خبيثة وإِذا نظر قبل يمينه ضحك واستبشر وإِذا نظر قبل شماله حزن وبكى فسلم عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - فرد عليه السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح، والنبى الصالح، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - من هذا يا جبريل. قال: أبوك آدم وهذه الأَسودة نسم بنيه، فأَهل اليمين منهم أهل الجنة، وأهل الشمال منهم أهل النار، فإِذا نظر قِبل يمينه ضحك، وإِذا نظر قِبل شماله بكى، وهذا الباب الذى عن يمينه باب الجنة إِذا نظر من يدخله من ذريته ضحك واستبشر، والباب الذى عن يساره باب جهنم، إِذا نظر من يدخله من ذريته بكى وحزن، وقوله اجعلوها فى عليين، وقوله اجعلوها فى سجين تفويض من الله الأَمر إِليه فهو يقضى بحكم الله السابق والأَسودة جمع سود وهى أرواح لم تدخل الأَجساد ستخلق أجسادها بعد فهى غير المعروضة، وكرر الصلاح فى وصف النبى - صلى الله عليه وسلم - مع ذكر النبوة، وذكر النبوة بصلاحيته لكل من النبوة الكاملة والنبوة والصالح هو القائمة بحقوق الله سبحانه وحقوق العباد وإِن قلت أرواح المؤمنين فى عليين، وأرواح الكفار فى سجين، قال الله عز وجل: {لا تفتح لهم أبواب السماء} قلنا يحتمل أن تلك الأَرواح التى فى السماء هى التى لم تدخل فى الأجساد وقد تقرر أن الأَرواح خلقت قبل الأَجساد أو أنها أرواح الأجساد حين خروجها وقيل استقرارها فى عليين أو سجين أو رآها من مكانه وهى فى محالها أو مثلت له حالة الأَرواح فى الآخرة فليست أرواحاً حقيقية أو كانت تعرض عليه الأَرواح فى بعض الأَوقات أو عرضت عليه فى ذلك الوقت فوافق المعراج، وفى بعض ذلك منافرة لقوله اجعلوها فى عليين اجعلوها فى سجين، إِلا أن يقال معناه الاستبشار والتحسر أو معناه أبقوها كما هى ولا ينافى كون باب الجنة عن يمينه وباب النار عن يساره ما قيل أن الجنة فى السماء السابعة والنار تحت الأَرض السابعة، لأَن الشئ قد يكون عن يمينك أو يسارك وهو أعلى أو أسفل وكان آدم فى السماء لأَنه أول الآباء وأول الأَنبياء والرسل وهو الأَصل ولأَجل تأْسيس النبوة بالأُبوة فى أول انتقاله إِلى العالم العلوى والتنبيه على ما سيقع له - صلى الله عليه وسلم - من خروجه من مكة ثم عودة إِليها كخروج آدم من الجنة ثم عودة إِليها وكلا الخروجين بسبب العدو، ثم مضى قليلا فوجد أكلة الربا وأموال اليتامى والزناة وغيرهم على حالة شنيعة بنحو ما تقدم من الحالة التى رآهم عليها قبل صعوده وأشنع، وروى البخارى عن شريك أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى فى السماء الدنيا النيل والفرات أصلهما والمشهور أن أصلهما تحت سدرة المنتهى ويجمع بأَن أصل نبعهما من تحتها ومقرهما فى السماء الدنيا ومنها ينزلان إِلى الأَرض، ووقع فى هذه الرواية أيضاً ما نصه: ثم مضى به فى السماء الدنيا فإِذا هو بنهر آخر عليه قصور من لؤلؤ وزبرجد، وأنهُ الكوثر وهو مما استشكل من رواية شريك فإِن الكوثر من الجنة وهى فى السماء السابعة وأُجيب بأَن التقدير: ثم مضى فى السماء الدنيا إِلى السماء السابعة فإِذا هو نهر ثم صعد إِلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل: من هذا. قال: جبريل. قيل: ومن معك. قال: محمد. قيل: أو قد أرسل إِليه. قال: نعم. قيل: مرحباً به وأهلا حياه الله من أخ، ومن خليفة فنعم الأَخ ونعم الخليفة ونعم المجئ جاء فلما خلصا إِذا هو بابنى الخالة عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، شبيه أحدهما لصاحبه بثيابهما وشعرهما ومعهما نفر من قومهما، وإِذا بعيسى جعد الشعر ليس طويله ولا قصيره من نوع إِلى الحمرة والبياض، سبط الرأس أى مسترسل الشعر كأنما خرج من ديماس أى حمام والحمام والطاعون والزجاج والقص والصابون من عمل الجن وشبهه - صلى الله عليه وسلم - بعروة بن مسعود الثقفى فسلم عليهما فردا عليه السلام، ثم قالا مرحباً بالأَخ الصالح، والنبى الصالح ودعوا له بخير توافقت الأنبياء والرسل فى مخاطبة رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - بصيغة واحدة وذلك من وقوع الخطر وذلك لأَنهم على قلب واحد ولسان واحد وكذا توافقت الملائكة فى سؤال جبريل والكلام معه فى شأْن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإِن قلت لم لم يسل عن عيسى ويحيى عليهما السلام، قلنا لعل وجهه أنه رأى عيسى عليه السلام فى بيت المقدس حيا فرآه فى السماء كما رآه فى الأَرض، لأَن ذاته لم يحصل فيها تغير ويعلم أن يحيى مع عيسى فى محل فلم يسأَل عنهما بخلاف غيرهما فإِنه تغيرت حالته فى السماء، فسأَل عنه وكل منهم قد رفع له من قبره إِلى بيت المقدس وإِلى السماوات بالروح والجسد عند بعض، وحكمة رؤية عيسى ويحيى فى السماء الثانية أنهما الممتحنان باليهود أما عيسى فكذبته اليهود وأذته وهموا بقتله فرفعه الله، وأما يحيى فقتلوه ففيه الإِشارة إِلى ما وقع له - صلى الله عليه وسلم - فى السنة الثانية من الهجرة من امتحانه باليهود، أذوه وعادوه وهموا بإِلقاء الصخرة عليه ليقتلوه فنجاه الله منهم كما نجى عيسى منهم، ثم سموه فى الشاة فلم تزل تلك الأَكلة تعاوده حتى قطعت أبهره وتوفى شهيداً - صلى الله عليه وسلم - فعيسى طلب الانتصار عليهم بقوله {أية : من أنصارى إِلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله} تفسير : كذاب نبينا - صلى الله عليه وسلم - طلب الانتصار، فى السنة الثانية للخروج إِلى بدر العظمى فأجباوه ونصروه ولأَنه أقرب الأَنبياء إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما نسخت شريعته إِلا شريعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأَنه ينزل فى آخر الزمان لأُمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على شريعتهم ويحكم بها، وإِذا قال - صلى الله عليه وسلم - أنا أولى الناس بعيسى وكان يحيى معه لأَنه ابن خالته وهما كالشئ الواحد وهذا ما يفيده ظاهر الحديث، أن مريم أخت أم يحيى، وعليه مالك وجماعة، وقيل أم مريم أخت أم يحيى فعيسى ابن بنت خاله يحيى ابن خالة أم عيسى، فهما أبناء خالة كما فى الحديث لكن بواسطة ثم صعد إِلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا. قال: جبريل، قيل: ومن معك. قال: محمد. قيل: قد أرسل إِليه. قال: نعم. قيل: مرحباً به وأهلا وسهلا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأَخ ونعم الخليفة، ونعم المجئ جاء ففتح لهما فما خلصا إِذا هو بيوسف ومعه نفر من قومه، فسلم عليه فرد عليه السلام، ثم قال مرحباً بالأَخ الصالح والنبى الصالح أى كامل فى الصلاح والمراد بالأَخوة أخوة النبوة، وهكذا فى مثل هذا ودعا له بخير وإِذا هو قد أعطى شطر الحسن، وفى رواية أحسن ما خلق الله قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قال من هذا يا جبريل. قال: أخوك يوسف، أى شطر الحسن المنقسم بين الناس غير نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فإِنه قد أعطى الحسن الكامل كما قال البوصيرى: شعر : منزه عن شريك فى محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منقسم تفسير : ولم يحصل الافتتان به كيوسف عليه السلام لأَن حُسن يوسف لم يكن عليهِ غطاء، وحُسن نبينا - صلى الله عليه وسلم - غطى بالجلال والمهابة والمتكلم لا يدخل فى عموم كلامه إِلا بقرينة فلا يقال إِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقاسم للناس فى الشطر الباقى ولا يقال إنهُ داخل فى قوله احسن ما خلق الله وقوله قد فضل الناس، وقال ابن المنير جد الدمامينى إِن المراد أنهُ أعطى شطر الحسن الذى أوتيه نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعن أنس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم أحسنهم وجهاً وأحسنهم صوتاً، قيل حكمة رؤيته - صلى الله عليه وسلم - يوسف عليه السلام فى السماء الثالثة ثلاثة أمور الأَول: الإِشارة إِلى حاله فى السنة من الهجرة تشبه حالة يوسف وما جرى له مع أخوته الذين أخرجوه من بين أظهرهم ثم ظفر بهم فصفح عنهم، وقال: لا تثريب عليكم اليوم وكذا نبينا - صلى الله عليه وسلم - جرى له مع قريش كذلك نصبوا له الحرب وأرادوا هلاكه، وكانوا سبباً فى إخراجه من بين أظهرهم ثم ظفر بهم فى غزوة الفتح فصفح عنهم وقال: أقول كما قال أخى يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، وفى هذا نظر فإِنهُ لا يختص بالسنة الثالثة. الثانى: أن المناسبة أن السنة الثالثة من سنى الهجرة وقعت فيها غزوة أحد ومما اتفق فيه من المناسبة شيوع قتل النبى - صلى الله عليه وسلم - فناسب ما حصل للمسلمين من الأَسف على فقد نبيهم ما حصل ليعقوب من الأَسف لاعتقاد فقده إِلى أن وجد ريحه بعد تطاول الأَمد الثالث أن يوسف كيد وألقى فى غيابات الجب حتى استنقذه الله تعالى على يد من شاء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقع يوم أحد فى حفرة حفرها أبو عامر الفاسق لعنه الله مكيدة المسلمين على جنبه فضرب بالحجارة على جبهته فأخذ على بيده واحتضنه طلحة حتى قام - صلى الله عليه وسلم - وقال ابن أبى جمرة - حكمة ذلك أن أمة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - تدخل الجنة على حُسن يوسف، فأرى له فى الثالثة تبشيراً ثم صعد إِلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل من هذا. قال: جبريل. قيل: ومن معك. قال: محمد. قيل: أرسل إِليه بحذف همزة الاستفهام، قال: نعم. قيل: مرحباً به واهلا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجئ جاء، وفتح لهما فلما خلصا إِذا هو بإِدريس قيل هو جد أى نوح قد رفعه الله مكانا علياً هو الجنة أو السماء الرابعة وخص بالرفعة، مع أن من فى الخامسة أو فوقها أرفع لأَنه أرفع حيا فسلم عليه فرد عليه السلام ثم قال مرحباً بالأَخ الصالح والنبى الصالح ثم دعا له بخير وقال بالأَخ الصالح تلطفاً وتأَدباً، وقد روى مرحباً بالابن الصالح على أنه من آبائه، وفى عمود نسبه - صلى الله عليه وسلم - وقيل المراد به إِلياس وهو بعد نوح وليس من عمود نسبه وهو ضعيف، ولم يسأَل عن إِدريس لأَنه رآه فى بيت المقدس على حاله فى السماء الرابعة وحكمة رؤيته فى الرابعة الإِشارة لحالة رابعة فى السنة الرابعة من الهجرة من علو شأنه ورفعة منزلته وعظم سطوته وأحرزه - صلى الله عليه وسلم - لخصائص إِدريس - عليه السلام - فإِنه أول من كتب بالقلم وكتب إِلى الملوك يدعوهم إِلى التوحيد وقاتل بنى قابيل فكذلك نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - اتخذ الكاتب والخاتم، وكتب عنه بالقلم إِلى ملوك الآفاق عند استعجال الإِسلام يدعوهم إِلى طاعته، وقال ابن أبى جمرة: كان إِدريس فى الرابعة لأَنه هناك توفى، ولم تكن له توبة فى الأَرض على ما ذكر ثم صعد إِلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل، قيل من هذا. قال: جبريل. قيل: ومن معك. قال: محمد. قيل: أو قد أرسل إِليه. قال: نعم. قيل مرحباً به وأهلا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأَخ ونعم الخليفة ونعم المجئ جاء، ففتح لهما فلما خلصا فإِذا هو بهارون والنصف الأَعلى من لحيته أبيض والنصف أسود تكاد تصل سرته من طولها والنصف الأَسود هو الذى قبض عليهِ موسى وحوله قوم من بنى إِسرائيل وهم أولاد يعقوب عليهم الصلاة والسلام ومعنى إسرائيل بالعربية صفوة الله، وقيل عبد الله فأسر عبداً وصفوة وائل الله وهو يقص عليهم أخبار الأُمم السابقة فسلم عليه فرد عليه السلام، ثم قال مرحبا بالأَخ الصالح والنبى الصالح ثم دعا له بخير، فقال: يا جبريل من هذا. قال: هذا الرجل المجيب فى قومه هارون بن عمران، وكان ألين وفى موسى شدة فكانوا يؤذونه وكان فى الخامسة ملك، نصفه نار ونصفه ثلج يقول سبحان من ألف بين الثلج والنار، وقال القرطبى إن هذا تسبيح أهلها كلهم، وإِن من قالها مرة كان له مثل ثوابهم ومات هارون قبل موسى، وقال يا رب مات أخى فاغفر له فأْوحى الله تبارك وتعالى إِليه لو سألتنى الأَولين والآخرين لأعطيتك إلا قاتلى الحسين ابن على فإِنى انتقم منهم يوم القيامة وحكمة رؤيته لهارون فى الخامسة ثلاثة أمور الأَول: الفصاحة فإِنه أفصح من موسى كما قال الله تعالى عن موسى، وهو أفصح منى لساناً ولا شك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفصح من هارون لأَن كلامه عربى وكلام هارون عبرى، والعربية أفصح ثم هو أفصح العرب كلهم، وكثر ظهور فصاحته فى العام الخامس من الهجرة لكثرة انتشار القرآن والأَمر والنهى فيه لظهور الإِسلام فيه أكثر مما سبق الثانى: المحبة فإِن هارون محبب فى قومه فلقيه فى الخامسة ليؤذن بمحبة قريش له - صلى الله عليه وسلم - فى السنة الخامسة فإِنه كثر فيها الإِسلام وحبه ولو بقى جمهورهم على الكفر تبعاً لمن توغل فى الكفر والبغض. الثالث: الإِشارة إِلى حصول حاله له - صلى الله عليه وسلم - تشبه حاله هارون مع بنى إِسرائيل مما ناله منهم من الإِيذاء ثم انتصاره عليهم بعد ما عبدوا العجل بعد ذهاب موسى للمناجاة ونظير ذلك ما وقع لنبينا - صلى الله عليه وسلم - فى السنة الخامسة من قريظة والنضر وقينقاع، فإِنهم نقضوا العهد وحزبوا الأَحزاب وجمعوها وأظهروا عداوته - صلى الله عليه وسلم - وأرادوا قتله فأظهره الله بهم وقتلهم ذكره النجم الغيطى. قال اللقانى: فيه شئ يمنع المناسبة فى ذكر بنى النضير وقينقاع إِذ وقعة بنى النضير إِنما كانت فى الرابعة بعد أحد وكانت أحد فى الثالثة باتفاق، وأما بنو قينقاع فغزوتها فى الثانية فلا مناسبة إِلا فى ذكر قريضة، إِذ كانت بعد الخندق والخندق على قول الجمهور كانت فى السنة الخامسة، ثم صعد إِلى السماء السادسة فاستفتح جبريل قيل من هذا. قال: جبريل. قيل: ومن معك. قال: محمد. قيل: وقد أرسل إِليه قال: نعم. قيل: مرحبا به وأهلا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأَخ ونعم الخليفة ونعم المجئ جاء ففتح لهما فجعل يمر بالنبى والنبيين معهم الرهط، أى أقل من عشرة رجال والنبيين معهم القوم والنبى والنبيين ليس معهم أحد لعدم من صدق به، ثم مر بسواد عظيم فقال: من هذا. قيل: موسى وقومه ولكن ارفع رأسك فإِذا هو بسواد عظيم قد سد الأُفق من الجهات الست، فقال هؤلاء أُمتك وسوى هؤلاء من أُمتك سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، ولما ذكر ذلك قال عكاشة رضى الله عنه أنا منهم. قال: نعم. فقال منافق: أنا منهم. قال: سبقك بها عكاشة ولم يقل لست منهم سترا عليه، والقول بأَن القائل لهُ بعد عكاشة مسلم وأنهُ سعد بن عبادة مردود ولما جاوزا ما ذكر من النبى والنبيين فإِذا هو بموسى بن عمران رجل آدم أى أسمر طوال بضم وتخفيف كأَنه من رجال أزدشنوءة كثير الشعر مع صلابته، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دونهما حال الغضب فسلم النبى - صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام ثم قال مرحبا بالأَخ الصالح والنبى الصالح ثم دعا له بخير، وقال يزعم الناس أنى أكرم بنى آدم على الله منى فلما جاوره النبى - صلى الله عليه وسلم - بكى فقيل له ما يبكيك. قال: أبكى لأَن غلاما بعث من بعدى يدخل الجنة من أُمته أكثر ممن تدخل الجنة من عم بنو أُمتى إِسرائيل إِنى أكرم بنى آدم على الله، وهذا رجل من بنى آدم خلفنى فى دنيا وأتى فى أخرى بتخفيف اللام أى أتى خلفى فلو أنه فى نفسه لم أبال ولكن معه أُمته وهم أفضل الأُمم عند الله وفى رواية لهان على وإِنما سماه غلاما على عادة العرب وهى أنهم لا يطلقون الغلام على الرجل إِلا إِذا كان سيدا فيهم. قاله ابن أبى جمرة، وقيل باعتبار زمان موسى وسنه إِلى أن اجتمعا وقيل العرب يسمى مستجمع السن غلاما ما دامت فيه بقية القوة، وكان هو مستمر القوة إِلى أن دخل سن الشيخوخة حتى أن الناس فى قدومه للمدينة لما رأوه مردفا أبا بكر أطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبى بكر اسم الشيخ مع أنه - صلى الله عليه وسلم - سن أمن أبى بكر، واعلم أن أكثر أهل الجنة هذه الأُمة، وقد صح أن أهل الجنة مائة وثمانون صفا، هذه الأُمة ثمانون صفا وسائر الأُمم أربعون وبكى موسى، وكلامه فى شأن ذلك كله الغبطة المحمودة وأسف على ما فاته من الأَجر لأَن لكل نبى مثل أجر من اتبعه والقائل له ما يبكيك هو الله سبحانه وهو أعلم ويدل لهذا قوله فى بعض الروايات: وكيف لا أبكى يا رب، وكان بكاؤه بعد مفارقته - صلى الله عليه وسلم - وقبل أن يبعد مراعاة لجانبه وليسمع بشارته بأَن داخلى أُمتهُ الجنة أكثر من داخلى أُمة موسى، وكان لقاء موسى فى السادسة لأَنهُ - صلى الله عليه وسلم - أراد فى العام السادس أن يدخل مكة بمن معهُ ليقيم شريعة الله سبحانهُ وسنة إِبراهيم فصدوه ودخلها فى العام المقبل وآل أمره إِلى أن فتح مكة وقهر المتجبرين والمستهزئين كما أن موسى عليهِ السلام أراد أن يقيم الشريعة فى الأَرض المقدسة وحمل قولهُ على ذلك فتقاعدوا وقالوا إِن فيها قوما جبارين وإِنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، وتعجلوا بعد ذلك بالشرط فقالوا إِنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها أبدا ما داموا فيها وأوقعهم الله فى التيهِ وآل الأَمر إِلى قهر الجبارين على يد يوشع عليه السلام وإِخراجهم من أرضهم قد عالج موسى قومهُ كما عالج رسول الله - صلى الله عليهِ وسلم - قومهُ فلذلك لقيهُ إِيذانا بذلك وأُوذى كما أذى موسى قومهُ بل أكثر لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - لقد أُوذى موسى بأَكثر من هذا فصبر، قال ابن أبى جمرة كان موسى فى السادسة لفضائلهِ ولأَنهُ الكليم وأكثر الأَنبياء اتباعا بعد نبينا - صلى الله عليهِ وسلم - فلذلك لم يكن هارون معهُ فى السادسة بل كان فى الخامسة ثم صعد إِلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا. قال: جبريل. قيل: ومن معك. قال: محمد. قيل: أو قد أُرسل إِليهِ. قال: نعم. قيل: مرحبا بهِ وأهلا، حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأَخ ونعم الخليفة ونعم المجئ جاء ففتح لهما فلما خلصا فاذا هو النبى - صلى الله عليهِ وسلم - بإِبراهيم الخليل - صلى الله عليهِ وسلم - جالس عند باب الجنة أشمط كل كرسى من ذهب، وقال القليوبى من زبرجد أخضر مسند ظهره إِلى البيت المعمور، أى أكثر من يدخله ويسمى الضراح لأَنه ضرح عن الأَرض أى بعد، فقيل إِنه فى السماء الرابعة وقيل فى الأُولى وهو من عقيق، وقيل من ياقوتة حمراء لا صدع فيها ولا وصل وفى حديث إِن له أربعة أركان ركن من ياقوت أحمر وركن من زمرد أخضر وركن من فضة بيضاء وركن من ذهب أحمر، ومعهُ نفر من قومه فسلم عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - فرد عليه السلام وقال مرحبا بالابن الصالح والنبى الصالح، فقد عرفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمجرد الرواية فلم يسأَل عنه، وفى رواية أن جبريل قال له بلا سؤال هذا أبوك فسلم عليه، فسلم عليه وقال مرحبا بالابن الصالح من أُمتك فلتكثر من غراس الجنة أى من مغروسها، أى سببه أو هى ثوابه غراس الجنة، فإِن تربتها طيبة أى لا يخيب غراسها وأرضها واسعة، فقال وما غراس الجنة قال: لا حول ولا قوة إِلا بالله أى فيغرس لقائلها بكل مرة شجرة. قال ابن مسعود حديث : عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل عن الله: معنى ذلك لا حول عن معصية الله إِلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إِلا بعون اللهتفسير : . وفى رواية: حديث : أقرئ أُمتك منى السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إِله إِلا الله والله أكبرتفسير : ، ويجمع بأَن كلا من غراسها وعنده أطفال فقال: من هم يا جبريل قال أولاد المؤمنين وأولاد الكافرين وهم فى كفالته وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس بياضا ونقاء وقوم فى ألوانهم شئ فقام هؤلاء الذين فى ألوانهم شئ فدخلوا نهرا فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خرج من ألوانهم شئ، ثم دخلوا نهرا فاغتسلوا فيه وقد خلص من ألوانهم شئ ثم دخلوا نهرا فاغتسلوا فيه وقد خلص ألوانهم فصارت مثل ألوان أصحابهم فجاءُوا فجلسوا إِلى أصحابهم أى عندهم. فقال جبريل من هؤلاء البيض الوجوه ومن هؤلاء الذين فى ألوانهم شئ وما هذه الأَنهار التى دخلوها فاغتسلوا فقال: أما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم يلبسوا أى يخلطوا إِيمانهم بظلم أى بمعصية وأما هؤلاء الذين فى ألوانهم شئ فقوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم أى قبل توبتهم ورجعت نعمته إِليهم وألطافه فمحا ذنوبهم ولم يؤاخذهم بها وأما هذه الأَنهار فأَولها رحمة الله والثانى نعمة الله والثالث سقاهم منه ربهم شرابا طهورا، أى صيرهم من أهله وحكمته رؤية ابراهيم فى السماء السابعة أن ابراهيم الأَب الأَخير فناسب أن يتجدد للنبى - صلى الله عليه وسلم - بلقيه أنس لتوجهه بعده إِلى عالم آخر وأيضا فمنزلة الخليل تقتضى أن تكون أرفع المنازل ومنزلة الحبيب أرفع من منزلته. ولذلك ارتفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى ما فوق السابعة وأيضا أنه اعتمر عمرة القضاء فى السنة السابعة ودخل مكة هو وأصحابه ملبين معتمرين محييا لسنة إِبراهيم عليه السلام فكان لقاؤه فى السماء السابعة فقد علمت حكمة اختصاص كل نبى من تلك الأَنبياء بسماء وتلك الخصال المذكورة عنهم أيضا هى سبب لقاء النبى - صلى الله عليه وسلم - إِياهم دون سائر الأَنبياء وقيل إِن الأَنبياء كلهم امروا بملاقاته - صلى الله عليه وسلم - فمنهم من أدركه فى أول وهلة ومنهم من تأَخر فلحقه، ومنهم من فاته وقد قيل إِنه لم يرنوحا مع أنهُ من أُولى العزم أو أنهُ أبوه لأَن تلك الليلة رحمة، فناسب أن لا يرى من استأَصل قومهُ بالعذاب، وروى شريك عن أنس أن إِدريس فى الثانية وهارون فى العرابة وإِبراهيم فى السادسة وموسى فى السابعة بتفضيل كلام الله ولم أحفظ الباقى، وقال يزيد بن أبى ملك عن أنس كذلك لكنه قال هارون فى الرابعة وإِدريس فى الخامسة، وكذا قال بعض لكن قال يوسف فى الثانية ويحيى وعيسى فى الثالثة وقد يجمع بتعدد الإِسراء أو بأَن موسى كان حالة العروج فى السادسة وإِبراهيم فى السابعة وعند الهبوط كان موسى فى السابعة لأَنه هو الذى كلمه فيما يتعلق بما فرض على أُمته من الصلاة فناسب أن يكون فى السابعة لأَنها أول ما ينتهى إِليه الهبوط أو لقيه فى السادسة فأصعد معه إِلى السابعة تفضيلا له من أجل كلام الله, ظهرت فائدت ذلك فيما يتعلق بأمر أمته فى الصلاة والله أعلم، رأى أرواحهم إِلا عيسى وإِدريس فرأى روحيهما وجسديهما ويحتمل رؤيتهم فى بيت المقدس بأَرواحهم أو بها وبأَجسادهم أو عاين كلا فى قبره من الموضع الذى ذكرنا أنه رآه فيه، بأَن قوى الله بصره وبصيرته ولا ترجيح لوجه على الآخر إِذ القدرة صالحة لكل ثم قيل له - صلى الله عليه وسلم - هذا مكانك ومكان أُمتك وإِذا أمته شطران شطر عليهم ثياب كأَنها القراطيس وشطر عليهم ثياب رمد جمع أرمد أى أكدر، فدخل البيت المعمور ودخل معه الذين عليهم الثياب البيض وحجب الذين ثيابهم رمد، وهم على خير، فصلى ومن معه من المؤمنين ركعتين فيه أعلمه جبريل أنه يدخله أى من بابه الشرقى سبعون ألف ملك ويخرجون أى من الغربى ولا يعودون إِليه أبدا، قيل وفى ذلك إِشارة إِلى أنه إِذا دخل البيت الحرام بعد الهجرة لا يدخله إِلا يوم الفتح ثم لا يعادوه إِلا فى حجة الوداع وهكذا أوقع على الصحيح وفى رواية يدخله كل يوم سبعون وجيها مع كل وجيه سبعون ألف ملك والوجيهِ الرئيس ودل ذلك فى الروايتين أن الملائكة أكثر المخلوقات إِذ لا يعرف من جميع العوالم ما يتجدد من جنسهِ كل يوم ذلك العدد، والبيت المعمور بحذاء الكعبة لو خر لخر عليها وقيل فى البيت المعمور بالمؤمنين والأَنبياء والملائكة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم رفعت إِلى سدرة المنتهى أى أظهرت لى وإِليها ينتهى ما يعرج من الأَرض بواسطة الملائكة فيقبض عندها، وإِليها ينتهى ما يهبط من فوق فيقبض عندها وإِليها ينتهى ما يهبط من فوق فيقبض عندها، من أمر ونهى وحكم وعمل وغير ذلك مما يجرى على الخلق وما يصدر منهم وعندها تقف الحفظة وغيرهم ولا يتعدونها ولذلك سميت سدرة المنتهى، ولا يجاوزها من فوقها ولا من تحتها وقيل لأَنه ينتهى إِليها علم الخلق لا يعلم ما وراءها إِلا الله، وقيل لأَنه ينتهى إِليها من مات مؤمنا حقا من هذه الأُمة قال النووى لأَن علم الملائكة ينتهى إِليها ولم يجاوزها أحد إِلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكثر الأَخبار أنها لى السماء السابعة، وروى مسلم عن ابن مسعود أنها فى السادسة ويجمع بينهما بأَن أصلها فى السادسة وفروعها وأغصانها فى السابعة، وروى أن أغصانها تحت الكرسى. قال - صلى الله عليه وسلم - وإِذا هى شجرة يخرج من أصلها النهار من غير آسن بمد الهمزة وقصرها أى لا يتغير فيتبين وأنها من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ومراده بأَصلها، أصلها حقيقة أو ما يقرب منه يسير الراكب فى ظلها سبعين عاماً، وفى رواية مائة عام لا يقطعها، وروى مسلم عن أنس ثم ذهب بى إِلى سدرة المنتهى فإِذا ورقها كآذان الفيلة، وإِذا ثمرها كالقلال أى قلال هجر، كما صرح به فى روايات وهجر بفتحتين قرية من قرى المدينة، والفيلة بكسر الفاء وفتح الياء جمع فيلة بكسر فإِسكان والمراد أن شكل ثمارها وشكل أوراقها كما ذكر وإِلا فهى أعظم من ذلك ولكن مثل لهم بما يعرفون، روى تكاد الورقة منها تغطى هذه الأُمة، وروى الورقة منها تغطى الخلق على كل ورقة ملك يسبح الله تعالى، فغشيها ألوان لا يدرى ما هى فلما غشيها من أمر الله ما غشيها وهو الملائكة أو فَراش الذهب بفتح الفاء تغيرت إِلى حالة من الحسن غير التى كانت عليها، والمفرد فراشة وهى الطير الشبيه بالذباب يلقى نفسه فى ضوء السراج، والمراد هنا جراد حقيقة من ذهب والقدرة صالحة لذلك، كما ورد فى حديث يزيد ابن مالك، عن أنس، وقال البيضاوى: ذكر الفراش تمثيلا لأَن من شأَن الشجرة أن يسقط عليها الجراد وشبهه، وروى ثابت عن أنس عند مسلم فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها، وروى حميد عن أنس عند ابن مردويه، تحولت ياقوتاً وزبرجدا ومغرسها تراب من أرض الجنة أو الهواء أو لا مغرس لها، والله على كل شىءٍ قدير، وإِذا فى أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران، فقال ما هذه الأَنهار يا جبريل. قال: أما الباطنان فنهران فى الجنة أى الكوثر والسلسبيل، وأما الظاهران، فالنيل والفرات. قال القرطبى: ما فى الجنة نهر إِلا يخرج من أصل سدرة المنتهى قيل ولعلها مغروسة فى الجنة، والأَنهار من أصلها فيصح أن الأَنهار المذكورة من الجنة كما روى مسلم عن أبى هريرة: أربعة أنهار من الجنة، النيل والفرات وسيحان وجيحان، ومن خواص ماء الجنة أن من شربه لا يموت، وأنه لا فضلة له ولكن ذلك ما دام فى محله. قيل: والباطنان يبطنان ويغيبان فى الجنة بعد خروجهما من أصل السدرة، وذكر بعضهم أن النيل والفرات ينزلان من الجنة على أغصان سدرة المنتهى ثم ينزلان إِلى أصلها فإِلى السماوات وإِلى الأَرض، وعن أبى حاتم عن أنس أن جبريل عليه السلام انطلق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ظهر السماء السابعة حتى انتهى به إِلى الكوثر فوجد عليه طيراً خضراً أنعم طير، وعن أبى سعيد عند البيهقى فإِذا فيها عين تجرى يقال لها السلسبيل ينشق منها نهر الكوثر، ونهر الرحمة، ويروى أن تحت ساق العرش شجرة تشبه الرمان فيها أوراق على عدد أرواح الخلق، مكتوب فى كل ورقة اسم صاحبها وملك الموت ينظر إِليها فإِذا اصفرت منها ورقة علم قرب أجل صاحبها فيوجه إِليه أعوانه فإِذا سقطت قبض روحه. وفى بعض طرق هذا الأَثر أن سقوطها على ظهرها علامة حسن الخاتمة وعلى بطنها علامة سوء الخاتمة، أعاذنا الله من ذلك. وروى أن فى يمين العرش نهراً من نور يقال له الحيوان يدخله جبريل كل سحر يوم فينغمس ويغتسل فيه، فيزداد نوراً وجمالا ويخرج فينتفض فيخرج سبعون ألف قطرة بخلق الله من كل قطرة ملكاً وفيهم الذين يصلون فى البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألفاً ولا يعودون إِليه أبداً، وروى أن ثم ملائكة يسبحون الله تعالى فيخلق بكل تسبيحة ملكاً وهم غير ملائكة التعبد وغير ملائكة النبات والرزق والحفظ وتصير ابن آدم والسحاب وكتابة الناس يوم الجمعة والجنة والنار والتعاقب بالليل والنهار والتأْمين على قراة المصلى وقول ربنا ولك الحمد والدعاء المنتظر الصلاة ولعن من هجرت فراش زوجها، وفى السماء الأُولى ملائكة من ماء وريح عليهم ملك يقال له الرعد موكل بالسحاب والمطر، يقولون سبحان ذى الملك والملكوت، وفى الثانية ملائكة على ألوان شتى رافعين أصواتهم يقولون سبحان ذى العز والجبروت وفيها ملك نصفة نار، ونصفه ثلج فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار يقول يامن ألف بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين وأهل الثالثة يقولون سبحانك أنت الحى الذى لا يموت وهم صفوف كبنيان مرصوص لا يعرف أحدهم لون صاحبه من خشية الله، وأهل الرابعة يقولون سبوح قدوس ربنا الرحمن الذى لا إِله إلا الله وهم على ألوان شتى من العبادة يبعث الملك إِلى أمر فينصرف ولا يعرف الذى بجنبه من شدة العبادة، وأهل الخامسة ركوع وسجود لم يعرفوا أبصارهم إِلى يوم القيامة، فإِذا كان يوم القيامة قالوا: ربنا لم نعبدك حق عبادتك، وأهل السادسة عليهم ملك جنده سبعون ألف ملك وكل واحد جنده سبعون ألف ملك وأهل كل سماء على ضعف التى تحتها والسابعة على أضعاف لا تحصى، ولحملة العرش وجوه وأعين لكل واحد لا يشبه بعضها بعضاً يتجاوبون بصوت حسن رخيم، يقول أربعة منهم سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، وأربعة سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك تطبق الدنيا بريشة واحد منهم، وقيل هم فى الدنيا أربعة فقط وفى رواية حديث : أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى جبريل عند السدرة وله ستمائة جناح يتناثر من أجنحته الدر والياقوت مما لا يعلمه إلا الله ثم أخذ يسير جهة الكوثر حتى دخل الجنة فإِذا فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فرأى مكتوباً على بابها الصدقة بعشر والقرض بثمانية عشر، فقال يا جبريل: ما بال القرض أفضل من الصدقة. قال: لأَن السائل يسأَل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة أى غالباً. والمعتمد أن ذلك غير باق وأن الصدقة أفضل وإنما قال: ما بال.... الختفسير : . قبل أن يعلمه الله بأفضلية الصدقة وجمع ابن حجر بأن القرض أفضل من حيث الابتداء لما فيه من صون وجه من لا يعتاد السؤال عن السؤال والصدقة أفضل من حيث انتهاء لما فيها من عدم رد المقابل، ووجه تخصيص ثمانية عشر، أن درهم القرض بدرهمين من دراهم الصدقة كما ورد، ودرهم الصدقة بعشرة فدرهم القرض بعشرين اثنان أصل والبقية فضل ودرهم القرض يرجع مثله للمقرض وهو بدرهمين من جملة مبلغ أصله الدرهم المردود وعدله لما ورد أنه بدرهمين ومبلغ أصله عشرون يتأَخر للمقرض ثمانية عشر وإِنما لم تبطل يرجع أصلها، كما بطل ذلك الأَصل برجوعه له لأَنه محض فضل من الله الرحمن الرحيم، والباب الذى كتب فيه ذلك هو باب الزكاة للمناسبة ولذلك الزكاة وأبوابها ثمانية باب الصلاة وباب الزكاة وباب الصوم وباب الجهاد وباب التوبة وباب الراضين وباب الكاظمين الغيظ وباب من لا حساب عليهم، وقال رأيت رمان الجنة كالدلاء، وروى كجلود الإِبل المقتبة أى التى بأقتابها والعرب تتخذ جلد ناقة دلو فتناسب الروايتان، وطيرها كالبخاتى فى العظم وطول العنق والبختى البعير العظيم الطويل العنق ذكراً أو أنثى،حديث : قال أبو بكر: يا رسول الله إن تلك الطير لناعمة أى متنعمة. عرف أبو بكر ذلك بمحلها، قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكلتها بفتح الهمزة والكاف جمع آكل أنعم منها وإنى أرجو أن تأْكل منها، ورأى نهر الكوثر على حافته قباب الدر المجوف وإِذا طينه مسك أذفر كالمسك فى الرائحة وكالزعفران فى اللون، وقيل أبيض اللون وكل تراب الجنة أبيض وشرب منه وهو أبيض فوق اللبن وأحلى من العسل وهو غير حوضه الذى بعد النار وقبل الجنة على الراجح ثم عرضت عليه النار فإِذا فيها غضب الله ونقمته لو طرح فيها الحجارة والحديد لأَكلتها فإِذا قوم يأْكلون الجيف أى الميتات المنتنات فقال: من هؤلاء يا جبريل. قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس أى المغتابين، ورأى مالكاً خازن النار فإِذا هو رجل عابس يعرف الغضب فى وجهه رآه على صورة الرجل ولو كانت بصورته لم يطق أن ينظر إِليه ويحتمل أن يكون رآه على باب النار أو فيها إِذا لم تسلط عليه فبدأ مالك النبى - صلى الله عليه وسلم - بالسلام تعظيماً وإِزالة للوحشة. وفى رواية بدأه النبى - صلى الله عليه وسلم - وجمع بأَن هذه مرة ثانية ثم أغلقت النار دونه ولما رفع فوق سدرة المنتهى غشيته سحابة فيها من كل لون فتأَخر جبريل، فقال - صلى الله عليه وسلم - يا أخى يا جبريل: فى مثل هذا المحل يترك الخل خليله. فقال: إن تجاوزته احترقت بالنور وما منا إلا له مقام معلوم، ثم عرج به - صلى الله عليه وسلم - حتى وصل موضعاً مسترفعاً سمع فيه صرير الأَقلام أى صوتها، تنقل الملائكة من اللوح المحفوظ ما كتبه القلم فيه فى كتبهم بأقلامهم ورأى رجلا مغيباً فى نور العرش حقيقاً أو مثالا ترغيباً فى الذكر فقال: من هذا. أملك. قيل: لا. قال: أنبى. قيل: لا. قال: من هو. قيل: هذا رجل كان فى الدنيا لسانه رطب من ذكر الله وقلبه معلق بالمساجد ولم يستسب لوالديه قط، لم يتعرض لشتمهما بأَن يشتم والدى غيره فيسب والديهتفسير : . وعن ابن مسعود أن إِبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال للنبى - صلى الله عليه وسلم - يا نبى إنك لاق ربك الليلة وإن أمتك آخر الأُمم وأضعفها فإِن استطعت أن تكون حاجتك فى أمتك فافعل، وذكر بعضهم أنه لما قال جبريل إن جاوزته احترقت قال له رسول الله - صلى الله عليه سلم يا جبريل: هل لك من حاجة إِلى ربك. قال يا محمد: سل الله أن يبسط جناحى على الصراط لأُمتك حتى يجوز ولما كلمه الله سبحانه وتعالى هنالك بالوحى كما يكلمه به فى الأَرض قال له - صلى الله عليه وسلم - الله تبارك وتعالى وأين حاجة جبريل. فقال: اللهم إِنك أنت أعلم. فقال: يا محمد قد أجبته فيما سأَل ولكن فيمن أحبك وصحبك وظاهر ذلك ثبوت الصراط بمعنى الجسر الممدود على النار ولا مانع منه ولو شدد أصحابنا على من أثبته وإِنما الممنع تفسير الصراط المستقيم به فإِن الصراط المستقيم دين الحق ولم ير ربه، ومن زعم أنه رأى ربه سبحانه وتعالى فقط أعظم الله الفرية كما قال الربيع بن حبيب رحمه الله من عائشة ومثله فى صحيح البخارى ومسلم بلا وحى الله جل جلاله إِليه. سل. فقال: إِنك اتخذت إِبراهيم خليلاً وأعطيته ملكاً عظيماً، أى الجمع بين سياسة الدنيا وشرع الدين، والملك فى ذريته لسليمان وكلمت موسى تكليماً وأعطيت داود ملكاً عظيماً أى إِباحة النساء فكان له مائة امرأة وألنْتَ له الحديد وسخرت له الجبال للتسبيح وأعطيت سليمان ملكاً عظيماً سخرت له الجن والإِنس والرياح وأعطيته ملكاً لا ينبغى لأَحد من بعده وعلمت عيسى التوراة والإِنجيل وجعلته يبرئ الأَكمه والأَبرص ويحيى الموتى بإِذنك وأعذتهُ وأمهُ من الشيطان الرجيم. قال بعض العلماء: قال عيسى عليه السلام: أعيانى مداوة الأَحمق ولم يعينى مداوة الأَكمه والأَبرص وإِن ملك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك أعظم من ملك سليمان لأَنه أعطى مفاتيح خزائن الأَرض وجبال تهامة وبطحاء مكة ذهباً وفضة فأَباها، فقال: يا رب أجوع يوماً وأشبع يوماً، فأَشكرك إِذ شبعت وأتضرع إِليك إِذا جعت. ولما كان قوله - صلى الله عليه وسلم - إِنك اتخذت إِبراهيم خليلا الخ متضمناً للسؤال ولا سيما أنه مجيب لربه إِذ قال له: سل أجابه الله سبحانه وتعالى بأنى قد اتخذتك حبيباً، قال القليوبى الحبيب أعلى رتبة من الخليل والمحبة أرفع من الخلة، والخلة لازمة للمحبة خلافاً لبعضم وهو مكتوب فى التوراة حبيب الله وأرسلتك للناس كافة بشيراً ونذيراً وشرحت لك صدرك ووضعت عنك وزرك ورفعت لك ذكرك لا أذكر إلا ذكرت معى وجعلت أمتك خير أمه أخرجت للناس، وجعلت أمتك وسطاً وجعلت أمتك هم الأَولون وهم الآخرون وجعلت أمتك لا تجوز، أى لا تكمل لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدى ورسولى وجعلت من أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم أى محل أناجيلهم جمع إِنجيل والمراد القرآن، أى يحفظونه فى قلوبهم وجعلتك أول النبيين خلقاً وآخرهم بعثاً وأولهم يقضى له بالانصراف من المحشر وبدخول الجنة وأعطيتك سبعاً من المثانى لم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبياً قبلك وأعطيتك الكوثر وأعطيتك ثمانية أسهم الإسلام والهجرة والجهاد والصدقة وصوم رمضان والأَمر بالمعروف والنهى عن المنكر وأى يوم خلقت السماوات والأَرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فقم بها أنت وأمتك والأَكثر على أن صوم رمضان من خصوصية هذه الأُمة على أن الضمير فى قوله عز وعلا: كما كتب على الذين من قبلكم، لمجرد الصوم والمختص به من الأَمر والنهى استمرار وجوبهما بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودخل فى المعروف الواجب والمندوب والمستحب وفى المنكر ما كان حراماً أو مكروها أو خلاف الأُولى والإِسلام اختص باسمه هذه الأُمة عن الأُمم لا عن الأَنبياء فإِنهم قد اتصفوا بها، وفى رواية وأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلوات الخمس أى بحسب آخر الأَمر وأما أولا فكانت خمسين أو بحسب الأَول والآخر لأَن الخمسين هى الخمس لأَن الحسنة بعشر وأعطى خواتم سورة البقرة وغفر لنا لم يشرك بالله شيئاً للقحطان أى الكبائر بمجرد التوبة وشروطها بلا قطع عضو عصى به ونحو ذلك، ثم انجلت عنه السحابة المسماة بالرفوف الأَخضر وبحجاب النور وأخذ بيده جبريل فانصرف سريعاً فأتى على إِبراهيم فلم يقل شيئاً ثم أتى على موسى فرده ليراجع ربه فى أمر الصلاة كما يأْتى وذلك أن إِبراهيم خليل ومقام الخلة التسليم وموسى كليم ومقام المكالمة المراجعة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعم الصاحب كان لكم يعنى موسى. قال له: ما صنعت يا محمد، ما فرض ربك عليك وعلى أُمتك. قال: خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك أى إِلى موضع مناجاة ربك، فاسأَله التخفيف عنك وعن أمتك فإِن أمتك لا تطيق ذلك فإِنى قد خبرت الناس قبلك، وبلوت بنى إِسرائيل وهم مراده بالناس والعطف تفسير وعالجتهم أشد المعالجة على أدنى من هذا يعنى ركعتين بالعداة وركعتين بالعشى، وقيل ركعتان بالزوال لا خمسون صلاة، كما قيل إِنها من الأَمر الذى كلفوه. وفيه حديث موضوع وقيل خاص لبعضهم. قال موسى: فضعفوا عنه وتركوه فأمتك أضعف أجساداً فى النحافة وأبداناً أى فى الطول وقلوبا أى فى الرقة وأبصاراً وأسماعاً وهما تابعان لقوة البدن وضعفه غالباً، وقول موسى ذلك المذكور من عدم الطاقة بحسب العادة، واستدل بعضهم به على أن الحكم بالعادة جائز، وإِنما قال إِن أمتك لا تطيق ذلك لأَن العجز مقصور عليها لا يتعداها إِلى نبينا ومقام النبوة لا يليق به العجز فإِن نبينا - صلى الله عليه وسلم يطيق ذلك وأكثر لما أعطى من الكمال ولا سيما أنه قال: جعلت قرة عينى فى الصلاة وتستشهد بقوله فإِنى قد خبرت الناس... الخ. فالتقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى جبريل يستشيره فيما قال موسى عليه السلام، فأَشار إِليه جبريل أن نعم إن شئت، فرجع سريعاً حتى انتهى إِلى الشجرة فغشيته السحابة وخر ساجداً، وقال: رب خفف عن أمتى فإِنها أضعف الأُمم ولم يقل وعنى أو عنها وعنى تأَدباً ولأَنه يفهم طلب التخفيف عنه، قال الله تبارك وتعالى: قد وضعت عنهم خمساً ولزم من الوضع عنهم الوضع عنه ثم انجلت السحابة ورجع إِلى موسى فقال: وضع عنى خمساً. فقال: ارجع إِلى ربك فاسأَله التخفيف فإِن أمتك لا تطيق ذلك فلم يزل يرجع بين موسى وبين موضع مناجاة ربه يحط عنه خمساً خمساً حتى قال: يا محمد. قال: لبيك وسعديك. قال: هن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة لا يبدل القول لدى أى أن الخمس هى الخمسون المأْمور بها أولا بلا نقص ولكن أظهر له أنها خمسون ثم ما زال يحط عنه إِظهاراً لكرمه وقبول شفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى أمته وفى ذلك دليل على أن كل صلاة مكررة عشر مرات فالظهر كانت عشرة أظهار كل واحدة أربع ركعات، وأن صلاة الحضر تامة خففت فى السفر وهو قول الجمهور وصححوه، قال ابن عباس: فرضت أربعاً إِلا المغرب فثلاثا وإِلا الصبح فاثنتين، وقال بعض فرضت اثنتان ثم زيد فى الحضر إِلا الفجر فلم يزد فيه وبه قال أصحابنا قال بعض: والحكمة فى كون الصلاة خمساً أن الحواس التى تقع بها المعصية خمس فيمحون معاصى الحواس وجعلت مثنى وثلاث ورباع لتوافق أجنحة الملائكة لتطير بها إِلى الله سبحانه وتعالى وفرضت ليلة الإِسرى لأَنه رأى فيها الملائكة متعبدين فمنهم قائم لا يقعد وراكع لا يسجد وساجد لا يقعد فجمع الله سبحانه ذلك لنا فى ركعة نصليها بإِخلاص. قال الله جل جلاله يعد الخط إِلى الخمس ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإِن عملها كتبت له عشرا أو من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً فإِن عملها كتبت سيئة واحدة، قوله فى الحسنة فلم يعملها المراد به أنه لم يعملها لمانع أو لغير مانع ويتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع فإِن كان خارجياً وقصد الذى هم مستمر فهى عظيمة القدر، وإن كان الترك من قبل الذى هم فهى دون ذلك فإِن قصد الأَغراض عنها جملة فالظاهر أنه لا تكتب له حسنة أصلا ولا سيما أن عمل بخلافها مثل أن يهم بأَن يتصدق درهماً فصرفه بعينه فى معصية وإِن قل هل تكتب بمجرد الهم قلت لا بد من العزم والتصميم ويحتمل أن تكتب بمجرد الهم زيادة فى الفضل، وكل من الهم والعزم والتصميم قلبى لكن يطلع سبحانه وتعالى الملائكة الحفظة على ذلك أو يجعل لذلك رائحة طيبة والوجهان فى الهم بالسيئة فإِن تركها الله كتبت له حسنة وإِن صمم على السيئة، كتبت له سيئة ولكن إِثم العامل أكبر من إِثم المصمم وإِنما اقتصر فى ذكر الحسنة على العشر لأَنه لا بد من العشر لكل حسنة مقبولة وإلا فالتضعيف يكون إِلى المبلغ مائة وضعفه وأضعاف كثيرة بسبب قوة الإِخلاص وبعد ذلك انجلت السحابة فنزل حتى انتهى إِلى موسى - صلى الله عليه وسلم عليهما - فأْخبره بذلك إِلا قوله ما يبدل القول لدى بدليل أن موسى أمره بالرجوع فإِنه قال له ارجع إِلى ربك الكريم فاسأَله التخفيف فإِن أمتك لا تطيق ذلك، فقال: قد راجعت ربى حتى استحييت منه ولكن أرضى وأسلم، فنادى مناد وهو ملك أو صوت خلقه فى الهوى حكاية عن الله جل جلاله أن قد أمضيت فريضتى وخففت عن عبادى وكأَنه موسى لم يوافق نبينا - صلى الله عليهما وسلم - على ترك الرجوع فنادى المنادى إِعلاماً بذلك له وذلك التخفيف واقع فى حقنا وحقه - صلى الله عليهِ وسلم - خلافاً للسيوطى فى قوله: أنه - صلى الله عليه وسلم - باق عليه فرض الخمسين. قال أبو هريرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : كان موسى عليه السلام أشدهم على حين مررت، وخيرهم لى حين رجعتتفسير : ، رواه الطبرانى والبزار. قال السهيلى: اعتنى موسى عليه السلام بهذه الأُمة وألح فى التخفيف عليها كما يعتنى بالقوم من هو منهم شفقة ورحمة لأَنه لما رأى فى المناجاة أمة صفتهم كذا صفتهم كذا فكان يقول: اللهم اجعلهم أمتى، اللهم اجعلهم أُمتى، فيقول الله جل جلاله: هى أمة محمد. قال: اللهم اجعلنى منهم، وإِن قلت هل فى نسخ الخمسين إِلى الخمس دليل على جواز النسخ قبل التبليغ، قلت: لا دليل فيه وذلك ممنوع إِجماعاً والنبى - صلى الله عليه وسلم - مكلف بذلك، وقد بلغه المالك فذلك نسخ فى حقه بعد التبليغ وقيل الفعل لجواز النسخ قبله وبعد التبليغ خلافا للمعتزلة وقد مر ما يدل على أنهُ لا نسخ فى ذلك أصلا ولكن بيان وإِيضاح فى كون الخمس قائمة مقام الخمسين بفضل الله وكرمه وأن الخمسين المأَمور بها أولا هى الخمس فمن صلى الخمس فقد صلى الخمسين فلم يتبدل القول. ثم قال له موسى: اهبط بسم الله ولم يمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا عليك بالحجامة، وفى رواية: مرأمتك بالحجامة ويجمع بأنهم الحجامة منه ومن أمته - صلى الله عليه وسلم - إِذا ظهرت مضرة الدم ولا سيما الأَرض الحارة كالحجاز ثم انحدر فقال لجبريل: مالى لم آت أهل سماء إلا رحبوا بى وضحكوا لى غير واحد سلمت عليه فرد على السلام ورحب بى ودعا لى ولم يضحك لى، فقال ذلك مالك خازن النار لم يضحك منذ خلق، ولو ضحك لأَحد لضحك لك ولما نزل إِلى سماء الدنيا نظر إِلى أسفل منها، فإِذا هو برهج ودخان وأصوات والرهج الغبار، فقال: ما هذا يا جبريل. قال: هذه الشياطين أى رهجهم ودخانهم وأصواتهم يحومون على أعين بنى آدم لا يتفكرون فى ملكوت السماوات والأَرض ولولا ذلك لرأوا العجائب المؤدية إِلى التوحيد والعبادة ثم ركب البراق منصرفاً إِلى مكة وهو معد له فى الأَرض أو تحت السماء الدنيا وتقدم قول بعضهم أنه عرج به إلى السماوات ويوافقهُ ما فى حياة الحيوان، وقول البوصيرى: شعر : وترقى به إِلى قاب قو سين قبلك السيادة القعساء تفسير : وصححوا أنه صعد على المعراج وقد يجمعوا بأنه صعد عليه راكباً على البراق والله أعلم. ويأْتى باقى الكلام إِن شاء الله تعالى عند قوله تبارك وتعالى: {أية : وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس} تفسير : فإِن المشركين كذبوا بالإِسراء وهددهم بقوله عز وجل: {إِنَّهُ هُوَ الْسَّمِيعُ} لتكذيبهم لأَقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعائه وكل صوت أى العليم بذلك كله {الْبَصِيرُ} العليم بأَفعال المكذبين وغيرهم والحافظ لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وقت إسرائه فى الليل.
اطفيش
تفسير : {سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ} سبحان اسم مصدر سبح بشد الباء، فهو بمعنى التسبيح نائب عن فعل الأمر، أى سبِّحوا الذى أسرى بعهده، أناب سبحان عن تسبيح، وأضيف للاسم الذى ينصب بسبحوا، وهكذا سبحان فى جميع القرآن، أمر بالتسبيح تنزيها عن صفة مخلوق مطلقا أو تنزيها بالصلاة، وما ذكرته فى التوحيد بالحجة مخالفا لهذا كلام نقلته بلا تأمل. كما أن بعضا قال: التقدير أُسبح إليه بصيغة المضارع، يقوله الله عن نفسه، وهو الذى ذكرته فى التوحيد بالحجة، وهو فى الكرخى، ونسبه للنحويين وجدت منه نسخة قديمة له أو قوبلت على خطه إلا أنه يحتمل أن يكون المراد أن يقول كل أحد عن نفسه: أسبِّح الله، ويقدر الماضى إِذا عطف بعده تعالى كما يجئ بعد فى هذه السورة. وأجاز بعض أن يكون سبحان مصدر سبح بلا تشديد، بمعنى بعد عن صفة السوء كغفران، وليس قياسا كما قيل، وشهر أن سبحان عَلَم للتسبيح، وأسرى لازم كسَرَى وهو أبلغ من سرى، وتعديته بتأويل أسرى ملائكته بعبده تكلف، وإنما تعدى بالباء أى صيَّر عبده ساريًا. وقال: بعبده لأن العبودية لله أشرف المقامات، وكان صلى الله عليه وسلم راغبًا فى اسم العبودية لله، وكان يقول: "حديث : أشرف الأسماء ما تعبد به"تفسير : ، أى ذكر فيه عبد، كعبد الله، وعبد العزيز، وعبد القادر، ولو قال بحبيبه أو نحوه لكان أقرب إلى أن تطريه الأمة كما أطرت النصارى المسيح وقالوا: إنه إِله أو إِنه ابن الله، وقد نهانا أن نطريه كما أطرت النصارى المسيح. {لَيْلاً}بعد صلاة العشاء أى فى ليل عظيم لا فيه كله، ولا فى نهار، ويجوز أن يكون ليلاً اسمًا لجزء منه، وبعض ليل ليل، كما أن بعض السوق سوق، وذلك حقيقة لا مجاز كما قيل: إن قصة الإسراء أربع ساعات أو ثلاث أو ساعة، وقيل: أن يسكن غصن شجرة صادمة أول الإسراء فتحرك قبل أن يبرد فراشه من سخونة الاضطجاع عليه، وهذا التعبيض بأنواعه حكمة ذكر الليل، مع أن لفظ الإسراء يدل عليه، وقد يجوز التجريد، بأن جرد عن بعض معناه، فكان بمعنى السير مطلقًا فقيّد بالليل، وما قدم أحق لزيادة الفائدة. {مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} بعد أن أسرت به الملائكة جبريل وميكائيل وغيرهما، من بيت أم هانئ بنت عمه، إِلى الحجر، ثم منه إلى زمزم، وشقوا بلا ألم ولا دم قلبه، وغسلوه ثلاثًا، وعاد كما كان، وأسروا به منه، هذا إلى من دعوى أن المراد بالمسجد الحرام مكة، فيشمل بيتها، والمسجد الحرام وهو يومئذ المطاف فقط، وحوله دور الناس وبيوتهم، ومن شاء شرع باب مسكنه فى المطاف، وأول من زاد فى المسجد عمر، وأتبعه غيره يشترون الدور ويدخلونها فى المسجد بلا رجوع فيها ولا شرط، وأما المطاف فمن الله لم يجر ملك أحد عليه. {إِلى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} القصى أى البعيد عن مكة، قيل: لأنه أبعد المساجد التى تزار من المسجد الحرام، وقيل: لأنه ليس بعده موضع عبادة، فهو أبعد مواضعها، وقيل: بعيد للزائرين، وقيل: المراد بعده عن الأقذار والخبائث وهو ضعيف لا دليل عليه، والظاهر أنه بُعد حسى، وأَنه هو خارج عن التفضيل، ولا خلاف أنه هو بيت المقدس، بنته الملائكة بعدما بنوا الكعبة بأربعين عاما، وبينه وبين مكة مسيرة ثلاثين يومًا وأكثر إِلى أربعين، وقيل: بنَى آدم بيت المقدس بعد الكعبة بأربعين عامًا، ويسمى بيت المقدس أى الطهر لأنه لم يعبد فيه، ولا حوله صنم، ولم يُبْنَ مسجد قبله فى الأرض. {الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ} بالثمار والأشدار والأنهار، وبأنه مقر الأنبياء، ومتعبّدهم ومهبط الملائكة والوحى، وقِبلة الأنبياء، ومحشر الخلق، وقد وصف الله الكعبة بالبركة إذ قال: "أية : إنَّ أول بيت وضع"تفسير : [آل عمران: 96] إلخ، وبركتها أعظم من بركة بيت المقدس بأضعاف كم فى آثار منها: أن الحسنة فى مكة بمائة ألف، وفى المدينة بعشرة آلاف، وفى بيت المقدس بألف، وروى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن الدجال لا يدخل مسجد مكة ومسجد المدينة وبيت المقدس والطور" تفسير : وأول مسجد وضع المسجد الحرام، ثم بيت المقدس، بينهما أربعون عاما. {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} دلائل وجودنا وقدرتنا وحكمتنا، ومن للتبعيض، وهذا البعض الذى أراه الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أعظم من الملكوت الذى أَراه إِبراهيم عليهما السلام، فإِنه رأى العرش والكرسى، والجنة والنار، وغيرهما مما لم ير إِبراهيم، ورأى فى كل سماء نبيا، ورأى خلقًا كالرجال راكبين على خيل بلق شاكى السلاح، يتبع بعض بعضًا طول كل واحد وطول فرسه ألف عام لا يرى آخرهم ولا أولهم، فسأَل جبريل عليه السلام فقال ذلك قوله عز وجل: "أية : وما يعلم جنود ربك إلاَّ هو"تفسير : [المدثر: 31]. وهكذا رآهم إذا هبطت وإِذا صعدت لا أدرى من أين يجيئون، ولا إِلى أين يذهبون، وصلى فى كل سماء ركعتين الأولى بـ "أية : قل يا أيها الكافرون" تفسير : [الكافرون: 1] والثانية بـ "أية : قل هو الله أحد" تفسير : [الإخلاص: 1] وصلى بالأنبياء وهم سبعة صفوف، ثلاثة صفوف مرسلون وذلك بأرواحهم وأجسامهم وقيل: بأرواحهم، وصلت معهم الملائكة وذلك قبل العروج على ما صح بعض، وقيل: بعده، وأسرى به إلى بيت المقدس لينال فضله كما قال: فضل المسجد الحرام، وينال فضل المدينة، ولأن باب السماء فوق بيت المقدس، ينزل معه كل يوم سبعون ألف ملك يستغفرون لمن زار بيت المقدس، ولأن الشام أرض المحشر، ولتتشرف به أرض المحشر، وفى لفظ: سبحان تنزيه وتعجيب، وكذا فيما بعده إلى هنا تعجيب. وأتمه بقوله: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} العليم بالأقوال والأصوات، {الْبَصِيرُ} العليم بالألوان والأعراض والأطوال، والغلظ والرقة والقصر، والحركات والسكنات، وبالاعتقاد، فهو يقرب سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم درجات، ويكرمه، وقيل: سميع لقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بصير بأفعاله، وذلك يتضمن التهديد لمن ينكر إسراءه من الكفار، وكان الإسراء إلى أرض المحشر ليطأها بقدمه للبركة على أمته إذا كانوا فيها، وليصلى خلقه فيها الأنبياء كلهم والملائكة، قيل: وروح كل مؤمن، والإسراء بجسده وروحه على الصحيح، لأنه أعظم فى الكرامة، ولو كان بروحه أو فى المنام لم يعتجب الكفار ذلك التعجب المفرط، ولم ينكروه ذلك الإنكار الكلى حتى ارتد بعض من آمن. نعم قيل سرى بروحه فى النوم قبل ذلك بسنتين، ثم سرى بجسده، ولم ير الله ولم يكن شئ مما يخالف صفات الله جل وعلا، سرى بدابة بيضاء تسمى البراق لصفائها أو سرعتها كالبرق، ليست بذكر ولا أنثى، وفى العبارة تذكر لمعنى الحيوان مثلا، وتؤنث لمعنى الدابة وهو من الجنة، سرى به من مكة إلى بيت المقدس، ومنه إلى كل سماء عروج، فذلك سبع، والثامن إلى سدرة المنتهى، والتاسع إلى الكرسى، والعاشر إلى العرش، حمل من الحِجر بين النوم واليقظة، فما استوى على البراق إلا استيقظ أو ذلك بعد ما صلى العشاء، وذلك قبل الهجرة بسنة. ولما كذبوه أخبرهم بصفة بيت المقدس وأبوابه بعد أن مثل له عند دار عقيل، إذ لم يراع وصفه حين كان فيه، وبصفة البعير الذى يقدم أَولا، والبعير الذى نفر فانكسر، وشربه ماء القدح، وصدق أبو بكر أول ما قيل له: إنه كان فى بيت المقدس، وقال: إن قال فقد صدق، وإنا لنصدقه فى خبر السماء من العرش بلحظة، فقيل سمى صديقًا لذلك. وقد قالت المهندسون: الشمس تساوى الأرض مائة ونيفًا وستين مقر، ومع ذلك نشاهد طلوعها بسرعة فى زمان لطيف، فكيف يستبعد الإسراء، وذكر بعض أن الإسراء فى ليلة والعروج فى ليلة، وبعض أن الإسراء فى اليقظة والعروج فى النوم، وبعض أن الإسراء وقع مرتين مرة بروحه، ومرة بجسده فى يقظة، وبعض أن الإسراء أربع مرات. والحق أنه مرة فى اليقظة يتصل به العروج فى ليلة واحدة، وقصتها طويلة بسطتها فى شرح القصيدة النونية: شعر : تيمم نجداً فى تلهفه الجانى يؤم رسول الله للإنس والجان تفسير : وفى هميان الزاد.
الالوسي
تفسير : بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} سبحان هنا على ما ذهب إليه بعض المحققين مصدر سبح تسبيحاً بمعنى نزه تنزيهاً لا بمعنى قال سبحان الله؛ نعم جاء التسبيح بمعنى القول المذكور كثيراً حتى ظن بعضهم أنه مخصوص بذلك وإلى هذا ذهب صاحب «القاموس» في «شرح ديباجة الكشاف»، وجعل سبحان مصدر سبح مخففاً وليس بذاك، وقد يستعمل علماً للتنزيه فيقطع عن الإضافة لأن الأعلام لا تضاف قياساً ويمنع من الصرف للعلمية والزيادة واستدل على ذلك بقول الأعشى:شعر : قد قلت لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر تفسير : وقال الرضيّ: لا دليل على علميته لأنه أكثر ما يستعمل مضافاً فلا يكون علماً وإذا قطع فقد جاء منوناً في الشعر كقوله:شعر : سبحانه ثم سبحاناً نعوذ به وقبلنا سبح الجودى والجمد تفسير : وقد جاء باللام كقوله:شعر : سبحانك اللهم ذو السبحان تفسير : ولا مانع من أن يقال في البيت الذي استدلوا به: حذف المضاف إليه وهو مراد للعلم به وأبقى المضاف على حاله مراعاة لأغلب أحواله أي التجرد عن التنوين كقوله:شعر : خالط من سلمى خياشيم وفا تفسير : انتهى. وظاهر كلام الزمخشري أنه علم للتسبيح دائماً وهو علم جنس لأن علم الجنس كما يوضع للذوات يوضع للمعاني فلا تفصيل عنده، وانتصر له صاحب «الكشف» فقال: إن ما ذهب إليه العلامة هو الوجه لأنه إذا ثبتت العلمية بدليلها فالإضافة لا تنافيها وليست من باب ـ زيد المعارك ـ لتكون شاذة بل من باب ـ حاتم طيِّئ وعنترة عبس ـ وذكر أنه يدل على التنزيه البليغ وذلك من حيث الاشتقاق من السبح وهو الذهاب والإبعاد من الأرض ثم ما يعطيه نقله إلى التفعيل ثم العدول عن المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة لا سيما وهو علم يشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن وما فيه من قيامه مقام المصدر مع الفعل فإن انتصابه بفعل متروك الإظهار ولهذا لم يجز استعماله إلا فيه تعالى أسماؤه وعظم كبرياؤه، وكأنه قيل: ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص فلا يكون اصطفاؤه لعبده الخصيص به إلا حكمة وصواباً انتهى. وأورد على ما ذكره أولاً أن منع إضافة العلم قياساً لم يفرق بين إضافة وإضافة فإن ادعى أن بعض الأعلام اشتهرت بمعنى كحاتم بالكرم فيجوز في نحوه الإضافة لقصد التخصيص ودفع العموم الطارىء فما نحن فيه ليس من هذا القبيل كما لا يخفى. وما ذكر من دلالته على التنزيه من جميع النقائص هو الذي يشهد له المأثور، ففي «العقد الفريد» حديث : عن طلحة قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله فقال: تنزيه لله تعالى عن كل سوءتفسير : . وقال الطيبـي في قول الزمخشري: إنه دل على التنزيه البليغ عن جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله تعالى إن ذلك مما يأباه مقام الإسراء إباء العيوف الورود وهو مزيف بل معناه التعجب كما قال في النور « »«الأصل في ذلك أن يسبح الله تعالى عند رؤية العجيب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه» وليس / بشيء، ففي «الكشف» أن التنزيه لا ينافي التعجب كما توهم واعترض، وجعله مداراً والتعجب تبعاً هٰهنا هو الوجه بخلاف آية النور، وذكر بعضهم أن الظاهر من كلام «الكشاف» في مواضع أنه لا يرتضي الجمع بين التنزيه والتعجب للمنافاة بينهما بل لأن كلاً منهما معنى مستقل فالجمع بينهما جمع بين معنى المشترك، وعلى الجمع فالوجه ما ذكر أنه الوجه فافهم. وقيل إن سبحان ليس علماً أصلاً بلا تفصيل ففيه ثلاثة مذاهب. وذكر بعضهم أنه في الآية على معنى الأمر أي نزهوا الله تعالى وبرئوه من جميع النقائص ويدخل فيها العجز عما بعد أو من العجز عن ذلك، والمتبادر اعتبار المضارع. والإسراء السير بالليل خاصة كالسرى فأسرى وسرى بمعنى وليست همزة أسرى للتعدية كما قال أبو عبيدة، وقال ابن عطية: الهمزة للتعدية والمفعول محذوف أي أسرى ملائكته بعبده، قال في «البحر»: وإنما احتاج إلى هذه الدعوى لاعتقاد أنه إذا كان أسرى بمعنى سرى لزم من كون الباء للتعدية مشاركة الفاعل للمفعول وهذا شيء ذهب إليه المبرد فإذا قلت: قمت بزيد يلزم منه قيامك وقيام زيد عنده وإذا جعلت الباء كالهمزة لا يلزم ذلك كما لا يخفى، وقال أيضاً: يحتمل أن يكون أسرى بمعنى سرى على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والأصل أسرى ملائكته وهو مبني على ذلك الاعتقاد أيضاً. وقال الليث: يقال أسرى لأول الليل وسرى لآخره وأما سار فالجمهور على أنه عام لا اختصاص له بليل أو نهار. وقيل إنه مختص بالنهار وليس مقلوباً من سرى. وإيثار لفظة العبد للإيذان بتمحضه صلى الله عليه وسلم في عبادته سبحانه وبلوغه في ذلك غاية الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية حسبما يلوح مبدأ الإسراء ومنتهاه. والعبودية على ما نص عليه العارفون أشرف الأوصاف وأعلى المراتب وبها يفتخر المحبون كما قيل:شعر : لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي تفسير : وقال آخر:شعر : بالله إن سألوك عني قل لهم عبدي وملك يدي وما أعتقته تفسير : وعن أبـي القاسم سليمان الأنصاري أنه قال: «لما وصل النبـي صلى الله عليه وسلم إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة أوحى الله تعالى إليه يا محمد بم نشرفك؟ قال: بنسبتي إليك بالعبودية فأنزل الله تعالى {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}» وجاء «قولوا عبد الله ورسوله»، وقيل إن في التعبير به هنا دون حبيبه مثلا سداً لباب الغلو فيه صلى الله عليه وسلم كما وقع للنصارى في نبيهم عليه السلام، وذكروا أنه لم يعبر الله تعالى عن أحد بالعبد مضافاً إلى ضمير الغيبة المشار به إلى الهوية إلا النبـي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك من الإشارة ما فيه، ومن تأمل أدنى تأمل ما بين قوله تعالى: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} وقوله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَاء مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا} تفسير : [الأعراف: 143] ظهر له الفرق التام بين مقام الحبيب ومقام الكليم صلى الله عليه وسلم وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً في هذه السورة ما يفهم منه الفرق أيضاً فلا تغفل. وإضافة {سُبْحَـانَ} إلى الموصول المذكور للأشعار بعلية ما في حيز الصلة للمضاف فإن ذلك من أدلة كمال قدرته وبالغ حكمته وغاية تنزهه تعالى عن صفات النقص. وقوله تعالى: {لَيْلاً} ظرف لأسرى، وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء وأنها بعض من أجزاء الليل ولذلك قرأ عبد الله وحذيفة {مِّنَ ٱلَّيْلِ} أي بعضه كقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ} تفسير : [الإسراء: 79]. واعترض بأن البعضية المستفادة من (من) التبعيضية هي البعضية في الأجزاء والبعضية المستفادة من التنكير البعضية / في الأفراد والجزئيات فكيف يستفاد من التنكير أن الإسراء كان في بعض من أجزاء الليل؟ فالصواب أن تنكيره لدفع توهم أن الإسراء كان في ليال أو لإفادة تعظيمه كما هو المناسب للسياق والسباق أي ليلاً أي ليل دنا فيه المحب إلى المحبوب وفاز مقام الشهود بالمطلوب. وأجاب عن ذلك بعض الكاملين بما لا يخفى نقصه. وقال بعض المحققين: إن ما ذكر قد نص عليه الشيخ عبد القاهر في «دلائل الاعجاز» ولا يرد عليه الاعتراض ابتداء. وتحقيقه على ما صرح به الفاضل اليمني نقلاً عن سيبويه وابن مالك أن الليل والنهار إذا عرفا كانا معياراً للتعميم وظرفاً محدوداً فلا تقول صحبته الليلة وأنت تريد ساعة منها إلا أن تقصد المبالغة كما تقول أتاني أهل الدنيا لناس منهم بخلاف المنكر فإنه لا يفيد ذلك فلما عدل عن تعريفه هنا علم أنه لم يقصد استغراق السرى له وهذا هو المراد من البعضية المذكورة ولا حاجة إلى جعل الليل مجازاً عن بعضه كما إنك إذا قلت جلست في السوق وجلوسك في بعض أماكنه لا يكون فيه السوق مجازاً كما لا يخفى، وقد أشار إلى هذا المدقق في «الكشف». وقيل: المراد بتنكيره أنه وقع في وسطه ومعظمه كما يقال جاءني فلان بليل أي في معظم ظلمته فيفيد البعضية أيضاً، وينافيه ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث، وزعم أن ذكر {لَيْلاً} للتأكيد أو تجريد الإسراء وإرادة مطلق السير منه ناشىء من قلة البضاعة كما لا يخفى. وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان حكمة كون الإسراء ليلاً. {مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الظاهر أن المراد به المسجد المشهور بين الخاص والعام بعينه وكان صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الحجر منه، فقد أخرج الشيخان والترمذي والنسائي من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا في الحجر وفي رواية في الحطيم بين النائم واليقظان إذ أتاني آت فشق ما بين هذه إلى هذه فاستخرج قلبـي فغسله ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يقال له البراق فحملت عليه» تفسير : الحديث، وفي بعض الروايات أنه جاءه جبريل وميكائيل عليهما السلام وهو مضطجع في الحجر بين عمه حمزة وابن عمه جعفر فاحتملته الملائكة عليهم السلام وجاؤوا به إلى زمزم فألقوه على ظهره وشق جبريل صدره من ثغرة نحره إلى أسفل بطنه بغير آلة ولا سيلان دم ولا وجود ألم ثم قال لميكائيل: ائتني بطست من ماء زمزم فأتاه به فاستخرج قلبه الشريف وغسله ثلاث مرات ثم أعاده إلى مكانه وملأه إيماناً وحكمة وختم عليه ثم خرج به إلى باب المسجد فإذا بالبراق مسرجاً ملجماً فركبه الخبر، ويعلم منه الجمع بين ما ذكر من أنه عليه الصلاة والسلام كان إذ ذاك في الحجر وما قيل إنه كان بين زمزم والمقام، وقيل: المراد به الحرم وأطلق عليه لإحاطته به فهو مجاز بعلاقة المجاورة الحسية والإحاطة أو لأن الحرم كله محل للسجود ومحرم ليس يحل فهو حقيقة لغوية والنكتة في هذا التعبير مطابقة المبدأ المنتهى. وكان صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في دار فاختة أم هانىء بنت أبـي طالب؛ فقد أخرج النسائي عن ابن عباس وأبو يعلى في «مسنده» والطبراني في الكبير من حديثها أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً في بيتها بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة عليها، وقال مثل لي النبيون فصليت بهم ثم خرج إلى المسجد وأخبر به قريشاً فمن مصفق وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً وارتد أناس ممن آمن به عليه الصلاة / والسلام وسعى رجال إلى أبـي بكر فقال: إن كان قال ذلك لقد صدق قالوا تصدقه على ذلك قال: إني أصدقه على أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء غدوة أو روحة فسمى الصديق، وكان في القوم من يعرف بين المقدس فاستنعتوه إياه فجلي له فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا: أما النعت فقد أصاب فيه فقالوا: أخبرنا عن عيرنا فهي أهم إلينا هل لقيت منها شيئاً؟ قال: نعم مررت بعير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيراً لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته وشربته ووضعته كما كان فاسألوا هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا؟ قالوا: هذه آية قال: ومررت بعير بني فلان وفلان وفلان راكبان قعوداً فنفر بعيرهما مني فانكسر فاسألوهما عن ذلك قالوا: هذه آية أخرى، ثم سألوه عن العدة والأحمال والهيئات فمثلت له العير فأخبرهم عن كل ذلك وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان قالوا: وهذه آية أخرى فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فجعلوا ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبوه إذ قال قائل: هذه الشمس قد طلعت وقال آخر: هذه العير قد أقبلت يقدمها بعير أورق فيها فلان وفلان كما قال فلم يؤمنوا وقالوا هذا سحر مبين قاتلهم الله أني يؤفكون وفي بعض الآثار أن أم هانىء قالت: فقدته صلى الله عليه وسلم وكان نائماً عندي فامتنع مني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش ويقال إنه تفرقت بنو عبد المطلب يلتمسونه ووصل العباس إلى ذي طوى وهو ينادي يا محمد يا محمد فأجابه صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي أعييت قومك أين كنت؟ قال: ذهبت إلى بيت المقدس قال: من ليلتك قال: نعم قال: هل أصابك الأخير؟ قال ما أصابني الأخير وقيل: غير ذلك. وكما اختلف في مبدأ الإسراء اختلف في سنته فذكر النووي في «الروضة» أنه كان بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر، وفي «الفتاوى» أنه كان سنة خمس أو ست من النبوة، ونقل عنه الفاضل الملا أمين العمري في شرح ذات الشفاء الجزم بأنه كان في السنة الثانية عشرة من المبعث. وعن ابن حزم دعوى الإجماع على ذلك. وضعف ما في «الفتاوى» بأن خديجة رضي الله تعالى عنها لم تصل الخمس وقد ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين. وقيل كان قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر، وقيل ثلاثة أشهر، ووقع في حديث شريك بن أبـي نمر عن أنس أنه كان قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم وقد خطأه غير واحد في ذلك، ونقل الحافظ عبد الحق في كتابه «الجمع بين الصحيحين» حديث شريك الواقع فيه ذلك بطوله، ثم قال: هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك عن أنس قد زاد فيه زيادة مجهولة وأتى بألفاظ غير معروفة. وقد روى حديث الإسراء عن أنس جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين كابن شهاب. وثابت البناني وقتادة فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث. وأجاب عن ذلك محيي السنة وغيره بما ستسمعه إن شاء الله تعالى. وكذا اختلف في شهره وليلته فقال النووي في «الفتاوى» كان في شهر ربيع الأول، وقال في شرح مسلم تبعاً للقاضي عياض: إنه في شهر ربيع الآخر، وجزم في «الروضة» بأنه في رجب، وقيل: في شهر رمضان، وقيل: في شوال، وكان على ما قيل الليلة السابعة والعشرين من الشهر وكانت ليلة السبت كما نقله ابن الملقن عن رواية الواقدي، وقيل: كانت ليلة الجمعة لمكان فضلها وفضل الإسراء، ورد بأن جبرائيل عليه السلام صلى بالنبـي صلى الله عليه وسلم أول يوم بعد الإسراء الظهر ولو كان يوم الجمعة لم يكن فرضها الظهر قاله محمد بن عمر السفيري، وفيه أن العمري ذكر في «شرح ذات الشفاء» / أن الجمعة والجنازة وجبتا بعد الصلوات الخمس، وفي «شرح المنهاج» للعلامة ابن حجر أن صلاة الجمعة فرضت بمكة ولم تقم بها لفقد العدد أو لأن شعارها الإظهار وكان صلى الله عليه وسلم بها مستخفياً، وأول من أقامها بالمدينة قبل الهجرة أسعد بن زرارة بقرية على ميل من المدينة. ونقل الدميري عن ابن الأثير أنه قال: الصحيح عندي أنها كانت ليلة الاثنين واختاره ابن المنير، وفي «البحر» قيل إن الإسراء كان في سبع عشرة من شهر ربيع الأول والرسول صلى الله عليه وسلم ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوماً، وحكي أنها ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر عن الجرمي، وهي على ما نقل السفيري عن الجمهور أفضل الليالي حتى ليلة القدر مطلقاً، وقيل هي أفضل بالنسبة إلى النبـي صلى الله عليه وسلم وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى أمته عليه الصلاة والسلام، ورد بأن ما كان أفضل بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم فهو أفضل بالنسبة إلى أمته عليه الصلاة والسلام فهي أفضل مطلقاً نعم لم يشرع التعبد فيها والتعبد في ليلة القدر مشروع إلى يوم القيامة والله تعالى أعلم. واختلف أيضاً أنه في اليقظة أو في المنام فعن الحسن أنه في المنام. وروى ذلك عن عائشة. ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، ولعله لم يصح عنها كما في «البحر»، وكانت رضي الله تعالى عنها إذ ذاك صغيرة ولم تكن زوجته عليه الصلاة والسلام، وكان معاوية كافراً يومئذ، واحتج لذلك بقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ} تفسير : [الإسراء: 60] لأن الرؤيا تختص بالنوم لغة، ووقع في حديث شريك المتقدم ما يؤيده، وذهب الجمهور إلى أنه في اليقظة ببدنه وروحه صلى الله عليه وسلم والرؤيا تكون بمعنى الرؤية في اليقظة كما في قول الراعي يصف صائداً:شعر : وكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر قلبا كان جماً بلاله تفسير : وقال الواحدي: إنها رؤية اليقظة ليلاً فقط وخبر شريك لا يعول عليه على ما نقل عن عبد الحق، وقال النووي: وأما ما وقع في رواية عن شريك «وهو نائم» وفي أخرى عنه «بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان» فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم ولا حجة فيه إذ قد يكون ذلك أول وصول الملك إليه وليس في الحديث ما يدل على كونه صلى الله عليه وسلم نائماً في القصة كلها. واحتج الجمهور لذلك بأنه لو كان مناماً ما تعجب منه قريش ولا استحالوه لأن النائم قد يرى نفسه في السماء ويذهب من المشرق إلى المغرب ولا يستبعده أحد، وأيضاً العبد ظاهر في الروح والبدن، وذهبت طائفة منهم القاضي أبو بكر والبغوي إلى تصديق القائلين بأنه في المنام والقائلين بأنه في اليقظة وتصحيح الحديثين في ذلك بأنّ الإسراء كان مرتين إحداهما في نومه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة فأسري بروحه توطئة وتيسيراً لما يضعف عنه قوى البشر وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } تفسير : [الإسراء: 60] ثم أسري بروحه وبدنه بعد النبوة؛ قال في «الكشف»: وهذا هو الحق وبه يحصل الجمع بين الأخبار. وحكى المازري في «شرح مسلم» قولاً رابعاً جمع به بين القولين فقال: كان الإسراء بجسده صلى الله عليه وسلم في اليقظة إلى بيت المقدس فكانت رؤية عين ثم أسري بروحه الشريفة عليه الصلاة والسلام منه إلى ما فوقه فكانت رؤيا قلب ولذا شنع الكفار عليه عليه الصلاة والسلام قوله: أتيت بيت المقدس في ليلتي هذه ولم يشنعوا عليه قوله فيما سوى ذلك ولم يتعجبوا منه لأن الرؤيا ليست محل التعجب، وليس معنى الإسراء / بالروح الذهاب يقظة كالانسلاخ الذي ذهب إليه الصوفية والحكماء فإنه وإن كان خارقاً للعادة ومحلاً للتعجب أيضاً إلا أنه أمر لا تعرفه العرب ولم يذهب إليه أحد من السلف. والأكثر على أن المعراج كالإسراء بالروح والبدن ولا استحالة في ذلك فقد ثبت بالهندسة أن مساحة قطر جرم الأرض ألفان وخمسمائة وخمسة وأربعون فرسخاً ونصف فرسخ وأن مساحة قطر كرة الشمس خمسة أمثال ونصف مثل لقطر جرم الأرض وذلك أربعة عشر ألف فرسخ وأن طرف قطرها المتأخر يصل موضع طرفه المتقدم في ثلثي دقيقة فتقطع الشمس بحركة الفلك الأعظم أربعة عشر ألف فرسخ في ثلثي دقيقة من ساعة مستوية. وذكر الإمام في «الأربعين» أن الأجسام متساوية في الذوات والحقائق فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على غيره من الأعراض لأن قابلية ذلك العرض إن كان من لوازم تلك الماهية فأينما حصلت حصل لزم حصول تلك القابلية فوجب أن يصح على كل منها ما يصح على الآخر، وإن لم يكن من لوازمها كان من عوارضها فيعود الكلام فإن سلم وإلا دار أو تسلسل وذلك محال فلا بد من القول بالصحة المذكورة والله تعالى قادر على جميع الممكنات فيقدر على أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبـي صلى الله عليه وسلم أو فيما يحمله. وقال العلامة البيضاوي: الاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الأرض مائة ونيفاً وستين مرة ثم إن طرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في أقل من ثانية إلى آخر ما قال، وما ذكرناه هو الصواب في التعبير فإن المقدمتين اللتين ذكرهما ممنوعتان، أما الأولى بأن النسبة التي ذكرها إنما هي نسبة جرم الشمس إلى جرم الأرض كما برهنوا عليه في باب مقادير الأجرام والأبعاد من «كتب الهيئة» لكنهم قالوا جرم الشمس مثل جرم الأرض مائة وستة وستين مرة وربع مرة وثمن مرة. والعلامة جعل ذلك نسبة القطر إلى القطر لأنه المتبادر مما بين الطرفين، وإرادة الجرم منه خلاف الظاهر جداً، وكان يكفيه لو أراد ذلك أن يقول: قرص الشمس ضعف كرة الأرض فأي معنى لما زاده، وأما الثانية فإن أراد بالثانية الثانية من دقيقة الدرجة الفلكية التي هي ستون دقيقة فمنعها بما حرره العلامة القطب الشيرازي في «نهاية الإدراك» حيث قال: مقدار الدرجة الواحدة من مقعر الفلك الأطلس بالأميال 9343593 ميلاً فالفلك الأعلى يقطع فيما مقداره من الزمان جزء واحد من خمسة عشر جزءاً من ساعة مستوية وهو ثلث خمسها هذا المقدار من الأميال فإذا تحرك مقدار دقيقة وهي جزء من تسعمائة جزء من ساعة مستوية كان قدر قطعه من المسافة 155718 ميلاً وسدس ميل وخمس ربع أو ربع خمس ميل، ولأن حين ما يبدو قرن الشمس إلى أن تطلع بالتمام يكون بقدر ما يعد واحد من واحد إلى ثلثمائة فبمقدار ما يعد ثلاثين يتحرك الفلك 155718 ميلاً وهو ألف وسبعمائة واثنان وثلاثون فرسخاً من مقعره والله تعالى أعلم بما يتحرك محدبه حينئذ فسبحان الله تعالى ما أعظم شأنه اهـ. وحاصل ذلك أن الفلك الأعظم يتحرك من ابتداء طلوع جرم الشمس إلى أن يطلع بتمامه سدس درجة وهو عشر دقائق من ستين دقيقة من درجة فلكية ومقدار مساحة هذه الدقائق 519600 أي خمسمائة ألف وتسعة عشر ألفا وستمائة فرسخ وإذا جعلنا هذه الدقائق ثواني كانت ستمائة ثانية فأين الأقل من ثانية. وإن أراد بالثانية الثانية من دقيقة الساعة التي هي ربع الدرجة الفلكية فسدس الدرجة هٰهنا يكون ثلثي دقيقة وإذا جعلنا ثلثي الدقيقة ثواني كانا أربعين ثانية وهذه الثواني هي الثواني الستمائة بعينها إلا أن المنجمين لما / جعلوا الساعة ستين دقيقة تسهيلاً للحساب والساعة عبارة عن خمسة عشر درجة فلكية اقتضى أن تكون الدرجة الفلكية وكل ثانية من ثواني دقيقة الساعة بخمسة عشر ثانية من ثواني دقيقة الدرجة الفلكية فالخلاف بين ثواني دقائق الدرجة الفلكية وثواني دقيقة الساعة اعتبار لفظي وأجاب عبد الرحمن الكردي الشهير بالفاضل بأن الثانية جزء من ستين جزأ من دقيقة والدقيقة قد تطلق على جزء من ستين جزأً من درجة وقد تطلق على جزء من ستين جزءاً من ساعة وقد تطلق على جزء من ستين جزأً من يوم بليلته، ومراد العلامة البيضاوي من الثانية الثانية الثالثة لا الثانية الأولى وهو ظاهر ولا الثانية الثانية كما ذهب إليه سعدي جلبـي وتبعه ابن صدر الدين، وفيه أنه يفهم منه أن الفلكيين قد يقسمون اليوم بليلته إلى ستين دقيقة كما يقسمونها إلى الساعات والدرجات والدقائق قسمة يتميز بها أجزاء الزمان ولم يقل بذلك أحد منهم وإنما ذكر ذلك بعضهم تسهيلاً لمعرفة الكسر الزائد على الأيام التامة من السنة لتعرف منه السنة الكبيسة في ثلاث سنين أو أربع سنين وهو بمعزل عما نحن فيه من قطع المسافة البعيدة بالزمان القليل ولو سلمنا ما زعمه كان ناقصاً من مدة حركة الفلك الأعظم من ابتداء طلوع قرص الشمس إلى انتهائه وهو ثلثا دقيقة هما أربعون ثانية وذلك جزء من تسعين جزأً من ساعة مستوية كما حرره العلامة الشيرازي، وما ذكره من أن الثانية من دقيقة اليوم بليلته عبارة عن أربعة وعشرين ثانية من ثواني دقيقة الساعة، وهي أقل من ثلثي دقيقة بستة عشر ثانية خطأ على خطأ تلك إذن قسمة ضيزى، نعم قد أصاب في الرد على الفاضلين وقد أخطأ الفاضل الأول في غير ذلك في هذا المقام كما لا يخفى على من وقف على كلامه وكان له أدنى اطلاع على كتب القوم، ولتداول هذا المبحث بين الطلبة وعدم وجدانهم من يبل غليلهم تعرضنا له بما نرجو أن يبل به الغليل. هذا والعلماء درجات والله تعالى الموفق لفهم الدقائق فتأمل مرة وثانية وثالثة فلعل الله سبحانه أن يفتح عليك غير ذلك. وما ذكر من تساوي الأجسام مبني على ما قيل على تركبها من الجواهر الفردة وفيه خلاف النظام والفلاسفة، والبحث في ذلك طويل، ولا يستدل على الاستحالة بلزوم الخرق والالتئام، وقد برهنوا على استحالة ذلك لأنا نقول: إن برهانهم على ذلك أوهن من بيت العنكبوت كما بين في محله، ولم تتعرض الآية لأنه صلى الله عليه وسلم كان في الإسراء به محمولاً على شيء لكن صحت الأخبار بأنه عليه الصلاة والسلام أسري به على البراق. {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلاْقْصَى} وهو بيت المقدس، ووصفه بالأقصى أي الأبعد بالنسبة إلى من بالحجاز، وقال غير واحد: إنه سمي به لأنه أبعد المساجد التي تزار من المسجد الحرام وبينهما نحو من أربعين ليلة، وقيل: لأنه ليس وراءه موضع عبادة فهو أبعد مواضعها، وقال ابن عطية: يحتمل أن يراد بالأقصى البعيد دون مفاضلة بينه وبين ما سواه وهو بعيد في نفسه للزائرين، وقيل المراد بعده عن الأقذار والخبائث. واختلف في ركوب جبريل عليه السلام معه فقيل: ركب خلفه عليه الصلاة والسلام، والصحيح أنه لم يركب بل أخذ بركابه وميكائيل يقود البراق. واختلف أيضاً في استمراره عليه عليه الصلاة والسلام في عروجه إلى السماء فقيل: عرج عليه، والصحيح أنه نصب له معراج فعرج عليه. وجاء في وصفه وعظمه ما جاء، ووهم الحافظ ابن كثير كما قال الحلبـي القائلين ومنهم صاحب «الهمزية» إن عروجه صلى الله عليه وسلم على البراق. ومن الأكاذيب المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم لما أراد العروج صعد على صخرة بيت المقدس وركب البراق فمالت الصخرة وارتفعت لتلحقه فأمسكتها الملائكة ففي طرف منها أثر قدمه الشريف وفي الطرف الآخر أثر أصابع الملائكة عليهم السلام فهي واقفة في الهواء / قد انقطعت من كل جهة لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض سبحانه وتعالى. وذكر العلائي في «تفسيره» أنه كان للنبـي عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء خمسة مراكب، الأول: البراق إلى بيت المقدس، الثاني: المعراج منه إلى السماء الدنيا، الثالث: أجنحة الملائكة منها إلى السماء السابعة، الرابع: جناح جبريل عليه السلام منها إلى سدرة المنتهى، الخامس: الرفرف منها إلى قاب قوسين، ولعل الحكمة في الركوب إظهار الكرامة وإلا فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يوصله إلى أي موضع أراد في أقل من طرفة عين، وقيل لم يكن إلا البراق من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والمعراج منه إلى حيث شاء الله تعالى وقد كان له عشر مراقي سبعة إلى السمٰوات والثامن إلى السدرة والتاسع إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام والعاشر إلى العرش والله تعالى أعلم. ومن العجائب ما سمعته عن الطائفة الكشفية - والعهدة على الراوي - أن للروح جسدين جسد من عالم الغيب لطيف لا دخل للعناصر فيه وجسد من عالم الشهادة كثيف مركب من العناصر والنبـي صلى الله عليه وسلم حين عرج به ألقى كل عنصر من عناصر الجسد العنصري في كرته فما وصل إلى فلك القمر حتى ألقى جميع العناصر ولم يبق معه إلا الجسد اللطيف فرقي به حيث شاء الله تعالى، ثم لما رجع عليه الصلاة والسلام رجع إليه ما ألقاه واجتمع فيه ما تفرق منه، ولعمري إنه حديث خرافة لا مستند له شرعاً ولا عقلاً. وذكر مولانا عبد الرحمن الدشتي ثم الجامي أن المعراج إلى العرش بالروح والجسد وإلى ما وراء ذلك بالروح فقط وأنشد بالفارسية:شعر : جو رفرف شد مشرف ازوجودش كرفت ازدست رفرف عرش زودش بدست عرش تن جون خرقه بكذاشت علم برلا مكان بـي خرقه افراشت كلى برد ندا زين دهليزه يست بدان دركاه وإلا دست بردست جهت رامهره ازششدر رهانيد مكانرا مركب ازتنكى جهانيد مكاني يافت خالي ازمكان نيز كه تن محرم نبودا نجا وجان نيز تفسير : ولم أقف على مستند له من الآثار وكأنه لاحظ أن العروج فوق العرش بالجسد يستدعي مكاناً، وقد تقرر عند الحكماء أن ما وراء العرش لا خلا ولا ملا وبه تنتهي الأمكنة وتنقطع الجهات. وقال بعضهم: أمر المعراج أجل من أن يكيف وماذا عسى يقال سوى أن المحب القادر الذي لا يعجزه شيء دعا حبيبه الذي خلقه من نوره إلى زيارته وأرسل إليه من أرسل من خواص ملائكته فكان جبريل هو الآخذ بركابه وميكائيل الآخذ بزمام دابته إلى أن وصل إلى ما وصل ثم تولى أمره سبحانه بما شاء حتى حصل فأي مسافة تطول على ذلك الحبيب الرباني وأي جسم يمتنع عن الخرق لذلك الجسد النوراني:شعر : جز بحزوى فثم عالم لطف من بقايا أجساده الأرواح تفسير : ومن تأمل في العين وإحساسها بالقريب والبعيد ولو كان فاقدها وذكر له حالها لأنكر ذلك إنكاراً ما عليه مزيد، وكذا في غير ذلك من آثار قدرة الله تعالى الظاهرة في الأنفس والآفاق والواقع على جلالة قدرها الاتفاق لم يسعه إلا تسليم ما نطقت به الآيات وصحت به الروايات، ويشبه كلام هذا البعض ما قاله بعض شعراء الفرس إلا أن فيه ميلاً إلى مذهب أهل الوحدة وهو قوله:شعر : / قصه بيرنك معراج ازمن بيدل مبرس قطره دريا كشت وبيغمر نميدا نم جه شد تفسير : والظاهر أن المسافة التي قطعها عليه الصلاة والسلام في مسيره كانت باقية على امتدادها، ويؤيد ذلك ما ذكره الثعلبـي في «تفسيره» في وصف البراق أنه إذا أتى وادياً طالت يداه وقصرت رجلاه وإذا أتى عقبة طالت رجلاه وقصرت يداه؛ وكانت المسافة في غاية الطول، ففي «عقائق الحقائق» كانت المسافة من مكة إلى المقام الذي أوحى الله تعالى فيه إلى نبيه عليه الصلاة والسلام ما أوحى قدر ثلثمائة ألف سنة، وقيل: خمسين ألفاً، وقيل غير ذلك، وأنه ليس هناك طي مسافة على نحو ما يثبته الصوفية وبعض الفقهاء للأولياء كرامة، وجَهَّلَ بعضُ الحنفية مثبتيه لهم وكَفَّرَهُم آخرون وليس له وجه ظاهر، وربما يلزم مثبتيه القول بتداخل الجواهر والفلاسفة والمتكلمون سوى النظام يحيلونه ويبرهنون على استحالته، وادعى بعضهم الضرورة في ذلك وقالوا: المنع مكابرة، وقد أثبت الصوفية للأولياء نشر الزمان ولهم في ذلك حكايات عجيبة والله تعالى أعلم بصحتها، ولم أر من تعرض لذلك من المتشرعين وهو أمر وراء عقولنا المشوبة بالأوهام، ومثله في ذلك قول من قال: الأزل والأبد نقطة واحدة الفرق بينهما بالاعتبار، وليس لفهم ذلك عندي إلا المتجردون من جلابيب أبدانهم وقليل ما هم، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة حكاية إنكار طي المسافة أيضاً وذكر ما فيه والله تعالى الموفق. وإنما أسري به صلى الله عليه وسلم ليلاً لمزيد الاحتفال به عليه الصلاة والسلام فإن الليل وقت الخلوة والاختصاص ومجالسة الملوك ولا يكاد يدعو الملك لحضرته ليلاً إلا من هو خاص عنده وقد أكرم الله تعالى فيه قوماً من أنبيائه عليهم السلام بأنواع الكرامات وهو كالأصل للنهار، وأيضاً الاهتداء فيه للمقصد أبلغ من الاهتداء في النهار، وأيضاً قالوا: إن المسافر يقطع في الليل ما لا يقطع في النهار ومن هنا جاء حديث : عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهارتفسير : ، وأيضاً أسري به ليلاً ليكون ما يعرج إليه من عالم النور المحض أبعد عن الشبه بما يعرج منه من عالم الظلمة وذلك أبلغ في الإعجاب. وقال ابن الجوزي في ذلك: إن النبـي صلى الله عليه وسلم سراج والسراج لا يوقد إلا ليلاً وبدر وكذا مسير البدر في الظلم إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها إلا الله تعالى. ثم إن الآية ليست نصاً في دخوله عليه الصلاة والسلام المسجد الأقصى إلا أن الأخبار الصحيحة نص في ذلك. وقوله سبحانه: {ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} صفة مدح وفيها إزالة اشتراك عارض. وبركته بما خص به من كونه متعبد الأنبياء عليهم السلام وقبلة لهم وكثرة الأنهار والأشجار حوله، وفي الحديث أنه تعالى بارك فيما بين العريش إلى الفرات وخص فلسطين بالتقديس، وقيل: بركته أن جعل سبحانه مياه الأرض كلها تنفجر من تحت صخرته والله تعالى أعلم بصحة ذلك، وهو أحد المساجد الثلاث التي تشد إليها الرحال، والأربع التي يمنع من دخولها الدجال فقد أخرج أحمد في «المسند» «أن الدجال يطوف الأرض إلا أربعة مساجد مسجد المدينة ومسجد مكة والأقصى والطور» والصلاة فيه مضاعفة فقد أخرج أحمد أيضاً وأبو داود وابن ماجه حديث : عن ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يا نبـي الله أفتنا في بيت المقدس قال: أرض المحشر والمنشر ائتوه وصلوا فيه فإن صلاة فيه بألف صلاةتفسير : . وفي رواية لأحمد حديث : عن بعض نسائه عليه الصلاة والسلام أنها قالت: يا رسول الله فإن لم تستطع إحدانا أن تأتيه قال: إذا لم تستطع إحداكن أن تأتيه فلتبعث إليه زيتاً يسرج فيه فإن من بعث إليه بزيت يسرج فيه / كان كمن صلى فيهتفسير : ، وروى بعضه أبو داود. وهو ثاني مسجد وضع في الأرض لخبر أبـي ذر قلت: حديث : يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟ قال: المسجد الحرام قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى قلت. كم بينهما قال: أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة فصل فإن الفضل فيهتفسير : ، وقد أسسه يعقوب عليه السلام بعد بناء إبراهيم عليه السلام الكعبة بما ذكر في الحديث وجدده سليمان أو أتم تجديد أبيه عليهما السلام بعد ذلك بكثير. والكلام فيما يتعلق بذلك مفصل في محله. {لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا} أي لنرفعه إلى السماء حتى يرى ما يرى من العجائب العظيمة، فقد صح حديث : أنه صلى الله عليه وسلم عرج به من صخرة بيت المقدس كما تقدم واجتمع في كل سماء مع نبـي من الأنبياء عليهم السلام تفسير : كما في «صحيح البخاري» وغيره، واطلع عليه الصلاة والسلام على أحوال الجنة والنار ورأى من الملائكة ما لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى. ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه الصلاة والسلام رأى ليلة المعراج في مملكة الله تعالى خلقاً كهيئة الرجال على خيل بلق شاكين السلاح طول الواحد منهم ألف عام والفرس كذلك يتبع بعضهم بعضاً لا يرى أولهم ولا آخرهم فقال يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: ألم تسمع قوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [المدثر: 31] فأنا أهبط وأصعد أراهم هكذا يمرون لا أدري من أين يجيئون ولا إلى أين يذهبون. وقد صلى صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم السلام في بيت المقدس، وقال في «العقائق» وكانت صلاته عليه الصلاة والسلام بهم ركعتين قرأ في الأولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الإخلاص؛ وقال بعضهم: كانت دعاء، وذكر أن الأنبياء كانوا سبعة صفوف ثلاثة منهم مرسلون وأن الملائكة عليهم السلام صلت معهم وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام كما قال القاضي زكريا في «شرح الروض»، والحكمة في ذلك أن يظهر أنه إمام الكل عليه الصلاة والسلام. وهل صلى بأرواحهم خاصة أو بها مع الأجساد فيه خلاف. وكذا اختلف في أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم قبل العروج أو بعده فصحح الحافظ ابن كثير أنه بعده وصحح القاضي عياض وغيره أنه قبله، وجاء في رواية أنه عليه الصلاة والسلام صلى في كل سماء ركعتين يؤم أملاكها، وكان الإسراء والعروج في بعض ليلة واحدة، وكان رجوعه صلى الله عليه وسلم على ما كان ذهابه عليه ولم يعين مقدار ذلك البعض، وكيفما كان فوقوع ما وقع فيه من أعجب الآيات وأغرب الكائنات، وفي بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم لما رجع وجد فراشه لم يبرد من أثر النوم، وقيل: إن غصن شجرة أصابه بعمامته في ذهابه فلما رجع وجده بعد يتحرك. وزعم بعضهم أن ليلة الإسراء غير ليلة المعراج وظاهر الآية على ما سمعت يقتضي أنهما في ليلة واحدة؛ وإنما أسري به صلى الله عليه وسلم أولاً إلى بيت المقدس وعرج به ثانياً منه ليكون وصوله إلى الأماكن الشريفة على التدريج فإن شرف بيت المقدس دون شرف الحضرة التي عرج إليها على ما قيل، وقيل: توطيناً له عليه الصلاة والسلام لما في المعراج من الغرابة العظيمة التي ليست في الإسراء وإن كان غريباً أيضاً، وقيل: لتتشرف به أرض المحشر ذهاباً وإياباً، وقيل: لأن باب السماء الذي يقال مصعد الملائكة عليهم السلام على مقابلة صخرة بيت المقدس فقد نقل عن كعب الأحبار أنه قال: إن لله تعالى باباً مفتوحاً من سماء الدنيا إلى بيت المقدس ينزل منه كل يوم سبعون ألف ملك يستغفرون لمن أتى بيت المقدس وصلى فيه فأسري به صلى الله عليه وسلم إلى هناك أولاً ثم عرج به ليكون صعوده على الاستواء، وقيل: إن اسطوانات المسجد قالت ربنا حصل لنا من كل نبـي حظ وقد اشتقنا إلى / محمد صلى الله عليه وسلم فأرزقنا لقاءه فبدىء بالإسراء به إلى المسجد تعجيلاً للإجابة، وقيل: غير ذلك. وعبر بمن الدالة على التبعيض لأن إراءة جميع آيات الله تعالى لعدم تناهيها مما لا تكاد تقع ولو قيل آياتنا لتبادر الكل، وربما يستعان بالمقام على إرادته واستشكل بأنه كيف يرى نبينا صلى الله عليه وسلم بعض الآيات ويرى إبراهيم عليه السلام ملكوت السمٰوات والأرض كما نطق به قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [الأنعام: 75] وفرق بين الحبيب والخليل، وأجيب بأن بعض الآيات المضافة إليه تعالى أشرف وأعظم من ملكوت السمٰوات والأرض كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءايَـٰتِ رَبّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [النجم: 18]. وقال الخفاجي: السؤال غير وارد لأن ما رآه إبراهيم عليه السلام ما فيها من الدلائل والحجج وليس ذلك مقاوماً للمعراج فتأمل. وقال ابن عطية: «يحتمل أن يكون معنى الآية لنري محمداً صلى الله عليه وسلم للناس آية من آياتنا أي ليكون عليه الصلاة والسلام آية في أنه يصنع الله تعالى ببشر هذا الصنع»، ويندفع بهذا السؤال المذكور إلا أنه احتمال في غاية البعد. ثم لا يخفى أنه ليس في الآية إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء إذ لا يصدق عليه تعالى أنه من آياته بل لا يصدق سبحانه أنه آية، نعم مثبتو الرؤية يحتجون بغير ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وكذا ليست الآية نصاً في المعراج بل هي نص في الإسراء دونه إذ يجوز حمل بعض الآيات على ما حصل له صلى الله عليه وسلم في الإسراء فقط بل قال بعضهم: ليس في الآيات مطلقاً ما هو نص في ذلك، من هنا قالوا: الإسراء إلى بيت المقدس قطعي ثبت بالكتاب فمن أنكره فهو كافر والمعراج ليس كذلك فمن أنكره فليس بكافر بل مبتدع؛ وكأنه سبحانه إنما لم يصرح به كما صرح بالإسراء رحمة بالقاصرين على ما قيل. وفي «التفسير الخازني» أن فائدة ذكر المسجد الأقصى فقط دون السماء أنه لو ذكر صعوده عليه الصلاة والسلام لاشتد إنكارهم لذلك فلما أخبر أنه أسري به إلى بيت المقدس وبان لهم صدقه فيما أخبر به من العلامات التي فيه وصدقوه عليها أخبر بعد ذلك بمعراجه إلى السماء فكان الإسراء كالتوطئة للمعراج اهـ، وهذا ظاهر في الخبر الوارد في هذا الباب لا في الآية لأنه لم يخبر فيها بالمعراج كما أخبر فيها بالإسراء دلالة، وقيل: إن الإشارة بعد ذلك التصريح كافية فتدبر. وصرف الكلام من الغيبة التي في قوله سبحانه: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} إلى صيغة المتكلم المعظم في {بَارَكْنَا} و{لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا} لتعظيم البركات والآيات لأنها كما تدل على تعظيم مدلول الضمير تدل على عظم ما أضيف إليه وصدر عنه كما قيل إنما يفعل العظيم العظيم. وقد ذكروا لهذا التلوين نكتة خاصة وهي أن قوله تعالى: {ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} يدل على مسيره عليه الصلاة والسلام من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فهو بالغيبة أنسب وقوله تعالى: {بَارَكْنَا حَوْلَهُ} دل على إنزال البركات فيناسب تعظيم المنزل والتعبير بضمير العظمة متكفل بذلك. وقوله سبحانه: {لِنُرِيَهُ} على معنى بعد الاتصال وعز الحضور فيناسب التكلم معه، وأما الغيبة فلكونه صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ليس من عالم الشهادة ولذا قيل إن فيه إعادة إلى مقام السر والغيبوبة من هذا العالم والغيبة بذلك أليق وقوله تعالى: {مِنْ ءايَـٰتِنَا} عود إلى التعظيم كما سبقت الإشارة إليه. وأما الغيبة في قوله عز وجل: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ } على تقدير كون الضمير له تعالى كما هو الأظهر وعليه الأكثر فليطابق قوله تعالى: {بِعَبْدِهِ} ويرشح ذلك الاختصاص بما يوقع هذا الالتفات أحسن مواقعه وينطبق عليه التعليل أتم انطباق إذ المعنى قربه وخصه بهذه الكرامة لأنه سبحانه مطلع على أحواله عالم باستحقاقه لهذا المقام. قال الطيبـي: أنه هو السميع / لأقوال ذلك العبد البصير بأفعاله بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الهوى مقرونة بالصدق والصفا مستأهلة للقرب والزلفى، وأما على تقدير كون الضمير للنبـي صلى الله عليه وسلم كما نقله أبو البقاء عن بعضهم وقال: أي السميع لكلامنا البصير لذاتنا، وقال الجلبـي: إنه لا يبعد، والمعنى عليه إن عبدي الذي شرفته بهذا التشريف هو المستأهل له فإنه السميع لأوامري ونواهي العامل بهما البصير الذي ينظر بنظرة العبرة في مخلوقاتي فيعتبر أو البصير بالآيات التي أريناه إياها كقوله تعالى: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم: 17] فقيل لمطابقة الضمائر العائدة عليه وكذا لما عبر به عنه من قوله سبحانه: {عَبْدِهِ}، وقيل: للإشارة إلى اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالمنح والزلفى وغيبوبة شهوده في عين بـي يسمع وبـي يبصر، ولا يمتنع إطلاق السميع والبصير على غيره تعالى كما توهم لا مطلقاً ولا هنا، قال الطيبـي: ولعل السر في مجيء الضمير محتملاً للأمرين الإشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم إنما رأى رب العزة وسمع كلامه به سبحانه كما في الحديث المشار إليه آنفاً فافهم تسمع وتبصر. وتوسيط ضمير الفصل إما لأن سماعه تعالى بلا أذن وبصره بلا عين على نحو لا يشاركه فيه تعالى أحد وإما للإشعار باختصاصه صلى الله عليه وسلم بتلك الكرامة. وزعم ابن عطية «أن قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} وعيد للكفار على تكذيبهم النبـي صلى الله عليه وسلم في أمر الإسراء أي إنه هو السميع لما تقولون أيها المكذبون البصير بما تفعلون فيعاقبكم على ذلك». وقرأ الحسن {لِيُرِيَهُ} بياء الغيبة ففي الآية حينئذٍ أربع التفاتات.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة ـ سورة الإسراء ـ مكية، وهي تبدأ بتسبيح الله وتنتهي بحمده؛ وتضم موضوعات شتى معظمها عن العقيدة؛ وبعضها عن قواعد السلوك الفردي والجماعي وآدابه القائمة على العقيدة؛ إلى شيء من القصص عن بني إسرائيل يتعلق بالمسجد الأقصى الذي كان إليه الإسراء. وطرف من قصة آدم وإبليس وتكريم الله للإنسان. ولكن العنصر البارز في كيان السورة ومحور موضوعاتها الأصيل هو شخص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وموقف القوم منه في مكة. وهو القرآن الذي جاء به، وطبيعة هذا القرآن، وما يهدي إليه، واستقبال القوم له. واستطراد بهذه المناسبة إلى طبيعة الرسالة والرسل، وإلى امتياز الرسالة المحمدية بطابع غير طابع الخوارق الحسية وما يتبعها من هلاك المكذبين بها. وإلى تقرير التبعة الفردية في الهدى والضلال الاعتقادي، والتبعة الجماعية في السلوك العملي في محيط المجتمع.. كل ذلك بعد أن يعذر الله ـ سبحانه ـ إلى الناس، فيرسل إليهم الرسل بالتبشير والتحذير والبيان والتفصيل {وكل شيء فصلناه تفصيلا}. ويتكرر في سياق السورة تنزيه الله وتسبيحه وحمده وشكر آلائه. ففي مطلعها: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى...} وفي أمر بني إسرائيل بتوحيد الله يذكرهم بأنهم من ذرية المؤمنين مع نوح {إنه كان عبداً شكورا}.. وعند ذكر دعاوى المشركين عن الآلهة يعقب بقوله: {أية : سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولـكن لا تفقهون تسبيحهم}.. تفسير : وفي حكاية قول بعض أهل الكتاب حين يتلى عليهم القرآن: {أية : ويقولون: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا}.. تفسير : وتختم السورة بالآية {أية : وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا }. تفسير : في تلك الموضوعات المنوعة حول ذلك المحور الواحد الذي بيّنا، يمضي سياق السورة في أشواط متتابعة. يبدأ الشوط الأول بالإشارة إلى الإسراء: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} مع الكشف عن حكمة الإسراء {لنريه من آياتنا}.. وبمناسبة المسجد الأقصى يذكر كتاب موسى وما قضى فيه لبني إسرائيل، من نكبة وهلاك وتشريد مرتين، بسبب طغيانهم وإفسادهم مع إنذارهم بثالثة ورابعة {وإن عدتم عدنا}.. ثم يقرر أن الكتاب الأخير ـ القرآن ـ يهدي للتي هي أقوم، بينما الإنسان عجول مندفع لا يملك زمام انفعالاته. ويقرر قاعدة التبعة الفردية في الهدى والضلال، وقاعدة التبعة الجماعية في التصرفات والسلوك. ويبدأ الشوط الثاني بقاعدة التوحيد، ليقيم عليها البناء الاجتماعي كله وآداب العمل والسلوك فيه، ويشدها إلى هذا المحور الذي لا يقوم بناء الحياة إلا مستنداً إليه. ويتحدث في الشوط الثالث عن أوهام الوثنية الجاهلية حول نسبة البنات والشركاء إلى الله، وعن البعث واستبعادهم لوقوعه، وعن استقبالهم للقرآن وتقولاتهم على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويأمر المؤمنين أن يقولوا قولاً آخر، ويتكلموا بالتي هي أحسن. وفي الشوط الرابع يبين لماذا لم يرسل الله محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالخوارق فقد كذب بها الأولون، فحق عليهم الهلاك اتباعاً لسنة الله؛ كما يتناول موقف المشركين من إنذار الله لهم في رؤيا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتكذيبهم وطغيانهم. ويجيء في هذا السياق طرف من قصة إبليس، وإعلانه أنه سيكون حرباً على ذرية آدم. يجيء هذا الطرف من القصة كأنه كشف لعوامل الضلال الذي يبدو من المشركين. ويعقب عليه بتخويف البشر من عذاب الله، وتذكيرهم بنعمة الله عليهم في تكريم الإنسان، وما ينتظر الطائعين والعصاة يوم ندعو كل أناس بإمامهم: {أية : فمن أوتي كتابه بيمينه فأولـئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا. ومن كان في هـذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا }. تفسير : ويستعرض الشوط الأخير كيد المشركين للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومحاولة فتنته عن بعض ما أنزل إليه ومحاولة إخراجه من مكة. ولو أخرجوه قسراً ـ ولم يخرج هو مهاجراً بأمر الله ـ لحل بهم الهلاك الذي حل بالقرى من قبلهم حين أخرجت رسلها أو قتلتهم. ويأمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يمضي في طريقه يقرأ قرآنه ويصلي صلاته، ويدعو الله أن يحسن مدخله ومخرجه ويعلن مجيء الحق وزهوق الباطل، ويعقب بأن هذا القرآن الذي أرادوا فتنته عن بعضه فيه شفاء وهدى للمؤمنين، بينما الإنسان قليل العلم {أية : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا }. تفسير : ويستمر في الحديث عن القرآن وإعجازه. بينما هم يطلبون خوارق مادية، ويطلبون نزول الملائكة، ويقترحون أن يكون للرسول بيت من زخرف أو جنة من نخيل وعنب، يفجر الأنهار خلالها تفجيراً! أو أن يفجر لهم من الأرض ينبوعاً. أو أن يرقى هو في السماء ثم يأتيهم بكتاب مادي معه يقرأونه.. إلى آخر هذه المقترحات التي يمليها العنت والمكابرة، لا طلب الهدى والاقتناع. ويرد على هذا كله بأنه خارج عن وظيفة الرسول وطبيعة الرسالة، ويكل الأمر إلى الله. ويتهكم على أولئك الذين يقترحون هذه الاقتراحات كلها بأنهم لو كانوا يملكون خزائن رحمة الله ـ على سعتها وعدم نفادها ـ لأمسكوا خوفاً من الإنفاق! وقد كان حسبهم أن يستشعروا أن الكون وما فيه يسبح لله، وأن الآيات الخارقة قد جاء بها موسى من قبل فلم تؤد إلى إيمان المتعنتين الذين استفزوه من الأرض، فأخذهم الله بالعذاب والنكال. وتنتهي السورة بالحديث عن القرآن والحق الأصيل فيه. القرآن الذي نزل مفرقاً ليقرأه الرسول على القوم زمنا طويلاً بمناسباته ومقتضياته، وليتأثروا به ويستجيبوا له استجابة حية واقعية عملية. والذي يتلقاه الذين أوتوا العلم من قبله بالخشوع والتأثر إلى حد البكاء والسجود. ويختم السورة بحمد الله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل. كما بدأها بتسبيحه وتنزيهه. وقصة الإسراء ـ ومعها قصة المعراج ـ إذ كانتا في ليلة واحدة ـ الإسراء من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس. والمعراج من بيت المقدس إلى السماوات العلى وسدرة المنتهى، وذلك العالم الغيبي المجهول لنا.. هذه القصة جاءت فيها روايات شتى؛ وثار حولها جدل كثير. ولا يزال إلى اليوم يثور. وقد اختلف في المكان الذي أسري منه، فقيل هو المسجد الحرام بعينه ـ وهو الظاهر ـ وروى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم - "حديث : بينما أنا في المسجد في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل عليه السلام بالبراق"تفسير : . وقيل: أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب. والمراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به. وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد. "حديث : وروي أنه كان نائماً في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته، وقص القصة على أم هانئ وقال: "مثل لي النبيون فصليت بهم" ثم قام ليخرج إلى المسجد، فتشبثت أم هانئ بثوبه، فقال: "مالك؟" قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم. قال: "وإن كذبوني". فخرج فجلس إليه أبو جهل، فأخبره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحديث الإسراء. فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب ابن لؤي هلم. فحدثهم، فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً؛ وارتد ناس ممن كان آمن به؛ وسعى رجال إلى أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ فقال: أوقال ذلك؟ قالوا نعم. قال: فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: فتصدقه في أن يأتي في الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح؟ قال: نعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك. أصدقه بخبر السماء! فسمي الصدّيق"تفسير : . وكان منهم من سافر إلى بيت المقدس فطلبوا إليه وصف المسجد، فجلى له، فطفق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أما النعت فقد أصاب. فقالوا: أخبرنا عن عيرنا. فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها؛ وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق. فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية ـ لمراقبة مقدم العير ـ فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت. فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق، كما قال محمد.. ثم لم يؤمنوا!.. وفي الليلة ذاتها كان العروج به إلى السماء من بيت المقدس. واختلف في أن الإسراء كان في اليقظة أم في المنام. فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: والله ما فقد جسد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكن عرج بروحه. وعن الحسن كان في المنام رؤيا رآها. وفي أخبار أخرى أنه كان بروحه وجسمه، وأن فراشه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يبرد حتى عاد إليه. والراجح من مجموع الروايات ان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترك فراشه في بيت أم هانئ إلى المسجد فلما كان في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان أسري به وعرج. ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد. على أننا لا نرى محلاً لذلك الجدل الطويل الذي ثار قديماً والذي يثور حديثاً حول طبيعة هذه الواقعة المؤكدة في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسافة بين الإسراء والمعراج بالروح أو بالجسم، وبين أن تكون رؤيا في المنام أو رؤية في اليقظة.. المسافة بين هذه الحالات كلها ليست بعيدة؛ ولا تغير من طبيعة هذه الواقعة شيئاً وكونها كشفاً وتجلية للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أمكنة بعيدة وعوالم بعيدة في لحظة خاطفة قصيرة.. والذين يدركون شيئاً من طبيعة القدرة الإلهية ومن طبيعة النبوة لا يستغربون في الواقعة شيئاً. فأمام القدرة الإلهية تتساوى جميع الأعمال التي تبدو في نظر الإنسان وبالقياس إلى قدرته وإلى تصوره متفاوتة السهولة والصعوبة، حسب ما اعتاده وما رآه. والمعتاد المرئي في عالم البشر ليس هو الحكم في تقدير الأمور بالقياس إلى قدرة الله. أما طبيعة النبوة فهي اتصال بالملأ الأعلى ـ على غير قياس أو عادة لبقية البشر ـ وهذه التجلية لمكان بعيد، أو عالم بعيد؛ والوصول إليه بوسيلة معلومة أو مجهولة ليست أغرب من الاتصال بالملأ والتلقي عنه. وقد صدق أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وهو يرد المسألة المستغربة المستهولة عند القوم إلى بساطتها وطبيعتها فيقول: إني لأصدقه بأبعد من ذلك. أصدقه بخبر السماء! ومما يلاحظ - بمناسبة هذه الواقعة وتبين صدقها للقوم بالدليل المادي الذي طلبوه يومئذ في قصة العير وصفتها ـ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يسمع لتخوف أم هانئ ـ رضي الله عنها ـ من تكذيب القوم له بسبب غرابة الواقعة. فإن ثقة الرسول بالحق الذي جاء به، والحق الذي وقع له، جعلته يصارح القوم بما رأى كائنا ما كان رأيهم فيه. وقد ارتد بعضهم فعلاً، واتخذها بعضهم مادة للسخرية والتشكيك. ولكن هذا كله لم يكن ليقعد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الجهر بالحق الذي آمن به.. وفي هذا مثل لأصحاب الدعوة أن يجهروا بالحق لا يخشون وقعه في نفوس الناس، ولا يتملقون به القوم، ولا يتحسسون مواضع الرضى والاستحسان، إذا تعارضت مع كلمة الحق تقال. كذلك يلاحظ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يتخذ من الواقعة معجزة لتصديق رسالته، مع إلحاح القوم في طلب الخوارق ـ وقد قامت البينة عندهم على صدق الإسراء على الأقل ـ ذلك أن هذه الدعوة لا تعتمد على الخوارق، إنما تعتمد على طبيعة الدعوة ومنهاجها المستمد من الفطرة القويمة، المتفقة مع المدارك بعد تصحيحها وتقويمها. فلم يكن جهر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالواقعة ناشئاً عن اعتماده عليها في شيء من رسالته. إنما كان جهراً بالحقيقة المستيقنة له لمجرد أنها حقيقة: والآن نأخذ في الدرس الأول على وجه التفصيل: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}.. تبدأ السورة بتسبيح الله، أليق حركة نفسية تتسق مع جو الإسراء اللطيف، وأليق صلة بين العبد والرب في ذلك الأفق الوضيء. وتذكر صفة العبودية: {أسرى بعبده} لتقريرها وتوكيدها في مقام الإسراء والعروج إلى الدرجات التي لم يبلغها بشر؛ وذلك كي لا تنسى هذه الصفة، ولا يلتبس مقام العبودية، بمقام الألوهية، كما التبسا في العقائد المسيحية بعد عيسى عليه السلام، بسبب ما لابس مولده ووفاته، وبسبب الآيات التي أعطيت له، فاتخذها بعضهم سبباً للخلط بين مقام العبودية ومقام الألوهية.. وبذلك تبقى للعقيدة الإسلامية بساطتها ونصاعتها وتنزيهها للذات الإلهية عن كل شبهة من شرك أو مشابهة، من قريب أو من بعيد. والإسراء من السرى: السير ليلاً. فكلمة {أسرى} تحمل معها زمانها. ولا تحتاج إلى ذكره. ولكن السياق ينص على الليل {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً} للتظليل والتصوير ـ على طريقة القرآن الكريم ـ فيلقي ظل الليل الساكن، ويخيم جوه الساجي على النفس، وهي تتملى حركة الإسراء اللطيفة وتتابعها. والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير، تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، إلى محمد خاتم النبيين ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعاً. وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدسات، وارتباط رسالته بها جميعاً. فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان؛ وتشمل آماداً وآفاقاً أوسع من الزمان والمكان؛ وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى. ووصف المسجد الأقصى بأنه {الذي باركنا حوله} وصف يرسم البركة حافةً بالمسجد، فائضة عليه. وهو ظل لم يكن ليلقيه تعبير مباشر مثل: باركناه. أو باركنا فيه. وذلك من دقائق التعبير القرآني العجيب. والإسراء آية صاحبتها آيات: {لنريه من آياتنا} والنقلة العجيبة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في البرهة الوجيزة التي لم يبرد فيها فراش الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أياً كانت صورتها وكيفيتها.. آية من آيات الله، تفتح القلب على آفاق عجيبة في هذا الوجود؛ وتكشف عن الطاقات المخبوءة في كيان هذا المخلوق البشري، والاستعدادات اللدنية التي يتهيأ بها لاستقبال فيض القدرة في أشخاص المختارين من هذا الجنس، الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه، وأودع فيه هذه الأسرار اللطيفة.. {إنه هو السميع البصير}.. يسمع ويرى كل ما لطف ودق، وخفي على الأسماع والأبصار من اللطائف والأسرار. والسياق يتنقل في آية الافتتاح من صيغة التسبيح لله: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً} إلى صيغة التقرير من الله: {لنريه من آياتنا} إلى صيغة الوصف لله: {إنه هو السميع البصير} وفقاً لدقائق الدلالات التعبيرية بميزان دقيق حساس. فالتسبيح يرتفع موجها إلى ذات الله سبحانه. وتقرير القصد من الإسراء يجيء منه تعالى نصاً. والوصف بالسمع والبصر يجيء في صورة الخبر الثابت لذاته الإلهية. وتجتمع هذه الصيغ المختلفة في الآية الواحدة لتؤدي دلالاتها بدقة كاملة. هذا الإسراء من آيات الله. وهو نقلة عجيبة بالقياس إلى مألوف البشر. والمسجد الأقصى هو طرف الرحلة. والمسجد الأقصى هو قلب الأرض المقدسة التي أسكنها الله بني إسرائيل ثم أخرجهم منها. فسيرة موسى وبني إسرائيل تجيء هنا في مكانها المناسب من سياق السورة في الايات التالية: {وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلاً؛ ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكورا. وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً. فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً. ثم رددنا لكم الكرة عليهم، وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً. إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها. فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيراً. عسى ربكم أن يرحمكم، وإن عدتم عدنا، وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً}.. وهذه الحلقة من سيرة بني إسرائيل لا تذكر في القرآن إلا في هذه السورة. وهي تتضمن نهاية بني إسرائيل التي صاروا إليها؛ ودالت دولتهم بها. وتكشف عن العلاقة المباشرة بين مصارع الأمم وفشو الفساد فيها، وفاقاً لسنة الله التي ستذكر بعد قليل في السورة ذاتها. وذلك أنه إذا قدر الله الهلاك لقرية جعل إفساد المترفين فيها سبباً لهلاكها وتدميرها. ويبدأ الحديث في هذه الحلقة بذكر كتاب موسى ـ التوراة ـ وما اشتمل عليه من إنذار لبني إسرائيل وتذكير لهم بجدهم الأكبر ـ نوح ـ العبد الشكور، وآبائهم الأولين الذين حملوا معه في السفينة، ولم يحمل معه إلا المؤمنون: {وآتينا موسى الكتاب، وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلاً، ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً}.. ذلك الإنذار وهذا التذكير مصداق لوعد الله الذي يتضمنه سياق السورة كذلك بعد قليل. وذلك إلا يعذب الله قوماً حتى يبعث إليهم رسولاً ينذرهم ويذكرهم. وقد نص على القصد الأول من إيتاء موسى الكتاب: {هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلاً} فلا يعتمدوا إلا على الله وحده، ولا يتجهوا إلا إلى الله وحده. فهذا هو الهدى، وهذا هو الإيمان. فما آمن ولا اهتدى من اتخذ من دون الله وكيلاً. ولقد خاطبهم باسم آبائهم الذين حملهم مع نوح، وهم خلاصة البشرية على عهد الرسول الأول في الأرض. خاطبهم بهذا النسب ليذكرهم باستخلاص الله لآبائهم الأولين، مع نوح العبد الشكور، وليردهم إلى هذا النسب المؤمن العريق. ووصف نوحاً بالعبودية لهذا المعنى ولمعنى آخر، هو تنسيق صفة الرسل المختارين وإبرازها. وقد وصف بها محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قبل. على طريقة التناسق القرآنية في جو السورة وسياقها. في ذلك الكتاب الذي آتاه الله لموسى ليكون هدى لبني إسرائيل، أخبرهم بما قضاه عليهم من تدميرهم بسبب إفسادهم في الأرض. وتكرار هذا التدمير مرتين لتكرر أسبابه من أفعالهم. وأنذرهم بمثله كلما عادوا إلى الإفساد في الأرض، تصديقاً لسنة الله الجارية التي لا تتخلف: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً}.. وهذا القضاء إخبار من الله تعالى لهم بما سيكون منهم، حسب ما وقع في علمه الإلهي من مآلهم؛ لا أنه قضاء قهري عليهم، تنشأ عنه أفعالهم. فالله سبحانه لا يقضي بالإفساد على أحد {أية : قل: إن الله لا يأمر بالفحشاء} تفسير : إنما يعلم الله ما سيكون علمه بما هو كائن. فما سيكون ـ بالقياس إلى علم الله ـ كائن، وإن كان بالقياس إلى علم البشر لم يكن بعد، ولم يكشف عنه الستار. ولقد قضى الله لبني إسرائيل في الكتاب الذي آتاه لموسى أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، وأنهم سيعلون في الأرض المقدسة ويسيطرون. وكلما ارتفعوا فاتخذوا الارتفاع وسيلة للإفساد سلط عليهم من عباده من يقهرهم ويستبيح حرماتهم ويدمرهم تدميرا: {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً}. فهذه هي الأولى: يعلون في الأرض المقدسة، ويصبح لهم فيها قوة وسلطان، فيفسدون فيها. فيبعث الله عليهم عباداً من عباده أولي بأس شديد، وأولي بطش وقوة، يستبيحون الديار، ويروحون فيها ويغدون باستهتار، ويطأون ما فيها ومن فيها بلا تهيب {وكان وعداً مفعولاً} لا يخلف ولا يكذب. حتى إذا ذاق بنو إسرائيل ويلات الغلب والقهر والذل؛ فرجعوا إلى ربهم، وأصلحوا أحوالهم وأفادوا من البلاء المسلط عليهم. وحتى إذا استعلى الفاتحون وغرتهم قوتهم، فطغوا هم الآخرون وأفسدوا في الأرض، أدال الله للمغلوبين من الغالبين، ومكن للمستضعفين من المستكبرين: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً}.. ثم تتكرر القصة من جديد! وقبل أن يتم السياق بقية النبوءة الصادقة والوعد المفعول يقرر قاعدة العمل والجزاء: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها}.. القاعدة التي لا تتغير في الدنيا وفي الآخرة؛ والتي تجعل عمل الإنسان كله له، بكل ثماره ونتائجه. وتجعل الجزاء ثمرة طبيعية للعمل، منه تنتج، وبه تتكيف؛ وتجعل الإنسان مسؤولاً عن نفسه، إن شاء أحسن إليها، وإن شاء أساء، لا يلومن إلا نفسه حين يحق عليه الجزاء. فإذا تقررت القاعدة مضى السياق يكمل النبوءة الصادقة: { فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيراً}.. ويحذف السياق ما يقع من بني إسرائيل بعد الكرة من إفساد في الأرض، اكتفاء بذكره من قبل: {لتفسدن في الأرض مرتين} ويثبت ما يسلطه عليهم في المرة الآخرة: {فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم} بما يرتكبونه معهم من نكال يملأ النفوس بالإساءة حتى تفيض على الوجوه، أو بما يجبهون به وجوههم من مساءة وإذلال. ويستبيحون المقدسات ويستهينون بها: {وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة} ويدمرون ما يغلبون عليه من مال وديار {وليتبروا ما علوا تتبيراً}.. وهي صورة للدمار الشامل الكامل الذي يطغى على كل شيء، والذي لا يبقي على شيء. ولقد صدقت النبوءة ووقع الوعد، فسلط على بني إسرائيل من قهرهم أول مرة، ثم سلط عليهم من شردهم في الأرض، ودمر مملكتهم فيها تدميرا. ولا ينص القرآن على جنسية هؤلاء الذين سلطهم على بني إسرائيل، لأن النص عليها لا يزيد في العبرة شيئاً. والعبرة هي المطلوبة هنا. وبيان سنة الله في الخالق هو المقصود. ويعقب السياق على النبوءة الصادقة والوعد المفعول، بأن هذا الدمار قد يكون طريقاً للرحمة: {عسى ربكم أن يرحمكم} إن أفدتم منه عبرة. فأما إذا عاد بنوا إسرائيل إلى الإفساد في الأرض فالجزاء حاضر والسنة ماضية: {وإن عدتم عدنا}.. ولقد عادوا إلى الإفساد فسلط الله عليهم المسلمين فأخرجوهم من الجزيرة كلها. ثم عادوا إلى الإفساد فسلط عليهم عباداً آخرين، حتى كان العصر الحديث فسلط عليهم "هتلر".. ولقد عادوا اليوم إلى الإفساد في صورة "إسرائيل" التي أذاقت العرب أصحاب الأرض الويلات. وليسلطن الله عليهم من يسومهم سوء العذاب، تصديقاً لوعد الله القاطع، وفاقاً لسنته التي لا تتخلف.. وإن غداً لناظره قريب! ويختم السياق الآية بمصير الكافرين في الآخرة لما بينه وبين مصير المفسدين من مشاكلة: {وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً}.. تحصرهم فلا يفلت منهم أحد؛ وتتسع لهم فلا يند عنها أحد. ومن هذه الحلقة من سيرة بني إسرائيل، وكتابهم الذي آتاه الله لموسى ليهتدوا به فلم يهتدوا؛ بل ضلوا فهلكوا.. ينتقل السياق إلى القرآن. القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم: {إن هـذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً، وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذاباً أليماً}.. {إن هـذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}.. هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم وفيما يهديهم، فيشمل الهدى أقواماً وأجيالاً بلا حدود من زمان أو مكان؛ ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج وكل طريق، وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان. يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق. ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم، متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض، وإذا العمل عبادة متى توجه الإنسان به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعا واستمتاعاً بالحياة. ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء. ولا تسهل وتترخص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار. ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال. ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفراداً وأزواجاً، وحكومات وشعوباً، ودولاً وأجناساً، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى؛ ولا تميل مع المودة والشنآن؛ ولا تصرفها المصالح والأغراض. الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقه، وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم ونظام المال ونظام الاجتماع ونظام التعامل الدولي اللائق بعالم الإنسان. ويهدي للتي هي أقوم في تبني الديانات السماوية جميعها والربط بينها كلها، وتعظيم مقدساتها وصيانة حرماتها فإذا البشرية كلها بجميع عقائدها السماوية في سلام ووئام. {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}.. {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً، وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذاباً أليماً} فهذه هي قاعدته الأصيلة في العمل والجزاء. فعلى الإيمان والعمل الصالح يقيم بناءه. فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان. الأول مبتور لم يبلغ تمامه، والثاني مقطوع لاركيزة له. وبهما معاً تسير الحياة على التي هي أقوم.. وبهما معاً تتحقق الهداية بهذا القرآن. فأما الذين لا يهتدون بهدي القرآن، فهم متروكون لهوى الإنسان. الإنسان العجول الجاهل بما ينفعه وما يضره، المندفع الذي لا يضبط انفعالاته ولو كان من ورائها الشر له: {ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً}.. ذلك أنه لا يعرف مصائر الأمور وعواقبها. ولقد يفعل الفعل وهو شر، ويعجل به على نفسه وهو لا يدري. أو يدري ولكنه لا يقدر على كبح جماحه وضبط زمامه.. فأين هذا من هدى القرآن الثابت الهادئ الهادي؟ ألا إنهما طريقان مختلفان: شتان شتان. هدى القرآن وهوى الإنسان! ومن الإشارة إلى الإسراء وما صاحبه من آيات؛ والإشارة إلى نوح ومن حملوا معه من المؤمنين؛ والإشارة إلى قصة بني إسرائيل وما قضاه الله لهم في الكتاب، وما يدل عليه هذا القضاء من سنن الله في العباد، ومن قواعد العمل والجزاء؛ والإشارة إلى الكتاب الأخير الذي يهدي للتي هي أقوم.. من هذه الإشارات إلى آيات الله التي أعطاها للرسل ينتقل السياق إلى آيات الله الكونية في هذا الوجود، يربط بها نشاط البشر وأعمالهم، وجهدهم وجزاءهم، وكسبهم وحسابهم، فإذا نواميس العمل والجزاء والكسب والحساب مرتبطة أشد ارتباط بالنواميس الكونية الكبرى، محكومة بالنواميس ذاتها، قائمة على قواعد وسنن لا تتخلف، دقيقة منظمة دقة النظام الكوني الذي يصرف الليل والنهار؛ مدبرة بإرادة الخالق الذي جعل الليل والنهار: {وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة، لتبتغوا فضلاً من ربكم، ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً؛ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشوراً، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً. من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً. وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً. وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح، وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً. من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً؛ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا. كلاً نمد هـؤلاء وهـؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظوراً. انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا}.. فالناموس الكوني الذي يحكم الليل والنهار، يرتبط به سعي الناس للكسب. وعلم السنين والحساب. ويرتبط به كسب الإنسان من خير وشر وجزاؤه على الخير والشر. وترتبط به عواقب الهدى والضلال، وفردية التبعة فلا تزر وازرة وزر أخرى. ويرتبط به وعد الله ألا يعذب حتى يبعث رسولاً. وترتبط به سنة الله في إهلاك القرى بعد أن يفسق فيها مترفوها. وترتبط به مصائر الذين يطلبون العاجلة والذين يطلبون الآخرة وعطاء الله لهؤلاء وهؤلاء في الدنيا والآخرة.. كلها تمضي وفق ناموس ثابت وسنن لا تتبدل، ونظام لا يتحول. فليس شيء من هذا كله جزافاً. {وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب، وكل شيء فصلناه تفصيلاً}.. والليل والنهار آيتان كونيتان كبيرتان تشيان بدقة الناموس الذي لا يصيبه الخلل مرة واحدة، ولا يدركه التعطل مرة واحدة، ولا يني يعمل دائباً بالليل والنهار. فما المحو المقصود هنا وآية الليل باقية كآية النهار؟ يبدو ـ والله أعلم ـ أن المقصود به ظلمة الليل التي تخفى فيها الأشياء وتسكن فيها الحركات والأشباح.. فكأن الليل ممحو إذا قيس إلى ضوء النهار وحركة الأحياء فيه والأشياء؛ وكأنما النهار ذاته مبصر بالضوء الذي يكشف كل شيء فيه للأبصار. ذلك المحو لليل والبروز للنهار {لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب}.. فالليل للراحة والسكون والجِمام، والنهار للسعي والكسب والقيام، ومن المخالفة بين الليل والنهار يعلم البشر عدد السنين، ويعلمون حساب المواعيد والفصول والمعاملات. {وكل شيء فصلناه تفصيلا} فليس شيء وليس أمر في هذا الوجود متروكاً للمصادفة والجزاف. ودقة الناموس الذي يصرف الليل والنهار ناطقة بدقة التدبير والتفصيل، وهي عليه شاهد ودليل. بهذا الناموس الكوني الدقيق يرتبط العمل والجزاء. {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}. وطائر كل إنسان ما يطير له من عمله، أي ما يقسم له من العمل، وهو كناية عما يعمله. وإلزامه له في عنقه تصوير للزومه إياه وعدم مفارقته؛ على طريقة القرآن في تجسيم المعاني وإبرازها في صورة حسية. فعمله لا يتخلف عنه وهو لا يملك التملص منه، وكذلك التعبير بإخراج كتابه منشوراً يوم القيامة. فهو يصور عمله مكشوفاً، لا يملك إخفاءه، أو تجاهله أو المغالطة فيه. ويتجسم هذا المعنى في صورة الكتاب المنشور، فإذا هو أعمق أثراً في النفس وأشد تأثيراً في الحس؛ وإذا الخيال البشري يلاحق ذلك الطائر ويلحظ هذا الكتاب في فزع طائر من اليوم العصيب، الذي تتكشف فيه الخبايا والأسرار، ولا يحتاج إلى شاهد أو حسيب: {اقرأ كتابك. كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}. وبذلك الناموس الكوني الدقيق ترتبط قاعدة العمل والجزاء: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى}.. فهي التبعة الفردية التي تربط كل إنسان بنفسه؛ إن اهتدى فلها، وإن ضل فعليها. وما من نفس تحمل وزر أخرى، وما من أحد يخفف حمل أحد. إنما يسأل كل عن عمله، ويجزي كل بعمله ولا يسأل حميم حميما.. وقد شاءت رحمة الله ألا يأخذ الإنسان بالآيات الكونية المبثوثة في صفحات الوجود، وألا يأخذه بعهد الفطرة الذي أخذه على بني آدم في ظهور آبائهم، إنما يرسل إليهم الرسل منذرين ومذكرين: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وهي رحمة من الله أن يعذر إلى العباد قبل أن يأخذهم بالعذاب. كذلك تمضي سنة الله في إهلاك القرى وأخذ أهلها في الدينا، مرتبطة بذلك الناموس الكوني الذي يصرف الليل والنهار: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً}. والمترفون في كل أمة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال ويجدون الخدم ويجدون الراحة، فينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة، حتى تترهل نفوسهم وتأسن، وترتع في الفسق والمجانة، وتستهتر بالقيم والمقدسات والكرامات، وتلغ في الأعراض والحرمات، وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فساداً، ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها، وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلا بها ولها. ومن ثم تتحلل الأمة وتسترخي، وتفقد حيويتها وعناصر قوتها وأسباب بقائها، فتهلك وتطوى صفحتها. والآية تقرر سنة الله هذه. فإذا قدر الله لقرية أنها هالكة لأنها أخذت بأسباب الهلاك، فكثر فيها المترفون، فلم تدافعهم ولم تضرب على أيديهم، سلط الله هؤلاء المترفين ففسقوا فيها، فعم فيها الفسق، فتحللت وترهلت، فحقت عليها سنة الله، وأصابها الدمار والهلاك. وهي المسؤولة عما يحل بها لأنها لم تضرب على أيدي المترفين، ولم تصلح من نظامها الذي يسمح بوجود المترفين. فوجود المترفين ذاته هو السبب الذي من أجله سلطهم الله عليها ففسقوا، ولو أخذت عليهم الطريق فلم تسمح لهم بالظهور فيها ما استحقت الهلاك، وما سلط الله عليها من يفسق فيها ويفسد فيقودها إلى الهلاك. إن إرادة الله قد جعلت للحياة البشرية نواميس لا تتخلف، وسنناً لا تتبدل، وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج فتنفذ إرادة الله وتحق كلمته. والله لا يأمر بالفسق، لأن الله لا يأمر بالفحشاء. لكن وجود المترفين في ذاته، دليل على أن الأمة قد تخلخل بناؤها، وسارت في طريق الانحلال، وأن قدر الله سيصيبها جزاء وفاقاً. وهي التي تعرضت لسنة الله بسماحها للمترفين بالوجود والحياة. فالإرادة هنا ليست إرادة للتوجية القهري الذي ينشئ السبب، ولكنها ترتب النتيجة على السبب. الأمر الذي لا مفر منه لأن السنة جرت به. والأمر ليس أمراً توجيهياً إلى الفسق، ولكنه إنشاء النتيجة الطبيعية المترتبة على وجود المترفين وهي الفسق. وهنا تبرز تبعة الجماعة في ترك النظم الفاسدة تنشئ آثارها التي لا مفر منها. وعدم الضرب على أيدي المترفين فيها كي لا يفسقوا فيها فيحق عليها القول فيدمرها تدميراً. هذه السنة قد مضت في الأولين من بعد نوح، قرناً بعد قرن، كلما فشت الذنوب في أمة انتهت بها إلى ذلك المصير، والله هو الخبير بذنوب عباده البصير: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح، وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً}. وبعد فإن من أراد أن يعيش لهذه الدنيا وحدها، فلا يتطلع إلى أعلى من الأرض التي يعيش فيها، فإن الله يعجل له حظه في الدنيا حين يشاء، ثم تنتظره في الاخرة جهنم عن استحقاق. فالذين لا يتطلعون إلى أبعد من هذه الأرض يتلطخون بوحلها ودنسها ورجسها، ويستمتعون فيها كالأنعام، ويستسلمون فيها للشهوات والنزعات. ويرتكبون في سبيل تحصيل اللذة الأرضية ما يؤدي بهم إلى جهنم: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً}. {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن، فأولئك كان سعيهم مشكوراً}. والذي يريد الآخرة لا بد أن يسعى لها سعيها، فيؤدي تكاليفها، وينهض بتبعاتها، ويقيم سعيه لها على الإيمان. وليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. والسعي للآخرة لا يحرم المرء من لذائذ الدنيا الطيبة، إنما يمد بالبصر إلى آفاق أعلى فلا يكون المتاع في الأرض هو الهدف والغاية. ولا ضير بعد ذلك من المتاع حين يملك الإنسان نفسه، فلا يكون عبداً لهذا المتاع. وإذا كان الذي يريد العاجلة ينتهي إلى جهنم مذموماً مدحوراً، فالذي يريد الآخرة ويسعى لها سعيها ينتهي إليها مشكوراً يتلقى التكريم في الملأ الأعلى جزاء السعي الكريم لهدف كريم، وجزاء التطلع إلى الأفق البعيد الوضيء. إن الحياة للأرض حياة تليق بالديدان والزواحف والحشرات والهوام والوحوش والأنعام. فأما الحياة للآخرة فهي الحياة اللائقة بالإنسان الكريم على الله، الذي خلقه فسواه، وأودع روحه ذلك السر الذي ينزع به إلى السماء وإن استقرت على الأرض قدماه. على أن هؤلاء وهؤلاء إنما ينالون من عطاء الله. سواء منهم من يطلب الدنيا فيعطاها ومن يطلب الآخرة فيلقاها. وعطاء الله لا يحظره أحد ولا يمنعه، فهو مطلق تتوجه به المشيئة حيث تشاء: {كلاً نمد هـؤلاء وهـؤلاء من عطاء ربك. وما كان عطاء ربك محظورا}. والتفاوت في الأرض ملحوظ بين الناس بحسب وسائلهم وأسبابهم واتجاهاتهم وأعمالهم، ومجال الأرض ضيق ورقعة الأرض محدودة. فكيف بهم في المجال الواسع وفي المدى المتطاول. كيف بهم في الآخرة التي لا تزن فيها الدنيا كلها جناح بعوضة؟ {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً}. فمن شاء التفاوت الحق، ومن شاء التفاضل الضخم، فهو هناك في الآخرة. هنالك في الرقعة الفسيحة، والآماد المتطاولة التي لا يعلم حدودها إلا الله. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون لا في متاع الدنيا القليل الهزيل...
ابن عاشور
تفسير : الافتتاح بكلمة التسبيح من دون سبق كلام مُتضمّنٍ ما يَجب تنزيه الله عنه يؤذن بأن خبراً عجيباً يستقبله السامعون دالاً على عظيم القدرة من المتكلم ورفيع منزلة المتحدث عنه. فإن جملة التسبيح في الكلام الذي لم يقع فيه ما يوهم تشبيهاً أو تنقيصاً لا يليقان بجلال الله تعالى مثل {أية : سبحان ربك رب العزة عما يصفون}تفسير : [الصافّات: 180] يتعين أن تكون مستعملة في أكثر من التنزيه، وذلك هو التعجيب من الخبر المتحدث به كقوله {أية : قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم}تفسير : [النور: 16]، وقول الأعشى: شعر : قد قلتُ لما جاءني فخرُه سُبْحَان من علقمَةَ الفاخِرِ تفسير : ولما كان هذا الكلام من جانب الله تعالى والتسبيح صادراً منه كان المعنى تعجيب السامعين، لأن التعجب مستحيلة حقيقته على الله لا لأن ذلك لا يلتفت إليه في محامل الكلام البليغ لإمكان الرجوع إلى التمثيل، مثل مجيء الرجاء في كلامه تعالى نحو{أية : لعلكم تفلحون }تفسير : [البقرة: 189]، بل لأنه لا يستقيم تعجب المتكلم من فعل نفسه، فيكون معنى التعجيب فيه من قبيل قولهم أتعجب من قول فلان كيْت وكيْت. ووجه هذا الاستعمال أن الأصل أن يكون التسبيح عند ظهور ما يدل على إبطال ما لا يليق بالله تعالى. ولما كان ظهور ما يدل على عظيم القدرة مزيلاً للشك في قدرة الله وللإشراك به كان من شأنه أن يُنطق المتأمل بتسبيح الله تعالى، أي تنزيهه عن العجز. وأصل صيغ التسبيح هو كلمة {سبحان الله} التي نُحت منها السبحلة. ووقع التصرف في صيغها بالإضمار نحو سبحانَك وسبحانه، وبالموصول نحو {أية : سبحان الذي خلق الأزواج كلها}تفسير : [يس: 36] ومنه هذه الآية. والتعبير عن الذات العلية بطريق الموصول دون الاسم العلم للتنبيه على ما تفيده صلة الموصول من الإيماء إلى وجه هذا التعجيب والتنويه وسببه، وهو ذلك الحادث العظيم والعناية الكبرى. ويفيد أن حديث الإسراء أمر فَشا بين القوم، فقد آمن به المسلمون وأكبَره المشركون. وفي ذلك إدماج لرفعة قدر محمد صلى الله عليه وسلم وإثباتُ أنه رسول من الله، وأنه أوتي من دلائل صدق دعوته ما لا قِبل لهم بإنكاره، فقد كان إسراؤه إطلاعاً له على غائب من الأرض، وهو أفضل مكان بعد المسجد الحرام. و{أسرى} لغة في سَرَى، بمعنى سار في الليل، فالهمزة هنا ليست للتعدية لأن التعدية حاصلة بالباء، بل أسرى فعل مفتح بالهمزة مرادف سَرى، وهو مثل أبان المرادف بَان، ومثل أنهج الثوبُ بمعنى نَهَجَ أي بلِيَ، فــــ {أسرى بعبده} بمنزلة {أية : ذهب الله بنورهم}تفسير : [البقرة: 17]. وللمبرد والسهيلي نكتة في التفرقة بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء بأن الثانية أبلغ لأنها في أصل الوضع تقتضي مشاركة الفاعل المفعولَ في الفعل، فأصل (ذهب به) أنه استصحبه، كما قال تعالى {أية : وسار بأهله}تفسير : [القصص: 29]. وقالت العرب أشبعهم شتماً، ورَاحوا بالإبل. وفي هذا لطيفة تناسب المقام هنا إذ قال {أسرى بعبده} دون سرّى بعبْدَه، وهي التلويح إلى أن الله تعالى كان مع رسوله في إسرائه بعنايتهِ وتوفيقه، كما قال تعالى {أية : فإنك بأعيننا} تفسير : [الطور: 48]، وقال: {أية : إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} تفسير : [التوبة: 40]. فالمعنى: الذي جعل عبده مُسرياً، أي سارياً، وهو كقوله تعالى: {أية : فأسر بأهلك بقطع من الليل}تفسير : [هود: 81]. وإذ قد كان السُرى خاصاً بسير الليل كان قوله: {ليلاً} إشارة إلى أن السير به إلى المسجد الأقصى كان في جُزء ليلة، وإلا لم يَكن ذكره إلا تأكيداً، على أن الإفادة كما يقولون خير من الإعادة. وفي ذلك إيماء إلى أنه أسراء خارق للعادة لقطع المسافة التي بين مبدأ السير ونهايته في بعض ليلة، وأيضاً ليتوسل بذكر الليل إلى تنكيره المفيد للتعظيم. فتنكير {ليلاً} للتعظيم، بقرينة الاعتناء بذكره مع علمه من فعل {أسرى}، وبقرينة عدم تعريفه، أي هو ليل عظيم باعتبار جعله زمناً لذلك السرى العظيم، فقام التنكير هنا مقام ما يدل على التعظيم. ألا ترى كيف احْتيج إلى الدلالة على التعظيم بصيغة خاصة في قوله تعالى: {أية : إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر}تفسير : [القدر: 1-2] إذ وقعت ليلة القدر غير منكرة. و (عَبْد) المضاف إلى ضمير الجلالة هنا هو محمد كما هو مصطلح القرآن، فإنه لم يقع فيه لفظ العبد مضافاً إلى ضمير الغيبة الراجع إلى الله تعالى إلا مراداً به النبي؛ ولأن خبر الإسراء به إلى بيت المقدس قد شاع بين المسلمين وشاع إنكاره بين المشركين، فصار المراد {بعبده} معلوماً. والإضافة إضافة تشريف لا إضافة تعريف لأن وصف العبودية لله متحقق لسائر المخلوقات فلا تفيد إضافته تعريفاً. والمسجد الحرام هو الكعبة والفِناء المحيط بالكعبة بمكة المتخذ للعبادة المتعلقة بالكعبة من طواف بها واعتكاف عندها وصلاة. وأصل المسجد: أنه اسم مكان السجود. وأصل الحرام: الأمر الممنوع، لأنه مشتق من الحَرْم ــــ بفتح فسكون ــــ وهو المنع، وهو يرادف الحرم. فوصف الشيء بالحرام يكون بمعنى أنه ممنوع استعماله استعمالاً يناسبه، نحو {أية : حرمت عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3] أي أكل الميتة، وقول عنترة: شعر : حُرمت علي وليتها لم تَحرم تفسير : أي ممنوع قربانها لأنها زوجة أبيه وذلك مذموم بينهم. ويكون بمعنى الممنوع من أن يعمل فيه عمل ما. ويبين بذكر المتعلق الذي يتعلق به. وقد لا يذكر متعلّقة إذا دل عليه العرف، ومنه قولهم:{أية : الشهر الحرام}تفسير : [البقرة: 194] أي الحرام فيه القتال في عرفهم. وقد يحذف المتعلق لقصد التكثير، فهو من الحذف للتعميم فيَرجع إلى العموم العرفي، ففي نحو {أية : البيت الحرام}تفسير : [المائدة: 2] يراد الممنوع من عُدوان المعتدين، وغزوِ الملوك والفاتحين، وعملِ الظلم والسوءِ فيه. والحرام: فَعال بمعنى مفعول، كقولهم: امرأة حَصان، أي ممنوعة بعفافها عن الناس. فالمسجد الحرام هو المكان المعد للسجود، أي للصلاة، وهو الكعبة والفناء المجعول حرماً لها. وهو يختلف سعة وضيقاً باختلاف العصور من كثرة الناس فيه للطواف والاعتكاف والصلاة. وقد بنى قريش في زمن الجاهلية بيوتهم حول المسجد الحرام. وجعل قُصي بقربه دارَ الندوة لقريش وكانوا يجلسون فيها حول الكعبة، فانحصر لما أحاطت به بيوت عشائر قريش. وكانت كل عشيرة تتخذ بيوتها متجاورة. ومجموع البيوت يسمى شِعباً بكسر الشين. وكانت كل عشيرة تسلك إلى المسجد الحرام من منفذ دُورها، ولم يكن للمسجد الحرام جدار يُحفظ به. وكانت المسالك التي بين دُور العشائر تسمى أبواباً لأنها يسلك منها إلى المسجد الحرام، مثل باب بني شيبة، وباب بني هاشم، وباب بني مخزوم وهو باب الصفا، وباب بني سهم، وباب بني تيم. وربما عُرِف بعض الأبواب بجهة تقرب منه مثل بَاب الصفا ويسمى باب بني مخزوم. وباب الحزورة سمي بمكان كانت به سوق لأهل مكة تسمى الحَزْورة. ولا أدري هل كانت أبواباً تغلق أم كانت منافذ في الفضاء فإن الباب يطلق على ما بين حاجزين. وأول من جعل للمسجد الحرام جداراً يُحفظ به هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة سبعَ عشرة من الهجرة. ولُقب بالمسجد لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام جعله لإقامة الصلاة في الكعبة كما حكى الله عنه {أية : ربنا ليقيموا الصلاة}تفسير : [إبراهيم: 37]. ولما انقرضت الحنيفية وترك أهل الجاهلية الصلاة تناسوا وصفهُ بالمسجد الحرام فصاروا يقولون: البيت الحرام. وأما قول عمر: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فإنه عبر عنه باسمه في الإسلام. فغلبَ عليه هذا التعريف التوصيفي فصار له علماً بالغلبة في اصطلاح القرآن. ولا أعرف أنه كان يعرف في الجاهلية بهذا الاسم، ولا على مسجد بيت المقدس في عصر تحريمه عند بَني إسرائيل. وقد تقدم وجه ذلك عند قوله تعالى: {أية : فول وجهك شطر المسجد الحرام}تفسير : في [البقرة: 144]، وعند قوله تعالى: {أية : أن صدوكم عن المسجد الحرام}تفسير : في أول العقود [المائدة: 2]. وعلميته بمجموع الوصف والموصوف وكلاهما معَرّف باللام. فالجزء الأول مثل النجم والجزء الثاني مثل الصعِق، فحصل التعريف بمجموعهما، ولم يعد النحاةُ هذا النوع في أقسام العلم بالغلبة. ولعلهم اعتبروه راجعاً إلى المعرف باللام. ولا بد من عده لأن علميته صارت بالأمرين. والمسجد الأقصى هو المسجد المعروف ببيتِ المقدِس الكائن بإيلياء، وهو المسجد الذي بناه سليمان عليه الصلاة والسلام. والأقصى، أي الأبعد. والمراد بعده عن مكة، بقرينة جعله نهاية الإسراء من المسجد الحرام، وهو وصف كاشف اقتضاه هنا زيادة التنبيه على معجزة هذا الإسراء وكونه خارقاً للعادة لكونه قطْعَ مسافة طويلة في بعض ليلة. وبهذا الوصف الوارد له في القرآن صار مجموع الوصف والموصوف علماً بالغلبة على مسجد بيت المقدس كما كان المسجد الحرام علماً بالغلبة على مسجد مكة. وأحسب أن هذا العلم له من مبتكرات القرآن فلم يكن العرب يصفونه بهذا الوصف ولكنهم لما سمعوا هذه الآية فهموا المراد منه أنه مسجد إيلياء. ولم يكن مسجد لدين إلهي غيرهما يومئذٍ. وفي هذا الوصف بصيغة التفضيل باعتبار أصل وضعها معجزةٌ خفية من معجزات القرآن إيماء إلى أنه سيكون بين المسجدين مسجد عظيم هو مسجد طيبة الذي هو قَصِيٌ عن المسجد الحرام، فيكون مسجد بيت المقدس أقصى منه حينئذٍ. فتكون الآية مشيرة إلى جميع المساجد الثلاثة المفضلة في الإسلام على جميع المساجد الإسلامية، والتي بينها قول النبي: حديث : لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي»تفسير : . وفائدة ذكر مبدأ الإسراء ونهايته بقوله: {من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا} أمران: ــــ أحدهما: التنصيص على قطع المسافة العظمية في جزء ليلة، لأن كلا من الظرف وهو {ليلاً} ومن المجرورين {من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا} قد تعلق بفعل {أسرى}، فهو تعلق يقتضي المقارنة، ليعلم أنه من قبيل المعجزات. ــــ وثانيهما: الإيماء إلى أن الله تعالى يجعل هذا الإسراء رمزاً إلى أن الإسلام جمع ما جاءت به شرائع التوحيد والحنيفية من عهد إبراهيم ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ الصادر من المسجد الحرام إلى ما تفرع عنه من الشرائع التي كان مقرها بيت المقدس ثم إلى خاتمتها التي ظهرت من مكة أيضاً؛ فقد صدرت الحنيفية من المسجد الحرام وتفرعت في المسجد الأقصى. ثم عادت إلى المسجد الحرام كما عاد الإسراء إلى مكة لأن كل سُرى يعقبه تأويب. وبذلك حصل رد العجز على الصدر. ومن هنا يظهر مناسبة نزول التشريع الاجماعي في هذه السورة في الآيات المفتتحة بقوله تعالى: {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} تفسير : [الإسراء: 23]، ففيها: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، {أية : وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم}تفسير : [الإسراء: 35] إيماء إلى أن هذا الدين سيكون ديناً يحكم في الناس وتنفذ أحكامه. والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد بناه إبراهيم عليه السلام كما ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. ففي الصحيحين عن أبي ذر قال: «حديث : قلتُ يا رسول الله أي مسجد وُضع في الأرض أولُ؟ قال المسجدُ الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت كمْ بينهما؟ قال أربعون سنة»تفسير : . فهذا الخبر قد بين أن المسجد الأقصى من بناء إبراهيم لأنه حُدد بمدة هي من مدة حياة إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ. وقد قُرن ذكره بذكر المسجد الحرام. وهذا مما أهملَ أهل الكتاب ذكره. وهو مما خَصّ الله نبيئه بمعرفته. والتوراة تشهد له، فقد جاء في سفر التكوين في الإصحاح الثاني عشر: أن إبراهيم لما دخل أرض كنعان (وهي بلاد فلسطين) نصب خيمته في الجبل شرقي بيت إيل (بيت إيل مدينة على بعد أحد عشر ميلاً من أورشليم إلى الشمال وهو بلد كان اسمه عند الفلسطينيين (لوزا) فسماه يعقوب: بيت إيل، كما في الإصحاح الثامن والعشرين من سفر التكوين) وغربي بلاد عاي (مدينة عبرانية تعرف الآن «الطيبة») وبنى هنالك مذبحاً للرب. وهم يطلقون المذبح على المسجد لأنهم يذبحون القرابين في مساجدهم. قال عمر بن أبي ربيعة: شعر : دُميةٌ عند راهب قسيس صوروها في مذبح المحراب تفسير : أي مَكانَ المذبح من المسجد، لأن المحراب هو محل التعبد، قال تعالى: {أية : وهو قائم يصلي في المحراب}تفسير : [آل عمران: 39]. ولا شك أن مسجد إبراهيم هو الموضع الذي توخى داود عليه السلام أن يضع عليه الخيمة وأن يبني عليه محرابه أو أوحى الله إليه بذلك، وهو الذي أوصى ابنَه سليمان عليه السلام أن يبني عليه المسجدَ، أي الهيكل. وقد ذكر مؤرخو العبرانيين ومنهم (يوسيفوس) أن الجبل الذي سكنه إبراهيم بأرض كنعان اسمه (نَابو) وأنه هو الجبل الذي ابتنى عليه سليمان الهيكل وهو المسجد الذي به الصخرة. وقصة بناء سليمان إياه مفصلة في سفر الملوك الأول من أسفار التوراة. وقد انتابه التخريب ثلاث مرات: أولاها: حين خربه بختَنَصّر ملكُ بابل سنة 578 قبل المسيح ثم جدده اليهود تحت حكم الفُرس. ــــ الثانية: خربه الرومان في مدة طيطوس بعد حروب طويلة بينه وبين اليهود وأعيد بناؤه، فأكمل تخريبَه أدريانوس سنة 135 للمسيح وعفى آثاره فلم تبق منه إلا أطلال. ــــ الثالثة لما تنصرت الملكة هيلانة أم الأمبراطور قسطنطين ملكِ الروم (بيزنطة) وصارت متصلبة في النصرانية، وأشرب قلبُها بُغْض اليهود بما تعتقده من قتلهم المسيح كان مما اعتدت عليه حين زارت أورشليم أن أمرت بتعفية أطلال هيكل سليمان وأن ينقل ما بقي من الأساطين ونحوها فتبني بها كنيسة على قبر المسيح المزعوم عندهم في موضع توسموا أن يكون هو موضع القبر (والمؤرخون من النصارى يشكون في كون ذلك المكان هو المكان الذي يُدَّعَى أن المسيح دفن فيه) وأن تسميها كنيسة القيامة، وأمَرَت بأن يجعل موضعُ المسجد الأقصى مرمَى أزبال البلد وقُماماته فصار موضعُ الصخرة مَزْبلة تراكمت عليها الأزبال فغطتها وانحدرت على درجها. ولما فتح المسلمون بقية أرض الشام في زمن عمر وجاء عمر بن الخطاب ليشهد فتح مدينة إيلياء وهي المعروفة من قبلُ (أورشليم) وصارت تسمى إيلياء ــــ بكسر الهمزة وكسر اللام ــــ وكذلك كان اسمها المعروف عند العرب عندما فتح المسلمون فلسطين. وإيلياء اسم نبيء من بني إسرائيل كان في أوائل القرن التاسع قبل المسيح. قال الفرزدق: شعر : وبيتان بيتُ الله نحن ولاته وبيتٌ بأعلى إيلياء مشرَّف تفسير : وانعقد الصلح بين عُمر وأهل تلك المدينة وهم نصارى. قال عمر لبطريق لهم اسمه (صفرونيوس) «دُلني على مسجد داوود»، فانطلق به حتى انتهى إلى مكان الباب وقد انحدر الزبل على دَرَج الباب فتجشم عمر حتى دخَل ونظر فقال: الله أكبر، هذا والذي نفسي بيده مسجدُ داوود الذي أخبرنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أُسري به إليه». ثم أخذ عمر والمسلمون يكنسون الزبل عن الصخرة حتى ظهرت كلها، ومضى عمر إلى جهة محراب داوود فصلى فيه، ثم ارتحل من بلد القدس إلى فلسطين. ولم يَبن هنالك مسجداً إلى أن كان في زمن عبد الملك بن مروان أمر بابتداء بناء القبة على الصخرة وعمارة المسجد الأقصى. ووكل على بنائها رَجاء بن حَيْوَة الكِندي أحد علماء الإسلام، فابتدأ ذلك سنة ست وستين وكان الفراغ من ذلك في سنة ثلاث وسبعين. كان عمر أول من صلى فيه من المسلمين وجعل له حرمة المساجد. ولهذا فتسمية ذلك المكان بالمسجد الأقصى في القرآن تسمية قرآنية اعتبر فيها ما كان عليه من قبل لأن، حكم المسجدية لا ينقطع عن أرض المسجد. فالتسمية باعتبار ما كان، وهي إشارة خفية إلى أنه سيكون مسجداً بأكمل حقيقة المساجد. واستقبله المسلمون في الصلاة من وقت وجوبها المقارن ليلة الإسراء إلى ما بعد الهجرة بستة عشر شهراً. ثم نسخ استقباله وصارت الكعبة هي القبلة الإسلامية. وقد رأيت أن سائحاً نصرانياً اسمه (اركولف) زار القدس سنة 670 م، أي بعد خلافة عمر بأربع وثلاثين سنة، وزعم أنه رأى مسجداً بناه عمر على شكل مربع من ألواح وجذوع أشجار ضخمة وأنه يسع نحو ثلاثة آلاف. والظاهر أن نسبة المسجد الأقصى إلى عمر بن الخطاب وهَم من أوهام النصارى اختلط عليهم كشف عمر موضع المسجد فظنوه بناءً. وإذا صدق اركولف فيما ذكر من أنه رأى مكاناً مربعاً من ألواح وعمد أشجار كان ذلك شيئاً أحدثه مسلمو البلاد لصيانة ذلك المكان عن الامتهان. وقوله {الذي باركنا حوله} صفة للمسجد الأقصى. وجيء في الصفة بالموصولية لقصد تشهير الموصوف بمضمون الصلة حتى كأن الموصوف مشتهر بالصلة عند السامعين. والمقصود إفادة أنه مبارك حوله. وصيغة المفاعلة هنا للمبالغة في تكثير الفعل، مثل عافاك الله. والبركة: نماء الخير والفضل في الدنيا والآخرة بوفرة الثواب للمصلين فيه وبإجابة دعاء الداعين فيه. وقد تقدم ذكر البركة عند قوله تعالى: {أية : مباركاً وهدى للعالمين}تفسير : في [آل عمران: 96]. وقد وصف المسجد الحرام بمثل هذا في قوله تعالى: {أية : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين}تفسير : [آل عمران: 96]. ووجه الاقتصار على وصف المسجد الأقصى في هذه الآية بذكر هذا التبريك أن شهرة المسجد الحرام بالبركة وبكونه مقام إبراهيم معلومة للعرب؛ وأما المسجد الأقصى فقد تناسى الناس ذلك كله، فالعرب لا علم لهم به والنصارى عفوا أثره من كراهيتهم لليهود، واليهود قد ابتعدوا عنه وأيسوا من عوده إليهم، فاحتيج إلى الإعلام ببركته. و حولَ يدل على مكان قريب من مكان اسم ما أضيف (حولَ) إليه. وكونُ البركة حولَه كنايةٌ عن حصول البركة فيه بالأوْلى، لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه؛ ففيه لطيفة التلازم، ولطيفة فحوَى الخطاب، ولطيفة المبالغة بالتكثير. وقريب منه قول زياد الأعجم: شعر : إنّ السماحةَ والمروءة والندى في قبةٍ ضُربت على ابن الحشرج تفسير : ولكلمة {حوله} في هذه الآية من حسن الموقع ما ليس لكلمة (في) في بيت زياد، ذلك أن ظرفية (في) أعم. فقوله: (في قبة) كناية عن كونها في ساكن القبة لكن لا تفيد انتشارها وتجاوزها منه إلى ما حوله. وأسباب بركة المسجد الأقصى كثيرة كما أشارت إليه كلمة {حوله}. منها أن واضعه إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ، ومنها ما لحقه من البركة بمن صلى به من الأنبياء من داوود وسليمان ومن بعدهما من أنبياء بني إسرائيل، ثم بحلول الرسول عيسى ــــ عليه السلام ــــ وإعلانه الدعوة إلى الله فيه وفيما حوله، ومنها بركة من دُفن حوله من الأنبياء، فقد ثبت أن قبري داوود وسليمان حول المسجد الأقصى. وأعظم تلك البركات حلول النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذلك الحلول الخارق للعادة، وصلاته فيه بالأنبياء كلهم. وقوله: {لنريه من آياتنا} تعليل الإسراء بإرادة إراءة الآيات الربانية، تعليلٌ ببعض الحِكَم التي لأجلها منح الله نبيئه منحة الإسراء، فإن للإسراء حِكماً جمة تتضح من حديث الإسراء المروي في «الصحيح». وأهمها وأجمعها إراءته من آيات الله تعالى ودلائل قدرته ورحمته، أي لنريه من الآيات فيخبرهم بما سألوه عن وصف المسجد الأقصى. ولام التعليل لا تفيد حصر الغرض من متعلقها في مدخولها. وإنما اقتُصر في التعليل على إراءة الآيات لأن تلك العلة أعلق بتكريم المُسرَى به والعناية بشأنه، لأن إراءة الآيات تزيد يقين الرائي بوجودها الحاصل من قبل الرؤية. قال تعالى: {أية : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين}تفسير : [الأنعام: 75]. فإن فطرة الله جعلت إدراك المحسوسات أثبت من إدراك المدلولات البرهانية. قال تعالى: {أية : وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}تفسير : [البقرة: 260]، ولذلك لم يقل الله بعد هذا التعليل أو لم يطمئن قلبك، لأن اطمئنان القلب مُتَّسِعُ المدى لا حد له فقد أنطق الله إبراهيم عن حكمة نبوءة، وقد بادر محمداً بإراءة الآيات قبل أن يسأله إياها توفيراً في الفضل. قال علي بن حزم الظاهري وأجاد: شعر : ولكن للعيان لطيفُ معنى له سأل المعايَنة الكليمُ تفسير : واعلم أن تقوية يقين الأنبياء من الحكم الإلهية لأنهم بمقدار قوة اليقين يزيدون ارتقاء على درجة مستوى البشر والتحاقاً بعلوم عالم الحقائق ومساواة في هذا المضمار لمراتب الملائكة. وفي تغيير الأسلوب من الغيبة التي في اسم الموصول وضميريه إلى التكلم في قوله: باركنا... ولنُريه من آياتنا سلوكٌ لطريقة الالتفات المتبعة كثيراً في كلام البلغاء. وقد مضى الكلام على ذلك في قوله تعالى: {أية : إياك نعبد}تفسير : في [الفاتحة: 5]. والالتفات هنا امتاز بلطائف: منها: أنه لما استُحضرت الذات العلية بجملة التسبيح وجملة الموصولية صار مقام الغيبة مقام مشاهدة فناسب أن يغير الإضمار إلى ضمائر المشاهدة وهو مقام التكلم. ومنها: الإيماء إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام عند حلوله بالمسجد الأقصى قد انتقل من مقام الاستدلال على عالم الغيب إلى مقام مصيره في عالم المشاهدة. ومنها: التوطئة والتمهيد إلى محمل معاد الضمير في قوله: {إنه هو السميع البصير}، فيتبادر عود ذلك الضمير إلى غير من عاد إليه ضمير {نريه} لأن الشأن تناسق الضمائر، ولأن العود إلى الالتفات بالقرب ليس من الأحسن. فقوله: {إنه هو السميع البصير} الأظهرُ أن الضميرين عائدان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقاله بعض المفسرين، واستقرَبَه الطيبي، ولكن جمهرة المفسرين على أنه عائد إلى الله تعالى. ولعل احتماله للمعنيين مقصود. وقد تجيء الآيات محتملة عدّةَ معانٍ. واحتمالها مقصود تكثيراً لمعاني القرآن، ليأخذ كل منه على مقدار فهمه كما ذكرنا في المقدمة التاسعة. وأياما كان فموقع (إنّ) التوكيد والتعليل كما يؤذن به فصل الجملة عما قبلها. وهي إما تعليل لإسناد فعل {نريه} إلى فاعله؛ وإما تعليل لتعليقه بمفعوله، فيفيد أن تلك الإراءة من باب الحكمة، وهي إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، فهو من إيتاء الحكمة من هو أهلها. والتعليل على اعتبار مرجع الضمير إلى النبي أوقع، إذ لا حاجة إلى تعليل إسناد فعل الله تعالى لأنه محقق معلوم. وإنما المحتاج للتعليل هو إعطاء تلك الإراءة العجيبة لمن شك المشركون في حصولها له ومن يحسبون أنه لا يطيقها مثله. على أن الجملة مشتملة على صيغة قصر بتعريف المسند باللام وبضمير الفصل قصراً مؤكداً، وهو قصر موصوف على صفة قصراً إضافياً للقلب، أي هو المدرك لما سمعه وأبصرهُ لا الكاذِبُ ولا المتوهمُ كما زعم المشركون. وهذا القصر يؤيد عود الضمير إلى النبي لأنه المناسب للرد. ولا ينازع المشركون في أن الله سميع وبصير إلا على تأويل ذلك بأنه المُسمع والمبصِر لرسوله الذي كذبتموه، فيؤول إلى تنزيه الرسول عن الكذب والتوهم. ثم إن الصفتين على تقدير كونهما للنبيء هما على أصل اشتقاقهما للمبالغة في قوة سمعه وبصره وقبولهما لتلقي تلك المشاهدات المدهشة، على حد قوله تعالى:{أية : ما زاغ البصر وما طغى}تفسير : [النجم: 17]، وقوله: {أية : أفتمارونه على ما يرى}تفسير : [النجم: 12]. وأما على تقدير كونهما صفتين لله تعالى فالمناسب أن تؤولا بمعنى المسمع المبصر، أي القادر على إسماع عبده وإبصاره، كما في قول عمرو بن معد يكرب: شعر : أمن ريحانة الداعي السميع تفسير : أي المُسمع. وقد اختلف السلف في الإسراء أكان بجسد رسول الله من مكة إلى بيت المقدس أم كان بروحه في رؤيا هي مشاهدة رُوحانية كاملة ورؤيا الأنبياء حق. والجمهور قالوا: هو إسراء بالجسد في اليقظة، وقالت عائشة ومعاوية والحسن البصري وابن إسحاق رضي الله عنهم أنه إسراء بروحه في المنام ورؤيا الأنبياء وحي. واستدل الجمهور بأن الامتنان في الآية وتكذيبَ قريش بذلك دليلان على أنه ما كان الإخبار به إلا على أنه بالجسد. واتفق الجميع على أن قريشاً استوصفوا من النبي صلى الله عليه وسلم علامات في بيت المقدس وفي طريقه فوصفها لهم كما هي، ووصف لهم عيراً لقريش قافلة في طريق معين ويوم معين فوجدوه كما وصف لهم. ففي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بينما أنا في المسجد الحرام بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل...»تفسير : إلى آخر الحديث. وهذا أصح وأوضح مما روي في حديث آخر أن الإسراء كان من بيته أو كان من بيت أم هاني بنت أبي طالب أو من شعب أبي طالب. والتحقيق حمل ذلك على أنه إسراء آخر، وهو الوارد في حديث المعراج إلى السماوات وهو غير المراد في هذه الآية. فللنبيء صلى الله عليه وسلم كرامتان: أولاهما الإسراء وهو المذكور هنا، والأخرى المعراج وهو المذكور في حديث «الصحيحين» مطولاً وأحاديث غيرِه. وقد قيل: إنه هو المشار إليه في سورة النجم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} الآية. قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً ويكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. فإنا نبين ذلك. فإذا علمت ذلك. فاعلم أن هذا الإسراء به صلى الله عليه وسلم المذكور في هذه الآية الكريمة، زعم بعض أهل العلم أنه بروحه صلى الله عليه وسلم دون جسده، زاعماً أنه في المنام لا اليقظة، لأن رؤيا الأنبياء وحي. وزعم بعضهم: أن الإسراء بالجسدِ، والمعراج بالروح دون الجسد، ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده صلى الله عليه وسلم يقظةً لا مناماً، لأنه قال {بعبده} والعبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، ولأنه قال {سبحان} والتَّسبيح إنما يكون عند الأمور العظام. فلو كان مناماً لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه. ويؤيده قوله تعالى: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ }تفسير : [النجم: 17] لأن البصر من آلات الذات لا الروح، وقوله هنا {لنريه من آياتنا}. ومن أوضح الأدلة القرآنية على ذلك قوله جل وعلا: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ }تفسير : [الإسراء: 60] فإنها رؤيا عين يقظة، لا رؤيا منام، كما صحَّ عن ابن عباس وغيره. ومن الأدلة الواضحة على ذلك - أنها لو كانت رؤيا منام لما كانت فتنة، ولا سبباً لتكذيب قريش، لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار، لأن المنام قد يرى فيه ما لا يصح. فالذي جعله الله فتنة هو ما رآه بعينه من الغرائب والعجائب. فزعم المشركون أن من ادعى رؤية ذلك بعينه فهو كاذب لا محالة، فصار فتنة لهم. وكون الشجرة الملعونة التي هي شجرة الزقوم على التحقيق فتنة لهم - "أن الله لما أنزل قوله: {أية : إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ }تفسير : [الصافات: 64] قالوا: ظهر كذبه. لأن الشجر لا ينبت بالأرض اليابسة، فكيف ينبت في أصل النار!" كما تقدم في البقرة. ويؤيد ما ذكرنا من كونها رؤيا عين يقظة قوله تعالى هنا: {لنريه من آياتنا} الآية، وقوله {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ}تفسير : [النجم: 17-18]. وما زعمه بعض أهل العلم من أن الرؤيا لا تطلق بهذا اللفظ لغة إلى على رؤيا المنام، مردود. بل التحقيق: أن لفظ الرؤيا يطلق في لغة العرب على رؤية العين يقظة أيضاً. ومنه قول الراعي وهو عربي قح: شعر : فكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشَّر نفساً كان قبل يلومها تفسير : فإنه يعني رؤية صائد بعينه. ومنه أيضاً قول أبي الطيب: شعر : ورؤياك أحلى في العيون من الغمض تفسير : قاله صاحب اللسان وزعم بعض أهل العلم: أن المراد بالرؤيا في قوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ}تفسير : [الإسراء: 60] الآية، رؤيا منام، وأنها هي المذكورة في قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّه}تفسير : [الفتح: 27] الآية: والحق الأول. وركوبه صلى الله عليه وسلم على البراق يدل على أن الإسراء بجسمه. لأن الروح ليس من شأنه الركوب على الدواب كما هو معروف، وعلى كل حال: فقد تواترت الأحاديث الصحيحة عنه: "أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأنه عرج به من المسجد الأقصى حتى جاوز السماوات السبع". قد دلت الأحاديث المذكورة على أن الإسراء والمعراج كليهما بجسمه وروحه، يقظة لا مناماً، كما دلت على ذلك أيضاً الآيات التي ذكرنا. وعلى ذلك من يعتد به من أهل السنة والجماعة، فلا عبرة بمن أنكر ذلك من الملحدين. وما ثبت في الصَّحيحين من طريق شريك عن أنس رضي الله عنه: أن الإسراء المذكور وقع مناماً - لا ينافي ما ذكرنا مما عليه أهل السنة والجماعة، ودلت عليه نصوص الكتاب والسنة. لإمكان أن يكون رأي الإسراء المذكور نوماً، ثم جاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح فأسري به يقظة تصديقاً لتلك الرؤيا المنامية. كما رأى في النوم أنهم دخلوا المسجد الحرام، فجاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح، فدخلوا المسجد الحرام في عمرة القضاء عام سبع يقظة، لا مناماً، تصديقاً لتلك الرؤيا. كما قال تعالى: {أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ...} تفسير : [الفتح: 27] الآية ويؤيد ذلك حديث عائشة الصحيح "فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" مع أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ساء حفظه في تلك الرواية المذكورة عن أنس، وزاد فيها ونقص، وقدم وأخر. ورواها عن أنس غيره من الحفاظ على الصواب، فلم يذكروا المنام الذي ذكره شريك المذكور. وانظر رواياتهم بأسانيدها ومتونها في تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى. فقد جمع طرق حديث الإسراء جمعاً حسناً بإتقان. ثم قال رحمه الله: "والحق أنه عليه الصلاة والسلام أسري به يقظة لا مناماً من مكة إلى بيت المقدس راكباً البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج وهو كالسلم ذو درجٍ يرقى فيها، فصعد فيه إلى السّماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزليهما صلى الله عليه وسلم وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوىً يسمع فيه صريف الأقلام - أي أقلام القدر - بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح، ورأى رفرفاً أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل بانِيَ الكعبة الأرضية مسنداً ظهره إليه، لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار. وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفاً بعباده. وفي هذا اعتناء بشرف الصلاة وعظمتها. ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء. فصلى بهم فيه لما حانت الصَّلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ. ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء. والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن، في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه، لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحداً واحداً وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق. لأنه كان أولاً مطلوباً إلى الجانب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى. ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النَّبيين، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام في ذلك. ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس. والله سبحانه وتعالى أعلم. انتهى بلفظه من تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام، فهو متواتر بهذا الوجه. وذكر النقاش ممن رواه: عشرين صحابياً، ثم شرع يذكر بعض طرقه في الصحيحين وغيرهما، وبسط قصة الإسراء، تركناه لشهرته عند العامة، وتواتره في الأحاديث. وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في آخر كلامه على هذه الآية الكريمة فائدتين، قال في أولاهما: "فائدة حسنة جليلة - وروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب (دلائل النبوة) من طريق محمد بن عمر الواقدي: حدثني مالك بن أبي الرجال، عن عمر بن عبد الله، عن محمد بن كعب القرظي قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة إلى قيصر". فذكر وروده عليه وقدومه إليه، وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل، ثم استدعى من بالشام من التجار فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه. فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم كما سيأتي بيانه. وجعل أبو سفيان يجتهد أن يحقِّر أمره ويصغِّره عنده، قال في هذا السياق عن أبي سفيان: "والله ما منعني من أن أقول عليه قولاً أسقطه به من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها عليَّ ولا يصدقني في شيءٍ. قال: حتَّى ذكرت قوله ليلة أسري به، قال فقلت: أيُّها الملك، ألا أخبرك خبراً تعرف به أَنه قد كذب. قال: وما هو؟ قال: قلت إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلةٍ، فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء، ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصَّباح. قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال بطريق إيلياء: قد علمت تلك الليلة. قال: فنظر إليه قيصر وقال: وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلةً حتَّى أغلق أبواب المسجد. فلما كانت تلك اللًّيلةِ أغلقت الأَبواب كلَّها غير بابٍ واحدٍ غلبني، فاستعنت عليه بعمَّالي ومن يحضرني كلهم فغلبنا، فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلاً، فدعوت إليه النَّجاجرة فنظروا إليه فقالوا: إنَّ هذا الباب سقط عليه النجاف والبنيان ولا نستطيع أن نحرِّكه، حتى نصبح فننظر من أين أتى! قال: فرجعت وتركت البابين مفتوحين. فلمَّا أصبحت غدوت عليهما فإذا المجر الذي في زاوية المسجد مثقوب. وإذا فيه أَثر مربط الدابة. قال: فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب اللَّيلة إلى على نبيٍّ وقد صلَّى الليلة في مسجدنا اهـ. ثم قال في الأخرى: "فائدة - قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) وقد ذكر حديث الإسراء عن طريق أنس وتكلم عليه فأجاد وأفاد. ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعودٍ، وأبي ذرٍّ، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وشداد بن أَوس، وأبي بن كعب، وعبد الرحمن بن قرط، وأبي حبة، وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وحذيفة، وبُريدة، وأبي أيوب، وأبي أُمامة، وسمرة بن جندب، وأبي الحمراء، وصهيب الرومي، وأم هانىء، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين. منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة "فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [الصف: 8] اهـ من ابن كثير بلفظه. وقد قدمنا أن أحسن أوجه الإعراب في {سبحان} أنه مفعول مطلق، منصوب بفعل محذوف: أي أسبح الله سبحاناً أي تسبيحاً. والتسبيح: الإبعاد عن السوء. ومعناه في الشرع: التنزيه عن كل ما لا يليق بجلال الله وكماله، كما قدمنا. وزعم بعض أهل العلم: أن لفظة {سبحان} علم للتنزيه. وعليه فهو علم جنسٍ لمعنى التنزيه على حد قول ابن مالك في الخلاصة، مشيراً إلى أن علم الجنس يكون للمعنى كما يكون للذات: شعر : ومثله برة للمبرة كذا فجار علم للفجرة تفسير : وعلى أنه علم - فهو ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. والذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أنه غير علم، وأن معنى {سبحان} تنزيهاً لله عن كل ما لا يليق به. ولفظة {سبحان} من الكلمات الملازمة للإضافة، وورودها غير مضافة قليل. كقول الأعشى: شعر : فقلت لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر تفسير : ومن الأدلة على أنه غير علم - ملازمته للإضافة والأعلام تقل إضافتها، وقد سمعت لفظة {سبحان} غير مضافة مع التنوين والتعريف. فمثاله مع التنوين قوله: شعر : سبحانه ثم سبحانا نعوذ به وقبلنا سبح الجودي والجمد تفسير : ومثاله معرفاً قول الراجز: شعر : سبحانك اللهم ذا السبحان تفسير : والتعبير بلفظ العبد في هذا المقام العظيم يدل دلالة واضحة على أن مقام العبودية هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها. إذ لو كان هناك وصف أعظم منه لعبر به في هذا المقام العظيم، الذي اخترق العبد فيه السبع الطباق، ورأى من آيات ربّه الكبرى. وقد قال الشاعر في محبوب مخلوق، ولله المثل الأعلى: شعر : يا قوم قلبي عند زهراء يعرفه السامع والراءي لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي تفسير : واختلف العلماء في النكتة البلاغية التي نكر من أجلها {ليلاً} في هذه الآية. قال الزمخشري في الكشاف: أراد بقوله {ليلاً} بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء، وأنه أُسري به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة. وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة {من الليل} أي بعض الليل. كقوله: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً}تفسير : [الإسراء: 79] يعني بالقيام في بعض الليل اهـ، واعترض بعض أهل العلم هذا. وذكر بعضهم: أن التنكير في قوله {ليلاً} للتعظيم. أي ليلاً أي ليل، دنا فيه المحب إلى المحبوب! وقيل فيه غير ذلك. وقد قدمنا: أن أسرى وسرى لغتان. كسقى وأسقى، وقد جمعهما قول حسان رضي الله عنه: شعر : حي النضيرة ربة الخدر أسرت إليك ولم تكن تسري تفسير : بفتح التاء من "تسري" والباء في اللغتين للتعدية، كالباء في {أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ}تفسير : [البقرة: 17] وقد تقدمت شواهد هذا في (سورة هود). تنبيه اختلف العلماء - هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسراء بعين رأسه أو لا؟ فقال ابن عباس وغيره: "رآه بعين رأسه" وقالت عائشة وغيرها: "لم يره". وهو خلاف مشهور، بين أهل العلم معروف. قال مقيده عفا الله عنه: التحقيق الذي دلت عليه نصوص الشرع: أنه صلى الله عليه وسلم لم يره بعين رأسه. وما جاء عن بعض السلف من أنه رآه. فالمراد به الرؤية بالقلب. كما في صحيح مسلم: "أنه رآه بفؤاده مرتين" لا بعين الرأس. ومن أوضح الأدلة على ذلك - أن أبا ذر رضي الله عنه ( وهو هو في صدق اللهجة) سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المسالة بعينها. فأفتاه بما مقتضاه: أنه لم يره. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، حديث : عن أبي ذر قال: سأّلت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأّيت ربك؟ قال: "نور! أنى أراه؟". . تفسير : حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي (ح) وحدثني حجاج بن الشاعر، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، كلاهما عن قتادة، حديث : عن عبد الله بن شقيق قال: "قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته. فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: "رأيت نوراً" تفسير : هذا لفظ مسلم. وقال النووي في شرحه لمسلم: أما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نور! أَنى أراه"تفسير : !! فهو بتنوين "نور" وفتح الهمزة في "أَنى" وتشديد النون وفتحها. و "أَراه" بفتح الهمزة هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول والروايات. ومعناه: حجابه نور، فكيف أراه!!. قال الإمام أبو عبد الله المازري رحمه الله: الضمير في "أراه" عائد إلى الله سبحانه وتعالى، ومعناه: أن النور منعني من الرؤية. كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار، ومنعها من إدراك ما حالت بين الراثي وبينه. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأَيت نوراً" تفسير : معناه: رأيت النور فحسب، ولم أر غيره. قال: وروي "نوراني" بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء. ويحتمل أن يكون معناه راجعاً إلى ما قلناه. أي خالق النور المانع من رؤيته، فيكون من صفات الأفعال. قال القاضي عياض رحمه الله: هذه الرواية لم تقع إلينا! ولا رأيناها في شيء من الأصول اهـ محل الغرض من كلام النووي. قال مقيده عفا الله عنه: التحقيق الذي لا شك فيه هو: أن معنى الحديث هو ما ذكر، من كونه لا يتمكن أحد من رؤيته لقوة النور الذي هو حجابه. ومن أصرح الأدلة على ذلك أيضاً حديث أبي موسى المتفق عليه "حديث : حِجَابُهُ النُّور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"تفسير : وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نور! أني أراه؟"تفسير : . أي كيف أراه وحجابه نور، من صفته أنه لو كشفه لأحرق ما انتهى إليه بصره من خلقه. وقد قدمنا: أن تحقيق المقام في رؤية الله جل وعلا بالأبصار - أنها جائزة عقلاً في الدنيا والآخرة، بدليل قوله موسى {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْك } تفسير : [الأعراف: 143] لأنه لا يجهل المستحيل في حقّه جل وعلا. وأنها جائزة شرعاً وواقعة يوم القيامة، ممتنعة شرعاً في الدنيا قال: {أية : لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ}تفسير : [الأعراف: 143] إلى قوله {أية : جَعَلَهُ دَكّاً} تفسير : [الأعراف: 143]. ومن أصرح الأدلة في ذلك حديث"حديث : إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا"تفسير : في صحيح مسلم وصحيح ابن خزيمة كما تقدم. وأما قوله: {أية : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}تفسير : [النجم: 8-9] الآية - فذلك جبريل على التحقيق، لا الله جلَّ وعلا قوله تعالى: {ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}. أظهر التفسيرات فيه: أن معنى {باركنا حوله} أكثرنا حوله الخير والبركة بالأشجار والثمار والأنهار. وقد وردت آيات تدل على هذا. كقوله تعالى: {أية : وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 71] وقوله: {أية : وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 81] فإن المراد بتلك الأرض: الشام. والمراد بأنه بارك فيها: أنه أكثر فيها البركة والخير بالخصب والأشجار والثمار والمياه كما عليه جمهور العلماء. وقال بعض العلماء: المراد بأنه بارك فيها أنه بعث الأنبياء منها. وقيل غير ذلك. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ}. الظاهر إنما أراه الله من آياته في هذه الآية الكريمة: أن أراه إياه رؤية عين. فهمزة التعدية داخلة على رأى البصرية. كقولك: أرأيت زيداً دار عمرو. أي جعلته يراها بعينه. و"من" في الآية للتبعيض، والمعنى {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ}: أي بعض آياتنا فجعله يراها بعينه. وذلك ما رآه صلى الله عليه وسلم بعينه ليلة الإسراء من الغرائب والعجائب. كما جاء مبيناً في الأحاديث الكثيرة. ويدل لما ذكرنا في الآية الكريمة قوله تعالى في سورة النجم: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ}تفسير : [النجم: 17-18].
الواحدي
تفسير : {سبحان الذي} براءةٌ له من السُّوء {أسرى بعبده} سيَّر محمَّداً عليه السَّلام {من المسجد الحرام} يعني: مكَّة، ومكَّةُ كلُّها مسجد {إلى المسجد الأقصى} وهو بيت المقدس، وقيل له الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام {الذي باركنا حوله} بالثِّمار والأنهار {لنريه من آياتنا} وهو ما أُري في تلك اللَّيلة من الآيات التي تدلُّ على قدرة الله سبحانه. ثمَّ ذكر أنَّه سبحانه أكرم موسى عليه السَّلام أيضاً قبله بالكتاب، فقال: {وآتينا موسى الكتاب} التَّوراة {وجعلناه هدىً لبني إسرائيل} دللناهم به على الهدى {ألا تتخذوا} فقلنا: لا تتخذوا، و "أن" زائدة، والمعنى: لا تتوكَّلوا على غيري ولا تتَّخذوا من دوني ربَّاً.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- تنزيهاً لله عما لا يليق به، وهو الذى سار بعبده محمداً فى جزء من الليل من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس، الذى بارك الله حوله لسكانه فى أقواتهم، لِنُريَه من أدلتنا ما فيه البرهان الكافى على وحدانيتنا وعظم قدرتنا، إن الله - وحده - هو السميع البصير.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: سبحان: أي تنزه وتقدس عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله وهو الله جل جلاله. بعبده: أي بعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. من المسجد الحرام: أي الذي بمكة. إلى المسجد الأقصى: أي الذي ببيت المقدس. من آياتنا: أي من عجائب قدرتنا ومظاهرها في الملكوت الأعلى. معنى الآية الكريمة: نزه الرب تبارك وتعالى نفسه عما نسب إليه المشركون من الشركاء والبنات وصفات المحدثين، فقال: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} أي محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي العدناني {لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي بالليل من المسجد الحرام بمكة إذ أخرج من بيت أم هانئ وغسل قلبه بماء زمزم وحشي إيماناً وحكمة، ثم أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بيت المقدس، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه جمع الله تعالى له الأنبياء في المسجد الأقصى وصلى بهم إماماً فكان بذلك إمام الأنبياء وخاتمهم ثم عرج به إلى السماء سماء بعد سماء يجد في كل سماء مقربيها إلى أن انتهى إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ثم عرج به إلى أن انتهى إلى مستوى سمع فيه صرير الأقلام وقوله تعالى: {ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} أي حول المسجد الأقصى معنى حوله خارجة وذلك بالأشجار والأنهار والثمار أما داخله فالبركة الدينية بمضاعفة الصلاة فيه أي أجرها إذ الصلاة فيه بخمسمائة صلاة أجراً ومثوبة وقوله تعالى {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} تعليل للاسراء والمعراج وهو أنه تعالى أسرى بعبده وعرج به ليريه من عجائب صنعه في مخلوقاته في الملكوت الأعلى، وليكون ما علمه من طريق الوحي قد علمه بالرؤية والمشاهدة. وقوله تعالى {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} يعني تعالى نفسه بأنه هو السميع لأقوال عباده البصير بأعمالهم وأحوالهم فاقتضت حكمته هذا الاسراء العجيب ليزداد الذين آمنوا إيماناً وليرتاب المرتابون ويزدادون كفراً وعناداً. هداية الآية الكريمة: من هداية الآية الكريمة: 1- تقرير عقيدة الإِسراء والمعراج بالنبي صلى الله عليه وسلم بالروح والجسد معاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم إلى السماوات العلى، إلى مستوى سمع فيه صرير الأقلام وأوحى إليه تعالى ما أوحى وفرض عليه وعلى أمته الصلوات الخمس. 2- شرف المساجد الثلاثة: الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى أما المسجدان الحرام والأقصى فقد ذكرا بالنص وأما مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ذكر بالإِشارة والإِيماء إذ قول الأقصى يقتضي قصياً، فالقصي هو المسجد النبوي والأقصى هو مسجد بيت المقدس. 3- بيان الحكمة في الإِسراء والمعراج وهي أن يرى الرسول صلى الله عليه وسلم بعيني رأسه ما كان آمن به وعلمه من طريق الوحي فأصبح الغيب لدى رسول الله شهادة.
القطان
تفسير : سبحانه الله: تنزيها له عن كل ما لا يليق بجلاله. أسرى: سار ليلا. المسجد الحرام: مسجد مكة. المسجد الاقصى: الحرم في بيت المقدس، وهو اقصى، أي بعيد بالنظر الى الحجاز. تنزيها لله الذي اسرى بعبده محمد في جزء من الليل، ومن المسجد الحرام بمكة الى المسجد الاقصى ببيت المقدس، ذلك المسجد الذي جعلنا البركة فيه وحوله لسكّانه في معايهشم وقواتهم، لنُري عبدنا محمدا من أدلتنا ما فيه البرهان الكافي والدليل الساطع على وحدانيتنا وعظم قدرنا. ان الله الذي اسرى بعبده هو السميع لما يقول هؤلاء المشركون من اهل مكة، البصير بما يفعلون. حادث الاسراء: كان حادث الاسراء في ليلة 27 من رجب قبل الهجرة بسنة واحدة، وقد حصل الاسراء من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى بالجسد والروح فعلا، ولو كان الاسراء بالروح فقط لما كان في ذلك شيء من العجب، ولما قامت ضجة قريش، وبادروا الى تكذيبه. فالرواية تقول حديث : ان الرسول الكريم كان نائما في بيت ابنة عمه ام هانئ، فأُسري به ورجع من ليلته وقص القصة على ام هانئ، ثم قام ليخرج الى المسجد فتشبثت ام هانئ بثوبه، فقال لها: مالك؟ قالت: اخشى ان يكذّبك قومك ان أخبرتهم: قال: وان كذّبوني. فخرج فجلس اليه ابو جهل، فاخبره رسول الله بحديث الاسراء، فقال ابو جهل: با معشر بني كعب بن لؤي، هلُم. فحدّثهم. فاستنكر القوم ذلك، فمن مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وانكارا. وارتد ناس من المسلمين. وسعى رجال الى ابي بكر رضي الله عنه قال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أشهد لئن قال ذلك لقد صدق. قالوا: فتصدّقه في ان يأتى الشام في ليلة واحدة ثم يرجع الى مكة قبل ان يصبح؟ قال: نعم، انا أصدقه بأبعدَ من ذلك، اصدقه بخبر السماء. فسُمّيَ الصدّيق. وكان منهم من سافر الى بيت المقدس، فطلبوا اليه وصف بيت المقدس فوصفه لهم وصفا دقيقا، فقالوا أخبرْنا عن عِيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها واحوالها، وقال: تَقْدُم يوم كذا، فكان كما قال. وفي الليلة ذاتها كان العروج الى السماء من بيت المقدس . تفسير : بيت المقدس بناه العرب الكنعانيون، واليبوسيون منهم، على جبل صهيون نحو سنة 2500 قبل الميلاد. وكلمة "صيهون" كنعانية أخذها اليهود وجعلوها شعاراً لهم. والرحلة من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى رحلة تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن ابراهيم واسماعيل عليهما السلام الى محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم. كما تربط بين الاماكن المقدسة لديانات التوحيد، وتعيد الحق الى أهله. والمقصود من هذه الرحلة العجيبة اعلان وراثة الرسول الاخير لمقدسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدسات وارتباط رسالته بها جميعا، فهي رحلة ترمز الى ابعد من حدود الزمان والمكان، وتشمل آمادا وآفاقا أوسع من ذلك. كما أنها تتضمن معاني اكبر من المعاني القريبة التي تنكشف عنها النظرة الأولى. وهي آية من آيات الله، تفتح القلب على آفاق عجيبة في هذا الوجود، وتنكشف عن الطاقات المخبوءة في كيان هذا المخلوق البشري، والاستعدادات الدينية التي يتهيأ بها لاستقبال فيض القدرة في اشخاص المختارين من هذا الجنس الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه. وفي هذه الآية الكريمة يدلنا الله تعالى الى ان بيت المقدس والشام أجمع هي بلادنا وملك لنا فسارِعوا الى اخذها. ولم تمض عشرون سنة حتى كانت في حوزة المسلمين وبقيت وستبقى الى الأبد في أيديهم مهما كانت الغمّة القائمة. ومهما جمعت اسرائيل من قوة واسلحة ودعمها الامريكان والانكليز وغيرهم فانها سوف تزول، ولسنا نشك في ان دائرة السوء ستدور عليهم جميعا، ويذهب هذا الباطل، وينمحي ذلك الزيف والكذب وتبقى القدس عربية مسلمة، وتبقى الصخرة المشرفة، ومسجد عمر {أية : لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [الروم:4].
د. أسعد حومد
تفسير : {سُبْحَانَ} {ٱلأَقْصَى} {بَارَكْنَا} {آيَاتِنَآ} (1) - يُمَجِّدُ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ، وَيُنَزِّهُهَا عَنْ شِرْكِ مَنْ أَشْرَكَ، وَيُعَظِّمُ شَأْنَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَقَدْ أَسْرَى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لَيْلاً مِنْ مَكَّةَ (المَسْجِدِ الحَرَامِ)، إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ (المَسْجِدِ الأَقْصَى)، وَهُوَ المَسْجِدُ الَّذِي بَارَكَ اللهُ مَا حَوْلَهُ، مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ وَنَبَاتٍ .. لِيُرِيَ عَبْدَهُ مُحَمَّداً، مِنْ آيَاتِهِ العِظَامِ، مَا فِيهِ الدَّلِيلُ القَاطِعُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ لأَقْوَالِ العِبَادِ، البَصِيرُ بِأَحْوَالِهِمْ. (كَانَ الإِسْرَاءُ قَبْلَ خَمْسِ سِنِينَ مِنَ الهِجْرَةِ، فَأَسْرَى اللهُ تَعَالَى بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلى السَّمَاءِ، وِفْقاً لِمَا جَاءَ فِي الأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم). (وَاخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ مَا إِذَا كَانَ الإِسْرَاءُ قَدْ تَمَّ بِبَدَنِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، أَوْ بِرُوحِهِ فَقَطْ. وَأَكْثَرُ الفُقَهَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ بِبَدَنِهِ وَرُوحِهِ، يَقْظَةً لاَ مَنَاماً. وَلَمَّا حَدَّثَ الرَّسُولُ قُرَيْشاً بِإِسْرَائِهِ اسْتَغْرَبُوا ذلِكَ كَثِيراً، وَأَخَذُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ صِفَاتِ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَأَخَذَ يَصِفُهُ لَهُمْ، فَقَالُوا: أَمَّا النَّعْتَ فَصَحِيحٌ. وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ بِبَدَنِهِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَدَأَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: {سُبْحَانَٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}، فَالتَّسْبِيحُ إِنَّما يَكُونُ عِنْدَ الأُمُورِ العِظَامِ، فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ لَمْ يَتَعَدَّ المَنَامَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِيرُ شَيْءٍ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَعْظَماً، وَلَمَا ارْتَدَّتْ جَمَاعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنِ الإِسْلاَمِ، وَلَمَا بَادَرَتْ قُرَيْشٌ إِلَى تَكْذِيبِهِ، ثُمَّ إِنَّ عِبَارَةَ (عَبْدِهِ) تَدُلُّ عَلَى مَجْمُوعِ الرُّوحِ وَالجَسَدِ. وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى عَنْ هذا الإِسْرَاءِ: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}،تفسير : وَالبَصَرُ مِنَ آلاَتِ الذَّاتِ لاَ الرُّوحِ. وَمَنْ آمَنَ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى التِي لاَ حُدُودَ لَهَا، لاَ يَسْتَعْظِمُ أَنْ يُسْرِيَ اللهُ بِرَسُولِهِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلى المَسْجِدِ الأَقْصَى بِجَسَدِهِ، لأَِنَّ الإِسْرَاءَ بِالنَّبِيِّ بِجَسَدِهِ هُوَ أَمَامَ قُدْرَةِ اللهِ فِي مِثْلِ السُّهُولَةِ التِي يُسْرَى بِهِ بِرُوحِهِ، وَلِذَلِكَ فَلاَ يَسْتَغْرِبْ مُؤْمِنٌ بِاللهِ وُقُوعَ هذا الحَادِثِ). وَقَدْ جَاءَ فِي كُتُبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ نُبُوءتَانِ لِنَبِيَّيْنِ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ تُشِيرَ أُولاَهُما إِلَى أَنَّ سَيِّدَ الرُّسُلِ أَوْ رَسُولَ اللهِ سَيَزُورُ بَيْتَ المَقْدِسِ (الهَيْكَلَ) فَجْأَةً. وَتَقُولُ الأٌخْرَى إِنَّهُ سَيُعْرَجُ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ لِيَمْثُلَ فِي حِضْرَةِ الرَّبِّ العَظِيمِ لِيَمْنَحَهُ المَجْدَ وَالسُّلْطَانَ لإِبَادَةِ الشِرْكِ مِنَ الأَرْضِ. وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم هَذَا الشَّرَفَ العَظِيمَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ هُوَ المَقْصُودَ بِالنبوءَتَيْنِ.
الثعلبي
تفسير : {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} . "حديث : عن طلحة بن عبيد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله. قال: تنزيه الله عن كل سوء" تفسير : ويكون سبحان بمعنى التعجب. قال الأعشى: شعر : أقول لما جاءني فخر سبحان من علقمة الفاخر تفسير : وفي بعض الحديث تفسير سبحان الله: براءة الله من السوء. فالآية متضمنة للمعنين جميعاً. {مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} . اختلفوا فيه: قال بعضهم: كان اسراء رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد مكة. يدل عليه ماروى قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بينما أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبرئيل بالبراق.." تفسير : وذكر حديث المعراج. وقال الآخرون: عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم من دار أم هاني بنت أبي طالب أخت علي (رضي الله عنه) وزوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي. وقالوا: معنى قوله {مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} من الحرم، لأن الحرم كله مسجد. يدل عليه ماروى الكلبي عن أبي صالح عن باذان حديث : عن أم هاني بنت أبي طالب أنها كانت تقول: ما أسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة فصلى في بيتي العشاء الآخرة فصليت معه، ثمّ قمت فنمت وتركته في مصلاه فلم انتبه حتّى أنبهني لصلاة الغداة، قال: "قومي يا أم هاني أُحدثك العجب". فقلت: كل حديثك العجب بأبي أنت وأمي فقام وصلى الغداة فصليت معه فلما إنصرف قال: "يا أم هاني لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بعد نومك ثمّ أتاني جبرئيل وأنا في مُصلاي هذا فقال: يا محمّد أخرج فخرجت إلى الباب فإذا بملك راكب على دابة فقال لي: اركب فركبت فسارت بي إلى بيت المقدس، فإذا أتيت على واد طالت يدا الدابة وقصرت رجلاها، فإذا أتيت على عقبة طالت رجلاها وقصرت يداها حتّى إذا أنتهيت إلى بيت المقدس فصليت فيه ثمّ صليت صلاة الغداة معكم الآن كما تروني" . تفسير : قال مقاتل: كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة. {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} يعني بيت المقدس، سمّي أقصى لأنه أبعد المساجد التي تزار {ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} بالماء والأنهار والأشجار والثمار. وقال مجاهد: سمّاه مباركاً لأنه مَقَرّ الأنبياء، وفيه مهبط الملائكة والوحي، وهو الصخرة، ومنه يحشر الناس يوم القيامة. {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} عجائب أمرنا {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ}. وأما حديث المسرى، فأقتصرت به على الأخبار المأثورة المشهورة دون المناكير والأحاديث الواهية الأسانيد وجمعتها على نسق واحد مختصر، ليكون أعلى في الاستماع وأدنى إلى الانتفاع، وهو ما ورى الزهري عن ابن سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى السدي عن محمّد بن السائب عن باذان عن ابن عبّاس عن النبي صلى الله عليه وسلم دخل كلام بعضهم في بعض قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما كانت ليلة أسري بي وأنا بمكة بين النائم واليقظان، جاءني جبرئيل (عليه السلام) فقال يا محمّد قم فقمت فإذا جبرئيل ومعه ميكائيل فقال جبرئيل لميكائيل: أئتني بطشت من ماء زمزم لكيما [وعطر قلبه] وأشرح له صدره قال: فشق بطني فغسله ثلاث مرات واختلف إليه ميكائيل بثلاث طشات من ماء زمزم، فشرح صدري ونزع ما كان فيه من غل وملاه حلماً وعلماً وإيماناً وختم بين كتفيَّ بخاتم النبوة، ثمّ أخذ جبرئيل بيدي حتّى انتهى بي إلى سقاية زمزم فقال لملك: ائتني بنور من ماء زمزم ومن ماء الكوثر، فقال: توضأ فتوضأت ثمّ قال لي: انطلق يا محمّد. قلت: إلى اين؟ قال: إلى ربك ورب كل شيء، فأخذ بيدي وأخرجني من المسجد فإذا أنا بالبراق دابة فوق الحمار ودون البغل خدّه كخد الانسان وذنبه كذنب البعير وعرفه كعرف الفرس وقوائمه كقوائم الابل وأظلافه كأظلاف البقر وصدره كأنه ياقوتة حمراء وظهره كأنه درة بيضاء عليه رحل من رحائل الجنة، وله جناحان في فخذيه يمّر مثل البرق خطوة منتهى طرفه فقال لي: إركب، وهي دابة إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام. قال: فلما وضعت يديَّ عليه شمس واستعصى عليَّ، فقال جبرئيل: مه يابراق، فقال البراق: يا جبرئيل [مس ظهري] فقال جبرئيل: هل مسستَ [ظهراً] قال: لا والله إلاّ إني مررت يوماً على [نصاب إبل] فمسحت يدي على رؤسهما وقلت: إن قوماً يعبدونكما من دون الله ضلال. فقال جبرئيل: يابراق أما تستحي فوالله ماركبك مذ كنت قط نبي أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم قال: فأرتعش البراق وأنصب عرقاً حياءً مني، ثمّ خفض لي حتى لزق بالأرض، فركبته واستويت عليه قام بي جبرئيل نحو المسجد الأقصى بخطوا البراق مدَّ البصر يرسل إلى جنبي لا يفوتني ولا أفوته حيناً أنا في مسيري إذا جاءني نداء عن يميني قال: يا محمّد على رسلك أسلك بقولها ثلاثاً فلم أرفق عليه ثمّ مضيت حتّى جاوزته، فإذا أنا بامرأة عجوز رفعت لي عليها من كل زينة وبهجة تقول: يا محمّد إليَّ، فلم ألتفت إليها وقلت: يا جبرئيل من هذا الذي ناداني عن يميني؟ فقال: داعية اليهود والذي نفسي بيده لو أجبته لتهودت أُمتك من بعدك والذي ناداك من يسارك داعية النصارى، والذي نفسي بيده لو أجبت لتنصّرت أُمتك من بعدك، فأما التي رفعت لك بهجتها وزينتها فهي الدنيا لو التويت إليها لاختارت أُمتك الدنيا على الآخرة. ثمّ أتيت بإنائين أحدهما اللبن والآخر خمرة فقيل لي: اشرب ايهما شئت، فأخذت اللبن فشربته. فقال لي جبرئيل: أصبت الفطرة أنت وأمتك، أما إنك لو أخذت الخمر لخمرت أمتك من بعدك قال: ثمّ سار رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار معه جبرئيل فأتى على قوم يزرعون ويحصدون في يوم واحد، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء المهاجرون في سبيل الله يضاعف لهم الحسنة سبعمائة ضعف، وما انفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين. قال: ثمّ أتى على قوم يرضخ رؤسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيئاً. قال: ماهؤلاء ياجبرئيل؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة. ثمّ أتى على قوم إقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع فيسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع، والزقوم قد صف جهنم وحجارتها فقال: ماهؤلاء ياجبرئيل؟ فقال: هؤلاء الذين لايؤدون صدقات أموالهم وماظلمهم الله {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] ثمّ أتى على قوم بين ايديهم لحم في قدر نضيج طيب ولحم آخر خبيث، فجعلوا يأكلون الخبيث ويدعون النضيج الطيب، قال: ماهؤلاء ياجبرئيل؟ فقال: هذا الرجل من يكون عنده المرأة حلالاً طيباً فأتى امرأه خبيثة فيبيت معها حتّى يصبح، فالمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيباً فتأتي الرجل الخبيث فتبيت معه حتّى تصبح، ثمّ أتى على [إمرأة] في الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء آخر إلا فتتّه. فقال: ما هذا ياجبرئيل؟ قال: هذا مثل أمتك يقعدون على الطريق فيقطعون بمثلاً {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} [الأعراف: 86] الآية ثمّ أتى على رجل جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال: ما هذا ياجبرئيل؟ قال: هذا الرجل من أمتك عليه أمانات الناس لايقدر على أدائها وهو يزيد عليها، ثمّ أتى على قوم يقرض السنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت. قال: ما هؤلاء ياجبرئيل؟ قال هؤلاء خطباء الفتنة، ثمّ أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع. قال: ما هذا؟ قال: هذا الرجل من أمتك يتكلم الكلمة العظيمة ثمّ يندم عليها ولا يستطيع أن يردها. قال: ثمّ أتى واد فوجد ريحاً طيبة باردة وصوتاً. قال: ما هذه الريح الطيبة وما هذا الصوت؟ قال: هذا صوت الجنة، فقال: ربّ أرني بما وعدتني فقد كثر غُرَفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي ولبني وخمري ومائي، فأتني بما وعدتني. فقال: لك كل مؤمن ومؤمنة من آمن بي وبرسلي وعمل صالحاً ولم يشرك بي ولم يتخذ من دوني أنداداً، ومن خشيني فهو آمن ومن سألني أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل عليَّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلاّ أنا لا أخلف الميعاد قد أفلح المؤمنين تبارك الله أحسن الخالقين قال: قد رضيت. قال ثمّ أتى على واد فسمع صوتاً منكراً ووجد ريحاً منتنة فقال: ماهذا يا جبرئيل؟ قال: هذا صوت جهنم تقول: [يا ربّ آتني] ما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حرّي إئتني بما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لايؤمن بيوم الحساب. قالت: قد رضيت يارب، ثمّ سار ومعه جبرئيل فقال له جبرئيل: إنزل فصل. قال: فنزلت وصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجرة إلى الله. ثمّ قال: إنزل فصلّ قال فنزلت فصليت فقال: أتدري أين صليت صليت بطور سيناء حيث كلّم الله موسى ثمّ قال: إنزل فصل، قال: فنزلت فصليت. فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى (عليه السلام) قال: ثمّ مضينا حتّى أتينا بيت المقدس فلما انتهيت إليه إذا أنا بملائكة قد نزلوا من السماء يتلقونني بالبشارة والكرامة من عند رب العزة يقولون: السلام عليك يا أول ويا آخر ويا حاشر، قال: قلت ياجبرئيل ما تحيتهم إياي؟ قال: إنك أول من تنشر عنه الأرض وعن أمتك، وأول شافع وأول مشفع وإنك آخر الأنبياء وإن الحشر لك وبأمتك يعني حشر يوم القيامة». قال صلى الله عليه وسلم "ثمّ جاوزناهم حتّى انتهينا إلى باب المسجد، فأنزلني جبرئيل وربط البراق بالحلقة الي كانت تربط بها الأنبياء (عليه السلام) بحطام عليه من حرير الجنة، فلما دخلت الباب إذا أنا بالأنبياء والمرسلين ". تفسير : وفي حديث أبي العالية: حديث : "أرواح الأنبياء والمرسلين الذين بعثهم الله قبلي من لدن إدريس ونوح إلى عيسى قد جمعهم الله عزّ وجلّ، فسلموا عليَّ وحيوني بمثل تحية الملائكة قلت: ياجبرئيل من هؤلاء؟ قال: أخوتك الأنبياء، زعمت قريش أن لله شريكاً، واليهود والنصارى أن لله ولداً، سل هؤلاء المرسلين هل لله شريك؟ وذلك قوله تعالى {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] فأقرّوا بالربوبية لله تعالى ثمّ جمعهم والملائكة صفوفاً فقدمني وأمرني أن أُصلي بهم فصليت بهم ركعتين. ثمّ إن الأنبياء أثنوا على ربهم فقال إبراهيم (عليه السلام) الحمد لله الذي إتخذني خليلاً وأعطاني مُلكاً عظيماً وجعلني أُمة قانتاً يؤتم بي وأنقذني من النار وجعلها عليّ برداً وسلاماً. ثمّ إن موسى (عليه السلام) أثنى على ربّه فقال: الحمد لله رب العالمين الذي كلمني تكليماً وجعل هلاك فرعون منه ونجاة بني إسرائيل على يديّ، وجعل من أمتي قوماً يهدون بالحق وبه يعدلون. ثمّ إن داود (عليه السلام) أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكاً عظيماً وعلمني الزبور وأَلاَنَ لي الحديد وسخر لي الجبال يسبحن والطير وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب. ثمّ إن سليمان (عليه السلام) أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح وسخر لي جنود الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواني وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير وآتاني من كل شيء فضلاً وآتاني ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعدي وجعل ملكي ملكاً طيباً ليس عليّ فيه حساب. ثمّ إن عيسى (عليه السلام) أثنى على ربه فقال: الحمد لله ربّ العالمين الذي جعلني كلمة منه وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وجعلني أبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ورفعني وطهرني وأعاذني وأُمّي من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان علينا سبيل. ثمّ إن محمداً صلى الله عليه وسلم قال: كلكم قد أثنى على ربه وأنا مثن على ربي فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيراً ونذيراً وأنزل عليّ القرآن (فيه بيان كل شيء) وجعل أُمتي {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] وجعل أُمتي {أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة: 143] وجعل أُمتي هم الأولون والآخرون وشرح لي صدري ووضع عني وزري ورفع لي ذكري وجعلني فاتحاً وخاتماً. فقال إبراهيم (عليه السلام): بهذا أفضلكم محمّد، ثمّ أتى بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها: إناء فيه ماء فقيل له: إشرب فشرب منه يسيراً، ثمّ دفع إليه إناء آخر فيه لبن فقيل له: إشرب فشرب منه حتّى روى، ثمّ دفع إليه إناء آخر فيه خمر فقيل له: إشرب، فقال: لا أريده قد رويت. فقال له جبرئيل: قد أصبت أما إنها ستحرم على أُمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أُمتك إلاّ قليل، ولو رويت من الماء لغرقت وغرقت أمتك ثمّ أخذ جبرئيل (عليه السلام) بيدي فإنطلق بي إلى الصخرة فصعد بي إليها فإذا معراج إلى السماء لم أرَّ مثله حسناً وجمالاً لم ينظر الناظرون إلى شيء قط أحسن منه. ومنه تعرج الملائكة اصله على صخرة بيت المقدس ورأسه ملتصق بالسماء إحدى عارضيه ياقوتة حمراء والأخرى زبرجدة خضراء درجة من فضة ودرجة من ذهب ودرجة من زمرد مكلل بالدر والياقوت وهو المعراج الذي ينطلق منه ملك الموت لقبض الأرواح [لمغاراتهم فيمنكم شخص أسرعت] عنه المعرفة إذا عاينه لحسنهُ، فاحتملني جبرئيل حتّى وضعني على جناحه ثمّ ارتفع بي إلى سماء الدنيا من ذلك المعراج، فقرع الباب فقيل: مَن؟ قال: أنا جبرئيل. قال: ومن معك؟ قال: محمّد. قال: أوَقد بعث محمّد؟ قال: نعم. قال: مرحباً به حيّاهُ الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ففتح الباب ودخلنا. قال: فبينما أنا أسير في السماء الدنيا إذ رايت ديكاً له زغب أخضر ورأس أبيض بياض ريشه كأشد بياض ما رأيته قط، وزغب أخضر تحت ريشه كأشد خضرة ما رأيتها قط وإذا رجلا في تخوم الأرض السابعة السفلى ورأسه عند العرش مثنيّ عنقه تحت العرش له جناحان من منكبيه إذا نشرهما جاوز المشرق والمغرب فإذا كان في بعض [الميل] نشر جناحيه وخفق بهما، وصرخ بالتسبيح لله عزّ وجلّ يقول سبحان الملك القدوس الكبير المتعال لا إله إلاّ هو الحي القيوم، فإذا فعل ذلك سبّحت ديكة الأرض كلها وخفقت بأجنحتها وأخذت في الصراخ فإذا سكن ذلك الديك في السماء سكنت ديكة الأرض كلها، ثمّ إذا هاج بنحو ما فعلوا في السماء صاحت ديكة الأرض جواباً له بالتسبيح لله عزّ وجلّ بنحو قوله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لم أزل منذ رأيت ذلك الديك مشتاقاً إليه أن أراه ثانية". قال: ثمّ مررت بملك نصف جسده مما يلي رأسه نار والنصف الآخر ثلج وما بينهم رتق، فلا النار يذيب الثلج ولا الثلج يطفيء النار، وهو قائم ينادي بصوت له حسن رفيع: اللهم مؤلف بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين. فقلت: يا جبرئيل من هذا؟ قال: ملك من الملائكة يقال له حبيب وكلّه الله بأكناف السماوات وأطراف الأرضين، ما أنصحه لأهل الأرض هذا قوله منذ خلقه الله تعالى.قال: ثمّ مررت بملك آخر جالس على كرسي قد جمع الدنيا بين ركبتيه، وفي يديه لوح مكتوب من نور ينظر فيه لا يلتفت يميناً ولا شمالاً ينظر فيه كهيئة الحزين. فقلت: من هذا ياجبرئيل؟ مامررت أنا بملك أنا أشد خوفاً منه شيء من هذا؟ قال: وما يمنعك كلّنا بمنزلتك، هذا ملك الموت دائب في قبض الأرواح وهو أشد الملائكة عملاً وأدأبهم. قلت: يا جبرئيل كل من مات نظر إلى هذا؟ قال: نعم. قلت: كفى بالموت من طامة. فقال: يا محمّد ما بعد الموت أطمّ وأعظم، قلت: يا جبرئيل أُدنني من ملك الموت أسلم عليه وأساله فأدناني منه فسلمت عليه فأومى إليَّ فقال له جبرئيل: هذا محمّد نبي الرحمة ورسول العرب فرحب بي وحياني وأحسن بشارتي وإكرامي. وقال: أبشر يا محمّد فإني ارى الخير كله في أمتك. فقلت: الحمد لله المنان بالنعم، ما هذا اللوح الذي بين يديك؟ قال: مكتوب فيه آجال الخلائق. قلت: فأين أسماء من قبضت أرواحهم في الدهور الخالية؟ قال: تلك في لوح آخر قد علمت خلقها، ولذلك أصنع بكل ذي روح إذا قبضت روحه خَلفّت عليها، فقلت: يا ملك الموت سبحان الله كيف تقدر على قبض أرواح جميع أهل الأرض وأنت في مكانك هذا لا تبرح؟ قال: ألا ترى أن الدنيا كلها بين ركبتي وجميع الخلائق بين عيني ويداي يبلغان المشرق والمغرب وخلقهما فإذا نفد أجل عبد من عباد الله نظرت إليه وإلى أعواني فإذا نظر أعواني من الملائكة اليَّ فنظرت إليه عرفوا أنه مقبوض فعمدوا إليه يعالجون نزع روحه فإذا بلغ الروح الحلقوم علمت ذلك ولا يخفى عليَّ شيء من أمري، أمددت يدي إليه فقبضته فلا يلي قبضه غيري، فذلك أمري وأمر ذوي الأرواح من عباد الله. قال: إنما أبكاني حديثه وأنا عنده ثمّ جاوزنا فمررنا بملك آخر ما رأيت من الملائكة خلقاً مثله عابس الوجه كريه المنظر شديد البطش ظاهر الغضب، فلما نظر رغبت منه شيئاً وسألته فقلت: يا جبرئيل من هذا؟ فإني رعبت منه رعباً شديداً قال: فلا تعجب أن ترعب منه كلنا بمنزلتك في الرعب منه، هذا مالك خازن النار لم يتبسم قط ولم يزل منذ ولاّه الله عزّ وجلّ جهنم يزداد كل يوم غضباً وغيظاً على أعداء الله عزّ وجلّ وأهل معصيته لينتقم منهم، قلت: ادنني منه. فأدناني منه فسلم عليه جبرئيل فلم يرفع رأسه فقال جبرئيل: يا مالك هذا محمّد رسول العرب فنظر اليَّ وحياني وبشرني بالخير. فقلت: مُذّ كم أنت واقف على جهنم؟ فقال: مذ خلقت حتّى الآن وكذلك إلى أن تقوم الساعة فقلت: يا جبرئيل مره ليرني طرفاً من النار فأمره ففعل فخرج منه لهب ساطع أسود معه دخان مكدر مظلم إمتلأ منه الآفاق فرايت هولا عظيماً وأمراً فظيعاً أعجز عن صفته لكم فغشيّ عليَّ وكاد يذهب نَفسي، فضمّني جبرئيل وأمر أن يرد النار فرّدها. قال صلى الله عليه وسلم "فجاوزناها فمررنا بملائكة كثيرة لا يحصى عدتهم إلاّ الله عزّ وجلّ منهم وجوه بين كتفيه ووجوه في صدره في كل وجه أفواه والسن، فهو يحمد الله ويسبحه بتلك الألسن ورأيت من أجسامهم وخلقهم وعبادتهم أمراً عظيماً، ثمّ جاوزناها فإذا برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء كما ينقص من خليقة الناس عن يمينه باب تخرج منه ريح طيبة وعن شماله باب تخرج منه ريح خبيثة إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك فإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى بحزن، فقلت: يا جبرئيل من هذا وما هذان البابان؟ قال: هذا أبوك آدم (عليه السلام) هذا الباب عن يمينه باب الجنة إذا نظر إلى من يدخل من ذريته الجنة ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم إذا نظر إلى من يدخل من ذريته جهنم بكى وحزن قال: ثمّ صعدنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبرئيل (عليه السلام) فقيل: من هذا؟ قال: جبرئيل. قيل ومَن معك؟ قال: محمّد، قيل: وقد أرسله الله. قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنِعم الأخ ونعِم الخليفة ونعم المجيء، فدخلنا فاذا بشابين فقلت: يا جبرئيل من هذان الشابان؟ فقال: هذا عيسى ويحيى أبناء الخالة. قال: ثمّ صعدت إلى السماء الثالثة فاستفتح فقالوا: من هذا ؟ قال: جبرئيل. قيل ومَن معك؟ قال: محمّد. قالوا: وقد أُرسل محمّد؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنِعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخلنا فإذا برجل قد فُضّل على الناس بالحسن كأفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب قلت: من هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا أخوك يوسف (عليه السلام)". قال صلى الله عليه وسلم "ثمّ صعد بي إلى السماء الرابعة فاستفتح قالوا: من هذا؟ قال: جبرئيل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمّد. قالوا: وقد أُرسل محمّد؟ قال: نعم. قالوا: حيّاه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخلنا فإذا برجل من حاله [كذا] فقلت: من هذا يا جبرئيل؟ قال: "هذا إدريس رفعه الله مكاناً علياً وهو مسند ظهره إلى دواوين الخلائق التي فيها أمورهم. قال: ثمّ صعد بي إلى السماء الخامسة فإستفتح قالوا: من هذا؟ قال: جبرئيل. قالوا: من معك؟ قال: محمّد قالوا: وقد أُرسل محمّد؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء. قال: ثمّ دخلنا فإذا برجل جالس وحوله قوم يقصٌّ عليهم فقلت: ياجبرئيل من هذا؟ ومن هؤلاء الذين حوله؟ قال: هذا هارون [المحبب] وهؤلاء الذين حوله بنو إسرائيل". قال "ثمّ صعدنا إلى السماء السادسة فإستفتح فقالوا: من هذا؟ قال: جبرئيل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمّد؟ قالوا: وقد أُرسل محمّد؟ قال: نعم قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، ثمّ دخلنا فإذا برجل جالس فجاوزناه فبكى الرجل فقلت: يا جبرئيل من هذا؟ قال: هذا موسى. قلت: فماله يبكي؟ قال: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله عزّ وجلّ، وهذا رجل من بني آدم وقد خلفني في دنياه وأنا في أخرتي فلو أنه بنفسه لم أبال ولكن مع كل نبي أمته". قال: "ثمّ صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح فقيل من هذا؟ قال: جبرئيل. قيل ومن معك؟ قال: محمّد. قالوا: وقد أرسل محمّد؟ قال: نعم. قالوا: حيّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، ثمّ دخلنا فإذا برجل [أشمط] جالس على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم جلوس [بيض] الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء [...] فقام الذين في ألوانهم شيء فدخلوا نهراً فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء، ثمّ دخلوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم وصارت مثل ألوان أصحابهم فجاءوا فجلسوا إلى جنب أصحابهم فقلت: يا جبرئيل من هذا الأشمط ومن هؤلاء وما هذه الأنهار؟ قال: هذا أبوك إبراهيم (عليه السلام) أوّل من شمط على الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، فأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار الثلاثة فأولها رحمة الله والثاني نعمة الله والثالث سقاهم ربهم شراباً طهوراً قال: فإذا إبراهيم مستند إلى بيت فسالت جبرئيل، فقال: هذا البيت المعمور يدخل فيه كل يوم سبعون الف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما عليهم. قال: فاتي بي جبرئيل حتّى إنتهينا إلى سدرة المنتهى فإذا أنا بشجرة لها أوراق الواحدة منها مغطية الدنيا بما فيها وإذا شقها مثل هلال هجر تخرج من أصلها أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان فسألت عنها جبرئيل فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهرين فالنيل والفرات ويخرج أيضاً من أصلها {أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} [محمد: 15] وهي على حد السماء السابعة مما الجنة وعروقها وأغصانها تحت الكرسي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنتهيت إلى سدرة المنتهى وأنا أعرف أنها سدرة المنتهى وأعرف ورقها وثمرها فغشيها من نور الله ما غشيها وغشيتها الملائكة كأنهم جراد من ذهب من خشية الله تعالى فلما غشيها ما غشيها تحولت حتّى ما يستطيع أحد منعها، قال: وفيها ملائكة لا يعلم عدّتهم إلاّ الله عزّ وجلّ، ومقام جبرئيل في وسطها فلما إنتهيت إليها قال لي جبرئيل: تقدم. فقلت: أقدم من؟ تقدم أنت يا محمّد فإنك أكرم على الله مني، فتقدمت وجبرئيل على أثري حتّى انتهى بي إلى حجاب فراس الذهب فحرك الحجاب. فقال: من ذا؟ قال: أنا جبرئيل ومعي محمّد. قال الملك: الله أكبر فأخرج يده من تحت الحجاب فاحتملني وخلف جبرئيل فقلت له: إلى أين؟ قال: يا محمّد ومامنا إلاّ له مقام معلوم إن هذا منتهى الخلائق،وإنما أذن لي في الدنو إلى الحجاب لاحترامك ولجلالك". قال: "فإنطلق بي الملك أسرع من طرفة عين إلى حجاب اللؤلؤ فحرك الحجاب. قال الملك: من وراء الحجاب: من هذا؟قال: أنا صاحب فراس الذهب وهذا محمّد رسول العرب معي. فقال الملك: الله اكبر وأخرج يده من تحت الحجاب فأحتملني حتّى وضعني بين يديه فلم أزل كذلك من حجاب إلى حجاب حتّى جاوزوا بي سبعين حجاباً غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام وما بين الحجاب إلى الحجاب مسيرة خمسمائة عام، ثمّ دلّى لي رفرف أخضر يغلب ضوءه ضوء الشمس فألتمع بصري ووضعت على ذلك الرفرف ثمّ إحتملني حتّى وصلني إلى العرش فلما رأيت العرش إتضح كل شيء عند العرش فقربني الله إلى سند العرش وتدلى لي قطرة من العرش فوقف على لساني فماذاق الذائقون شيئاً قط أحلى منها فأنباني الله عزّ وجلّ بها نبأ الأولين والآخرين وأطلق الله لساني بعد ما كلّ من هيبة الرحمن، فقلت: التحيات لله والصلوات الطيبات. فقال الله تعالى: سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال: يا محمّد هل تعلم فيم اختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: أنت أعلم يارب بذلك وبكل شيء وأنت علام الغيوب. قال: اختلفوا في الدرجات والحسنات، فهل تدري يا محمّد ما الدرجات وما الحسنات؟ قلت: أنت أعلم يارب. قال: الدرجات إسباغ الوضوء في المكروهات والمشي على الأقدام إلى الجماعات وإنتظار الصلوات بعد الصلاة والحسنات إفشاء السلم وإطعام الطعام والتهجد بالليل والناس نيام ثمّ قال: يا محمّد آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه؟ قلت: نعم أي رب. قال: ومن؟ قلت: والمؤمنين {كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} [البقرة: 285] كما فرقت اليهود والنصارى. فقال: ماذا قالوا؟ قلت: قالوا: سمعنا قولك وأطعنا أمرك. قال: صدقت فسل تعط. قال: فقلت: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} [البقرة: 285] قال: قد غفرت لك ولأمتك سل تعطه؟ فقلت: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] قال: قد رفعت الخطأ والنسيان عنك وعن أمتك وما استكرهوا عليه، قلت: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] قال: قد فعلت ذلك بك وبأمتك. قلت ربنا {وَٱعْفُ عَنَّا} [البقرة: 286] من الخسف {وَٱغْفِرْ لَنَا} [البقرة: 286] من القذف {وَٱرْحَمْنَآ} [البقرة: 286] من المسخ {أَنتَ مَوْلاَنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] قال: قد فعلت ذلك لك ولأُمتك، ثمّ قيل: لي سل. فقلت: يارب إنك إتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً، ورفعت إدريس مكاناً علياً، وآتيت سليمان ملكاً عظيماً، وآتيت داود زبوراً، فمالي يارب؟ قال ربي: يا محمّد اتخذتك خليلي كما اتخذت إبراهيم خليلاً وكلمتك كما كلمت موسى تكليماً وأعطيتك فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة وكانا من كنوز العرش ولم أعطها نبياً قبلك، وأرسلتك إلى أهل الأرض جميعاً أبيضهم وأسودهم وإنسهم وجنّهم ولم أرسل إلى جماعتهم نبياً قبلك وجعلت الارض كلها برّها وبحرها طهوراً ومسجداً لك ولأمتك وأطعمتك وأمتك الفيء ولم أطعمه أمة قبلهم ونصرتك بالرعب على عدوك مسيرة شهر، وأنزلت عليك سيد الكتب كلها ومهيمناً عليها قرآناً فرقناه ورفعت لك ذكرك فتذكر كلما ذكرت في شرائع ديني، وأعطيتك مكان التوراة المثاني ومكان الانجيل المبين ومكان الزبور الحواميم، وفضلتك بالمفصّل وشرحت لك صدرك ووضعت عنك وزرك وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس وجعلهم أمة وسطاً وجعلتهم الأولين وهم الآخرون فخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين". قال صلى الله عليه وسلم "ثمّ فوّض لي بعهد بعدها أمور لم يؤذن لي أن أخبركم بها ثمّ فرضت عليَّ وعلى أُمتي في كل يوم وليلة خمسون صلاة فلما شهد اليَّ بعهده وتركني عنده ما شاء قال لي: إرجع إلى قومك فبلغهم عني فَحملني الرفرف الأخضر الذي كنت عليه يخفضني ويرفعني حتّى أهوى بي إلى سدرة المنتهى فإذا أنا بجبرئيل (عليه السلام) أبصره خلفي بقلبي كما أبصر بعيني أمامي، فقال لي جبرئيل: ابشر يا محمّد فإنك خير خلق الله وصفوته من النبيين حياك الله بما لم يحيي به أحداً من خلقه لا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولقد وضعك مكاناً لم يصل إليه أحد من أهل السماوات والأرض فهنّاك الله كرامته وما حباك من المنزلة الأثيرة والكرامة الفائقة، فخذ ذلك وإشكر فإن الله منعم يحب الشاكرين. فحمدت الله على ذلك ثمّ قال لي جبرئيل: إنطلق يا محمّد إلى الجنة حتّى أُريك مالكَ فيها فتزداد بذلك في الدنيا زهادة إلى زهادتك وفي الآخرة رغبة إلى رغبتك فسرنا نهوي منفضين أسرع من السهم والريح حتّى وصلنا بإذن الله إلى الجنة فهدأت نفسي [وثاب] إليَّ فؤادي وأنشأت أسأل جبرئيل عما كنت رأيت [في الجنة] من البحور والنار والنور وغيرها، فقال: سبحان الله تلك سرادقات عرش رب العزة التي أحاطت بعرشه فهي سترة الخلائق من نور الحجب ونور العرش لولا ذلك لأحرق نور العرش ونور الحجب من تحت العرش من خلق الله ومالم تره أكثر وأعجب، قلت: سبحان الله ما أكثر عجائب خلقه. قلت: يا جبرئيل ومن الملائكة الذين رأيتهم في تلك البحور الصفوف بعد الصفوف كأنهم بنيان مرصوص؟ قال: يا رسول الله هم الروحانيون الذين يقول الله: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ} [النبأ: 38] ومنهم الروح الأعظم، ثمّ بعد ذلك قلت: ياجبرئيل فمن الصف الواحد الذين في البحر الأعلى فوق الصفوف كلها قد أحاطوا بالعرش؟ قال: هم الكروبيون أشراف الملائكة وعظمائهم ولايجتري أحد من الملائكة أن ينظر إلى ملك من الكروبيين وهم أعظم شأنا من أن أصف صفتهم لك وكفى مارأيت منهم، ثمّ طاف بي جبرئيل في الجنة بإذن الله فما نزل منها مكاناً إلاّ رأيته وأخبرني عنه فرأيت القصور من الدر والياقوت والاستبرق والزبرجد ورأيت الأشجار من الذهب الأحمر قضبانهم اللؤلؤ وعروقهن الفضة راسخة في المسك فلأنا أعرف بكل قصر وبيت وغرفة وخيمة ونهر وثمر في الجنة مني بما في مسجدي هذا. قال: ورأيت نهراً يخرج من أصله ماء أشد بياضاً من اللبن واحلى من العسل على رضراض دُرّ وياقوت ومسك أذفر. فقال جبرئيل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله عزّ وجلّ وهو التسنيم يخرج من دورهم وقصورهم وبيوتهم وغرفهم يمزجون بها أشربتهم من اللبن والعسل والخمر فذلك قوله {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ} [المطففين: 27] {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} [الإنسان: 6] الآية. ثمّ انطلق بي يطوف في الجنة حتّى انتهينا إلى شجرة لم أر شجرة مثلها، فلما وقفت تحتها رفعت رأسي فإذا أنا لا أرى شيئاً من خلق ربي غيرها لعظمها وتفرق اغصانها ووجدت فيها ريحاً طيبة لم أشم في الجنة ريحاً أطيب منها فقلّبت بصري فيها فإذا ورقها حلل طرايف من ثياب الجنة من بين أبيض وأحمر وأخضر وثمارها أمثال القلال العظام من كل ثمرة خلقها الله في السماوات والأرضين من ألوان شتى وطعوم شتى وريح شتى، فعجبت من تلك الشجرة وما رأيت من حسنها. قلت: ياجبرئيل ما هذه الشجرة؟ قال: هذه التي ذكرها الله عز وجلّ وبشرى لهم {وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد: 29، ص: 25، 40] ولكثير من أمتك ورهطك في ظلها حسن مقيل ونعيم طويل ورأيت في الجنة مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كل ذلك مفروغ عنه معدّ إنما ينتظر به صاحبه من أولياء الله عزّ وجلّ وما غمني الذي رأيت قلت: لمثل هذا فليعمل العاملون. ثمّ عرض عليَّ النار حتّى نظرت إلى أغلالها وسلاسلها وحيّاتها وعقاربها وغساقها ويحمومها، فنظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكلّ بهم من يأخذ بمشافرهم، ثمّ يجعل في أفواههم صخراً من نار تخرج من أسافلهم. قلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً. ثمّ انطلقت فإذا أنا بنقر لهم بطون كأنها البيوت وهم على سابلة آل فرعون فإذا مرَّ بهم آل فرعون ثاروا فيميل بأحدهم بطنه فيقع فيتوطأهم آل فرعون بأرجلهم وهم يعرضون على النار غدواً وعشياً. قلت: من هؤلاء ياجبرئيل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا ومثلهم كمثل {ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ} [البقرة: 275] ثمّ إنطلقت فإذا أنا بنساء معلقات بثديهن منكسات أرجلهن. قلت: من هؤلاء ياجبرئيل؟ قال: هن اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن. ثمّ أخرجني من الجنة فمررنا بالسموات منحدراً من السماء إلى السماء حتّى أتيت على موسى فقال: فما فرض الله عليك وعلى أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. فقال موسى: أنا أعلم بالناس منك وأني [سرت] الناس بني إسرائيل وعالجتهم أشد المعالجة وأن أمتك أضعف الأمم فارجع إلى ربك واسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لن تطيق ذلك. قال: فرجعت إلى ربي . تفسير : وفي بعض الأخبار: حديث : "فرجعت فأتيت سدرة المنتهى فخررت ساجداً، قلت: يا رب فرضت عليَّ وعلى امتي خمسين صلاة ولن أستطيع أن أقوم بها ولا أمتي فخفّف عني عشراً. فرجعت إلى موسى فسألني فقلت: خفف عني عشراً. قال: ارجع إلى ربك فأسأله التخفيف فإن أمتك أضعف الأمم فإني قد لقيت من بني إسرائيل شدة. قال: فرجعت فردّها إلى ثلاثين فما زلت بين ربي وبين موسى (عليه السلام) حتى جعلها خمس صلوات فأتيت موسى (عليه السلام) فقال: إرجع إلى ربك فأسأله التخفيف. فقلت: فإني قد رجعت إلى ربي حتّى استحيت وما أنا براجع إليه، قال: فنوديت أني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلوات، ولا يبدل القول لدي فخمسة بخمسين فقم بها أنت وأمتك إني قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي وأجزي بالحسنة عشر أمثالها لكل صلاة عشر صلوات. قال: فرضيَّ محمد صلى الله عليه وسلم كل الرضا وكان موسى (عليه السلام) من أشدهم عليه حين مرَّ به وخيرهم لهم حين رجع إليه. ثمّ انصرفت مع صاحبي وأخي جبرئيل لايفوتني ولا أفوته حتّى انصرف بي إلى مضجعي وكان كل ذلك ليلة واحدة من لياليكم هذه فأنا سيد ولد آدم ولا فخر، وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وإليَّ مفاتيح الجنة يوم القيامة ولا فخر، وأنا مقبوض عن قريب بعد الذي رأيت فإني رأيت من آيات ربي الكبرى مارأيت وقد أحببت اللحوق بربي عزّ وجلّ ولقاء من رأيت من إخواني، وما رأيت من ثواب الله لأوليائه {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} [القصص: 60]. قال: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به وكان بذي طوى قال: "يا جبرئيل إن قومي لا يصدقونني". قال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق (رضي الله عنه) . تفسير : قال ابن عبّاس وعائشة رضى الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : "لما كانت ليلة أُسري بي وأصبحت بمكة قطعت بأمري وعرفت إن الناس تكذبني". قال: فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم معتزلاً حزيناً فمرَّ به أبو جهل عدو الله فأتاه فجلس إليه، وقال كالمستهزي: هل إستفدت من شيء؟ قال: "نعم إني أُسري بي الليلة" قال: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس" قال: ثمّ أصبحت بين ظهرانينا. قال: "نعم" فكان أبو جهل ينكر مخافة أن يجحده، الحديث. قال: أتحدث قومك ماحدثتني؟قال: "نعم" قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلمّوا. قال: فأنتقضت المجالس فجاءوا حتّى جلسوا اليهما. قال: حدِّث قومك ماحدثتني. قال: "نعم إنّي أُسري بي الليلة". قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس". قال: ثمّ أصبحت بين ظهرانينا قال: "نعم". قال: فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً للكذب، فإرتد ناس ممن كان آمن به وصدقه وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر (رضي الله عنه) فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أنه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس؟. قال: أوقد قال؟ قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: تصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في عدوه وروحه. فلذلك سمي أبو بكر الصديق (رضي الله عنه). قال: وفي القوم من قد سافر هناك ومن قد اتى المسجد، فقالوا: هل تستطيع أن تصف لنا المسجد؟ قال: «نعم». قال: فذهبت أنعت وأنعت فما زلت أنعت حتّى إلتبس عليَّ. قال: فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتّى وضع دون دار عقيل أو عقال فنعت المسجد وأنا أنظر إليه. فقال القوم: أما النعت فوالله قد أصاب. ثمّ قالوا: يا محمّد أخبرنا عن عيرنا فهي أهم إلينا من قولك، هل لقيت فيها شيئاً؟ قال: "نعم مررت على عير بني فلان وهي بالروجاء وقد أضلوا بعيراً لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قعب من ماء فعطشت فأخذته فقربته ثمّ وضعته كما كان فاسألوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا إليه ". قالوا: إن هذه آية واحدة. قال: "ومررت بعير فلان وفلان وفلان راكبان قعوداً لهما ببني مرة ففرآ بكرهما مني فرمى بفلان فإنكسرت يده فسلوهما عن ذلك. قالوا: وهذه آية أخرى. قالوا: أخبرنا عن عيرنا نحن؟ قال: "مررت بها بالنعيم". قالوا: فما عدتها وأحمالها وغنمها؟ قال: "كنت في شغل من ذلك ثمّ مثلت لي فكأنه بالجزورة وبعدتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها" فقال: "نعم هيئتها كذا وكذا وفيها فلان وفلان تقدمها جعل أورق عليه خزارتان مخيطتان يطلع عليكم عند طلوع الشمس". قالوا: وهذه آية، ثمّ خرجوا يشدّون نحو [الثلاثة] وهم يقولون: والله لقد قص محمّد شيئاً وبيّنه حتّى أتوا كداً فجلسوا عليه فجعلوا ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبون، إذ قال قائل منهم: هذا الشمس قد طلعت. وقال الآخر: وهذه الإبل قد طاعت يتقدمها بعير أورق فيها فلان وفلان كما قال لهم، فلم يؤمنوا ولم يفلحوا وقالوا: ما سمعنا بهذا قط إن هذا إلاّ سحر مبين . تفسير : آخر المعراج ولله الحمد والمنة. فإن قيل: إنما قال الله {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا} فَلِم قال: إنه أسرى إلى السماء. فالجواب أنه قال: إنما قال: {أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا} كان ابتدأ أمر المعراج كان المسري، والعروج كان بعد الاسراء، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدق، والحكمة فيه والله أعلم أنه لو أخبر إبتدأ بعروجه إلى السماء لاشتد إنكارهم وعظم ذلك في قلوبهم ولم يصدقوه، فأخبر بيت المقدس بها فلما تمكن ذلك في قلوبهم وبَان لهم صدقة وقامت الحجة عليهم له، أخبر بصعوده إلى السماء العليا وسدرة المنتهى وبقرينة حتّى دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى {وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ} كما أسرينا بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} الآية يعني {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} ربّاً وشريكاً وكفيلاً. قرأه العامّة: يتخذوا بالياء، يعني قلنا لهم لا يتخذوا. وقرأ ابن عبّاس ومجاهد وأبو عمر: بالياء واختاره أبو عبيد قال: لأنه خبر عنهم {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} فأنجيناهم من الطوفان {إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً}. قال المفسرون: كان نوح (عليه السلام) إذا لبس ثوباً يأكل طعاماً أو شرب شراباً. قال: الحمد لله، فسمّي عمداً شكوراً. روى النظر بن شقي عن عمران بن سليم قال: إنما سمي نوح (عليه السلام) عبداً شكوراً لأنه كان إذا أكل طعاماً قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، فإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو أشاء أظماني وإذا اكتسى قال: الحمد ألله الذي كساني ولو أشاء أعراني، فإذا اهتدى قال: الحمد لله الذي هداني ولو أشاء لما هداني فإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني الأذى في عافية ولو شاء لحبسه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : استهل الحق سبحانه هذه السورة بقوله (سُبْحَانَ)؛ لأنها تتحدث عن حدث عظيم خارق للعادة، ومعنى سبحان: أي تنزيهاً لله تعالى تنزيهاً مطلقاً، أن يكون له شبيه أو مثيل فيما خلق، لا في الذات، فلا ذاتَ كذاته، ولا في الصفات فلا صفات كصفات، ولا في الأفعال، فليس في أفعال خَلْقه ما يُشبِه أفعاله تعالى. فإن قيل لك: الله موجود وأنت موجود، فنزّه الله أن يكون وجوده كوجودك؛ لأن وجودك عن عدم، وليس ذاتياً فيك، ووجوده سبحانه ليس عن عدم، وهو ذاتي فيه سبحانه. فذاته سبحانه لا مثيلَ لها، ولا شبيه في ذوات خلقه. وكذلك إن قيل: سَمْع ولله سمع. فنزِّه الله أنْ يُشابه سمعُه سمعَك، وإن قيل: لك فِعْل، ولله فِعْل فنزِّه الله أن يكون فعله كفعلك. ومن معاني (سُبْحَان) أي: أتعجب من قدرة الله. إذن: كلمة (سُبْحَان) جاءت هنا لتشير إلى أنَّ ما بعدها أمرٌ خارج عن نطاق قدرات البشر، فإذا ما سمعتَه إياك أنْ تعترضَ أو تقول: كيف يحدث هذا؟ بل نزِّه الله أن يُشابه فِعْلُه فِعْلَ البشر، فإن قال لك: إنه أسرى بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيتَ المقدس في ليلة، مع أنهم يضربون إليها أكباد الإبل شهراً، فإياك أن تنكر. فربك لم يقُلْ: سَرَى محمد، بل أُسْرِي به. فالفعل ليس لمحمد ولكنه لله، وما دام الفعل لله فلا تُخضعْه لمقاييس الزمن لديك، ففِعْل الله ليس علاجاً ومزاولة كفعل البشر. ولو تأملنا كلمة (سُبْحَان) نجدها في الأشياء التي ضاقتْ فيها العقول، وتحيَّرتْ في إدراكها وفي الأشياء العجيبة، مثل قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36]. فالأزواج أي: الزوجين الذكر والأنثى، ومنهما يتم التكاثر في النبات، وفي الإنسان وقد فسر لنا العلم الحديث قوله: {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} بما توصَّل إليه من اكتشاف الذرة والكهرباء، وأن فيهما السالب والموجب الذي يساوي الذكر والأنثى؛ لذلك قال تعالى: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الذاريات: 49]. ومنها قوله تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ..} تفسير : [الروم: 17]. فمَنْ يطالع صفحة الكون عند شروق الشمس وعند غروبها، ويرى كيف يحُلُّ الظلام محلَّ الضياء، أو الضياء محل الظلام، لا يملك أمام هذه الآية إلا أن يقول: سبحان الله. ومنها قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} تفسير : [الزخرف: 13]. هذه كلها أمور عجيبة، لا يقدر عليها إلا الله، وردتْ فيها كلمة (سبحان) في خلال السور وفي طيّات الآيات. و(سُبْحَان) اسم يدلُّ على الثبوت والدوام، فكأن تنزيه الله موجود وثابت له سبحانه قبل أن يوجد المنزِّه، كما نقول في الخلق، فالله خالق ومُتصف بهذه الصفة قبل أنْ يخلق شيئاً. وكما تقول: فلان شاعر، فهو شاعر قبل أن يقول القصيدة، فلو لم يكن شاعراً ما قالها. إذن: تنزيه الله ثابت له قبل أن يوجد مَنْ يُنزِّهه سبحانه، فإذا وُجِد المنزّه تحوَّل الأسلوب من الاسم إلى الفعل، فقال سبحانه: {أية : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الحشر: 1]. وهل سبَّح وسكت وانتهى التسبيح؟ لا، بل: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الجمعة: 1]. على سبيل الدوام والاستمرار، وما دام الأمر كذلك والتسبيح ثابت له، وتُسبِّح له الكائنات في الماضي والحاضر، فلا تتقاعس أنت أيُّها المكلَّف عن تسبيح ربك، يقول تعالى: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1]. وقوله: (أُسْرِي) من السُّرى، وهو السير ليلاً، وفي الحِكَم: (عند الصباح يحمَدُ القوْمُ السُّرى). فالحق سبحانه أسرى بعبد، فالفعل لله تعالى، وليس لمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تَقِسْ الفعل بمقياس البشر، ونزِّه فِعْل الله عن فِعْلك، وقد استقبل أهل مكة هذا الحدث استقبال المكذِّب. فقالوا: كيف هذا ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً، وهم كاذبون في قولهم؛ لأن رسول الله لم يَدَّع أنه سَرَى بل قال: أُسْرِي بي. ومعلوم أن قَطْع المسافات يأخذ من الزمن على قدر عكس القوة المتمثلة في السرعة. أي: أن الزمن يتناسب عكسياً مع القوة، فلو أردنا مثلاً الذهاب إلى الإسكندرية سيختلف الزمن لو سِرْنا على الأقدام عنه إذا ركبنا سيارة أو طائرة، فكلما زادت القوة قَلَّ الزمن، فما بالك لو نسب الفعل والسرعة إلى الله تعالى، إذا كان الفعل من الله فلا زمن. فإنْ قال قائل: ما دام الفعل مع الله لا يحتاج إلى زمن، لماذا لم يَأْتِ الإسراء لمحةً فحسْب، ولماذا استغرق ليلة؟ نقول: لأن هناك فرْقاً بين قطْع المسافات بقانون الله سبحانه وبين مَرَاءٍ عُرِضَتْ على النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق، فرأى مواقف، وتكلَّم مع أشخاص، ورأى آيات وعجائب، هذه هي التي استغرقت الزمن. وقلنا: إنك حين تنسب الفعل إلى فاعله يجب أن تعطيه من الزمن على قَدْر قوة الفاعل. هَبْ أن قائلاً قال لك: أنا صعدتُ بابني الرضيع قمة جبل "إفرست"، هل تقول له: كيف صعد ابنك الرضيع قمة "إفرست"؟ هذا سؤال إذن في غير محلِّه، وكذلك في مسألة الإسراء والمعراج يقول تعالى: أنا أسريتُ بعبدي، فمن أراد أنْ يُحيل المسألة ويُنكرها، فليعترض على الله صاحب الفعل لا على محمد. لكن كيف فاتتْ هذه القضية على كفار مكة؟ ومن تكذيب كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج نأخذ رَدّاً جميلاً على هؤلاء الذين يخوضون في هذا الحادث بعقول ضيقة وبإيمانية سطحية في عصرنا الحاضر، فيطالعونا بأفكار سقيمة ما أنزل الله بها من سلطان. ونسمع منهم مَنْ يقول: إن الإسراء كان منَاماً، أو كان بالروح دون الجسد. ونقول لهؤلاء: لو قال محمد لقومه: أنا رأيتُ في الرؤيا بيت المقدس، هل كانوا يُكذِّبونه؟ ولو قال لهم: لقد سبحتْ روحي الليلة حتى أتتْ بيت المقدس، أكانوا يُكذِّبونه؟ أتُكذَّب الرّؤى أو حركة الأرواح؟! إذن: في إنكار الكفار على رسول الله وتكذيبهم له دليل على أن الإسراء كان حقيقة تمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم برُوحه وجسده، وكأن الحق سبحانه ادَّخر الموقف التكذيبي لمكذبي الأمس، ليردّ به على مُكذّبي اليوم. وقوله سبحانه: {بِعَبْدِهِ ..} [الإسراء: 1]. العبد كلمة تُطلق على الروح والجسد معاً، هذا مدلولها، لا يمكن أن تُطلَق على الروح فقط. لكن، لماذا اختار الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه الصفة بالذات؟ نقول: لأن الله تعالى جعل في الكون قانوناً عاماً للناس، وقد يُخرَق هذا القانون أو الناموس العام ليكون معجزةً للخاصة الذين ميَّزهم الله عن سائر الخَلْق، فكأن كلمة (عبده) هي حيثية الإسراء. أي: أُسْرِي به؛ لأنه صادق العبودية لله، وما دام هو عبده فقد أخلص في عبوديته لربه، فاستحق أنْ يكون له مَيْزة وخصوصية عن غيره، فالإسراء والمعراج عطاء من الله استحقَّه رسوله بما حقّق من عبودية لله. وفَرْق بين العبودية لله والعبودية للبشر، فالعبودية لله عِزٌّ وشرف يأخذ بها العبدُ خَيْرَ سيده، وقال الشاعر: شعر : وَمِمّا زَادَني شَرَفاً وَعِزّاً وكِدْتُ بأخْمُصِي أَطَأَ الثُّريَّا دُخُولِي تَحْتَ قولِكَ يَا عِبَادِي وَأنْ صَيَّرت أحمدَ لِي نبيّاً تفسير : أما عبودية البشر للبشر فنقْصٌ ومذلَّة وهوان، حيث يأخذ السيد خَيْر عبده، ويحرمه ثمره كَدِّه. لذلك، فالمتتبّع لآيات القرآن يجد أن العبودية لا تأتي إلا في المواقف العظيمة مثل: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..} [الإسراء: 1]. وقوله: {أية : وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ ..} تفسير : [الجن: 19]. ويكفيك عِزّاً وكرامة أنك إذا أردتَ مقابلة سيدك أن يكون الأمر في يدك، فما عليكَ إلا أنْ تتوضأ وتنوي المقابلة قائلاً: الله أكبر، فتكون في معية الله عز وجل في لقاء تحدد أنت مكانه وموعده ومُدّته، وتختار أنت موضوع المقابلة، وتظل في حضرة ربك إلى أن تنهي المقابلة متى أردتَ. وما أحسنَ ما قال الشاعر: شعر : حَسْبُ نَفْسِي عِزّاً بِأَنِّي عَبْدٌ يَحْتَفِي بِي بِلاَ مَواعِيدَ رَبُّ هُو في قُدْسِه الأعَزِّ ولكِنْ أنَا أَلْقَى متَى وَأَيْنَ أُحِبُّ تفسير : فما بالك لو حاولت لقاء عظيم من عظماء الدنيا؟ وكم أنت مُلاقٍ من المشقة والعنت؟ وكم دونه من الحجّاب والحرّاس؟ ثم بعد ذلكَ ليس لك أن تختار لا الزمان ولا المكان، ولا الموضوع ولا غيره. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المتخلِّق بأخلاق الله إذا سلَّم على أحد لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده. وقوله: {لَيْلاً ..} [الإسراء: 1]. سبق أن قُلْنا: إن السُّرى هو السير ليلاً، فكانت هذه كافية للدلالة على وقوع الحدث ليلاً، ولكن الحق سبحانه أراد أنْ يؤكد ذلك، فقد يقول قائل: لماذا لم يحدث الإسراء نهاراً؟ نقول: حدث الإسراء ليلاً، لتظلَّ المعجزة غَيْباً يؤمن به مَنْ يصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو ذهب في النهار لرآه الناس في الطريق ذهاباً وعودة، فتكون المسألة - إذن - حِسيّة مشاهدة لا مجالَ فيها للإيمان بالغيب. لذلك لما سمع أبو جهل خبر الإسراء طار به إلى المسجد وقال: إن صاحبكم يزعم أنه أُسْرِي به الليلة من مكة إلى بيت المقدس، فمنهم مَنْ قلّب كفَّيْه تعجُّباً، ومنهم مَنْ أنكر، ومنهم مَن ارتد. أما الصِّدِّيق أبو بكر فقد استقبل الخبر استقبالَ المؤمن المصدِّق، ومن هذا الموقف سُمِّي الصديق، وقال قولته المشهورة: "إن كان قال فقد صدق". إذن: عمدته أن يقول رسول الله، وطالما قال فهو صادق، هذه قضية مُسلَّم بها عند الصِّدِّيق رضي الله عنه. ثم قال: "إنَّا لَنُصدقه في أبعد من هذا، نُصدِّقه في خبر السماء (الوحي)، فكيف لا نُصدّقه في هذا"؟ إذن: الحق سبحانه جعل هذا الحادث مَحكّاً للإيمان، ومُمحِّصاً ليقين الناس، حتى يغربل مَنْ حول رسول الله، ولا يبقى معه إلا أصحاب الإيمان واليقين الثابت الذي لا يهتز ولا يتزعزع. لذلك قال تعالى في آية أخرى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ..} تفسير : [الإسراء: 60]. وهذا دليل آخر على أن الإسراء لم يكُنْ مناماً، فالإسراء لا يكون فتنة واختباراً إلا إذا كان حقيقة لا مناماً، فالمنام لا يُكذِّبه أحد ولا يختلف فيه الناس. لكن لماذا قال عن الإسراء (رُؤْيَا) يعني المنامية، ولم يقُلْ "رؤية" يعني البصرية؟ قالوا: لأنها لما كانت عجيبة من العجائب صارت كأنها رؤيا منامية، فالرؤيا محل الأحداث العجيبة. وورد في الإسراء أحاديث كثيرة تكلَّم فيها العلماء: أكان بالروح والجسد؟ أكان يقظة أم مناماً؟ أكان من المسجد الحرام أم من بيت أم هانىء؟ ونحن لا نختلف مع هذه الآراء، ونُوضِّح ما فيها من تقارب. فمن حيث: أكان الإسراء بالروح فقط أم بالروح والجسد؟ فقد أوضحنا وَجْه الصواب فيه، وأنه كان بالروح والجسد جميعاً، فهذا مجال الإعجاز، ولو كان بالروح فقط ما كان عجيباً، وما كذَّبه كفار مكة. أما مَنْ ذهب إلى أن الإسراء كان رؤيا منام، فيجب أن نلاحظ أن أول الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان الرؤيا الصادقة، فكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رُؤْيَا إلا وجاءت كفلَق الصبح، فرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ليست كرؤيانا، بل هي صِدْق لا بُدَّ أن يتحقَّق. ومثال ذلك ما حدث، مَنْ إرادةِ اللهِ لهُ رؤْيا الفتح. قال تعالى: {أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ ..} تفسير : [الفتح: 27]. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم صحابته هذا الخبر، فلما ردَّهم الكفار عند الحديبية، فقال الصحابة لرسول الله: ألم تُبشِّرنا بدخول المسجد الحرام؟ فقال: ولكن لم أَقُلْ هذا العام. لذلك يسمون هذه الرُّؤى رؤى الإيناس، وهي أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم الشيء مناماً، حتى إذا ما تحقق لم يُفَاجأ به، وكان له أُنْس به. وما دام لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلَق الصبح فلا بُدَّ أن هذه الرؤيا ستأتي واقعاً وحقيقة، وقد يرى هذه الرؤيا مرة أخرى على سبيل التذكرة بذلك الإيناس. إذن: مَنْ قال: إن الإسراء كان مناماً نقول له: نعم كان رؤيا إيناس تحققتْ في الواقع، فلدينا رؤى الإيناس أولاً، ورؤى التذكير بالنعمة ثانياً، وواقع الحادث في الحقيقة ثالثاً، وبذلك نخرج من الخلاف حول: أكان الإسراء يقظة أم مناماً؟ وحتى بعد انتهاء حادث الإسراء كانت الرؤيا الصادقة نوعاً من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان كلما اشتدتْ به الأهوال يُريه الله تعالى ما حدث له لِيُبيّن له حفاوة السماء والكون به صلى الله عليه وسلم؛ ليكون جَلْداً يتحمل ما يلاقي من التعنت والإيذاء. أما من قال: إن الإسراء كان من بيت أم هانىء، فهذا أيضاً ليس محلاً للخلاف؛ لأن بيت أم هانىء كان مُلاصِقاً للمطاف من المسجد الحرام، والمطاف من المسجد. إذن: لا داعي لإثارة الشكوك والخلافات حول هذه المعجزة؛ لأن الفعل فِعْل الحق سبحانه وتعالى، والذي يحكيه لنا هو الحق سبحانه وتعالى، فلا مجالَ للخلاف فيه. وقوله تعالى: {مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ...} [الإسراء: 1]. المسجد الحرام هو بيت الله: الكعبة المشرفة، وسُمّي حراماً؛ لأنه حُرّم فيه ما لم يحرُمْ في غيره من المساجد. وكل مكان يخصص لعبادة الله نسميه مسجداً، قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ..} تفسير : [التوبة: 18]. ويختلف المسجد الحرام عن غيره من المساجد، أنه بيت لله باختيار الله تعالى، وغيره من المساجد بيوت لله باختيار خَلْق الله؛ لذلك كان بيت الله باختيار الله قِبْلة لبيوت الله باختيار خَلْق الله. وقد يُراد بالمسجد المكان الذي نسجد فيه، أو المكان الذي يصلح للصلاة، كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : .. وجُعِلَتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً ". تفسير : أي: صالحة للصلاة فيها. ولا بُدَّ أن نُفرِّق بين المسجد الذي حُيِّز وخُصِّص كمسجد مستقل، وبين أرض تصلح للصلاة فيها ومباشرة حركة الحياة، فالعامل يمكن أن يصلي في مصنعه، والفلاح يمكن أن يصلي في مزرعته، فهذه أرض تصلح للصلاة ولمباشرة حركة الحياة. أما المسجد فللصلاة، أو ما يتعلق بها من أمور الدين كتفسير آية، أو بيان حكم، أو تلاوة قرآن .. إلخ ولا يجوز في المسجد مباشرة عمل من أعمال الدنيا. حديث : لذلك حينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً ينشد ضالته في المسجد، قال له: "لا رَدَّها الله عليك". وقال لمن جلس يعقد صفقة في المسجد: "لا بارك الله لك في صفقتك" ". تفسير : ذلك لأن المسجد خُصِّص للعبادة والطاعة، وفيه يكون لقاء العبد بربه عز وجل، فإياك أن تشغل نفسك فيه بأمور الدنيا، ويكفي ما أخذتْه منك، وما أنفقته في سبيلها من وقت. والمسجد لا يُسمَّى مسجداً إلا إذا كان بناءً مستقلاً من الأرض إلى السماء، فأرضه مسجد، وسماؤه مسجد، لا يعلوه شيء من منافع الدنيا، كمَنْ يبني مسجداً تحت عمارة سكنية، ودَعْكَ من نيته عندما خَصَّص هذا المكان للصلاة: أكانت نيته لله خالصة؟ أم لمأرب دنيوي؟ وقد قال تعالى: {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً} تفسير : [الجن: 18]. فمثل هذا المكان لا يُسمّى مسجداً؛ لأنه لا تنطبق عليه شروط المسجد، ويعلوه أماكن سكنية يحدث فيها ما يتنافى وقدسية المسجد، وما لا يليق بحُرْمة الصلاة، فالصلاة في مثل هذا المكان كالصلاة في أي مكان آخر من البيت. لذلك يحرم على الطيار غير المسلم أن يُحلِّق فوق مكة؛ لأن جوَّ الحرَم حَرَمٌ. وقوله تعالى: {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ..} [الإسراء: 1]. في بُعْد المسافة نقول: هذا قصيّ. أي: بعيد. وهذا أقصى أي: أبعد، فالحق تبارك وتعالى كأنه يلفت أنظارنا إلى أنه سيوجد بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى مسجدٌ آخر قصيّ، وقد كان فيما بعد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمسجد الأقصى: أي: الأبعد، وهو مسجد بيت المقدس. وقوله سبحانه: {بَارَكْنَا حَوْلَهُ ..} [الإسراء: 1]. البركة: أن يُؤتى الشيءُ من ثمره فوقَ المأمول منه، وأكثر مما يُظنّ فيه، كأن تُعِد طعاماً لشخصين، فيكفي خمسة أشخاص فتقول: طعام مبارَك. وقول الحق سبحانه: {بَارَكْنَا حَوْلَهُ ..} [الإسراء: 1]. دليل على المبالغة في البركة، فإنْ كان سبحانه قد بارك ما حول الأقصى، فالبركة فيه من باب أَوْلى، كأن تقول: مَنْ يعيشون حول فلان في نعمة، فمعنى ذلك أنه في نعمة أعظم. لكن بأيّ شيء بارك الله حوله؟ لقد بارك الله حول المسجد الأقصى ببركة دنيوية، وبركة دينية: بركة دنيوية بما جعل حوله من أرض خِصْبة عليها الحدائق والبساتين التي تحوي مختلف الثمار، وهذا من عطاء الربوبية الذي يناله المؤمن والكافر. وبركة دينية خاصة بالمؤمنين، هذه البركة الدينية تتمثل في أن الأقصى مَهْد الرسالات ومَهْبط الأنبياء، تعطَّرَتْ أرضه بأقدام إبراهيم وإسحاق ويعقوب وعيسى وموسى وزكريا ويحيى، وفيه هبط الوحي وتنزلتْ الملائكة. وقوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ ..} [الإسراء: 1]. اللام هنا للتعليل. كأن مهمة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس أن نُرِي رسول الله الآيات، وكلمة: الآيات لا تُطلق على مطلق موجود، إنما تطلق على الموجود العجيب، كما نقول: هذا آية في الحُسْن، آية في الشجاعة، فالآية هي الشيء العجيب. ولله عز وجل آيات كثيرة منها الظاهر الذي يراه الناس، كما قال تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ ..} تفسير : [فصلت: 37]. {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} تفسير : [الشورى: 32]. والله سبحانه يريد أن يجعل لرسوله صلى الله عليه وسلم خصوصية، وأن يُريه من آيات الغيب الذي لم يَرَهُ أحد، ليرى صلى الله عليه وسلم حفاوة السماء به، ويرى مكانته عند ربه الذي قال له: {أية : وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 127]. لأنك في سَعة من عطاء الله، فإن أهانك أهل الأرض فسوف يحتفل بك أهل السماء في الملأ الأعلى، وإنْ كنت في ضيق من الخَلْق فأنت في سَعة من الخالق. وقوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} [الإسراء: 1]. أي: الحق سبحانه وتعالى. السمع: إدراك يدرك الكلام. والبصر: إدراك يدرك الأفعال والمرائي، فلكل منهما ما يتعلق به. لكن سميع وبصير لمن؟ جاء هذا في ختام آية الإسراء التي بيَّنَتْ أن الحق سبحانه جعل الإسراء تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بعد ما لاقاه من أذى المشركين وعنتهم، وكأن معركة دارت بين رسول الله والكفار حدثتْ فيها أقوال وأفعال من الجانبين. ومن هنا يمكن أن يكون المعنى: (سَمِيعٌ) لأقوال الرسول (بَصِيرٌ) بأفعاله، حيث آذاه قومه وكذبوه وألجؤوه إلى الطائف، فكان أهلها أشدَّ قسوة من إخوانهم في مكة، فعاد مُنكَراً دامياً، وكان من دعائه: "حديث : اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبك، أو يحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ". تفسير : فالله سميع لقول نبيه صلى الله عليه وسلم. وبصير لفعله. فقد كان صلى الله عليه وسلم في أشدِّ ظروفه حريصاً على دعوته، فقد قابل في طريق عودته من الطائف عبداً، فأعطاه عنقوداً من العنب، وأخذ يحاوره في النبوات ويقول: أنت من بلد نبي الله يونس بن متى. أو يكون المعنى: سميع لأقوال المشركين، حينما آذوا سَمْع رسول الله وكذَّبوه وتجهَّموا له، وبصير بأفعالهم حينما آذوه ورَمَوْه بالحجارة. الحق تبارك وتعالى تعرّض لحادث الإسراء في هذه الآية على سبيل الإجمال، فذكر بدايته من المسجد الحرام، ونهايته في المسجد الأقصى، وبين البداية والنهاية ذكر كلمة الآيات هكذا مُجْملة. وجاء صلى الله عليه وسلم ففسَّر لنا هذا المجمل، وذكر الآيات التي رآها، فلو لم يذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من آيات الله لَقُلْنا: وأين هذه الآيات؟ فالقرآن يعطينا اللقطة الملزمة لبيان الرسول صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} تفسير : [القيامة: 17-19]. إذن: كان لا بُدَّ لتكتمل صورة الإسراء في نفوس المؤمنين أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال من أحاديث الإسراء. لكن يأتي المشكِّكُون وضِعَاف الإيمان يبحثون في أحاديث الإسراء عن مأخذ، فيعترضون على المرائي التي رآها رسول الله، وسأل عنها جبريل عليه السلام. فكان اعتراضهم أن هذه الأحداث في الآخرة، فكيف رآها محمد صلى الله عليه وسلم؟ ونقول لهؤلاء: لقد قصُرَتْ أفهامكم عن إدراك قدرة الله في خَلْق الكون، فالكون لم يُخلَق هكذا، بل خُلِق بتقدير أزلي له، ولتوضيح هذه المسألة نضرب هذا المثل: هَبْ أنك أردتَ بناء بيت، فسوف تذهب إلى المهندس المختص وتطلب منه رَسْماً تفصيلياً له، ولو كنت ميسور الحال تقول له: اعمل لي (ماكيت) للبيت، فيصنع لك نموذجاً مُصغّراً للبيت الذي تريده. فالحق سبحانه خلق هذا الكون أزلاً، فالأشياء مخلوقة عند الله (كالماكيت)، ثم يبرزها سبحانه على وَفْق ما قدّره. وتأمل قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]. انظر: {أَن يَقُولَ لَهُ} كأن الشيء موجود والله تعالى يظهره فحسب، لا يخلقه بداية، بل هو مخلوق جاهز ينتظر الأمر ليظهر في عالم الواقع؛ لذلك قال أهل المعرفة: أمور يُبديها ولا يبتديها. وإنْ كان الحق تبارك وتعالى قد ذكر الإسراء صراحة في هذه الآية، فقد ذكر المعراج بالالتزام في سورة النجم، في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱ ;لْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ * إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [النجم: 13-18]. ففي الإسراء قال تعالى: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ ..} [الإسراء: 1]. وفي المعراج قال: {أية : لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [النجم: 18]. ذلك لأن الإسراء آية أرضية استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم بما آتاه الله من الإلهام أنْ يُدلِّل على صِدْقه في الإسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ لأن قومه على علم بتاريخه، وأنه لم يسبق له أنْ رأى بيت المقدس أو سافر إليه، فقالوا له: صِفْه لنا وهذه شهادة منهم أنه لم يَرَهْ، فتحدَّوْهُ أن يصفه. والرسول صلى الله عليه وسلم حينما يأتي بمثل هذه العملية، هل كان عنده استحفاظ كامل لصورة بيت المقدس، خاصة وقد ذهب إليه ليلاً؟ إذن: صورته لم تكن واضحة أمام النبي صلى الله عليه وسلم بكل تفاصيلها، وهنا تدخلتْ قدرة الله فجلاَّه الله له، فأخذ يصفه لهم كأنه يراه الآن. كما أن الطريق بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى طريق مسلوك للعرب، فهو طريق تجارتهم إلى الشام، فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن عيراً لهم في الطريق، ووصفها لهم وصفاً دقيقاً، وأنها سوف تصلهم مع شروق شمس يوم مُعين. وفعلاً تجمعوا في صبيحة هذا اليوم ينتظرون العير. وعند الشروق قال أحدهم: ها هي الشمس أشرقتْ. فردَّ الآخر: وها هي العير قد ظهرتْ. إذن: استطاع صلى الله عليه وسلم أن يُدلِّل على صدق الإسراء؛ لأنه آية أرضية يمكن التدليل عليها، بما يَعْلمه الناس عن بيت المقدس، وبما يعلمونه من عِيرهم في الطريق. أما ما حدث في المعراج، فآيات كبرى سماوية لا يستطيع الرسول صلى الله عليه وسلم التدليل عليها أمام قومه، فأراد الحق سبحانه أنْ يجعل ما يمكن الدليل عليه من آيات الأرض وسيلة لتصديق ما لا يوجد دليل عليه من آيات الصعود إلى السماء، وإلا فهل صعد أحد إلى سدرة المنتهى، فيصفها له رسول الله؟ إذن: آية الأرض أمكن أنْ يُدلّل عليها، فإذا ما قام عليها الدليل، وثبت للرسول خَرْق نواميس الكون في الزمن والمسافة، فإنْ حدّثكم عن شيء آخر فيه خَرْق للنواميس فصدِّقوه، فكأن آية الإسراء جاءت لِتُقرِّب للناس آية المعراج. فالذي خرق له النواميس في آيات الأرض من الممكن أنْ يخرق له النواميس في آيات السماء، فالله تعالى يُقرِّب الغيبيات، التي لا تدركها العقول بالمحسّات التي تدركها. ومن ذلك ما ضربه إليه مثلاً محسوساً لمضاعفة النفقة في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف، فأراد الحق سبحانه أنْ يُبيّن ذلك ويُقرِّبه للعقول، فقال: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 261]. ومن لُطْف الله سبحانه بعقول خَلْقه أنْ جعل آيات الإسراء بالنصّ الملزم الصريح، لكن آيات المعراج جاءت بالالتزام في سورة النجم؛ لذلك قال العلماء: إن الذي يُكذِّب بالإسراء يكفر، أما مَنْ يكذِّب بالمعراج فهو فاسق. لكن أهل التحقيق يذهبون إلى تكفير مَنْ يُكذِّب المعراج أيضاً؛ لأن المعراج وإنْ جاء بالالتزام فقد بيّنه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف، والحق سبحانه يقول: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7]. والمتأمل في الإسراء والمعراج يجده إلى جانب أنه تسلية لرسول الله وتخفيف عنه، إلا أن لهم هدفاً آخر أبعد أثراً، وهو بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُؤيّد من الله، وله معجزات، وتُخرَق له القوانين والنواميس العامة؛ ليكون ذلك كله تكريماً ودليلاً على صدق رسالته. فالمعجزة: أمر خارق للعادة الكونية يُجريه الله على يد رسوله؛ ليكون دليلاً على صدقه، ومن ذلك ما حدث لإبراهيم الخليل - عليه السلام - حيث ألقاه قومه في النار، ومن خواص النار الإحراق، فهل كان المراد نجاة إبراهيم من النار؟ لو كان القصد نجاته من النار ما كان الله مكَّنهم من الإمساك به، ولو أمسكوا فيمكن أنْ يُنزِل الله المطر فيطفىء النار. إذن: المسألة ليست نجاة إبراهيم، المسألة إثبات خَرْق النواميس لإبراهيم عليه السلام، فشاء الله أنْ تظلَّ النار مشتعلة، وأن يُمسكوا به ويرموه في النار، وتتوفر كل الأسباب لحرقه - عليه السلام. وهنا تتدخل عناية الله لتظهر المعجزة الخارقة للقوانين، فمن خواصّ النار الإحراق، وهي خَلْق من خَلْقِ الله، يأتمر بأمره، فأمر اللهُ النارَ ألاَّ تحرق، سلبها هذه الخاصية، فقال تعالى: {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69]. وربما يجد المشكِّكون في الإسراء والمعراج ما يُقرّب هذه المعجزة لأفهامهم بما نشاهده الآن من تقدُّم علمي يُقرِّب لنا المسافات، فقد تمكَّن الإنسان بسلطان العلم أنْ يغزوَ الفضاء، ويصعد إلى كواكب أخرى في أزمنة قياسية، فإذا كان في مقدور البشر الهبوط على سطح القمر، أتستبعدون الإسراء والمعراج، وهو فِعْل لله سبحانه؟! وكذلك من الأمور التي وقفتْ أمام المعترضين على الإسراء والمعراج حادثة شَقِّ الصدر التي حكاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتأمل فيه يجده عملاً طبيعياً لإعداد الرسول صلى الله عليه وسلم لما هو مُقبِل عليه من أجواء ومواقف جديدة تختلف في طبيعتها عن الطبيعة البشرية. كيف ونحن نفعل مثل هذا الإعداد حينما نسافر من بلد إلى آخر، فيقولون لك: البس ملابس كذا. وخذ حقنة كذا لتساير طبيعة هذا البلد، وتتأقلم معه، فما بالك ومحمد صلى الله عليه وسلم سيلتقي بالملائكة وبجبريل وهم ذوو طبيعة غير طبيعة البشر، وسيلتقي بإخوانه من الأنبياء، وهم في حال الموت، وسيكون قاب قوسيْن أو أدنى من ربه عز وجل؟ إذن: لا غرابة في أنْ يحدث له تغيير ما في تكوينه صلى الله عليه وسلم ليستطيع مباشرة هذه المواقف. وإذا استقرأنا القرآن الكريم فسوف نجد فيه ما يدلُّ على صدق رسول الله فيما أخبر به من لقائه بالأنبياء في هذه الرحلة، قال تعالى: {أية : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ ..} تفسير : [الزخرف: 45]. والرسول صلى الله عليه وسلم إذا أمره ربّه أمراً نفّذه، فكيف السبيل إلى تنفيذ هذا الأمر: واسأل مَن سبقك من الرسل؟ لا سبيل إلى تنفيذه إلا في لقاء مباشر ومواجهة، فإذا حدَّثنا بذلك رسول الله في رحلة الإسراء والمعراج نقول له: صدقت، ولا يتسلل الشكّ إلا إلى قلوب ضعاف الإيمان واليقين. فالفكرة في هذه القضية - الإسراء والمعراج - دائرة بين يقين المؤمن بصدق رسول الله، وبين تحكيم العقل، وهل استطاع عقلك أنْ يفهم كل قضايا الكون من حولك؟ فما أكثر الأمور التي وقف فيها العقل ولم يفهم كُنْهَها، ومع مرور الزمن وتقدُّم العلوم رآها تتكشّف له تدريجياً، فما شاء الله أنْ يُظهره لنا من قضايا الكون يسَّر لنا أسبابه باكتشاف أو اختراع، وربما بالمصادفة. وما العقل إلا وسيلة إدراك، كالعين والأذن، وله قوانين محددة لا يستطيع أنْ يتعدّاها، وإياك أنْ تظنَّ أن عقلك يستطيع إدراك كل شيء، بل هو محكوم بقانون. ولتوضيح ذلك، نأخذ مثلاً العين، وهي وسيلة إدراك يحكمها قانون الرؤية، فإذا رأيت شخصاً مثلاً تراه واضح الملامح، فإذا ما ابتعد عنك تراه يصغُر تدريجياً حتى يختفي عن نظرك، كذلك السمع تستطيع بأذنك أنْ تسمعَ صوتاً، فإذا ما ابتعد عنك قَلَّ سمعك له، حتى يتوقف إدراك الأذن فلا تسمع شيئاً. كذلك العقل كوسيلة إدراك له قانون، وليس الإدراك فيه مطلقاً. ومن هنا لما أراد العلماء التغلُّب على قانون العيْن وقانون الأذن حينما تضعف هذه الحاسة وتعجز عن أداء وظيفتها صنعوا للعين النظارة والميكروسكوب والمجهر، وهذه وسائل حديثة تُمكِّن العين من رؤية ما لا تستطيع رؤيته. وكذلك صنعوا سماعة الأذن لتساعدها على السمع إذا ضعفت عن أداء وظيفتها. إذن: فكل وسيلة إدراك لها قانونها، وكذلك العقل، وإياك أنْ تظنَّ أن عقلك يستطيع أن يدرس كل شيء، ولكن إذا حُدِّثْتَ بشيء فعقلك ينظر فيه، فإذا وثقته صادقاً فقد انتهت المسألة، وخذ ما حدثت به على أنه صدق. وهذا ما حدث مع الصِّدِّيق أبي بكر رضي الله عنه حينما حدثوه عن صاحبه صلى الله عليه وسلم، وأنه أُسرِي به من مكة إلى بيت المقدس، فما كان منه إلا أن قال: "إن كان قال فقد صدق". فالحجة عنده إذن قول الرسول، وما دام الرسول قد قال ذلك فهو صادق، ولا مجال لعمل العقل في هذه القضية، ثم قال "كيف لا أُصدقه في هذا الخبر، وأنا أصدقه في أكثر من هذا، أصدقه في خبر الوحي يأتيه من السماء". فآية الإسراء - إذن - كانت آية أرضية، يمكن أنْ يُقام عليها الدليل، ويمكن أن يفهم الناس عنها أن القانون قد خُرِق لمحمد في الإسراء، فإذا ما أتى المعراج وخرق له القانون فيما لا يعلم الناس كان أَدْعى لتصديقه. والمتأمل في هذه السورة يجدها تسمى سورة الإسراء، وتسمى سورة بني إسرائيل، وليس فيها عن الإسراء إلا الآية الأولى فقط، وأغلبها يتحدث عن بني إسرائيل، فما الحكمة من ذِكْر بني إسرائيل بعد الإسراء؟ سبق أن قلنا: إن الحكمة من الكلام عن الإسراء بعد آخر النحل أن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم كان في ضيق مما يمكرون، فأراد الحق سبحانه أنْ يُخفِّف عنه ويُسلِّيه، فكان حادث الإسراء، ولما أَلِفَ بنو إسرائيل أن الرسول يُبعَثُ إلى قومه فحسب، كما رأَوا موسى عليه السلام. فعندما يأتي محمد صلى الله عليه وسلم ويقول: أنا رسول للناس كافّة سيعترض عليه هؤلاء وسيقولون: إنْ كنتَ رسولاً فعلاً وسلَّمنا بذلك، فأنت رسول للعرب دون غيرهم، ولا دَخْل لك ببني إسرائيل، فَلَنا رسالتنا وبيت المقدس عَلَم لنا. لذلك أراد الحق سبحانه أن يلفت إسرائيل إلى عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن هنا جعل بيت المقدس قبلةً للمسلمين في بداية الأمر، ثم أسرى برسوله صلى الله عليه وسلم إليه: ليدلل بذلك على أن بيت المقدس قد دخل في مقدسات الإسلام، وأصبح منذ هذا الحدث في حَوْزة المسلمين. ثم يبدأ الحديث عن موسى عليه السلام وعن بني إسرائيل، فيقول تعالى: {وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {سُبْحَانَ} اسمٌ للتسبيح ومعناه تنزيه الله تعالى من كل سوء ونقصٍ وهو خاصٌ به سبحانه {أَسْرَىٰ} الإِسراء: السيرُ ليلاً يقال: أسرى وسرى لغتان قال الشاعر: شعر : سريتَ من حَرَمٍ ليلاً إلى حَرَمٍ كما سَرَى البدرُ في دَاجٍ من الظُّلَم تفسير : {فَجَاسُواْ} قال الزجاج: طافوا، والجَوْسُ: الطواف بالليل والتردُّد والطلب مع الاستقصاء وقال الواحدي: الجوسُ هو التردُّد والطلب {ٱلْكَرَّةَ} الدَّولة والغَلَبة {تَتْبِيراً} هلاكاً ودماراً {مَحَوْنَآ} طمسنا قال علماء اللغة: المحوُ إذهاب الأثر يقال محوتُه فانمحى أي ذهب أثره {طَآئِرَهُ} عمله المقدَّر عليه سمي الخير والشر بالطائر لأن العرب كانوا يتفاءلون ويتشاءمون بالطير إذا طار جهة اليمين أو الشمال {مُتْرَفِيهَا} المُتْرفُ: المتنعِّمُ الذي أبطرته النعمةُ وسَعَة العيش {يَصْلاهَا} يدخلها ويذوق حرَّها {مَّدْحُوراً} مطروداً مبعداً من رحمة الله. التفسِير: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} أي تنزَّه وتقدَّس عما لا يليق بجلاله، اللهُ العليُّ الشأن، الذي انتقل بعبده ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم في جزءٍ من الليل {مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} أي من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام قال المفسرون: وإنما قال {لَيْلاً} بلفظ التنكير لتقليل مدة الإِِسراء، وأنه قطع به المسافات الشاسعة البعيدة في جزءٍ من الليل وكانت مسيرة أربعين ليلة، وذلك أبلغ في القدرة والإِعجاز ولهذا كان بدء السورة بلفظ {سُبْحَانَ} الدال على كمال القدرة، وبالغ الحكمة، ونهاية تنزهه تعالى عن صفات المخلوقين، وكان الإِسراء بالروح والجسد، يقظة لا مناماً {ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} أي الذي باركنا ما حوله بأنواع البركات الحسية والمعنوية، بالثمار والأنهار التي خصَّ الله بها بلاد الشام، وبكونه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة الأطهار {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} أي لنريَ محمداً صلى الله عليه وسلم آياتنا العجيبة العظيمة، ونطلعه على ملكوت السماوات والأرض، فقد رأى صلوات الله عليه السماواتِ العُلى والجنةَ والنار، وسدرة المنتهى، والملائكة والأنبياء وغير ذلك من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله تعالى {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} أي إنه تعالى هو السميع لأقوال محمد، البصير بأفعاله، فلهذا خصَّه بهذه الكرامات والمعجزات احتفاءً وتكريماً {وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} أي أعطينا موسى التوراة هدايةً لبني إسرائيل يخرجهم بواسطة ذلك الكتاب من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإِيمان {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} أي لا تتخذوا لكم ربا تكلون إليه أموركم سوى الله الذي خلقكم قال المفسرون: لما ذُكر المسجدُ الأقصى وهو قلب الأرض المقدسة التي أسكنها الله بني إسرائيل جاء الحديث عنهم في مكانه المناسب من سياق السورة {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} أي يا ذرية ويا أبناء المؤمنين الذين كانوا مع نوح في السفينة، لقد نجينا آباءكم من الغرق فاشكروا الله على إنعامه {إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} أي إن نوحاً كان كثير الشكر يحمد الله على كل حال فاقتدوا به، وفي النداء لهم تلطفٌ وتذكير بنعمة الله {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ} أي أخبرناهم وأعلمناهم وأوحينا إليهم في التوراة {لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} أي ليحصلنَّ منكم الإِفساد في أرض فلسطين وما حولها مرتين قال ابن عباس: أول الفساد قتل زكريا والثاني قتل يحيى عليهما السلام {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} أي تطغون في الأرض المقدسة طغياناً كبيراً بالظلم والعدوان وانتهاك محارم الله {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} أي أُولى المرتين من الإِفساد {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ} أي سلَّطنا عليكم من عبيدنا أناساً جبارين للانتقام منكم {أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي أصحاب قوةٍ وبطش في الحرب شديد قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما استحلوا المحارم وسفكوا الدماء سلَّط الله عليهم بختنصر ملك بابل فقتل منهم سبعين ألفاً حتى كاد يفنيهم هو وجنوده، وذلك أول الفسادين {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ} أي طافوا وسط البيوت يروحون ويغدون للتفتيش عنكم واستئصالكم بالقتل والسلب والنهب لا يخافون من أحد {وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} أي كان ذلك التسليط والانتقام قضاءً جزماً حتماً لا يقبل النقض والتبديل {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} أي ثمَّ لما تبتم وأنبتم أهلكنا أعداءكم ورددنا لكم الدَّوْلةَ والغلبة عليهم بعد ذلك البلاء الشديد {وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} أي أعطيناكم الأموال الكثيرة والذرية الوفيرة، بعد أن نُهبت أموالكم وسُبيت أولادكم {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} أي جعلناكم أكثر عدداً ورجالاً من عدوكم لتستعيدوا قوتكم وتبنوا دولتكم {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} أي إن أحسنتم يا بني إسرائيل فإحسانكم لأنفسكم ونفعه عائد عليكم لا ينتفع الله منها بشيء {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} أي وإن أسأتم فعليها لا يتضرر الله بشيء منها، فهو الغني عن العباد، لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} أي فإذا جاء وعد المرة الأخيرة من إفسادكم بقتل يحيى وانتهاك محارم الله بعثنا عليكم أعداءكم مرة ثانية {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} أي بعثناهم ليهينوكم ويجعلوا آثار المساءة والكآبة باديةً على وجوهكم بالإِذلال والقهر {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي وليدخلوا بيت المقدس فيخربوه كما خربوه أول مرة {وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} أي وليدمروا ويهلكوا ما غلبوا عليه تدميراً، فقد سلّط الله عليهم مجوس الفرس فشردوهم في الأرض وقتلوهم ودمَّروا مملكتهم تدميراً {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} أي لعل الله يرحمكم ويعفو عنكم إن تبتم وأنبتم، وهذا وعدٌ منه تعالى بكشف العذاب عنهم إن رجعوا إلى الله و {عَسَىٰ} من الله واجبة {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} أي وإن عدتم إلى الإِفساد والإِجرام عدنا إلى العقوبة والانتقام {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} أي وجعلنا جهنم محبساً وسجناً للكافرين، لا يقدرون على الخروج منها أبَدَ الآبدين، ثم بيًّن تعالى مزية التنزيل الكريم الذي فاق بها سائر الكتب السماوية فقال {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} أي إنَّ هذا القرآن العظيم يهدي لأقوم الطرق وأوضح السُّبُل، ولما هو أعدل وأصوب {وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} أي ويبشر المؤمنين الذين يعملون بمقتضاه بالأجر العظيم في جنات النعيم {وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي ويبشرهم بأن لأعدائهم الذين لا يصدقون بالآخرة العقاب الأليم في دار الجحيم، وقد جمعت الآية بين الترغيب والترهيب {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ} أي يدعو بالشر على نفسه كدعائه لها بالخير، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك قال ابن عباس: هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحبُّ أن يستجاب له: اللهمَّ أهلكه اللهمَّ دمْره ونحوه {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} أي ومن طبيعة الإِنسان العجلة، يتعجل بالدعاء على نفسه ويسارع لكل ما يخطر بباله، دون النظر في عاقبته، ثم أشار تعالى إلى آيات الله الكونية في هذا الوجود، التي كلٌ منها برهانٌ نيِّر على وحدانية الله فقال {وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ} أي علامتين عظيمتين على وحدانيتنا وكمال قدرتنا {فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ} أي طمسنا الليل فجعلناه مظلماً لتسكنوا فيه {وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} أي جعلنا النهار مضيئاً مشرقاً بالنور ليحصل به الإِبصار {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} أي لتطلبوا في النهار أسباب معايشكم {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} أي ولتعلموا عدد الأيام والشهور والأعوام، بتعاقب الليل والنهار، فالليل للراحة والسكون، والنهار للكسب والسعي {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} أي وكلَّ أمرٍ من أمور الدنيا والدين، بينَّاه أحسن تبيين، وليس شيء من أمر هذا الوجود متروكاً للمصادفة والجُزاف، وإنما هو بتقديرٍ وتدبيرٍ حكيم {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} أي أن الإِنسان مرهون بعمله مجزي به، وعملُه ملازم له لزوم القلادة للعُنُق لا ينفك عنه أبداً {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} أي نظهر له في الآخرة كتاب أعماله مفتوحاً فيه حسناته وسيئاته فيرى عمله مكشوفاً لا يملك إخفاءه أو تجاهله {ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} أي إقرأ كتاب عملك كفى أن تكون اليوم شهيداً بما عملت، لا تحتاج إلى شاهد أو حسيب {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي من اهتدى فثواب اهتدائه له، ومن ضلَّ فعقاب كفره وضلاله عليها {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جانٍ إلا على نفسه {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} أي وما كنا معذبين أحداً من الخلق حتى نبعث لهم الرسل مذكرين ومنذرين فتقوم عليهم الحجة {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} أي وإذا أردنا هلاك قوم من الأقوام أمرنا المتنعمِّين فيها والقادة والرؤساء بالطاعة على لسان رسلنا فعصوا أمرنا وخرجوا عن طاعتنا وفسقوا وفجروا {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} أي فوجب عليهم العذاب بالفسق والطغيان فأهلكناهم إهلاكاً مُريعاً قال ابن عباس: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} أي سلَّطنا أشرارها فعصوا فيها فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} أي وكثير من الأمم الطاغية المكذبين للرسل أهلكناهم من بعد نوح كقوم عاد وثمود وفرعون قال ابن كثير: والآية إنذار لكفار قريش والمعنى إنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم وقد كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق فعقوبتكم أولى وأحرى {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً} أي كفى يا محمد أن يكون ربك رقيباً على أعمال العباد يدرك بواطنها وظواهرها ويجازي عليها {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ} أي من كان يريد بعمله الدنيا فقط ولها يعمل ويسعى ليس له همٌّ إلا الدنيا عجلنا له فيها ما نشاء تعجيله من نعيمها لا كلَّ ما يريد {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً} أي ثم جعلنا له في الآخرة جهنم يدخلها مهاناً حقيراً مطروداً من رحمة الله {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي ومن أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم المقيم، وعمل لها عملها الذي يليق بها من الطاعات وهو مؤمن صادق الإِيمان {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} أي فأولئك الجامعون للخصال الحميدة من الإِخلاص، والعمل الصالح، والإِيمان. كان عملهم مقبولاً عند الله أحسن القبول، مثاباً عليه {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ} أي كل واحدٍ من الفريقين الذين أرادوا الدنيا، والذين أرادوا الآخرة نعطيه من عطائنا الواسع تفضلاً منا وإحساناً، فنعطي المؤمن والكافر والمطيع والعاصي {وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} أي ما كان عطاؤه تعالى محبوساً ممنوعاً عن أحد {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي أنظر يا محمد كيف فاوتنا بينهم في الأرزاق والأخلاق في هذه الحياة الدنيا فهذا غني وذاك فقير، وهذا شريف وذاك حقير {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} أي ولتفاوتُهم في الدار الآخرة أعظم من التفاوت في هذا الدار لأن الآخرة دار القرار وفيها ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} أي لا تجعل مع الله شريكاً ولا تتخذ غيره إلهاً تعبده {فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} أي فتصير ملوماً عند الله مخذولاً منه لا ناصر لك ولا معين. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- براعة الاستهلال {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ} لأنه لما كان أمراً خارقاً للعادة بدأه بلفظ يشير إلى كمال القدرة وتنزه الله عن صفات النقص. 2- إضافة التكريم والتشريف {بِعَبْدِهِ}. 3- جناس الاشتقاق {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً} {تَزِرُ وَازِرَةٌ}. 4- الطباق بين {أَحْسَنْتُمْ ... وأَسَأْتُمْ} وبين {ضَلَّ ... وٱهْتَدَىٰ}. 5- إيجاز بالحذف {ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ} أي يقال له يوم القيامة إقرأ كتابك {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أي أمرناهم بطاعة الله فعصوا وفسقوا فيها. 6- المجاز العقلي {آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} لأن النهار لا يُبصر بل يُبْصر فيه فهو من إسناد الشيء إلى زمانه. 7- الاستعارة اللطيفة {طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} استعير الطائر لعمل الإِنسان، ولما كان العرب يتفاءلون ويتشاءمون بالطير سموا نفس الخير والشر بالطائر بطريق الاستعارة. لطيفَة: الحكمة في إسرائه إلى بيت المقدس ثم عروجه من بيت المقدس إلى السماوات العلى أنه مجمع أرواح الأنبياء، وموطن تنزل الوحي الإِلهي على الرسل الكرام، ولما كانت هذه الرحلة رحلة تكريم أراد تعالى أن يشرفهم بزيارته. ولهذا صلى بهم إماماً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. تنبيه: وصفه تعالى في هذه السورة بالعبودية {أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} لأنه أشرف المقامات وأسمى المراتب العلية، كما وصفه في مقام الوحي كذلك {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10] وفي مقام الدعوة {أية : وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ } تفسير : [الجن: 19] ولهذا قال القاضي عياض: شعر : ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدتُ بأخمصي أطأ الثريّا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيَّرت أحمد لي نبياً
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قالَ: حدّثنا علي بن أحمد. قال حدّثنا عطاءُ بن السائب عن أبي خالد عن الإِمامِ زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قولهِ تعالى: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} فَسُبحان: تَنزِيهٌ لَهُ تَعالى عَن كُلِّ سُوءٍ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ} الآية سبب نزولها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش الإِسراء به وتكذيبهم له فأنزل الله تعالى ذلك تصديقاً له وهذه السورة مكية إلا آيات اختلف فيها ذكرت في البحر ومناسبة هذه لما قبلها أنه تعالى لما أمره بالصبر ونهاه عن الحزن عليهم وأن يضيق صدره من مكرهم وكان من مكرهم نسبته إلى التكذيب والسحر والشعر وغير ذلك مما رموه به أعقب تعالى ذلك بشرفه وفضله واحتفائه به وعلو منزلته عنده وتقدم الكلام على سبحان في البقرة، وأسرى بمعنى سرى وانتقل من ضمير الغيبة في قوله بعبده إلى ضمير المتكلم في قوله لنريه والظاهر أن هذا الإِسراء كان بشخصه ولذلك كذبت قريش به وشغبت عليه، والمسجد الأقصى بيت المقدس وسمي الأقصى لأنه كان في ذلك الوقت أقصى بيوت الله الفاضلة من الكعبة. و{ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} صفة مدح لإِزالة اشتراك عارض وبركته بما خص به من الخيرات الدينية كالنبوة والشرائع والرسل الذين كانوا في ذلك القطر والدنياوية من كثرة الأشجار والأنهار وطيب الأرض وفي الحديث أنه تعالى بارك فيما بين العريش إلى الفرات وخص فلسطين بالتقديس وفي إضافته تعالى عبده لضميره تشريف عظيم وكثيراً ما أتى الشريف بلفظ العبد كقوله تعالى {أية : نِعْمَ ٱلْعَبْدُ} تفسير : [ص: 30، 44] و {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [الحجر: 42، الإسراء: 65] {أية : وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [ص: 45] حديث : ويروى أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسرى به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانىء بعد صلاة العشاء وقال مثل لي النبيون فصليت بهم وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال مالك قالت: أخشى أن يكذبك قومك بأن أخبرتهم قال: وإن كذبوني فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث الإِسراء فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً وارتد ناس ممن كان آمن به وسعى رجال الى أبي بكر رضي الله عنه فقال إن كان قال ذلك لقد صدق قالوا أتصدقه على ذلك قال إني لأصدقه على أبعد من ذلك تفسير : فسمي الصديق ومنهم من سافر إليه فاستنعتوه المسجد فجلى له بيت المقدس فطفق ينظره وينعته لهم فقالوا أما النعت فقد أصاب وقالوا أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق فخرجوا ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم هذه والله الشمس طلعت فقال آخر هذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد ثم لم يؤمنوا وقالوا ما هذا إلا سحر مبين وقد عرج به إلى السماء في تلك الليلة وكان العروج به من بيت المقدس وأخبر قريشاً أيضاً بما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في السماء من العجائب وأنه لقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوال محمد. {ٱلبَصِيرُ} بأفعاله وفيه التفات من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب في أنه وآتينا معطوف على الجملة السابقة من تنزيهه سبحانه وبراءته من السوء ولا يلزم من عطف الجمل المشاركة في الخبر أو غيره ولما ذكر تشريف الرسول صلى الله عليه وسلم بالإِسراء وإراءته الآيات ذكر تشريف موسى صلى الله عليه وسلم بإِيتائه التوراة والكتاب هنا التوراة والظاهر عود الضمير في وجعلناه على الكتاب وأن لا تكون تفسيرية ولا نهي وأن يكون مصدرية تعليلاً أي لأن لا تتخذوا واو نفي وانتصب ذرية على النداء أي يا ذرية قرأت فرقة ذرية بالرفع وخرج على أن تكون بدلاً من الضمير في تتخذوا على قراءة من قرأ بياء الغيبة * قال ابن عطية ولا يجوز في القراءة بالتاء لأنك لا تبدل من ضمير مخاطب لو قلت ضربتك زيداً على البدل لم يجز انتهى ما ذكره من إطلاق أنك لا تبدل من ضمير مخاطب يحتاج إلى تفصيل وذلك أنه إن كان في بدل بعض من كل وبدل اشتمال جاز للإِخلاف وإن كان من بدل شىء من شىء وهما يعني واحدة فإِن كانت تفيد التوكيد جاز بلا خلاف نحو مررت بكم صغيركم وكبيركم وإن لم تفد التوكيد فمذهب جمهور البصريين المنع ومذهب الأخفش والكوفيين الجواز وهو الصحيح لو جوز ذلك في كلام العرب * وقد استدللنا على صحة ذلك في شرح التسهيل وذكر من حملنا مع نوح تنبيهاً على النعمة الي نجاهم الله بها من الغرق والظاهر أن الضمير في أنه عائد على نوح صلى الله عليه وسلم أي كونوا موحدين شاكرين لنعم الله مقتدين بنوح الذي أنتم ذرية من حمل معه. {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الآية قضى يتعدى بنفسه إلى مفعول كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ}تفسير : [القصص: 29] ولما ضمن هنا معنى الإِيحاء أو الإِنفاذ تعدى بإِلى أي أوحينا أو أنفذنا إلى بني إسرائيل في القضاء المحتوم المبتوت واللام في لتفسدن جواب قسم فإِما أن يقدر محذوفاً ويكون متعلق القضاء محذوفاً تقديره وقضينا إلى بني إسرائيل فسادهم في الأرض وعلوهم ثم أقسم تعالى على وقوع ذلك وأنه كائن لا محالة فحذف متعلق قضينا وأبقى منصوب القسم المحذوف ويجوز أن يكون قضينا أجري مجرى القسم ولتفسدن جوابه كقولهم قضاء الله لأقومن مرتين أولاهما قتل زكريا ونشره في الشجرة بالمنشار والثانية حبس أرميا حين أنذرهم سخط الله. {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} أي موعود أولاهما والوعد قد سبق بذلك والموعود هو العقاب والضمير في أولاهما عائد على المرتبين. {عِبَاداً لَّنَآ} قال ابن عباس غزاهم سنحاريب وجنوده ملك بابل وقيل بخت نصر وروي أنه دخل قبل في جيش من الفرس وهو خامل يسير في مطبخ الملك فاطلع من جور بني إسرائيل على ما لم يعلمه الفرس لأنه كان يداخلهم فلما انصرف الجيش ذكر للملك الأعظم فلما كان بعد مدة جعله الملك رئيس جيش وبعثه فخرب بيت المقدس وقتلهم وجلاهم ثم انصرف فوجد الملك قد مات فملك موضعه واستمر حاله حتى ملك الأرض بعد ذلك والبعث هنا الإِرسال والتسلط. {أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي قتال وحرب شديد لقوتهم ونجدتهم وكثرة عددهم وعددهم. {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ} أسند الجوس وهو التردد خلال الديار بالفساد إليهم لتخريب المساجد وإحراق التوراة من جملة الجوس المسند إليهم. {وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} أي منجزاً ما وقع به الوعد من العقاب. {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} هذا إخبار من الله لبني إسرائيل في التوراة وجعل رددنا موضع ندد اذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد لكنه لما كان وعد الله في غاية الثقة أنه يقع عبر عن مستقبله بالماضي * والكرة الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليهم حين تابوا ورجعوا عن الفساد ملكوا بيت المقدس وقيل الكرة قتل بخت نصر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم وذكر في سبب ذلك أن ملكاً غزا أهل بابل وكان بخت نصر قد قتل من بني إسرائيل أربعين ألفاً ممن يقرأ التوراة وبقي بقيتهم عنده ببابل في الذل فلما غزاهم ذلك الملك وغلب على بابل تزوج امرأة من بني إسرائيل وطلبت منه أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه وانتصب نفيراً على التمييز فقيل النفير والنافر واحد وأصله من ينفر مع الرجل من عشيرته وأهل بيته وجواب وإن أسأتم قوله فلها على حذف مبتدأ أولها خبره تقديره فالإِساءة لها. {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} أي المرة الآخرة في إفسادكم وعلوكم وجواب إذا الأولى تقديره بعثناهم عليكم وإفسادهم وقرىء: {لِيَسُوءُواْ} بلام كي وياء الغيبة وضمير الجمع والغائب العائد على المبعوثين وقرىء: لنسوء بالنون التي للعظمة وفيها ضمير يعود على الله والظاهر أنه أريد بالوجوه الحقيقية لأن آثار الأعراض النفسانية في القلب تظهر على الوجه ففي الفرح يظهر الاسفار والاشراق وفي الحزن يظهر الكلوح والغبرة ويحتمل أن يعبر عن الجملة بالوجه فإِنهم ساؤهم بالقتل والسبي والنهب فحصلت بالإِساءة للذوات كلها. {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ} أي مسجد بيت المقدس ومعنى: {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي بالسيف والقهر والغلبة والإِذلال وهذا يبعد قول من ذهب إلى أن أولى المرتين لم يكن فيها قتل ولا قتال ولا نهب. {وَلِيُتَبِّرُواْ} أي يهلوا وقال قطرب يهدموا * وقال فما الناس إلا عاملان فعامل * يتبر ما يبنى وآخر رافع والظاهر أن مفعوله يتبروا أي يهلكوا ما غلبوا عليه من الاقطار ويحتمل أن تكون ما ظرفية أي مدة استيلائهم. {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} بعد المرة الثانية إن تبتم وانزجرتم عن المعاصي وإن عدتم إلى المعصية مرة ثالثة عدنا إلى العقوبة وقد عادوا فأعاد الله عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الاتاوة عليهم وعن الحسن عادوا فبعث الله محمداً فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون ثم ذكر ما أعد لهم في الآخرة وهو جعل جهنم له حصيراً والحصير السجن أو المحبس * قال لبيد: شعر : ومقامه غلب الرجال كأنهم جن لدى باب الحصير قيام تفسير : والذي يظهر بأنها حاصرة لهم محيطة بهم من جميع جهاتهم فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول رحيمة وعليمة ولكنه على معنى النسب كقوله تعالى: {أية : السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ}تفسير : [المزمل: 18] أي ذات انفطار. {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي} الآية لما ذكر من اختصه بالإِسراء وهو محمد صلى الله عليه وسلم ومن آتاه التوراة وهو موسى صلى الله عليه وسلم وأنه هدى لبني إسرائيل وذكر فيها ما قضى عليهم من التسلط عليهم بذنوبهم كان ذلك رادعاً من عقل عن معاصي الله فذكر ما شرف الله به رسوله من القرآن الناسخ لحكم التوراة وكل كتاب إلهي وأنه يهدي للطريقة التي هي أقوم والذي يظهر من حيث المعنى أن أقوم هنا لا يراد بها التفضيل إذ لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها وفضلت هذه عليها وإنما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة وغيرها من الطرق ليست مستقيمة كما قال تعالى: {أية : وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ}تفسير : [البينة: 5]. {وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} عطف على قوله ان لهم أجراً كبيراً بشروا بفوزهم بالجنة وبكينونة العذاب الأليم لأعدائهم الكفار إذ في علم المؤمنين بذلك وتبشيرهم به مسرة لهم فهما بشارتان وفيه وعيد للكفار * قال الزمخشري: فإِن قلت كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفرة ولم يذكر الفسقة قلت: كان الناس حينئذٍ إما مؤمن تقي وإما مشرك وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك. "انتهى". هذه مكابرة بل قد وقع في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم من بعض المؤمنين هنات وسقطات بعضها مذكور في القرآن وبعضها في الحديث الصحيح الثابت. {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ} قال ابن عباس وغيره: نزلت ذامة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم وأبنائهم في أوقات الغضب والضجر * ومناسبتها لما قبلها أن بعض من لا يؤمن بالآخرة كان يدعو على نفسه بتعجيل ما وعد به من الشر في الآخرة كقول النضر: فأمطر علينا حجارة من السماء الآية وكتب ويدع بغير واو على حسب السمع والإِنسان هنا ليس واحداً معيناً والمعنى أن في طباع الإِنسان إذا ضجر وغضب دعا على نفسه وأهله وماله بالشر أن يصيبه كما يدعو بالخير أن يصيبه ثم ذكر تعالى أن ذلك من عدم تثبته وقلة صبره وكونه خلق كثير التسرع لما يرد على قلبه لا يتأتى ولا يستبصر. {وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ} الظاهر أن آيتين هو المفعول الأول والليل والنهار ظرفان في موضع المفعول الثاني أي وجعلنا في الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه مظلماً لا يستبان فيه شىء كما لا يستبان ما في اللوح المحفوظ وجعلنا آية النهار مبصرة أي يبصر فيه الأشياء ويستبان ومعنى: {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً} أي: من فضله أي: لتتوصلوا إلى استبانة أعمالكم وتصرفكم في معايشكم والحساب للشهور والأيام والساعات ومعرفة ذلك في الشرع إنما هو من جهة آية النهار وكل شىء مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم. {فَصَّلْنَاهُ} بيناه تبييناً غير ملتبس والظاهر أن نصب وكل شىء على الاشتغال. {طَآئِرَهُ} أي أن جميع ما يلقى الإِنسان من خير وشر فقد سبق به القضاء وألزم خطه وعمله ومكسبه في عنقه معبر عن الخط والعمل إذ هما متلازمان بالطائر. وقرىء: {وَنُخْرِجُ} بنون مضارع أخرج. {كِتَاباً} بالنصب وعن أبي جعفر ويخرج بالياء مبنياً للمفعول كتاباً أو يخرج الطائر كتاباً وعنه أيضاً كتاب الرفع على أنه مفعول ما لم يسم فاعله. و{يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} صفتان لكتاب ويجوز أن يكون منشوراً حالاً من مفعول يلقاه. {ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ} معمول لقول محذوف أي يقال له اقرأ كتابك وقال قتادة يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئاً. و{بِنَفْسِكَ} فاعل كفى والباء زائدة على سبيل الجواز لا اللزوم ويدل عليه أنه إذا حذفت ارتفع ذلك الإِسم بكفى كقول الشاعر: شعر : ويخبرني عن غائب المرء هديه كفى الهدى عما غيب المرء فجرا تفسير : و{ٱلْيَوْمَ} منصوب بكفى وعليك يتعلق بحسيباً ومعنى حسيباً حاكماً عليك بعلمه وحسيباً منصوب على التمييز لجواز دخول من عليه والحسيب بمعنى المحاسب ومعناه حافظاً عليك عملك ولذلك عدى بعلى. {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ} الآية قيل نزلت الإشارة في الهدى إلى أبي سلمة بن عبد الأسود وفي الضلال إلى الوليد بن المغيرة وتقدم تفسير ولا تزر في آخر الأنعام. {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} الآية فيها نتفاء التعذيب ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى: {حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} فيكذب ولا يؤمن بما جاء به من عند الله وانتفاء التعذيب أعم من أن يكون في الدنيا بالهلاك وغيره من العذاب أو في الآخرة بالنار فهو يشملهما. {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً} الآية لما ذكر تعالى أنه لا يعذب أحداً حتى يبعث إليه رسولاً بين بعد ذلك علة أهلاكهم وهي مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمادي على الفساد والفسق وأراد هنا حقيقته وأن نهلك يعني في الدنيا وقرىء: {أَمَرْنَا} بتخفيف الميم من الأمر ومفعول أمر محذوف تقديره أمرنا بالطاعة. {مُتْرَفِيهَا} ويجوز أن تكون أمرنا بمعنى كثرنا تقول العرب أمر القوم بكسر الميم أي كثروا وأمرهم الله بفتح الميم أي كثرهم فصارت الحركة يصير بها الفعل متعدياً تقول العرب شترت عني الرجل بكسر التاء والقول الذي حق عليهم هو وعيد الله الذي قاله رسولهم * والتدمير الاهلاك مع طمس الأثر وهدم البناء مع هلاك أهلها وقرىء: آمرنا بالمد أي كثرنا عدى أمر بالهمزة بمعنى كثرنا وقرىء: أمرنا بالتشديد أي جعلناهم أمراء أو بمعنى كثرنا وكم في موضع نصب على المفعول بأهلكنا أي كثيراً من القرون أهلكنا ومن القرون بيان لكم وتمييز له كما تميز العدد بالجنس والقرون عاد وثمود وغيرهم ويعني بالإِهلاك هنا الإِهلاك بالعذاب وفي ذلك تهديد ووعيد لمشركي مكة وقال من بعد نوح ولم يقل من بعد آدم لأن نوحاً صلى الله عليه وسلم أول نبي بالغ قومه في تكذيبه وقومه أول من حلت بهم العقوبة العظمى وهو الاستئصال بالطوفان وتقدم القول في عمر القرن ومن الأولى للتبيين والثانية لابتداء الغاية وتعلقاً بأهلكنا لاختلاف معنييهما وكفى بربك إنما يجيء في الأغلب في مدح أو ذم وإعراب كفى بربك كإِعراب كفى بالله وبذنوب عباده تنبيه على أن الذنوب هي أسباب الهلكة. و{خَبِيرَاً بَصِيراً} تنبيه على أنه عالم بها ومعاقب عليها ويتعلق بذنوب بخبيراً أو بصيراً. {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ} قيل نزلت في المنافقين كانوا يغزون مع المسلمين لا للثواب ومن شرطية وجوابه عجلنا له فيها ما نشاء فقيد المعجل بمشيئة ما نشاء تعجيله ولمن نريد بدل من قوله له بدل بعض من كل لأن الضمير في له عائد على من الشرطية وهي في معنى الجمع ولكن جاءت الضمائر هنا على اللفظ لا على المعنى وجعلنا بمعنى صيرنا والمفعول الأول جهنم والثاني له لأنه ينعقد منهما مبتدأ وخبر ويصلاها حال من الضمير في له أو من جهنم. {مَذْمُوماً} إشارة إلى الإِهانة. {مَّدْحُوراً} إشارة إلى البعد والطرد من رحمة الله تعالى وهما حالان من الضمير المستكن في يصلاها.
الجيلاني
تفسير : {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ) نزه سبحاه ذاته بما يجب تنزهه عنه في حضرة علمه، وأيهم اسمه على مقتضى تعاليه وترفعه عن أفهام عبداه عن إخراج العبد من ظلمة الإمكان الذي هو الليل الحقيقي إكلى نور الوجوب الذي هو النهار الحقيقي {بِعَبْدِهِ} يعني: حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم بعدما أخلع عنه كسوة ناسوته، وألبسه خلعة لاهوته، بحيث تجرد عن مقتضيات بشريته مطلقاً، وارتفعت عنه حجب تعيناته جملةً، وانكشفت سدل الغفلة والغشاوات عن بصيرته وبصره. وحينئذٍ انطوت المسافات مطلقاً {لَيْلاً} أي: في قطعةٍ منه، صرح به، وإن كان الإسراء في اللغة عبارة عن السير في الليل. ليُعلم أن ابتداؤه وانتهاؤه كان فيه {مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الذي حُرمت ما أبيحت في الأماكن الأخر من الصيد وغنيره، ألا وهو قلب الإنسان الكامل الذي هو بيت الله الأعظم حقيقةً؛ إذ حرمت فيه التوجه إلى الغير والسّوى مطلقاً، وإن كان مبنياً في بقعة جسدانية إمكانية {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} أي: كثَّرنا فيه الخير والبركة على زوارها وساكنيها، ألا وهو البيت المعمور الأبدي الأزلي الذي هو الوجود المطلق، المفيض على كافة المظاهر وحواليه عبارةً عن مقتضيات الأوصاف والأسماء الإلهية، وزوارها استعدادات المظاهر وقابلياتها المستفيدة منها، الناشئةُ عن أضلال أوصافها. وإنما أسريناه {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} الدالة على كمال قدرتنا وحكمتنا، ووفور جودنا وكرامتنا {إِنَّهُ} بعد تجرده عن جلباب تعيينه وهويته {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} بسمعنا، فيسمع بنا منا {ٱلبَصِيرُ} [الإسراء: 1] ببصرنا، فيبصر ببصرنا عجائب صنعنا، وغرائر مبدعاتنا. {وَ} كما أيّدنا حبيبنا بما أيدناه من الإسراء به، وإراءة عجائب صنعنا وقدرتنا إياه، بأن أسريناه من مكة في ساعةٍ إلى بيت المقدس، ثمَّ فيها إلى فوق السماوات السبع، ومثَّلنا له أرواح الأنبياء والأولياء، فتكلم معهم، ثمَّ منها إلى ما شاء الله، وأخبر عنه سبحانه بقوله: {أية : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}تفسير : [النجم: 8-9]، وسمع كلاماً لا من جنس الأصوات والحروف. كذلك {آتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ} تأييداً له، وتنفيذاً لأمرنا إلى أن خصصناه بتكليمنا إياه، وكرمناه بأنواع الكرامات {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: هادياً لهم، يهديهم إلى توحيدنا، وتقديس ذاتنا عن الأشباه والأنداد، وأمرناهم فيه {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ} أيها المتحيرون في الأمور والوقائع {مِن دُونِي وَكِيلاً} [الإسراء: 2] أي: شريكاً لي، وكفؤاً تتكلون إليه في أموركم غيري؛ إذ ليس في الوجود سواي، فعليكم أن تتخذوني وكيلاً، وتفوضوا أموركم كلها إليّ؛ إذ لا معبود لكم غيري. {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا} بمقتضى جودنا {مَعَ نُوحٍ} حين استولى الطرفان على وجه الأرض، فهلك من عليها إلاَّ مَن آمن لنوح، ودخل معه في السفينة، فأنجيناه أصالةً، ومع معه تبعاً {إِنَّهُ} يعني: نوحاً {كَانَ عَبْداً شَكُوراً} [الإسراء: 3] مبالغاً في أداء الشكر، مواظباً عليه وجه الخضوع والخشوع، فلكم أن تقتفوا أثر أسلافكم الذين هم أصحاب سفينة نوح عليه السلام، وهم مؤمنون مصدقون له، ولكم أن تؤمنوا بمن أُرسل إليكم لإصلاح أحوالكم، وتصدقوا كتابه. {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: أوحينا إليهم {فِي ٱلْكِتَابِ} المنزل عليهم على وجه الإيذان والإعلام تنبيهاً وتذكيراً، والله {لَتُفْسِدُنَّ} أنتم {فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} مرةً بمخالفة أحكام التوراة، وقتل شعياء، ومرةً بقتل يحيى وزكريا، وقصد قتل عيسى. عليهم السلام. والكل من أعظم الجرائم عند الله {وَ} مع ذلك {لَتَعْلُنَّ} وتستكبُرونَّ عتواً وعناداً على الأنبياء استهانةً واستخفافاً، وسخريةً واستهزاءً {عُلُوّاً كَبِيراً} [الإسراء: 4] بحيث لا تبالونهم، ولا تعدونهم من العقلاء؛ لذلك تسفهونهم تارةً، وتكذبونهم أخرى. فاعلموا أيها المسرفون أنَّا ننتقم منكم في النشأة الأولى لكلّ جريمةٍ صدرت عنكم من الجريمتين العظيمتين {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ} انتقام {أُولاهُمَا} أي: أولى الجريمتين {بَعَثْنَا} وسلَّطنا {عَلَيْكُمْ} حين أردنا الانتقام، والأخذ عليها {عِبَاداً لَّنَآ} منتفعين عنكم من قبلنا {أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} وشوكةٍ عظيمةٍ، وصَوْلَةٍ قويةٍ، وإذا دخلوا عليكم {فَجَاسُواْ} أي: تجسسوا وترددوا لطلبكم {خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ} ووسطها للتقل والاستئصال {وَكَانَ} ما ذُكر من الانتقام {وَعْداً} من الله {مَّفْعُولاً} [الإسراء: 5] حقّاً عليه إنجازه وإيقاعه، وذلك حين استولى بُختُنَصَّر عليهم، فقتل كبارهم، وسَبَى صغارهم، ونهب أموالهم، وخرب بلدانهم، وحرق التوراة، وخرب الأقصى. {ثُمَّ} بعدما ضعفناكم وأخذناكم {رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ} الدولة والغلبة والصولة {عَلَيْهِمْ} أي: على أعدائكم {وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ} عظام {وَبَنِينَ} معاونين ناصرين {وَجَعَلْنَاكُمْ} في الكرَّة الثانية {أَكْثَرَ نَفِيراً} [الإسراء: 6] من الكثرة الأولى؛ أي: أكثر عسكراً وجنوداً منها. وبالجملة: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ} لبني نوعكم خالصاً لوجه الله، وآمنتم لتزكية نفوسكم {أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} إذ فوائد الإيمان والإحسان عائدةٌ إليكم {وَإِنْ أَسَأْتُمْ} لهؤلاء، وكفرتم بالله وبرسوله {فَلَهَا} أي: وبال إساءتكم عليها؛ إذ الله في ذاته غنيٌّ عن إحسان المحسن، وإساءة المسيء {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} أي: وقت انتقام الجريمة الأخيرة، بعثنا عليكم أيضاً عباداً لنا أولي بأس شديد، وبسطة قوية، وبطش شديد: طيطوس الرومي. وقيل: ملك الفرس اسمه: جودرز، وقيل: حردوس، وإنما بعثناهم عليكم {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} ليسوءوا معكم، بحيث ظهرت آثار إساءتهم من وجوهكم {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ} وخربوه {كَمَا دَخَلُوهُ} وخربوه {أَوَّلَ مَرَّةٍ} من استيلاء بختَنصّر، وأحرقوا الكتب، كما أحرقوا {وَلِيُتَبِّرُواْ} وليهلكوا {مَا عَلَوْاْ} وقدروا عليه وغلبا {تَتْبِيراً} [الإسراء: 7] هلاكاً كليّاً، بحيث لا ينجو منهم أحد. قيل: دخل صاحب الجيش، فذبح قرابينهم، فوجد فيه دماً يغلي، فسألهم عنه: فالوا: دم قربان لم يُقبل منا، فقال: ما هو إلاَّ كذب، فقتل ألوفاً منهم عليه، ثمَّ قال: إن لم تُصْدِقُوني، ولم تبينوا لي دم مَنْ هو هذا، ما تركت منك أحداً؟ فلما اضطروا قالوا: إنه دم يحيى النبي عليه السلام قتلناه ظلماً، فقال: لمثل هذا ينتقم الله منكم؟! ثمَّ قال ملتفتاً إلى الدم: يا يحيى، قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك، فأسكن من الغلي قبل ألاَّ أُبقي أحداً منهم، فسكن، ولم يقتل بعد هذا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء: 1] للتعجب فيها يشير إلى أعجب أمرٍ من أموره جرى بينه وبين أفضل خلقه، وأخص عبيده، وأحبهم إليه، وأقربهم لديه، وأعظمهم قدراً، وأكملهم مقاماً، وأرفعهم درجة، وأعلاهم رتبة، وأجلهم منصباً، وأكرمهم مثوى، وأعزهم منزلة، وأوفاهم قربة، وأفناهم عن أنانيته، وأبقاهم بهويته، وأخلصهم لعبوديته، وأوحدهم بوحدانيته، وأفردهم بفردانيته، وأوليهم بتجلي جماله، وأعظميهم من كشف جلاله، وهو العبد المطلق من بين سائر عباده، والحبيب المختص المخلص من أحبابه، والنبي المفضل على أنبيائه، وهو الحر المعتق عن عبودية الموجودات ورق وجوده، فلهذا سماه الله {بِعَبْدِهِ} عند فناء اسمه ورسمه اسماً ما سُمِي به أحد من خلقه إلا عند بقاء اسمه ورسمه، كما قال {أية : عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} تفسير : [مريم: 2] ومن هنا يقول كل نبي يوم القيامة: نفسي نفسي لبقاء وجودهم وهو صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أمتي أمتي" تفسير : لفناء وجوده في وجوده. وفي قوله تعالى: {مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} [الإسراء: 1] إشارة إلى أن الحكمة في إسرائه إرائته آيات مخصوصة بذاته تعالى تقديراً له وشرفاً ما وراءها أحداً من الأولين والآخرين إلا سيد المرسلين وخاتم النبيين، فإنه تبارك وتعالى أرى خليله عليه السلام وهو أعز الخلق عليه بعد حبيبه الملكوت كما قال: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} تفسير : [الأنعام: 75] وأرى حبيبه آيات ربه الكبرى، كما قال: {أية : لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [النجم: 18] ليكون من المحبين المحبوبين. وفي قوله {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} [الإسراء: 1] إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو السميع الذي "حديث : كنت له سمعاً فبي يسمع وبصرا فبي يبصر ". تفسير : {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} [الإسراء: 2] المخصوصة بجمالنا وجلالنا {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} [الإسراء: 2] الذي يسمعنا {ٱلبَصِيرُ} [الإسراء: 2] يبصرنا فإنه لا يسمع كلامنا إلا بنا ولا يبصر جمالنا. ثم أخبر عن مرتبة كليمه بعد مرتبة حبيبه بقوله: {وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} [الإسراء: 2] إشارة إلى أن سبب إيتاء التوصية وإنزالها إنما كان هداية ببني إسرائيل {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} [الإسراء: 2] أي: ربّاً وإلهاً كما اتخذ قوم نوح؛ وذلك لأنهم {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} [الإسراء: 3] فإنهم كانوا مؤمنين لا يشركون بالله شيئاً، فكذلك أردنا أن ذريتهم لا يشركون بالله شيئاً وذلك لأجل {إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} [الإسراء: 3] أي: كان نوح عليه السلام {عَبْداً شَكُوراً} [الإسراء: 3] فالله تعالى بالغ في ازدياد النعمة جزاء لمبالغته في الشكر حتى أنعم على ذرية من حملهم مع نوح {عَبْداً شَكُوراً} [الإسراء: 3] وهم بنو إسرائيل بإيتاء التوراة الهادية إلى التوحيد وإخراجهم من الشرك. وفي قوله تعالى: {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} [الإسراء: 4] إشارة إلى أنا أنعمنا على بني إسرائيل بالكتاب لنهدينهم إلى التوحيد، ولكنهم يفسدون في الأرض بقتل الأنبياء كفراناً بنعمتنا، ويبغون العلو في الدنيا {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} [الإسراء: 5] ليعذبوكم عذاباً شديداً جزاء كفران النعمة، كما قال: {أية : وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} تفسير : [إبراهيم: 7] {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ} [الإسراء: 5] للاستقصاء في القتل والتعذيب للعباد في الظاهر، وجاسوا قهرنا وعذابنا في الباطن خلال قلوبكم لقتل صفاتكم الحميدة واستيلاء نفوسكم الأمارات بالسوء، ليخربوا بيت قدس قلوبكم ويميتوا أبناء أنبياء إيمانكم وصدقكم ويقينكم {وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} [الإسراء: 5] في الحكمة الأزلية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ينزه تعالى نفسه المقدسة ويعظمها لأن له الأفعال العظيمة والمنن الجسيمة التي من جملتها أن { أَسْرَى بِعَبْدِهِ } ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم { مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } الذي هو أجل المساجد على الإطلاق { إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى } الذي هو من المساجد الفاضلة وهو محل الأنبياء. فأسري به في ليلة واحدة إلى مسافة بعيدة جدا ورجع في ليلته، وأراه الله من آياته ما ازداد به هدى وبصيرة وثباتا وفرقانا، وهذا من اعتنائه تعالى به ولطفه حيث يسره لليسرى في جميع أموره وخوله نعما فاق بها الأولين والآخرين، وظاهر الآية أن الإسراء كان في أول الليل وأنه من نفس المسجد الحرام، لكن ثبت في الصحيح أنه أسري به من بيت أم هانئ، فعلى هذا تكون الفضيلة في المسجد الحرام لسائر الحرم، فكله تضاعف فيه العبادة كتضاعفها في نفس المسجد، وأن الإسراء بروحه وجسده معا وإلا لم يكن في ذلك آية كبرى ومنقبة عظيمة. وقد تكاثرت الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء، وذكر تفاصيل ما رأى وأنه أسري به إلى بيت المقدس ثم عرج به من هناك إلى السماوات حتى وصل إلى ما فوق السماوات العلي ورأى الجنة والنار، والأنبياء على مراتبهم وفرض عليه الصلوات خمسين، ثم ما زال يراجع ربه بإشارة موسى الكليم حتى صارت خمسا بالفعل، وخمسين بالأجر والثواب، وحاز من المفاخر تلك الليلة هو وأمته ما لا يعلم مقداره إلا الله عز وجل. وذكره هنا وفي مقام الإنزال للقرآن ومقام التحدي بصفة العبودية لأنه نال هذه المقامات الكبار بتكميله لعبودية ربه. وقوله: { الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } أي: بكثرة الأشجار والأنهار والخصب الدائم. ومن بركته تفضيله على غيره من المساجد سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة، وأنه يطلب شد الرحل إليه للعبادة والصلاة فيه وأن الله اختصه محلا لكثير من أنبيائه وأصفيائه.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} [1] 300- أنا محمد بن بشار، نا يحيى، قال: نا سفيان، قال: حدثني عاصم عن زر، عن حُذيفة، قال: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا} [الإسراء: 1] قال: لم يُصلِّ فيه، ولو صلى فيه لكُتب عليكم، كما كُتب عليكم الصلاة في الكعبة. 301- أنا علي بن حُجر، نا على بن مُسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كنت اقرأ على أبي القرآن في السِّكَّة، فإذا قرأت السَّجدة؛ سجد، قلت له: يا أبتِ تسجد في الطريق؟ قال: إني سمعت أبا ذرٍّ يقول: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوَّل مسجد وُضِعَ في الأرض، فقال/ : "المسجد الحرام". قلت ثم أيٌّ؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون عاماً، والأرض لك مسجد، فحيث ما أدركت صلاة فصل ". تفسير : 302- أنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن عُقيل، عن الزُّهري، عن أبي سَلَمة، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لمَّا كذَّبتني قُريش، قمت في الحِجر، فجلَّى الله لي بيت المقدس، فطفقت أُخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه ". تفسير : 303- أنا أبو داود سُليمان بن سيف، قال: نا أبو النُّعمان، نا ثابت، قال: نا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أُسرِيَ بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته، فحدثهم بمسيره، وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم، فقال ناس: نحن لا نُصدق محمد، فارتدوا كفَّاراً، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل. 304- انا محمد بن رافع، نا حُجين بن المُثَنى، نا عبد العزيز - وهو الماجِشُون، عن ابن الفَضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد رأيتني في الحِجْر، وقريش تسألني عن مَسْرَاي، فسألوني عن أشياء في بيت المقدس لم آتها، فكُرِبْتُ كربا ما كُرْبتُ مثله قط، فرفعه الله لي عزَّ وجل: أنظُرُ إليه، فما سألوني عن شيء إلا أتيتُهُم به ". تفسير : 305- أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، في حديثه: عن مُعتمر بن سليمان، قال سمعت عَوفا، عن زُرارة، عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما كان ليلة أُسْري بي ثم أصبحت بمكة، قال: قطعت بأمري، وعرفت أن الناس مكذبيَّ، قال: فقعدتُ مُعتزلا حزينا، فمرًَّ بي عدو الله أبو جهل - فجاء حتى جلس إليه، فقال له - كالمُستهزيء: هل كان من شيء؟ قال: "نعم"، قال: ما هو؟ قال: "إني أُسريَ بي الليلة" قال: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس"، قال: ثم أصبحت بين أَظْهُرنا؟، قال: "نعم"، قال: فلم يُرِه أنه يكذِبُه مخافة أن يجحد الحديث إن دعا له قومه، قال: إن دعوت إليك / قومك، أتحدثهم؟ قال: "نعم"، قال أبو جهل: معشر بني كعب بن لؤي: هلُمّ، فتنفَّضت المجالس، فجاءوا حتى جلسوا إليهما، قال: حدَّث قومك ما حدَّثتني. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أُسري بي الليلة" قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس" قال: قالوا: ثم أصبحت بين أظْهَرِنا؟ قال: "نعم" قال: فمن بين مُصدِّق، ومن بين واضعٍ يده على رأسه مستعجبا للكذب قال: وفي القوم من سافر إلى ذلك البلد، ورأى المسجد، قال: قالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فذهبت أنعتُ لهم، فمازلتُ أنعت حتى التبس عليَّ بعض النعت،، قال: فجيء بالمسجد، حتى وُضِع، قال: فنعتُّ المسجد وأنا أنظر إليه" قال: وقد كان مع هذا حديث، فنسيته أيضا، قال القوم: أما النَّعت، فقد أصاب ".
همام الصنعاني
تفسير : 1527- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: حدثني أبو هَارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، في قوله تعالى: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا}: [الآية: 1]، قال: حديث : حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلةِ أُسْرِيَ به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُتيتُ بِدايَةٍ هي أشبه الدوابِ بالبغل له أُذُنان مضطربتان وَهُوَ الْبُراقُ، وهو الذي كانت تركبه الأنبياء قبْلي فركبته، فانطلق يضع يَده عند منتهى بصرِه، فَسَمِعْتُ نِدَاءً عَنْ يميني: يا محمد على رسْلِكَ أسأَلك، فمضيت ولم أُعَرِّج عليه، ثم سمعت نداء عن شمالي، يا محمد على رسلك أسألك فمضيت ولم أُعرِّج عَلَيْهِ، ثم استقبلتني امرأةٌ عَلْيها من كل زينة الدنيا، رافعةً يدَها، تقول: عَلَى رسلك أسألك فمضيت لم أعرِّج عليها. ثم أتيت بيت المقدس، أو قال: المسجد الأقصى فنزلتُ عن الدابة، فأوثقتها بالحلقة التي كانت الأنبياء توثِق بها، ثم دَخلت المسجد فصليتُ فيه، فقال لي جبريل: ما رأيتَ في وَجْهِكَ؟ فقلت: سمعت نداءً عن يميني: أنْ يا محمد، على رسلك أسألك، فمضيت، ولم أعرِّج عليه. قال: ذاك داعي اليهود، إما إنك لو وقفت عليه تَهَوَّدَتْ أُمَّتُكَ قلت: ثم سمعت نداءً عن يساري، أَنْ يا محمد على رسلك، فمضيت ولم أُعرِّج عليه، قال ذاك داعي النَّصارى، أَمَا إنك لو وقفت عليه، لتَنَصَّرَتْ أُمّتُك، ثم استقبلتني امرأةٌ عَلَيْها مِنْ كُلِّ زينةِ الدنيا رافعةً يديها تقول: عَلَى رسلك يا محمد أسألُك، فمضيت ولَمْ أُعرّج عَلَيْهَا. قال: تلك الدنيا تزينت لك، أما إنك لو وَقَفْتَ عليها اختارت أُمَّتُكَ الدُّنْيا علَى الآخرة، ثم أُتِيتُ بإناءَين أحدهما فيه لبن، والآخرة فيه خمر، فقيل لي: اشرب أيَّهُما شئت. فأخذتُ اللبنَ فشربتُه، فقال: أصبتَ الفطرةَ أو أخذت الفطرةَ. قال: معمر، وأخبرني الزهري عن ابن المسيّب أنه قيل له: أما إنك لو أخذت الخمر غَوَتْ أمّتُك. ثم قال أبو هارون عن أبي سعيد الخدري في حديثه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثم جيء بالمعراج الذي كانت تعرج فيه أرواح بني آدم، فإذا أحسنُ ما رأيتُ ألم تروا إلى الميت كيف يخرُج ببصره إليه. فعرج بنا فيه حتى انتهينا إلى باب السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيلَ: ومن مَعَه؟ قال: محمد، قال: أوَقد أُرسِلَ إلَيْهِ؟ قال: نعم. ففتحوا لي، وَسَلَّمُوا عَلَيَّ، وإذا مَلَكٌ مُوكَلٌ يحرس السماءَ يقال له إسماعيل، معه سبعون ألف مَلَك، مع كل مَلَكٍ منهم مائة ألف، ثمر قرأ {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}: [المدثر: 31] وإذا أنا برجل كهيئته يَوْمَ خلقه الله لم يتغير منه شيء وإذا هُوَ تُعْرَضُ علَيْه أرواح ذريته، فإذا كان روح مؤمن قال: روح طيب وريح طيبة، اجعلوا كتابه في عليين، فإذا كان رُوحُ كافرٍ قال: رُوحٌ خبيث ورِيحٌ خبيثةٌ اجعلوا كتابه في سجين، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: أبوك آدم، فسلَّم علَيَّ ورَحَّب بي، وقال: مرحباً بِابْنَيْ الصالح، ثم نَظرت، فإذا أنا بقومٍ لهُمْ مشافِرُ كمشافِرِ الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرِهم، ثم جعل في أفواهِهِم [صخر] من نارٍ، يَخْرُج من أسافلهم، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أمْوَال اليتامى ظُلماً إنَّما يأكلونَ في بطونهم ناراً، قال: ثم نظرت، فإذا أنا بقَوْمٍ يحذى من جلودهم، وَيُدَسُّ في أفواههم، ويقال لهُمْ: كلوا كما أكَلْتُم فإذا أكره ما خلق الله لهم ذلِك، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الهمازون اللّمازون الذين يأكلون لحوم النَّاس، ثم نظرت فإذا أنا بقَوْمٍ على مائدةٍ عليها لحم مشوي كأحسن ما رأيت من اللحم، وإذا حولهم جِيفٌ مُنْتِنَةٌ، فجعلوا يمليون على الجيف يأكلون منها، ويَدَعُون ذلك اللحمَ، فقلت: يا جبريل، منْ هؤلاء؟ قال هؤلاء الزُّنَاة عَمَدُوا إلى ما حرَّمَ اللهُ عَلْيهم، وتكروا ما أحَلَّ اللهُ لهُمْ، ثم نظرت فإذا أنا بقَوْمٍ لهم بُطونٌ ك أنها البيوت، وهم عَلى سابِلَة آل فرعون فإذا مَرَّ بهِمْ آل فرعون، فيميل بأحدهم بطنه فيقع، فيتوطأهم آلُ فرعون بأرجلهم، وهم يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدوّاً وعَشِياً، قلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أَكَلةُ الرِّبَا، رَبا في بطونهم، فمثلهم كمثل الذي يتخبطه الشيطانُ مِنَ الْمَسِّ. ثم نَظرتُ فإذا أنا بِنِساءٍ مُعلّقاتٍ بثديهنّ، ونساء منكساتٍ بأرجُلِهِنَّ، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هن اللاتي يَزْنينَ، ويَقْتُلْنَ أولادهُنَ، ثم صعدنا إلى السَّماء الثانية، فإذا أنا بيوسف وحوله تَبَعٌ كثير من أمته، ووجهه مثل القمر ليلة البدر، فسَلَّم عليَّ ورحب بي، ثم مضينا إلى السَّماءِ الثالثة، فإذا أنا بأبْنَيْ الخالة: يحيى وعيسى، شَبهان أحدهما بصاحبه ثيابهما وشَعْرهما، فَسَلَّما عَلَيَّ وَرَحَّبا بي، ثم مضينا إلى السماء الرابعة فإذا أنا بإدريس، فَسَلَّم عَلَيَّ ورَحَّبَ بِي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وقد قال الله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}: [مريم: 57] ثم مضينا إلى السماء الخامسة، فإذا أنا بهارون المحبب في قومه، وحوله تَبَعٌ كثيرٌ من أُمَّتِهِ، فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم: طويل اللحية، تكاد لحيته تمسّ سُرَّته، فسلّم عليَّ ورحب بي، ثم مضينا إلى السماء السادسة، فإذا أنا بموسى فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَرَحَّبَ بِي، فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: رجل كثير الشعب، لو كان عليه قميصان خرج شعره منهما، فقال موسى: يزعم الناس أني أكرم الخلق على الله، وهذا أكرمُ على الله مني، ولو كان وحده لم أبال، ولكن كل نبي ومَن تبعه من أُمَّتِهِ، ثم مضينا إلى السماء السَّابعة، فإذا أنا بإبراهيم وهو جَالِسٌ مُسْنِدٌ ظَهْرَه إلى البيتِ المعمور فَسَلَّم عَلَيَّ، وقال: مرحباً بِابْني الصالح، وقال: إن هذا مكانك ومكان أمتك، ثم تلا: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ}: [آل عمران: 68] قال ثم دخلت البيتَ المعمورَ، فصَلَّيْتُ فيه، فإذا هُوَ يدخله كل يوم سعبون أَلْفَ مَلَك، لا يعودون فيه إلى يوم القيامة، ثم نظرت فإذا أنا بشجرةٍ إن كانت الورقة منها لمغطية هذه الأمة، وإذا في أَصْلِها عَيْنٌ تجري، فانشعبت شعبتين، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أَمَا هذا فهو نَهْرُ الرَّحْمَةِ، وأما هذا فهو الكوثر الذي أَعْطَاكَه الله، فاغْتَسَلْتُ في نهرِ الرحمةِ، فعُفِرَ لي ما تَقَدَّم من ذَنْبي وما تَأَخَّر، ثم أخذت على الكوثر حتى دخلت الجنَّةَ، فإذا فيها ما لا عَيْنٌ رَأَتْ ولا أُذُنٌ سمِعَت، ولا خَطَرَ على قلب بشر، وإذا فيها رُمَّانٌ كأنها جلود الإبل المقتبة، وإذا فيها طير كأنَّها البُخْتُ، فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن تلك الطير لناعمة قال: أَكْلُها أَنْعَمَ مِنْها يا أبا بكر، إني لأرجو أن تأْكُلَ منها، قال: ورأيت جارية، فسألتها لِمَنْ أنْتِ؟ فقالت: لزيد بن حارثة، فَبَشَّرَ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً، ثم إن الله تبارك وتعالى أمرني بأمره، وفرض عَلَيَّ خسمين صلاة، فمَرَرْتُ على موسى فقال: بِمَ أَمَرَكَ رَبُّكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خسمين صلاَة؛ قال: ارجع إلى ربك، فَسَلْه التخفيف فإنَّ أتك لا يقومون لهذا، فرجعت إلى ربّي فسألته فوضع عني عشراً، ثم رجعت إلى مُوسَى، فلم أزل أرجع إلى ربي إذا مررت بموسى، حتى فَرَضَ عليَّ خمْسَ صلوات، فقال لي موسى: ارجع إلى ربك فسَله التخفيف، فقلت: لقد رجعت حتى استحييت، أو قال: قلت ما أنا براجع، قال: فقيل لي: إن لك بهذه الخَمْس صلوات خمسين صلاة، الحسنة بعشر أمثالها، ومَنْ هَمَّ بحسنة ثُمَّ لم يعملها كُتِبَتْ حسنةٌ، ومن عملها كُتبت عَشْرً، وَمَنْ هَمَّ بسَيئةٍ ولم يعملها لم -يكتب عليه شيء، فإن عملها كُتِبَت واحدة . تفسير : 1528- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن سالم، عن مَعْدَان بن أبي طلحة، عن ثوبان، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا عند عقر حوضي، أَذُودُ الناس عنه لأهل اليمين إني لأضربهم بِعَصَاي حتى يَرْفَضَّ عنهم وإنه ليغيبَ فيه مِيزابَان من الجنَّة، أحدهما من وَرِق والآخَرَ من ذَهَب، طولهما ما بين بصرى وصنعاء، أو ما بين أيْلة ومكة أو من مقامي هذا إلى عمان ". تفسير : 1529- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن رجل، عن أبي هريرة قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَيَرِدَنَّ عليَّ ناس من أصحابي، فَليجْلون عن الحوض - يعني يُنْحُونَ - فَلأقولنَّ: أي رب، أصحابي أصحابي! فَيُقال: إنك لا علم لك بما أَحْدَثُوا بعدك! إنهم ارتدوا علَى أدبارهم القهقرى ". تفسير : 1530- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليرفعنَّ ناس من أصحابي، حتى إذا رأيتُهم ورأوني، اخْتَلَجُوا دوني، فلأقولن: أي رب، أصحابي، أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". تفسير : 1531- حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قمت في الحجر، حيث كَذَّبَنِي قومي ليلة أُسْرِيَ بي، فَأَثْنَيْتُ علَى رَبِّي، وسألته أن يمثل لي بيتَ المقدس، فَرُفِعَ لِي، فَجَعَلْتُ أنعتُ لهم آياتِه ". تفسير : 1532- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم وَصَفَ لأصحابه ليلة أُسرِيَ به إبراهيم وموسى وعيسى فقال: "حديث : أما إبراهيم فلم أَرَ رجُلاً أشبه بصاحبكم منه، وأما موسى فرجل آدم، طوال، جعد، أقنى، كأنه من رجال شنوءة. وأما عيسى، فرجل أحمر، بين القصير والطويل، سِبْط الرأس كثير خيلان الوجْه، كأنه خرج من ديماس، [تخال] رأسه يقطر ماء، وما به ماء، أشبه من رأيت به عروة بن مسعود ". تفسير : 1533- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: حديث : أُتِيَ النبي صلى الله عليه وسلم بالبراق ليلة أُسرِيَ به مسرجاً ملجماً ليركبَه، فاستصعب عليه، قال له جبريل: ما يحملك على هذا، فوالله ما ركبكَ أحَدٌ قَطٌّ أكرم علَى الله منه، فارفَضَّ عرقاً . تفسير : 1534- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن مسعر، عن عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بنِ حبيش، قال: ذكر عند حُذَيْفَة المسجد الأقصى، فقلت: قد صلَّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أنت تقول ذلك يا أصلع! قلت: نعم، بيني وبينك القرآن، قال: فاقرأه، قال: فقرأ: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} الآية، قال: هَلْ تجده صلَّى فيه؟ قلت: لا، قال حذيفة: لو صلَّى فيه لكتبت عليكم صلاة فيه كما كتبت عند المسجد الحرام، ثم قال حذيفة: أُتِيَ بِدابة طو ال هكذا، وأشار بيده خَطْوُه مَدٌّ البَصَّرِ، فما زايَلا ظهر البراق حتى رأيا الجنَّة والنار، ووعده أجمع، ثم رجعا عودهما على بدئهما ويحدثون أنه ربطه ليلاً لما نَفَر منه، وإنَّما سَخَّرَهُ له عالِمُ الغيب والشهادة. 1535- حدثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عمر بن نبهان، عن قتادة عن أَنَسٍ، قال: حديث : إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حين أُسْرِيَ به مَرَّ بقَوْمٍ تُقَصُّ شفاههم بمقاريضَ مِنْ نارٍ، فكُلَّمَا قصت عَادَتْ، قال: قلت: يا جبريل: مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباءُ أمتك الذين يقولُونَ ما لاَ يَعْلَمُونَ .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):