Verse. 2031 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَاٰتَيْنَا مُوْسَي الْكِتٰبَ وَجَعَلْنٰہُ ہُدًى لِّبَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ اَلَّا تَتَّخِذُوْا مِنْ دُوْنِيْ ‎وَكِيْلًا۝۲ۭ
Waatayna moosa alkitaba wajaAAalnahu hudan libanee israeela alla tattakhithoo min doonee wakeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قال تعالى «وآتينا موسى الكتاب» التوراة «وجعلناه هدى لبني إسرائيل» لـ «أ» ن «لا يتخذوا من دوني وكيلاً» يفوضون إليه أمرهم وفي قراءة تتخذوا بالفوقانية التفاتا فأن زائدة والقول مضمر.

2

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الكلام في الآية التي قبل هذه الآية، وفيها انتقل من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة، لأن قوله: {سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ } فيه ذكر الله على سبيل الغيبة وقوله: {بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا } فيه ثلاثة ألفاظ دالة على الحضور وقوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ } يدل على الغيبة وقوله: {وَءاتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ } الخ يدل على الحضور وانتقال الكلام من الغيبة إلى الحضور وبالعكس يسمى صنعة الالتفات. المسألة الثانية: ذكر الله تعالى في الآية الأولى إكرامه محمداً صلى الله عليه وسلم بأن أسرى به، وذكر في هذه الآية أنه أكرم موسى عليه الصلاة والسلام قبله بالكتاب الذي آتاه فقال: {وَءاتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ } يعني التوراة: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى } أي يخرجهم بواسطة ذلك الكتاب من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين الحق وقوله: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى وَكِيلاً } وفيه أبحاث: البحث الأول: قرأ أبو عمرو: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ } بالياء خبراً عن بني إسرائيل والباقون بالتاء على الخطاب، أي قلنا لهم لا تتخذوا. البحث الثاني: قال أبو علي الفارسي: إن قوله: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ } فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون (أن) ناصبة للفعل فيكون المعنى: وجعلناه هدى لئلا تتخذوا. وثانيها: أن تكون (أن) بمعنى أي التي للتفسير وانصرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قراءة العامة كما انصرف منها إلى الخطاب. والأمر في قوله: { أية : وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ } تفسير : [صۤ: 6] فكذلك انصرف من الغيبة إلى النهي في قوله: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ }. وثالثها: أن تكون (أن) زائدة ويجعل تتخذوا على القول المضمر والتقدير: وجعلناه هدى لبني إسرائيل فقلنا لا تتخذوا من دوني وكيلاً. البحث الثالث: قوله: {وَكِيلاً } أي رباً تكلون أموركم إليه. أقول حاصل الكلام في الآية: أنه تعالى ذكر تشريف محمد صلى الله عليه وسلم بالإسراء، ثم ذكر عقيبه تشريف موسى عليه الصلاة والسلام بإنزال التوراة عليه، ثم وصف التوراة بكونها هدى، ثم بين أن التوراة إنما كان هدى لاشتماله على النهي عن اتخاذ غير الله وكيلاً، وذلك هو التوحيد، فرجع حاصل الكلام بعد رعاية هذه المراتب أنه لا معراج أعلى ولا درجة أشرف ولا منقبة أعظم من أن يصير المرء غارقاً في بحر التوحيد وأن لا يعول في أمر من الأمور إلا على الله، فإن نطق، نطق بذكر الله، وإن تفكر، تفكر في دلائل تنزيه الله تعالى، وإن طلب طلب من الله، فيكون كله لله وبالله، ثم قال: {ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } وفي نصب {ذُرّيَّةِ } وجهان: الوجه الأول: أن يكون نصباً على النداء يعني: يا ذرية من حملنا مع نوح وهذا قول مجاهد لأنه قال: هذا نداء قال الواحدي: وإنما يصح هذا على قراءة من قرأ بالتاء كأنه قيل لهم: لا تتخذوا من دوني وكيلاً يا ذرية من حملنا مع نوح في السفينة قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين: سام وحام ويافث فالناس كلهم من ذرية أولئك، فكان قوله: يا ذرية من حملنا مع نوح، قائماً مقام قوله: {أَيُّهَا ٱلنَّاسُ }. الوجه الثاني: في نصب قوله: {ذُرّيَّةِ } أن الاتخاذ فعل يتعدى إلى مفعولين كقوله: { أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً } تفسير : [النساء: 125] والتقدير: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلاً، ثم إنه تعالى أثنى على نوح فقال: { أية : إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } تفسير : [الإسراء: 3] أي كان كثير الشكر، روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أكل قال: « حديث : الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني » تفسير : وإذا شرب قال: « حديث : الحمد لله الذي أسقاني ولو شاء أظمأني » تفسير : وإذا اكتسى قال: « حديث : الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني » تفسير : وإذا احتذى قال: « حديث : الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني » تفسير : وإذا قضى حاجته قال: « حديث : الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه » تفسير : وروي أنه كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجاً آثره به. فإن قيل: قوله: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } ما وجه ملايمته لما قبله؟ قلنا: التقدير كأنه قال: لا تتخذوا من دوني وكيلاً ولا تشركوا بي، لأن نوحاً عليه الصلاة والسلام كان عبداً شكوراً، وإنما يكون العبد شكوراً لو كان موحداً لا يرى حصول شيء من النعم إلا من فضل الله وأنتم ذرية قومه فاقتدوا بنوح عليه السلام، كما أن آباءكم اقتدوا به، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : أي كَرّمنا محمداً صلى الله عليه وسلم بالمعراج، وأكرمنا موسى بالكتاب وهو التوراة. {وَجَعَلْنَاهُ} أي ذلك الكتاب. وقيل موسى. وقيل معنى الكلام: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً وآتى موسى الكتاب؛ فخرج من الغيبة إلى الإخبار عن نفسه جل وعز. وقيل: إن معنى سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً، معناه أسرينا، يدل عليه ما بعده من قوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} فحمل «وآتينا موسى الكتاب» على المعنى. {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ} قرأ أبو عمرو «يتخذوا» بالياء. الباقون بالتاء. فيكون من باب تلوين الخطاب. {وَكِيلاً} أي شريكاً؛ عن مجاهد. وقيل: كفيلاً بأمورهم؛ حكاه الفراء. وقيل: ربًّا يتوكّلون عليه في أمورهم؛ قاله الكلبي. وقال الفراء: كافيا؛ والتقدير: عهدنا إليه في الكتاب ألا تتخذوا من دوني وكيلاً. وقيل: التقدير لئلا تتخذوا. والوكيل: من يُوكَل إليه الأمر.

البيضاوي

تفسير : {وَءاتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إِسْرٰءيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ } على أن لا تتخذوا كقولك: كتبت إليك أن أفعل كذا. وقرأ أبو عمرو بالياء على «أن لا يتخذوا». {مِن دُونِى وَكِيلاً } رباً تكلون إليه أموركم غيري.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم عطف بذكر موسى عبده ورسوله وكليمه أيضاً، فإنه تعالى كثيراً ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد عليهما من الله الصلاة والسلام، وبين ذكر التوراة والقرآن، ولهذا قال بعد ذكر الإسراء: {وَءَاتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ} يعني: التوراة {وَجَعَلْنَٰهُ} أي: الكتاب {هُدًى} أي: هادياً {لِّبَنِى إِسْرَٰءِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ} أي: لئلا تتخذوا {مِن دُونِى وَكِيلاً} أي: ولياً ولا نصيراً ولا معبوداً دوني؛ لأن الله تعالى أنزل على كل نبي أرسله أن يعبده وحده لا شريك له. ثم قال: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي: يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمداً صلى الله عليه وسلم وقد ورد في الحديث وفي الأثر عن السلف: أن نوحاً عليه السلام كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله، فلهذا سمي عبداً شكوراً. قال الطبراني: حدثني علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبي حصين، عن عبد الله بن سنان عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سمي نوح عبداً شكوراً؛ لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن سعيد بن أبي بردة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، أو يشرب الشربة، فيحمد الله عليها» تفسير : وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق أبي أسامة به. وقال مالك عن زيد بن أسلم: كان يحمد الله على كل حال. وقد ذكر البخاري هنا حديث أبي زرعة عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة - بطوله، وفيه - فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، فاشفع لنا إلى ربك» تفسير : وذكر الحديث بكامله.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى {وَءاتَيْنا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ } التوراة {وَجَعَلْنَٰهُ هُدًى لِّبَنِى إِسْرٰءِيلَ } لـ {أ} ن {لا يَتَّخِذُواْ مِن دُونِى وَكِيلاً } يفوّضون إليه أمرهم وفي قراءة «تتخذوا» بالفوقانية التفاتا ف «إن» زائدة، والقول مضمر.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وآتينا موسى الكتاب} يعني التوراة. {وجعلناه هدًى لبني إسرائيل} يحتمل وجهين: أحدهما: أن موسى هدى لبني إسرائيل. الثاني: أن الكتاب هدى لبني إسرائيل. {ألاّ تتخذوا من دوني وكيلاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: شريكاً، قاله مجاهد. الثاني: يعني ربّاً يتوكلون عليه في أمورهم، قاله الكلبي. الثالث: كفيلاً بأمورهم، حكاه الفراء. قوله عز وجل: {ذرية من حملنا مع نوح} يعني موسى وقومه من بني إسرائيل ذرية من حملهم الله تعالى مع نوح في السفينة وقت الطوفان. {إنّه كان عبداً شكوراً} يعني نوحاً، وفيه قولان: أحدهما: أنه سماه شكوراً لأنه كان يحمد الله تعالى على طعامه، قاله سلمان. الثاني: أنه كان يستجد ثوباً إلا حمد الله تعالى عند لباسه، قاله قتادة. ويحتمل وجهين: أحدهما: أن نوحاً كان عبداً شكوراً فجعل الله تعالى موسى من ذريته. الثاني: أن موسى كان عبداً شكوراً إذ جعله تعالى من ذرية نوح.

ابن عطية

تفسير : عطف قوله: {وآتينا} على ما في قوله {أسرى بعبده} [الإسراء: 1] من تقدير الخبر، كأنه قال أسرينا بعبدنا وأريناه آياتنا، و {الكتاب} التوراة، والضمير في {جعلناه} يحتمل أن يعود على {الكتاب} ويحتمل أن يعود على {موسى}. وقوله {ألا تتخذوا} يجوز أن تكون "أن" في موضع نصب بتقدير كراهية أن موضع خفض بتقدير لأن لا تتخذوا، ويجوز أن تكون "أن" مفسرة بمعنى أي كما قال {أية : أن امشوا واصبروا} تفسير : [ص: 6] فهي في هذا مع أمر موسى وهي في آياتنا هذه مع نهي، والمعنى مع هذه التقديرات فعلنا ذلك لئلا تتخذوا يا ذرية، ويحتمل أن يكون {ذرية} مفعولاً، ويحتمل أن تكون "أن" زائدة ويضمر في الكلام قول تقديره قلنا لهم: لا تتخذوا، وأما أن يضمر القول ولا تجعل "أن" زائدة فلا يتجه، لأن ما بعد القول إما يكون جملة تحكى، وإما أن يكون ترجمة عن كلام لا هو بعينه، فيعمل القول في الترجمة كما تقول لمن قال: لا إله إلا الله قلت حقاً، وقوله: {ألا تتخذوا} ليس بواحد من هذين، قاله أبو علي وقرأ جمهور الناس "تتخذوا" بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وحده "ألا يتخذوا" بالياء على لفظ الغائب، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وقتادة وعيسى وأبي رجاء، و"الوكيل" هنا فعيل من التوكل أي متوكلاً عليه في الأمور، فهو ند لله بهذا الوجه، قال مجاهد {وكيلاً} شريكاً، وقرأ جمهور الناس "ذُرية" بضم الذال وقرأ مجاهد بفتحها، وقرأ زيد بن ثابت وأبان بن عثمان ومجاهد أيضاً بكسرها، وكل هذا بشد الراء والياء، ورويت عن زيد بن ثابت بفتح الذال وتسهيل الراء وشد الياء على وزن فعيلة، و {ذرية} وزنها فعولة، أصلها ذرورة، أبدلت الراء الثانية ياء كما قالوا قصيت شعري أي قصصته، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت ثم كسرت الراء لتناسب الياء، وكل هؤلاء قرؤوا {ذرية} بالنصب، وذلك متجه إما على المفعول بـ "يتخذوا" ويكون المعنى أن لا يتخذ بشر إلهاً من دون الله، وإما على النداء أي يا ذرية، فهذه مخاطبة للعالم، قال قوم: وهذا لا يتجه إلا على قراءة من قرأ "تتخذوا" بالتاء من فوق، ولا يجوز على قراءة من قرأ "ويتخذوا" بالياء لأن الفعل الغائب والنداء لمخاطب والخروج من الغيبة إلى الخطاب إنما يستسهل مع دلالة الكلام على المراد، وفي النداء لا دلالة إلا على التكلف، وإما على النصب بإضمار أعني وذلك متجه على القراءتين على ضعف النزعة في إضمار أعني، وإما على البدل من قوله {وكيلاً} وهذا أيضاً فيه تكلف، وقرأت فرقة "ذريةٌ" بالرفع على البدل من الضمير المرفوع في "يتخذوا" وهذا إنما يتوجه على القراءة بالياء، ولا يجوز على القراءة بالتاء لأنك لا تبدل من ضمير مخاطب لو قلت: ضربتك زيداً على البدل لم يجز، وقوله: {ذرية من حملنا مع نوح} إنما عبر بهذه العبارة عن الناس الذين عناهم في الآية بحسب الخلاف المذكور لأن في هذه العبارة تعديد النعمة على الناس في الإنجاء المؤدي إلى وجودهم، ويقبح الكفر والعصيان مع هذه النعمة، والذين حملوا مع نوح وأنسلوا هم بنوه لصلبه لأنه آدم الأصغر، وكل من على الأرض اليوم من نسله هذا قول الجمهور ذكره الطبري عن قتادة ومجاهد وإن كان معه غيرهم فلم ينسل قال النقاش: اسم نوح عبد الجبار، وقال ابن الكلبي: اسمه فرج، ووصفه بـ "الشكر" لأنه كان يحمد الله في كل حال وعلى كل نعمة على المطعم والمشرب والملبس والبراز وغير ذلك صلى الله عليه وسلم، قاله سلمان الفارسي وسعيد بن مسعود وابن أبي مريم وقتادة، وقوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل} الآية، قال الطبري: معنى {قضينا} فرغنا وحكي عن غيره أنه قال: {فضينا} هنا بمعنى أخبرنا، وحكي عن آخرين أنهم قالوا {قضينا} معناه في أم الكتاب. قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية رضي الله عنه: وإنما يلبس في هذا المكان تعدية {قضينا} بـ {إلى}، وتلخيص المعنى عندي أن هذا الأمر هو مما قضاه الله تعالى في أم الكتاب على بني إسرائيل وألزمهم إياه ثم أخبرهم به في التوراة على لسان موسى. فلما أراد هنا الإعلام لنا بالأمرين جميعاً في إيجاز، جعل {قضينا} دالة على النفوذ في أم الكتاب، وقرن بها دالة على إنزال الخير بذلك إلى بني إسرائيل، والمعنى المقصود مفهوم خلال هذه الألفاظ، ولهذا فسر ابن عباس مرة بأن قال {قضينا إلى بني إسرائيل} معناه أعلمناهم، وقال مرة: معناه قضينا عليهم. و {الكتاب} هنا التوراة لأن القسم في قوله {لتفسدن} غير متوجه مع أن يجعل {الكتاب} هو اللوح المحفوظ، وقرأ سعيد بن جبير وأبو العالية الرياحي "في الكتب" على الجمع، قال أبو حاتم: قراءة الناس على الإفراد، وقرأ الجمهور "لتُفسِدن" بضم التاء وكسر السين، وقرأ عيسى الثقفي "لَتفسُدُن" بفتح التاء وضم السين والدال، وقرأ ابن عباس ونصر بن عاصم وجابر بن زيد "لتُفسَدُن" بضم التاء وفتح السين وضم الدال. وقوله {ولتعلن} أي لتتجبرون عن طاعة الأمرين بطاعة الله وتطلبون في الأرض العلو والفساد وتظلمون من قدرتم على ظلمة ونحو هذا. قال القاضي أبو محمد: ومقتضى هذه الآيات أن الله تعالى أعلم بني إسرائيل في التوراة أنه سيقع منهم عصيان وطغيان وكفر لنعم الله تعالى عندهم في الرسل والكتب وغير ذلك، وأنه سيرسل عليهم أمة تغلبهم وتقتلهم وتذلهم، ثم يرحمهم بعد ذلك، ويجعل لهم الكرّة ويردهم إلى حالهم الأولى من الظهور، فيقع منهم المعاصي وكفر النعم والظلم والقتل والكفر بالله من بعضهم، فيبعث الله عليهم أمة أخرى تخرب ديارهم وتقتلهم وتجليهم جلاء مبرحاً، وأعطى الوجود بعد ذلك هذا الأمر كله وقيل: كان بين "المرتين" آخر الأولى وأول الثانية مائتَا سنة وعشر سنين ملكاً مؤبداً بأنبياء وقيل سبعون سنة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَكِيلاً}:، شريكاً، أو رباً يتوكلون عليه في أمورهم، أو كفيلاً بأمورهم.

النسفي

تفسير : {وَآتَيْنَا مُوَسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ} أي الكتاب وهو التوراة {هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا} أي لا تتخذوا. وبالياء: أبو عمرو أي لئلا يتخذوا {مِن دُونِي وَكِيلاً} رباً تكلون إليه أموركم {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} نصب على الاختصاص أو على النداء فيمن قرأ {لا تتخذوا} بالتاء على النهي أي قلنا لهم لا تتخذوا من دوني وكيلاً يا ذرية من حملنا مع نوح {إِنَّهُ} إن نوحاً عليه السلام {كَانَ عَبْداً شَكُوراً} في السراء والضراء، والشكر مقابلة النعمة بالثناء على المنعم، وروي أنه كان لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس إلا قال الحمد لله، وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم، وآية رشد الأبناء صحة الاقتداء بسنة الآباء وقد عرفتم حال الآباء هنالك فكونوا أيها الأبناء كذلك. {وَقَضَيْنَاۤ إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ} وأوحينا إليهم وحياً مقضياً أي مقطوعاً مبتوتاً بأنهم يفسدون في الأرض لا محالة. والكتاب التوراة، ولتفسدن جواب محذوف أو جرى القضاء المبتوت مجرى القسم فيكون {لتفسدن} جواباً له كأنه قال وأقسمنا لتفسدن في الأرض {مَرَّتَيْنِ} أولاهما قتل زكرياء عليه السلام وحبس أرمياء عليه السلام حين أنذرهم سخط الله، والأخرى قتل يحيى بن زكرياء عليهما السلام وقصد قتل عيسى عليه السلام {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوَّاً كَبِيراً} ولتستكبرن عن طاعة الله من قوله {أية : إِن فرعون علا في الأَرض}تفسير : [القصص: 4] والمراد به البغي والظلم وغلبة المفسدين على المصلحين .

الخازن

تفسير : {وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} {وآتينا موسى الكتاب} يعني التوراة {هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا} يعني وقلنا لهم: لا تتخذوا {من دوني وكيلاً} يعني رباً كفيلاً {ذرية} يعني يا ذرية {من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً} يعني أن نوحاً كان كثير الشكر، وذلك أنه كان إذا أكل طعاماً أو شرب شراباً ولبس ثوباً قال: الحمد لله فسماه الله عبداً شكوراً لذلك. وقوله عز وجل {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب}: يعني أعلمناهم وأخبرناهم فيما آتيناهم من الكتاب أنهم سيفسدون وهو قوله تعالى {لتفسدن في الأرض مرتين} وقال ابن عباس: وقصينا عليهم في الكتاب فإلى بمعنى على، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ واللام في لتفسدن لام القسم تقديره والله لتفسدن في الأرض يعني بالمعاصي والمراد بالأرض أرض الشام، وبيت المقدس {ولتعلن} يعني ولتستكبرن ولتظلمن الناس {علواً كبيراً فإذا جاء وعد أولاهما} يعني أولى المرتين قيل: إفسادهم في المرة الأولى هو ما خالفوا من أحكام التوراة، وركبوا من المحارم وقيل: إفسادهم في المرة الأولى قتلهم شعياء في الشجرة وارتكابهم المعاصي {بعثنا عليكم عباداً لنا} يعني جالوت وجنوده، هو الذي قتله داود وقيل: هو سنحاريب وهو من أهل نينوى وقيل هو بختنصر البابلي وهو الأصح {أولي بأس شديد} يعني ذوي بطش وقوة في الحرب {فجاسوا خلال الديار} يعني طافوا بين الديار وسطها يطلبونكم ليقتلونكم {وكان وعداً مفعولاً} يعني قضاء كائناً لازماً لا خلف فيه {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} يعني رددنا لكم الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليكم، وحين تبتم من ذنوبكم ورجعتم عن الفساد {وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً} يعني أكثر عدداً {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} يعني لها ثواباً وجزاء إحسانها {وإن أسأتم فلها} يعني فعليها إساءتها {فإذا جاء وعد الآخرة} يعني المرة الآخرة من إفسادكم وهو قصدكم قتل عيسى فخلصه الله منهم، ورفعه إليه، وقتلوا زكريا ويحيى عليهما السلام، فسلط عليهم الفرس والروم فسبوهم وقتلوهم وهو قوله تعالى {ليسوءوا وجوهكم} يعني ليحزنوكم وقرىء بالنون أي ليسوء الله وجوهكم {وليدخلوا المسجد} يعني بيت المقدس ونواحيه {كما دخلوه أول مرة} يعني وقت إفسادهم الأول {وليتبروا ما علوا تتبيراً} يعني وليهلكوا ما غلبوا عليه من بلاد بني إسرائيل إهلاكاً. ذكر القصة في هذه الآية قال محمد بن إسحاق: كانت بنو إسرائيل فيهم الأحداث والذنوب وكان الله في ذلك متجاوزاً عنهم ومحسناً إليهم وكان أول ما نزل بسبب ذنوبهم أن ملكاً منهم كان يدعى صديقة وكان الله إذا ملّك عليهم الملك بعث معه نبياً ليسدده ويرشده، ولا ينزل عليهم كتاباً إنما يؤمرون اتباع التوراة والأحكام التي فيها، فلما ملك صديقة بعث الله معه شعياء وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى. وشعياء هو الذي بشر بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم فقال: أبشري أورشليم الآن يأتيك راكب الحمار ومن بعده صاحب البعير. فملك ذلك الملك يعني صديقة بني إسرائيل وبيت المقدس زماناً، فلما انقضى ملكه عظمت الأحداث فيهم وكان معه شعياء فبعث الله سنحاريب ملك بابل ومعه ستمائة ألف راية، فلم يزل سائراً حتى نزل حول بيت المقدس، والملك مريض من قرحة كانت في ساقه، فجاء شعياء النبي إليه، وقال: يا ملك بني إسرائيل إن سنحاريب ملك بابل، قد نزل بك هو وجنوده؟ بستمائة ألف راية، وقد هابهم الناس وفرقوا منهم فكبر ذلك على الملك وقال: يا نبي الله هل أتاك من الله وحي فيما حدث فتخبرنا به وكيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده فقال شعياء: لم يأتني وحي في ذلك فبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعياء النبي، أن أئت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي وصيته، ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل بيته فأتى شعياء ملك بني إسرائيل وقال: إن ربك قد أوحى إلي أن آمرك أن توصي وصيتك وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك فإنك ميت، فلما قال ذلك شعياء لصديقة الملك أقبل على القبلة فصلى ودعا فقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله تعالى بقلب مخلص: اللهم رب الأرباب وإله الآلهة يا قدوس يا متقدس يا رحمن يا رحيم يا رؤوف، يا من لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل، وذلك كله كان منك وأنت أعلم به مني سري وعلانيتي لك. فاستجاب الله له وكان عبداً صالحاً فأوحى الله إلى شعياء أن يخبر صديقة أن ربه قد استجاب له ورحمه، وأخر أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه سنحاريب فأتاه شعياء فأخبره، فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الحزن وخر ساجداً لله وقال: إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكبرت وعظمت أن الذي تعطي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء على الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي، فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعياء أن قل للملك صديقة فيأمر عبداً من عبيده، فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى فيصبح وقد برأ ففعل ذلك فشفي فقال الملك لشيعاء: سل ربك أن يجعل لنا علماً بما هو صانع بعدونا هذا. قال الله لشعياء: قل له إني قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم، وأنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب، وخمسة نفر من كتابه أحدهم بختنصر. فلما أصبحوا جاء صارخ يصرخ على باب المدينة يا ملك بني إسرائيل إن الله كفاك عدوك، فاخرج فإن سنحاريب ومن معه هلكوا فخرج الملك، والتمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مفازة ومعه خمسة نفر من كتابه، أحدهم بختنصر فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم الملك فلما رآهم خر ساجداً لله تعالى، من حين طلعت الشمس إلى العصر ثم قال لسنحاريب: كيف رأيت فعل ربنا بكم ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون؟ فقال سنحاريب: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي يرحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي فلم أطع مرشداً ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم فقال الملك صديقة: الحمد لله رب العالمين الذي كفاناكم بما شاء، وإن ربنا لم يمتعك ومن معك لكرامتك عليه، ولكنه إنما أبقاك ومن معك لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذاباً في الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا بكم، فتنذروا من بعدكم ولولا ذلك لقتلك ومن معك ولدمك ودم من معك أهون على الله من دم قراد لو قتلت. ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه أن يقذف في رقابهم الجوامع، ففعل وطاف بهم سبعين يوماً حول بيت المقدس وإيلياء، وكان يرزقهم في كل يوم خبزين من شعير لكل رجل منهم فقال سنحاريب للملك صديقة: القتل خير مما نحن فيه وما تفعل بنا فأمر بهم إلى السجن فأوحى الله إلى شعياء النبي أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم. فبلغ ذلك شعياء للملك ففعل وخرج سنحاريب ومن معه، حتى قدموا بابل فلما قدم جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله تعالى بجنوده فقال له كهانه وسحرته: يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم، فلم تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم وكان أمر سنحاريب تخويفاً لبني إسرائيل، ثم كفاهم الله تعالى ذلك تذكره وعبرة ثم إن سنحاريب لبث بعد ذلك سبع سنين، ثم مات، واستخلف على ملكه بختنصر ابن عمه فعمل بعمله وقضى بقضائه فلبث سبع عشر سنة ثم قبض الله ملك بني إسرائيل صديقة فمرج أمر بني إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضاً، وشعياء نبيهم معهم لا يقبلون منه فلما فعلوا ذلك، قال الله لشعياء: ـ قم في قومك حتى أوحي على لسانك. فلما قام أطلق الله لسانه بالوحي فقال: يا سماء استمعي ويا أرض أنصتي، فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته واصطفاهم لنفسه وخصهم بكرامته، وفضلهم على عباده وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها، فآوى شاردتها وجمع ضالتها وجبر كسيرها وداوى مريضها، وأسمن مهزولها وحفظ سمينها، فلما فعل ذلك بطرت فتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضاً، حتى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر، فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لايدرون أنى جاءهم الحين. إن البعير مما يذكر وطنه فينتابه وأن الحمار مما يذكر الأرى الذي يشبع عليه فيراجعه وأن الثور مما يذكر المرج الذي سمن فيه فينتابه وإن هؤلاء القوم لا يذكرون من حيث جاءهم الخير، وهم أولو الألباب والعقول ليسوا ببقر ولا حمير وإني ضارب لهم مثلاً فليسمعوه، قل كيف ترون في أرض كانت خراباً زماناً لا عمران فيها، وكان لها رب حكيم قوي فأقبل عليها بالعمارة، وكره أن تخرب أرضه وهو قوي أو يقال: ضيع وهو حكيم فأحاط عليها جداراً وشيد فيها قصراً وأنبط فيها نهراً وصفّ فيه غراساً من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار كلها، وولى ذلك واستحفظه قيّماً ذا رأي وهمة حفيظاً قوياً فلما أطلعت جاء طلعها خروباً. فقالوا: بئست الأرض هذه فنرى أن يهدم جدارها وقصرها ويدفن نهرها، ويقبض قيّمها ويحرق غراسها حتى تصير كما كانت أول مرة خراباً مواتاً، لا عمران فيها قال الله تعالى: قل لهم الجدار ديني والقصر شريعتي وإن النهر كتابي وأن القيّم نبيي وأن الغراس هم، وأن الخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، وأنه مثل ضربته لهم يتقربون إليّ بذبح البقر والغنم، وليس ينالني اللحم و لا آكله ويدّعون أن يتقربوا إلي بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها، وأيديهم مخضوبة منها وثيابهم متزملات بدمائها يشيدون لي البيوت مساجد، ويطهرون أجوافها وينجسون قلوبهم وأجسادهم، ويدنسونها ويزوقون لي المساجد ويزينونها، ويخربون عقولهم وأخلاقهم ويفسدونها فأي حاجة لي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وأي حاجة إلى تزويق المساجد ولست أدخلها إنما أمرت برفعها لأذكر وأسبح فيها. يقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا وصلينا فلم تنور صلاتنا، وتصدقنا فلم تزكَّ صدقتنا، ودعونا بمثل حنين الحمام وبكينا بمثل عواء الذئاب في كل ذلك لا يستجاب لنا، قال الله: فاسألهم ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم ألست أسمع السامعين، وأبصر الناظرين وأقرب المجيبين وأرحم الراحمين فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور، ويتقوون عليه بطعمة الحرام أم كيف أنور صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني ويحادني وينتهك محارمي، أم كيف تزكو عندي صدقاتهم وهم يتصدقون بأموال غيرهم إنما آجر عليها أهلها المغصوبين أم كيف أستجيب لهم دعاءهم وإنما هو قولهم بألسنتهم، والفعل من ذلك بعيد وإنما أستجيب للداعي اللين، وإنما أستمع قول المستضعف المستكين، وإن من علامة رضاي رضى المساكين يقولون لما سمعوا كلامي وبلغتهم رسالتي: إنها أقاويل منقولة، وأحاديث متواترة وتآليف مما تؤلف السحرة والكهنة، وزعموا أنهم لو شاؤوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا، ولو شاؤوا أن يطلعوا على علم الغيب بما توحي إليهم الشياطين اطلعوا، وإني قد قضيت يوم خلقت السموات والأرض قضاء أثبته وحتمته على نفسي وجعلت دونه أجلاً مؤجلاً لا بد أنه واقع فإن صدقوا فيما ينتحلون من علم الغيب، فليخبروك متى أنفذه أو في أي زمان يكون وإن كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاؤون فليأتوا بمثل هذه القدرة التي بها أمضيت فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وإن كانوا يقدرون على أن يؤلفوا ما يشاؤون فيؤلفوا مثل هذه الحكمة التي أدبر بها ذلك القضاء، إن كانوا صادقين وإني قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض، أن أجعل النبوة في الأجراء، وأن أجعل الملك في الرعاء والعز في الأذلاء والقوة في الضعفاء والغنى في الفقراء، والعلم في الجهلة والحكمة في الأميين فسلهم متى هذا ومن القائم بهذا، ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره إن كانوا يعلمون وإني باعث لذلك نبياً أمياً ليس أعمى من عميان، ولا ضالاً من ضالين وليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا مترين بالفحش، ولا قوال للخنا أسدده بكل جميل وأهب له كل خلق كريم أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره والتقوى ضميره والحكمة معقولة والصدق والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته والحق شريعته والهدى إمامه والإسلام ملته وأحمد اسمه أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة وأرفع به بعد الخمالة وأشهر به بعد النكرة، وأكثر به القلة وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة وأؤلف به بين قلوب مختلفة وأهواء متشتتة وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر توحيداً لي وإيماناً بي وإخلاصاً لي يصلون قياماً وقعوداً، وركعاً وسجوداً، ويقاتلون في سبيلي صفوفاً وزحوفاً، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألهمهم التكبير، والتوحيد والتسبيح والتحميد والتهليل والمدحة والتمجيد لي في مسيرهم ومجالسهم، ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم يكبرون ويهللون ويقدسون على رؤوس الأشراف يطهرون لي، الوجوه والأطراف ويعقدون لي الثياب على الأنصاف قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم رهبان بالليل ليوث بالنهار. ذلك فضلي أوتيه من أشاء أنا ذو الفضل العظيم. فلما فرغ شعياء من مقالته عدوا عليه ليقلتوه فهرب منهم فلقيته شجرة، فانفلقت له فدخل فيها فأدركه الشيطان، فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها، وقطعوه في وسطها واستخلف الله على بني إسرائيل بعد ذلك رجلاً منهم يقال: ناشة بن أموص وبعث لهم أرمياء بن حلقيا نبياً، وكان من سبط هرون بن عمران، وذكر ابن إسحاق أنه الخضر واسمه أرمياء الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فقام عنه وهي تهتز خضراء فبعث الله أرمياء إلى ذلك الملك ليسدده ويرشده، ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم فأوحى الله إلى أرمياء، أن ائت قومك من بني إسرائيل فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمي وعرفهم بأحداثهم. فقال أرمياء: يا رب إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخذول إن لم تنصرني قال الله تعالى: أو لم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي وأن القلوب والألسنة بيدي، أقلبها كيف شئت إني معك، ولن يصل إليك شيء معي فقام أرمياء فيهم، ولم يدر ما يقول فألهمه الله عز وجل في الوقت خطبة بليغة بين لهم فيها ثواب الطاعة، وعقاب المعصية وقال في آخرها: عن الله عز وجل حلفت بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم، ولأسلطن عليهم جباراً قاسياً ألبسه الهيبة، وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم، ثم أوحى الله إلى أرمياء أني مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث من أهل بابل فسلط عليهم بختنصر فخرج من ستمائة ألف راية ودخل بيت المقدس بجنوده ووطىء الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس وأمر جنده أن يملأ كل رجل منهم ترسه تراباً، يقذفه في بيت المقدس ففعلوا ذلك حتى ملؤوه. ثم أمرهم أن يجمعوا من بلدان بيت المقدس كلهم، فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل فاختار منهم سبعين ألف صبي، فلما خرجت غنائم جنده وأراد أن يقسمها فيهم، قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك لك غنائمنا كلها واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذي اخترتهم من بني إسرائيل، فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمان، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق ثلثاً أقرهم بالشام وثلثاً سباهم وثلثاً قتلهم وذهب بإناث بيت المقدس، وبالصبيان السبعين ألفاً حتى أقدمهم بابل فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزل الله عز وجل ببني إسرائيل بظلمهم فذلك قوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً}. {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عباداً لنا أولي بأس شديد} يعني بختنصر وأصحابه، ثم إن يختنصر أقام في سلطانه ما شاء ثم رأى رؤيا عجيبة إذا رأى شيئاً أصابه فأنساه الذي رأى, فدعا دانيال وحنانيا وعزاريا ومشائيل وكانا من ذراري الأنبياء، وسألهم عنها فقالوا: أخبرنا بها نخبرك بتأويلها فقال: ما أذكرها ولئن لم تخبرني بها وبتأويلها لأنزعن أكتافكم فخرجوا من عنده، فدعوا الله وتضرعوا إليه فأعلمهم الله بالذي سألهم عنه فجاؤوه فقالوا: رأيت تمثالاً قدماه وساقاه من فخار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من فضة وصدره من ذهب، ورأسه وعنقه من حديد قال: صدقتم قالوا: فبينما أنت تنظر إليه وقد أعجبك أرسل الله صخرة من السماء فدقته فهي التي أنستكها قال: صدقتم فما تأويلها قالوا: تأويلها أنك رأيت الملوك بعضهم كان ألين ملكاً، وبعضهم، كان أحسن ملكاً وبعضهم كان أشد ملكاً، والفخار أضعفه ثم فوقه النحاس أشد منه ثم فوق النحاس الفضة أحسن من ذلك وأفضل والذهب أحسن من الفضة، وأفضل ثم الحديد ملكك فهو أشد وأعز مما قبله، والصخرة التي رأيت أرسل الله من السماء فدقته فنبي يبعثه الله من السماء فيدق ذلك أجمع ويصير الأمر إليه، ثم إن أهل بابل قالوا لبختنصر: أرأيت هؤلاء الغلمان من بني إسرائيل الذين سألناك أن تعطيناهم ففعلت فإنا قد أنكرنا نساءنا منذ كانوا معنا، لقد رأينا نساءنا انصرفت وجوههن عنا إليهم فأخرجهم من بين أظهرنا أو اقتلهم فقال شأنك بهم فمن أحب منكم أن يقتل من كان في يده، فليفعل فلما قربوهم للقتل بكوا وتضرعوا إلى الله عز وجل، وقالوا: يا ربنا أصابنا البلاء بذنوب غيرنا فوعدهم الله أن يحييهم فقتلوا إلا من كان منهم مع بختنصر منهم دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل، ثم لما أراد الله هلاك بختنصر انبعث فقال لمن في يده من بني إسرائيل: أرأيتم هذا البيت الذي خربت والناس الذي قتلت منكم، وما هذا البيت؟ قالوا هو بيت الله وهؤلاء أهله كانوا من ذراري الأنبياء فظلموا وتعدوا فسلطت عليهم بذنوبهم وكان ربهم رب السموات والأرض ورب الخلائق كلهم يكرمهم ويعزهم، فلما فعلوا أهلكهم وسلط عليهم غيرهم فاستكبر وتجبر، وظن أنه بجبروته فعل ذلك ببني إسرائيل، قال فأخبروني كيف لي أن أطلع إلى السماء العليا، فأقتل من فيها وأتخذها لي ملكاً فإني قد فرغت من أهل الأرض، قالوا: ما يقدر عليها أحد من الخلائق قال: لتفعلن أو لأقتلنكم عن آخركم فبكوا وتضرعوا إلى الله تعالى فبعث الله عز وجل عليه بقدرته بعوضة، فدخلت منخره حتى عضت أم دماغه فما كان يقر ولا يسكن، حتى يوجأ له رأسه على أم دماغه فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة على أم دماغه، ليري العباد قدرته ونجى الله من بقي من بني إسرائيل في يده، وردهم إلى الشام فبنوا فيه وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه، ويزعمون أن الله سبحانه وتعالى أحيا أولئك الذين قتلوا فلحقوا بهم ثم إنهم لما دخلوا الشام دخلوها، وليس معهم من الله عهد. كانت التوراة قد احترقت وكان عزير من السبايا الذين كانوا ببابل، فلما رجع إلى الشام جعل يبكي ليله ونهاره، وخرج عن الناس فبينما هو كذلك إذ جاءه رجل فقال له: يا عزير ما يبكيك؟ قال: أبكي على كتاب الله وعهده الذي كان بين أظهرنا الذي لا يصلح ديننا وآخرتنا غيره. قال: أفتحب أن يرد إليك قال: نعم قال: ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك ثم موعدك هذا المكان غداً فرجع عزير فصام وتطهر وطهر ثيابه ثم عمد إلى المكان الذي وعده، فجلس فيه فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء وكان ملكاً بعثه الله إليه فسقاه من ذلك الإناء، فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل فوضع لهم التوراة، فأحبوه حباً لم يحبوا حبه شيئاً قط، ثم قبضه الله تعالى وجعلت بنو إسرائيل بعد ذلك يحدثون الأحداث، ويعود الله عليهم، ويبعث فيهم الرسل فريقاً يكذبون وفريقاً يقتلون حتى كان آخر من بعث إليهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، وكانوا من بيت آل داود فزكريا مات، وقيل قتل وقصدوا عيسى ليقتلوه فرفعه الله من بين أظهرهم وقتلوا يحيى، فلما فعلوا ذلك بعث الله عليهم ملكاً من ملوك بابل يقال له خردوش، فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأساً من رؤساء جنوده يقال له بيورزاذان صاحب القتل فقال له: إني قد كنت حلفت بإلهي لئن أنا ظفرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى يسيل الدم في وسط عسكري، إلا أن لا أجد أحداً أقتله فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، ثم إن بيورزاذان دخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دماً يغلي فسألهم عنه فقال: يا بني إسرائيل ما شأن هذا الدم يغلي؟ أخبروني خبره. فقالوا: هذا دم قربان لنا قرّبناه فلم يقبل منا فلذلك يغلي ولقد قربنا القربان من ثمانمائة سنة، فتقبل منا إلا هذا فقال: ما صدقتموني فقالوا لو كان كأول زمانننا لتقبل منا، ولكن قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يقبل منا فذبح بيورزاذان منهم على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحاً، من رؤوسهم فلم يهدأ الدم فأمر سبعمائة غلام من غلمانهم، فذبحهم على الدم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يهدأ، فلما رأى بيورزاذان أن الدم لا يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل ويلكم أصدقوني وأصبروا على أمر ربكم فقد طالما ملكتم في الأرض تفعلون ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار من ذكر ولا أنثى إلا قتلته، فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر فقالوا: إن هذا دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله تعالى فلو كنا أطعناه كنا أرشدنا. وكان يخبرنا عن أمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه فقال لهم بيورزاذان ما كان اسمه قالوا: يحيى بن زكريا قال: الآن صدقتموني لمثل هذا ينتقم ربكم منكم فلما علم بيورزاذان أنهم صدقوه خر ساجداً وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة، وأخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوش، وخلا في بني إسرائيل ثم قال: يا يحيى بن زكريا قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك، ومن قتل منهم فاهدأ بإذن ربك قبل أن لا أبقي من قومك أحداً إلا قتلته فهدأ الدم بإذن الله تعالى، ورفع بيورزاذان عنهم القتل وقال: آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل، وأيقنت أنه لا رب غيره. وقال لبني إسرائيل: إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لا أستطيع أن أعصيه قالوا له افعل ما أمرت به، فأمرهم فحفروا خندقاً، وأمرهم بأموالهم من الخيل والبغال الحمير والإبل والبقر والغنم فذبحها حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذي قتلوا قبل ذلك فطرحوه على ما قتل من المواشي، فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق من دماء بني إسرائيل فلما بلغ الدم عسكره، أرسل إلى بيورزاذان أن ارفع عنهم القتل ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد يفنيهم, ونهى الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل في قوله لتفسدن في الأرض مرتين فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده، والأخرى خردوش وجنوده وكانت أعظم الوقعتين، فلم تقم لهم بعد ذلك راية وانتقل الملك بالشام ونواحيها إلى الروم اليونايين، إلا أن بقايا بني إسرائيل كثروا وكانت لهم الرياسة ببيت المقدس ونواحيها على غير وجه الملك، وكانوا في نعمة إلى أن بدلوا وأحدثوا الأحداث فسلط الله عليهم ططوس المقدس ابن أسبيانيوس الرمي، فخرب بلادهم وطردهم عنها، ونزع الله عنهم الملك والرياسة وضربت عليهم الذلة والمسكنة، فما لبثوا في أمة إلا وعليهم الصَّغار والجزية وبقي بيت المقدس خراباً إلى خلافة عمر بن الخطاب فعمره المسلمون بأمره، وقيل في سبب قتل يحيى عليه السلام: أن ملك بني إسرائيل كان يكرمه ويدني مجلسه، وأن الملك هوى بنت امرأته، وقال ابن عباس ابنة أخيه فسأل يحيى تزويجها فنهاه عن نكاحها، فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى وعمدت حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثياباً رقاقاً حمراً وطيبتها وألبستها الحلي، وأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه فإن هو راودها عن نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها ما سألت سألت رأس يحيى بن زكريا، وأن يؤتى به في طست ففعلت فلما راودها قالت: لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك قال فما تسأليني قالت: رأس يحيى بن زكريا في هذا الطست فقال ويحك سليني غير هذا. قالت: ما أريد غير هذا فلما أبت عليه، بعث فأتي برأسه حتى وضع بين يديه والرأس يتكلم يقول: لا يحل لك فلما أصبح إذا دمه يغلي، فأمر بتراب فألقي عليه فرقى الدم يغلي فلا زال يغلي، ويلقى عليه التراب، وهو يغلي حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يرقى ويغلي وسلط الله عليهم ملك بابل فخرب بيت المقدس، وقتل سبعين ألفاً حتى سكن دمه.

الثعالبي

تفسير : {وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ }، أي: التوراة. وقوله: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً...} الآية: التقديرُ: فعلنا ذلك؛ لَئِلاَّ تتخذوا يا ذرية فـــ {ذُرِّيَّةَ}: منصوب على النداء، وهذه مخاطبة للعالَم، ويتجه نصبُ (ذرِّيَّة) على أنه مفعول بـ «تتخذوا» ويكون المعنى أَلاَّ يتخذوا بشراً إِلاها من دون اللَّه، وقرأ أبو عمر وحده: «أَلاَّ يَتَّخِذُوا» بالياء، على لفظ الغائب، «والوكيل»؛ هنا من التوكيل، أي: متوكَّلاً عليه في الأمور، فهو ندٌّ للَّه بهذا الوجه، وقال مجاهد: {وَكِيلاً }: «شريكاً»، ووصف نوح بالشُّكْر؛ لأنه كان يحمد اللَّه في كل حالٍ، وعلى كل نعمةٍ من المطعم والمشرب والملبس والبراز وغير ذلك صلى الله عليه وسلم قاله سلمانُ الفارسيُّ وغيره، وقال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا ابنُ أبي ذئبٍ عن سعيدٍ المُقْبُرِيِّ عن أبيه عن عبد الله بن سَلاَمٍ: أن موسى عليه السلام قال: يا ربِّ، ما الشكْرُ الذي ينبغي لَكَ؟ قَالَ: يَا مُوسَى لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِي، انتهى، وقد رُوِّيناه مسنداً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أعني قوله: « حديث : لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللَّه ». تفسير : وقوله سبحانَهُ: {وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَني إِسْرَٰءِيلَ...} الآية: قالتْ فرقة: {قَضَيْنَا} معناه: في أم الكتاب. قال * ع *: وإنما يُلْبِسُ في هذا المكان تعديةُ {قَضَيْنَا } بـ «إلى»، وتلخيصُ المعنى عندي: أنَّ هذا الأمر هو مما قضاه اللَّه عزَّ وجلَّ في أمِّ الكتاب على بني إسرائيل، وألزمهم إياه، ثم أخبرهم به في التَّوْرَاة على لسان موسى، فلما أراد هنا الإعلام لنا بالأمريْنِ جميعاً في إيجازٍ، جعل {قَضَيْنَا } دالَّة على النفوذ في أم الكتاب، وقَرَن بها «إِلى» دالَّةً على إنزال الخير بذلك إلى بني إسرائيل، والمعنى المقصودُ مفهومٌ خلالَ هذه الألفاظ، ولهذا فسر ابنُ عباس مرةً بأنْ قال: {قَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَٰءِيلَ }، معناه: أعلمناهم، وقال مرَّةً: «قضينا عليهم»، و{ٱلْكِتَـٰبِ} هنا؛ التوراةُ لأن القَسَم في قوله: {لَتُفْسِدُنَّ} غير متوجِّه مع أنْ نجعل {ٱلْكِتَـٰبِ } هو اللوح المحفوظ. وقال * ص *: و{قَضَيْنَا }: مضمَّنٌ معنى «أوْحَيْنَا»؛ ولذلك تعدَّى بـ «إلى» وأصله أنْ يتعدَّى بنفسه إِلى مفعولٍ واحدٍ؛ كقوله سبحانه: { أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ } تفسير : [القصص:29] انتهى، وهو حسنٌ موافق لكلام * ع *، وقوله «ولتعلُنَّ» أي: لتتجبَّرُنَّ، وتطلبون في الأرض العُلوَّ، ومقتضى الآيات أن اللَّه سبحانه أعْلَمَ بني إسرائيل في التوراة، أنه سيقع منهم عصيانٌ وكفرٌ لِنِعمِ اللَّه، وأنه سيرسل عليهم أمةً تغلبهم وتذلُّهم، ثم يرحمهم بعد ذلك، ويجعل لهم الكَرَّة ويردُّهم إلى حالهم من الظهور، ثم تقع منهم أيضاً تلك المعاصِي والقبائِحَ، فيبعث اللَّه تعالى عليهم أمةً أخرى تخرِّب ديارهم، وتقتلُهم، وتجليهم جلاءً، مبرِّحاً، وأعطى الوجودَ بعد ذلك هذا الأمْرَ كلَّه، قيل: كان بين المرتَيْنِ مِائَتَا سنةٍ، وعَشْرُ سنينَ مُلْكاً مؤيَّداً بأنبياء، وقيل: سبعون سنة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَءَاتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ} الآية. لما ذكر الله - تعالى - في الآية الأولى إكرامه محمَّداً صلى الله عليه وسلم أنه أسرى به، ذكر في هذه الآية إكرام موسى - عليه السلام - قبله بالكتاب الذي آتاهُ. وفي "آتيْنَا" ثلاثة أوجه: أحدها: أن تعطف هذه الجملة على الجملة السابقة من تنزيه الربِّ تبارك وتعالى، ولا يلزمُ في عطف الجمل مشاركة في خبر ولا غيره. الثاني: قال العسكريُّ: إنه معطوف على "أسْرَى" واستبعده أبو حيَّان. ووجه الاستبعادِ: أن المعطوف على الصِّلة صلةٌ، فيؤدِّي التقدير إلى صيرورة التركيب: سبحان الذي اسْرَى وآتينا، وهو في قوة: الذي آتينا موسى، فيعود الضمير على الموصول ضمير تكلُّمٍ من غير مسوِّغٍ لذلك. والثالث: أنه معطوف على ما في قوله "أسْرَى" من تقدير الخبر، كأنه قال: أسْرَيْنا بعبدنا، وأرَيْناهُ آيَاتنَا وآتَيْنَا، وهو قريبٌ من تفسير المعنى لا الإعراب. قوله: "وجَعلْنَأهُ" يجوز أن يعود ضميرُ النَّصب للكتاب، وهو الظاهر، وأن يعود لموسى - عليه السلام -. وقوله: "لبَنِي إسْرائِيلَ" يجوز تعلقه بنفس "هُدًى" كقوله: {أية : يَهْدِي لِلْحَقِّ}تفسير : [يونس: 35]، وأن يتعلق بالجعل، أي: جعلناه لأجلهم، وأن يتعلق بمحذوف نعتاً لـ "هُدًى". قوله: "ألاَّ تَتَّخِذُوا" يجوز أن تكون "أنْ" ناصبة على حذف حرف العلَّة، أي: وجعلناه هدًى لئلاَّ تتخذوا. وقيل: "لا" مزيدة، و التقدير: كراهة أن تتخذوا، وأن تكون المفسرة بمعنى "أي" و "لا" ناهية، فالفعل منصوب على الأوَّل، مجزوم على الثاني، وأن تكون مزيدة عند بعضهم، والجملة التي بعدها معمولة لقولٍ مضمرٍ، أي: مقولاً لهم: لا تتخذوا، أو قلنا لهم: لا تتخذوا، قاله الفارسيُّ. وهذا ظاهر في قراءة الخطاب. وهذا مردودٌ بأنه ليس من مواضع زيادة "أنْ". وقرأ أبو عمرو "ألاَّ يَتَّخِذُوا" بياء الغيبة؛ جرياً على قوله "لبَنِي إسْرائِيلَ" والباقون بالخطاب التفاتاً. ومعنى الآية: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ}؛ لئلاَّ يتخذوا من دوني وكيلاً أي: ربًّا يكلون إليه أمورهم. و "أنْ" في قراءة من قرأ بالياء في "ألاَّ يَتَّخِذُوا" في موضع نصب على حذف الخافض، أي: لئلاَّ يتَّخذوا، ومن قرأ بالتاء فتحتمل "أنّ" ثلاثة أوجهٍ: أن تكون لا موضع لها، وهي التفسيرية. وأن تكون زائدة، ويكون الكلام خبراً بعد خبر؛ على إضمار القول. وأن تكون في موضع نصبٍ و "لا" زائدة، وحرف الجرِّ محذوفٌ مع "أن" قاله مكيٌّ.

ابو السعود

تفسير : {وَءاتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ} أي التوراة وفيه إيماءٌ إلى دعوته عليه الصلاة والسلام إلى الطور وما وقع فيه من المناجاة جمعاً بـين الأمرين المتّحدين في المعنى، ولم يُذكر هٰهنا العروجُ بالنبـي عليه السلام إلى السماء وما كان فيه مما لا يُكتنه كنهُه حسبما نطقتْ به سورةُ النجم تقريباً للإسراء إلى قَبول السامعين، أي آتيناه التوراةَ بعد من أسرَينا إلى الطور {وَجَعَلْنَـٰهُ} أي ذلك الكتابَ {هُدًى لّبَنِى إِسْرٰءيلَ} يهتدون بما في مطاويه {أَن لا تَتَّخِذُواْ} أي لا تتخذوا نحو كتبت إليه أن افعل كذا، وقرىء بالياء على أنّ أنْ مصدريةٌ، والمعنى آتينا موسى الكتابَ لهداية بني إسرائيلَ لئلا يتخذوا {مِن دُونِى وَكِيلاً} أي ربًّا تكِلون إليه أمورَكم، والإفرادُ لما أن فعيلاً مفردٌ في اللفظ جمعٌ في المعنى.

القشيري

تفسير : أرسل موسى عليه السلام بالكتاب كما أرسل نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكنَّ نَبِيَّنَا - صلوات الله عليه - كان أوفى - سماعاً -؛ فإنَّ الشمسَ في طلوعها وإشراقها تكون أقربَ ممن طلعت له من حقائقها.

اسماعيل حقي

تفسير : {وآيتنا موسى الكتاب} اى التوراة جملة واحدة بعدما اسريناه الى الطور {وجعلناه} اى ذلك الكتاب {هدى لبنى اسرائيل} هاديا لاولاد يعقوب يهتدون الى الحق والصواب بما فيه من الاحكام والخطاب {ان لا تتخذوا} ان مفسرة لما يتضمنه الكتاب من الامر والنهى بمعنى اى كما فى قوله كتبت اليه ان افعل كذا. قال الكاشفى [وكفتيم مرايشانرا كه آيافرا ميكيريد] {من دونى} [بجز از من] {وكيلا} [برور دكاريكه مهم خود بدو كذا ريد]. قوله من دونى بمعنى غيرى احد مفعولى لا تتخذوا ومن مزيدة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ذرية}: منادى، أي: يا ذرية من حملنا مع نوح، والمراد: بني إسرائيل. وفي ندائهم بذلك: تلطف وتذكير بالنعم، وقيل: مفعول أول بتتخذوا، أي: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلاً، فتكون كقوله: {أية : وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً}تفسير : [آل عِمرَان: 80]. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وآتينا موسى الكتابَ} التوراة {وجعلناه} أي: التوراة {هُدًى لبني إِسرائيل}، وقلنا: {ألاّ تتخذوا من دوني وكيلاً} تُفوضون إليه أموركم، وتُطيعونه فيما يأمركم. بل فوضوا أموركم إلى الله، واقصدوا بطاعتكم وجه الله، يا {ذريةَ مَنْ حملنا مع نوح}، فاذكروا نعمة الإنجاء من الغرق، وحملَ أسلافكم في سفينة نوح، {إِنه كان عبدًا شكورًا}؛ يحمد الله ويشكره في جميع حالاته. وفيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره، وَحَثٌّ للذرية على الاقتداء به. والله تعالى أعلم. الإشارة: المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو، إفراد الوجهة إلى الحق، ورفعُ الهمة عن الخلق، حتى لا يبقى الركون إلا إليه، ولا الاعتماد إلا عليه، وهو مقتضى التوحيد. قال تعالى {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} تفسير : [المُزمّل: 9]. وبالله التوفيق. ثم ذكر ما أحدث بنو اسرائيل وما جرى عليهم في القضاء

الجنابذي

تفسير : {وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ} قرئ لا يتّخذوا بالغيبة على الاصل وبالخطاب على الالتفات، وان تفسيريّة او مصدريّة ولا نافية او ناهية والخطاب لبنى اسرائيل مثل: كتبت اليه ان قم، على قراءة الخطاب او لامّة محمّد (ص) تعظيماً لشأنهم حيث جعل غاية ايتان الكتاب لموسى (ع) عدم اتّخاذ امّة محمّد (ص) من دون الله وكيلاً يعنى انّ المقصود من ارسال الرّسل سابقاً كان اتّعاظكم وان لاتتّخذوا يا امّة محمّد (ص) {مِن دُونِي وَكِيلاً ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} مفعول اوّل للا تتّخذوا ووكيلاً مفعول ثانٍ له مقدّم عليه وحمله على الجمع لجواز حمل فعيل بمعنى الفاعل على الجمع مفرداً نحو حسن اولئك رفيقاً، او نداء او منصوب على الاختصاص، او مفعول لفعلٍ محذوف { إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} اتى بمدحه عقيب ذكره تعليلاً لجعل الكتاب هدى لذرّيّته.

الأعقم

تفسير : {وآتينا موسى الكتاب} يعني التوراة {ألاّ تتخذوا من دوني وكيلاً}، قيل: شريكاً، وقيل: ربا {ذرية من حملنا مع نوح} أولاد من حملنا مع نوح وأنجيناهم من الطوفان في السفينة {إنه كان عبداً شكوراً} وهو نوح (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان إذا لبس ثوباً أو أكل طعاماً أو شرب ماءً حمد الله وشكره، وقيل: كان قائماً بطاعة الله {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب} أي أخبرناهم في التوراة، وقيل: على لسان بعض الأنبياء، وقيل: فيما كتب في اللوح المحفوظ {لتفسدنَّ في الأرض مرتين}، قيل: بقتل الأنبياء وسفك الدماء وكثرة الفساد، وقيل: في الأول قتل زكريا، وفي الثاني قتل يحيى {ولتعلنَّ علواً كبيراً} أي لتستكبرون ولتظلمون الناس ظلماً كثيراً، وروي أنهم كانوا مؤمنين فأخبرهم أنهم يتغيرون {فإذا جاء وعد أولاهما} أوْلَى المرتين التي يفسدون فيهما {بعثنا عليكم}، قيل: أمرنا قوماً مؤمنين يغزونكم، وقيل: خلّينا بينكم وبينهم، والظاهر أنهم قوم مؤمنين أمروا بجهادهم لقوله: {بعثنا}، وقوله: {عباداً لنا}، وقيل: بخث نصّر، وعن ابن عباس: جالوت قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وأخربوا المسجد وسبوا منهم سبعون ألفاً، فإن قيل: كيف جاز أن يبعث الله الكفرة ويسلطهم؟ قالوا: معناه خلينا بينهم وبين ما فعلوا {فجاسوا} والجوس: التخلل في الديار، وقيل: جاسوا وطئوا يقال: تركت فلاناً يجوس بني فلان ويجوسهم ويدوسهم أي يطأهم، قال أبو عبيدة: كل موضع خالطته ووطئته فقد جسته و{خلال الديار} وسطها {وكان وعداً مفعولاً}، قيل: قضاء كائناً لا خلف فيه {ثم رددنا لكم} يا بني اسرائيل {الكرة} الرجعة {عليهم} لأنهم تابوا وندموا على ما سلف منهم من المعاصي وقتل الأنبياء فقبل الله توبتهم ونصرهم على أعدائهم {وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً} أكثر عدداً وأكثر رجالاً {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} يعني أحسنتم التوحيد والعمل الصالح، أحسنتم لأنفسكم لها ثوابها واليها يعود نفعها {وإن أسأتم} العمل {فلها} قيل: الخطاب لبني اسرائيل، وقيل: الخطاب لأمة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتراضاً بين القصة {فإذا جاء وعد الآخرة} أي المرة الأخرى من إفسادكم بالقتل والظلم، وقيل: بقصدهم بقتل عيسى، وقيل: يحيى (عليه السلام)، واختلفوا فيمن جاءهم في هذه الواقعة قيل: الفرس والروم قتلوهم وسبوهم وأخذوهم بعد أن كانوا الملوك على الناس، وقيل: الذي غزا بني اسرائيل في المرة الأخرى ملوك فارس والروم وذلك لما قتلوا يحيى أتاهم ملوك الروم فقتل منهم مائة ألف وثمانين ألفاً وخرب بيت المقدس، وقيل: جاءهم بخت نصّر، وقيل: لم يزل دم يحيى بن زكريا حتى قتل منهم بخت نصر سبعين ألفاً واثنين وسبعين ألفاً ثم سكن الدم {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} إنما ذكر الوجه لأن معه يظهر السرور والحزن {وليدخلوا المسجد} بيت المقدس ونواحيه {كما دخلوه أول مرة} وإنما أضاف الدخول أول مرة إلى هؤلاء وإن كان بين الدخولين مدة عظيمة لأنهم كانوا في ذلك الوقت راضين بفعلهم، وقيل: يحتمل أن يكون القوم في الكرتين واحد والمدة بينهما قريبة فلا مانع {وليتبّروا ما علوا} أي ليهلكوا وليدمروا ما علوا عليه من بلادهم {عسى ربكم} عسى من الله واجبٌ {أن يرحمكم} يا بني اسرائيل {وإن عدتم} إلى المعصية {عدنا} إلى العقوبة، فعادوا فبعث الله عليهم محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، وقيل: إن عدتُم إلى التوبة عدنا إلى المغفرة {وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً} مجلساً، وقيل: مهاداً، وعن الحسن: بساطاً ينبسط كالحصير.

الهواري

تفسير : قوله: {وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} أي: التوراة { وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: لمن آمن منهم. { أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلاً} أي: ألا تتخذوا من دوني شريكاً. وقال بعضهم: ربّا. { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} أي: في السفينة، أي: يا ذرية من حملنا مع نوح، ولذلك انتصب. وقال بعضهم: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} أي: الناس كلهم ذرية من أنجى الله في تلك السفينة. وذكر لنا أنه نجّى فيها نوحاً وثلاثة بنين له: سام وحام ويافث وامرأته ونساءهم، فجميعهم ثمانية. قال: { إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} . قال بعضهم: ذكر لنا أنه كان إذا استجد ثوباً حمد الله. والعامة على أن الشكور المؤمن، وهو حقيقة التفسير.

اطفيش

تفسير : {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} التوراة {وَجَعَلْنَاهُ} أى الكتاب {هُدًى لِّبَنِى إِسْرَائِيلَ ألاَّ تَتَّخِذُوا} أن مفسره لأَن فى إِيتاء الكتاب وفى جعلناه هدى معنى القول دوماً حروفه ولا ناهية أو ناصبة ولا نافية وعليه فالتقدير على أن لا تتخذوا أو بأَن لا تتخذوا أو لئلا تتخذوا، وقرأ أبو عمر وأن لا تتخذوا بالتحتية وفيه الأَوجه السابقة، {مِن دُونِى وَكِيلاً} أى ربا تكلون إِليه أموركم غيرى تجعلونه شريكاً ومن دونى مفعول ثان ووكيلا مفعول أول.

اطفيش

تفسير : {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} التوراة فى الطور بعد المناجاة، كما أنزلنا عليك الكتاب، وعرجنا بك، وهذا وجه الاتصال بما قيل ولا سواء، فانظركم بين "أية : أسرى بعبده" تفسير : [الإسراء: 1] {وآتينا موسى} وانظركم بين "أية : يهدى للتى هى أقوم"تفسير : [الإسراء: 9] وبين {هدى لبنى إسرائيل} وبين "أية : خير أمة أُخرجت" تفسير : [آل عمران: 110] وبنى إسرائيل وبين "أية : أسرى بعبده" تفسير : [الإسراء: 1] "أية : ولما جاء موسى لميقاتنا" تفسير : [الأعراف: 143] والعبودية لله تعالى وصف عظيم. {وَجَعَلْنَاهُ} أى الكتاب، أولى من أن يقال جعلنا موسى {هُدًى لِبَنِى إِسْرَائِيلَ} متعلق بهدًى، واللام للتقوية، أو نعت هدىً أو متعلق بجعلنا واللام للنفع ولا تقل للتعليل. {ألا تَتّخِذُوا مِنْ دُونِى وَكِيلاً} أن مفسرة لآتينا أو لجعلناه هدى، أو لهما فإن إيتاءه وجعله هدى تكليف بالامتثال والازدجار، وذلك معنى القول دون حروفه، ولا ناهية وإن ناصبة، ولا ناهية على تقدير الباء، أو على، ومعنى وكيلا ربًّا يعبدونه من دون الله، يتركون إليه أمرهم، أى موكولا إليه أمرهم فعيل بمعنى مفعول.

الالوسي

تفسير : {وَءاتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ} أي التوراة {وَجَعَلْنَـٰهُ} أي الكتاب وهو الظاهر أو موسى عليه السلام {هُدًى} عظيماً {لّبَنِى إِسْرٰءيلَ} متعلق بهدى أو بجعل واللام تعليلية والواو استئنافية أو عاطفة على جملة {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ} تفسير : [الإسراء: 1] لا على {أَسْرَىٰ} كما نقله في «البحر» عن العكبري وحَكَى نظيره عن ابن عطية لبعده وتكلفه، وعقب آية الإسراء بهذه استطراداً تمهيداً لذكر القرآن، والجامع أن موسى عليه السلام أعطى التوراة بمسيره إلى الطور وهو بمنزلة معراجه لأنه منح ثمت التكليم وشرف باسم الكليم وطلب الرؤية مدمجاً فيه تفاوت ما بين الكتابين ومن أنزلا عليه وإن شئت فوازن بين {أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} و {ءَاتَيْنَآ مُوسَى} وبين {هُدًى لّبَنِى إِسْرٰءيلَ} و {أية : َيَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء: 9]. {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ} أي أي لا تتخذوا على «أن» تفسيرية ولا ناهية، والتفسير كما قال أبو البقاء لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي، وقيل لمحذوف أي آتينا موسى كتابة شيء هو لا تتخذوا، والكتاب وإن كان المراد به التوراة فهو مصدر في الأصل، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر. وجوز في «البحر» أن تكون (أن) مصدرية والجار قبلها محذوف و(لا) نافية أي لئلا تتخذوا، وقيل يجوز أن تكون (أن) وما بعدها في موضع البدل من {ٱلْكِتَـٰبَ} وجوز أبو البقاء أن تكون زائدة و {لاَ تَتَّخِذُواْ} معمول لقول محذوف و(لا) فيه للنهي أي قلنا لا تتخذوا. وتعقبه أبو حيان بأن هذا الموضع ليس من مواضع زيادة (أن). وكذا جوز أن تكون {لا} زائدة كما في قوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف: 12] والتقدير كراهة أن تتخذوا ولا يخفى ما فيه. وقرأ ابن عباس ومجاهد وعيسى وأبو رجاء وأبو عمرو من السبعة (ألا تتخذوا) بياء الغيبة، وجعل غير واحد (أن) على ذلك مصدرية ولم يذكروا فيها احتمال كونها مفسرة، وقال شيخ زاده: لا وجه لأن تكون (أن) مفسرة على القراءة بياء الغيبة لأن ما في حيز المفسرة مقول من حيث المعنى والذي يلقى إليه القول لا بد أن يكون مخاطباً كما لا وجه لكونها مصدرية على قراءة الخطاب لأن بني إسرائيل غيب فتأمل. والجار / عندهم على كونها مصدرية محذوف أي لأن لا يتخذوا. {مِن دُونِى وَكِيلاً} أي رباً تكلون إليه أموركم غيري فالوكيل فعيل بمعنى مفعول وهو الموكول إليه أي المفوض إليه الأمور وهو الرب. قال ابن الجوزي «قيل للرب وكيل لكفايته وقيامه بشؤون عباده لا على معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط أمر الوكيل» و {مِنْ} سيف خطيب ودون بمعنى غير وقد صرح بمجيئها كذلك في غير موضع وهي مفعول ثان لتتخذوا و {وَكِيلاً} الأول. وجوز أن تكون (من) تبعيضية واستظهر الأول، والمراد النهي عن الإشراك به تعالى.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : سبحان الذي أسرى}تفسير : [الإسراء: 1] الخ فهي ابتدائية. والتقدير: الله أسرى بعبده محمد وآتى موسى الكتاب، فهما منتان عظيمتان على جزء عظيم من البشر. وهو انتقال إلى غرض آخر لِمناسبة ذكر المسجد الأقصى. فإن أطوار المسجد الأقصى تمثل ما تطور به حالُ بني إسرائيل في جامعتهم من أطوار الصلاح والفساد، والنهوض والركود، ليعتبر بذلك المسلمون فيقتدوا أو يحذروا. ولمناسبة قوله:{أية : لنريه من آياتنا}تفسير : [الإسراء: 1] فإن من آيات الله التي أوتيها النبي آيَةَ القرآن، فكان ذلك في قوة أن يقال: وآتيناه القرآن وآتينا موسى الكتاب (أي التوراة)، كما يشهد به قوله بعد ذلك {أية : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم }تفسير : [الإسراء: 9] أي للطريقة التي هي أقوم من طريقة التوراة وإن كان كلاهما هُدى، على ما في حالة الإسراء بالنبي عليه الصلاة والسلام ليلاً ليرى من آيات الله تعالى من المناسبة لحالة موسى عليه السلام حين أوتي النبوة، فقد أوتي النبوءة ليلاً وهو سار بأهله من أرض مدين إذ آنس من جانب الطور ناراً، ولحاله أيضاً حين أسري به إلى مناجاة ربه بآيات الكتاب. والكتاب هو المعهود إيتاؤُه موسى عليه السلام وهو التوراة. وضمير الغائب في جعلناه للكتاب، والإخبار عنه بأنه هدى مبالغة لأن الهُدى بسبب العمل بما فيه فجُعل كأنه نفسُ الهدى، كقوله تعالى في القرآن: {أية : هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2]. وخص بني إسرائيل لأنهم المخاطبون بشريعة التوراة دون غيرهم، فالجعل الذي في قوله: {وجعلناه} هو جعل التكليف. وهم المراد بــــ «الناس» في قوله: {أية : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس}تفسير : [الأنعام: 91]، لأن الناس قد يطلق على بعضهم، على أن ما هو هدى لفريق من الناس صالح لأن يَنتفع بهديه من لم يكن مخاطباً بكتاب آخرَ، ولذلك قال تعالى: {أية : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور}تفسير : [المائدة: 44]. وقرأ الجمهور {ألا تتخذوا} ــــ بتاء الخطاب ــــ على الأصل في حكاية ما يحكى من الأقوال المتضمنة نهياً، فتكون (أنْ) تفسيرية لما تضمنه لفظ (الكتاب) من معنى الأقوال، ويكون التفسير لبعض ما تضمنه الكتاب اقتصاراً على الأهم منه وهو التوحيد. وقرأ أبو عمرو وحده ــــ بياء الغيبة ــــ على اعتبار حكاية القول بالمعنى، أو تكون (أنْ) مصدرية مجرورة بلام محذوفة حَذفاً مطرداً، والتقدير: آتيناهم الكتاب لئلا يتخذوا من دوني وكيلا. والوكيل: الذي تفوض إليه الأمور. والمراد به الرب، لأنه يتكل عليه العباد في شؤونهم، أي أن لا تتخذوا شريكاً تلجؤون إليه. وقد عُرف إطلاق الوكيل على الله في لغة بني إسرائيل كما حكى الله عن يعقوب وأبنائه {أية : فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل}تفسير : [يوسف: 66].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ}. لما بين جل وعلا في هذه الأية الكريمة عظم شأن نبيه محمد صلى الله علية وسلم، ذكر عظم شأن موسى بالكتاب العظيم، الذي أنزله إليه، وهو التوراة. مبيناً أنه جعله هدىً لبني إسرائيل. وكرر جل وعلا هذا المعنى في القرآن. كقوله: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}تفسير : [السجدة:23-24]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ}تفسير : [القصص:43]، وقوله: {أية : ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [الأنعام:154] الآية، وقوله: {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ.. }تفسير : [الأعراف:145] الآية إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً}. اعلم أن هذا الحرف قرأه جمهور القراء {ألا تتخذون} بالتاء على وجه الخطاب. وعلى هذا فـ "أن" هي المفسرة. فجعل التوراة هدى لبني إسرائيل مفسر بنهيهم عن اتخاذ وكيل من دون الله. لأن الإخلاص لله في عبادته هو ثمرة الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه. وعلى هذه القراءة فـ "لا" في قوله: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ} ناهية. وقرأه أبو عمرو من السبعة {أَلاَّ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} بالياء على الغيبة. وعلى هذه القراءة فالمصدر المنسبك من "أن" وصلتها مجرور بحرف التعليل المحذوف. أي وجعلناه هدى لبني إسرائيل لأجل ألا يتخذوا من دوني وكيلاً. لأن اتخاذ الوكيل الذي تسند إليه الأمور، وتفوض من دون الله ليس من الهدى. فمرجع القراءتين إلى شيء واحد، وهو أن التوكل إنما يكون على الله وحده لا على غيره. وكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة. كقوله: {أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً}تفسير : [المزمل:9]، وقوله: {أية : قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا}تفسير : [الملك:29]. وقوله: {أية : فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [التوبة:129]، وقوله: {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}تفسير : [الطلاق:3]، وقوله: {أية : قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}تفسير : [إبراهيم:11-12]، وقوله: {أية : إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ}تفسير : [هود:56] الآية، وقوله: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ}تفسير : [يونس:71]، وقوله: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}تفسير : [الأحزاب:3] الآية، وقوله: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ}تفسير : [الفرقان:58] الآية، وقوله: {أية : فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}تفسير : [هود:123] الآية، وقوله: {أية : فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيل}تفسير : [آل عمران:173]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. والوكيل: فعيل من التوكل. أي متوكلاً عليه، تفوضون إليه أموركم. فيوصل إليكم النفع، ويكف عنكم الضر. وقال الزمخشري: {وكيلاً} أي رباً تكلون إليه أموركم. وقال ابن جرير: حفيظاً لكم سواي. وقال أبو الفرج بن الجوزي: قيل للرب وكيل لكفايته وقيامه بشؤون عباده. لا على معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط أمر الوكيل اهـ. قاله أبو حيان في البحر. وقال القرطبي: {وكيلاً} أي شريكاً. عن مجاهد. وقيل: كفيلاً بأمورهم. حكاه الفراء. وقيل: ربًّا يتوكلون عليه في أمورهم. قاله الكلبي. وقال الفراء: كافياً اهـ والمعاني متقاربة، ومرجعها إلى شيء واحد، وهو أن الوكيل: من يتوكل عليه. فتفوض الأمور إليه، ليأتي بالخير، ويدفع الشر. وهذا لا يصح إلا لله وحده جل وعلا. ولهذا حذر من اتخاذ وكيل دونه. لأنه لا نافع ولا ضار، ولا كافي إلا هو وحده جل وعلا.. عليه توكلنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 2- وأن بيت المقدس كان يسكنه بنو إسرائيل من بعد موسى، حتى أفسدوا فيه، فشُرِّدُوا منه من قبل، مع أننا أعطينا موسى التوراة، وجعلنا فيها هداية لهم، وقلنا لهم: لا تتخذوا غير الله معبوداً تفوضون إليه أموركم. 3- أنتم - أيها الإسرائيليون - ذرية المخلصين الذين كانوا مع نوح فى الفلك بعد إيمانهم، ونجيناهم من الغرق. اجعلوا نوحاً قدوتكم كما جعله أسلافكم، فإنه كان عبداً كثير الشكر لله على نعمته. 4- وأنفذنا بقضائنا إلى بنى إسرائيل فيما كتبناه فى اللوح المكنون أنهم يُفْسدون فى بيت المقدس لا محالة مرتين، فى كل مرة منهما كان الظلم والطغيان، وترك أحكام التوراة، وقتل النبيين، والتعاون على الإثم. وأنه ليبسط سلطانكم وتعلون مستكبرين ظالمين. 5- فإذا جاء وقت عقاب أولاهما سلَّطنا عليكم بسبب إفسادكم عباداً لنا أصحاب بطش شديد، فأخذوا يسيرون فى داخل الديار، لم يتركوا جزءا منها ليقتلوكم، وكان وعد العقاب وعداً لا بد أن يكون. 6- ثم لما استقام أمركم، واهتديتم، وجمعتم شملكم، ورجعتم عن الفساد، رددنا لكم الغلبة على الذين بعثوا عليكم، ورزقناكم أموالاً وبنين، وجعلناكم أكثر مما كنتم عددا. 7- وقلنا لهم: إن أحسنتم فأطعتم الله كان إحسانكم لأنفسكم فى الدنيا والآخرة، وإن أسأتم بالعصيان فإلى أنفسكم تسيئون. فإذا جاء وقت عقاب المرة الآخرة من مَرَّتى إفسادكم فى الأرض، بعثنا عليكم أعداءكم، ليجعلوا آثار المساءة والذلة والكآبة بادية على وجوهكم، وتكون العاقبة أن يدخلوا مسجد بيت المقدس، فيخربوه كما دخلوه وخربوه أول مرة، وليهلكوا ما غلبوا عليه إهلاكاً شديداً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وآتينا موسى الكتاب: أي التوراة. وجعلناه هدى: أي جعلنا الكتاب أو موسى هدى أي هادياً لبني إسرائيل. وكيلاً: أي حفيظاً أو شريكاً. من حملنا: أي في السفينة. وقضينا: أي أعلمناهم قضاء نافيهم. في الكتاب: أي التوراة. علواً كبيراً: أي بغياً عظيماً. أولاهما: أي أولى المرتين. فجاسوا خلال: أي ترددوا جائين ذاهبين وسط الديار يقتلون ويفسدون. وعداً مفعولا: أي منجزاً لم يتخلف. معنى الآيات: يخبر تعالى أنه هو الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وأنه هو الذي آتى موسى الكتاب أي التوراة فهو تعالى المتفضل على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أمته بالإِسراء به والمعراج وعلى موسى بإعطائه الكتاب ليكون هدى وبياناً لبني إسرائيل فهو متفضل أيضاً على بني إسرائيل فله الحمد وله المنة. وقوله: {وَجَعَلْنَاهُ} أي الكتاب {هُدًى} أي بياناً لبني إسرائيل يهتدون إلى سُبُل الكمال والإِسعاد وقوله: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} أي آتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل من أجل ألا يتخذوا من غيري حفيظاً لهم يشركونه بي بالتوكل عليه وتفويض أمرهم إليه ناسين لي وأنا ربهم وولي نعمتهم. وقوله تعالى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} أي يا ذرية من حملنا مع نوح اشكروني كما شكرني نوح على انجائي إياه في السفينة مع أصحابه فيها، إنه أي نوحاً {كَانَ عَبْداً شَكُوراً} فكونوا أنتم مثله فاشكروني بعبادتي ووحدوني ولا تتركوا طَاعَتِي ولا تشركوا بي سِوَايَ. وقوله تعالى {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} يخبر تعالى بأنه أعلم بني إسرائيل بقضائه فيهم وذلك في كتابهم التوراة أنهم يفسدون في الأرض بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب، ويعلون في الأرض بالجراءة على الله وظلم الناس {عُلُوّاً كَبِيراً} أي عظيماً. ولا بد أن ما قضاه واقع وقوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} أي وقت المرة الأولى {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي قوة وبطش في الحرب شديد، وتم هذا لما أفسدوا وظلموا بانتهاك حدود الشرع والإِعراض عن طاعة الله تعالى حتى قتلوا نبيهم "أرميا" عليه السلام وكان هذا على يد الطاغية جالوت فغزاهم من أرض الجزيرة ففعل بهم مع جيوشه ما أخبر تعالى به في قوله: {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ} ذاهبين جائين قتلاً وفتكاً وإفساداً نقمة الله على بني إسرائيل لإفسادهم وبغيهم البغي العظيم. ووقوله تعالى: {وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} أي ما حصل لهم في المرة الأولى من الخراب والدمار ومن أسبابه كان بوعد من الله تعالى منجزاً فوفاة لهم، لأنه قضاه وأعلمهم به في كتابهم. وقوله: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} أي بعد سنين طويلة وبنو إسرائيل مضطهدون مشردون نبتت منهم نابتة وطالبت بأن يعين لهم ملكاً يقودهم إلى الجهاد وكان ذلك كما تقدم في سورة البقرة جاهدوا وقتل داود جالوت وهذا معنى {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} وقوله: {وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} أي رجالاً في الحروب وكثرت أموالهم وأولادهم وتكونت لهم دولة سادت العالم على عهد داود وسليمان عليهما السلام. هداية الآيات: 1- بيان إفضال الله تعالى على الأمتين الإِسلامية والإِسرائيلية. 2- بيان سر إنزال الكتب وهو هداية الناس إلى عبادة الله تعالى وتوحيده فيها. 3- وجوب شكر الله تعالى على نعمه إذ كان نوح عليه السلام إذا أكل الأكلة قال الحمد لله، وإذا شرب الشربة قال الحمد لله، وإذا لبس حذاءه قال الحمد لله وإذا قضى حاجة قال الحمد لله فسمى عبداً شكوراً وكذا كان رسول الله والصالحون من أمته إلى اليوم. 4- ما قضاه الله تعالى كائن، وما وعد به ناجز، والإِيمان بذلك واجب. 5- التنديد بالإِفساد والظلم والعلو في الأرض، وبيان سوء عاقبتها.

القطان

تفسير : الكتاب: التوراة وكيلا: كفيلا تكلون اليه اموركم. وقد أعطينا موسى التوراة، وجعلنا فيها هدايةً لبني اسرائيل، وقلنا لهم لا تتخذوا غير الله إلهاً تفوّضون اليه أموركم، فانكم أبناء نبي كريم، هو ذلك العبد الشاكر، فاقتدوا به واستقيموا كما كان مستقيما، وكونوا شاكرين مثلَه ذاكرين كما كان. قراءات: قرأ ابو عمرو وحده: "الا يتخذوا" بالياء. والباقون بالتاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَآتَيْنَآ} {ٱلْكِتَابَ} {وَجَعَلْنَاهُ} {إِسْرَائِيلَ} (2) - وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى التَّوْرَاةَ عَلَى عَبْدِهِ مُوسَى (الكِتَابَ) وَجَعَلَهُ هَادِياً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَمَرَهُمْ بِأَلاَّ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيّاً، وَلاَ نَصِيراً، وَلاَ مَعْبُوداً (وَكِيلاً)، يَكِلُونَ أُمُورَهُمْ إِلَيْهِ، وَيُعَوَِّلُونَ فِيهَا عَلَيْهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {وَآتَيْنَآ} أي: أوحينا إليه معانيه، كما قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ..} تفسير : [الشورى: 51]. فليس في هذا الأمر مباشرة. و (الكتاب) هو التوراة، فلو اقترن بعيسى فهو الإنجيل، وإنْ أُطلِق دون أن يقترنَ بأحد ينصرف إلى القرآن الكريم. والوَحْي قد يكون بمعاني الأشياء، ثم يُعبّر عنها الرسول بألفاظه، أو يعبر عنها رجاله وحواريوه بألفاظهم. ومثال ذلك: الحديث النبوي الشريف، فالمعنى فيه من الحق سبحانه، واللفظ من عند الرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان الأمر في التوراة والإنجيل. فإن قال قائل: ولماذا نزل القرآن بلفظه ومعناه، في حين نزلت التوراة والإنجيل بالمعنى فقط؟ نقول: لأن القرآن نزل كتاب منهج مثل التوراة والإنجيل، ولكنه نزل أيضاً كتاب معجزة لا يستطيع أحد أنْ يأتيَ بمثله، فلا دَخْلَ لأحد فيه، ولا بُدَّ أنْ يظلَّ لفظه كما نزل من عند الله سبحانه وتعالى. فالرسول صلى الله عليه وسلم أُوحِيَ إليه لَفْظُ ومعنى القرآن الكريم، وأُوحِي إليه معنى الحديث النبوي الشريف. والحق سبحانه يقول: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ..} [الإسراء: 2]. فهذا الكتاب لم ينزل لموسى وحده، بل لِيُبلِّغه لبني إسرائيل، وليرسمَ لهم طريق الهدى إلى الله سبحانه، وقال تعالى في آية أخرى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [السجدة: 23]. والهُدَى: هو الطريق الموصّل للغاية من أقصر وجه، وبأقلّ تكلفة، وهو الطريق المستقيم، ومعلوم عند أهل الهندسة أن الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين. ثم أوضح الحق سبحانه وتعالى خلاصة هذا الكتاب، وخلاصة هذا الهُدى لبني إسرائيل في قوله تعالى: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} [الإسراء: 2]. ففي هذه العبارة خلاصة الهُدى، وتركيز المنهج وجِمَاعه. والوكيل: هو الذي يتولَّى أمرك، وأنت لا تُولِّي أحداً أمرك إلا إذا كنتَ عاجزاً عن القيام به، وكان مَنْ تُوكِّله أحكمَ منك وأقوى، فإذا كنت ترى الأغيار تنتاب الناس من حولك وتستولي عليهم، فالغني يصير فقيراً، والقوي يصير ضعيفاً، والصحيح يصير سقيماً. وكذلك ترى الموت يتناول الناس واحداً تِلْو الآخر، فاعلم أن هؤلاء لا يصلحون لِتولِّي أمرك والقيام بشأنك، فربما وَكَّلْتَ واحداً منهم ففاجأك خبر موته. إذن: إذا كنتَ لبيباً فوكِّل مَنْ لا تنتابه الأغيار، ولا يدركه الموت؛ ولذلك فالحق سبحانه حينما يُعلمنا أن نكون على وعي وإدراك لحقائق الأمور، يقول: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} تفسير : [الفرقان: 58]. وما دام الأمر كذلك، فإياك أنْ تتخذَ من دون الله وكيلاً، حتى لو كان هذا الوكيل هو الواسطة بينك وبين ربك كالأنبياء؛ لأنهم لا يأتون بشيء من عند أنفسهم، بل يناولونك ويُبلِّغونك عن الله سبحانه. ولذلك الحق سبحانه يقول: {أية : وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ..} تفسير : [الإسراء: 86]. ولو شئنا ما أوحينا إليك أبداً، فمن أين تأتي بالمنهج إذن؟ وقد تحدث العلماء طويلاً في (أن) في قوله: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} [الإسراء: 2]. فمنهم مَنْ قال: إنها ناهية. ومنهم من قال: نافية، وأحسن ما يُقال فيها: إنها مُفسّرة لما قبلها من قوله تعالى: {وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى ..} [الإسراء: 2]. ففسرت الكتاب والهدى ولخَّصتْه، كما في قوله تعالى: {أية : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} تفسير : [طه: 120]. فقوله: {قَالَ يٰآدَمُ} تُفسّر لنا مضمون وسوسة الشيطان. ومثله قوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ..} تفسير : [القصص: 7]. (فأنْ) هنا مُفسِّرة لما قبلها. وكأن المعنى: وأوحينا إليه ألاَّ تتخذوا من دوني وكيلاً. أو نقول: إن فيها معنى المصدرية، وأنْ المصدرية قد تُجرّ بحرف جر كما نقول: عجبت أنْ تنجحَ، أي: من أنْ تنجح، ويكون معنى الآية هنا: وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل لأنْ لا تتخذوا من دوني وكيلاً. ثم يقول الحق سبحانه: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، في قوله: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} [الآية: 2] يعني: شريكاً. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن جريج في قوله: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} [الآية: 3] قال: بني إِسرائيل وغيرهم.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} معناه كافل. والوَكيلُ: الحَافظُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : كثيرا ما يقرن الباري بين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوة موسى صلى الله عليه وسلم وبين كتابيهما وشريعتيهما لأن كتابيهما أفضل الكتب وشريعتيهما أكمل الشرائع ونبوتيهما أعلى النبوات وأتباعهما أكثر المؤمنين، ولهذا قال هنا: { وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } الذي هو التوراة { وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ } يهتدون به في ظلمات الجهل إلى العلم بالحق. { أَلا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا } أي: وقلنا لهم ذلك وأنزلنا إليهم الكتاب لذلك ليعبدوا الله وحده وينيبوا إليه ويتخذوه وحده وكيلا ومدبرا لهم في أمر دينهم ودنياهم ولا يتعلقوا بغيره من المخلوقين الذين لا يملكون شيئا ولا ينفعونهم بشيء. { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } أي: يا ذرية من مننا عليهم وحملناهم مع نوح، { إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } ففيه التنويه بالثناء على نوح عليه السلام بقيامه بشكر الله واتصافه بذلك والحث لذريته أن يقتدوا به في شكره ويتابعوه عليه، وأن يتذكروا نعمة الله عليهم إذ أبقاهم واستخلفهم في الأرض وأغرق غيرهم. { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ } أي: تقدمنا وعهدنا إليهم وأخبرناهم في كتابهم أنهم لا بد أن يقع منهم إفساد في الأرض مرتين بعمل المعاصي والبطر لنعم الله والعلو في الأرض والتكبر فيها وأنه إذا وقع واحدة منهما سلط الله عليهم الأعداء وانتقم منهم وهذا تحذير لهم وإنذار لعلهم يرجعون فيتذكرون. { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا } أي: أولى المرتين اللتين يفسدون فيهما. أي: إذا وقع منهم ذلك الفساد { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ } بعثا قدريا وسلطنا عليكم تسليطا كونيا جزائيا { عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } أي: ذوي شجاعة وعدد وعدة فنصرهم الله عليكم فقتلوكم وسبوا أولادكم ونهبوا أموالكم، وجاسوا خِلالَ دياركم فهتكوا الدور ودخلوا المسجد الحرام وأفسدوه. { وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا } لا بد من وقوعه لوجود سببه منهم. واختلف المفسرون في تعيين هؤلاء المسلطين إلا أنهم اتفقوا على أنهم قوم كفار. إما من أهل العراق أو الجزيرة أو غيرها سلطهم الله على بني إسرائيل لما كثرت فيهم المعاصي وتركوا كثيرا من شريعتهم وطغوا في الأرض. { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ } أي: على هؤلاء الذين سلطوا عليكم فأجليتموهم من دياركم. { وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } أي: أكثرنا أرزاقكم وكثرناكم وقويناكم عليهم، { وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا } منهم وذلك بسبب إحسانكم وخضوعكم لله. { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ } لأن النفع عائد إليكم حتى في الدنيا كما شاهدتم من انتصاركم على أعدائكم. { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } أي: فلأنفسكم يعود الضرر كما أراكم الله من تسليط الأعداء. { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ } أي: المرة الآخرة التي تفسدون فيها في الأرض سلطنا عليكم الأعداء. { لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ } بانتصارهم عليكم وسبيكم وليدخلوا المسجد الحرام كما دخلوه أول مرة، والمراد بالمسجد مسجد بيت المقدس. { وَلِيُتَبِّرُوا } أي: يخربوا ويدمروا { مَا عَلَوْا } عليه { تَتْبِيرًا } فيخربوا بيوتكم ومساجدكم وحروثكم. { عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ } فيديل لكم الكرة عليهم، فرحمهم وجعل لهم الدولة. وتوعدهم على المعاصي فقال: { وَإِنْ عُدْتُمْ } إلى الإفساد في الأرض { عُدْنَا } إلى عقوبتكم، فعادوا لذلك فسلط الله عليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فانتقم الله به منهم، فهذا جزاء الدنيا وما عند الله من النكال أعظم وأشنع، ولهذا قال: { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } يصلونها ويلازمونها لا يخرجون منها أبدا. وفي هذه الآيات التحذير لهذه الأمة من العمل بالمعاصي لئلا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل، فسنة الله واحدة لا تبدل ولا تغير. ومن نظر إلى تسليط الكفرة على المسلمين والظلمة، عرف أن ذلك من أجل ذنوبهم عقوبة لهم وأنهم إذا أقاموا كتاب الله وسنة رسوله، مكن لهم في الأرض ونصرهم على أعدائهم.