Verse. 2040 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَيَدْعُ الْاِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاۗءَہٗ بِالْخَيْرِ۝۰ۭ وَكَانَ الْاِنْسَانُ عَجُوْلًا۝۱۱
WayadAAu alinsanu bialshsharri duAAaahu bialkhayri wakana alinsanu AAajoolan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويَدْعُ الإنسان بالشر» على نفسه وأهله إذا ضجر «دعاءه» أي كدعائه له «بالخير وكان الإنسان» الجنس «عجولا» بالدعاء على نفسه وعدم النظر في عاقبته.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مباحث: البحث الأول: اعلم أن وجه النظم هو أن الإنسان بعد أن أنزل الله عليه القرآن وخصه بهذه النعمة العظيمة والكرامة الكاملة، قد يعدل عن التمسك بشرائعه والرجوع إلى بياناته، ويقدم على ما لا فائدة فيه فقال: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرّ دُعَاءهُ بِٱلْخَيْرِ }. البحث الثاني: اختلفوا في المراد من دعاء الإنسان بالشر على أقوال: القول الأول: المراد منه: النضر بن الحرث حيث قال: { أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ } تفسير : [الأنفال: 32] فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته، فكان بعضهم يقول: { أية : ائتنا بعذاب الله } تفسير : [العنكبوت:29]. وآخرون يقولون: { أية : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } تفسير : [يونس:48]. وإنما فعلوا ذلك للجهل واعتقاد أن محمداً كاذب فيما يقول. والقول الثاني: المراد أنه في وقت الضجر يلعن نفسه وأهله وولده وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فأقبل يئن بالليل فقالت له: ما لك تئن؟ فشكى ألم القيد فأرخت له من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب، فلما أصبح النبي عليه الصلاة والسلام دعا به فأعلم بشأنه، فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : اللهم اقطع يدها » تفسير : فرفعت سودة يدها تتوقع أن يقطع الله يدها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : إني سألت الله أن يجعل دعائي على من لا يستحق عذاباً من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما تغضبون، فلترد سودة يدها » تفسير : . والقول الثالث: أقول: يحتمل أن يكون المراد: أن الإنسان قد يبالغ في الدعاء طلباً لشيء يعتقد أن خيره فيه، مع أن ذلك الشيء يكون منبع شره وضرره، وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء، وإنما يقدم على مثل هذا العمل لكونه عجولاً مغتراً بظواهر الأمور غير متفحص عن حقائقها وأسرارها. البحث الرابع: القياس: إثبات الواو في قوله: {وَيَدْعُ } إلا أنه حذف في المصحف من الكتابة، لأنه لا يظهر في اللفظ، أما لم تحذف في المعنى لأنها في موضع الرفع، ونظيره: { أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } تفسير : [العلق: 18] { أية : وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [النساء: 146] { أية : وَيَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } تفسير : [ق: 41] { أية : فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ } تفسير : [القمر: 5] ولو كان بالواو والياء لكان صواباً هذا كلام الفراء. وأقول: إن هذا يدل على أنه سبحانه قد عصم هذا القرآن المجيد عن التحريف والتغيير فإن إثبات الياء والواو في أكثر ألفاظ القرآن وعدم إثباتهما في هذه المواضع المعدودة يدل على أن هذا القرآن نقل كما سمع، وأن أحداً لم يتصرف فيه بمقدار فهمه وقوة عقله. ثم قال تعالى: {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً } وفي هذا الإنسان قولان: القول الأول: آدم عليه السلام، وذلك لأنه لما انتهت الروح إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قوله: {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً }. والقول الثاني: أنه محمول على الجنس، لأن أحداً من الناس لا يعرى عن عجلة، ولو تركها لكان تركها أصلح له في الدين والدنيا، وأقول: بتقدير أن يكون المراد هو القول الأول، كان المقصود عائداً إلى القول الثاني، لأنا إذا حملنا الإنسان على آدم عليه الصلاة والسلام كان المعنى أن آدم الذي كان أصل البشر لما كان موصوفاً بهذه العجلة وجب أن تكون هذه صفة لازمة للكل، فكان المقصود عائداً إلى القول الثاني، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ} قال ابن عباس وغيره: هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له: اللَّهُمَّ أهلكه، ونحوه. {دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ} أي كدعائه ربَّه أن يَهَب له العافية؛ فلو استجاب الله دعاءه على نفسه بالشر هلك لكن بفضله لا يستجيب له في ذلك. نظيره: {أية : وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ} تفسير : [يونس: 11] وقد تقدّم. وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، كان يدعو ويقول: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. وقيل: هو أن يدعو في طلب المحظور كما يدعو في طلب المباح، قال الشاعر وهو ابن جامع:شعر : أطوف بالبيت فيمن يطوف وأرفع من مئْزَرِي الْمُسْبَلِ وأسجد بالليل حتى الصباح وأَتْلُو من الْمُحْكَم الْمُنْزَلِ عسى فارجُ الْهَمِّ عن يوسفٍ يُسَخِّر لي ربّةَ المَحْمِلِ تفسير : قال الجوهري: يقال ما على فلان مَحْمِل مثال مجلس أي معتمد. والمَحْمِل أيضاً: واحد محامل الحاج. والمِحْمَل مثال المِرْجَل: عِلاقة السيف. وحذفت الواو من «ويدع الإنسان» في اللفظ والخط ولم تحذف في المعنى لأن موضعها رفع فحذفت لاستقبالها اللام الساكنة؛ كقوله تعالى: {أية : سَنَدْعُو ٱلزَّبَانِيَةَ} تفسير : [العلق: 18] {أية : وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ}تفسير : [الشورى: 24] {أية : وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النساء: 146] {أية : يُنَادِ ٱلْمُنَادِ} تفسير : [قۤ: 41] {أية : فَمَا تُغْنِـي ٱلنُّذُرُ} تفسير : [القمر: 5] {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} أي طبعه العَجَلة، فيَعْجَل بسؤال الشر كما يعجل بسؤال الخير. وقيل: أشار به إلى آدم عليه السلام حين نهض قبل أن تركّب فيه الروح على الكمال. قال سلمان: أوّل ما خلق الله تعالى من آدم رأسه فجعل ينظر وهو يخلق جسده، فلما كان عند العصر بقيت رجلاه لم ينفخ فيهما الروح فقال: يا ربّ عَجّل قبل الليل؛ فذلك قوله: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} وقال ابن عباس: لما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فذهب لينهض فلم يقدر؛ فذلك قوله: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً}. وقال ابن مسعود: لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عَجْلانَ إلى ثمار الجنة؛ فذلك حين يقول: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} ذكره البيهقي. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما صور الله تعالى آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يُطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خُلِق خلقاً لا يتمالك» تفسير : وقد تقدّم. وقيل: حديث : سلّم عليه السلام أسِيراً إلى سَوْدة فبات يئنّ فسألته فقال: أنيني لشدّة القِدّ والأسر؛ فأرخت من كتافه فلما نامت هرب؛ فأخبرت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «قطع الله يديك» فلما أصبحت كانت تتوقّع الآفة؛ فقال عليه السلام: «إني سألت الله تعالى أن يجعل دعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر» تفسير : ونزلت الآية؛ ذكره القشيري أبو نصر رحمه الله. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : اللَّهُمّ إنما محمد بشر يغضَب كما يغضَب البشر وإني قد ٱتخذت عندك عهداً لن تُخْلِفَنِيه فأيُّما مؤمنٍ آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارةً وقُرْبةً تقرّبهُ بها إليك يوم القيامة»تفسير : . وفي الباب عن عائشة وجابر. وقيل: معنى «وكان الإنسان عجولاً» أي يؤثر العاجل وإن قَلّ، على الآجل وإن جَلّ.

البيضاوي

تفسير : {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرّ } ويدعو الله تعالى عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله، أو يدعوه بما يحسبه خيراً وهو شر. {دُعَاءهُ بِٱلْخَيْرِ } مثل دعائه بالخير. {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً } يسارع إلى كل ما يخطر بباله لا ينظر عاقبته. وقيل المراد آدم عليه الصلاة والسلام فإنه لما انتهى الروح إلى سرته ذهب لينهض فسقط. روي: أنه عليه السلام دفع أسيراً إلى سودة بنت زمعة فرحمته لأنينه فأرخت كتافه، فهرب فدعا عليها بقطع اليد ثم ندم فقال عليه السلام: اللهم إنما أنا بشر فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة له فنزلت. ويجوز أن يريد بالإِنسان الكافر وبالدعاء استعجاله بالعذاب استهزاء كقول النضر بن الحارث: اللهم انصر خير الحزبين، {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ } تفسير : [الأنفال: 32] الآية. فأجيب له فضرب عنقه صبراً يوم بدر.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن عجلة الإنسان ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله بالشر، أي: بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه، لهلك بدعائه، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} تفسير : الآية [يونس: 11]، وكذا فسره ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقد تقدم في الحديث: «حديث : لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أموالكم؛ أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها» تفسير : وإنما يحمل ابن آدم على ذلك قلقه وعجلته، ولهذا قال تعالى: {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً} وقد ذكر سلمان الفارسي وابن عباس ههنا قصة آدم عليه السلام حين همّ بالنهوض قائماً قبل أن تصل الروح إلى رجليه، وذلك أنه جاءته النفخة من قبل رأسه، فلما وصلت إلى دماغه عطس، فقال: الحمد لله، فقال الله: يرحمك ربك يا آدم. فلما وصلت إلى عينيه فتحهما، فلما سرت إلى أعضائه وجسده، جعل ينظر إليه ويعجبه، فهم بالنهوض قبل أن تصل إلى رجليه فلم يستطع، وقال: يا رب عجل قبل الليل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَٰنُ بِٱلشَّرِّ} على نفسه وأهله إذا ضجر {دُعَآءَهُ } أي كدعائه له {بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَٰنُ } الجنس {عَجُولاً } بالدعاء على نفسه وعدم النظر في عاقبته.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ويدعو الإنسان بالشر دُعاءَه بالخير} فيه وجهان من التأويل: أحدها: أن يطلب النفع في العاجل بالضر العائد عليه في الآجل. الثاني: أن يدعوا أحدهم على نفسه أو ولده بالهلاك، ولو استجاب دعاءه بهذا الشر كما استجاب له بالخير لهلك. {وكان الإنسان عجولاً} فيه تأويلان: أحدهما: عجولاً في الدعاء على نفسه وولده وما يخصه، وهذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد. الثاني: أنه عنى آدم حين نفخ فيه الروح، حتى بلغت الى سُرّته فأراد أن ينهض عجلاً، وهذا قول إبراهيم والضحاك.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَيَدْعُ الإِنسَانُ} إذا ضجر وغضب على نفسه وولده بالهلاك، ولو أجيب كما يجاب في دعاء الخير لهلك، أو يطلب النفع عاجلاً بالضرر آجلاً. {عَجُولاً} بدعائه على نفسه وولده عند ضجره "ع"، أو أراد آدم نفخت الروح فيه فبلغت سرته فأراد أن ينهض عجلاً.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَاءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنسَـٰنُ عَجُولاً}: سقطت الواوُ من {يَدْعُ} في خطِّ المصحف. قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: هذه الآية نزلَتْ ذامَّة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم في وقت الغَضَبَ والضَّجَر، فأخبر سبحانه أنهم يدْعُون بالشرِّ في ذلك الوقتِ، كما يدعون بالخير في وقت التثبُّت، فلو أجاب اللَّه دعاءهم، أهلكهم، لكَّنه سبحانه يصفَحُ ولا يجيبُ دعاء الضَّجر المستعجل، ثم عَذَرَ سبحانه بعض العُذْرَ في أن الإِنسان له عَجَلة فطرية، {ٱلإِنسَـٰنُ} هنا: يراد به الجنْس؛ قاله مجاهد وغيره. وقال ابن عباس وسليمان: الإِشارة إِلى آدم لما نفخ الرَّوح في رأسه، عَطَس وأبصر، فلما مشى الرُّوح في بدنه قبل ساقيه، أعجبته نفسه، فذهب ليمشي مستعجلاً لذلك، فلم يقدر، والمعنى؛ على هذا فأنتم ذَوُوا عجَلةٍ موروثةٍ من أبيكم، وقالت فرقة: معنى الآية: معاتبة الناس في دعائهم بالشرِّ مكانَ ما يجبُ أنْ يدعوه بالخير. * ت *: قول هذه الفرقة نقله * ع * غير ملخَّص، فأنا لخَّصته. وقوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ...} الآية هنا العلامةُ المنْصُوبة للنَّظَر والعِبْرة. وقوله سبحانه: {فَمَحَوْنَا آيَةَ ٱلَّيْلِ} قالتْ فيه فرقة: سببُ تعقيب الفاء أن اللَّه تعالى خَلَق الشمْسَ والقَمَر مضيئَيْنِ، فمحا بعد ذلك القَمَرَ، محاه جبريلُ بجناحه ثلاثَ مرَّات، فمِنْ هنالك كَلَفُهُ، وقالت فرقة: إِن قوله: {فَمَحَوْنَا آيَةَ ٱلَّيْلِ} إِنما يريدُ في أصْلِ خلقته، {وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً}، أي: يُبْصَرُ بها ومعها، ليبتغي الناس الرزَقَ وَفَضْلَ اللَّهِ، وجعَلَ سبحانه القمَرَ مخالفاً لحالِ الشمْسِ؛ ليعلم به العدَدُ من السنينَ والحسابُ للأشهرِ والأيامِ، ومعرفةُ ذلك في الشرْعِ إِنما هو من جهة القمرِ، لا من جهة الشمس، وحكى عياضٌ في «المدارك» في ترجمة الغازي بن قَيْس قال: روي عن الغازي بن قَيْس؛ أنه كان يقول: ما مِنْ يومٍ يأتي إِلاَّ ويقولُ: أَنَا خَلْقٌ جَدِيد، وعَلَى مَا يُفْعَلُ فيَّ شَهِيد، فَخُذُوا مِنِّي قَبْلَ أنْ أَبِيد، فإِذا أمْسى ذلك اليومُ، خَرَّ للَّهِ ساجِداً، وقال: الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلنِي الَيْوَم العَقيم. انتهى. «والتفصيل» البيان.

ابن عادل

تفسير : في الباءين ثلاثة أوجه: أحدها: أنهما متعلقتان بالدُّعاء على بابهما؛ نحو: "دَعوْتُ بكذا" والمعنى: أنَّ الإنسان في حال ضجره قد يدعو بالشَّر، ويلحُّ فيه، كما يدعو بالخير ويلحُّ فيه. والثاني: أنهما بمعنى "في" بمعنى أنَّ الإنسان إذا أصابه ضرٌّ، دعا وألحَّ في الدعاءِ، واستعجل الفرجَ؛ مثل الدعاءِ الذي كان يحبُّ أن يدعوهُ في حالة الخير، وعلى هذا: فالمدعوُّ به ليس الشرَّ ولا الخير، وهو بعيدٌ. الثالث: أن تكون للسَّبب، ذكره أبو البقاء، والمعنى لا يساعده، والمصدر مضافٌ لفاعله. وحذفت الواو ولفظها الاستقبال باللاَّم الساكنة؛ كقوله تعالى: {أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} تفسير : [العلق: 18] وحذف في الخط أيضاً، وهي غير محذوفة في المعنى. فصل في نظم الآية وجه النَّظم: أن الإنسان بعد أن أنزل الله - تعالى - عليه هذا القرآن، وخصه بهذه النعم العظيمة، قد يعدل على التمسُّك بشرائعه، والرُّجوع إلى بيانه، ويقدم على ما لا فائدة فيه، فقال: {وَيَدْعُ ٱلإِنسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ}. واختلفوا في المراد من دعاء الإنسان بالشرِّ، فقيل: المراد منه النضر بن الحارث، حيث قال: اللهُم، إن كان هذا هو الحقَّ من عندكَ. فأجاب الله دعاءه، وضُربَتْ رَقَبتهُ، وكان بعضهم يقول: ائْتِنَا بعذابِ الله، وآخرون يقولون: مَتَى هذا الوعد إن كنتم صَادقِينَ، وإنَّما فعلوا ذلك؛ للجَهْلِ، ولاعتقادِ أن محمَّداً - صلوات الله وسلامه عليه - كاذبٌ فيما يقول. وقيل: المراد أنَّ الإنسان في وقت الضجر يلعنُ نفسه، وأهله وولده، وماله؛ كدعائه ربَّه أن يهب له النعمة والعافية، ولو استجاب الله دعاءه على نفسه في الشرِّ، كما يستجيب له في الخير، لهلك، ولكنَّ الله لا يستجيبُ؛ لفضله. رُوِيَ حديث : أن النبي المصطفى - صلوات الله وسلامه عليه - دفع إلى سودةَ بنت زَمْعةٍ أسيراً، فأقبل يَئِنُّ باللَّيْلِ، فقالت له: مَا لَكَ تَئِنُّ؟ فَشَكَى ألم القدِّ، فأرْخَتْ لهُ مِنْ كتافه، فلمَّا نَامَتْ أخرجَ يدهُ، وهَربَ فلمَّا أصْبحَ النبي صلى الله عليه وسلم دعا بِهِ، فأعْلمَ بِشأنهِ، فقال صلوات الله وسلامه عليه: اللَّهُمَّ اقطعْ يَدهَا، فَرفَعتْ سَوْدَةُ - رضي الله عنها - يَدهَا تتَوقَّعُ أن يَقْطعَ الله يَدهَا، فقَال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنِّي سَألتُ الله أنْ يَجْعلَ دُعائِي على مَنْ لا يَسْتحقُّ عَذاباً مِنْ أهْلِي رَحْمةً؛ لأنِّي بَشرٌ أغْضَبُ كَمَا تَغْضَبُونَ . تفسير : وقيل: يحتمل أن يكون المرادُ أنَّ الإنسان قد يبالغُ في الدُّعاء طلباً للشَّيء، يعتقد أنَّ خيره فيه، مع أنَّ ذلك الشيء منبع لشرِّه وضرره، وهو يبالغ في طلبه؛ لجهله بحال ذلك الشَّيء، وإنما يقدم على مثل هذا العمل؛ لكونه عجولاً مُغْتَرًّا بظواهر الأمور غير متفحِّصٍ عن حقائقها، وأسرارها. ثم قال تعالى: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً}. قيل: المراد بهذا الإنسان آدمُ - صلوات الله وسلامه عليه - لأنه لمَّا انتهت الرُّوحُ إلى سُرَّته، نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى، فذهب لينهض، فلم يقدر، فهو قوله جلَّ ذكرهُ: {وَكَانَ ٱلإِنسَانُ عَجُولاً}. وقيل: المراد الجنس؛ لأنَّ أحداً من النَّاس لا يعرى عن عجلةٍ، ولو تركها، لكان تركها أصلح له في الدِّين والدُّنيا، ومعنى القولين واحدٌ؛ لأنَّا إذا حملنا الإنسان على آدم - صلوات الله وسلامه عليه - فهو أبُو البشر وأصلهم، فإذا وصف بالعجلة، كانت الصفة لازمةً لأولاده. وقال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنه -: "عَجُولاً" ضَجُوراً لا صبر له على سرَّاء ولا ضرَّاء.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير‏} ‏ يعني قول الإنسان‏:‏ اللهم إلعنه واغضب عليه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير‏} ‏ قال‏:‏ ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته، يغضب أحدهم فيدعو عليه، فيسب نفسه ويسب زوجته وماله وولده، فإن أعطاه الله ذلك شق عليه، فيمنعه ذلك، ثم يدعو بالخير فيعطيه‏. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه‏:‏ في قوله‏:‏ ‏ {‏ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير‏}‏ قال‏:‏ ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته يعجل فيه، فيدعو عليه لا يحب أن يصيبه‏. وأخرج أبو داود والبزار، عن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وكان الإنسان عجولا‏ً} ‏ قال‏:‏ ضجراً لا صبر له على سراء ولا ضراء‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن عساكر، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال‏:‏ أول ما خلق الله من آدم عليه السلام رأسه، فجعل ينظر وهو يخلق وبقيت رجلاه، فلما كان بعد العصر قال‏:‏ يا رب، اعجل قبل الليل، فذلك قوله‏:‏ ‏ {‏وكان الإنسان عجولاً} ‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد قال‏:‏ لما خلق الله آدم خلق عينيه قبل بقية جسده، فقال‏:‏ أي رب، أتم بقية خلقي قبل غيبوبة الشمس، فأنزل الله ‏{‏وكان الإنسان عجولا‏ً}‏‏ .‏

التستري

تفسير : قوله: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ}[11] قال سهل: أسلم الدعوات الذكر وترك الاختيار بالسؤال والدعاء، لأن في الذكر الكفاية، وربما يدعو الإنسان ويسأل ما فيه هلاكه وهو لا يشعر، ألا ترى أن الله تعالى يقول: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ}[11] والذاكر على الدوام التارك للاختيار والدعاء والسؤال مبذول له أفضل الرغائب، وساقط عنه آفات السؤال والاختيار، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ".

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ} [الآية: 11]. قال سهل: أسلم الدعوات الذكر وترك الاختيار فى السؤال والدعاء لأن فى الذكر الكفاية وربما يدعوا الإنسان فيسأل ما فيه هلاكه، وهو لا يشعر ألا ترى الله تعالى يقول: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ} والذاكر على الدوام التارك للاختيار فى الدعاء والسؤال مبذول له أفضل الرغائب وساقط عنه آفات السؤال والاختيار. قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عز وجل: من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أُعطى السائلين ".

القشيري

تفسير : من الأدب في الدعاء أََلاَّ يسألَ العبدُ إلاَّ عند الحاجة، ثم ينظر فإنْ كان شيءٌ لا يعنيه ألا يتعرَّضَ له؛ فإنَّ في الخبر: " حديث : مِن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه "تفسير : ثم من آداب الداعي إذا سأل من اللَّهِ حاجَته ورأى تأخيراً في الإجابة إلا يَتَّهَم الحقَّ - سبحانه - ويجب أن يعلم أن الخير في ألا يجيبَه، والاستعجالُ - فيما يختاره العبد - غيرُ محمود، وأوْلى الأشياءِ السكونُ والرضا بحُكْمِه سبحانه، إن لم يساعدْه الصبرُ وسَأَلَ فالواجبُ تَرْكُ الاستعجال، والثقةُ بأنَّ المقسومَ لا يفوته، وأَنَّ اختيارَ الحقِّ للعبد خيرٌ له من اختياره لنفسه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} من لم يبلغ اعالى درجات القوم لم يعرف مقامات الدعاء ومن لم يعرف مقام الدعا ففى كل وقت يستعمل سوء الادب لانه فى رسوم الصورة يسال شيئا بجهله وهو سبب خطره قرب مراد لا ينجح له المقصود لانه عجول لا يصبر حتى يبلغ ويعرف ما يليق بحاله فيسال قال سهل اسلم الدعوات الذكر وترك الاختيار فى السوال والدّعاء لان فى الذكر الكفاية وربما يدعو الانسان ويسال ما فيه هلاكه وهو لا يشعر الا ترى الله يقول ويدع الانسان بالشر دعاءه بالخير والذاكر على الدوام التارك للاختيار فى الدعاء والسوال مبذول له افضل الرغائب وساقط عنه آيات السوال والاختيار قال النبى صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل من شغله ذكرى عن مسألتى اعطيه افضل ما اعطى السايلين.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويدع الانسان بالشر} ويدعو الله عند غضبه بالشر واللعن والهلاك على نفسه واهله وخدمه وماله. والمراد بالانسان الجنس اسند اليه حال بعض افراده او حكى عنه حاله فى بعض احيانه وحذفت واو يدع ويمح وسندع لفظا كياء سوف يؤت الله ويناد المناد وما تغن النذر وصلا لاجتماع الساكنين ووقفا وهى مرادة معنى حملا للوقف على الوصل ولو وقف عليها اضطرار الوقف بلا واو فى ثلاثتها اتباعا للامام كما فى الكواشى {دعاءه بالخير} مثل دعائه بالخير والرزق والعافية والرحمة ويستجاب له فلو استجيب له اذا دعاء باللعن كما يجاب له بالخير لهلك او يدعوه بما يحسبه خيرا وهو شر فى نفسه فينبغى ان يدعو بما هو خير عند الله تعالى لا بما يشتهيه {وكان الانسان} بحسب جبلته {عجولا} يسارع الى طلب ما يخطر بباله ولا ينظر عاقبته ولا يتأنى الى ان يزول عنه ما يعتريه. قال الكاشفى [تعجيل دارد دار انقلاب ازحالى بحالى نه درسرا تحمل دارد ونه در ضرا نه دركرمان شكيباست ونه درسرما]. واعلم ان الدعاء اما بلسان الحقيقة واما باعتبار السيئة المفضية الى الشر الموجبة له فالانسان عجول قولا وفعلا يتمادى فى الاعمال الموجبة للشر والعذاب وفى الحديث "حديث : المؤمن وقاف والمنافق وثاب"تفسير : قال آدم عليه السلام لاولاده كل عمل تريدون ان تعملوا فقفوا له ساعة فانى لو وقفت ساعة لم يكن اصابنى ما اصابنى قال اعرابى اياكم والعجلة فان العرب تكنيها ام الندامات: وفى المثنوى شعر : بيش سك جون لقمة ثان افكنى بوكندوا انكه خورد اى مقتنى او بينى بوكند ما باخرد هم ببو ئيمش بعقل منتقد تفسير : قيل العجلة من الشيطان الا فى ستة مواضع اداء الصلاة اذا دخل الوقت ودفن الميت اذا حضر وتزويج البكر اذا ادركت وقضاء الدين اذا وجب واطعام الضيف اذا نزل وتعجيل التوبة اذا اذنب. ثم شرع فى بيان بعض الهداية التكوينية التى اخبر بها القرآن الهادى فقال {وجعلنا الليل والنهار} قدم الليل لان فيه تظهر غرر الشهور اى جعلنا هما بسبب تعاقبهما واختلافهما فى الطول والقصر {آيتين} دالتين على وجود الصانع القدير ووحدته اذ لا بد لكل متغير من مغير وانما قال وجعلنا الليل والنهار آيتين وقال فى موضع آخر {وجعلنا ابن مريم وامه آية} لان الليل والنهار ضدان بخلاف عيسى ومريم وقيل لان عيسى ومريم كانا فى وقت واحد والشمس والقمر آيتان لانهما فى وقتين ولا سبيل الى رؤيتهما معا {فمحونا آية الليل} الفاء تفسيرية والاضافة بيانية كما فى اضافة العدد ال المعدود اى فمحونا الآية التى هى الليل. والمحو فى الاصل ازالة الشئ الثابت والمراد هنا ابداعها ممحوة الضوء مطموسة كما فى قولهم سبحانه من صغر البعوض وكبر الفيل اى انشأهما كذلك بقرينة ان محو الليل فى مقابلة جعل النهار مضيئا {وجعلنا آي النهار} اى الآية التى هى النهار {مبصرة} مضيئة تبصر فيها الاشياء وصفها بحال اهلها ويجوز ان تكون الاضافة فى المحلين حقيقة فالمراد بآية الليل والنهار والقمر والشمس - روى - ان الله تعالى خلق كلا من نور القمر والشمس سبعين جزأ ثم امر جبريل فمسح بجناحة ثلاث مرات فمحا من القمر تسعة وستين جزأ فحولها الى الشمس ليتميز الليل من النهار اذ كان فى الزمن الاول لا يعرف الليل والنهار فالسواد الذى فى القمر اثر المحو وهذا السواد فى القمر بمنزلة الخال على الوجه الجميل ولما كان زمان الدولة العربية الاحمدية قمريا ظهر عليه اثر السيادة على النجوم وهو السواد لانه سيد الالوان كما ظهر على الحجر المكرم الذى خرج ابيض من الجنة اثر السيادة بمبايعة الانبياء والاولياء عليهم السلام وجعل الله شهورنا قمرية لا شمسية تنبيها من الله للعارفين ان آياتهم ممحوّة من ظواهرهم مصروفة الى بواطنهم فاختصوا من بين جميع الامم الماضية بالتجليات الخاصة. وقيل فيهم كتب فى قلوبهم الايمان مقابلة قوله فانسلخ منها قال تعالى {أية : لا الشمس ينبغى لها ان تدرك القمر}تفسير : اى فى علو المرتبة والشرف. قال حضرت شيخى وسندى قدس سره فى كتاب البرقيات بعد تفصيل بديع ثم لآية الليل مرتبة الفرعية والتبعية ولآية النهار مرتبة الاصلية والاستقلالية لان نور القمر مستفاد من نور الشمس ثم سر محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة هو نفى الاستواء واثبات الامتياز حتى يتعين حد المستفيد وطوره بان يكون انزل بحسب الضعف والنقصان وحد المفيد وطوره بان يكون ارفع بحسب القوة والكمال ويرتبط كل منهما بالآخرة من غير تعد وتجاوز عن حده وطوره بل عرف كل قدره لزوم مقامه حتى يطرد النظام والانتظام ويستمر القيام والدوام من غير خلل واختلال ثم هذا السر اشارة الى سرأن لمظاهر الجلال مرتبة التبعية والفرعية ولمظاهر الجمال مرتبة الاستقلالية والاصلية لان الامداد الواصل الى مظاهر الجلال لقيامهم ودوامهم وبقائهم مستقاد من مظاهر الجمال ولذا قيل لولا الصلحاء لهلك الطلحاء وحكمة محو افكار مظاهر الجلال عن الاصابة الى الاخطاء وجعل افكار مظاهر الجمال مبصرة مصيبة هو نفى المساواة واثبات المباينة بينهما حتى يتحقق رتبة الاصل بالقوة والغلبة والعزة ورتبة الفرع بالضعف والعجز والذلة ويقوم النظام ويدوم الانتظام من غير ان يظهر التجاوز والتعدى من طرف مرتبة التبعية الى رتبة الاستقلالية عند المقابلة والمقاومة بل يطرد الارتفاع والاعتلاء والاستيلاء على الوجه الاوفق والحد الاحق فى طرف الاصالة ويستمر الامر فى نفسه الى ما شاء الله خالق البرية ثم مرتبة القمر اشارة فى المراتب الالهية الى مرتبة الربوبية ومرتبة الشمس الى مرتبة الالوهية وفى المراتب الكونية الآفاقية مرتبة القمر اشارة الى مرتبة الكرسى واللوح ومرتبة الشمس اشارة الى مرتبة العرش والقلم وفى مراتب الكونية الانفسية مرتبة القمر اشارة الى مرتبة الروح ومرتبة الشمس اشارة الى مرتبة السر وغير ذلك من الاشارات القرآنية {لتبتغوا} متعلق بقوله وجعلنا آية النهار اى لتطلبوا لانفسكم فى بياض النهار {فضلا من ربكم} اى رزقا وسماه فضلا لان اعطاء الرزق لا يجب على الله وانما يفيضه بحكم الربوبية وفى التعبير عن الكسب بالابتغاء دلالة على ان ليس للعبد فى تحصيل الرزق تأثير سوى الطلب {ولتعلموا} متعلق بكلا الفعلين اى لتعلموا باختلاف الجديدين او ميزهما ذاتا من حيث الاظلام والاضاءة مع تعاقبهما وسائر احوالهما {عدد السنين} التى يتعلق بها غرض علمى لاقامة مصالحكم الدينية والدنيوية {والحساب} اى الحساب المتعلق بما فى ضمنها من الاوقات اى الاشهر والليالى والايام وغيرذلك مما نيط به شئ من المصالح المذكورة ولولا ذلك لما علم احد حسبان الاوقات ولتعطلت امور كثيرة. والحساب احصاء ماله كمية منفصلة بتكرير امثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة فيها حد معين منه له اسم خاص وحكم مستقل والعد احصاؤه بمجرد تكرير امثاله من غير ان يتحصل منه شئ كذلك السنة تتحصل بعدة شهور والشهر بعدة ايام واليوم بعدة ساعات. والسنين جمع سنة وهى شمسية وقمرية فالسنة الشمسية مدة وصول الشمس الى النقطة التى فارقتها من ذلك البرج وذلك ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم والسنة القمرية اثنا عشر شهرا قمريا ومدتها ثلاثمائة واربعة وخمسون يوما وثلث يوم قالوا ان اقر العنين انه لم يصل اجله الحاكم سنة قمرية فىالصحيح وبحسب فدية الصلاة بالسنة الشمسية اخذا بالاحتياط من غير اعتبار ربع اليوم ففدية كل فرض من الحنطة خمسمائة درهم وعشرون درهما وللوتر كذلك فيكون فدية كل صلاة يوم وليلة ومن الحنطة ثلاثة آلاف درهم ومائة وعشرين درهما وفدية كل سنة شمسية مائة واثنان واربعون كيلا يكيل القسطنطينية وسبع اوقية ويكون قيمة هذا المقدار من الحنطة محسوبة بالحساب الجارى بين الناس فى كل عهد وزمان {وكل شئ} تقتقرون اليه فى المعاش والمعاد وهو منصوب بفعل يفسره قوله تعالى {فصلناه تفصيلا} اى بيناه فى القرآن بيانا بليغا لا التباس معه فازحنا عللكم وما تركنا لكم حجة علينا فليتبع العاقل ما ادركه اى لحقه علمه وليفوض ما جهله منه الى العلم. وفيه اشارة الى ان العالم اذا تدبر فى القرآن وقف على جميع المهمات وكان الصحابة رضى الله عنهم يكرهون ان يمضى يوم ولم ينظروا فى مصحف لان النظر اليه عبادة. وفيه ايضا وقوف على المرام فان التدبر يؤدى الى ظهور خفايا الكلام - حكى - ان الامام محمد بن الحسن صاحب ابى حنيفة دخل على ابى حنيفة لتعلم الفقه قال استظهرت القرآن يا بنى قال لا قال استظهر أولا فغاب سبعة ايام ثم رجع الى ابى حنيفة فقال ألم اقل لك استظهر قال استظهرت. قال الشافعى رضى الله عنه بت عنده ليلة فصليت الى الصبح واضطجع هو الى الصبح فاستنكرت ذلك منه فقام وصلى ركعتى الفجر من غير توضى فقلت له فى ذلك فقال أظننت انى نمت كلا استخرجت من كتاب الله نيفا والف مسألة فانت عملت لنفسك وانا عملت للامة او انما اضطجعت لان صفاء خاطرى فى تلك الحالة. وهذه الصورة سرّ ما قال حضرت الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر سبب اضطجاع الانبياء على ظهورهم عند نزول الوحى اليهم ان الوارد الالهى الذى هو صفة القيومية اذا جاءهم اشتغل روح الانسان عن تدبيره فلم يبق للجسم من يحفظ عليه قيامة ولا قعوده فرجع الى اصله وهو لصوقه بالارض. ثم ان فى القرآن تفصيلا لأهل العبارة واهل الاشارة: وفى المثنوى شعر : تو زقرآن اى بسر ظاهر مبين ديو آدم را نبيند غير طين ظاهر قرآن جو شخص آدميست كه نقوشش ظاهر وجانس خفيست

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {دعاءه}: مفعول مطلق. والإضافة في قوله: {آية الليل} و {آية النهار}: بيانية، أي: فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. وإذا أريد بالآيتين الشمس والقمر؛ تكون للتخصيص، أي: وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين، أو: وجعلنا الليل والنهار ذوي آيتين... الخ، و {كل شيء}: منصوب بفعل مضمر، يفسره ما بعده، وكذا: {وكل إنسان} و {يلقاه منشورًا}: صفتان لكتاب. يقول الحق جلّ جلاله: {ويدعُ الإنسانُ} على نفسه وولده وماله {بالشرِّ} عند الغضب والقنط. {دعاءَهُ بالخير}؛ مثل دعائه بالخير. وهو ذم له يدل على عدم صبره، وربما وافق وقت الإجابة فيهلك، {وكان الإِنسانُ عَجُولاً}؛ يُسارع إلى كل ما يخطر بباله، لا ينظر عاقبته. ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر، وبالدعاء استعجاله بالعذاب؛ استهزاء، كقول النضر بن الحارث: اللهم انصر خير الحزبين؛ {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الأنفال: 32] الآية. وقيل: المراد بالإنسان: آدم عليه السلام، فإنه لما انتهى الروح إلى سُرَّته ذهب ليقوم، فسقط، وهو بعيد. فإذا نزلت بالإنسان قهرية فلا يقنط ولا يستعجل، فإنَّ وقت الفرج محدود، فالليل والنهار مطيتان، يُقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود. ولذا قال تعالى إثره: {وجعلنا الليلَ والنهارَ آيتين} دالتين على كمال قدرتنا، وباهر حكمتنا، يتعاقبان على الإنسان، يُقربان له كل بعيد، ويأتيان له بكل موعود. {فمحونا آيةَ الليل} أي: فمحونا الآية التي هي الليل؛ بأن جعلناها مظلمة، لتسكنوا فيه، {وجعلنا آية النهار مُبصرةً} أي: مضيئة مشرقة لتبتغوا؛ من فضله، أو: وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، وهما: الشمس والقمر، {فمحونا آية الليل}، وهو القمر؛ بأن جعلناه أطلس، لا نور فيه من ذاته، بل نوره مستمد من نور الشمس، {وجعلنا آية النهار}، وهي الشمس {مبصرةً} للناس، أو مبصرًا فيها بالضوء الذاتي، {لتبتغوا فضلاً من ربكم}؛ لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم، {ولتعلموا }؛ باختلافهما وبحركتهما، {عددَ السنينَ والحسابَ}؛ وحساب الأوقات من الأشهر والأيام، في معاملتكم وتصرفاتكم، {وكلَّ شيء} تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا {فصَّلناه تفصيلاً}؛ بيَّناه تبيينًا لا لبس فيه، أو: وكل شيء يظهر في الوجود، فصّلناه وقدّرناه في اللوح المحفوظ تفصيلاً، فلا يظهر في عالم الشهادة إلا ما فُصل في عالم الغيب. {وكل إِنسانٍ ألزمناه طائره} أي: حظه وما قُدر له من خير وشر، فهو لازم {في عُنقه}؛ لا ينفك عنه. ويقال لكل ما لزم الإنسان: قد لزم عنقه. وإنما قيل للحظ المقدر في الأزل من الخير والشر: طائر؛ لقول العرب: جرى لفلان الطائر بكذا من الخير والشر، على طريق الفأل والطيرة، فخاطبهم الله بما يستعملون، وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر هو ملزم لأعناقهم، لا محيد لهم عنه، كالسلسلة اللازمة للعنق، يُجر بها إلى ما يُراد منه. ومثله: {أية : أَلآۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّه} تفسير : [الأعرَاف: 131]، وقال مجاهد: "ما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة، مكتوب فيها شقي أو سعيد". أو: وكل إنسان ألزمناه عمله؛ يحمله في عنقه، {ونُخرج له يوم القيامة كتابًا} مكتوب فيه عمله، وهو صحيفته. {يلقاه منشورًا}، ويقال له: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليومَ عليك حسيبًا}؛ محاسبًا، لا تحاسبك إلا نفسك، أو: رقيبًا وشهيدًا علىعملك، أو: لا يَعُد عليك أعمالك إلا نفسك. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للإنسان أن يكون داعيًا بلسانه، مفوضًا لله في قلبه، لا يعقد على شيء من الحظوظ والمآرب، فقد يدعو بالخير في زعمه، وهو شر في نفس الأمر في حقه، وقد يدعو بالشر وهو خير. وقد تأْتيه المضار من حيث يرتقب المسار، وقد تأتيه المسار من حيث يخاف الضرر؛ {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. فالتأني والسكون من علامة العقل، والشَّرَّةُ والعَجَلَة من علامة الحمق. فما كان من قسمتك لا بدّ يأتيك في وقته المقدر له، وما ليس من قسمتك لا يأتيك، ولو حرصت كل الحرص. فكل شيء سبق تفصيله وتقديره، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه.

الطوسي

تفسير : قيل في معنى قوله {ويدع الإنسان} قولان: احدهما - ما ذكره ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد انه يدعو على نفسه وولده عند غضبه، فيقول: اللهم العنه واغضب عليه وما اشبهه، فيمنعه الله، ولو اعطاه لشقّ عليه. والثاني - قال قوم: انه يطلب ما هو شرّ له لتعجيل الانتفاع به مثل دعائه بما هو خير له، ويقوي ذلك قوله {وكان الإنسان عجولاً} ومعنى قوله {وكان الإنسان عجولاً} قال مجاهد: لأنه يعجل بالدعاء بما لا يجوز. وقال ابن عباس: على طبع آدم لما نفخ فيه الروح فبلغت إِلى رجليه، قبل ان تجري فيهما، رام النهوض. والعجلة طلب الشيء قبل وقته الذي لا يجوز تقديمه عليه او ليس بأولى فيه والسرعة عمل الشيء في أول وقته الذي هو أولى به. ثم أخبر أنه تعالى جعل {الليل والنهار آيتين} يريد الشمس والقمر في هذا الموضع - عند قوم - وقال الجبائي: هما الليل والنهار، وهو الظاهر، وهما دليلان على توحيد الله، لأن احداً لا يقدر على الاتيان بالنهار، ولا على اذهابه والاتيان بالليل، وانما يقدر عليه القادر لنفسه الذي لا يتعذر عليه شيء. ثم اخبر انه جعل احدى الآيتين ممحوة وهي الليل اي لا تبصر فيها المرئيات كما لا يبصر ما يمحى من الكتاب، وهو من البلاغة العظيمة. وقال ابن عباس: محو آية الليل السواد الذي في القمر، وروي عن علي (ع) أَنه اللطخة التي في القمر. وقوله {وجعلنا آيه النهار مبصرة} قيل في معناه قولان: أحدهما - مضيئه للابصار. الثاني - جعلنا أَهله بصراء فيه كما يقال: رجل مخبث أَي أهله خبثاء ورجل مضعف أَي أَهله ضعفاء، فكذلك النهار مبصراً أَي أَصحابه بصراء. ثم بين الغرض بذلك، وانما جعله كذلك {لتبتغوا فضلاً} أَي تطلبوا فضلا من ربكم {ولتعلموا عدد السنين والحساب} في مواقيتكم ومعاملاتكم ومعرفة سنينكم وغير ذلك، فيكثر بذلك انتفاعكم {وكل شيء فصلناه تفصيلاً} أَي ميزنا كل شيء، تمييزاً ظاهراً بيناً لا يلتبس، وبيناه بياناً لا يخفى.

الجنابذي

تفسير : {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ} يدعو بما هو شرّ فى نفسه وهو لا يعلم انّه شرّ نحو دعائه بما هو خير وهو يعلم انّه خير، والدّعاء بما لا يعلم انّه خير له ومرضّى للحقّ مذموم، ورسم خطّ القرآن على اسقاط الواو من يدع فى الكتابة اشارة الى نقصان دعاء الانسان هذا الدّعاء {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} يدعو بما لا يعلم من غير صبرٍ وتروٍّ.

اطفيش

تفسير : {وَيَدْعُ} بحذف الواو فى خط المصحف كما حذفت فى النطق للساكن بعدها وهو اللام وحركت اللام بالكسر نقلا من همزة إِنسان إذ لم يعتد بالعارض والضم مقدر على تلك الواو المحذوفة، {الإِنسَانُ} جنس الإِنسان، {بِالشَّرِّ} على نفسه أو أهله أو ماله عند غضبه وضجره يقول اللهم العنى اللهم أهلكنى ونحو ذلك ولو أجاب الله الرحمن الرحيم دعاءه لأهلكه أو فعل ما دعى به لكنه بفضله وكرمه يصفح لا يجيب دعاء المستعجل الضجر، قال الله سبحانه: {أية : ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إِليهم أجلهم} تفسير : ويحتمل أن يكون المراد أنهُ يدعو بما يحسبه خيراً وهو شر. وعن ابن عباس أن الإِنسان هو النضر بن الحارث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك - الآية. فأجيب دعاؤه فضربت عنقه صبرا وقيل جنس الكافر المستهزئ المستعجل بالعذاب كالنضر، {دُعَاءَهُ باِلْخَيْرِ} أى دعاءه مثل دعائه لنفسه بالخير أو لأَهله أو ماله والمراد أنه يدعو بالشر بدلا من دعائه الخير وكان ينبغى أن يدعو بالخير، {وَكَانَ الإِنسَانُ} جنس الإِنسان، {عَجُولاً} يسارع إِلى طلب ما يخطر بباله لا ينظر فى العاقبة لعلها شر. روى حديث : أنه - صلى الله عليه وسلم - دفع إِلى سودة بنت زمعة أسيراً - فبات يئن، فقالت: مالك؟ فشكى ألم الكتاف، فأَوسعت له فيه، فلما نامت أخرج يده وهرب، فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا به، فقيل له إن سودة أوسعت له فهرب، فقال: اللهم اقطع يديها فرفعت يديها تتوقع الإِجابة، فقال - صلى الله عليه وسلم - إنى سأَلت الله أن يجعل لعنتى ودعائى على من لا يستحق من أهلى رحمة لأَنى بشر أغضب كما يغضب البشر فلترد سودة يديها، فنزلت الآيةتفسير : ، وقيل المراد بالإِنسان الثانى آدم لما انتهى الروح إِلى سرته ذهب لينهض فسقط. وعن ابن عباس وسلمان أنه لما نفخ فيه الروح ووصل أنفه وبصره من رأسه عطس وأبصر ولما سار الروح إِلى أسفل أعجبته نفسه فذهب ليمشى قبل أن يصل ساقيه فلم يقدر فأنتم ذوو عجلة موروثة من أبيكم.

اطفيش

تفسير : {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ} المراد الجنس لا مخصوص معهود، وحذف الواو من يدعو بياناً للأصل فى أن شأن ما حذف لفظاً أن يحذف خطًّا، ولم يكثر ذلك، بل جاء فى مواضع وحذف لفظاً لسكون حكماً، ولو كسرت بحركة النقل، وذلك من عدم الاعتداد بالعارض. {بِالشّرِّ} على نفسه وأهله، إِذا ضجر أو عضب، لقلق أو هم كالموت والفقر. {دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ} مثل دعائه بالخير على نفسه أو أهله فى الإِلحاح والحرص، وطيب نفس، وقد يلتحق بذلك أن يلح فى شئ أو عدمه، قبل التأمل فى عاقبته بلا غضب ولا ضجر، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وذكر بعض العلماء أنه لا يستجاب للإنسان فى الدعاء بالشر على نفسه أو أهله، ويرده قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لئلا توافقوا من الله تعالى ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم ". تفسير : والمراد بالخير فى نفس الأمر، وفى الشرع فيحسن مقابلته بالشر وذلك دعاء باللسان، ويبعد تفسير الدعاء بفعل السوء المفضى إِلى الشر إذ هو خلاف الظاهر، ولا دليل عليه، ولو صح المعنى وكذا لا يفسر الدعاء به، وبالدعاء باللسان جميعًا إذ لا دليل عليه، ويجوز أن تكون الباء بمعنى فى أن يدعو فى وقت الشر، كما يدعو فى وقت الخير، أو سببية، بمعنى يدعو بسبب شر أصابه، أو متعلقاته، لأن المقام زجر كما قال. {وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} المراد الجنس المذكور أيضاً يسارع إلى ما يخطر بباله فلا ينظر فى العاقبة، ولا يعزى أحد من عجلة لو تركها لكان أصلح له فى الدين أو الدنيا أو فيهما، وأظهر الإنسان فى مقام الإضمار له لزيادة البيان والمقام، للتعليل، وقيل المراد بالإنسان الأخير آدم وأل للعهد الذهنى، ولا دليل لهذا، بل الدليل على خلافه، لأن الجملة كالتعليل لما قبله، لكن أظهر الإنسان تأكيداً، وعلى أنه آدم يكون زوجه اتصاله بما قبله الإيماء إلى أن العجلة بالدعاء بالشر موروثة من عجلة آدم، ولا شر فيها لما بلغت الروح إلى سرته أو صدره عالج النهوض، فسقط، ويقال: لما بلغت الروح سرته، وقد نظر إلى ثمار الجنة نهض ليأكل. وقال ابن مسعود: لما بلغت عينيه نظر إلى ثمار الجنة، ولما بلغت جوفه اشتهى أكلها، فوثب إليها فسقط، وعن سليمان: خلق الله الحياة فى رأسه أولا ثم فى جسده شيئاً فشيئاً، وبقيت رجلاه بعد العصر فقال: يا رب أعجل لى قبل الليل، فذلك قوله تعالى: {وكان الإِنسان عجولاً}. قلت: وعرف الليل باسمه تعليماً من الله عز وجل، أو بزمانه من حيث إنه رأى الشمس تذهب وقد دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيراً إلى سودة بنت زمعة فأرخت له بعض كتافه رحمة لا ينته، فهرب فدعا عليها بقطع يدها، ثم ندم، فقال: اللهم إِنى بشر، فمن دعوت عليه فاجعل دعائى رحمة له، فنزلت عليه صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {ويدع الإنسان بالشرِّ دُعاءَه بالخيرْ وكانَ الإنسانُ عجولا}". حديث : وروى أنه صلى الله عليه وسلم أتى عائشة بأسير وأمرها أن تحتفظ عليه فاشتغلت مع امرأة فذهب، فسأل عنه فقالت لا أدرى، فقال: قطع الله يدك، فخرج فصاح به فوجده، فرجع فوجدها تقل يدها، فقال: مالك؟ قالت أنتظر دعوتك فرفع يديه فقال: اللهم إنما أنا بشر آسف وأغضب فأى مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه بشر فاجعل دعائى له بركة وطهراً" تفسير : ونزلت الآية، وذلك على العموم بحيث يصدق عليه صلى الله عليه وسلم، فيكون قد لوح له أن يقول: اللهم اهدها مكان اللهم اقطع يدها، وبعد أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد الدعاء بسوء، بل أراد كما تقول العرب: لك الويل، وتربت يداك، ولا يقصدون شراًّ. وأجيز أَن يراد مثل من يقول: فأْتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، ومثل النضر بن الحارث القائل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الخ، فأجيب له فقتل فى بدر مقبوضاً، فيه رد لما مر أنه لا يجاب للداعى بالشر على نفسه، ويجاب أنه أراد النضر - لعنه الله - بالدعاء الإهلاك فى حينه، ولم يهلك فى حينه، وأيضا أراد الإهلاك بالله لا بواسطة مخلوق، وأيضا لعله أراد بالدعاء التهكم بأن المؤمنين ليسوا على الحق لا الدعاء الحقيقى وأل على ذلك أيضا للعهد.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرّ} قال شيخ الإسلام «بيان لحال المهدي إثر بيان حال الهادي وإظهار لما بينهما من التباين» والمراد بالإنسان الجنس أسند إليه حال بعض أفراده وهو الكافر، وإليه يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو حكى عنه حاله في بعض أحيانه كما يقتضيه ما روي عن الحسن ومجاهد فالمعنى على الأول أن القرآن يدعو الإنسان إلى الخير الذي لا خير فوقه من الأجر الكبير ويحذره من الشر الذي لا شر وراءه من العذاب الأليم وهو أي بعض أفراده أعني الكافر يدعو لنفسه بما هو الشر من العذاب المذكور إما بلسانه حقيقة كدأب من قال منهم: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32] ومن قال: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} تفسير : [الأعراف: 70] إلى غير ذلك مما حكى عنهم، وإما بأعمالهم السيئة المفضية إليه الموجبة له مجازاً كما هو ديدن كلهم. وبعضهم جعل الدعاء باللسان مجازاً أيضاً عن الاستعجال استهزاء. {دُعَاءهُ} أي دعاء كدعائه فحذف الموصوف وحرف التشبيه وانتصب المجرور على المصدرية وهو مراد من قال: مثل دعائه {بِٱلْخَيْرِ} المذكور فرضاً لا تحقيقاً فإنه بمعزل عن الدعاء به، وفيه رمز إلى أنه اللائق بحاله. {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ} أي من أسند إليه الدعاء المذكور من أفراده {عَجُولاً} يسارع إلى طلب كل ما يخطر بباله متعامياً عن ضرره أو مبالغاً في العجلة يستعجل الشر والعذاب وهو آتيه لا محالة ففيه نوع تهكم به، وعلى تقدير حمل الدعاء على أعمالهم تجعل العجولية على اللج والتمادي في استيجاب العذاب بتلك الأعمال، والمعنى على الثاني أن القرآن يدعو الإنسان إلى ما هو خير وهو في بعض أحيانه كما عند الغضب يدعه ويدعو الله تعالى لنفسه وأهله وماله بما هو شر وكان الإنسان بحسب جبلته عجولاً ضجراً لا يتأنى إلى أن يزول عنه ما يعتريه. أخرج الواقدي في «المغازي» حديث : عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «أن النبـي صلى الله عليه وسلم دخل عليها بأسير وقال لها: احتفظي به / قالت: فلهوت مع امرأة فخرج ولم أشعر فدخل النبـي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه فقلت: والله لا أدري وغفلت عنه فخرج فقال: قطع الله يدك ثم خرج عليه الصلاة والسلام فصاح به فخرجوا في طلبه حتى وجدوه ثم دخل علي فرآني وأنا أقلب يدي فقال: ما لك؟ قلت: انتظر دعوتك فرفع يديه وقال: اللهم إنما أنا بشر آسف وأغضب كما يغضب البشر فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوتك عليه بدعوة فاجعلها له زكاة وطهراً» تفسير : أو يدعو بما هو شر ويحسبه خيراً وكان الإنسان عجولاً غير مستبصر لا يتدبر في أموره حق التدبر ليتحقق ما هو خير حقيق بالدعاء به وهو شر جدير بالاستعاذة منه اهـ مع بعض زيادة وتغيير. واختار إرادة الكافر من الإنسان الأول بعض المحققين وذكر في وجه ربط الآيات أنه تعالى لما شرح ما خص به نبيه صلى الله عليه وسلم من الإسراء وإيتاء موسى عليه السلام التوراة وما فعله بالعصاة المتمردين من تسليط البلاء عليهم كان ذلك تنبيهاً على أن طاعة الله تعالى توجب كل خير وكرامة ومعصيته سبحانه توجب كل بلية وغرامة لا جرم قال: {أية : إِنَّ هَـٰذَا القرآن يهدى} تفسير : [الإسراء: 9] الخ ثم عطف عليه {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ} تفسير : [الإسراء: 12] الخ بجامع دليل العقل والسمع أو نعمتي الدين والدنيا، وأما اتصال قوله تعالى: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ} الخ فهو أنه سبحانه لما وصف القرآن حتى بلغ به الدرجة القصوى في الهداية أتى بذكر من أفرط في كفران هذه النعمة العظمىٰ قائلاً {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [الأنفال: 32] الخ. ومثل هذا ما قيل إنه تعالى بعد أن وصف القرآن بما وصف ذم قريشاً بعدم سؤالهم الهداية به وطلبهم إنزال الحجارة عليهم أو إيتاء العذاب الأليم إن كان حقاً، وفي «الكشف» أن قوله تعالى: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ} الخ بيان أن القرآن يهديهم للتي هي أقوم ويأبون إلا التي هي ألوم وهو وجه للربط مطلقاً وكل ما ذكروه في ذلك متقارب. ويرد على حمل الدعاء على الدعاء بالأعمال والعجولية على اللج والتمادي في استيجاب العذاب بتلك الأعمال خلاف المتبادر كما لا يخفى. وفسر بعضهم الإنسان الثاني بآدم عليه السلام لما أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن سلمان الفارسي قال: أول ما خلق الله تعالى من آدم عليه السلام رأسه فجعل ينظر وهو يخلق وبقيت رجلاه، فلما كان بعد العصر قال: يا رب أعجل قبل الليل فذلك قوله تعالى: {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً}، وروي نحوه عن مجاهد وروى القرطبـي والعهدة عليه أنه لما وصلت الروح لعينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخلت جوفه اشتهاها فوثب عجلاً إليها فسقط، ووجه ارتباط {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ} الخ على هذا القول إفادته أن عجلته بالدعاء لضجره أو لعدم تأمله من شأنه وأنه موروث له من أصله وشنشنة يعرفها من أخزم فهو اعتراض تذييلي وكلام تعليلي والأولى إرادة الجنس وإن كان ألفاظ الآية لا تنبو عن إرادة آدم عليه السلام كما زعم أبو حيان ثم أن الباء في الموضعين على ظاهرها صلة الدعاء، وقيل: إنها بمعنى في والمعنى يدعو في حالة الشر والضر كما كان يدعو في حالة الخير فالمدعو به ليس الشر والخير، وقيل: إنها للسببية أي يدعو بسبب ذلك وكلا القولين مخالفين للظاهر لا يعول عليهما. واستدل بالآية على بعض الاحتمالات على المنع من دعاء الرجل على نفسه أو على ماله أو على أهله وقد جاء النهي عن ذلك صريحاً في بعض الأخبار. فقد أخرج أبو داود والبزار عن جابر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : لا تدعو على أنفسكم لا تدعوا على أولادكم لا تدعو على أموالكم لئلا توافقوا من الله تعالى ساعة فيها إجابة / فيستجيب لكم»تفسير : وبه يرد على ما قيل من أن الدعاء بذلك لا يستجاب فضلاً من الله تعالى وكرماً. واستشكل بأن النبـي صلى الله عليه وسلم دعا على أهله كما سمعت في حديث الواقدي، وأجيب عن ذلك بأنه كان للزجر وإن كان وقت الغضب وقد اشترط صلى الله عليه وسلم على ربه سبحانه في مثل ذلك أن يكون رحمة فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : إني اشترطت على ربـي فقلت إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طوراً وزكاة وقربة» تفسير : وذكر النووي في جواب ما يقال: «إن ظاهر الحديث أن الدعاء ونحوه كان بسبب الغضب ما قال المازري من أنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن دعاءه وسبه ونحوهما كان مما يخير فيه بين أمرين أحدهما هذا الذي فعله والثاني زجره بأمر آخر فحمله الغضب لله تعالى على أحد الأمرين المخير فيهما وليس ذلك خارجاً عن حكم الشرع، والمراد من قوله عليه الصلاة والسلام «ليس لها بأهل» ليس لها بأهل عند الله تعالى وفي باطن الأمر ولكنه في الظاهر مستوجب لذلك، وقد يستدل على ذلك بأمارات شرعية وهو مأمور صلى الله عليه وسلم بالحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر، وقيل: إن ما وقع منه عليه الصلاة والسلام من الدعاء ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كتربت يمينك وعقري حلقي لكن خاف صلى الله عليه وسلم أن يصادف شيء من ذلك إجابة فسأل ربه سبحانه وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك زكاة وقربة»، نعم في ذكر حديث الواقدي ونحوه كالحديث الذي ذكره البيضاوي في المقام الذي ذكر فيه لا يخلو عن شيء فتأمل. ثم إن القياس إثبات الواو في {يَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ} إذ لا جازم تحذف له لكن نقل القرآن العظيم كما سمع ولم يتصرف فيه الناقل بمقدار فهمه وقوة عقله.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الآية هنا غامض، وانتزاع المعنى من نظمها وألفاظها أيضاً، ولم يأت فيها المفسرون بما ينثلج له الصدر. والذي يظهر لي أن الآية التي قبلها لما اشتملت على بشارة وإنذار وكان المنذرون إذا سمعوا الوعيد والإنذار يستهزئون به ويقولون: {أية : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}تفسير : [يس: 48] عُطف هذا الكلام على ما سبق تنبيهاً على أن لذلك الوعد أجلاً مسمى. فالمراد بالإنسان الإنسان الذي لا يؤمن بالآخرة كما هو في قوله تعالى: {أية : ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً}تفسير : [مريم: 66] و {أية : أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً}تفسير : [مريم: 67] وإطلاق الإنسان على الكافر كثير في القرآن. وفعل {يدعو} مستعمل في معنى يطلب ويبتغي، كقول لبيد: شعر : ادْعُو بهن لعَاقر أو مُطْفِل بُذِلَت لجيران الجميع لِحَامُها تفسير : وقوله: {دعاءه بالخير} مصدر يفيد تشبيهاً، أي يستعجل الشر كاستعجاله الخير، يعني يستبطىء حلول الوعيد كما يستبطىء أحد تأخر خير وعد به. وقوله: {وكان الإنسان عجولاً} تذييل، فالإنسان هنا مراد به الجنس لأنه المناسب للتذييل، أي وما هؤلاء الكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة إلا من نوع الإنسان، وفي نوع الإنسان الاستعجال فإن (كان) تدل على أن اسمها متصف بخبرها اتصافاً متمكناً كقوله تعالى: {أية : وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً}تفسير : [الكهف: 54]. والمقصود من قوله: {وكان الإنسان عجولاً} الكناية عن عدم تبصره وأن الله أعلم بمقتضى الحكمة في توقيت الأشياء {أية : ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم}تفسير : [يونس: 11]، ولكنه دَرّج لهم وصول الخير والشر لطفاً بهم في الحالين. والباء في قوله: {بالشر وبالخير} لتأكيد لصوق العامل بمعموله كالتي في قوله تعالى: {أية : وامسحوا برؤوسكم}تفسير : [المائدة: 6]؛ أو لتضمين مادة الدعاء معنى الاستعجال، فيكون كقوله تعالى: {أية : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها}تفسير : [الشورى: 18]. وعجول: صيغة مبالغة في عاجل. يقال: عجل فهو عاجل وعجول. وكتب في المصحف {ويدع} بدون واو بعد العين إجراء لرسم الكلمة على حالة النطق بها في الوصل كما كتب { أية : سَنْدُع الزبانية }تفسير : [العلق: 18] ونظائرها. قال الفراء: لو كتبت بالواو لكان صواباً.

الشنقيطي

تفسير : في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير للعلماء. وأحدهما يشهد له قرآن. وهو أن معنى الآية {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ} كأن يدعو على نفسه أو ولده بالهلاك عند الضجر من أمر. فيقول اللهم أهلكني، أو أهلك ولدي. فيدعو بالشر دعاء لا يحب أن يستجاب له. وقوله {دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ} أي يدعو بالشر كما يدعو بالخير فيقول عند الضجر: اللهم أهلك ولدي كما يقول في غير وقت الضجر: اللهُم عافه، ونحو ذلك من الدعاء. ولو استجاب الله دعاءه بالشر لهلك. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}تفسير : [يونس:11] أي لو عجّل لهم الإجابة بالشر كما يعجل لهم الإجابة بالخير لقضي إليهم أجلهم أي لهلكوا وماتوا. فالاستعجال بمعنى التعجيل. ويدخل في دعاء الإنسان بالشر قول النضر بن الحارث العبدري: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال:32]. وممن فسر الآية الكريمة بما ذكرنا: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وهو أصح التفسيرين لدلالة آية يونس عليه. الوجه الثاني في تفسير الآية - أن الإنسان كما يدعو بالخير فيسأل الله الجنة، والسلامة من النار، ومن عذاب القبر، كذلك قد يدعو بالشر فيسأل الله أن ييسر له الزنى بمعشوقته، أو قتل مسلم هو عدو له ونحو ذلك. ومن هذا القبيل قول ابن جامع:- شعر : أطوف بالبيت فيمن يطوف وأرفع من مئزري المسبل وأسجد بالليل حتى الصباح وأتلو من المحكم المنزل عسى فارج الهم عن يوسف يسخر لي ربة المحمل

الواحدي

تفسير : {ويدعو الإِنسان...} الآية. ربَّما يدعو الإنسان على نفسه عند الغضب والضَّجر، وعلى ولده وأهله بما لا يحبُّ أن يستجاب له، كما يدعو لنفسه بالخير {وكان الإِنسان عجولاً} يعجل في الدُّعاء بالشَّرِّ كعجلته في الدُّعاء بالخير.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِنْسَانُ} (11) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ عَجَلَةِ الإِنْسَانِ، وَدُعَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ بِالشَّرِّ حِينَ الغَضَبِ، كَمَا يُسَارِعُ إِلَى الدُّعَاءِ فِي الخَيْرِ، فَلَوِ اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ لأَهْلَكَهُ وَأَهْلَكَ أَهْلَهُ. وَالَّذِي يَحْمِلُ الإِنْسَانَ عَلَى ذلِكَ هُوَ قَلَقُهُ، وَعَجَلَتُهُ، وَقِلَّةُ صَبْرِهِ. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنَى: أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ طَلَباً لِشَيءٍ يُعْتَقَدُ أَنَّ فِيهِ خَيْرَهُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبَ بَلاَئِهِ وَشَرِّهِ لِجَهْلِهِ بِحَالِهِ، وَهُوَ إِنَّمَا يُقْدِمُ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِ عَجُولاً مُغْتَرّاً بِظَوَاهِرِ الأُمُورِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (يَدْعُ) الدعاء: طلَب ما تعجز عنه من قادر عليه. وأهل النحو يقولون. إن الفعل: ماضٍ ومضارع وأمر. فالأمر: طَلَبٌ من الأعلى إلى الأدنى، فكلّ طلب من الله لخلْقه فهو أمر، أو من الأعلى من البشر للأدنى. أما إنْ كان الطلب من مُسَاوٍ لك فهو التماس أو رجاء. فإنْ كان الطلب من الأدنى للأعلى، كطلب العبد من ربه فهو دعاء. لذلك نجد التدقيق في الإعراب يحفظ لله تعالى مكانته ويُعظّمه، فنقول للطالب: أعرب: رب اغفر لي، فيقول: اغفر، فِعْل دالّ على الدعاء، لأنه لا يجوز في حَقِّ الموْلَى تبارك وتعالى أن نقول: فعل أمر، فالله لا يأمره أحد. فأوَّل ما يُفهم من الدعاء أنه دَلَّ على صفة العجز والضعف في العبد، وأنه قد اندكتْ فيه ثورة الغرور، فعَلِم أنه لا يقدر على هذا إلا الله فتوجه إليه بالدعاء. (بِالشَّرِّ) بالمكروه، والإنسان لا يدعو على نفسه، أو على ولده، أو على ماله بالشر إلا في حالة الحنَق والغضب وضيق الأخلاق، الذي يُخرِج الإنسان عن طبيعته، ويُفقِده التمييز، فيتسرّع في الدعاء بالشر، ويتمنى أن يُنّفذ الله له مَا دعا به. ومن رحمة الله تعالى بعباده ألاَّ يستجيب لهم هذا الدعاء الذي إنْ دلَّ فإنما يدلّ على حُمْق وغباء في العبد. وكثيراً ما نسمع أماً تدعو على ولدها بما لو استجاب الله له لكانت قاصمة الظهر لها، أو نسمع أباً يدعو على ولده أو على ماله، إذن: فمن رحمة الله بنا أنْ يفوت لنا هذا الحمق، ولا يُنفّذ لنا ما تعجّلناه من دُعاءٍ بالشر. قال تعالى: {أية : وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}تفسير : [يونس: 11]. أي: لو استجاب الله لهم في دعائهم بالشر لكانت نهايتهم. وإن كنت تُُسَرّ وتسعد بأن ربك سبحانه وتعالى فوّتَ لك دعوة بالشر فلم يَسْتجب لها، وأن لعدم استجابته سبحانه حكمةً بالغةً. فاعلم أن لله حكمة أيضاً حينما لا يستجيب لك في دعوة الخير، فلا تقُلْ: دعوتُ فلم يستجِبْ لي، واعلم أن لله حكمة في أن يمنعك خيراً تُريده، ولعله لو أعطاك هذا الخير لكان وبالاً عليك. إذن: عليك أن تقيسَ الأمريْن بمقياس واحد، وترضى بأمر الله في دعائك بالخير، كما رضيت بأمره حين صرف عنك دعاء الشر، ولم يستجب لك فيه. فكما أن له سبحانه حكمة في الأولى، فلَه حكمة في الثانية. وقد دعا الكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم، فقالوا:{أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ..}تفسير : [الأنفال: 32]. وقالوا: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً ..}تفسير : [الإسراء: 92]. ولو استجاب الله لهم هذا الدعاء لَقَضى عليهم، وقطع دابرهم، لكن لله تعالى حكمة في تفويت هذا الدعاء لهؤلاء الحَمْقى، وها هم الكفار باقون حتى اليوم، وإلى أن تقوم الساعة. وكان المنتظر منهم أن يقولوا: اللهم إنْ كان هذا هو الحقّ من عندك فاهْدنا إليه، لكن المسألة عندهم ليست مسألة كفر وإيمان، بل مسألة كراهية لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولما جاء به، بدليل أنهم قَبلوا الموت في سبيل الكفر وعدم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ومن طبيعة الإنسان العجلة والتسرُّع، كما قال تعالى:{أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءَايَٰتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ}تفسير : [الأنبياء: 37]. فكثيراً ما يدعو الإنسان بالخير لنفسه أو بما يراه خيراً، فلا يجد وراءه إلا الشر والتعب والشقاء، وفي المقابل قد يُنزل الله بك ما تظنه شراً، ويسوق الله لك الخير من خلاله. إذن: أنت لا تعلم وَجْه الخير على حقيقته، فدع الأمر لربك عز وجل، واجعل حظك من دعائك لا أنْ تُجابَ إلى ما دعوت، ولكن أن تظهر ضراعة عبوديتك لِعزّة ربك سبحانه وتعالى. ومعنى: {دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ ..} [الإسراء: 11]. أي: أن الإنسان يدعو بالشر في إلحاح، وكأنه يدعو بخير. ثم يقول الحق سبحانه: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وفي قوله: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ} [الإسراء: 11] إشارة إلى أن من خصوصية الإنسان طلب الدنيا والتلذذ بشهواتها والتفاخر بمالها وجاهها والتمتع بها، وأنه يحب العاجلة ويذر الآجلة، ولهذا قال الله تعالى في وصفه: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} [الإسراء: 11] وهذا كله شر له وهو عجب أنه خير له وهو ملتمس بالدعاء الشر كما يلتمس أهل الوفاء الخير. ثم قال: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ} [الإسراء: 12] أي: ليل البشرية وآياتها قمر القلب، ونهار الروحانية وآياتها شمس شهود الحق وهما يدلان على الوصول {فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ} [الإسراء: 12] أي: ضوء الروح عن قمر القلب فبقي فيه نور العقل. {وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12] المعنى أن نور القلب وهو العقل يهدي إلى الشرع، وهو شمس شهود الحق، وإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح فإنها مظهرة للحق ومبصرة لها {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [الإسراء: 12] تجلي ذاته وصفاته تبارك وتعالى، وقد اختص الإنسان به دون سائر المخلوقات ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ} [الإسراء: 12] أي: أيام الطلب وامتدادها عند قطع المنازل {وَٱلْحِسَابَ} [الإسراء: 12] أي: حساب الترقي من مقام إلى مقام {وَكُلَّ شَيْءٍ} [الإسراء: 12] يحتاج إليه السالك {فَصَّلْنَاهُ} [الإسراء: 12] بيناه بالإشارات {تَفْصِيلاً} [الإسراء: 12] تبيناً يبلغ الطالب إلى المطلوب والمحب إلى المحبوب. ثم أخبر عما قدر للإنسان من الإحسان والخذلان بقوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13] يشير إلى ما طار لكل إنسان في الأزل وتعد بالحكمة الأزلية والإرادة القديمة من السعادة والشقاوة ويجري عليه من الأحكام المقدرة، والأحوال التي جرى بها العلم من الخلق والرزق والأجل، ومن صغائر الأعمال وكبائرها المكتوبة له، وهو بعد في العدم وطائره ينتظر وجوده، فلما أخرج كل إنسان من العدم إلى الوجود وقع طائره في عنقه ملازماً له في حياته ومماته حتى يخرج من قبره يوم القيامة وهو في عنقه، وذلك قوله: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} [الإسراء: 13] أي: ينشر بعدما كان منطوياً، ثم إن كان من أصحاب اليمين أوتي كتابه بيمينه، وإن كان من أصحاب الشمال أوتي كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، ويجوز أن يكون هذا الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها نسخة نسخها الكرام الكاتبون بقلم أعماله في صحيفة أنفاسه من الكتاب الطائر في عنقه، ولهذا يقال: {ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ} [الإسراء: 14] أي: كتابك الذي كتبته. {كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء: 14] فإن نفسك مرقومة بقلم أعمالك إما برقوم السعادة أو برقوم الشقاوة {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ} [الإسراء: 15] إلى الأعمال الصالحات {فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ} [الإسراء: 15] فيرقمها برقم السعادة {وَمَن ضَلَّ} [الإسراء: 15] عنها بالأعمال الفاسدة {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الإسراء: 15] فيرقمها برقوم الشقاوة {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [الإسراء: 15] أي: لا يرقم راقم بقلم أوزاره نفس غيره برقوم الشقاوة. وبقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] يشير إلى أن الأعمال الصالحة والفاسدة التي ترقم النفس برقوم السعادة والشقاوة لا يكون لها أثر إلا بقبول دعوة الأنبياء أو بردها، فإن السعادة والشقاوة مودعة في أوامر الشريعة ونواهيها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا من جهل الإنسان وعجلته حيث يدعو على نفسه وأولاده وماله بالشر عند الغضب ويبادر بذلك الدعاء كما يبادر بالدعاء في الخير، ولكن الله - بلطفه - يستجيب له في الخير ولا يستجيب له بالشر. {أية : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ }.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 502 : 4 : 34 - سفين في قوله {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} قال، دعآءه على نفسه، إذا غضب. [الآية 11].

همام الصنعاني

تفسير : 1543- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ}: [الآية: 11]، قال: يدع علكى نفسه، بما لو استجيب له هلك، أو على خادمه أو على ماله.