١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في تقرير النظم وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من نعم الدين وهو القرآن أتبعه ببيان ما أوصل إليهم من نعم الدنيا فقال: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءايَتَيْنِ } وكما أن القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه، فكذلك الدهر مركب من النهار والليل. فالمحكم كالنهار، والمتشابه كالليل، وكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه، فكذلك الوقت والزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بالنهار والليل. والوجه الثاني: في تقرير النظم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وذلك الأقوم ليس إلا ذكر الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة، لا جرم أردفه بذكر دلائل التوحيد، وهو عجائب العالم العلوي والسفلي. الوجه الثالث: أنه لما وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة، بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك، وهو الانتقال من النور إلى الظلمة وبالضد، وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصان وبالضد، والله أعلم. المسألة الثانية: في قوله: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءايَتَيْنِ } قولان: القول الأول: أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار. والمعنى: أنه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا. أما في الدين: فلأن كل واحد منهما مضاد للآخر مغاير له، مع كونهما متعاقبين على الدوام، من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين لذاتهما، بل لا بد لهما من فاعل يدبرهما ويقدرهما بالمقادير المخصوصة، وأما في الدنيا: فلأن مصالح الدنيا لا تتم إلا بالليل والنهار، فلولا الليل لما حصل السكون والراحة، ولولا النهار لما حصل الكسب والتصرف في وجوه المعاش. ثم قال تعالى: {فَمَحَوْنَا ءايَةَ الليل } وعلى هذا القول: تكون الإضافة في آية الليل والنهار للتبيين، والتقدير: فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي نفس النهار مبصرة، ونظيره قولنا: نفس الشيء وذاته، فكذلك آية الليل هي نفس الليل. ويقال أيضاً: دخلت بلاد خراسان أي دخلت البلاد التي هي خراسان، فكذلك ههنا. القول الثاني: أن يكون المراد وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين يريد الشمس والقمر، فمحونا آية الليل وهي القمر، وفي تفسير محو القمر قولان: القول الأول: المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور، فيبدو في أول الأمر في صورة الهلال، ثم لا يزال يتزايد نوره حتى يصير بدراً كاملاً، ثم يأخذ في الانتقاص قليلاً قليلاً، وذلك هو المحو، إلى أن يعود إلى المحاق. والقول الثاني: المراد من محو القمر الكلف الذي يظهر في وجهه يروى أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء، فأرسل الله جبريل عليه الصلاة والسلام فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء. ومعنى المحو في اللغة: إذهاب الأثر، تقول: محوته أمحوه وانمحى وامتحى إذا ذهب أثره، وأقول: حمل المحو في هذه الآية على الوجه الأول أولى، وذلك لأن اللام في قوله: {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } متعلق بما هو مذكور قبل، وهو محو آية الليل. وجعل آية النهار مبصرة ومحو آية الليل إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله. إذا حملنا المحو على زيادة نور القمر ونقصانه، لأن سبب حصول هذه الحالة يختلف بأحوال نور القمر، وأهل التجارب بينوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه، مثل أحوال البحار في المد والجزر، ومثل أحوال التجربات على ما تذكره الأطباء في كتبهم، وأيضاً بسبب زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور، وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون العربية المبنية على رؤية الأهلة كما قال: {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } فثبت أن حمل المحو على ما ذكرناه أولى. وأقول أيضاً: لو حملنا المحو على الكلف الحاصل في وجه القمر، فهو أيضاً برهان عظيم قاهر على صحة قول المسلمين في المبدأ والمعاد، أما دلالته على صحة قولهم في المبدأ، فلأن جرم القمر جرم بسيط عند الفلاسفة، فوجب أن يكون متشابه الصفات، فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدل على أنه ليس بسبب الطبيعة، بل لأجل أن الفاعل المختار خصص بعض أجزائه بالنور القوي، وبعض أجزائه بالنور الضعيف، وذلك يدل على أن مدبر العالم فاعل مختار لا موجب بالذات. وأحسن ما ذكره الفلاسفة في الاعتذار عنه، أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء، مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، فلما كانت تلك الأجرام أقل ضوأ من جرم القمر، لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان، وهذا لا يفيد مقصود الخصم، لأن جرم القمر لما كان متشابه الأجزاء فلم ارتكزت تلك الأجرام الظلمانية في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء؟ وبمثل هذا الطريق يتمسك في أحوال الكواكب، وذلك لأن الفلك جرم بسيط متشابه الأجزاء فلم لم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب؟ وذلك يدل على أن اختصاص ذلك الكوكب بذلك الموضع المعين من الفلك لأجل تخصيص الفاعل المختار، وكل هذه الدلائل إنما يراد من تقريرها وإيرادها التنبيه على أن المؤثر في العالم فاعل بالاختيار لا موجب بالذات، والله أعلم. أما قوله: {وَجَعَلْنَا آية اللنهار مبصرة} ففيه وجهان: الأول: أن معنى كونها مبصرة أي مضيئة وذلك لأن الإضاءة سبب لحصول الإبصار، فأطلق اسم الإبصار على الإضاءة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب. والثاني: قال أبو عبيدة يقال: قد أبصر النهار إذا صار الناس يبصرون فيه، كقوله: رجل مخبث إذا كان أصحابه خبثاء، ورجل مضعف إذا كانت ذراريه ضعافاً، فكذا قوله: { أية : والنهار مبصراً }، تفسير : [يونس:67]، أي أهله بصراء. واعلم أنه تعالى ذكر في آيات كثيرة منافع الليل والنهار، قال: { أية : وَجَعَلْنَا الليل لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً } تفسير : [النبأ: 10، 11] وقال أيضاً: { أية : جَعَلَ لَكُمُ الليل والنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [القصص: 73]. ثم قال تعالى: {وَلِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ }. واعلم أن الحساب مبني على أربع مراتب: الساعات والأيام والشهور والسنون، فالعدد للسنين، والحساب لما دون السنين، وهي الشهور والأيام والساعات، وبعد هذه المراتب الأربع لا يحصل إلا التكرار كما أنهم رتبوا العدد على أربع مراتب: الآحاد والعشرات والمئات والألوف، وليس بعدها إلا التكرار، والله أعلم. ثم قال: {وَكُلَّ شَيْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً } والمعنى: أنه تعالى لما ذكر أحوال آيتي الليل والنهار وهما من وجه دليلان قاطعان على التوحيد، ومن وجه آخر نعمتان عظيمتان من الله تعالى على أهل الدنيا، فلما شرح الله تعالى حالهما وفصل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق ومن وجوه النعم العظيمة على الخلق، كان ذلك تفصيلاً نافعاً وبياناً كاملاً، فلا جرم قال: {وَكُلَّ شيْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً } أي كل شيء بكم إليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم، فقد فصلناه وشرحناه، وهو كقوله تعالى: { أية : مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَيْء } تفسير : [الأنعام: 38] وقوله: { أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَيْء } تفسير : [النحل: 89] وقوله: { أية : تُدَمّرُ كُلَّ شَيْء بِأَمْرِ رَبّهَا } تفسير : [الأحقاف: 25] وإنما ذكر المصدر وهو قوله: {تَفْصِيلاً } لأجل تأكيد الكلام وتقريره، كأنه قال: وفصلناه حقاً وفصلناه على الوجه الذي لا مزيد عليه، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ} أي علامتين على وحدانيتنا ووجودنا وكمال علمنا وقدرتنا. والآية فيهما: إقبال كلّ واحد منهما من حيث لا يعلم، وإدباره إلى حيث لا يعلم. ونقصان أحدهما بزيادة الآخر وبالعكس آيةٌ أيضاً. وكذلك ضوء النهار وظلمة الليل. وقد مضى هذا. {فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ} ولم يقل: فمحونا الليل، فلما أضاف الآية إلى الليل والنهار دل على أن الآيتين المذكورتين لهما لاهما. و «مَحَوْناَ» معناه طمسنا. وفي الخبر أن الله تعالى أمر جبريل عليه السلام فأمَر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء وكان كالشمس في النور،والسوادُ الذي يُرى في القمر من أثر المحو. قال ابن عباس: جعل الله الشمس سبعين جزءًا والقمر سبعين جزءًا، فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعله مع نور الشمس، فالشمس على مائة (وتسع) وثلاثين جزءا والقمرُ على جزء واحد. وعنه أيضاً: خلق الله شمسين من نور عرشه، فجعل ما سبق في علمه أن يكون شمساً مثل الدنيا على قدرها ما بين مشارقها إلى مغاربها، وجعل القمر دون الشمس؛ فأرسل جبريلَ عليه السلام فأمَرّ جناحه على وجهه ثلاث مرات وهو يومئذ شمس فطمس ضوءه وبقي نوره؛ فالسواد الذي ترونه في القمر أثر المحو، ولو تركه شمساً لم يعرف الليل من النهار. ذكر عنه الأوّل الثعلبيُّ والثاني المَهدَوِيّ؛ وسيأتي مرفوعا. وقال عليّ رضي الله عنه وقتادة: يريد بالمحو اللطخة السوداء التي في القمر، ليكون ضوء القمر أقلَّ من ضوء الشمس فيتميز به الليل من النهار. {وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} أي جعلنا شمسه مضيئة للأبصار. قال أبو عمرو بن العَلاء: أي يُبْصَر بها. قال الكسائيّ: وهو من قول العرب أبصر النهار إذا أضاء، وصار بحالة يُبْصَر بها. وقيل: هو كقولهم خبيث مُخْبِث إذا كان أصحابه خبثاء. ورجل مضعِف إذا كانت دوابه ضعافاً؛ فكذلك النهار مُبْصِرا إذا كان أهله بصراء. {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} يريد التصرف في المعاش. ولم يذكر السكون في الليل ٱكتفاء بما ذكر في النهار. وقد قال في موضِع آخر: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} تفسير : [يونس: 67]. {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} أي لو لم يفعل ذلك لما عُرف الليل من النهار، ولا كان يُعرف الحساب والعدد. {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} أي من أحكام التكليف؛ وهو كقوله: {أية : تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النحل: 89] {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 38]. وعن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما أبرم الله خلقه فلم يبق من خلقه غيرُ آدم خلق شمساً من نور عرشه وقمراً فكانا جميعاً شمسين فأما ما كان في سابق علم الله أن يَدعها شمساً فخلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها وأما ما كان في علم الله أن يخلقها قمراً فخلقها دون الشمس في العِظَم ولكن إنما يرى صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض فلو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولا كان الأجير يدري إلى متى يعمل ولا الصائم إلى متى يصوم ولا المرأة كيف تَعْتَدّ ولا تُدْرَى أوقات الصلوات والحج ولا تحلّ الديون ولا حين يبذرون ويزرعون ولا متى يسكنون للراحة لأبدانهم وكأن الله نظر إلى عباده وهو أرحم بهم من أنفسهم فأرسل جبريل فأمَر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات وهو يومئذ شمس فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور فذلك قوله {وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ} تفسير : الآية.
البيضاوي
تفسير : {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءايَتَيْنِ} تدلان على القادر الحكيم بتعاقبهما على نسق واحد بإمكان غيره. {فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ } أي الآية التي هي الليل، بالإِشراق والإِضافة فيهما للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود. {وَجَعَلْنَا ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} مضيئة أو مبصرة للناس من أبصره فبصر، أو مبصراً أهله كقولهم: أجبن الرجل إذا كان أهله جبناء. وقيل الآيتان القمر والشمس، وتقدير الكلام وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين ومحو آية الليل التي هي القمر جعلها مظلمة في نفسها مطموسة النور، أو نقص نورها شيئاً فشيئاً إلى المحاق، وجعل آية النهار التي هي الشمس مبصرة جعلها ذات شعاع تبصر الأشياء بضوئها. {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم وتتوصلوا به إلى استبانة أعمالكم. {وَلِتَعْلَمُواْ } باختلافهما أو بحركاتهما. {عَدَدَ ٱلسّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } وجنس الحساب. {وَكُلَّ شىْء } تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا. {فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً } بيناه بياناً غير ملتبس. {وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـئِرَهُ } عمله وما قدر له كأنه طير إليه من عش الغيب ووكر القدر، لما كانوا يتيمنون ويتشاءمون بسنوح الطائر وبروحه، استعير لما هو سبب الخير والشر من قدر الله تعالى وعمل العبد. {فِى عُنُقِهِ } لزوم الطوق في عنقه. {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا } هي صحيفة عمله أو نفسه المنتقشة بآثار أعماله، فإن الأعمال الاختيارية تحدث في النفس أحوالاً ولذلك يفيد تكريرها لها ملكات، ونصبه بأنه مفعول أو حال من مفعول محذوف، وهو ضمير الطائر ويعضده قراءة يعقوب، و «يخرح» من خرج و «يخرج» وقرىء و «يخرج» أي الله عز وجل {يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً } لكشف الغطاء، وهما صفتان للكتاب، أو {يَلْقَـٰهُ } صفة و {مَنْشُوراً } حال من مفعوله. وقرأ ابن عامر«يلقاه» على البناء للمفعول من لقيته كذا.
ابن كثير
تفسير : يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار ليسكنوا في الليل، وينتشروا في النهار للمعايش والصنائع، والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك، ولهذا قال: {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} أي: في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك، {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} فإنه لو كان الزمان كله نسقاً واحداً وأسلوباً متساوياً، لما عرف شيء من ذلك، كما قال تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } تفسير : [القصص: 71-73] وقال تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } تفسير : [الفرقان: 61 ـ 62] وقال تعالى: {أية : وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}تفسير : [المؤمنون: 80] وقال: {أية : يُكَوِّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُـلٌّ يَجْرِى لأَِجَـلٍ مُّسَـمًّى أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّٰرُ} تفسير : [الزمر: 5] وقال تعالى: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} تفسير : [الأنعام: 96] وقال تعالى: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } تفسير : [يس: 37 ـ 38] ثم إنه تعالى جعل لليل آية، أي: علامة يعرف بها، وهي الظلام وظهور القمر فيه، وللنهار علامة، وهي النور وطلوع الشمس النيرة فيه، وفاوت بين نور القمر وضياء الشمس؛ ليعرف هذا من هذا، كما قال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : ـ إلى قوله: ـ {أية : لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} تفسير : [يونس: 5 ـ 6] وقال تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} تفسير : الآية [البقرة: 189]. قال ابن جريج عن عبد الله بن كثير في قوله: {فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ ٱلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} قال: ظلمة الليلة، وسدف النهار. وقال ابن جريج عن مجاهد: الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، {فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ ٱلَّيْلِ} قال: السواد الذي في القمر، وكذلك خلقه الله تعالى. وقال ابن جريج: قال ابن عباس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، فمحونا آية الليل: السواد الذي في القمر. وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال: يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك أما تقرأ القرآن؟ فقال: {فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ ٱلَّيْلِ} فهذه محوه. وقال قتادة في قوله: {فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ ٱلَّيْلِ} كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه، وجعلنا آية النهار مبصرة، أي: منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم، وقال ابن أبي نجيح عن ابن عباس: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ} قال: ليلاً ونهاراً، كذلك خلقهما الله عز وجل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ } دالتين على قدرتنا {فَمَحَوْنآ ءَايَةَ ٱلَّيْلِ } طمسنا نورها بالظلام لتسكنوا فيه، والإِضافة للبيان {وَجَعَلْنآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} أي مبصراً فيها بالضوء {لِّتَبْتَغُواْ } فيه {فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } بالكسب {وَلِتَعْلَمُواْ } بهما {عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } للأوقات {وَكُلَّ شىْءٍ } يحتاج إليه {فَصَّلْنـَٰهُ تَفْصِيلاً } بيّنّاه تبيينا.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه دلائل النبوة والتوحيد، أكدها بدليل آخر من عجائب صنعه وبدائع خلقه فقال: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءايَتَيْنِ } وذلك لما فيهما من الإظلام والإنارة مع تعاقبهما وسائر ما اشتملا عليه من العجائب التي تحار في وصفها الأفهام، ومعنى كونهما آيتين أنهما يدلان على وجود الصانع وقدرته، وقدّم الليل على النهار لكونه الأصل. {فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ } أي: طمسنا نورها، وقد كان القمر كالشمس في الإنارة والضوء. قيل: ومن آثار المحو السواد الذي يرى في القمر، وقيل المراد بمحوها أنه سبحانه خلقها ممحوة الضوء مطموسة، وليس المراد أنه محاها بعد أن لم تكن كذلك {وجعلنا آية النهار مبصرة} أي: جعل سبحانه شمسه مضيئة تبصر فيها الأشياء. قال أبو عمرو بن العلاء والكسائي: هو من قول العرب: أبصر النهار إذا صار بحالة يبصر بها؛ وقيل: مبصرة للناس من قوله أبصره فبصر. فالأوّل وصف لها بحال أهلها، والثاني وصف لها بحال نفسها، وإضافة آية إلى الليل والنهار بيانية أي: فمحونا الآية التي هي الليل والآية التي هي النهار كقولهم نفس الشيء وذاته. {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } أي: لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في وجوه المعاش، واللام متعلق بقوله: {وجعلنا آية النهار مبصرة} أي: جعلناها لتبتغوا فضلاً من ربكم أي: رزقاً، إذ غالب تحصيل الأرزاق وقضاء الحوائج يكون بالنهار، ولم يذكر هنا السكون في الليل اكتفاء بما قاله في موضع آخر {أية : وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } تفسير : [يونس: 67]. ثم ذكر مصلحة أخرى في ذلك الجعل فقال: {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَاب} وهذا متعلق بالفعلين جميعاً، أعني: محونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة، لا بأحدهما فقط كالأوّل. إذ لا يكون علم عدد السنين والحساب، إلاّ باختلاف الجديدين ومعرفة الأيام والشهور والسنين. والفرق بين العدد والحساب: أن العدد إحصاء ماله كمية بتكرير أمثاله من غير أن يتحصل منه شيء، والحساب إحصاء ماله كمية بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حدّ معين منه له اسم خاص؛ فالسنة مثلاً إن وقع النظر إليها من حيث عدد أيامها فذلك هو العدد، وإن وقع النظر إليها من حيث تحققها وتحصلها من عدّة أشهر. قد يحصل كل شهر من عدّة أيام، قد يحصل كل يوم من عدّة ساعات، قد تحصلت كل ساعة من عدّة دقائق، فذلك هو الحساب. {وَكُلَّ شَىْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً } أي: كل ما تفتقرون إليه في أمر دينكم ودنياكم بيناه تبييناً واضحاً لا يلتبس. وعند ذلك تنزاح العلل وتزول الأعذار {أية : لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ } تفسير : [الأنفال: 42]. ولهذا قال: {وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـئِرَهُ فِى عُنُقِهِ } قال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ. ويقال له البخت: فالطائر ما وقع للشخص في الأزل بما هو نصيبه من العقل والعمل والعمر والرزق والسعادة والشقاوة؛ كأن طائراً يطير إليه من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب طيراناً لا نهاية له ولا غاية إلى أن انتهى إلى ذلك الشخص في وقته المقدّر من غير خلاص ولا مناص. وقال الأزهري: الأصل في هذا أن الله سبحانه لما خلق آدم علم المطيع من ذريته والعاصي، فكتب ما علمه منهم أجمعين، وقضى سعادة من علمه مطيعاً وشقاوة من علمه عاصياً، فطار لكل منهم ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه؛ وذلك قوله: {وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَآئِرَهُ فِى عُنُقِهِ } أي: ما طار له في علم الله، وفي عنقه عبارة عن اللزوم، كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس. قال الزجاج: ذكر العنق عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة العنق. {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً }. قرأ ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن محيصن، وأبو جعفر، ويعقوب (ويخرج) بالمثناة التحتية المفتوحة وبالراء المضمومة على معنى ويخرج له الطائر. {وكتاباً} منصوب على الحال، ويجوز أن يكون المعنى: يخرج لها الطائر فيصير كتاباً. وقرأ يحيـى بن وثاب (يُخِرج) بضم الياء وكسر الراء: أي: يخرج الله. وقرأ شيبة ومحمد بن السميفع، وروي أيضاً عن أبي جعفر (يُخرج) بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول أي: ويخرج له الطائر كتاباً. وقرأ الباقون {ونخرج} بالنون على أن المخرج هو الله سبحانه. و{كتاباً} مفعول به، واحتج أبو عمرو لهذه القراءة بقوله تعالى: {أَلْزَمْنَـٰهُ }. وقرأ أبو جعفر، والحسن، وابن عامر (يلقاه) بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، وقرأ الباقون بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف. وإنما قال سبحانه: {يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً } تعجيلاً للبشرى بالحسنة وللتوبيخ على السيئة. {ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ } أي نقول له: إقرأ كتابك، أو قائلين له، قيل: يقرأ ذلك الكتاب من كان قارئاً، ومن لم يكن قارئاً {كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } الباء في: {بنفسك} زائدة. و{حسيباً} تمييز، أي: حاسباً. قال سيبويه: ضريب القادح بمعنى: ضاربها، وصريم بمعنى صارم، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى الكافي، ثم وضع موضع الشهيد فعدّي بـ {على}، والنفس بمعنى الشخص، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى: المحاسب كالشريك والجليس.{مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ } بين سبحانه أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضدّه يختصان بفاعلهما لا يتعدان منه إلى غيره، فمن اهتدى بفعل ما أمره الله به وترك ما نهاه الله عنه، فإنما تعود منفعة ذلك إلى نفسه، {وَمَن ضَلَّ } عن طريق الحق فلم يفعل ما أمر به، ولم يترك ما نهي عنه {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } أي: فإن وبال ضلاله واقع على نفسه لا يجاوزها، فكل أحد محاسب عن نفسه، مجزيّ بطاعته معاقب بمعصيته، ثم أكد هذا الكلام بأبلغ تأكيد فقال: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } والوزر الإثم، يقال: وزر: يزر وزراً ووزرة، أي: إثما، والجمع أوزار، والوزر: الثقل. ومنه {أية : يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } تفسير : [الأنعام: 31] أي: أثقال ذنوبهم. ومعنى الآية: لا تحمل نفس حاملة للوزر وزر نفس أخرى حتى تخلص الأخرى عن وزرها وتؤخذ به الأولى، وقد تقدّم مثل هذا في الأنعام. قال الزجاج في تفسير هذه الآية: إن الآثم والمذنب لا يؤاخذ بذنب غيره. {وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } لما ذكر سبحانه اختصاص المهتدي بهدايته، والضالّ بضلاله، وعدم مؤاخذة الإنسان بجناية غيره، ذكر أنه لا يعذب عباده إلاّ بعد الإعذار إليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه، فبين سبحانه أنه لم يتركهم سدًى، ولا يؤاخذهم قبل إقامة الحجة عليهم، والظاهر أنه لا يعذبهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلاّ بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل، وبه قالت طائفة من أهل العلم. وذهب الجمهور إلى أن المنفي هنا هو عذاب الدنيا لا عذاب الآخرة. {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا } اختلف المفسرون في معنى {أمرنا} على قولين: الأوّل أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي، وعلى هذا اختلفوا في المأمور به، فالأكثر على أنه: الطاعة والخير. وقال في الكشاف: معناه أمرناهم بالفسق ففسقوا، وأطال الكلام في تقرير هذا وتبعه المقتدون به في التفسير، وما ذكره هو ومن تابعه معارض بمثل قول القائل: أمرته فعصاني، فإن كل من يعرف اللغة العربية يفهم من هذا أن المأمور به شيء غير المعصية، لأن المعصية منافية للأمر، مناقضة له، فكذلك: أمرته ففسق يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق؛ لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به ويناقضه. القول الثاني أن معنى {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } أكثرنا فساقها. قال الواحدي: تقول العرب أمر القوم، إذا كثروا وأمرهم الله: إذا أكثرهم. وقد قرأ أبو عثمان النهدي، وأبو رجاء، وأبو العالية، والربيع، ومجاهد، والحسن (أمَّرنا) بتشديد الميم، أي: جعلناهم أمراء مسلطين. وقرأ الحسن أيضاً، وقتادة، وأبو حيوة الشامي، ويعقوب، وخارجة عن نافع، وحماد بن سلمة عن ابن كثير وعليّ وابن عباس: (آمرنا) بالمدّ والتخفيف، أي: أكثرنا جبابرتها وأمراءها، قاله الكسائي. وقال أبو عبيدة: "آمرته" بالمدّ و"أمرته" لغتان بمعنى كثرته، ومنه الحديث: «حديث : خير المال مهرة مأمورة» تفسير : أي: كثيرة النتاج والنسل، وكذا قال ابن عزيز. وقرأ الحسن أيضاً. ويحيـى بن يعمر (أمرنا) بالقصر وكسر الميم على معنى فعلنا، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس. قال قتادة والحسن: المعنى أكثرنا. وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد وأنكره الكسائي وقال: لا يقال من الكثرة إلاّ آمرنا بالمدّ. قال في الصحاح: وقال أبو الحسن أمر ماله بالكسر، أي: كثر، وأمر القوم، أي: كثروا، ومنه قول لبيد:شعر : إن يُغْبَطُوا يَهْبِطُوا وَإنْ أمِرُوا يوماً يكن للهَلاكِ والفَنَدِ تفسير : وقرأ الجمهور {أمرنا} من الأمر، ومعناه ما قدّمنا في القول الأوّل، ومعنى {مُتْرَفِيهَا }: المنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش، والمفسرون يقولون في تفسير المترفين: إنهم الجبارون المتسلطون، والملوك الجائرون، قالوا: وإنما خصوا بالذكر لأن من عداهم أتباع لهم، ومعنى {فسقوا فيها}: خرجوا عن الطاعة وتمرضوا في كفرهم، لأن الفسوق الخروج إلى ما هو أفحش {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ } أي ثبت وتحقق عليهم العذاب بعد ظهور فسقهم. {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } أي: تدميراً عظيماً لا يوقف على كنهه لشدته وعظم موقعه، وقد قيل في تأويل {أمرنا} بأنه مجاز عن الأمر الحامل لهم على الفسق، وهو إدرار النعم عليهم، وقيل أيضاً: إن المراد بـ {أردنا أن نهلك قرية} أنه قرب إهلاك قرية، وهو عدول عن الظاهر بدون ملجىء إليه. ثم ذكر سبحانه أن هذه عادته الجارية مع القرون الخالية فقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ } أي: كثيراً ما أهلكنا منهم، فـ {كم} مفعول {أهلكنا}، و{من القرون} بيان لـ {كم} وتمييز له؛ أي: كم من قوم كفروا من بعد نوح كعاد وثمود، فحلّ بهم البوار ونزل بهم سوط العذاب؟ وفيه تخويف لكفار مكة. ثم خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة فقال: {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا } قال الفراء: إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم به، كقولك: كفاك، وأكرم به رجلاً، وطاب بطعامك طعاماً، ولا يقال: قام بأخيك، وأنت تريد: قام أخوك. وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وتخويف شديد لأهل المعصية، لأن العلم التام والخبرة الكاملة والبصيرة النافذة تقتضي إيصال الجزاء إلى مستحقه بحسب استحقاقه، ولا ينافيه مزيد التفضل على من هو أهل لذلك، والمراد بكونه سبحانه {خبيراً بصيراً} أنه محيط بحقائق الأشياء ظاهراً وباطناً لا تخفى عليه منها خافية. وقد أخرج البيهقي في دلائل النبوّة، وابن عساكر عن سعيد المقبري: أن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر، فقال: "حديث : كانا شمسين، قال الله {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ } فالسواد الذي رأيت هو المحو"تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى هذا بأطول منه. قال السيوطي: وإسناده واهٍ. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف عن عليّ في قوله: {فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ } قال: هو السواد الذي في القمر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وجعلنا آية النهار مبصرة} قال: منيرة. {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } قال: جعل لكم سبحاً طويلاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَصَّلْنَاهُ } قال: بيناه. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير بسندٍ حسن عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : طائر كل إنسان في عنقه»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَلْزَمْنَـٰهُ طَآئِرَهُ فِى عُنُقِهِ } قال: سعادته وشقاوته وما قدّر الله له وعليه فهو لازمه أين كان. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن أنس في قوله: {طَـئِرَهُ } قال: كتابه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: عمله. {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً } قال: هو عمله الذي أحصي عليه، فأخرج له يوم القيامة ما كتب له من العمل فقرأه منشوراً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ } قال: سيقرأ يومئذٍ من لم يكن قارئاً في الدنيا. وأخرج ابن عبد البرّ في التمهيد عن عائشة في قوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } قال: سألت خديجة عن أولاد المشركين فقال: «هم من آبائهم" ثم سألته بعد ذلك فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } فقال: "هم على الفطرة". أو قال: "في الجنة". قال السيوطي: وسنده ضعيف. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له: يا رسول الله إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين، قال: "هم منهم". وفي ذلك أحاديث كثيرة وبحث طويل. وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية غالب الأحاديث الواردة في أطفال المشركين، ثم نقل كلام أهل العلم في المسألة فليرجع إليها. وأخرج إسحاق بن راهويه، وأحمد، وابن حبان، وأبو نعيم في المعرفة، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في كتاب الاعتقاد عن الأسود بن سريع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصمّ لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة"تفسير : ، ثم قال: "حديث : فيأخذ الله مواثيقهم ليطيعنه ويرسل إليهم رسولاً أن أدخلوا النار"تفسير : ، قال: "حديث : فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاما، ومن لم يدخلها يسحب إليها"تفسير : ، وإسناده عند أحمد، هكذا حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن أبي قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع. وأخرج نحوه إسحاق بن راهويه، وأحمد، وابن مردويه عن أبي هريرة، وهو عند أحمد بالإسناد المذكور عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة. وأخرج قاسم بن أصبع، والبزار، وأبو يعلى، وابن عبد البرّ في التمهيد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. وجعل مكان الأحمق المعتوه. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والطبراني وأبو نعيم عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يؤتى يوم القيامة بالممسوح عقلاً وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيراً»تفسير : فذكر معناه مطولاً. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } قال: بطاعة الله فعصوا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب قال: سمعت ابن عباس يقول في الآية: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } بحق فخالفوه، فحق عليهم بذلك التدمير. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه في الآية قال: سلطنا شرارنا فعصوا، فإذا فعلوا ذلك، أهلكناهم بالعذاب، وهو كقوله: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } تفسير : [الأنعام: 123]. وأخرج البخاري، وابن مردويه عن ابن مسعود، قال: كنا نقول للحى إذا كثروا في الجاهلية: قد أمر بنو فلان.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل} فيه قولان: أحدهما: أنها ظلمة الليل التي لا نبصر فيها الطرقات كما لا نبصر ما محي من الكتاب، وهذا من أحسن البلاغة، وهو معنى قول ابن عباس. الثاني: أنها اللطخة السوداء التي في القمر، وهذا قول علي وقتادة ليكون ضوء القمر أقل من ضوء الشمس فيميز به الليل من النهار. {وجعلنا آية النهار مبصرة} فيه قولان: أحدهما: أنها الشمس مضيئة للأبصار. الثاني: موقظة.
ابن عطية
تفسير : "الآية" العلامة المنصوبة للنظر والعبرة، وقوله {فمحونا} قالت فرقة: سبب تعقيب الفاء أن الله تعالى خلق الشمس والقمر مضيئين فمحا بعد ذلك القمر محاه جبريل بجناحيه ثلاثة مرات فمن هنالك كلَفُه وكونه منيراً فقط، وقالت فرقة، وهو الظاهر: إن قوله {فمحونا} إنما يريد في أصل خلقته، وهذا كما تقول بنيت داري فبدأت بالأس، ثم تابعت فلا تريد بالفاء التعقيب، وظاهر لفظ الآية يقتضي أربع آيات لا سيما لمن بنى على أن القمر هو الممحو والشمس هي المبصرة، فأما إن قدر الممحو في إظلام الليل والإبصار في ضوء النهار أمكن أن تتضمن الآية {آيتين} فقط، على أن يكون فيها طرف من إضافة الشيء إلى نفسه، وقوله {مبصرة} مثل قولك ليل قائم ونائم أي ينام فيه ويقام، فكذلك "آية مبصرة" أي يبصر بها ومعها، وحكى الطبري عن بعض الكوفيين أنه قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سلوا عما شئتم فقال ابن الكوّا: ما السواد الذي في القمر؟ فقال له علي: قاتلك الله هلا سألت عن أم دينك وآخرتك ذلك محو الليل وجعل الله تعالى النهار مبصراً ليبتغي الناس الرزق، وفصل الله، وجعل القمر مخالفاً للشمس ليعلم به العدد من السنين والحساب للأشهر وللأيام، ومعرفة ذلك في الشرع إنما هو من جهة القمر لا من جهة الشمس، وقوله {كل شيء} منصوب بفعل مضمر يدل عليه الظاهر تقديره وفصلنا كل شيء فصلناه تفصيلاً وقيل: و {كل} عطف على {والحساب} فهو معمول {لتعلموا}، والتفصيل البيان بأن تذكر فصول ما بين الأشياء وتزال أشباهها حتى يتميز الصواب من الشبه العارضة فيه، وقوله {وكل إنسان ألزمناه طائره} الآية، قوله {كل} منصوب بفعل مقدر، وقرأ الحسن وأبو رجاء ومجاهد؛ "طيره في عنقه"، قال ابن عباس {طائره} ما قدر له وعليه، وخاطب الله العرب في هذه الآية بما تعرف، وذلك أنه كان من عادتها التيمن والتشاؤم بالطير في كونها سانحة وبارحة وكثر ذلك حتى فعلته بالظبا وحيوان الفلاة، وسميت ذلك كله تطيراً، وكانت تعتقد أن تلك الطيرة قاضية بما يلقى الإنسان من خير وشر، فأخبرهم الله تعالى في هذه الآية في أوجز لفظ وأبلغ إشارة أن جميع ما يلقى الإنسان من خير وشر قد سبق به القضاء. وألزم حظه وعمله وتكسبه في عنقه، وروى جابر ابن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا عدوى ولا طيرة" تفسير : .{وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} فعبر عن الحظ والعمل إذ هما متلازمان بـ "الطائر"، قال مجاهد وقتادة بحسب معتقد العرب في التطير، وقولهم في أمور على الطائر الميمون، وبأسعد طائر ومنه طار في المحاجة والسهم كقول أم العلا الأنصارية فطار لنا من القادمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة عثمان بن مظعون، أي كان ذلك حظنا، وأصل هذا كله من الطير التي تقضي عندهم بلقاء الخير والشر وأبطل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا عدوى ولا طيرة"تفسير : ، وقوله {في عنقه} جرى أيضاً على مقطع العرب في أن تنسب ما كان إلزاماً وقلادة وأمانة ونحو هذا إلى العنق كقولهم: دمي في عنق فلان وكقول الأعشى: شعر : والشعر قلدته سلامة ذا فائش والشيء حيثما جعلا تفسير : وهذا كثير، ونحوه جعلهم ما كان تكسباً وجناية وإثماً منسوباً إلى اليد إذ هي الأصل في التكسب، وقرأ أبو جعفر ونافع والناس "ونخرج" بنون العظمة "كتاباً" بالنصب، وقرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن: و"يخرُج" بفتح الياء وضم الراء على الفعل المستقبل "كتاباً" أي طائره الذي كني به عن عمله يخرج له ذا كتاب، وقرأ الحسن من هؤلاء "كتابٌ" بالرفع، وقرأ أبو جعفر أيضاً "ويُخرَج" بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله، "كتاباً" أي طائره، وقرأ أيضاً "كتاباً" وقرأت فرقة "ويُخرِج" بضم الياء وكسر الراء أي يخرج الله، وفي مصحف أبي بن كعب "في عنقه يقرؤه يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً"، وهذا الكتاب هو عمل الإنسان وخطيئاته، وقرأ الجمهور "يَلْقاه" بفتح الياء وسكون اللام وخفة القاف، وقرأ ابن عامر وحده، "يُلَقّاه" بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف وهي قراءة الحسن بخلاف، وأبي جعفر والجحدري، وقوله {اقرأ كتابك} حذف من الكلام يقال له اختصار الدلالة الظاهرة عليه، و"الحسيب" الحاسب ونصبه على التمييز، وأسند الطبري عن الحسن أنه قال: يا بن آدم بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك والآخر عن شمالك يحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أو قلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} قد عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذه الألفاظ التي ذكر الحسن يكون الطائر ما يتحصل مع آدم من عمله في قبره فتأمل لفظه، وهذا هو قول ابن عباس وقال قتادة في قوله: {اقرأ كتابك} إنه سيقرأ يومئذ من لم يكن يقرأ.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ الَّيْلِ} ظلمة الليل التي لا تبصر فيها المرئيات كما لا يبصر ما انمحى من الكتابة "ع"، أو اللطخة السوداء في القمر ليكون ضوءه أقل من ضوء الشمس ليتميز الليل من النهار. {ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} الشمس مضيئة للإبصار، أو أهله بصراء فيه.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ} الآية. في تقرير النظم وجوهٌ: أحدها: أنه تعالى لمَّا بيَّن في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من نعم الدِّين، وهو القرآن، أتبعه بما أوصله إليهم من نعم الدُّنيَا، فقال عزَّ وجلَّ: {وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ} فكما أنَّ القرآن ممتزجٌ من المحكم والمتشابه، فكذلك الزَّمان مشتمل على الليل والنهار، فالمحكم كالنهار، والمتشابه كاللَّيل، وكما أن المقصود من التكليف لا يتمُّ إلاَّ بذكر المحكم والمتشابه، فكذلك الوقت والزَّمان لا يكمل الانتفاع به إلاَّ باللَّيل والنَّهار. وثانيها: أنه تعالى لما بيَّن أن هذا القرآن يهدي للَّتي هي أقومُ، وليس الأقومُ إلاَّ ذكر الدَّلائلِ الدَّالة على التَّوحيد والنبوَّة، لا جرم أردفهُ بذكر دلائلِ التَّوحيد، وهو عجائبُ العالم العلويِّ والسفليِّ. وثالثها: أنه لما وصف الإنسان بكونه عجولاً، أي: متنقلاً من صفةٍ إلى صفةٍ، ومن حالةٍ إلى حالةٍ بيَّن أن أحوال كلِّ هذا العالم كذلك، وهو الانتقال من النُّورِ إلى الظلمة وبالضِّد، وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصانِ. قوله تعالى: {آيَتَيْنِ}: يجوز أن يكون هو المفعول الأوَّل، و "اللَّيْلَ والنَّهارَ" ظرفان في موضع الثاني، قدِّما على الأول، والتقدير: وجعلنا آيتين في اللَّيل والنَّهار، والمراد بالآيتين: إمَّا الشمسُ والقمر، وإمَّا تكوير هذا على هذا، وهذا على هذا، ويجوز أن يكون "آيَتَيْن" هو الثاني، و "اللَّيْل والنَّهار" هما الأول، ثم فيه احتمالان: أحدهما: أنه على حذف مضافٍ: إمَّا من الأول، أي:نيِّري الليل والنهار، وهما القمرُ والشمس، وإمَّا من الثاني، أي: ذوي آيتين. والثاني: أنه لا حذف، وأنهما علامتان في أنفسهما، لهما دلالة على شيء آخر. قال أبو البقاء: "فلذلك أضاف في موضعٍ، ووصف في آخر" يعني أنه أضاف الآية إليهما في قوله "آيَة اللَّيلِ" و "آيَة النَّهارِ" ووصفهما في موضع آخر بأنَّهما آيتان؛ لقوله: {وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ} هذا كلُّه إذا جعلنا الجعل تصييراً متعدِّياً لاثنين، فإن جعلناه بمعنى "خَلَقْنَا" كان "آيَتَيْنِ" حالاً، وتكون حالاً مقدَّرة. واستشكل بعضهم أن يكون "جَعلَ" بمعنى صيَّر، قال: "لأنَّه يَستَدْعِي أن يكون الليلُ والنهارُ موجودين على حالةٍ، ثم انتقل عنها إلى أخرى". فصل في المقصود بـ: "آيتين" ومعنى "آيَتَيْنِ" أي: علامتين دالَّتيْنِ على وجودنا، ووحدانيتنا، وقُدْرتِنَا. قيل: المراد من الآيتين نفس الليل والنهار، أي أنَّه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدِّين والدنيا. أمَّا في الدِّين فلأنَّ كلَّ واحد منهما مضادٌّ للآخر، مغاير له، مع كونهما متعاقبين على الدَّوام من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودتين بذاتيهما، بل لا بُدَّ لهما من فاعل يدبِّرهما، ويقدِّرهما بالمقادير المخصوصة. وأما في الدنيا؛ فلأنَّ مصالح الدنيا لا تتمُّ إلا باللَّيل والنَّهار، فلولا الليل، لما حصل السُّكون والرَّاحة، ولولا النهار، لما حصل الكسب والتَّصرُّف. ثم قال تعالى: {فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ ٱلْلَّيْلِ} وعلى هذا تكون الإضافة في آية الليل والنهار للتبيين، والتقدير: فمحونا الآية الَّتي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهارُ مبصرة، ونظيره قولنا: نفس الشيء وذاته، فكذلك آيةُ الليل هي نفس الليل، ومنه يقال: "دَخلتُ بلادَ خُراسَان" أي: دخلت البلاد الَّتي هي خُراسَانَ، فكذا ها هنا. وقيل: على حذف مضاف، أي: وجعلنا نيِّري اللَّيل والنهار، وقد تقدَّم. وفي تفسير "المَحْوِ" قولان: الأول: ما يظهر في القمر من الزيادة والنُّقصان، فيبدو في أوًّل الأمْرِ في صورة الهلالِ، ثمَّ يتزايدُ نورهُ، حتَّى يصير بدراً كاملاً، ثم ينقص قليلاً قليلاً، وذلك هو المحوُ، إلى أن يعود إلى المحاقِ. والثاني: أنَّ نور القمر هو الكلفُ الذي يظهر في وجهه، يروى أن الشمس والقمر كانا سواءً في النُّور. قال ابن عبَّاس رضي الله عنه: "جَعلَ الله تعالى نُور الشَّمس سبعينَ جُزْءاً، ونُورَ القمر سبْعينَ جُزْءاً، فمحا من نور القمر تسعة وستِّين جزءاً، فجعلها مع نُور الشمس، فأرسلَ الله تعالى جبريل - عليه الصلاة والسلام - فأمرَّ جناحه على وجه القمر، فطمس عنه الضَّوء". ومعنى "المَحْوِ" في اللغة: إذهاب الأثرِ، تقول: مَحوْتهُ أمْحوهُ، وانْمَحَى، وامْتَحَى: إذا ذهبَ أثره. وحمل المَحْوِ ها هنا على الوجه الأوَّل أولى؛ لأنَّ اللام في قوله: {لِّتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} متعلق بالوجه الأول، وهو محوُ آية الليل، وجعل آية النهار مبصرة؛ لأنَّ بسبب اختلاف أحوال نور القمر تعرف السِّنون والحساب، ويبتغى فضل الله تعالى. وأهلُ التجارب بيَّنوا أنَّ اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه، مثل أحوال البحار في المدِّ والجزرِ، ومثل أحوال التجربات على ما يذكره الأطباء في كتبهم، وبسبب زيادة نُور القمر ونقصانه تحصل الشهور، وبسبب معاودة الشُّهور تحصل السِّنون العربية المبنية على رؤية الهلالِ. ويمكن أيضاً إذا حملنا المحو على الكلف أن يكون برهاناً قاهراً على صحَّة قول المسلمين في المبدأ والمعاد؛ لن جرم القمر بسيطٌ عند الفلاسفة، فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدلُّ على أنه ليس بسبب الطبيعة، بل لأجل أن الفاعل المختار خصَّص بعض أجزائه بالنُّور الضعيف وبعض اجزائه بالنور القوي، وذلك يدل على أن مدبِّر العالم فاعلٌ مختارٌ بالذَّات، واعتذر الفلاسفة عنه بأنَّه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء مثل ارتكاز وجه الكواكب في أجرام الأفلاك، فلمَّا كانت تلك الأجرام أقلَّ ضوءاً من جرم القمر، لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر، كالكلف في وجه الإنسان، وهذا ليس بشيء؛ لأن جرم القمر لما كان متشابه الأجزاء، فحصول تلك الأجرام الظلمانيَّة في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء ليس إلاَّ لمخصِّصٍ حكيم، وكذلك القولُ في أحوال الكواكب؛ لأنَّ الفلك جرمٌ بسيطٌ متشابه الأجزاء، فلم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب، وذلك يدلُّ على أنَّ اختصاص ذلك الكوكب بذلك الموضع المعيَّن من الفلك لأجلِ تخصيص العالم الفاعل المختار. روي أن ابن الكواء سأل عليًّا - رضي الله عنه - عن السَّواد الذي في القمر، فقال: هو أثَرُ المَحْوِ. قوله: "مُبْصِرةً" فيه أوجه: أحدها: أنه من الإسنادِ المجازيِّ؛ لأنَّ الإبصار فيها لأهلها؛ كقوله: {أية : وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً} تفسير : [الإسراء: 59] لمَّا كانت سبباً للإبصار؛ لأن الإضاءة سببٌ لحصول الإبصار، فأطلق الإبصار على الإضاءة إطلاقاً لاسم المسبِّب على السَّبب. وقيل: "مُبْصِرة": مضيئة، وقال أبو عبيدة: قد أبصر النهار، إذا صار الناس يبصرون فيه، فهو من باب أفعل، والمراد غير من أسند الفعل إليه؛ كقولهم: "أضْعفَ الرَّجلُ" أي: ضَعُفتْ ماشيته، و "أجْبَنَ الرَّجلُ" إذا كان أهله جبناء، فالمعنى أنَّ أهلها بصراءُ. وقرأ علي بن الحسين وقتادة "مَبْصَرة" بفتح الميم والصاد، وهو مصدر أقيم مقام الاسمِ، وكثر هذا في صفات الأمكنة نحو: "مَذْأبَة". ثم قال - عز وجل -: {لِّتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} أي لتبصروا كيف تتصرَّفون في أعمالكم، {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} أي لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما، لم يعرف الليل من النهار؛ ولم يدر الصائم متى يفطر، ولم يدر وقت الحجِّ، ولا وقت حلول الآجالِ، ولا وقت السكون والرَّاحة. واعلم أن الحساب مبنيٌّ على أربع مراتب: الساعات، والأيام، والشُّهور، والسِّنون، فالعدد للسنين، والحساب لما دون السنين، وهي الشُّهور، والأيَّام، والسَّاعات، وبعد هذه المراتب الأربعة لا يحصل إلاَّ التكرار؛ كما أنَّهم رتَّبوا العدد على أربع مراتب: الآحاد، والعشرات، والمئات، والألوف، وليس بعدها إلا التَّكرار. قوله: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوبٌ على الاشتغال، ورجِّح نصبه؛ لتقدم جملة فعلية؛ وكذلك "وكُلَّ إنسانٍ ألْزمْنَاه". والثاني - وهو بعيد: - أنه منصوب نسقاً على "الحِسابَ"، أي: لتعلموا كل شيء أيضاً، ويكون "فصَّلناهُ" على هذا صفة. والمعنى: أنه تعالى لمَّا ذكر أحوال آيتي اللَّيل والنَّهار، وهما من وجهٍ: دليلان قاطعان على التَّوحيد، ومن وجهٍ آخر: نعمتان عظيمتان من الله على الخلق، فلما شرح الله تعالى حالهما، وفصَّل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق؛ ومن وجوه النِّعم العظيمة على الخلق، كان ذلك تفصيلاً نافعاً وبياناً كاملاً، فلا جرم قال: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} أي: فصَّلنا لكم كلَّ ما تحتاجون إليه في مصالح دينكم ودنياكم، فهو كقوله: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 38] وقوله: {أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النحل: 89] وإنما ذكر المصدر، وهو قوله: "تَفْصِيلاً" لأجل تأكيد الكلامِ وتقريره، فكأنه قال: "وفَصَّلنَاهُ حقًّا على الوجهِ الذي لا مزيد عليه".
البقاعي
تفسير : ولما ثبت ما لصفته تعالى من العلو، ولصفة الإنسان من السفول تلاه بما لأفعاله تعالى من الإتقان، ذاكراً ما هو الأقوم من دلائل التوحيد والنبوة في العالمين: العلوي والسفلي، ثم ما لأفعال الإنسان من العوج جرياً مع طبعه، أو من الإحسان بتوفيق اللطيف المنان، فقال تعالى مبيناً ما منحهم به من نعم الدنيا بعد ما أنعم عليهم به من نعم الدين: {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة {الّيل والنهار آيتين} دالتين على تمام العلم وشمول القدرة، آية الليل كالآيات المتشابهة، وآية النهار كالمحكمة، فكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يتيسر الانتفاع به إلا بهاتين الآيتين {فمحونا} أي بعظمتنا الباهرة {آية الّيل} بإعدام الضياء فجعلناها لا تبصر بها المرئيات كما لا يبصر الكتاب إذا محي {وجعلنا} أي بعظمتنا {ءاية النهار} ولما كانت في غاية الضياء يبصر بها كل من له بصر، أسند الإبصار إليها مبالغة فقال: {مبصرة} أي بالشمس التي جعلها منيرة في نفسها، فلا تزال هذه الدار الناقصة في تنقل من نور إلى ظلمة ومن ظلمة إلى نور كما للإنسان - بعجلته التي يدعو إليها طبعه وتأنيه الداعي إليه عقله - من انتقال من نقصان إلى كمال ومن كمال إلى نقصان، كما أن القمر الذي هو أنقص من الشمس كذلك: ثم ذكر بعض المنافع المترتبة على ذلك، فقال تعالى: {لتبتغوا} أي تطلبوا طلباً شديداً {فضلاً من ربكم} أي المحسن إليكم فيهما بضياء هذا تارة وبرد هذا أخرى {ولتعلموا} بفصل هذا من هذا {عدد السنين} أي من غير حاجة إلى حساب، لأن النيرين يدلان على تحول الحول بمجرد تنقلهما. ولما كانا أيضاً يدلان على حساب المطالع والمغارب، والزيادة والنقصان، وغير ذلك من الكوائن، لمن أمعن النظر، وبالغ في الفكر، قال تعالى: {والحساب} أي جنسه، فصلناهما لذلك على هذا الوجه المتقن بالزيادة والنقصان، وتغير الأحوال في أوقات معلومة، على نظام لا يختل على طول الزمان مقدار ذرة، ولا ينحل قيس شعرة إلى أن يريد الله خراب العالم وفناء الخلق، فيبيد ذلك كله في أسرع وقت وأقرب زمن، ولولا اختلافهما لاختلطت الأوقات وتعطلت الأمور {وكل شيء} غيرهما مما تحتاجون إليه في دينكم أو دنياكم {فصلناه} أي بعظمتنا، وأزلنا ألباسه، وأكد الأمر تنبيهاً عل تمام القدرة، وأنه لا يعجزه شيء يريده، فقال تعالى: {تفصيلاً *} فانظروا بأبصاركم وبصائركم، وتتبعوا في علانياتكم وسرائركم، تجدوا أمراً متقناً ونظاماً محكماً {أية : ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير} تفسير : [الملك: 4]. ولما كان هذا أمراً دقيقاً جداً، أتبعه ما هو أدق منه وأغرب في القدرة والعلم من تفاصيل أحوال الآدميين، بل كل مكلف بعضها من بعض من قبل أن يخلقهم، فقال تعالى: {وكل إنسان} أي من في طبعه التحرك والاضطراب {ألزمناه} أي بعظمتنا {طائره} أي عمله الذي قدرناه عليه من خير وشر، ولعله عبر به لأنهم كانوا لا يقدمون ولا يحجمون في المهم من أعمالهم إلا بالطائر فيقولون: جرى لفلان الطائر بكذا. {في عنقه} أي الذي محل الزين بالقلادة ونحوها، والشين بالغل ونحوه، إلزاماً لا يقدر أن ينفك عن شيء منه كما لا يقدر على الانفكاك عن العنق، وذلك كما ألزمنا بني إسرائيل ما قضينا إليهم في الكتاب، فكان كما قلنا، وهم يعلمون نه من السوء بمكان، فلم يقدروا على الاحتراز منه والانفصال عنه، فلا يمكن أن يظهر في الأبد إلا ما قضى به في الأزل "جف القلم بما هو كائن" {ونخرج} أي بما لنا من العظمة وشمول العلم وتمام القدرة {له يوم القيامة} أي الذي لا بد من إيجاده {كتاباً} بجميع ما عمل {يلقاه} حال كونه {منشوراً *} تكتبه حَفَظَتَنا كل يوم، ثم إذا صعدوا قابلوا ما فيه على ما سطرناه قديماً في اللوح المحفوظ فيجدونه كما هو، لا خلاف فيه أصلاً، فإذا لقي كتابه يوم العرض قيل له: {اقرأ كتابك} أنت بنفسك غير ملزم بما يقرأه غيرك {كفى} وحقق الفاعل بزيادة الباء فقال تعالى: {بنفسك اليوم} أي في جميع هذا اليوم الذي تكشف فيه الستور، وتظهر جميع الأمور {عليك حسيباً *} أي حاسباً بليغاً، فإنك تعطي القدرة على قراءته أمياً كنت أو قارئاً، ولا ترى فيه زيادة ولا نقصاً، ولا تقدر أن تنكر منه حرفاً، إن أنكره لسانك شهدت عليك أركانك، فيا لها من قدرة باهرة، وقوة قاهرة، ونصفة ظاهرة!. ولما كان ما مضى، أنتج قطعاً معنى ما قلنا لبني إسرائيل { إن أحسنتم} الآية، لكل أحد منهم ومن غيرهم، وذلك قوله تعالى: {من اهتدى} فتبع الهدى {فإنما يهتدي لنفسه} لأن ثوابه لا يتعداه {ومن ضل} بالإعراض عما أنزلنا من البيان {فإنما يضل عليها} لأن عقابه عليه، لا يتجاوزه {ولا تزر وازرة} أي أي وازرة كانت {وزر أخرى} لتخفف عنها، بل لكل جزاء عمله لا يتعداه إلى غيره، فنثيب من اهتدى ونعذب من ضل {وما كنا} أي على عظمتنا {معذبين} أحداً {حتى نبعث} أي بعثاً يناسب عظمتنا {رسولاً *} فمن بلغته دعوته فخالف أمره واستكبر عن اتباعه عذبناه بما يستحقه، وهذا أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام في جميع الأمم كما قال تعالى { أية : ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً} تفسير : [ النحل: 36] {أية : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} تفسير : [ فاطر: 24] فإن دعوتهم إلى الله تعالى قد انتشرت، وعمت الأقطار واشتهرت، انظر إلى قول قريش الذين لم يأتهم نبي بعد إسماعيل عليه السلام {أية : ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} تفسير : [ص: 7] فإنه يفهم أنهم سمعوه في الملة الأولى فمن بلغته دعوة أحد منهم بوجه من الوجوه فقصر في البحث عنها فهو كافر مستحق للعذاب، فلا تغتر بقول كثير من الناس في نجاة أهل الفترة مع إخبار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن آباءهم الذين مضوا في الجاهلية في النار، وأن ما يدحرج الجعل خير منهم - إلى غير ذلك من الأخبار؛ قال الإمام أبو عبد الله الحليمي أحد أجلاء الشافعية وعظماء أئمة الإسلام رضي الله عنهم في أوائل منهاجه في باب من لم تبلغه الدعوة: وإنما قلنا: إن من كان منهم عاقلاً مميزاً إذا رأى ونظر إلا أنه لا يعتقد ديناً فهو كافر، لأنه وإن لم يكن سمع دعوة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا شك أنه سمع دعوة أحد من الأنبياء الذين كانوا قبله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على كثرتهم، وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم والذين كفروا بهم وخالفوهم، فإن الخبر قد يبلغ على لسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق، وإذا سمع آية دعوة كانت إلى الله فترك أن يستدل بعقله على صحتها وهو من أهل الاستدلال والنظر، كان بذلك معرضاً عن الدعوة فكفر - والله أعلم، وإن أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبي ولا عرف أن في العالم من يثبت إلهاً - وما نرى أن ذلك يكون - فإن كان فأمره على الاختلاف - يعني عند من يوجب الإيمان بمجرد العقل ومن لا يوجبه إلا بانضمام النقل. وما قاله الحليمي نقل نحوه عن الإمام الشافعي نفسه رضي الله عنه؛ قال الزركشي في آخر باب الديات من شرحه على المنهاج: وقد أشار الشافعي إلى عسر قصور - أي عدم بلوغ - الدعوة حيث قال: وما أظن أحداً إلا بلغته الدعوة إلا أن يكون قوم من وراء النهر بكوننا، وقال الدميري: وقال الشافعي: ولم يبق من لم تبلغه الدعوة. ولما أشار إلى عذاب المخالفين، قرر أسبابه وعرف أنها بقدره، وأن قدره لا يمنع حقوق العذاب، لبناء الأمر على ما يتعارفه ذوو العقول بينهم فقال تعالى: {وإذا} أي فنبعث الرسل بأوامرنا ونواهينا، وإذا أردنا أن نحيي قرية الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، ألقينا في قلوب أهلها امتثال أوامرنا والتقيد باتباع رسلنا، وإذا {أردنا} وإرادتنا لا تكون إلا عظيمة جداً {أن نهلك} أي بعظمتنا {قرية} في الزمن المستقبل {أمرنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر أحد على مخالفتها {مترفيها} الذين لهم الأمر والنهي بالفسق، أي استدرجناهم بإدرار النعم ودفع النقم على ما يعملون من المعاصي، الذي كان - بكونه سبباً لبطرهم ومخالفتهم - كالأمر بالفسق {ففسقوا فيها} بعد ما أزال الرسول معاذيرهم بتبليغ الرسالة كما قال تعالى { أية : فلما نسوا ما ذكروا به}تفسير : [الأنعام:44] - أي على ألسنة الرسل - {أية : فتحنا عليهم أبواب كل شيء} تفسير : [الأنعام: 44] الآية {أية : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} تفسير : [ الأنعام: 123] وخص المترفين لأن غيرهم لهم تبع، ولأنهم أحق الناس بالشكر وأولى بالانتقام عند الكفر، ويجوز أن يكون: أمرناهم بأوامرنا ففسقوا فيها، أي الأوامر بالطاعات التي يعلم قطعاً أن أوامرنا تكون بها ولا تكون بغيرها، لأنا لا نأمر بالفحشاء، وقد جرت العادة بأن المترف عسر الانقياد، لا تكاد تسمح نفسه بأن يصير تابعاً بعدما كان متبوعاً، فعصوا فتبعهم غيرهم لأن الأصاغر تبع للأكابر فأطبقوا على المعصية فأهلكناهم، وقرأ يعقوب: آمرنا - بمد الهمزة بمعنى كثرنا، من آمرت الشيء وأمرته فأمر - إذا كثرته، وفي الحديث "حديث : خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة" تفسير : أي كثيرة النتاج؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية: آمر بنو فلان. والكثرة راجعة إلى الأمر الذي هو ضد النهي، فإنه نتيجة العز الذي هو لازم الكثرة، ويجوز أن يكون من المؤامرة، أي أمرناهم بأوامرنا فما امتثلوا وأمرونا بأوامرهم، أي سألونا ما يريدون فأعطيناهم ذلك استدراجاً فأبطرهم نيل الأماني ففسقوا {فحق} أي وجب وجوباً لا شك في وقوعه {عليها القول} الذي توعدناهم به على لسان الرسول بمباشرة البعض للفسق وسكوت الباقين على حسب ما تتعارفونه بينكم في أن من خالف الأمر الواجب للفسق وسكوت الباقين على حسب ما تتعارفونه بينكم في أن من خالف الأمر الواجب عليه استحق العقاب {فدمرناها} أي أهلكناها إهلاكاً شديداً بغتة غير مبالين بها فجعلناها كالمدرة المفتتة، وكان أمرها على عظمتنا هيناً، ولذلك أكد فقال تعالى: {تدميراً *}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند واه، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله خلق شمسين من نور عرشه" تفسير : فاما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمساً، فإنه خلقها مثل الدنيا على قدرها، ما بين مشارقها ومغاربها، وأما ما كان في سابق علمه أنه يطمسها ويجعلها قمراً، فإنه خلقها دون الشمس في العظم، ولكن إنما يرى صغرها لشدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض، فلو ترك الشمس كما كان خلقها أول مرة لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولم يدر الصائم إلى متى يصوم ومتى يفطر، ولم يدر المسلمون متى وقت حجهم، وكيف عدد الأيام والشهور والسنين والحساب، فأرسل جبريل فأمر جناحه عن وجه القمر - وهو يومئذ شمس - ثلاث مرات، فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور، فذلك قوله: {وجعل الليل والنهار آيتين} الآية. وأخرج البيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر، عن سعيد المقبري: أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر؟ فقال: كانا شمسين. فقال: قال الله: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل} فالسواد الذي رأيت هو المحو. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، عن علي رضي الله عنه في قوله: {فمحونا آية الليل} قال: هو السواد الذي في القمر. وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه في الآية. قال: كان الليل والنهار سواء، فمحا الله آية الليل فجعلها مظلمة، وترك آية النهار كما هي. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فمحونا آية الليل} قال: هو السواد بالليل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وجعلنا الليل والنهار آيتين} قال: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار {فمحونا آية الليل} قال: السواد الذي في القمر. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كتب هرقل إلى معاوية يسأله عن ثلاثة أشياء: أي مكان إذا صليت فيه ظننت أنك لم تصل إلى قبلة؟ وأي مكان طلعت فيه الشمس مرة لم تطلع فيه قبل ولا بعد؟ وعن السواد الذي في القمر؟ فسأل ابن عباس رضي الله عنهما؟ فكتب إليه أما المكان الأول: فهو ظهر الكعبة. وأما الثاني: فالبحر حين فرقه الله لموسى عليه السلام. وأما السواد الذي في القمر: فهو المحو. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال: خلق الله نور الشمس سبعين جزءاً، ونور القمر سبعين جزءاً، فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءاً، فجعله مع نور الشمس، فالشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزءاً، والقمر على جزء واحد. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في الآية قال: كانت شمس بالليل وشمس بالنهار فمحا الله شمس الليل، فهو المحو الذي في القمر. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير في قوله: {فمحونا آية الليل} قال: انظر إلى الهلال ليلة ثلاث عشرة، أو أربع عشرة، فإنك ترى فيه كهيئة الرجل، آخذاً برأس رجل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} قال: ظلمة الليل وسدف النهار؛ {لتبتغوا فضلاً من ربكم} قال: جعل لكم {أية : سبحاً طويلاً} تفسير : [المزمل: 7]. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فصلناه} يقول: بيناه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء بن السائب رضي الله عنه قال: أخبرني غير واحد أن قاضياً من قضاة الشام، أتى عمر رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين رأيت رؤيا أفظعتني. قال: وما رأيت؟ قال: رأيت الشمس والقمر يقتتلان، والنجوم معهما نصفين. قال: فمع أيهما كنت؟ قال: مع القمر على الشمس. قال عمر رضي الله عنه: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} فانطلق فوالله لا تعمل لي عملاً أبداً. قال عطاء رضي الله عنه: فبلغني أنه قتل مع معاوية يوم صفين. وأخرج ابن عساكر، عن علي بن زيد رضي الله عنه، قال: سأل ابن الكواء علياً رضي الله عنه عن السواد الذي في القمر؟ قال: هو قول الله تعالى: {فمحونا آية الليل}. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير بسند حسن، عن جابر - رضي الله عنه - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : طائر كل إنسان في عنقه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن حذيفة بن أسيد - رضي الله عنه - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن النطفة التي يخلق منها النسمة تطير في المرأة أربعين يوماً وأربعين ليلة، فلا يبقى منها شعر ولا بشر ولا عرق ولا عظم إلا دخله، حتى أنها لتدخل بين الظفر واللحم، فإذا مضى لها أربعون ليلة وأربعون يوماً أهبطه الله إلى الرحم، فكان علقة أربعين يوماً وأربعين ليلة، ثم يكون مضغة أربعين يوماً وأربعين ليلة، فإذا تمت لها أربعة أشهر، بعث الله إليها ملك الأرحام فيخلق على يده لحمها ودمها وشعرها وبشرها، ثم يقول: صوّر. فيقول: يا رب، ما أصور أزائد أم ناقص، أذكر أم أنثى، أجميل أم ذميم أجعد أم سبط أقصير أم طويل أبيض أم آدم أسويّ أم غير سويّ؟ فيكتب من ذلك ما يأمر الله به. ثم يقول الملك: يا رب، أشقيّ أم سعيد؟ فإن كان سعيداً، نفخ فيه بالسعادة في آخر أجله، وإن كان شقياً: نفخ فيه الشقاوة في آخر أجله. ثم يقول: اكتب أثرها ورزقها ومصيبتها وعملها بالطاعة والمعصية، فيكتب من ذلك ما يأمره الله به، ثم يقول الملك: يا رب، ما أصنع بهذا الكتاب؟ فيقول: علقه في عنقه إلى قضائي عليه. فذلك قوله: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ألزمناه طائره في عنقه} قال: سعادته وشقاوته وما قدره الله له وعليه فهو لازمه أينما كان. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جوبير، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: {طائره في عنقه} قال: قال عبد الله رضي الله عنه الشقاء والسعادة والرزق والأجل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أنس رضي الله عنه في قوله: {طائره في عنقه} قال: كتابه. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} أي عمله. وأخرج أبو داود في كتاب القدر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} قال: ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ألزمناه طائره} قال: عمله {ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً} قال: هو عمله الذي عمل أحصي عليه، فأخرج له يوم القيامة ما كتب عليه من العمل، فقرأه منشوراً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: الكافر يخرج له يوم القيامة كتاب، فيقول: رب، إنك قد قضيت. إنك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أحاسب نفسي. فيقال له: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن هرون قال: في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} يقرؤه يوم القيامة {كتاباً يلقاه منشوراً}. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه أنه قرأ "ويخرج له يوم القيامة كتاباً" بفتح الياء يعني يخرج الطائر كتاباً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {اقرأ كتابك} قال: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئاً في الدنيا. وأخرج ابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه قال: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة. فعند ذلك يقول: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} حتى بلغ عليك {حسيباً}. وأخرج ابن عبد البر في التمهيد بسند ضعيف، عن عائشة - رضي الله عنها - قال: حديث : سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين؟ فقال:"هم مع آبائهم" ثم سألته بعد ذلك؟ فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام؟! فنزلت {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فقال: "هم على الفطرة" أو قال: في الجنة . تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني حديث : الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، إني قضيت في البنات من ذراري المشركين؟ قال: "هم منهم". تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد وقاسم بن أصبغ وابن عبد البر، عن خنساء بنت معاوية الضمرية، عن عمها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة ". تفسير : وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر، عن أنس رضي الله عنه قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين؟ قال: "حديث : هم خدم أهل الجنة ". تفسير : وأخرج، عن سلمان رضي الله عنه قال: أطفال المشركين خدم أهل الجنة. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن عبد البر وضعفه، حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المسلمين أين هم؟ قال: "في الجنة" وسألته عن ولدان المشركين أين هم؟ قال: "في النار"، قلت: يا رسول الله، لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم القلام! قال: "ربك أعلم بما كانوا عاملين، والذي نفسي بيده لئن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار" ". تفسير : وأخرج أحمد وقاسم بن أصبغ وابن عبد البر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت أقول في أطفال المشركين هم مع آبائهم، حتى حدثني رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عنهم؟ فقال: "حديث : ربهم أعلم بهم وبما كانوا عاملين" تفسير : فأمسكت عن قولي. وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل، عن أولاد المشركين؟ فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين والله أعلم".
ابو السعود
تفسير : {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءايَتَيْنِ} شروعٌ في بـيان بعضِ وجوه ما ذُكر من الهداية بالإرشاد إلى مسلك الاستدلالِ بالآيات والدلائلِ الآفاقية التي كلُّ واحدة منها برهانٌ نيِّرٌ لا ريب فيه ومنهاجٌ بـيِّنٌ لا يضِلّ من ينتحيه، فإن الجعلَ المذكورَ وما عُطف عليه من محو آيةِ الليل وجعلِ آيةِ النهار مبصرةً ـ وإن كانت من الهدايات التكوينية ـ لكن الإخبارَ بذلك من الهدايات القرآنية المنبّهة على تلك الهداياتِ، وتقديمُ الليل لمراعاة الترتيبِ الوجوديِّ إذ منه ينسلخ النهارُ، وفيه تظهرُ غُررُ الشهور، ولو أن الليلةَ أضيفت إلى ما قبلها من النهار لكانت من شهر وصاحبُها من شهر آخرَ، ولترتيب غايةِ آيةِ النهار عليها بلا واسطة أي جعلنا الملَوَيْن بهَيْآتهما وتعاقبُهما واختلافِهما في الطول والقِصَر ـ على وتيرةٍ عجيبة يحار في فهمهما العقولُ ـ آيتين تدلان على أن لهما صانعاً حكيماً قادراً عليماً وتهديان إلى ما هدى إليه القرآنُ الكريم من ملة الإسلام والتوحيد {فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ} الإضافةُ إما بـيانيةٌ كما في إضافة العددِ إلى المعدود أي محونا الآية التي هي الليلُ وفائدتُها تحقيقُ مضمونِ الجلمة السابقةِ، ومحوُها جعلُها ممحُوّةَ الضوءِ مطموستَه، لكن لا بعد إن لم تكن كذلك بل إبداعُها على ذلك كما في قولهم: سبحان من صغّر البعوضَ وكبّر الفيل أي أنشأهما كذلك، والفاءُ تفسيريةٌ لأن المحو المذكورَ وما عُطف عليه ليسا مما يحصل عَقيبَ جعل الجديدين آيتين بل هما من جملة ذلك الجعلِ ومُتمّماته {وَجَعَلْنَا ءَايَةَ ٱلنَّهَارَ} أي الآية التي هي النهارُ على نحو ما مر {مُبْصِرَةً} أي مضيئةً يبصَر فيها الأشياءُ وصفاً لها بحال أهلها أو مبصرةً للناس من أبصره فبصره، وإما حقيقية وآية الليلُ والنهار نيِّراهما، ومحوُ القمر إما خلقُه مطموسَ النور في نفسه فالفاء كما ذُكر، وإما نفسُ ما استفاده من الشمس شيئاً فشيئاً إلى المحاق على ما هو معنى المحو، والفاءُ للتعقيب وجعلُ الشمس مبصرةً إبداعُها مضيئةً بالذات ذاتَ أشعة تظهر بها الأشياءُ المظلمة. {لّتَبْتَغُواْ} متعلقٌ بقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ءَايَةَ ٱلنَّهَارَ} كما أشير إليه أي وجعلناها مضيئة لتطلُبوا لأنفسكم في بـياض النهار {فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} أي رزقاً إذ لا يتسنى ذلك في الليل، وفي التعبـير عن الرزق بالفضل وعن الكسب بالابتغاء والتعرضُ لصفة الربوبـية المنبئةِ عن التبليغ إلى الكمال شيئاً فشيئاً دَلالةٌ على أن ليس في تحصيل الرزق تأثيرٌ سوى الطلبِ وإنما الإعطاءُ إلى الله سبحانه لا بطريق الوجوب عليه بل تفضلاً بحكم الربوبـية {وَلِتَعْلَمُواْ} متعلقٌ بكِلا الفعلين أعني محوَ آية الليل وجعْلَ آيةِ النهار مبصرةً لا بأحدهما فقط إذ لا يكون ذلك بانفراده مداراً للعلم المذكور، أي لتعلموا بتفاوت الجديدَين أو نيِّريْهِما ذاتاً من حيث الإظلامُ والإضاءة مع تعاقبهما أو حركاتهما وأوضاعِهما وسائرِ أحوالِهما {عَدَدَ ٱلسّنِينَ} التي يتعلق بها غرضٌ علمي لإقامة مصالحِكم الدينية والدنيوية {وَٱلْحِسَابَ} أي الحسابَ المتعلقَ بما في ضمنها من الأوقات أي الأشهرَ واللياليَ والأيامَ وغير ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة ونفس السنة من حيث تحققُها مما ينتظمه الحسابُ، وإنما الذي تعلق به العدُّ طائفةٌ منها وتعلقُه في ضمن ذلك بكل واحدة منها ليس من الحيثية المذكورة أعني حيثيةَ تحققِها وتحصُّلها من عدة أشهر قد تحصّل كل واحد منها بطائفة من الساعات مثلاً فإن ذلك وظيفةُ الحساب بل من حيث أنها فردٌ من تلك الطائفة المعدودة بعدها أي يُفنيها من غير أن يعتبر في ذلك تحصيلُ شيءٍ معين وتحقيقُه ما مر في سورة يونسَ من أن الحسابَ إحصاءُ ماله كميةٌ منفصلة بتكرير أمثالِه من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حدٌّ معين منه له اسمٌ خاصٌّ وحكمٌ مستقل كما أشير إليه آنفاً، والعدُّ إحصاؤُه بمجرد تكرير أمثالِه من غير أن يتصل منه شيء كذلك، ولما أن السنين لم يعتبر فيها حدٌّ معين له اسمٌ خاصٌّ وحكم مستقلٌّ أُضيف إليها العددُ وعُلّق الحساب بما عداها مما اعتبر فيه تحصُّل مراتبَ معينةٍ لها أسامٍ خاصة وأحكامٌ مستقلة، وتحصّلُ مراتبِ الأعداد من العشرات والمئات والألوف اعتباريٌّ لا يجدي في تحصل المعدودات، وتقديمُ العدد على الحساب مع أن الترتيبَ بـين متعلّقَيْهما وجوداً وعدماً على العكس للتنبـيه من أول الأمر على أن متعلق الحساب ما في تضاعيف السنين من الأوقات أو لأن العلمَ المتعلِّق بعدد السنينَ علمٌ إجماليٌّ بما تعلق به الحساب تفصيلاً، أو لأن العدد من حيث إنه لم يعتبر فيه تحصلُ شيءٍ آخرَ منه ـ حسبما ذكر ـ نازلٍ من الحساب المعتبر فيه ذلك منزلةَ البسيط من المركب، أو لأن العلم المتعلقَ بالأول أقصى المراتب فكان جديراً بالتقديم في مقام الامتنان والله سبحانه أعلم {وَكُلَّ شىْء} تفتقرون إليه في المعاش والمعادِ سوى ما ذكر من جعل الليل والنهار آيتين وما يتبعه من المنافع الدينية والدنيوية، وهو منصوبٌ بفعل يفسره قوله تعالى: {فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} أي بـيناه في القرآن الكريم بـياناً بليغاً لا التباسَ معه كقوله تعالى: { أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء} تفسير : [النحل: 89] فظهر كونُه هادياً للتي هي أقوم ظهوراً بـيناً.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الآية: 12]. قال بعضهم: جعلنا الليل والنهار طرفين لإقامة العبودية جعل أحدهما عن الآخر وخليفة عنه فمن أنفق أوقاته فى أناء ليله ونهاره بما هو مستعبد فهو فى زمرة الموفقين، ومن أهمل ساعاته ولم يطالب نفسه ولم يراع أوقاته مع كل خاطر ونفسٍ، فإنه من المخذولين. قال الله تعالى: {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [الآية: 12]. فى تصحيح العبودية وإخلاص العمل والمعونة على ذلك من الله عز وجلّ. قال النصرآباذى: ألزمت نفسك أحوالاً وأُلزمت أحوالاً، وما أُلزمته أشد مما ألزمته نفسك. قال الله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} من سعادة وشقاوة، ومنهم من أُلزم الصبر على مقام المشاهدة، ومنهم من أُلزم التمسك بالأدب على بساط القرب، وهذا أشد وأشدَّ.
القشيري
تفسير : جعل الليلَ والنهارَ علامةً على كمال قدرته، ودلالةً على وجوب وحدانيته؛ في تعاقبهما وتناوبهما، وفي زيادتهما ونقصانهما. ثم جعلهما وقتاً صالحاً لإقامة العبادة، والاستقامة على معرفة جلال إلهيته؛ فالعبادةُ شرطُها الدوامُ والاتصال، والوظائف حقُّها التوفيق والاختصاص. ولو وقع في بعض العبادات تقصيرٌ أو حَصَلَ في أداءِ بعضِها تأخيرٌ تَدَارَكَه بالقضاءِ حتى يَتَلاَفَى التقصير. ويقال من وجوه الآيات في الليل والنهار إفرادُ النهار بالضياء من غير سبب، وتخصيصُ الليل بالظلام بغير أمرٍ مكتسب، ومن ذلك قوله تعالى: {فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً}: وهو اختلاف أحوال القمر في إشراقه ومحاقة، فلا يبقى ليلتين على حال واحدة، بل هو في كل ليلة في منزل آخر، إما بزيادة أو بنقصان. وأمَّا الشمس فحالها الدوام.. والناس كذلك أوصافهم؛ فأربابُ التمكينِ الدوامُ شرطُهم، وأصحابُ التلوينِ التنقلُ حَقُّهم، قال قائلهم: شعر : ما زلت أنزل من ودادك منزلاً تتحير الألبابُ دون نزوله
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} الليل والنهار ههنا مقام المجاهدة والمشاهدة فالمجاهدة ليل العارفين والمشاهدة نهار الصديقين ففى مقام المشاهدة كشف شمس الذات آية نهار المشاهدة وكشف قمر الصفات آية ليل المجاهدة فاهل المشاهدة فى رؤية شموس الذات واهل المجاهدة من الصادقين فى رؤية اقمار الصفات لانهم فى ضعف الاحوال من حمل وارد العظمة ولولا غيبة انوار الذات عنهم لهلكوا فى اوّل سطواتها ولو كان الاتيان احدهما كالاخر لهلك العارفون لبقائهم فى مشاهدة الذات صرفا على السرمدية ولو يصلوا الى معادن الصفات كما قال سبحانه {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} وفضل الحق ههنا معرفة الصفات والعيش فى مشاهدة الذات والوقوف على مقامات الدنو واوقات الحالات بقوله سبحانه {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} اى لتعلموا فى محاق اقمار الكواشف وزيادة كمالها بفيض نور الاوليّة والآخروية اعداد زمان الوصال والفراق وحساب المقامات والحالات وتقعوا فى دور ادهار الازال والاباد وتعرفوا منازل سيارات الارواح وحركاتها فى ابراج افلاك الوحدانية والفردانية بقوله {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} وههنا منازل انقطعت الاوهام فى مداركها وذهب الحسبان عند شوارق انوارها وانصرمت العقول عن تقلب اسرارها وفنيت القلوب فى حقائق انوارها كان لسان القدر ينطق بنطق الابد على لسان عندليب سكران موردات ورد العشق سطاح فارس روزبهان البقلى هذه الاسرار المباركة الممتنعة عرائسها بحجب الغيرة عن غيره او غير مثله واستشهد بيت النورى فى هذا المعنى شعر : لا زالت انزل من ودادك منزلاً يتحير الالباب عند نزوله تفسير : قال بعضهم جعلنا الليل و النهار ظرفين لاقامة العبودية جعل احدهما خلفا عن الآخر وخليفة عنه فمن انفق اوقاته فى اناء ليله بما هو مستعبد به فهو فى زمرة الموفقين ومن امهل ساعاته ولم يطالب نفسه ولم يراع اوقاته مع كل خاطر او نفس فانه من المخذولين قال الله لتبتغوا فضلا من ربكم فى تصحيح العبودية واخلاص العمل والمعونة على ذلك من الله عز وجل ثم ان الله سبحانه اخبر عن سوابق احوال الواردين الى مناهل العبودية والربوبية بقوله {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} اختار بعضا فى الازل بالارادات واختار بعضا بالمعاملات وبعضا بالحالات وبعضا بالمشاهدات وبعضا بالمكاشفات وبعضا بالمعرفة وبعضا بالمحبة وبعضا بالشوق وبعضا بالرغائب وبعضا بالعزائم وفى كل مقام طار احد من السالكين وسمته الزمته نعوت الربوبية على عنق العبودية يخرج من مربع عهد الازل بهذه السماع ويخرج الى معاهد الابد لا يتغير بتلون الملون ولا بظهور الآيات والبرهان ولا بطوارق الطاعات والعصيان قال تعالى {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} فما بدت للارواح من معالم الرد والقبول بيد ولصاحبه غدا فى الحضرة فيرى اوله موافقا للاخر والاخر للاول لا ينقص السوابق من الاواخر ولا يرتد الاواخر على السوابق.
الجنابذي
تفسير : {وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ} اى نيرّى اللّيل والنّهار وهما الشّمس والقمر او ذوى آيتين ويؤيّد هذين التّقديرين قوله ليعلموا عدد السّنين فانّه يعلم عدد السّنين والحساب باختلاف القمر فى الاحوال، او جعلنا نفس اللّيل والنّهار آيتين ويكون المحو عبارةً عن نقصان النّور، وتأديته بهذه العبارة ليذهب السّامع بحسب الاحتمال كلّ مذهبٍ ممكنٍ، وهذا من سعة وجوه القرآن وليمكن تطبيق الآية على جميع مراتب اللّيل والنذهار كما مرّ مراراً ليسا مختصّين بالشّهودين المحسوسين بل يجريان فى جميع مراتب الوجود فانّ الملكوت السّفلى بالنّسبة الى الملك انقص نوراً وان كانت مجرّدة تجرّداً برزخيّاً فهى ليل بالنّسبة اليه، والملك بالنّسبة الى الملكوت العليا ليلٌ والملكوت العليا لاحتجابها بحجاب التّقدّر بالنّسبة الى النّفوس ليلٌ، والنّفوس لاحتاجابها بالتّعلّق التّدبيرىّ بالنّسبة الى الجبروت ليلٌ، وكلّ ذلك بجهته الامكانيّة ليل بالنّسبة الى جهته الالهيّة وهكذا الامر فى العالم الصّغير باضافة احواله من القبض والبسط والسّقم والصّحة والفقر والسّعة والخوف والامن، والمعنى جعلنا اللّيل والنّهار فى كلٍّ من مراتبهما آيتين {فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ} اى نقصنا نور آيةٍ هى اللّيل او آيةٍ مضافة الى اللّيل وهى القمر {وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} اى آية هى النّهار او آية مضافة الى النّهار ومبصرة من المجاز العقلىّ او من ابصره اذا جعله ذا ابصار، او من ابصر اذا اضاء او من أبصر اذا صار اهله بُصَراء {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} غاية لابصار آية النّهار تقديم آية اللّيل لتقدّمها طبعاً فى سلسلة الصّعود وفى انظار ذوى الآية وهم البشر، وتقديم غاية النّهار لشرافتها ولانّ غاية اللّيل غاية لهما {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} بسبب اختلاف القمر بالنّسبة الى اوضاعه مع الشّمس هلالاً وبدراً ومحاقاً {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} يعنى ليس انتظام اللّيل والنّهار والشّمس والقمر فقط لانتفاعكم بل كلّ شيءٍ فى العالم من المادّيّات الارضيّات والسّماويّات والمجرّدات المتقدّرات والمتعلّقات وغير المتعلّقات نظمناه نظماً انيقاً يعجز عن ادراك دقائق حكمه ومصالحة عقول البشر، والتّفصيل كما يستعمل فى التّمييز والتّبيين يستعمل فى التّنظيم الانيق فانّه نحو تبيينٍ لدقائق الحكم وتمييز لكلّ من الدّقائق عن الآخر.
فرات الكوفي
تفسير : {وجعلنا الليل والنهار آيتين12} [تقدم في الحديث الأول من سورة هود عن علي عليه السلام ما يرتبط بها]
الهواري
تفسير : قوله: { وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءَايَةَ الّيْلِ} وهي السواد الذي في القمر. ويقال مُحِيَ من ضوء القمر من مائة جزء تسعة وتسعون جزءاً وبقي منها جزء واحد. قال: { وَجَعَلْنَا ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} أي: منيرة، يعني به ضوء النهار. {لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمِْ} يعني بالنهار. { وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ} بالليل والنهار. { وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} أي: بيّنّاه تبييناً، وقال الحسن: فصّلنا الليل من النهار وفصلنا النهار من الليل، والشمس من القمر والقمر من الشمس. قوله: { وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} قال الحسن: طائره: عمله. قوله: { وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} قال بعضهم: سيقرأ يومئذٍ من لم يكن قارئاً في الدنيا. ذكروا عن أبي بن كعب قال: يُدعى الخلائق يوم القيامة للحساب؛ فإذا كان الرجل في الخير رأساً، يدعو إليه ويأمر به، ويكثر عليه تبعه، دعِيَ باسمه واسم أبيه، فيقوم، حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض في باطنه السيئات، وفي ظاهره الحسنات، فيبدأ بالسيئات فيقرأها فيشفق ويتغير لونه. فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك وقد غفرت لك فيفرح. ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته، فلا يزداد إلا فرجاً. ثم إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه حسناتك وقد ضوعفت لك، فيبيض وجهه، ويؤتى بتاج فيوضع على رأسه ويكسى حلتين، ويحل كل مفصل منه ويطول ستين ذراعاً، وهي قامة آدم. ويعطى كتابه بيمينه، فيقال له: انطلق إلى أصحابك فبشرهم وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا. فإذا أدبر قال: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍِ حِسَابِيَه} يقول الله: (أية : فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ).تفسير : [الحاقة:19-23] فيقول لأصحابه: هل تعرفونني؟ فيقولون: قد غيرتك كرامة الله، من أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان، ليبشر كل رجل منكم بمثل هذا. وإذا كان في الشر رأساً يدعو إليه، ويأمر به، ويكثر عليه تبعه، نودي باسمه واسم أبيه فيقدم إلى حسابه فيخرج له كتاب أسود بخط أسود، في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات. فيبدأ بالحسنات فيقرأها، فيفرح ويظن أنه سينجو. فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه حسناتك وقد ردت عليك، فيسود وجهه ويعلوه الحزن ويقنط من الخير. ثم يقلب كتاب فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزناً، ولا يزداد وجهه إلا سواداً. فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك وقد ضوعفت لك، فيعظم للنار حتى إن فخذه لتكون مسيرة ثلاثة أيام وجلده مقدار أربعين ذراعاً؛ وتَزْرَقُّ عيناه، ويسودّ لونه، ويكسى سرابيل القطران. ثم تخلع كفه اليسرى فتجعل وراء ظهره، ثم يعطى كتابه بشماله ويقال له: انطلق إلى أصحابك وخَبِّرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا. فينطلق به وهو يقول:{يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ القَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} قال الله تعالى: (أية : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ) تفسير : [الحاقة:25-32] فيسلك فيها سبعين ذراعاً كما قال الله؛ يسلك فيها سلكاً تدخل من فيه حتى تخرج من دبره. فينادي أصحابه فيقول: هل تعرفونني؟ فيقولون: لا ندري. ولكن نرى ما بك من الحزن، فمن أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان، ولكل إنسان منكم مثل هذا. ثم يُنصب للناس فتبدو فضائحه حتى [يُعيّر و] يتمنى أن لو انطلق به إلى النار استحياء مما يبدو منه. قوله: { كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} أي: شاهداً.
اطفيش
تفسير : {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} أعينهما أنفسهما، {آيَتَيْنِ} علامتين دالتين على وجودنا ووحدانيتنا وقدرتنا وحكمتنا تدلان بسبب تعاقبهما لأَنهما يتعاقبان على نسق واحد مع إِمكان غيره فدلا على أن لهما مدبراً خصهما بحال من الأَحوال الجائزة بل وجود الشئ مطلقاً بعد العدم دليل على أن له موجداً ليس حادثاً لأَن الشئ لا يوجد نفسه والحادث لا يوجد حادثاً {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ} الإِضافة للبيان أى آية هى الليل ومحوها إِنما هو إِدخال النهار عليه فيكون الإِشراق بالشمس فتزول الظلمة، {وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ} الإِضافة أيضاً للبيان أى جعلنا بنفسها آية هى النهار {مُبْصِرَةً} ترى هى بنفسها الأَشياء على طريق الإِسناد المجازى فإِن النهار لا يكون رائيا للأَشياء ولكن لما كان سبباً للرؤية وزماناً لها أسند إِليها الرؤية وذلك على أن مبصرة من أبصر المتعدى لواحد محذوف للعلم به والعموم أو لعدم تعلق غرض الكلام به أو يقدر مضاف أى مبصراً أهلها من أبصر المتعدى لواحد أى يبصر أهلها الأَشياء وحذف الواحد لما ذكر ويقرب من هذا الوجه الأَخير فى المعنى أن يكون من باب قولك أجبن الرجل أى صار أهله جبناء فيكون مفيد المعنى كقولك مبصراً أهلها بالهمزة فى أبصر المأْخوذ منه مبصرة لا بتقدير المضاف ويجوز أن يكون مبصرة بمعنى مضيئة، ويجوز أن يكون من أبصر المتعدى لاثنين بالهمزة المتعدى لواحد بدونها، أى تصيرهم باصرين الأَشياء وعلى كل فالمراد أن الله سبحانه وتعالى وعز وجل النهار مشرقاً تظهر فيه الأَشياء، وقيل إِتيان الشمس والقمر فيقدر مضاف أولا أى جعلنا نيرى الليل والنهار آيتين أو الآخر أى وجعلنا الليل والنهار ذوى آيتين والنيران هما الشمس والقمر، ومحو آية الليل وهى القمر جعلها فى نفسها طلساء غير منيرة، فإِنها إنما تستفيد النور من الشمس تشبه خلقها غير مضيئة بإِزالة ضوئها بعد وجوده بجامع عدم النور أو عبر عن خلقها غير مضيئة بالمحو، لأَن المحو فى الجملة سبب لعدم الإِضاءة وملزوم له ويجوز أن يكون المراد لمحو آية الليل نقص نورها شيئاً فشيئاً بحسب قربه من الشمس إِلى أن يستتر ويجوز أن يكون المراد بمحوها كون القمر لا يرى به الشئ رؤية بينة كما يرى بالشمس فعبر عن خلقه أنقص من الشمس بالمحور، لأَن المحو فى الجملة سبب للنقص وملزوم له، ويجوز أن يكون المراد أن القمر قد كان كالشمس فى الإِضاءة فأَزال الله جل وعلا من ضوئه إِلى أن بقى كما هو ليلة تمامه. قال ابن عباس: جعل الله نور الشمس مائة جزء، ونور القمر كذلك فمحا من نور القمر ستة وتسعين جزاء فجعلها من نور الشمس، وقل: محا من نوره تسعة وتسعين جزءا وبقى جزء واحد. وروى أن الله تبارك وتعالى أمر جبريل أن يمر جناحه على القمر ثلاث مرات فطمس ضوءه إلا ما بقى فيه ليلة تمامه، فمن ذلك كان فيه الكلف وهو ما يرى فيه من سواد وقد سأَل ابن الكوى علياً عن السواد الذى فى القمر فقال: هو أثر المحو ويدل لقول ابن عباس وما بعده الفاء بقى للموضوعة للتعقيب وتجعل على غيره لعطف المفصل على المجمل، فجعل الليل والنهار آيتين فحمل فصله بقوله فمحونا آية الليل.. الخ. وأما الشمس فباقية على ضوئها لم ينقص منه شئ وترى بها الأَشياء رؤية بينة وليس ضوؤها مستفادا من شئ تقابله بل خلقت فى نفسها مضيئة كخلقة النار {لِّتَبْتغُوا} تطلبوا بكسبكم فى بياض النهار {فَضْلاً} أسباب المعاش {مِّن رَّبِّكُمْ} وهو الذى يتفضل بها عليكم وتتوصلون إِلى بيان أعمالكم وضبطها بذلك البياض {وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} أى لتعلموا باختلاف الجديدين وهما الليل والنهار وعدد السنين وتعلموا جنس الحساب وما تحتاجون إِليه منه ولولا ذلك لتعطلت الأُمور ولم يدر حد لوقت ولا وقت حلول الدين أو الحج أو إِفطار الصائم. وروى عن على وأبى هريرة أن كل يوم يقول أنا يوم جديد وعلى ما تعمل شهيد وكذا الليلة تقول أنا ليلة جديدة وعلى ما تعمل شهيدة. وروى عن الغاز بن قيس أنه كان يقول ما من يوم يأَتى إِلا ويقول أنا يوم خلق جديد وعلى ما يفعل فى شهيد خذوا منى قبل أن أبيد فإِذا أمسى ذلك اليوم خر لله ساجداً فقال الحمد لله الذى لم يجعلنى اليوم العقيم يريد باليوم الليل والنهار أو النهار فقط ويعلم حكم الليل بالقياس عليه والعقيم الذى لم يذكر الله فيه أو الذى استؤصل فيه قوم عافانا الله بفضله وكرمه ومعرفة السنين والحساب للأَشهر والأَيام فى الشرع إِنما هى بالقمر لا بالشمس واعلم أن العدد للسنين والحساب للشهور والأَيام والساعات، وليس بعد السنين والشهور والأَيام والساعات إِلا التكرار فالأَسبوع مجتمع من أيام ولا يقال الشهر كذلك متكرر مجتمع منها لأَنه، ولو كان كذلك، لكنه متميز باستتار القمر آخر المدة وظهوره من أول المدة، وكذلك السنة ولو اجتمعت من آيام وشهور لكن تميزت بدوران الفصول الأَربعة واليوم ولو اجتمع من ساعات لكن تميز بغيبوبة الشمس فيكون أوله أول الليل وآخره آخر النهار {وَكُلَّ شَىْءٍ} بالنصف عطف على عدد أو الحساب وقوله {فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً} نعت لكل أو شئ ويجوز كون منصوبا على الاشتغال والمشغول هو فصلنا بعده، وهذا المعنى أولى وهو أيضا أنسب بما بعده فإِن علم كل شئ مفصل من جعل آية النهار مبصرة غير واضح وغير متبادر، وإِنما الواضح المتبادر أن يقال كل شئ يفتقر إِليه فى أمر الدين والدنيا قد فصله الله تفصيلا، أى بينه بيانا شافيا لا يلتبس حتى لا تبقى على الله حجة وقيل الشمس والقمر دليلان على التوحيد ونعمتان من الله عز وجل فقد فصل بهما الأَشياء، وقد علمت أن ليس المراد بالشئ كل شئ على الإِطلاق فإِن جد الأَشياء لا يعلمها بل ما نحتاج إِلى معرفته فإِنه هو المفصل لنا، ويجوز أن يراد التفصيل فى قدرة الله وعلمه وإِيجاده فيكون العموم على ظاهره.
اطفيش
تفسير : {وَجَعَلْنَا اللّيْلَ} قدمه لتقدمه وجوداً، ومنه ينسلخ النهار، ولأن به ظهور غرر الشهور العربية، ولترتيب غاية النهار عليها بلا واسطة، ولافتتاح السورة به، إذ قال: "أية : سبحان الذى أسْرَى بِعَبْدِهِ ليلاً". تفسير : [الإسراء: 1]. {وَالنَّهَارَ} ظلمة الليل وضوء النهار، واستمرار تعاقبهما، وإيلاج بعض فى بعض مع إمكان غير ذلك لحكمة {آيَتَيْنِ} دالتين على قدرتنا ووحدتنا، والجعل بمعنى الخلق، فآيتين حال مقدرة، لأن الدلالة بهما بعد وجود من يستدل بهما، وجعل حالا لأنه بمعنى المشتق، أى دالين، أو للتصيير فهو مفعول ثان، وهو من التصيير الذى لم يتقدمه غيره، كقولك: ضيق فم البئر أى من أول لا عن وسع سابق، وقولك: وسعه أى من أول لا عن ضيق سابق وأدرحيها وسجن من صغر البعوضة، وكبر الفيل، إلا أن يراد أَنهاه من صغر لكبره. {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللّيْلِ} الإضافة للبيان أى آية هى الليل ومحوه محو آخره بأول النهار، وفى هذا إبقاء المحو على حقيقته، وهى إزالة الثابت قبل، وهى إزالة ظلمته، هى الأصل الذى خلق عليه الليل، فأخبرنا الله عز وجل بأنه يزيل هذه الظلمة بضوء النهار، وقيل: المعنى جعلنا الليل مظلماً من أول كقولك: وسع فم البئر، وهذا ولو كان مجازاً لكن دل عليه مقابلته بجعل آية النهار مبصرة، واعترض بأَن مقابلته بجعل النهار مبصراً لا توجب جملة على المجاز لفائدة بيان إِبقاء بعض الزمان على أصله، وجعل بعضه مضيئاً، ولا يقال لا فائدة فى تفسير المحو بحقيقة زائدة على ما بعده، لأن نقول فائدته الإعلام بأن الليل مظلم أصالة، والنهار مزيل للإظلام الأصيل، ولو اقتصر على ذكر إبصار النهار لم يفد أصالة ظلمة الليل صراحا. {وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ} مثل ذلك أى آية هى النهار {مُبْصِرَةً} مضيئة، عبَّر عن الإضاءة بالإبصار، لأن الإضاءة سبب لحصول الإبصار بالعين، وذلك من إطلاق اسم المسبب على السبب، ويجوز أن يكون الإبصار لتعدية بصر، يقال: بصر بالشئ إذا علمه، فمعنى أبصرت الشئ علمته لا رأيته، وإسناد الإبصار إلى النهار من الإسناد إلى السبب، أو مبصرة للناس من أبصره فبصر، فيكون من الإسناد إلى السبب العادى، والمبصر حقيقة هو الله، فيكون ذلك مجازاً عقليا، أو مبصر أهله برفع أهل، فيكون من الإسناد إلى الزمان الملابس كقولك: أضعف الرجل إذا ضعفت ماشيته، وأجبن إذا جبن أهله من الإسناد إلى ملابس الفاعل، غيره الزمان. فلك أن تقول من باب حذف المضاف، أو الآيتان للشمس والقمر، أى وجعلنا فيرى الليل والنهار آيتين، وهما الشمس والقمر، أو جعلنا الليل والنهار ذوى آيتين، وذلك أنه لم يجعل ضوء القمر كضوء الشمس، بل دونه ويزداد وينقص، وضوء الشمس فيها، وضوء القمر منها، وكان القمر كالشمس فى النور، فكانت شمسان من نور عرشه فمحاه جبريل إلى حاله الآن كذا قيل فالسواد الذى فيه أثر المحو، جاء الحديث بذلك. وعن عكرمة: خلق الله نور الشمس سبعين جزءاً، ونور القمر كذلك. وأزيل منه إ ليها تسعة وستون، فلها مائة وتسعة وثلاثون جزءاً، فالقمر على جزء واحد، وفى رواية: محاه جبريل ثلاث مرات، وبقى كما هو الآن، وعلى غير هذا يكون المحو بمعنى جعل الليل كما هو من أول، لا محو عن شئ آخر. {لِتَبْتَغُوا} تطلبوا {فَضْلاً} رزقاً {مِنْ رَبِّكُمْ} بالكسب فى النهار، وهذا عائد إلى قوله تعالى: {جعلنا آية النهار مبصرة} متعلق به. وقوله: {وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} عائد إلى قوله: {فمحونا آية الليل} وقوله: {وجعلنا آية النهار مبصرة} فيقدر له متعلق أى فعلنا ذلك لتعلموا، ويجوز تقدير هذا قبل قوله: {لتبتغوا} والمعنى لتعلموا بتعاقب الليل والنهار عدد السنين والحساب، لأوقات المعاش، كآجال الديون والإجازات، وأوقات الزراعة، وأوقات الدين كالصلاة والحج والصوم والزكاة "أية : قل هى مواقيت للناس والحج" تفسير : [البقرة: 189] ولا يتكرر ذكر الحساب مع عدد السنين، لأن العدد موضوع الحساب لا نفسه، والعدد شئ حاصل، والحساب فعل الحاسب، وإنما لم أعلق لتعلموا بمحونا لوجود العاطف، وليس من باب العطف على معمولى عامل أو نحوه، ولا يتعلق بمحونا، وجعلنا التعليق الاصطلاحى، إذ لا يعمل عاملان فى واحد، والعاصف أيضا مانع. وثنى آية هنا، وأفردها فى قوله جل وعلا: "أية : وجعلنا ابن مريم وأمه آية" تفسير : [المؤمنون: 50] لتباين الليل والنهار من كل وجه، وتكررها بخلاف عيسى ومريم عليهما السلام، فإنهما لا يتكرران، وعيسى كجزء من مريم. {وَكُلَّ شَىْءٍ} يحتاج إليه فى دين أو دنيا، لا كل شئ على الإطلاق، ونصب على الاشتغال فى قوله: {فَصَّلْنَاهُ} أى وفصلنا كل شئ على الإطلاق، {تَفْصِيلاً} أى بيناه تبيينا لا مزيد عليه بالقرآن أو السنة، أو اجتهاد العلماء، وذلك كقوله تعالى: "أية : ما فرَّطنا فى الكتاب من شئ"تفسير : [الأنعام: 38] وقوله تعالى: "أية : ونزَّلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شئ"تفسير : [النحل: 89] ويبعد نصب كل عطف علىالحساب، أو على عدد، فيكون فصلناه نعتا لشئ. وكذا فى قوله: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ} أى إنسان مكلف، وأما غير المكلف فلا حساب عليه، ولا كتاب له، إلا ما عمل من حسنات. {أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ} أى وألزمنا كل إنسان ألزمناه، والاشتغال من باب التوكيد اللفظى مع اختصار بالحذف، ولا يقدر للتوكيد كل ما للمؤكد، فلا يقدر لأَلزمنا المقدار صائرا فى عنقه، لأن المراد تأكيد الإلزام فقط، كما أن الفاعل لأنك الأول معه، ولا فاعل للثانى فى قوله: شعر : * أتاك أتاك اللاحقون* تفسير : وكان أنه لا خبر لأن الثانية فى قولك: إن زيداً إن زيداً قائم، وطائره عمله، والتقدير الأولى شبه التقدير الأولى، والمقدرات من حيث كونها سبباً للفعل المكتسب بطائر على زعم العرب، ووجه الشبه المجئ من المقر الأصلى، وهو الضاد ومقر الطائر كانوا إذا أرادوا سفراً وتزوجاً ونحو ذلك أنفروا طائرا عن مكانه، فإذا سنح أى ذهب على يمينه فرحوا وفعلوا، أو برح أى ذهب إلى يساره تركوا، ويعبرون أيضا علوه إلى الجو، وإلى غير ذلك فينسبون السعادة والنحوسة إلى ذلك، ويعتبرون أيضاً طيرانه بنفسه أنه إزعاج فى ذلك، وكذلك يعملون بالوحش كالغزال فيزعجونه فيذهب يميناً وشمالا. وعبارة بعض لما كثر ذلك منهم سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشئ باسم لازمه، وعبارة بعض جعلوا الطائر سبباً للخير والشر، وأسندوها إليه بالسنوح والبروح فاستعير الطائر استعارة تصريحية لما كان سبباً لهما، وهو قدر الله والقدر من عمل العبد، وكما أن الطائر ينتقل من عشه، وهو ما يبنيه من عيدان ونحوها فى شجرة أو حائط أو كرره وهو ما فى جبل أو أرض أو حائط بلا بنيان بنحو الميدان إلى موضع، كذلك الحوادث تنتهى إلى الإنسان من علم الله جل وعلا. وعن ابن عباس: طائره عمله، أو الطائر ما يطير إليه أَى ينويه، وذكر العنق لأنه محل الزينة كالقلادة، والشين كالغل، وما قدر الله لأحد صار إليه كصائر يصير. وعن مجاهد: ما من مولود يولد إلا وفى عنقه ورقة مكتوب فيها أسعيد أو شقى، ويروى أن النطفة تجول فى جسد المرأة كله حتى الظفر وإذا تمت أربعون يوماً نزلت دماً فى الرحم، ويبقى الدم أربعين، والنطفة أربعين، وإذا تمت أربعة أشهر صور بشعر وطول وقصر، ولون ذكورة وأنوثة، جمال ودمامة، وكمال ونقص، ونفخ فيه الروح بسعادة آخر ذلك أو شقاوة. "حديث : قال ابن مسعود: يا رسول الله ما أول ما يلقى الميت فى قبره؟ قال صلى الله عليه وسلم:ما سألنى عنه أحد إلا أنت أول ما يناديه ملَك اسمه رومان يجوس خلال المقابر فيقول: يا عبد الله اكتب عملك، فيقول: لا دواة ولا قرطاس، فيقول: كفك قرطاسك، ومدادك ريقك، وقلمك أصبعك، فيقطع له قطعة من كفنه فيكتب حسناته وسيئاته ولا ينسى شيئاً كيوم واحد، ولو كان لا يكتب فى الدنيا، ويطوى الملَك القطعة، ويعلقها فى عنقه"تفسير : ، ثم قال صلى الله عليه وسلم: {وكل إنسان ألزمنا طائره فى عنقه}. {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا} مكتوباً فيه عمله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها {يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} قال الحسن: بسطت لك الأرض صحيحة، ووكل بك ملك عن يسارك يكتب سيئاتك، وإذا مت طويت وجعلت معك فى قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة، وكتاباً مفعولا به لنخرج، أو حال من مفعول محذوف وما هو ضمير الطائر أى ونخرجه له كتاباً مفعولا به لنخرج، أو حال من مفعول محذوف وما هو ضمير للطائر أى ونخرجه له كتاباً، ويلقاه ومنشوراً نعتان لكتابا فذلك من تقديم النعت بالجملة علىالنعت بالاسم، فالأولى أن منشوراً حال من الهاء على أنها للكتاب، وضمير يلقى للإنسان وجاز أن يقول: كيف ينزع الملكَ كتابه من عنقه وينشره فيقول له: اقرأ كتباك. كما قال الله عز وجل: {اقْرَأْ كِتَابَكَ} أى يقال له اقرأ كتابك وجملة يقال له الخ مستأنفة أو حال أو نعت وتم المقول فى قوله حسيبا وذلك النزع هو تطاير الصحف أو تنزل صحف من السماء بطائفة لما فى أعناقهم لا تغاير شيئاً، وزعم بعض أن الكتاب فى الموضعين نفس الإنسان المنتعشة بآثار أعماله، فإن الأفعال الاختيارية تحدث فى الروح آثاراً تدل على تلك الأفعال، كأنها صورها، ولذلك يفيد تكرارها لها ملكات أى كيفيات راسخة، وتلك الآثار قبل رسوخها أحوال، وبعدها ملكات، ولا بد مع ذلك أن يعطى كل أحد كتابه بيمينه أو بشماله وإلا كفر القائل بذلك. {كَفَى بِنَفْسِكَ} الباء صلة، ونفس فاعل {الْيَوْمَ} فى هذا اليوم يوم القيامة {عَلَيْكَ} متعلق بقوله {حَسِيبًا} حاسباً كضريب بمعنى ضارب، وصريم بمعنى صارم، يقال: حسب عليه كذا، أو كجليس وخليط وعشير، بمعنى المحاسب والمخالط والمعاشر، أو بمعنى الكافى وضع موضع الشهيد، فعدى بعلى، لأن الشاهد يكفى المدعى ما أهمه، وهو تمييز أو حال، وهو أولى لأن الأصل فى التمييز أن لا يكون مشتقا، وعلى كل حال لم يؤنث لتأويل النفس بالشخص، أو لتأويل حسيباً بشيئاً حسيباً، أو رجلا حسيباً، ومن شأن الشهادة والقضاء ونحوها، أن يتولاها الرجل، والكلام فى الرجل والمرأة تحملا لشمول الإنسان لهما فى قوله: {وكل إنسان ألزمناه}وإذا قدر إنساناً حسيباً، أو شيئاً حسيباً، أو شخصاً حسيباً صدق المرأة.
الالوسي
تفسير : {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءايَتَيْنِ} هذا على ما قيل شروع في بيان بعض ما ذكر من الهداية بالإرشاد إلى مسلك الاستدلال بالآيات والدلائل الآفاقية التي كل واحدة منها برهان نير لا ريب فيه ومنهاج بين لا يضل من ينتحيه فإن الجعل المذكور وما عطف عليه وإن كانا من الهدايات التكوينية لكن الإخبار بذلك من الهدايات القرآنية المنبهة على تلك الهدايات. وذكر الإمام في وجه الربط وجوهاً «الأول أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من نعم الدين وهو القرآن أتبعه ببيان ما أوصل إليهم من نعم الدنيا فقال سبحانه: {وَجَعَلْنَا} الخ، وكما أن القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه كذلك الزمان مشتمل على الليل والنهار وكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بالنهار والليل، الثاني أنه تعالى وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة بين أن كل أحوال العالم كذلك وهو الانتقال من النور إلى الظلمة وبالضد وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصان وبالضد، الثالث نحو ما نقلناه أولاً ولعله الأولى». وتقديم الليل لمراعاة الترتيب الوجودي إذ منه ينسلخ النهار وفيه تظهر غرر الشهور العربية ولترتيب غاية النهار عليها بلا واسطة. ومما يزيد تقديم الليل حسناً افتتاح السورة بقوله سبحانه {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } تفسير : [الإسراء: 1] والجعل على ما نقل عن السمين بمعنى التصيير متعد لاثنين أو بمعنى الخلق متعد لواحد و {ءايَتَيْنِ} حال مقدرة. واستشكل الأول الكرماني بأنه يستدعي أن يكون الليل والنهار موجودين على حالة ثم انتقلا منها إلى / أخرى وليس كذلك، ودفع بأنه من باب ـ ضيق فم الركية ـ وهو مجاز معروف واستظهر هذا أبو حيان. والمعنى جعلنا الملوين بهيآتهما وتعاقبهما واختلافهما في الطول والقصر على وتيرة عجيبة آيتين تدلال على أن لهما صانعاً حكيماً قادراً عليماً ويهديان إلى ما هدى إليه القرآن الكريم من الإسلام والتوحيد. {فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ} الإضافة هنا وفيما بعد إما بيانية كما في إضافة العدد إلى المعدود نحو أربع نسوة «أي محونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه مظلماً لا يستبين فيه شيء كما لا يستبين ما في اللوح الممحو» وإلى ذلك ذهب صاحب «الكشاف» وروي عن مجاهد وهو على نحو ـ ضيق فم الركية ـ والفاء تفسيرية لأن المحو المذكور وما عطف عليه ليسا مما يحصل عقيب جعل الجديدين آيتين بل هما من جملة ذلك الجعل ومتمماته. وقيل معنى محو الليل إزالة ظلمته بالضوء، ورجح بأن فيه إبقاء المحو على حقيقته وهو إزالة الشيء الثابت وليس فيما ذكره الزمخشري ذلك ولا ينبغي العدول عن الحقيقة بلا ضرورة. وتعقب بأنه يكفي ما بعده قرينة على تلك الإرادة فإن محو الليل في مقابلة جعل النهار مبصراً، وعلى ما ذكر من المعنى الحقيقي لا يتعلق بمحو الليل فائدة زائدة على ما بعده، وقيل عليه إن الظلمة هي الأصل والنور طارىء فكون الليل مخلوقاً مطموس الضوء مفروغ عنه فالمراد بيان أن الله تعالى خلق الزمان ليلاً مظلماً ثم جعل بعضه نهاراً بإحداث الإشراق لفائدة ذكرها سبحانه، وكون محو الليل في مقابلة جعل النهار مضيئاً لا يوجب حمله على المجاز لفائدة بيان إبقاء بعض الزمان على إظلامه وجعل بعضه مضيئاً اهـ ولا يخفى ما فيه من التكلف وأن المقام لا يلائمه فالمعول عليه ما في «الكشاف». {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي الآية التي هي النهار {مُبْصِرَةً} أي مضيئة فهو مجاز بعلاقة السببية أو الإسناد مجازي كما في ـ نهاره صائم ـ والمراد يبصر أهلها أو الصيغة للنسب أي ذات إبصارهم أو هي من أبصره المتعدي أي جعله مبصراً ناظراً والإسناد إلى النهار مجازي أيضاً من الإسناد إلى السبب العادي والفاعل الحقيقي هو الله تعالى أو من باب أفعل المراد به غير من أسند إليه كأضعف الرجل إذا كانت دوابه ضعافاً وأجبن إذا كان أهله جبناء فأبصرت الآية بمعنى صار أهلها بصراء. وروي ذلك عن أبـي عبيدة وهو معنى وضعي لا مجازي. وقرأ قتادة وعلي بن الحسين رضي الله عنهما {مُبْصِرَةً} بفتح الميم والصاد وهو مصدر أقيم مقام غيره وكثر مثل ذلك في صفات الأمكنة كارض مسبعة ومكان مضبة وإما إضافة لامية وآيتا الليل والنهار نيراهما القمر والشمس ويحتاج حينئذ في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءايَتَيْنِ} إلى تقدير مضاف في الأول والثاني أي جعلنا نيري الليل والنهار آيتين أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين أن جعل جعل متعدياً إلى مفعولين والليل والنهار هو المفعول الأول و(آيتين) الثاني، فإن عكس كما استظهره أبو حيان وجعل الليل والنهار نصباً على الظرفية في موضع المفعول الثاني أي جعلنا في الليل والنهار آيتين وهما النيران لا يحتاج إلى تقدير كما إذا جعل الجعل متعدياً لواحد والليل والنهار منصوبان على الظرفية كما جوزه المعربون. ومحو آية الليل وهي القمر على ما تدل عليه الآثار إزالة ما ثبت لها من النور يوم خلقت، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية إنه قال كان القمر يضيء كما تضيء الشمس وهو آية الليل فمحي فالسواد الذي في القمر أثر ذلك المحو. / وأخرج عبد بن حميد. وغيره عن عكرمة أنه قال: خلق الله تعالى نور الشمس سبعين جزأ ونور القمر سبعين جزأ فمحى من نور القمر تسعة وستين جزأ فجعله مع نور الشمس فالشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزأ والقمر على جزء واحد. وأخرج ابن أبـي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: كانت شمس بالليل وشمس بالنهار فمحى الله تعالى شمس الليل فهو المحو الذي في القمر، وأخرج البيهقي في «دلائل النبوة» وابن عساكر عن سعيد المقبري أن عبد الله بن سلام سأل النبـي صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر فقال: كانا شمسين وقال قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ} فالسواد الذي رأيت هو المحو، وفي حديث طويل أخرجه ابن أبـي حاتم وابن مردويه بسند واه عن ابن عباس مرفوعاً «حديث : إن الله تعالى خلق شمسين من نور عرشه فأرسل جبريل عليه السلام فأمر جناحه على وجه القمر وهو يومئذ شمس ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور وذلك قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءايَتَيْنِ}» تفسير : الآية إلى غير ذلك من الآثار. والفاء على هذا للتعقيب، وجعل آية النهار وهي الشمس مبصرة على نحو ما تقدم فتبصَّر. وقيل محو القمر إما خلقه كمدا مطموس النور غير مشرق بالذات على ما ذكره أهل الهيئة من أنه غير مضيء في نفسه بل نوره مستفاد من ضوء الشمس فالفاء تفسيرية كما مر وإما نقص ما استفاده من الشمس شيئاً فشيئاً بحسب الرؤية والإحساس إلى أن ينمحق على ما هو معنى المحو فالفاء للتعقيب. وذكر الإمام في محوه قولين، أحدهما نقص نوره قليلاً قليلاً إلى المحاق، وثانيهما جعله ذا كلف ثم قال: «حمله على الوجه الأول أولى لأن اللام في الفعلين بعد متعلق بما هو المذكور قبل وهو محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة، ومحو آية الليل إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله تعالى إذا حملنا محو القمر على زيادة نور القمر ونقصانه لأن سبب حصول هذه الآية مختلف باختلاف أحوال نور القمر وأهل التجارب أثبتوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه مثل أحوال البحار في المد والجزر ومثل أحوال البحرانات على ما يذكره الأطباء في كتبهم، وأيضاً بسبب زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون العربية المبنية على رؤية الهلال كما قال سبحانه {وَلِتَعْلَمُواْ} الخ» اهـ. وأنت تعلم أنه متى دل أثر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكرناه أولاً لا ينبغي أن يدعى أن غيره أولى، وهو لعمري وجه لا كلف فيه عند من له عين مبصرة. وللفلاسفة في هذا المحو المرئي في وجه القمر كلام طويل لا بأس بأن تحيط به خبراً فنقول: ذكر الإمام في «المباحث المشرقية» أن امتناع بعض المواضع في وجه القمر عن قبول الضوء التام إما أن يكون بسبب خارج عن جرم القمر أو غير خارج عنه فإن كان بسبب خارج فإما أن يكون لمثل ما يعرض للمرايا من وقوع أشباح الأشياء فيها فإذا رؤيت تلك الأشياء لم تر براقة فكذلك القمر لما تصورت فيه أشباح الجبال والبحار وجب أن لا ترى تلك المواضع في غاية الاستنارة، وإما أن يكون ذلك بسبب ساتر والأول باطل، أما أولا فلأن الأشباح لا تنحفظ هيآتها مع حركة المرآة وبتقدير سكونها لا تستقر تلك الأشباح فيها عند اختلاف مقامات الناظرين والآثار التي في وجه القمر ليست كذلك، وأما ثانياً فلأن القمر ينعكس الضوء عنه إلى البصر وما كان كذلك لم يصلح للتخييل، وأما ثالثاً فلأنه كان يجب أن تكون تلك الآثار كالكرات لأن الجبال في الأرض كتضريس أو خشونة في سطح كرة وليس لها من المقدار قدر ما يؤثر في كرية الأرض فكيف لأشباحها المرئية في المرآة. / وأما إن كان ذلك بسبب ساتر فذلك الساتر إما أن يكون عنصرياً أو سماوياً والأول باطل، أما أولا فلأنه كان يجب أن يكون المواضع المتسترة من جرم القمر مختلفة باختلاف مقامات الناظرين، وأما ثانياً فلأن ذلك الساتر لا يكون هواء صرفاً ولا ناراً صرفة لأنهما شفافان فلا يحجبان بل لا بد وأن يكون مركباً إما بخاراً وإما دخاناً وذلك لا يكون مستمراً، وأما إن كان الساتر سماوياً فهو الحق وذلك إنما يكون لقيام أجسام سماوية قريبة المكان جداً من القمر وتكون من الصغر بحيث لا يرى كل واحد منها بل جملتها على نحو مخصوص من الشكل وتكون إما عديمة الضوء أو لها ضوء أضعف من ضوء القمر فترى في حالة إضاءته مظلمة، وأما إن كان ذلك بسبب عائد إلى ذات القمر فلا يخلو إما أن يكون جوهر ذلك الموضع مساوياً لجواهر المواضع المستنيرة من القمر في الماهية أو لا يكون فإن لم يكن كان ذلك لارتكاز أجرام سماوية مخالفة بالنوع للقمر في جرمه كما ذكرناه قبل وهو قريب منه. وإما أن تكون تلك المواضع مساوية الماهية لجرم القمر فحينئذ يمتنع اختصاصها بتلك الآثار إلا بسبب خارجي لكنه قد ظهر لنا أن الأجرام السماوية لا تتأثر بشيء عنصري وبذلك أبطل قول من قال: إن ذلك المحو بسبب انسحاق عرض القمر من مماسة النار، أما أولاً فلأن ذلك يوجب أن يتأدى ذلك في الأزمان الطويلة إلى العدم والفساد بالكلية والأرصاد المتوالية مكذبة لذلك، وأيضاً القمر غير مماس للنار لأنه مفرق في ذلك تدويره الذي هو في حامله الذي بينه وبين النار بعد بعيد بدليل أن النار لو كانت ملاقية لحامله لتحركت بحركته إلى المشرق وليس كذلك لأن حركات الشهب في الأكثر لا تكون إلا إلى جهة المغرب وتلك الحركة تابعة لحركة النار والحركة المستديرة ليست للنار بذاتها فإنها مستقيمة الحركة فذلك لها بالعرض تبعاً لحركة الكل فبطل ما قالوه اهـ. وذكر الآمدي في «أبكار الأفكار» زيادة على ما يفهم مما ذكر من الأقوال وهي أن منهم من قال: إن ما يرى خيال لا حقيقة له، ورده بأنه لو كان كذلك لاختلف الناظرون فيه؛ ومنهم من قال: إنه السواد الكائن في القمر في الجانب الذي لا يلي الشمس، ورده بأنه لو كان كذلك لما رؤي متفرقاً، ومنهم من قال: إنه وجه القمر فإنه مصور بصورة وجه الإنسان وله عينان وحاجبان وأنف وفم، ورده بأنه مع بعده يوجب أن يكون فعل الطبيعة عندهم معطلاً عن الفائدة لأن فائدة الحاجبين عندهم دفع أذى العرق عن العينين وفائدة الأنف الشم وفائدة الفم دخول الغذاء وليس للقمر ذلك، وقد رد عليهم رحمة الله تعالى عليه سائر ما ذكروه. وذكر الإمام في «التفسير» «أن آخر ما ذكره الفلاسفة في ذلك أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك ولما كانت تلك الأجرام أقل ضوأ من جرم القمر لا جرم شوهدت في وجهه كالكلف في وجه الإنسان وفي ارتكازها في بعض أجزائه دون بعض كونه متشابه الأجزاء عندهم دليل على الصانع المختار كما أن في تخصيص بعض أجزائه بالنور القوي وبعضها بالنور الضعيف مع تشابه الأجزاء دليلاً على ذلك. ومثل هذا التخصيص في الدلالة تخصيص بعض جوانب الفلك الذي هو عندهم أيضاً جرم بسيط متشابه الأجزاء بارتكاز الكواكب فيه دون البعض الآخر». وزعم بعض أهل الآثار أنه مكتوب في وجه القمر لا إله إلا الله، وقيل لفظ جميل، وقيل غير ذلك / وأن المحو المرئى هو تلك الكتابة ولا يعول على شيء من ذلك، نعم مكتوب على كل شيء لا إله إلا الله وكذا جميل ولكن ذلك بمعنى آخر كما لا يخفى. ونقل لي عن أهل الهيئة الجديدة أنهم يزعمون أن القمر كالأرض فيه الجبال والوهاد والأشجار والبحار وأنهم شاهدوا ذلك في أرصادهم وأن المواضع التي لا يرى فيها محو هي البحار والتي فيها محو هي أرض غير مستوية وزعموا أنه لو وصل أحد إلى القمر لرأى الأرض كذلك ومن هنا قالوا لا يبعد أن يكون معموراً بخلائق نحو عمارة الأرض بل قالوا: إن جميع الكواكب مثله في ذلك قياساً عليه وإن كانت لا يرى فيها لمزيد بعدها ما يرى فيه وبعيد من الحكمة أن يعمر الله تعالى الأرض بالخلق على صغرها ويترك أجساماً عظيمة أكثرها أعظم من الأرض خالية بلا خلق على كبرها وهم منذ غرهم القمر تشبثوا بحباله في عمل الحيل للعروج إليه فصنعوا سفناً زئبقية فعرجوا فيها فقبل أن يصلوا إلى كرة البخار انتفخت أجسامهم وضلت كما ضلت من قبل أفهامهم فانقلبوا صاغرين وهبطوا خاسئين، وأنت تعلم أن كلامهم في هذا الباب مخالف لأصول الفلسفة ولا برهان لهم عليه سوى السفه ومنشؤه محض أنهم رأوا شيئاً في القمر ولم يتحققوه وظنوه ما ظنوه وأي مانع من أن يكون قد جعل الله تعالى المحو على وجه يتخيل فيه ذلك بل لا مانع على أصولنا من أن يقال: قد جعل الله تعالى في القمر أجراماً تشبه ما حسبوه لكن لم يرد في ذلك شيء عن الصادق صلى الله عليه وسلم وهو الذي عرج به إلى قاب قوسين أو أدنى، وما ذكروه من أنه بعيد من الحكمة أن يعمر الله تعالى الأرض الخ يلزم عليه أن يكون ما بين الكواكب ككواكب الدب الأكبر مثلاً معموراً بالخلائق كالأرض أيضاً فإنه أوسع منها بأضعاف مضاعفة وهم لا يقولون به على أنا نقول قد جاء «حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد» تفسير : فيجوز أن يكون على جرم القمر ملائكة يعبدون الله تعالى بما شاء وكيف شاء بل يجوز أن يكون عند كل ذرة من ذراته ملك كذلك وهذا نوع من العمارة بالخلق، والأحسن عند من عز عليه وقته عدم الالتفات إلى مثل هذه الخرافات وتضييع الوقت في ردها والله سبحانه الموفق. ثم ما تقدم من أن المحو نقص ما استفاده القمر من الشمس شيئاً فشيئاً فيه القول بأن نور القمر مستفاد من نور الشمس وقد عد الجل من العلماء ذلك في الحدسيات وذكروا أن الشمس مضيئة بنفسها وكلا الأمرين مما ذكره الفلاسفة وليس له في الشرع مستند يعول عليه، وقد نقله الآمدي وتعقبه فقال: ذكروا أن الشمس نيرة بنفسها وما المانع من كونها سوداء الجرم والله تعالى يخلق فيها النور في أوقات مشاهدتنا لها، وأن تكون مستنيرة من كواكب أخرى فوقها وهي مستورة عنا ببعض الأجرام السماوية المظلمة كما يحدث للشمس في حالة الكسوف، وإن سلمنا أنها نيرة بنفسها فلا نسلم أن نور القمر مستفاد منها وما المانع من كون الرب تعالى يخلق فيه النور في وقت دون وقت أو أن يكون مع كونه مركوزاً في فلكه دائراً على مركز نفسه وأحد وجهيه نير والآخر مظلم كما كان بعض أجزاء الفلك شفافاً وبعضها نيراً وهو متحرك بحركة مساوية لحركة فلكه ويكون وجهه المضيء عند مقابلة الشمس وهو الذي يلينا ويكون الزيادة والنقصان فيما يظهر لنا على حسب بعده وقربه من الشمس فلا يكون مستنيراً من الشمس اهـ. وأورد أنه إذا ضم الخسوف إلى الزيادة والنقصان قرباً وبعداً لا يتم ما ذكره وصح ما ذكروه من الاستفادة. / وأجيب بأنه ما المانع من أن يكون الخسوف لحيلولة جرم علوي بيننا وبينه لا لحيلولة الأرض بينه وبين الشمس فلا بد لنفي ذلك من دليل فافهم والله تعالى أعلم وهو المتصرف في ملكه كيفما يشاء. {لّتَبْتَغُواْ} متعلق بقوله تعالى: {وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ} وفي الكلام مقدر أي جعلنا آية النهار مبصرة لتطلبوا لأنفسكم فيه {فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } أي رزقاً إذ لا يتسنى ذلك في الليل «وفي التعبير عن الرزق بالفضل وعن الكسب بالابتغاء والتعرض لصفة الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال شيئاً فشيئاً دلالة كما قال شيخ الإسلام: على أن ليس للعبد في تحصيل الرزق تأثير سوى الطلب وإنما الاعطاء إلى الله سبحانه لا بطريق الوجوب عليه تعالى بل تفضلاً بحكم الربوبية» ومعنى تأثير الطلب على نحو تأثير الأسباب العادية فإنه من جملتها ولا توقف حقيقة للرزق عليه، وفي الخبر حديث : يطلبك رزقك كما يطلبك أجلكتفسير : ، ولله تعالى در القائل:شعر : لقد علمت وما الإشراف من خلقي أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى إليه فيعييني تطلبه ولو قعدت أتاني لا يعنيني تفسير : {وَلِتَعْلَمُواْ} متعلق كما قيل بكلا الفعلين أعني محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة لا بأحدهما فقط إذ لا يكون ذلك بانفراده مداراً للعلم المذكور أي لتعلموا بتفاوت الجديدين أو نيريهما ذاتاً من حيث الإظلام والإضاءة مع تعاقبهما أو حركتهما وأوضاعهما وسائر أحوالهما {عَدَدَ ٱلسّنِينَ} التي يتعلق بها غرض علمي لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية. {وَٱلْحِسَابَ} أي الحساب المتعلق بما في ضمنها من الأوقات أي الأشهر والليالي والأيام وغير ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة، ونفس السنة من حيث تحققها مما ينتظمه الحساب وإنما الذي يتعلق به العد طائفة منها وتعلقه في ضمن ذلك بكل واحدة منها ليس من حيثية التحقق والتحصل من عدة أشهر حصل كل واحد منها من عدة أيام حصل كل واحد منها من طائفة من الساعات مثلاً فإن ذلك من وظيفة علم الحساب بل من حيث إنها فرد من طائفة السنين المعدودة (يعدها أي يفنيها) من غير أن يعتبر في ذلك تحصيل شيء معين كما حقق ذلك شيخ الإسلام. وقيل: المعنى لتعلموا باختلافهما وتعاقبهما على نسق واحد أو بحركاتهما عدد السنين الخ المراد بالحساب جنسه أي الجاري في المعاملات كالإجارات والبيوع المؤجلة وغير ذلك؛ وذكر بعضهم أن الظاهر المناسب أن المراد لتعلموا بالليل فإن عدد السنين الشرعية والحساب الشرعي يعلمان به غالباً أو بالقمر لقوله تعالى في الأهلة {أية : قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ} تفسير : [البقرة: 189] وأنت تعلم أن السنين شمسية وقمرية وبكل منهما العمل فلو قيل إحدى الآيتين مبينة لأحدهما والأخرى للآخر لا محذور فيه، وكون الشرع معولاً على أحدهما لا يضر، وتقديم العدد على الحساب من أن الترتيب بين متعلقيهما على ما سمعت أولاً وجوداً وعدماً على العكس للتنبيه من أول الأمر على أن متعلق الحساب ما في تضاعيف السنين من الأوقات أو لأن العلم المتعلق بعدد السنين علم إجمالي بما تعلق به الحساب تفصيلاً أو لأن العلم المتعلق بالأول أقصى المراتب فكان جديراً بالتقديم في مقام الامتنان أو لأن العدد نازل من الحساب منزلة البسيط من المركب بناء على ما حقق من أن الحساب إحصاء ما له كمية منفصلة بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين منه له اسم خاص وحكم مستقل والعدد إحصائه / بمجرد تكرير أمثاله من غير أن يتحصل شيء كذلك ولهذا وكون السنين مما لم يعتبر فيها حد معين له اسم خاص وحكم مستقل أضيف أضيف إليها العدد وعلق الحساب بما عداها فتدبر. {وَكُلَّ شىْء} تفتقرون إليه في معاشكم ومعادكم سوى ما ذكر من جعل الليل والنهار آيتين وما يتبعه من المنافع الدينية والدنيوية وهو منصوب بفعل يفسره قوله تعالى: {فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} وهذا من باب الاشتغال ورجح النصب لتقدم جملة فعلية، وجوز أن يكون معطوفاً على {ٱلْحِسَابَ} وجملة {فَصَّلْنَاهُ} صفة (شيء) وهو بعيد معنى. والتفصيل من الفصل بمعنى القطع والمراد به الإبانة التامة وجيء بالمصدر للتأكيد. فالمعنى بينا كل شيء، في القرآن الكريم بياناً بليغاً لا التباس معه كقوله تعالى: {أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء} تفسير : [النحل: 89] فظهر كونه هادياً للتي هي أقوم ظهوراً بينا.
ابن عاشور
تفسير : عطف على {أية : ويدع الإنسان بالشر}تفسير : [الإسراء: 11]، الخ. والمناسبة أن جملة {ويدع الإنسان} تتضمن أن الإبطاء تأخير الوعد لا يرفعه وأن الاستعجال لا يجدي صاحبه لأن لكل شيء أجلاً، ولما كان الأجل عبارة عن أزمان كان مشتملاً على ليللٍ ونهارٍ متقضّييَنْ. وهذا شائع عند الناس في أن الزمان مُتقض وإن طال. فلما أريد التنبيه على ذلك أدمج فيه ما هو أهم في العبرة بالزمنين وهو كونهما آيتين على وجود الصانع وعظيم القدرة، وكونهما منتين على الناس، وكون الناس ربما كرهوا الليل لظلمته، واستعجلوا انقضاءه بطلوع الصباح في أقوال الشعراء وغيرهم، ثم بزيادة العبرة في أنهما ضدان، وفي كل منهما آثار النعمة المختلفة وهي نعمة السير في النهار. واكتفي بعدِّها عن عدّ نعمة السكون في الليل لظهور ذلك بالمقابلة، وبتلك المقابلة حصلت نعمة العلم بعدد السنين والحساب لأنه لو كان الزمن كله ظلمةً أو كله نوراً لم يحصل التمييز بين أجزائه. وفي هذا بعد ذلك كله إيماء إلى ضرب مثل للكُفر والإيمان، وللضلال والهدى، فلذلك عُقب به قوله: {أية : وآتينا موسى الكتاب}تفسير : [الإسراء: 2] الآية، وقوله: {أية : إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم} تفسير : [الإسراء: 9] إلى قوله: {أية : أعتدنا لهم عذاباً}تفسير : [الإسراء: 10]، ولذلك عقب بقوله بعده {أية : من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه}تفسير : الآية [الإسراء: 15]. وكل هذا الإدماج تزويد للآية بوافر المعاني شأن بلاغة القرآن وإيجازه. وتفريع جملة {فمحونا آية الليل} اعتراض وقع بالفاء بين جملة {وجعلنا الليل والنهار} وبين متعلقة وهو {لتبتغوا}. وإضافة آية إلى الليل وإلى النهار يجوز أن تكون بيانية، أي الآية التي هي الليل، والآية التي هي النهار. ويجوز أن تكون آية الليل الآية الملازمة له وهي القمر، وآية النهار الشمس، فتكون إعادة لفظ (آية) فيهما تنبيهاً على أن المراد بالآية معنى آخر وتكون الإضافة حقيقيّة، ويصير دليلاً آخر على بديع صنع الله تعالى وتذكيراً بنعمة تكوين هذين الخلقين العظيمين. ويكون معنى المحو أن القمر مطموس لا نور في جرمه ولكنه يكتسب الإنارة بانعكاس شعاع الشمس على كُرَتِهِ، ومعنى كون آية النهار مبصرة أن الشمس جعل ضوؤها سببَ إبصار الناس الأشياء، فــــ {مبصرة} اسم فاعل (أبصر) المتعدي، أي جعل غيره باصراً. وهذا أدق معنى وأعمق في إعجاز القرآن بلاغة وعلماً فإن هذه حقيقة من علم الهيئة، وما أعيد لفظ (آية) إلا لأجلها. والمحو: الطمس. وأطلق على انعدام النور، لأن النور يُظهر الأشياء والظلمة لا تظهر فيها الأشياءُ، فشبه اختفاء الأشياء بالمحو كما دل عليه قوله في مقابله: {وجعلنا آية النهار مبصرة}، أي جعلنا الظلمة آية وجعلنا سبب الإبصار آية. وأطلق وصف {مبصرة} على النهار على سبيل المجاز العقلي إسناداً للسبب. وقوله: {لتبتغوا فضلا من ربكم} عِلة لخصوص آية النهار من قوله: {آيتين} وجاء التعليل لحكمة آية النهار خاصةً دون ما يقابلها من حكمة الليل لأن المنة بها أوضح، ولأن من التنبه إليها يحصل التنبه إلى ضدها وهو حكمة السكون في الليل، كما قال:{أية : لتسكنوا فيه والنهار مبصراً}تفسير : كما تقدم في سورة [يونس: 67]. ثم ذكرت حكمة أخرى حاصلة من كلتا الآيتين. وهي حكمة حساب السنين، وهي في آية الليل أظهر لأن جمهور البشر يضبط الشهور والسنين بالليالي، أي حساب القمر. والحساب يشمل حساب الأيام والشهور والفصول فعطفه على {عدد السنين} من عطف العام على الخاص للتعميم بعد ذكر الخاص اهتماماً به. وجملة {وكل شيء فصلناه تفصيلا} تذييل لقوله: {وجعلنا الليل والنهار آيتين} باعتبار ما سيق له من الإشارة إلى أن للشر والخير الموعود بهما أجلاً ينتهيان إليه. والمعنى: أن ذلك الأجل محدود في علم الله تعالى لا يعدوه، فلا يقرّبه استعجال ولا يؤخره استبطاء لأن الله قد جعل لكل شيء قدراً لا إبهام فيه ولا شك عنده. شعر : أن للخير وللشر مَدى ......................... تفسير : فلا تحسبوا ذلك وعداً سُدى. والتفصيل: التبيين والتمييز وهو مشتق من الفصل بمعنى القطع لأن التبيين يقتضي عدم التباس الشيء بغيره. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : كتاب أحكمت آياته ثم فُصلت}تفسير : صدر [هود: 1]. والتفصيل في الأشياء يكون في خلقها، ونظامها، وعلِم الله بها، وإعلامه بها. فالتفصيل الذي في علم الله وفي خلقه ونواميس العوالم عام لكل شيء وهو مقتضى العموم هنا. وأما ما فصله الله للناس من الأحكام والأخبار فذلك بعض الأشياء، ومنه قوله تعالى: {أية : يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون} تفسير : [الرعد: 2] وقوله:{أية : قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون}تفسير : [الأنعام: 97]. وذلك بالتبليغ على ألسنة الرسل وبما خلق في الناس من إدراك العقول، ومن جملة ما فصله للناس الإرشاد إلى التوحيد وصالح الأعمال والإنذار على العصيان. وفي هذا تعريض بالتهديد. وانتصب {كل شيء} بفعل مضمر يفسره {فصلناه} لاشتغال المذكور بضمير مفعول المحذوف.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه جعل الليل والنهار آيتين. أي علامتين دالتين على أنه الرب المستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك معه غيره. وكرر تعالى هذا المعنى في مواضع كثيرة. كقوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ}تفسير : [فصلت37] الآية، وقوله: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ}تفسير : [يس:37] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ}تفسير : [يونس:6]، وقوله {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [آل عمران:190]، وقوله: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ}تفسير : [البقرة:164] - إلى قوله - {أية : لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }تفسير : [البقرة:164]، وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [المؤمنون:80]، وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً}تفسير : [الفرقان:62]، وقوله: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ}تفسير : [الزمر:5]، وقوله: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}تفسير : [الأنعام:96]، وقوله {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}تفسير : [الشمس:1-4] الآية، وقوله: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ }تفسير : [الليل:1-2] الآية، وقوله: {أية : وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}تفسير : [الضحى:1-2] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} [الإسراء:12] يعني أنه جعل الليل مظلماً مناسباً للهدوء والراحة، والنهار مضيئاً مناسباً للحركة والاشتغال بالمعاش في الدنيا. فيسعون في معاشهم، في النهار، ويستريحون من تعب العمل بالليل. ولو كان الزمن كله ليلاً لصعب عليهم العمل في معاشهم، ولو كان كله نهاراً لأهلكهم التعب من دوام العمل. فكما أن الليل والنهار آيتان من آياته جلَّ وعلا، فهما أيضاً نعمتان من نعمه جلَّ وعلا. وبين هذا المعنى المشار إليه هنا في مواضع أخر، كقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [القصص:71-73]. فقوله: {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} أي في الليل. وقوله: {وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي في النهار وقوله: {أية : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً وَجَعَلْنَا ٱللَّيْلَ لِبَاساً وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً}تفسير : [النبأ:9-11] الآية، وقوله: {أية : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً}تفسير : [الفرقان:47] وقوله:{أية : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ}تفسير : [الروم:23] الآية، وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ}تفسير : [الأنعام:60]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} [الإسراء:12] بين فيه نعمة أخرى على خلقه، وهي معرفتهم عدد السنين والحساب. لأنهم باختلاف الليل والنهار يعلمون عدد الأيام والشهور والأعوام، ويعرفون بذلك يوم الجمعة ليصلوا فيه صلاة الجمعة، ويعرفون شهر الصوم، وأشهر الحج، ويعلمون مضي أشهر العدة لمن تعتد بالأشهر المشار إليها في قوله: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ}تفسير : [الطلاق:4]، وقوله {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}تفسير : {البقرة:234]. ويعرفون مضي الآجال المضروبة للديون والإجارات، ونحو ذلك. وبين جلَّ وعلا هذه الحكمة في مواضع أخر، كقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}تفسير : [يونس:5]. وقوله جلَّ وعلا: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ}تفسير : [البقرة:189]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: {فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء:12] فيه وجهان من التفسير للعلماء: أحدهما - أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: وجعلنا نيرى الليل والنهار، أي الشمس والقمر آيتين. وعلى هذا القول - فآية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس. والمحو الطمس. وعلى هذا القول - فمحو آية الليل قيل معناه السواد الذي في القمر. وبهذا قال علي رضي الله عنه، ومجاهد، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقيل: معنى {فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ} [الإسراء:12] أي لم نجعل في القمر شعاعاً كشعاع الشمس ترى به الأشياء رؤية بينة. فنقص نور القمر عن نور الشمس هو معنى الطمس على هذا القول. وهذا أظهر عندي لمقابلته تعالى له بقوله: {وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء:12] والقول بأن معنى محو آية الليل: السواد الذي في القمر ليس بظاهر عندي وإن قال به بعض الصحابة الكرام، وبعض أجلاء أهل العلم! وقوله: {وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ} على التفسير المذكور أي الشمس {مُبْصِرَةً} أي ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء على حقيقته. قال الكسائي: هو من قول العرب: أبصر النهار: إذا أضاء وصار بحالة يبصر بها - نقله عنه القرطبي. قال مقيده عفا الله عنه: هذا التفسير من قبيل قولهم: نهاره صائم، وليله قائم. ومنه قوله: شعر : لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المحب بنائم تفسير : وغاية ما في الوجه المذكور من التفسير: حذف مضاف، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب إن دلت عليه قرينة. قال في الخلاصة: شعر : وما يلي المضاف يأتي خلفا عنه في الإعراب إذا ما حذفا تفسير : والقرينة في الآية الكريمة الدالة على المضاف المحذوف قوله: {فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء:12] فإضافة الآية إلى الليل والنهار دليل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما أنفسهما. وحذف المضاف كثيرة في القرآن كقوله: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا}تفسير : [يوسف:82]، وقوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ}تفسير : [النساء:23] أي نكاحها وقوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ}تفسير : [المائدة:3] أي أكلها، ونحو ذلك. وعلى القول بتقدير المضاف، وأن المراد بالآيتين الشمس والقمر - فالآيات الموضحة لكون الشمس والقمر آيتين تقدمت موضحة في سورة النحل. الوجه الثاني من التفسير - أن الآية الكريمة ليس فيها مضاف محذوف، وأن المراد بالآيتين نفس الليل والنهار، لا الشمس والقمر. وعلى هذا القول فإضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، تنزيلاً لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف في المعنى. وإضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ كثيرة في القرآن وفي كلام العرب. فمنه في القرآن قوله تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ}تفسير : [البقرة:185] الآية، ورمضان هو نفس الشهر بعينه على التحقيق، وقوله: {أية : وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ}تفسير : [يوسف:109] الآية، والدار هي الآخرة بعينها. بدليل قوله في موضع آخر: {أية : وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ}تفسير : [الأنعام:32] بالتعريف، والآخرة نعت للدار. وقوله: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ}تفسير : [ق:16] والحبل هو الوريد، وقوله: {أية : وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءِ}تفسير : [فاطر:43] الآية، والمكر هو السيء بدليل قوله {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ }تفسير : [فاطر:43]. ومن أمثلته في كلام العرب قول امرىء القيس: شعر : كبكر المقاناة البياض بصفرة غذاها نمير الماء غير المحلل تفسير : لأن المقاناة هي البكر بعينها، وقول عنترة في معلقته: شعر : ومشك سابغة هتكت فروجها بالسيف عن حامي الحقيقة معلم تفسير : لأن مراده بالمشك: السابغة بعينها. بدليل قوله: هتكت فروجها. لأن الضمير عائد إلى السابغة التي عبر عنها بالمشك. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة فاطر. وبينا أن الذي يظهر لنا: أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف لفظ المضاف والمضاف إليه أسلوب من أساليب اللغة العربية. لأن تغاير اللفظين ربما نزل منزلة التغاير المعنوي. لكثرة الإضافة المذكورة في القرآن وفي كلام العرب. وجزم بذلك ابن جرير في بعض مواضعه في القرآن. وعليه فلا حاجة إلى التأويل المشار إليه بقوله في الخلاصة: شعر : ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهماً إذا ورد تفسير : ومما يدل على ضعف التأويل المذكور قوله: شعر : وإن يكونا مفردين فأضف حتما وإلا أتبع الذي ردف تفسير : لأن إيجاب إضافة العلم إلى اللقلب مع اتحادهما في المعنى إن كانا مفردين المستلزم للتأويل، ومنع الإتباع الذي لا يحتاج إلى تأويل - دليل على أن ذلك من أساليب اللغة العربية، ولو لم يكن من أساليبها لوجب تقديم ما لا يحتاج إلى تأويل على المحتاج إلى تأويل كما ترى. وعلى هذا الوجه من التفسير - فالمعنى: فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. أي جعلنا الليل مَمْحُو الضوء مطموسه، مظلماً لا تستبان فيه الأشياء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو. وجعلنا النهار مبصراً. أي تبصر فيه الأشياء وتستبان. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا} [الإسراء:12] تقدم إيضاحه، والآيات الدالة عليه في سورة "النحل" في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [النحل:89] الآية.
الواحدي
تفسير : {وجعلنا الليل والنهار آيتين} علامتين تدلاَّن على قدرة خالقهما {فمحونا} طمسنا {آية الليل} نورها بما جعلنا فيها من السَّواد {وجعلنا آية النهار مبصرة} مُضيئةً يُبصر فيها {لتبتغوا فضلاً من ربكم} لتبصروا كيف تتصرَّفون في أعمالكم {ولتعلموا عدد السنين والحساب} بمحو آية اللَّيل، ولولا ذلك ما كان يُعرف اللَّيل من النَّهار، وكان لا يتبيَّن العدد. {وكل شيء} ممَّا يُحتاج إليه {فصلناه تفصيلاً} بينَّاه تبييناً لا يلتبس معه بغيره. {وكلَّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه} كتبنا عليه ما يعمل من خيرٍ وشرٍّ {ونخرج له} ونُظهر له {يوم القيامة} صحيفة عمله منشورةً. {اقرأ كتابك} أَيْ يُقال له: اقرأ كتابك {كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} مُحاسباً يقول: كفيتَ أنت في محاسبة نفسك. {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} ثواب اهتدائه لنفسه {ومن ضلَّ فإنما يضلُّ عليها} على نفسه عقوبة ضلاله {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وذلك أنَّ الوليد بن المغيرة، قال: اتَّبعوني وأنا أحمل أوزاركم، فقال الله تعالى: {ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى} أَي: لا تحمل نفسٌ ذنب غيرها {وما كنا معذبين} أحداً {حتى نبعث رسولاً} يُبيِّن له ما يجب عليه إقامةً للحجَّة. {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها} أمرناهم على لسان رسولٍ بالطَّاعة، وعنى بالمترفين: الجبَّارين والمُسلَّطين والملوك، وخصَّهم بالأمر لأنَّ غيرهم تبعٌ لهم. {ففسقوا فيها} أَيْ: تمرَّدوا في كفرهم، والفسق في الكفر: الخروج إلى أفحشه {فحقَّ عليها القول} وجب عليها العذاب {فدمرناها تدميراً} أهلكناها إهلاك استئصال.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْلَّيْلَ} {آيَتَيْنِ} {ٱلْلَّيْلِ} {فَصَّلْنَاهُ} (12) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الهِدَايَةَ وَالإِرْشَادَ بِالقُرْآنِ، جَاءَ عَلَى ذِكْرِ الاسْتِدْلاَلِ بِآيَاتِ اللهِ التِي بَثَّهَا فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ، وَلَفَتَ الأَنْظَارَ إِلَيْهَا لِيَتَفَكَّرَ النَّاسُ فِيهَا، وَيَتَّعِظُوا، وَيَتَّقُوا رَبَّهُمْ، وَيُؤْمِنُوا بِهِ، وَبِأَنَّهُ وَاحِدٌ لاَ إِلهَ غَيْرُهُ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ، تَنَزَّهَ عَنِ الشَّرِيكِ وَالوَلَدِ وَالصَّاحِبَةِ. فَقَالَ: إِنَّهُ جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ مِنْ آيَاتِهِ، فَجَعَلَ اللَّيْلَ مُظْلِماً، وَمَحَا الضِّيَاءَ مِنْهُ لتَسْكُنَ الخَلاَئِقُ فِيهِ، وَتَرْتَاحَ الأَبْدَانُ مِنْ عَنَاءِ العَمَلِ فِي النَّهَارِ. وَجَعَلَ النَّهَارَ مُبْصِراً مُضِيئاً، لِيَسْعَى النَّاسُ فِيهِ طَلَباً لِمَعَاشِهِمْ، وَتَصْرِيفِ أُمُورِهِمْ. وَقَدْ خَالَفَ اللهُ تَعَالَى بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، طُولاً وَقِصَراً، لِيَعْلَمَ النَّاسُ عَدَدَ السِّنِينَ، وِالحِسَابَ، لأَِنَّهُ لَوِ اسْتَمَرَّ الضِّيَاءُ لَمَا عَرَفَ النَّاسُ مِقْدَارَ الوَقْتِ الذِي يَمُرُّ. وَكَذَلِكَ لَوْ جُعَلَ اللَّيْلَ مُسْتَمِراً، لَمَا عَرَفَ النَّاسُ مِنْهُ ذلِكَ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ شَيءٍ، عَلَى نَحْوٍ مُفَصَّلٍ، لِيَعْلَمَ العِبَادُ مَا هُمْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ، فَتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً لِلْمُصَادَفَةِ. فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ - خَلَقْنَا القَمَرَ مَطْمُوسَ النُّورِ مُظْلِماً. آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً - الشَّمْسَ مُضِيئَةً مُنِيرَةً لِلإِبْصَارِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى جعل الزمن ليلاً ونهاراً ظرفاً للأحداث، وجعل لكل منهما مهمة لا تتأتّى مع الآخر، فهما متقابلان لا متضادان، فليس الليل ضد النهار أو النهار ضد الليل؛ لأن لكل منهما مهمة، والتقابل يجعلهما متكاملين. ولذلك أراد الله تعالى أن يُنظِّر بالليل والنهار في جنس الإنسان من الذكورة والأنوثة، فهما أيضاً متكاملان لا متضادان، حتى لا تقوم عداوة بين ذكورة وأنوثة، كما نرى البعض من الجنسين يتعصَّب لجنسه تعصبُّاً أعمى خالياً من فَهْم طبيعة العلاقة بين الذكر والأنثى. فالليل والنهار كجنس واحد لهما مهمة، أما من حيث النوع فلكل منهما مهمة خاصة به، وإياك أن تخلط بين هذه وهذه. وتأمل قول الحق سبحانه:{أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ}تفسير : [الليل: 1-4]. فلا تجعل الليل ضِداً للنهار، ولا النهار ضِداً لليل، وكذلك لا تجعل الذكورة ضِداً للأنوثة، ولا الأنوثة ضداً للذكورة. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ ..} [الإسراء: 12]. جعلنا: بمعنى خلقنا، والليل والنهار هما المعروفان لنا بالمعايشة والمشاهدة، ومعرفتنا هذه أوضح من أنْ نعرِّفهما، فنقول مثلاً: الليل هو مَغِيب الشمس عن نصف الكرة الأرضية، والنهار هو شروق الشمس على نصف الكرة الأرضية. إذن: قد يكون الشيء أوضح من تعريفه. والحق سبحانه خلق لنا الليل والنهار، وجعل لكل منهما حكمة ومهمة، وحينما يتحدّث عنهما، يقول تعالى: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}تفسير : [الضحى: 1-2] فبدأ بالضحى. ويقول: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ}تفسير : [الليل: 1-2] فبدأ بالليل. ومرة يتحدث عن اللازم لهما، فيقول: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ}تفسير : [الأنعام: 1]. لأن الحكمة من الليل تكمن في ظُلْمته، والحكمة من النهار تكمُن في نوره، فالظُّلْمة سكَنٌ واستقرار وراحة. وفي الليل تهدأ الأعصاب من الأشعة والضوء، ويأخذ البدن راحته؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أطفئوا المصابيح إذا رقدتم ". تفسير : في حين نرى الكثيرين يظنون أن الأضواء المبهرة - التي نراها الآن - مظهر حضاري، وهم غافلون عن الحكمة من الليل، وهي ظلمته. والنور للحركة والعمل والسَّعْي، فمَن ارتاح في الليل يُصبح نشيطاً للعمل، ولا يعمل الإنسان إلا إذا أخذ طاقة جديدة، وارتاحت أعضاؤه، ساعتها تستطيع أن تطلب منه أن يعمل. لذلك قال الحق سبحانه: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ ..}تفسير : [القصص: 73]. لماذا؟{أية : لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ..}تفسير : [القصص: 73] أي: في الليل. {أية : وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ..}تفسير : [القصص: 73] أي: في النهار. إذن: لليل مهمة، وللنهار مهمة، وإياك أنْ تخلط هذه بهذه، وإذا ما وُجد عمل لا يُؤدَّى إلا بالليل كالحراسة مثلاً، نجد الحق سبحانه يفتح لنا باباً لنخرج من هذه القاعدة العامة. فيقول تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ..}تفسير : [الروم: 23]. فجعل النهار أيضاً محلاً للنوم، فأعطانا فُسْحة ورُخْصة، ولكن في أضيق نطاق، فَمَنْ لا يقومون بأعمالهم إلا في الليل، وهي نسبة ضئيلة لا تخرق القاعدة العامة التي ارتضاها الحق سبحانه لتنظيم حركة حياتنا. فإذا خرج الإنسان عن هذه القاعدة، وتمرَّد على هذا النظام الإلهي، فإن الحق سبحانه يَردعه بما يكبح جماحه، ويحميه من إسرافه على نفسه، وهذا من لُطْفه تعالى ورحمته بخَلْقه. هذا الردْع إما رَدْع ذاتيّ اختياري، وإما رَدْع قَهْريّ، الردع الذاتي يحدث للإنسان حينما يسعى في حركة الحياة ويعمل، فيحتاج إلى طاقة، هذه الطاقة تحتاج إلى دم متدفق يجري في أعضائه، فإنْ زادتْ الحركة عن طاقة الإنسان يلهث وتتلاحق أنفاسه، وتبدو عليه أمارات التعب والإرهاق، لأن الدم المتوارد إلى رئته لا يكفي هذه الحركة. وهذا نلاحظه مثلاً في صعود السُّلَّم، حيث حركة الصعود مناقضة لجاذبية الأرض لك، فتحتاج إلى قوة أكثر، وإلى دم أكثر وتنفس فوق التنفس العادي. فكأن الحق سبحانه وتعالى جعل التعب والميل إلى الراحة رادعاً ذاتياً في الإنسان، إذا ما تجاوز حَدّ الطاقة التي جعلها الله فيه. أما الردْع القهري فهو النوم، يلقيه الله على الإنسان إذا ما كابر وغالط نفسه، وظن أنه قادر على مزيد من العمل دون راحة، فهنا يأتي دور الرادع القَسْري، فينام رغماً عنه ولا يستطيع المقاومة، وكأن الطبيعة التي خلقها الله فيه تقول له: ارحم نفسك، فإنك لم تَعُدْ صالحاً للعمل. فالحق تبارك وتعالى لا يُسلِم الإنسان لاختياره، بل يُلقِي عليه النوم وفقدان الوعي والحركة ليحميه من حماقته وإسرافه على نفسه. لذلك نرى الواحد مِنّا إذا ما تعرّض لمناسبة اضطرته لعدم النوم لمدة يومين مثلاً، لا بُدَّ له بعد أن ينتهي من مهمته هذه أنْ ينَام مثل هذه المدة التي سهرها؛ ليأخذ الجسم حَقَّه من الراحة التي حُرم منها. وقوله تعالى: {آيَتَيْنِ ..} [الإسراء: 12]. قلنا: إن الآية هي الشيء العجيب الذي يدعو إلى التأمل، ويُظهِر قدرة الخالق وعظمته سبحانه، والآية تُطلَق على ثلاثة أشياء: - تُطلَق على الآيات الكونية التي خلقها الله في كونه وأبدعها، وهذه الآيات الكونية يلتقي بها المؤمن والكافر، ومنها كما قال تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ..}تفسير : [فصلت:37]. {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ}تفسير : [الشورى: 32]. وهذه الآيات تلفتنا إلى قدرة الخالق سبحانه وتعالى. - وتُطلق الآيات على المعجزات التي تصاحب الرسل، وتكون دليلاً على صدْقهم، فكل رسول يُبعَث ليحمل رسالة الخالق لهداية الخَلْق، لا بُدَّ أن يأتي بدليل على صِدْقه وأمارة على أنه رسول. وهذه هي المعجزة، وتكون مما نبغ فيه قومه ومهروا؛ لتكون أوضح في إعجازهم وأدْعَى إلى تصديقهم. قال تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ ..}تفسير : [الإسراء: 59]. - وتُطلق الآيات على آيات القرآن الكريم الحاملة للأحكام. إذن: هذه أنواع ثلاثة، في كل منها عجائب تدعوك للتأمل، ففي الأولى: هندسة الكون ونظامه العجيب البديع الدقيق، وفي الثانية: آيات الإعجاز، حيث أتى بشيء نبغ فيه القوم، ومع ذلك لم يستطيعوا الإتيان بمثله، وفي الثالثة: آيات القرآن وحاملة الأحكام؛ لأنها أقوم نظام لحركة الحياة. فقول الحق سبحانه: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ ..} [الإسراء: 12]. أي: كونيتين، ولا مانع أنْ تفسر الآياتُ الكونية آيات القرآن. وقوله: {فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ ..} [الإسراء: 12]. أي: بعد أنْ كان الضوء غابت الشمس فَحَلَّ الظلام، أو مَحوْناهَا: أي جعلناها هكذا، كما قلنا: سبحان مَنْ بيَّض اللبن. أي خلقه هكذا، فيكون المراد: خلق الليل هكذا مظلماً. {وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ..} [الإسراء: 12]. أي: خلقنا النهار مضيئاً، ومعنى مبصرة أو مضيئة أي: نرى بها الأشياء؛ لأن الأشياء لا تُرى في الظلام، فإذا حَلَّ الضياء والنور رأيناها، وعلى هذا كان ينبغي أن يقول: وجعلنا آية النهار مُبْصَراً فيها، وليست هي مبصرة. وهذه كما في قوله تعالى في قصة موسى وفرعون: {أية : فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً ..}تفسير : [النمل: 13]. فنسب البصر إلى الآيات، كما نسب البصر هنا إلى النهار. وهذه مسألة حيَّرتْ الباحثين في فلسفة الكون وظواهره، فكانوا يظنون أنك ترى الأشياء إذا انتقل الشعاع من عينك إلى المرئي فتراه. إلى أن جاء العالم الإسلامي "ابن الهيثم" الذي نَوَّر الله بصيرته، وهداه إلى سِرِّ رؤية الأشياء، فأوضح لهم ما وقعوا فيه من الخطأ، فلو أن الشعاع ينتقل من العين إلى المرئي لأمكنك أن ترى الأشياء في الظُّلمة إذا كنتَ في الضوء. إذن: الشعاع لا يأتي من العين، بل من الشيء المرئي، ولذلك نرى الأشياء إنْ كانت في الضوء، ولا نراها إنْ كانت في الظلام. وعليه يكون الشيء المرئيّ هو الذي يبصرك من حيث هو الذي يتضح لك، ويساعدك على رؤيته، ولذلك نقول: هذا شيء يُلفت النظر أي: يرسل إليك مَا يجعلك تلتفت إليه. إذن: التعبير القرآني: {وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ..} [الإسراء: 12] على مستوى عالٍ من الدقة والإعجاز، وصدق الله تعالى حين قال: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..}تفسير : [فصلت: 53]. وقوله تعالى: {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ..} [الإسراء: 12]. وهذه هي العلة الأولى لآية الليل والنهار. أي: أن السعي وطلب الرزق لا يكون إلا في النهار؛ لذلك أتى طلب فضل الله ورزقه بعد آية النهار، ومعلوم أن الإنسان لا تكون له حركة نشاطية وإقبال على السَّعي والعمل إلا إذا كان مرتاحاً ولا تتوفر له الراحة إلا بنوم الليل. وبهذا نجد في الآية الكريمة نفس الترتيب الوارد في قوله تعالى: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ..}تفسير : [القصص: 73]. فالترتيب في الآية يقتضي أن نقول:{أية : لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ..}تفسير : [القصص: 73] أي: في الليل، {أية : وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ..}تفسير : [القصص: 73] أي: في النهار، وعمل النهار لا يتم إلا براحة الليل، فهما - إذن - متكاملان. والحق سبحانه وتعالى جعل النهار مَحلاً للحركة وابتغاء فضل الله؛ لأن الحركة أمرٌ ماديّ وتفاعل ماديّ بين الإنسان ومادة الكون من حوله، كالفلاح وتفاعله مع أرضه، والعامل وتفاعله مع آلته. هذا التفاعل المادي لا يتم إلا في ضوء؛ لأن الظلمة تغطي الأشياء وتُعميها، وهذا يتناسب مع الليل حيث ينام الناس، أما في السعي والحركة فلا بُدَّ من ضوء أتبين به الفاعل والمنفعل له، ففي الظلمة قد تصطدم بما هو أقوى منك فيحطمك، أو بما هو أضعف منك فتحطمه. إذن: فأول خطوات ابتغاء فضل الله أن يتبيّن الإنسان المادة التي يتفاعل معها. لذلك، فالحق سبحانه جعل الظلمة سابقة للضياء. فقال تعالى: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ ..}تفسير : [الأنعام: 1]. لأن النور محلٌّ للحركة، ولا يمكن للإنسان أن يعمل إلا بعد راحة، والراحة لا تكون إلا في ظُلْمة الليل. وقوله تعالى: {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ..} [الإسراء: 12]. وهذه هي العِلَّة الأخرى لليل والنهار، حيث بمرورهما يتمّ حساب السنين. وكلمة "عَدَدَ" تقتضي شيئاً له وحدات، ونريد أن نعرف كمية هذه الوحدات؛ لأن الشيء إنْ لم تكُنْ له كميات متكررة فهو واحد. وقوله: {ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ..} [الإسراء: 12]. لأنها من لوازم حركتنا في الحياة، فعن طريق حساب الأيام نستطيع تحديد وقت الزراعات المختلفة، أو وقت سقوط المطر، أو هبوب الرياح. وفي العبادات نحدد بها أيام الحج، وشهر الصوم، ووقت الصلاة، ويوم الجمعة، هذه وغيرها من لوازم حياتنا لا نعرفها إلا بمرور الليل والنهار. ولو تأملتَ عظمة الخالق سبحانه لوجدتَ القمر في الليل، والشمس في النهار، ولكل منهما مهمة في حساب الأيام والشهور والسنين، فالشمس لا تعرف بها إلا اليوم الذي أنت فيه، حيث يبدأ اليوم بشروقها وينتهي بغروبها، أما بالقمر فتستطيع حساب الأيام والشهور؛ لأن الخالق سبحانه جعل فيه علامة ذاتية يتم الحساب على أساسها، فهو في أول الشهر هلال، ثم يكبر فيصير إلى تربيع أول، ثم إلى تربيع ثان، ثم إلى بدر، ثم يأخذ في التناقص إلى أن يصل إلى المحاق آخر الشهر. إذن: نستطيع أن نحدد اليوم بالشمس والشهور بالقمر، ومن هنا تثبت مواقيت العبادة بالليل دون النهار، فتثبت رؤية رمضان ليلاً أولاً، ثم يثبت نهاراً، فنقول: الليلة أول رمضان، لذلك قال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ..}تفسير : [يونس: 5]. فقوله:{أية : وَقَدَّرَهُ ..}تفسير : [يونس: 5] أي: القمر؛ لأن به تتبين أوائل الشهور، وهو أدقّ نظام حسابي يُعتمد عليه حتى الآن عند علماء الفلك وعلماء البحار وغيرهم. و{أية : مَنَازِلَ ..}تفسير : [يونس: 5] هي البروج الاثنى عشر للقمر التي أقسم الله بها في قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ * وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}تفسير : [البروج: 1-3]. ولأن حياة الخَلْق لا تقوم إلا بحساب الزمن، فقد جعل الخالق سبحانه في كَوْنه ضوابط تضبط لنا الزمن، وهذه الضوابط لا تصلح لضبط الوقت إلا إذا كانت هي في نفسها منضبطة، فمثلاً أنت لا تستطيع أن تضبط مواعيدك على ساعتك إذا كانت غير منضبطة (تُقدّم أو تُأخّر). لذلك يقول الخالق المبدع سبحانه عن ضوابط الوقت في كَوْنه:{أية : الشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}تفسير : [الرحمن: 5]. أي: بحساب دقيق لا يختلّ، وطالما أن الخالق سبحانه خلقها بحساب فاجعلوها ضوابط لحساباتكم. وقوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ..} [الإسراء: 12]. معنى التفصيل أن تجعل بَيْناً بين شيئين، وتقول: فصلْتُ شيئاً عن شيء، فالحق سبحانه فصَّل لنا كل ما يحتاج إلى تفصيل، حتى لا يلتبس علينا الأمر في كل نواحي الحياة. ومثال ذلك في الوضوء مثلاً يقول سبحانه: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ ..}تفسير : [المائدة: 6]. فأطلق غَسْل الوجه؛ لأنه لا يختلف عليه أحد، وحدَّد الأيدي إلى المرافق، لأن الأيدي يُختلف في تحديدها، فاليد قد تكون إلى الرُّسْغ، أو إلى المرفق، أو إلى الكتف، لذلك حددها الله تعالى، لأنه سبحانه يريدها على شكل مخصوص. وكذلك في قوله تعالى:{أية : وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ ..}تفسير : [المائدة: 6]. فالرأس يناسبها المسْح لا الغَسْل، والرِّجْلاَن كاليد لا بُدَّ أنْ تُحَدَّد. فإذا لم يوجد الماء أو تعذَّر استعماله شرع لنا سبحانه التيمم، فقال تعالى: {أية : فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ..}تفسير : [النساء: 43]. والتيمم يقوم مقام الوضوء، من حيث هو استعداد للصلاة ولقاء الحق سبحانه وتعالى، وقد يظنّ البعض أن الحكمة من الوضوء الطهارة والنظافة، وكذلك التيمُّم؛ لذلك يقترح بعضهم أن نُنظّف أنفسنا بالكولونيا مثلاً. نقول: ليس المقصود بالوضوء أو التيمم الطهارة أو النظافة، بل المراد الاستعداد للصلاة وإظهار الطاعة والانصياع لشرع الله تعالى، وإلا كيف تتم الطهارة أو النظافة بالتراب؟ هذا الاستعداد للصلاة هو الذي جعل سيدنا علي زين العابدين رضي الله عنه يَصْفرّ وجهه عند الوضوء، وعندما سُئِل عن ذلك قال: أتعلمون على مَنْ أنا مُقبل الآن؟ فللقاء الحق سبحانه وتعالى رهبة يجب أن يعمل لها المؤمن حساباً، وأنْ يستعدّ للصلاة بما شرعه له ربه سبحانه وتعالى. ثم يقول الحق سبحانه: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ} قال زيدُ بن علي عليهما السلام المَحو: هو السَّوادُ الذي فِي القَمَرِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ } أي: دالتين على كمال قدرة الله وسعة رحمته وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له. { فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ } أي: جعلناه مظلما للسكون فيه والراحة، { وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً } أي: مضيئة { لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ } في معايشكم وصنائعكم وتجاراتكم وأسفاركم. { وَلِتَعْلَمُوا } بتوالي الليل والنهار واختلاف القمر { عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ } فتبنون عليها ما تشاءون من مصالحكم. { وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا } أي: بينا الآيات وصرفناه لتتميز الأشياء ويستبين الحق من الباطل كما قال تعالى: {أية : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):