١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى لما قال: {وَكُلَّ شَيْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً } كان معناه أن كل ما يحتاج إليه من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد فقد صار مذكوراً. وكل ما يحتاج إليه من شرح أحوال الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، فقد صار مذكوراً. وإذا كان الأمر كذلك فقد أزيحت الأعذار، وأزيلت العلل فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فقد ألزمناه طائره في عنقه ونقول له: {ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا }. الوجه الثاني: أنه تعالى لما بين أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في الدين والدنيا، مثل آيتي الليل والنهار وغيرهما كان منعماً عليهم بأعظم وجوه النعم. وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته وطاعته فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فإنه يكون مسؤولاً عن أعماله وأقواله. الوجه الثالث: في تقرير النظم أنه تعالى لما بين أنه ما خلق الخلق إلا ليشتغلوا بعبادته كما قال: { أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] فلما شرح أحوال الشمس والقمر والليل والنهار، كان المعنى: إني إنما خلقت هذه الأشياء لتنتفعوا بها فتصيروا متمكنين من الاشتغال بطاعتي وخدمتي، وإذا كان كذلك فكل من ورد عرصة القيامة سألته أنه هل أتى بتلك الخدمة والطاعة، أو تمرد وعصى وبغى، فهذا هو الوجه في تقرير النظم. المسألة الثانية: في تفسير لفظ، الطائر، قولان: القول الأول: أن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال وأرادوا أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو إلى شر اعتبروا أحوال الطير وهو أنه يطير بنفسه، أو يحتاج إلى ازعاجه، وإذا طار فهل يطير متيامناً أو متياسراً أو صاعداً إلى الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على أحوال الخير والشر والسعادة والنحوسة، فلما كثر ذلك منهم سمي الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه ونظيره قوله تعالى في سورة يس: { أية : قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } تفسير : [يس: 18] إلى قوله: { أية : قَالُواْ طَـٰئِرُكُم مَّعَكُمْ } تفسير : [يس: 19] فقوله: {وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ } أي كل إنسان ألزمناه عمله في عنقه. وتدل على صحة هذا الوجه قراءة الحسن ومجاهد: {أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ }. القول الثاني: قال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ وهو الذي تسميه الفرس البخت، وعلى هذا يجوز أن يكون معنى الطائر ما طار له من خير وشر، والتحقيق في هذا الباب أنه تعالى خلق الخلق وخص كل واحد منهم بمقدار مخصوص من العقل والعلم، والعمر والرزق، والسعادة والشقاوة. والإنسان لا يمكنه أن يتجاوز ذلك القدر وأن ينحرف عنه، بل لا بد وأن يصل إلى ذلك القدر بحسب الكمية والكيفية، فتلك الأشياء المقدورة كأنها تطير إليه وتصير إليه، فبهذا المعنى لا يبعد أن يعبر عن تلك الأحوال المقدرة بلفظ الطائر، فقوله: {وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ } كناية عن أن كل ما قدره الله تعالى ومضى في علمه حصوله، فهو لازم له واصل إليه غير منحرف عنه. واعلم أن هذا من أدل الدلائل على أن كل ما قدره الله تعالى للإنسان وحكم عليه به في سابق علمه فهو واجب الوقوع ممتنع العدم، وتقريره من وجهين: الوجه الأول: أن تقدير الآية: وكل إنسان ألزمناه عمله في عنقه، فبين تعالى أن ذلك العمل لازم له، وما كان لازماً للشيء كان ممتنع الزوال عنه واجب الحصول له وهو المقصود. والوجه الثاني: أنه تعالى أضاف ذلك الإلزام إلى نفسه، لأن قوله: {أَلْزَمْنَـٰهُ } تصريح بأن ذلك الإلزام إنما صدر منه، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ } تفسير : [الفتح: 26] وهذه الآية دالة على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » تفسير : والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله: {فِي عُنُقِهِ } كناية عن اللزوم كما يقال: جعلت هذا في عنقك أي قلدتك هذا العمل وألزمتك الاحتفاظ به، ويقال: قلدتك كذا وطوقتك كذا، أي صرفته إليك وألزمته إياك، ومنه قلده السلطان كذا. أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ومكان الطوق، ومنه يقال: فلان يقلد فلاناً أي جعل ذلك الاعتقاد كالقلادة المربوطة على عنقه. قال أهل المعاني: وإنما خص العنق من بين سائر الأعضاء بهذا المعنى لأن الذي يكون عليه إما أن يكون خيراً يزينه أو شراً يشينه، وما يزين يكون كالطوق والحلي، والذي يشين فهو كالغل، فههنا عمله إن كان من الخيرات كان زينة له، وإن كان من المعاصي كان كالغل على رقبته. ثم قال تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً } قال الحسن: يا ابن آدم بسطنا لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك وشمالك. فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، حتى اذا مت طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة. قوله: {وَنُخْرِجُ لَهُ } أي من قبره يجوز أن يكون معناه: نخرج له ذلك لأنه لم ير كتابه في الدنيا فإذا بعث أظهر له ذلك وأخرج من الستر، وقرأ يعقوب: (ويخرج له يوم القيامة كتاباً) أي يخرج له الطائر أي عمله كتاباً منشوراً، كقوله تعالى: { أية : وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ } تفسير : [التكوير: 10] وقرأ ابن عمر: (يلقاه) من قولهم: لقيت فلاناً الشيء أي استقبلته به. قال تعالى: { أية : وَلَقَّـٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً } تفسير : [الإنسان: 11] وهو منقول بالتشديد من لقيت الشيء ولقانيه زيد. ثم قال تعالى: {ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ } والتقدير يقال له: وهذا القائل هو الله تعالى على ألسنة الملائكة {ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ } قال الحسن: يقرؤه أمياً كان أو غير أمي، وقال بكر بن عبد الله: يؤتى بالمؤمن يوم القيامة بصحيفته وهو يقرؤها وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها، وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها أوبقته قال الله تعالى: «اذهب فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك» فيعظم سروره، ويصير من الذين قال في حقهم: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ } تفسير : [عبس: 38، 39] ثم يقول: { أية : هَاؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَـٰبيَهْ } تفسير : [الحاقة: 19]. وأما قوله: {كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } أي محاسباً. قال الحسن: عدل والله في حقك من جعلك حسيب نفسك. قال السدي: يقول الكافر يومئذ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: {ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا }، والله أعلم. المسألة الرابعة: قال حكماء الإسلام: هذه الآية في غاية الشرف، وفيها أسرار عجيبة في أبحاث: البحث الأول: أنه تعالى جعل فعل العبد كالطير الذي يطير إليه، وذلك لأنه تعالى قدر لكل أحد في الأزل مقداراً من الخير والشر، فذلك الحكم الذي سبق في علمه الأزلي وحكمه الأزلي لا بد وأن يصل إليه، فذلك الحكم كأنه طائر يطير إليه من الأزل إلى ذلك الوقت، فإذا حضر ذلك الوقت وصل إليه ذلك الطائر وصولاً لا خلاص له ألبتة ولا انحراف عنه ألبتة. وإذا علم الإنسان في كل قول وفعل ولمحة وفكرة أنه كان ذلك بمنزلة طائر طيره الله إليه على منهج معين وطريق معين، وأنه لا بد وأن يصل إليه ذلك الطائر، فعند ذلك عرف أن الكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية. والبحث الثاني: أن هذه التقديرات إنما تقدرت بإلزام الله تعالى. وذلك باعتبار أنه تعالى جعل لكل حادث حادثاً متقدماً عليه لحصول الحادث المتأخر، فلما كان وضع هذه السلسلة من الله لا جرم كان الكل من الله، وعند هذا يتخيل الإنسان طيوراً لا نهاية لها ولا غاية لأعدادها، فإنه تعالى طيرها من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب، وأنها صارت وطارت طيراناً لا بداية له ولا غاية له، وكان كل واحد منها متوجهاً إلى ذلك الإنسان المعين في الوقت المعين بالصفة المعينة، وهذا هو المراد من قوله: {أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ }. البحث الثالث: أن التجربة تدل على أن تكرار الأعمال الاختيارية تفيد حدوث الملكة النفسانية الراسخة في جوهر النفس، ألا ترى أن من واظب على تكرار قراءة درس واحد صار ذلك الدرس محفوظاً، ومن واظب على عمل واحد مدة مديدة صار ذلك العمل ملكة له. إذا عرفت هذا فنقول: لما كان التكرار الكثير يوجب حصول الملكة الراسخة وجب أن يحصل لكل واحد من تلك الأعمال أثر ما في جوهر النفس، فإنا لما رأينا أن عند توالي القطرات الكثيرة من الماء على الحجر حصلت الثقبة في الحجر، علمنا أن لكل واحد من تلك القطرات أثراً ما في حصول ذلك الثقب وإن كان ضعيفاً قليلاً، وإن كانت الكتابة أيضاً في عرف الناس عبارة عن نقوش مخصوصة اصطلح الناس على جعلها معرفات لألفاظ مخصوصة، فعلى هذا، دلالة تلك النقوش على تلك المعاني المخصوصة دلالة كائنة جوهرية واجبة الثبوت، ممتنعة الزوال، كان الكتاب المشتمل على تلك النقوش أولى باسم الكتاب من الصحيفة المشتملة على النقوش الدالة بالوضع والاصطلاح. وإذا عرفت هاتين المقدمتين فنقول: إن كل عمل يصدر من الإنسان كثيراً كان أو قليلاً قوياً كان أو ضعيفاً، فإنه يحصل منه لا محالة في جوهر النفس الإنسانية أثر مخصوص، فإن كان ذلك الأثر أثراً لجذب جوهر الروح من الخلق إلى حضرة الحق كان ذلك من موجبات السعادات والكرامات. وإن كان ذلك الأثر أثراً لجذب الروح من حضرة الحق إلى الاشتغال بالخلق كان ذلك من موجبات الشقاوة والخذلان. إلا أن تلك الآثار تخفى ما دام الروح متعلقاً بالبدن، لأن اشتغال الروح بتدبير البدن يمنع من انكشاف هذه الأحوال وتجليها وظهورها، فإذا انقطع تعلق الروح عن تدبير البدن فهناك تحصل القيامة لقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : من مات فقد قامت قيامته » تفسير : ومعنى كون هذه الحالة قيامة أن النفس الناطقة كأنها كانت ساكنة مستقرة في هذا الجسد السفلي، فإذا انقطع ذلك التعلق، قامت النفس وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي، فهذا هو المراد من كون هذه الحالة قيامة، ثم عند حصول القيامة بهذا المعنى زال الغطاء وانكشف الوطاء، وقيل له { أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ } تفسير : [ق: 22] وقوله: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً } معناه: ونخرج له عند حصول هذه القيامة من عمق البدن المظلم كتاباً مشتملاً على جميع تلك الآثار الحاصلة بسبب الأحوال الدنيوية، ويكون هذا الكتاب في هذا الوقت منشوراً، لأن الروح حين كانت في البدن كانت هذه الأحوال فيه مخفية فكانت كالمطوية. أما بعد انقطاع التعلق الجسداني ظهرت هذه الأحوال وجلت وانكشفت فصارت كأنها مكشوفة منشورة بعد أن كانت مطوية، وظاهرة بعد أن كانت مخفية، وعند ذلك تشاهد القوة العقلية جميع تلك الآثار مكتوبة بالكتابة الذاتية في جوهر الروح فيقال له في تلك الحالة: {ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ } ثم يقال له: {كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } فإن تلك الآثار إن كانت من موجبات السعادة حصلت السعادة لا محالة، وإن كانت من موجبات الشقاوة حصلت الشقاوة لا محالة، فهذا تفسير هذه الآية بحسب الأحوال الروحانية. واعلم أن الحق أن الأحوال الظاهرة التي وردت فيها الروايات حق وصدق لا مرية فيها، واحتمال الآية لهذه المعاني الروحانية ظاهر أيضاً، والمنهج القويم والصراط المستقيم هو الإقرار بالكل، والله أعلم بحقائق الأمور.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} قال الزجاج: ذِكر العنق عبارةٌ عن اللزوم كلزوم القِلادة للعنق. وقال ابن عباس: «طائره» عمله وما قُدّر عليه من خير وشر، وهو ملازمه أينما كان. وقال مقاتل والكلبي: خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسَب به. وقال مجاهد: عمله ورزقه، وعنه: ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة فيها مكتوب شَقِيّ أو سعيد. وقال الحسن: «ألزمناه طائره» أي شقاوته وسعادته وما كتب له من خير وشر وما طار له من التقدير، أي صار له عند القسمة في الأزل. وقيل: أراد به التكليف، أي قدرناه التزام الشرع، وهو بحيث لو أراد أن يفعل ما أمِر به وينزجز عما زُجر به أمكنه ذلك. {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} يعني كتاب طائرِه الذي في عنقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء ومجاهد: «طيره» بغير ألف؛ ومنه ما روي في الخبر: «حديث : اللَّهُمّ لا خيرَ إلا خيرُك ولا طَيْرَ إلا طيرك ولا ربّ غيرك»تفسير : . وقرأ ابن عباس والحسن ومجاهد وابن مُحَيْصِن وأبو جعفر ويعقوب «ويَخْرُج» بفتح الياء وضم الراء، على معنى ويخرج له الطائر كتاباً؛ فـ «كتابا» منصوب على الحال. ويحتمل أن يكون المعنى: ويخرج الطائر فيصير كتاباً. وقرأ يحيـى بن وَثّاب «ويُخْرِج» بضم الياء وكسر الراء؛ وروي عن مجاهد؛ أي يخرج الله. وقرأ شيبة ومحمد بن السَّمَيْقَع، وروي أيضاً عن أبي جعفر: «ويُخْرَج» بضم الياء وفتح الراء على الفعل المجهول، ومعناه: ويُخرج له الطائرُ كتاباً. الباقون «ونخرج» بنون مضمومة وكسر الراء؛ أي ونحن نخرج. احتج أبو عمرو في هذه القراءة بقوله «ألزمناه». وقرأ أبو جعفر والحسن وابن عامر «يُلَقّاه» بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، بمعنى يؤتاه. الباقون بفتح الياء خفيفة، أي يراه منشوراً. وقال {منشورا} تعجيلا للبشرى بالحسنة والتوبيخ بالسيئة. وقال أبو السوّار العدوي وقرأ هذه الآية {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} قال: هما نشرتان وَطَيّة؛ أما ما حييت يابن آدم فصحيفتك المنشورة فأَمْلِ فيها ما شئت، فإذا متَّ طُوِيت حتى إذا بُعثت نُشرت. {ٱقْرَأْ كَتَابَكَ} قال الحسن: يقرأ الإنسان كتابه أُمِّيًّا كان أو غير أُمِّيًّا. {كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} أي محاسباً. وقال بعض الصلحاء: هذا كتاب، لسانُك قلمه، ورِيقك مِداده، وأعضاؤك قرطاسه، أنت كنت المُمْلِي على حَفَظتك، ما زِيد فيه ولا نُقص منه، ومتى أنكرت منه شيئاً يكون فيه الشاهد منك عليك.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما يقع فيه من أعمال بني آدم: {وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ} وطائره هو ما طار عنه من عمله، كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما؛ من خير وشر، ويلزم به، ويجازى عليه، {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7 ـ 8] وقال تعالى: {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 17 ـ 18] وقال: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ كِرَاماً كَـٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } تفسير : [الانفطار: 10 ـ 12] وقال: {أية : إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الطور: 16] وقال: {أية : مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} تفسير : الآية [النساء: 123]، والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلاً ونهاراً، صباحاً ومساء. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لطائر كل إنسان في عنقه» تفسير : قال ابن لهيعة: يعني: الطيرة، وهذا القول من ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث غريب جداً، والله أعلم. وقوله: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً} أي: نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة إما بيمينه إن كان سعيداً، أو بشماله إن كان شقياً، منشوراً، أي: مفتوحاً يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ ٱلإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ } تفسير : [القيامة: 13 ـ 15] ولهذا قال تعالى: {ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} أي: إنك لم تظلم، ولم يكتب عليك إلا ما عملت؛ لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئاً مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي. وقوله: {أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ} إنما ذكر العنق لأنه عضو من الأعضاء لا نظير له في الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه، كما قال الشاعر:شعر : اذْهَبْ بها اذْهَبْ بِها طُوِّقْتَها طَوْقَ الحَمام تفسير : قال قتادة عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا عدوى ولا طيرة، وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه» تفسير : كذا رواه ابن جرير، وقد رواه الإمام عبد بن حميد في مسنده متصلاً، فقال: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : طير كل عبد في عنقه».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله، حدثنا ابن ليهعة، حدثني يزيد: أن أبا الخير حدثه: أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه، يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن، قالت الملائكة: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته، فيقول الرب جل جلاله: اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت» تفسير : إسناده جيد قوي، ولم يخرجوه. وقال معمر عن قتادة: {أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ} قال: عمله {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} قال: نخرج ذلك العمل {كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً} قال معمر: وتلا الحسن البصري: {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} تفسير : [ق: 17] يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك، فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك، فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً، اقرأ كتابك الآية، فقد عدل والله من جعلك حسيب نفسك، هذا من أحسن كلام الحسن، رحمه الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكُلَّ إِنْسَٰنٍ أَلْزَمْنَٰهُ طَٰئِرَهُ } عمله يحمله {فِى عُنُقِهِ } خص بالذكر لأن اللزوم فيه أشدّ وقال مجاهد: ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ كِتَٰبًا } مكتوباً فيه عمله {يَلْقَٰهُ مَنْشُوراً } صفتان (لكتاباً).
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وكل إنسان ألزمنا طائره في عنقه} فيه قولان: أحدهما: ألزمناه عمله من خير أو شر مثل ما كانت العرب تقوله سوانح الطير وبوارحه، والسانح: الطائر يمر ذات اليمين وهو فأل خير، والبارح: الطائر يمر ذات الشمال وهو فأل شر، وأضيف إلى العنق. الثاني: أن طائره حظه ونصيبه، من قول العرب: طار سهم فلان إذا خرج سهمه ونصيبه منه، قاله أبو عبيدة. {ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً} يعني كتاب طائره الذي في عنقه من خير أو شر. ويحتمل نشر كتابه الذي يلقاه وجهين: أحدهما: تعجيلاً للبشرى بالحسنة، والتوبيخ بالسيئة. الثاني: إظهار عمله من خير أو شر. {اقرأ كتابك} يحتمل وجهين: أحدهما: لما في قراءته من زيادة التقريع والتوبيخ. والثاني: ليكون إقراره بقراءته على نفسه. {كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} فيه قولان: أحدهما: يعني شاهداً. والثاني: يعني حاكماً بعملك من خير أو شر. ولقد أنصفك من جعلك حسيباً على نفسك بعملك.
ابن عبد السلام
تفسير : {طَآئِرَهُ}: عمله من الخير الشر {فِى عُنُقِهِ} لأنه كالطوق أو حظه ونصيبه طار سهم فلان بكذا خرج نصيبه وسهمه منه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَٰـئِرَهُ } قال ابن عباس: {طَٰـئِرَهُ} ما قُدِّر له وعليه، وخاطب اللَّه العربَ في هذه الآية بما تَعْرِف، وذلك أنه كان مِنْ عادتها التيمُّنُ والتشاؤم بالطَّيْر في كونها سانحةً وبارحةً، وكَثُر ذلك حتَّى فعلته بالظِّباء وحيوانِ الفَلاَ، وسمَّت ذلك كلَّه تَطَيُّراً، وكانتْ تعتقدُ أنَّ تلك الطِّيَرَةَ قاضية بما يلقى الإِنسان من خيرٍ وشرٍّ، فأخبرهم اللَّه تعالى في هذه الآية بأوجز لفظٍ، وأبلغِ إشارةٍ، أن جميع ما يلقى الإنسانُ من خير وشر قد سَبَقَ به القضاء، وألزم حظه وعمله وتكسُّبه في عنقه، وذلك في قوله عزَّ وجلَّ: {وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِي عُنُقِهِ }، فعَّبر عن الحظِّ والعمل؛ إِذ هما متلازمانِ، بالطائر؛ قاله مجاهد وقتادة: بحسب معتقد العرب في التطيُّرِ: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَٰبًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً }: هذا الكتابُ هو عمل الإِنسان وخطيئاته، {ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ } أي: يقال له: اقرأ كتابك، وأسند الطبريُّ عن الحسن، أنه قال: يا بْنَ آدم بُسِطَتْ لك صحيفةٌ، ووُكِلَ بك مَلَكَانِ كريمانِ؛ أحدهما عن يمينِكَ يكتُبُ حسناتِكَ، والآخر عن شمالِكَ يحفظُ سيئاتكَ، فأَمْلِلْ ما شئْتَ وأقلِلْ أو أكِثْر حتَّى إِذا مُتَّ طُوِيَتْ صحيفتُكَ فجعلَتْ في عنقك معَكَ في قَبْرك حتى تَخْرُجَ لك يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً {ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } قد عَدَلَ واللَّه فيكَ، مَنْ جعلك حسيبَ نَفْسك. قال * ع * فعلى هذه الألفاظِ التي ذكر الحسنُ يكون الطائرُ ما يتحصَّل مع ابْنِ آدم من عمله في قَبْره، فتأمَّل لفظه، وهذا قول ابن عباس، وقال قتادة في قوله: اقرأ كتابك: إِنه سيقرأ يومئذ من لم يكُنْ يقرأ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} الآية. في كيفية النَّظم وجوهٌ: أولها: أنه تعالى لمَّا قال: {أية : وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} تفسير : [الإسراء: 12] كان معناه أن ما يحتاج إليه من شرح دلائلِ التَّوحيد، والنُّبوَّة، والمعاد، فقد صار مذكوراً وأن كلَّ ما يحتاج إليه من شرح أحوال الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، فقد صار مذكوراً، وإذا كان الأمر كذلك، فقد أزيحت الأعذار، وأزيلت العلل، فلا جرم: كل من ورد عرصة القيامة، ألزمناه طائره في عنقه، ونقول له: {ٱقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}. وثانيها: أنه تعالى، لمَّا بيَّن أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في الدِّين والدنيا مثل آيتي الليل والنهار، وغيرهما، كان منعماً عليهم بجميع وجوه النِّعم، وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته وطاعته، فلا جرم: كلُّ من ورد عرصة القيامة، فإنه يكون مسئولاً عن أعماله وأقواله. وثالثها: أنه تعالى بيَّن أنه ما خلق الخلق إلا ليشتغلوا بعبادته، كما قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] فلما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل، كان المعنى: إنما خلقت هذه الأشياء لتنتفعوا بها، فتصيروا متمكِّنين من الاشتغال بطاعتي وخدمتي، وإذا كان كذلك، فكل من ورد عرصة القيامة، سألته، هل أتى بتلك الخدمة والطَّاعة، أو تمرَّد وعصى. وقرىء "في عُنْقهِ" بإسكان النون وهو تخفيفٌ شائعٌ. فصل اختلفوا في الطائر، فقال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه -: "عمله، وما قدر عليه من خير أو شرٍّ، فهو ملازمه، أينما كان". وقال الكلبي ومقاتل: "خيره وشره معه لا يفارقه حتَّى يحاسبه"، وقال الحسن: يمنه وشؤمه، وعن مجاهد: "ما من مولود إلاَّ في عنقه ورقة، مكتوب فيها شقيٌّ أو سعيدٌ". وقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى عليه أنه عامله، وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة، سمِّي طائراً على عادة العرب فيما كانت تتفاءل وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها، فكانوا إذا أرادوا الإقدام على عملٍ من الأعمال، وأرادوا أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خيرٍ أو إلى شرٍّ، اعتبروا أحوال الطَّير، وهو أنه يطير بنفسه، أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار، فهو يطير متيامناً أو متياسراً، أو صاعداً إلى الجوّ، أو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها، ويستدلّون بكل واحد منها على أحوال الخير والشر بالطائر، فلما كثر ذلك منهم، سمي الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} تفسير : [يس: 18] وقوله عزَّ وجلَّ: {أية : قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} تفسير : [يس: 19] فالمعنى: أنَّ كلَّ إنسان ألزمناه عمله في عنقه. وقال أبو عبيدة والقتيبيُّ: الطائر عند العرب الحظّ، وتسمِّيه الفرس البخت، فالطائر ما طار له من خيرٍ وشرٍّ من قولهم: طار سهمُ فلانٍ بكذا، وخصَّ العنق من سائر الأعضاء؛ لأنه موضع القلائد والأطواق وغيرهما مما يزينُ، أو يشينُ، فما يزين، فهو كالتطوُّق والحليِّ، وما يشين، فهو كالغُلِّ، فعمله إن كان خيراً فهو زينة كالتطوق، أو كان شرًّا، فهو شينٌ كالغلِّ في رقبته، فقوله: "في عُنقهِ" كناية عن اللُّزوم؛ كما يقال: جعلت هذا في عنقك أي: قلَّدتك هذا العمل، وألزمتك الاحتفاظ به، ويقال: قلَّدتك كذا، وطوَّقتك كذا، أي: صرفته إليك، وألزمتك إياه، ومنه "قلَّدهُ السُّلطانُ كذا" أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادةِ، ومكان الطوقِ، ومنه يقال: فلانٌ يقلِّدُ فلاناً أي: جعل ذلك الاعتقاد كالقلادةِ المربوطةِ في عنقه. وهذه الآية أدلُّ دليلٍ على أنَّ كلَّ ما قدَّره الله - تعالى - على الإنسان، وحكم به عليه في سابق علمه، فهو واجب الوقوع، ممتنع العدمِ؛ لأنه تعالى بيَّن أن ذلك العمل لازمٌ له، وما كان لازماً للشيء؛ كان ممتنع الزَّوال عنه، واجب الحصول له، وأيضاً: فإن الله - تعالى - أضاف ذلك الإلزام إلى نفسه بقوله: "ألْزَمنَاهُ"، وذلك تصريحٌ بأنَّ الإلزام إنما صدر منه كقوله تعالى: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} تفسير : [الفتح: 26] وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : جفَّ القَلمُ بِمَا هُو كَائِنٌ إلى يَومِ القِيامَةِ ". تفسير : قوله تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ كِتَاباً}. العامة على "نُخْرِجُ" بنون العظمة مضارع "أخْرجَ"، و "كِتاباً" فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعولٌ به. والثاني: أنه منصوب على الحال من المفعول المحذوف؛ إذ التقدير: ونخرجه له كتاباً، أي: ونخرج الطائر. ويُرْوَى عن أبي جعفرٍ: "ويَخْرَجُ" مبنيًّا للمفعول، كتاباً نصب على الحال، والقائم مقام الفاعل ضمير الطائر، وعنه أنَّه رفع "كتاباً" وخُرِّج على أنه مرفوعٌ بالفعل المبنيِّ للمفعول، والأولى قراءة قلقة. وقرأ الحسن: "ويَخْرُجُ" بفتح الياء وضمِّ الراءِ، مضارع "خَرجَ" "كتابٌ" فاعل به، وابن محيصن ومجاهد كذلك، إلا أنهما نصبا "كتاباً" على الحال، والفعال ضميرُ الطائر، أي: ويخرجُ له طائره في هذا الحال، وقرىء "ويُخْرِجُ" بضمِّ الياء وكسر الراء، مضارع "أخْرَجَ" والفاعل ضمير الباري تعالى، "كتاباً" مفعولٌ. قوله تعالى: "يَلْقاهُ" صفةٌ لـ "كتاباً"، و "مَنْشُوراً" حالٌ من هاء "يَلْقَاهُ" وجوَّز الزمخشريُّ وأبو البقاء وأبو حيَّان أن يكون نعتاً لِـ "كِتَاباً"، وفيه نظر؛ من حيث إنه يلزم تقدم الصفة غير الصَّريحةِ، على الصَّريحةِ، وقد تقدَّم ما فيه. وقرأ ابن عامرٍ وأبو جعفر "يُلقَّاهُ" بضمِّ الياء وفتح اللام وتشديد القاف، مضارع لُقِّي بالتشديد قال تعالى: {أية : وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} تفسير : [الإنسان: 11] والباقون بالفتح والسكون والتخفيف مضارع "لَقِيَ". فصل قال الحسن: بسطنا لَكَ صحيفةً، ووُكِّل بك ملكانِ، فهما عن يمينك، وعن شمالِكَ، فأمَّا الذي عن يمينك، فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك، فيحفظ سيِّئاتك؛ حتَّى إذا متَّ طُويَتْ صحيفتك، وجعلت معك في قبرك؛ حتى تخرج لك يوم القيامة، فقوله: {وَنُخْرِجُ لَهُ} أي: من قبره. قوله تعالى: {ٱقْرَأْ كتَابَكَ}: على إضمار القول، أي: يقال له: اقرأ، وهذا القول: إمَّا صفةٌ أو حالٌ، كما في الجملة قبله. وهذا القائل هو الله تعالى. قال الحسن: "يَقْرءُوهُ أمِّيًّا كان، أو غير أمِّيٍّ". وقال أبو بكر بن عبد الله - رضي الله عنه-: يؤتى المؤمنُ يوم القيامةِ بصحيفته، وحسناته في ظهرها، يغبطه الناس عليها، وسيئاته في جوف صحيفته، وهو يقرؤها، حتَّى إذا ظنَّ أنها قد أوبقته، قال الله له: "حديث : قَدْ غَفَرْتُ لَكَ فِيمَا بَينِي وبَينكَ" تفسير : فيعظم سروره ويصير من الَّذين قال الله - عزَّ وجلَّ - في حقهم: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} تفسير : [عبس: 38، 39]. قوله تعالى: {كَفَىٰ بِنَفْسِكَ} فيه ثلاثة أوجه: المشهور عند المعربين: أنَّ "كَفَى" فعل ماضٍ، والفاعل هو المجرور بالباء، وهي فيه مزيدة، ويدلُّ عليه أنها إذا حذفت ارتفع؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3388- ويُخْبِرنِي عَن غَائبِ المَرْءِ هَديهُ كَفَى الهَدْيُ عَمَّا غَيَّبَ المَرءُ مُخْبِرا تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 3389-................. كَفَى الشَّيْبُ والإسلامُ للمَرْءِ نَاهِيَا تفسير : وعلى هذا؛ فكان ينبغي أن يؤنَّث الفعل؛ لتأنيث فاعله، وإن كان مجروراً؛ كقوله {أية : مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ} تفسير : [الأنبياء: 6] {أية : وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ} تفسير : [الأنعام: 4]. وقد يقال: إنه جاء على أحد الجائزين؛ فإن التأنيث مجازيٌّ. والثاني: أن الفاعل ضمير المخاطب، و "كفى" على هذا اسم فعل أمر، أي: اكتفِ، وهو ضعيف؛ لقبولِ "كَفَى" علاماتِ الأفعالِ. الثالث: أن فاعل "كَفَى" ضمير يعود على الاكتفاء، وتقدَّم الكلام على هذا. و "اليَوْمَ" نصبٌ بـ "كَفَى". قوله: "حَسِيباً" فيه وجهان: أحدهما: أنه تمييزٌ، قال الزمخشريُّ: "وهو بمعنى حاسبٍ؛ كضريب القداح؛ بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم، ذكرهما سيبويه، و "على" متعلقة به من قولك: حَسِبَ عليه كذا، ويجوز أن يكون بمعنى الكافي ووضع موضع الشَّهيد، فعدِّي بـ "عَلَى" لأنَّ الشاهد يكفي المدَّعي ما أهمَّه، فإن قلت: لِمَ ذكر "حَسِيباً"؟ قلت: لأنه بمنزلةِ الشاهد، والقاضي، والأمين، وهذه المور يتولاَّها الرجال؛ فكأنَّه قيل: كفى بنفسك رجلاً حسيباً، ويجوز أن تتأوَّل النفس بمعنى الشخص، كما يقال: ثلاثةُ أنفسٍ". قلت: ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : 3390- ثَلاثةُ أنْفُسٍ وثَلاثُ ذَودٍ لقَد جَارَ الزَّمانُ على عِيَالِي تفسير : والثاني: أنه منصوب على الحال، وذكر لما تقدم، وقيل: حسيبٌ بمعنى محاسب؛ كخليطٍ وجليسٍ بمعنى: مخالطٍ ومجالسٍ. قال الحسن - رضي الله عنه -: "عَدلَ، والله، في حقِّك من جعَلكَ حَسِيبَ نَفْسكَ". وقال السديُّ: "يقول الكافر يومئذٍ: إنَّك قَضيْتَ أنَّك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أحاسِبُ نفسِي فيقال له: اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً".
ابو السعود
تفسير : {وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ} مكلف {أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ} أي عملَه الصادرَ عنه باختياره حسبما قُدِّر له كأنه طار إليه من عُشّ الغيب ووَكْر القدر، أو ما وقع له في القسمة الإلية الواقعةِ حسب استحقاقِه في العلم الأزليِّ من قولهم: طار له سهمٌ كذا {فِى عُنُقِهِ} تصويرٌ لشدة اللزوم وكمالِ الارتباط أي ألزمناه عملَه بحيث لا يفارقه أبداً بل يلزمه لزومَ القِلادة أو الغُلّ للعنق لا ينفك عنه بحال، وقرىء بسكون النون {وَنُخْرِجُ لَهُ} بنون العظمة وقد قرىء بالياء مبنياً للفاعل على أن الضمير لله عز وجل وللمفعول، والضمير للطائر كما في قراءة يخرُج من الخروج {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} للحساب {كِتَـٰباً} مسطوراً فيه ما ذكر من عمله نقيراً وقِطميراً وهو مفعول لنُخرجُ على القراءتين الأُوليـين أو حالٌ من المفعول المحذوفِ الراجع إلى الطائر وعلى الأخرَيَـين حالٌ من المستتر في الفعل من ضمير الطائر {يَلْقَـٰهُ} الإنسان {مَنْشُوراً} وهما صفتان للكتاب أو الأول صفةٌ والثاني حالٌ منها، وقرىء يلقاه من لقِيته كذا أي يلقىٰ الإنسانُ إياه. قال الحسن: بُسِطت لك صحيفةٌ ووكّل بك ملكان فهما عن يمينك وعن شمالك فأما الذي عن يمينك فيحفظ سيئاتِك حتى إذا مُت طُويت صحيفتُك وجُعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة. {ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ} أي قائلين لك ذلك. عن قتادة يقرأ ذلك اليومَ من لم يكن في الدنيا قارئاً، وقيل: المرادُ بالكتاب نفسُه المنتقشةُ بآثار أعماله فإن كل عمل يصدُر من الإنسان خيراً أو شرًّا يحدُث منه في جوهر روحِه أمرٌ مخصوصٌ إلا أنه يخفى ما دام الروحُ متعلقاً بالبدن مشتغلاً بواردات الحواسِّ والقُوى، فإذا انقطعت علاقتُه عن البدن قامت قيامته لأن النفس كانت ساكنةً مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلويِّ فيزول الغطاءُ وتنكشف الأحوالُ ويظهر على لَوح النفس نقشُ كلِّ شيء عملِه في مدة عمرِه وهذا معنى الكتابة والقراءة {كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} أي كفى نفسُك، والباء زائدة واليومَ ظرفٌ لكفى وحسيباً تميـيزٌ و(على) صلتُه لأنه بمعنى الحاسب كالصريم بمعنى الصارم من حسَب عليه كذا. أو بمعنى الكافي، ووُضِع موضعَ الشهيد لأنه يكفي المدعي ما أهمه. وتذكيرُه لأن ما ذكر من الحساب والكفاية مما يتولاه الرجال أو لأنه مبنيٌّ على تأويل النفس بالشخص على أنها عبارة عن نفس المذكر كقول جَبَلةَ بن حريث: [البسيط] شعر : يا نفسُ إنكِ باللذات مسرورُ فاذكرْ فهل ينفعَنْك اليوم تذكيرُ تفسير : {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ} فذلكةٌ لما تقدم من بـيان كونِ القرآن هادياً لأقوم الطرائقِ ولزومِ الأعمال لأصحابها، أي من اهتدى بهدايته وعمِل بما في تضاعيفه من الأحكام وانتهى عما نهاه عنه فإنما تعود منفعةُ اهتدائِه إلى نفسه لا تتخطاه إلى غيره ممن لم يهتدِ {وَمَن ضَلَّ} عن الطريقة التي يهديه إليها {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي فإنما وبالُ ضلاله عليها لا على من عداه ممّن يباشره حتى يمكن مفارقةُ العمل صاحبَه {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تأكيد للجملة الثانية، أي لا تحمل نفسٌ حاملةٌ للوزر وزرَ نفسٍ أخرى حتى يمكن تخلّصُ النفس الثانية عن وزرها ويختلَّ ما بـين العامل وعملِه من التلازم، بل إنما تحمل كلٌّ منها وزرها، وهذا تحقيقٌ لمعنى قوله عز وجل: {وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ} [الإسراء، الآية 13] وأما ما يدل عليه قوله تعالى: { أية : مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} تفسير : [النساء، الآية 85] وقوله تعالى: { أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [النحل: 25] مِن حمْل الغير وانتفاعِه بحسنته وتضرره بسيئته فهو في الحقيقة انتفاعٌ بحسنة نفسِه وتضرّرٌ بسيئته فإن جزاءَ الحسنة والسيئة اللتين يعملهما العاملُ لازمٌ له. وإنما الذي يصل إلى مَنْ يشفع جزاءُ شفاعته لا جزاءُ أصل الحسنة والسيئة، وكذلك جزاءُ الضلال مقصورٌ على الضالين، وما يحمله المُضلون إنما هو جزاءُ الإضلال لا جزاءُ الضلال، وإنما خُص التأكيدُ بالجملة الثانية قطعاً للأطماع الفارغةِ حيث كانوا يزعُمون أنهم إن لم يكونوا على الحق فالتبعةُ على أسلافهم الذين قلدوهم {وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ} بـيانٌ للعناية الربانية إثرَ بـيان اختصاصِ آثارِ الهداية والضلال بأصحابها وعدم حِرمان المهتدي من ثمرات هدايته وعدمِ مؤاخذة النفس بجناية غيرها، أي وما صح وما استقام منا بل استحال في سنتنا المبنيةِ على الحِكَم البالغة أو ما كان في حكمنا الماضي وقضائِنا السابق أن نعذب أحداً من أهل الضلال والأوزارِ اكتفاءً بقضية العقل {حَتَّىٰ نَبْعَثَ} إليهم {رَسُولاً} يهديهم إلى الحق ويردعهم عن الضلال ويقيم الحججَ ويمهد الشرائع حسبما في تضاعيف الكتاب المنزل عليه، والمرادُ بالعذاب المنفيّ إما عذابُ الاستئصال كما قاله الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه الله وهو المناسبُ لما بعده، أو الجنسُ الشامل للدنيوي والأخروي وهو من أفراده، وأياً ما كان فالبعثُ غايةٌ لعدم صحة وقوعِه في وقته المقدر له لا لعدم وقوعِه مطلقاً، كيف لا والأخرويُّ لا يمكن وقوعُه عَقيبَ البعث، والدنيويُّ أيضاً لا يحصُل إلا بعد تحقق ما يوجبه من الفسق والعصيان، ألا يُرى إلى قوم نوحٍ كيف تأخر عنهم ما حل بهم زُهاءَ ألف سنة.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ}[13] قال: علمه أي ما كان من خير وشر.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} [الآية: 13]. قال بعضهم: كتابًا: تكتبه على نفسك فى أيامك وساعاتك. وكتاب كُتب عليك فى الأزل، لا يخال هذا ذاك ولا ذاك هذا. قال بعضهم: الكتاب الذى يخرج إليك هو كتاب لسانك قلمه، وريقك مداده، وأعضاؤك ومفاصلك قرطاسه أنت كنت المملى على حفظتك ما زيد فيه ولا نقص منه، ومتى أنكرت شيئًا من ذلك كان الشاهد فيه منك عليك. قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ} تفسير : [النور: 24].
القشيري
تفسير : ألزم كلَّ أحدٍ ما لَبِسَ بجِيدِه. فالذين هم أهلُ السعادة أسرج لهم مركبَ التوفيقَ، فيسير بهم إلى ساحات النجاة، والذين هم أهل الشقاوة أركبهم مَطِيَّةَ الخذلان فأَقْعَدَتْهم عن النهوض نحو منهج الخلاص، فوقعوا في وَهْدَةِ الهلاك.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكل انسان} مكلف مؤمنا كان او كافرا ذكرا او انثى عالما او اميا سلطانا او رعية حرا او عبدا {الزمناه} الالزام [لازم كردن] {طائره} اى عمله الصادر عنه باختياره حسبما قدر له كانه طار اليه من عش الغيب ووكر القدر {فى عنقه} تصوير لشدة اللزوم وكمال الارتباط اى الزمناه عمله بحيث لا يفارقه ابدا بل يلزمه لزوم القلادة والغل للعنق لا ينفك عنه بحال شعر : كه هرنيك وبدى كان ازمن آيد مرا نا كام غل در كردن آيد تفسير : قال فىالاسئلة المقحمة كيف خص العنق بالزامة الطائر الجواب لان العنق موضع السمات والقلائد مما يزين او يشين فينسبون الاشياء اللازمة الى الاعناق يقال هذا فى عنقى وفى عنقك انتهى. وفى حياة الحيوان انهم قالوا تقلدها طوق الحمامة الهاء كناية عن الخصلة القبيحة اى تقلد طوق الحمامة لانه لا يزايلها ولا يفارقها كما لا يفارق الطوق الحمامة ومثل قوله تعالى {وكل انسان الزمناه طائره فى عنقه} ان عمله لازم له لزوم القلادة والغل لا ينفك عنه انتهى. قال فى التأويلات النجمية يشير الى ما طار لكل انسان فى الازل وقدر بالحكمة الازلية والارادة القديمة من السعادة والشقاوة وما يجرى عليه من الاحكام المقدرة والاحوال التى جرى بها القلم من الخلق والخلق والرزق والاجل من صغائر الاعمال وكبائرها المكتوبة له وهو بعد فى العدم وطائره ينتظر وجوده فلما اخرج كل انسان رأسه من العدم الى الوجود وقع طائره فى عنقه ملازما له فى حياته ومماته حتى يخرج من قبره يوم القيامة وهو فى عنقه وهو قوله {ونخرج له} اى لكل انسان {يوم القيامة} والبعث للحساب {كتابا} مسطورا فيه عمله نقيرا وقطميرا وهو مفعول نخرج {يلقاه} الانسان اى يجده ويراه {منشورا} مفتوحا بعدما كان مطويا صفتان لكتابا او الاول صفة والثانى حال. قال الحسن بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك وعن شمالك. فاما الذى عن يمينك فيحفظ حسناتك. واما الذى عن شمالك فيحفظ سيأتك حتى اذ مت طويت صحيفتك وجعلت معك فى قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة. يعنى [جون آدمى درسكرات افتد نامه عمل او در بيجند وجون مبعوث كردند باز كشاده بدست وى دهند].
الطوسي
تفسير : قرأَ أَبو جعفر {ويخرج} بضم الياء، وفتح الراء، وقرأ يعقوب بالياء وفتحها وضم الراء. الباقون بالنون، وضمها، وكسر الراء. واتفقوا على نصب {كتاباً} وقرأَ ابن عامر وأَبو جعفر {يلقاه} بضم الياء، وفتح اللام وتشديد القاف. الباقون بفتح الياء وسكون اللام وفتح القاف وتخفيفها، ونصب كل انسان بفعل يفسره {أَلزمناه} وتقديره أَلزمنا كل انسان أَلزمناه، كما قال {أية : والقمر قدرناه}تفسير : فيمن نصب. ومعنى طائره قال ابن عباس، ومجاهد وقتادة: عمله من خير أَو شر كالطائر الذي يجيء من ذات اليمين، فيتبرك به، والطائر الذي يجيء من ذات الشمال فيتشاءم به، وطائره عمله. والزام الله طائره في عنقه: الحكم عليه بما يستحقه من ثواب أو عقاب. وقيل: معناه ان يحكم بأن عمله كالطوق في عنقه. ثم اخبر تعالى أنه يخرج للانسان المكلف يوم القيامة كتاباً فيه جميع أفعاله مثبتة ما يستحق عليه ثواب او عقاب. وقوله {يلقاه} قرأ ابن عامر بضم الياء وفتح اللام، وتشديد القاف، بمعنى ان الملائكة يستقبلونهم. الباقون بفتح الياء والقاف، بمعنى أنهم يلقونه ويرونه. فمن قرأ بالتخفيف، فمن لقيت الكتاب، فاذ ضاعفت قلت لقّانيه، وقد يتعدى بتضعيف العين الى مفعولين بعد ان كان متعدياً الى مفعول واحد، فاذا بني للمفعول به نقص مفعول واحد من المفعولين، لأن أحدهما يقول مقام الفاعل، لاسناد الفعل اليه، فيبقى متعدياً الى مفعول واحد، وعلى هذا قوله {أية : ويلقَّون فيها تحية وسلاماً}تفسير : وفي البناء للفاعل {أية : ولقَّاهم نضرة وسروراً}تفسير : وحكي عن الحسن ومجاهد أنهما قرءا {ويخرج} بفتح الياء وضم الراء، والمعنى يخرج طائره له "كتاباً" نصب على التمييز، وقيل في (طائره) أنه عمله. وقيل: أنه حظه، وما قدّمه من خير او شرّ قال المؤرج: الطائر العمل، بلغة الانصار، ويكون المعنى على هذا ويخرج عمله له كتاباً أي ذا كتاب، ومعناه أنه مثبت في الكتاب الذي قال فيه {أية : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} تفسير : وقال {أية : هآؤم اقرؤا كتابيه}تفسير : وانما قيل لعمله طائره - وطيره في بعض القراءات - على تعارف العرب، يقولون: جرى طائره بكذا، ومثله قوله {أية : قالوا طائركم معكم}تفسير : وقوله {أية : إنما طائرهم عند الله}تفسير : وقال ابو زيد: ما مر من طائر أو ظبي أو غيره، كل ذلك عندهم طائر، قال ابو زيد: قولهم: سألت الطير، وقلت للطير، انما هو زجر، وقولهم زجرني الظباء والطير معناه وقع زجري عليهما، على كذا وكذا، من خير أو شرّ، ومنه قول الكميت: شعر : ولا أنا ممن يزجر الطير همّه أصاح عزاب أو تعرّض ثعلب تفسير : وقال حسان: شعر : ذرينى وعلمي بالامور وشيمتي فما طائري فيها عليك بأخيلا تفسير : اي ليس رأيي بمشوم، وقال كثير: شعر : أقول إِذا ما الطير مرّت مخيلة لعلك يوماً فانتظر ان تنالها تفسير : معنى مخيلة مكروهة من الاخيل، ومعنى {في عنقه} لزوم ذلك له وتعلقه به، ومثله قولهم: طوقتك كذا، وقلدتك كذا اي الزمته إِياك ومثله، قلده السلطان كذا، اي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة، وإِنما خصّ إِلزام الطائر بالعنق، لأنه إِضافة ما يزين من طوق، او ما يشين من عمل يضاف الى الاعناق، ولأن في عرف الناس ان يقولوا: هذا في رقبتك. وقد يضاف العمل الى اليد ايضاً كما قال {أية : ذلك بما قدمت أيديكم}تفسير : وإِن كان كسبه بفرجه ولسانه، وغير ذلك، وإِنما يذم بذلك على وجه التقريع والتبكيت بما فعله من المعاصي، ويكون في العلم بذلك لطف في دار الدنيا، وان كان الله عالماً بتفصيل ما فعلوه. وقوله {كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} اي حسبك نفسك اليوم حاكماً عليك في عملك وما تستحقه من ثواب على الطاعة ومن عقاب على المعصية، لانه أنصفك من جعلك حسيباً على نفسك بعملك. وقيل معنى {حسيباً} شاهداً وشهيداً. وقوله {من اهتدى} يعني فعل الخيرات والطاعات وانتفع بهداية الله إِياه {فإِنما يهتدي لنفسه} وأن ثواب ذلك واصل اليه {ومن ضلّ} اي جار عن الحق وعدل عن الصواب وارتكب المعاصي {فإِنما يضل عليها} اي يجور عليها لأن عقاب ذلك ووباله واصل اليه، لأن الله تعالى قال {لا تزر وازرة وزر أُخرى} اي لا يأخذ احداً بذنب غيره، والوزر الإِثم، وقيل معناه لا يجوز لأحد أن يعمل الإثم، لأن غيره عمله، والأول أقوى. وقوله {وما كنا معذِّبين حتى نبعث رسولاً} اخبار من الله أَنه لا يعاقب احداً على معاصيه، حتى يستظهر عليه بالحجج وانفاذ الرسل ينبهونه على الحق، ويهدونه اليه ويرشدونه الى سلوكه، استظهاراً في الحجة، لانه اذا اجتمع داعي العقل وداعي السمع الى الحق، تأكد الامر وزال الريب فيما يلزم العبد، وليس في ذلك دلالة على انه لو لم يبعث رسولاً لم يحسن منه ان يعاقب اذا ارتكب العبد القبائح العقلية، اللهم إلاَّ أَن يفرض أَن في بعثه الرسول لطفاً، فإِنه لا يحسن من الله تعالى مع ذلك أَن يعاقب احداً إِلاَّ بعد أن يعرّفه ما هو لطف له ومصلحة لتزاح علته. وقيل: معناه {وما كنا معذِّبين} بعذاب الاستئصال والاهلاك في الدنيا {حتى نبعث رسولاً}. وفي الآية دلالة على بطلان قول المجبرة: من ان الله يعذب اطفال الكفار بكفر آبائهم، لانه بين أَنه لا يأخذ احداً بجرم غيره.
الجنابذي
تفسير : {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} الطّائر الّذى يطير، ولمّا كان العرب يتيمّنون بطيران الطّائر الى اليمين ويتشأّمون بطيرانه الى اليسار خصوصاً بعض الطّيور جعل اسماً لمطلق ما يتيّمن ويتشأّم به، ثمّ استعمل فى مطلق سبب الخير والشّرّ والمعنى الزمناه سبب خيره وشرّه فى عنقه كأنّه قلادة فيه {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً} مكتوباً بابدى ملائكتنا ممّا هو عبارة عن الواح نفسه او ما هو خارج عنها {يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ٱقْرَأْ} قائلين اقرء {كَتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} محاسباً لا حاجة لك الى محاسبٍ آخر لكشف الغطاء وحدّة البصر وحضور الاعمال مجسّماً ومكتوباً وشهود الميزان وتطاير الكتاب السّجينىّ الى اليسار والعلّيينىّ الى اليمين.
اطفيش
تفسير : {وَكُلَّ إِنسَانٍ ألْزَمْنَاهُ طائِرَهُ} أى عمله وما قدر له شبه ذلك بطائر يطير بجناحه كأَنه أطير إِليه من الغيب والقضاء فطار فإِن انتقال ذلك من القضى إِلى الخارج شبيه بالطيران، ومن ذلك طار له سهم إِذا خرج وقد ذكر ابن عيينة أن الآية من قولك طار له سهم إِذا خرج، وقيل طائره ما قضى عليه من عمل سعادة وشقاوة وفيه الشبه المذكور وإِن قلت ما نكتة التشبيه قلت من عادة العرب التيمن والتشاؤم بالطير وكثر ذلك حتى فعلته بالضباء أو حيوان الفلا يتيمنون بذهابه يمينا وهو السنوخ ويتشاءمون بذهابه شمالا وهو اليروح وتسمى ذلك تطيرا وتعتقد أن التطير قاض بما يلقى الإِنسان من خير وشر فخاطب العرب بما تعرف فاستعير لفظ طائر لما هو سبب الخير والشر من قدر الله وعمل العبد، ولذلك فسر بعضهم طائره بخيره وشره. قال مجاهد وقتادة عبر عن الحظ والعمل إِذ هما متلازمان بالطائر بحسب معتقد العرب فى التطير {فى عُنُقِهِ} كالطوق والقلادة والغل مما يزين أو يشين، فإِن كان عمله خيرا فهو كطوق ذهب أو فضة ونحوهما مما يطوق فى العنق للتزيين وكالحلى الذى يقلد فى العنق من لؤلؤ ومرجان وغيرهما. وإِن كان عمله شرا فهو كغل فى عنق، قيل ما من مولود إِلا وفى عنقه ورقة مكتوب فيها شقى أو سعيد، وقيل المراد الطائر الملزم فى العنق هو ما يتحصل من العمل ويعلق فى عنق صاحبه فى قبره وهو ظاهر كلام الحسن الذى أذكره بعد قوله تعالى: حسيبا. ونسب لابن عباس والمشهور عنه أنه عمل ابن آدم وما قدر له وروى عن الحسن يا ابن آدم بسطت لك صحيفة إِذا بعثت قلدتها فى عنقك وظاهره إِن الطائر الكتاب المشتمل على عمله المعلق فى عنقه إِذا بعث، وقرئ بسكون نون عنقه {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً} صحيفة أعماله أو نفسه فإِنها كتاب من حيث أنها منتقشة بآثار أعماله، فإِن الأَفعال الاختيارية تحدث فى النفس أحوالا ولذلك يفيد تكرير النفس لتلك الأَحوال ملكات والملكة قسم من مقولة الكيف والكيف عرض لا يتوقف تصوره على تصور غيره ولا يقتضى القسمة ولا عدمها فى محله اقتضاء أوليا، فإِن اختصت الكيفية بذوات الأَنفس تسمى كيفية النفسانية وحينئذ إِن كانت راسخة فى موضعها تسمى ملكة، وكتابا مفعول به أو حال من مفعول محذوف هو ضمير الطائر أى تخرجه إِلى الطائر حال كونه كتابا، أى نظهر عمله وما قدر له حال كونه مكتوبا ويدل على قراءة يعقوب، ويخرج بفتح الياء تحت وضم الراء فإِن فيه على قراءة يعقوب ضميرا مستتراً لطائر، ويدل له أيضا كلام الحسن الاتى وقرئ بضم الياء المثناة تحت وكسر الراء أى يخرج الله وعلى هذا فكتابا مفعول لو حال على حد ما مر وقرئ يخرج بالمثناة والبناء للمفعول ونصب كتابا على الحال من النائب المستتر العائد إِلى الطائر، وهذه القراءة تدل أيضا على كونه كتابا حال فى قراءة نخرج بالنون وقراءة يخرج بالتحتية مضمومة والراء المكسورة {يَلْقَاهُ} وقرأ ابن عامر بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف بالبناء للمفعول من لقاء الشئ بالتشديد، أى جعله لاقيا للشئ وفى يلقاه على قراءته ضمير مستتر نائب الفاعل عائد إِلى كل إِنسان والهاء مفعول ثان، كما أن فيه على قراءة الجمهور ضميرا هو الفاعل عائدا إِلى كل إِنسان والهاء مفعول ولا مفعول ثانيا له والجملة على القراءتين نعت لكتابا {مَنْشُوراً} نعت ثان أو حال من الهاء.
الالوسي
تفسير : {وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ} منصوب على حد {أية : كُلّ شَىْء} تفسير : [الإسراء: 12] أي وألزمنا كل إنسان مكلف {أَلْزَمْنَـٰهُ طَٰـئِرَهُ} أي عمله الصادر منه باختياره حسبما قدر له خيراً كان أو شراً كأنه طار إليه من عش الغيب ووكر القدر. وفي «الكشاف» أنهم كانوا يتفاءلون بالطير ويسمونه زجراً فإذا سافروا ومر بهم طير زجروه فإن مر بهم سانحاً بأن مر من جهة اليسار إلى اليمين تيمنوا وإن مر بارحاً بأن مر من جهة اليمين إلى الشمال تشاءموا ولذا سمي تطيراً فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير استعارة تصريحية لما يشبههما من قدر الله تعالى وعمل العبد لأنه سبب للخير والشر. ومنه طائر الله تعالى لا طائرك أي قدر الله جل شأنه الغالب الذي ينسب إليه الخير والشر لا طائرك الذي تتشاءم به وتتيمن «وقد كثر فعلهم ذلك حتى فعلوه بالظباء أيضاً وسائر حيوانات الفلا وسمّوا كلْ ذلك تطيراً» كما في «البحر»، وتفسيره بالعمل هنا مروي عن ابن عباس ورواه البيهقي في «شعب الإيمان» عن مجاهد وذهب إليه غير واحد وفسره بعضهم بما وقع للعبد في القسمة الأزلية الواقعة حسب استحقاقه في العلم الأزلي من قولهم: طار إليه سهم كذا، ومن ذلك فطار لنا من القادمين عثمان بن مظعون أي ألزمنا كل إنسان نصيبه وسهمه الذي قسمناه له في الأزل. {فِى عُنُقِهِ} تصوير لشدة اللزوم وكمال الارتباط وعلى ذلك جاء قوله: إن لي حاجة إليك فقال: بين أذني وعاتقي ما تريد. وتخصيص العنق لظهور ما عليه من زائن كالقلائد والأطواق أو شائن كالأغلال والأوهاق ولأنه العضو الذي يبقى مكشوفاً يظهر ما عليه وينسب إليه التقدم والشرف ويعبر به عن الجملة وسيد القوم. فالمعنى ألزمناه عمله بحيث لا يفارقه أبداً بل يلزمه لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه بحال. وأخرج ابن مردويه عن حذيفة بن أسيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن النطفة التي يخلق منها النسمة تطير في المرأة أربعين يوماً وأربعين ليلة فلا يبقى منها شعر ولا بشر ولا عرق ولا عظم إلا دخلته حتى إنها لتدخل بين الظفر واللحم فإذا مضى أربعون ليلة وأربعون يوماً أهبطها الله تعالى إلى الرحم فكانت علقة أربعين يوماً وأربعين ليلة ثم تكون مضغة أربعين يوماً وأربعين ليلة فإذا تمت لها أربعة أشهر بعث الله تعالى إليها ملك الأرحام فيخلق على يده لحمها ودمها وشعرها وبشرها ثم يقول سبحانه صور فيقول: يا رب أصور أزائد أم ناقص أذكر أم أنثى أجميل أم ذميم أجعد أم سبط أقصير أم طويل أأبيض أم آدم أسوي أم غير سوي / فيكتب من ذلك ما يأمر الله تعالى به ثم يقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فإن كان سعيداً نفخ فيه بالسعادة في آخر أجله وإن كان شقياً نفخ فيه بالشقاوة في آخر أجله ثم يقول اكتب أثرها ورزقها ومصيبتها وعملها بالطاعة والمعصية فيكتب من ذلك ما يأمره الله تعالى ثم يقول الملك: يا رب ما أصنع بهذا الكتاب فيقول سبحانه علقه في عنقه إلى قضائي عليه» تفسير : فذلك قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَٰـئِرَهُ فِى عُنُقِهِ}. ولا يخفى أن الظاهر من هذا الخبر أن ذكر العنق ليس للتصوير المذكور وأن الطائر عبارة عن الكتاب الذي كتب فيه ما كتب. وأخرج ابن أبـي شيبة وابن المنذر عن أنس أنه فسره بذلك صريحاً، وباب المجاز واسع، ونحن نؤمن بالحديث إذا صح ونفوض كيفية ما دل عليه إلى اللطيف الخبير جل جلاله. والظاهر منه أيضاً عدم تقييد الإنسان بالمكلف، ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود في كتاب القدر وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد أنه قال في الآية: «ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد». وآخر الآية ظاهر في التقييد. وقرأ مجاهد والحسن وأبو رجاء {طيره} وقرىء {عنقه} بسكون النون. {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} والبعث للحساب {كِتَـٰباً} هي صحيفة عمله، ونصبه على أنه مفعول {نُخْرِجُ } وجوز أن يكون حالاً من مفعول لنخرج محذوف وهو ضمير عائد على الطائر أي نخرجه له حال كونه كتاباً. ويعضد ذلك قراءة يعقوب ومجاهد وابن محيصن {ويخرج } بالياء مبنياً للفاعل من خرج يخرج ونصب {كِتَـٰباً} فإن فاعله حينئذ ضمير الطائر وكتاباً حال منه والأصل توافق القراءتين، وكذا قراءة أبـي جعفر {ويخرج} بالياء مبنياً للمفعول من أخرج ونصب {كِتَـٰباً} أيضاً، ووجه كونها عاضدة أن في يخرج حينئذ ضميراً مستتراً هو ضمير الطائر وقد كان مفعولاً، واحتمال أن يكون {لَهُ} نائب الفاعل فلا تعضد لا يلتفت إليه لأن إقامة غير المفعول مع وجوده مقام الفاعل ضعيفة وليس ثمت ما يكون كتاباً حالاً منه فيتعين ما ذكر كما قاله ابن يعيش في «شرح المفصل»، وعنه أيضاً أنه قرىء {يخرج} بالبناء للمفعول أيضاً ورفع {كتاب} على أنه نائب الفاعل وقرأ الحسن {يخرج} بالبناء للفاعل من الخروج ورفع {كتاب} على الفاعلية، وقرأت فرقة {ويخرج} بالياء من الإخراج مبنياً للفاعل وهو ضمير الله تعالى وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هٰرون قال في قراءة أبـي بن كعب {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه يقرأه يوم القيامة كتاباً} {يَلْقيـٰهُ} أي يلقي الإنسان أو يلقاه الإنسان {مَنْشُوراً} غير مطوي لتمكن قراءته، وفيه إشارة إلى أن ذلك أمر مهيء له غير مغفول عنه، وجملة {يَلْقَـٰهُ} صفة (كتاباً) و {مَنْشُوراً} حال من ضميره، وجوز أن يكونا صفتين له، وفيه تقدم الوصف بالجملة على الوصف بالمفرد وهو خلاف الظاهر. وقرأ ابن عامر وأبو جعفر والجحدري والحسن بخلاف عنه {يلقاه} بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقيته كذا أي يلقى الإنسان إياه. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قال: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك في قبرك حتى تجيء يوم القيامة فتخرج لك.
ابن عاشور
تفسير : لما كان سياق الكلام جارياً في طريق الترغيب في العمل الصالح والتحذير من الكفر والسيئات ابتداء من قوله تعالى: {أية : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين} تفسير : [الإسراء: 9] إلى قوله تعالى: {أية : عذاباً أليماً}تفسير : [الإسراء: 10] وما عقبه مما يتعلق بالبشارة والنذارة وما أدمج في خلال ذلك من التذكير ثم بما دل على أن علم الله محيط بكل شيء تفصيلاً، وكان أهم الأشياء في هذا المقام إحاطة علمه بالأعمال كلها، فأعقب ذكر ما فصله الله من الأشياء بالتنبيه على تفصيل أعمال الناس تفصيلاً لا يقبل الشك ولا الإخفاء وهو التفصيل المشابه للتقييد بالكتابة، فعطف قوله: {وكل إنسان} الخ على قوله: {أية : وكل شيء فصلناه تفصيلاً}تفسير : [الإسراء: 12] عطف خاص على عام للاهتمام بهذا الخاص. والمعنى: وكل إنسان قدرنا له عمله في علمنا فهو عامل به لا محالة وهذا من أحوال الدنيا. والطائر: أطلق على السهم، أو القرطاس الذي يُعين فيه صاحب الحَظّ في عطاء أو قرعة لقسمة أو أعشار جزور الميسر، يقال: اقتسموا الأرض فطار لفلان كذا، ومنه قول أم العَلاء الأنصارية في حديث الهجرة: اقتسم الأنصارُ المهاجرين فطار لنا عُثمان بن مظعون... وذكرت قصة وفاته. وأصل إطلاق الطائر على هذا: إما لأنهم كانوا يرمون السهام المرقومة بأسماء المتقاسمين على صبر الشيء المقسوم المعدة للتوزيع. فكل من وقع السهم المرقوم باسمه على شيء أخذَه. وكانوا يطلقون على رمي السهم فعل الطيران لأنهم يجعلون للسهم ريشاً في قُذذه ليخف به اختراقه الهواء عند رميه من القوس، فالطائر هنا أطلق على الحظ من العمل مثل ما يطلق اسم السهم على حظ الإنسان من شيء ما. وإما من زجر الطير لمعرفة بختِ أو شُؤم الزاجر من حالة الطير التي تعترضه في طريقه، والأكثر أن يفعلوا ذلك في أسفارهم، وشاع ذلك في الكلام فأطلق الطائر على حظ الإنسان من خير أو شر. والإلزام: جعله لازماً له، أي غير مفارق، يقال: لَزمه إذا لم يفارقه. وقوله: {في عُنُقِهِ} يجوز أن يكون كناية عن الملازمة والقرب، أي عمله لازم له لزوم القلادة. ومنه قول العرب تقلدها طَوْقَ الحمامة، فلذلك خصت بالعنق لأن القلادة توضع في عنق المرأة. ومنه قول الأعشى: شعر : والشِعْرَ قلدتُه سَلامَةَ ذَا فا ئش والشيءُ حيثما جُعلا تفسير : ويحتمل أن يكون تمثيلاً لحالة لعلها كانت معروفة عند العرب وهي وضع علامات تعلق في الرقاب للذين يعيّنون لعمل ما أو ليؤخذ منهم شيء، وقد كان في الإسلام يجعل ذلك لأهل الذمة، كما قال بشار: شعر : كَتب الحبُّ لها في عُنقي مَوْضِعَ الخَاتم من أهله الذِمم تفسير : ويجوز أن يكون {في عنقه} تمثيلاً بالبعير الذي يوسم في عنقه بسمة كيلا يختلط بغيره، أو الذي يوضع في عنقه جلجل لكيلا يضل عن صاحبه. والمعنى على الجميع أن كل إنسان يعامل بعمله من خير أو شر لا يُنقص له منه شيء. وهذا غير كتابة الأعمال التي ستذكر عقب هذا بقوله: {ونخرج له يوم القيامة كتاباً} الآية. وعَطف جملة {ونخرج له يوم القيامة كتاباً} إخبار عن كون تلك الأعمال المعبر عنها بالطائر تظهر يوم القيامة مفصلة معينة لا تغادَر منها صغيرةٌ ولا كبيرة إلا أحصيت للجزاء عليها. وقرأ الجمهور {ونخرج} بنون العظمة وبكسر الراء، وقرأه يعقوب بياء الغيبة وكسر الراء، والضمير عائد إلى الله المعلوم من المقام، وهو التفات. وقرأه أبو جعفر بياء الغيبة في أوله مبنياً للنائب على أن {له} نائب فاعل و {وكتاباً} منصوباً على المفعولية وذلك جائز. والكتاب: ما فيه ذكر الأعمال وإحصاؤها. والنشر: ضد الطي. ومعنى {يلقاه} يجده. استعير فعل يلقى لمعنى يَجد تشبيهاً لوجدان النسبة بلقاء الشخص. والنشر كناية عن سرعة اطلاعه على جميع ما عمله بحيث إن الكتاب يحضر من قبل وصُول صاحبه مفتوحاً للمطالعة. وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر {يُلَقّاه} بضم الياء وتشديد القاف مبنياً للمجهول على أنه مضاعف لقي تضعيفاً للتعدية، أي يجعله لاقياً كقوله: {أية : ولقاهم نضرة وسروراً}تفسير : [الإنسان: 11]. وأسند إلى المفعول بمعنى يجعله لاقياً. كقوله: {أية : وما يلقاها إلا الذين صبروا}تفسير : [فصّلت: 35] وقوله: {أية : ويلقون فيها تحية وسلاما}تفسير : [الفرقان: 75]. ونشر الكتاب إظهاره ليقرأ، قال تعالى:{أية : وإذا الصحف نشرت}تفسير : [التكوير: 10]. وجملة {اقرأ كتابك} مقول قول محذوف دل عليه السياق. والأمر في {اقرأ} مستعمل في التسخير ومكنى به عن الإعذار لهم والاحتجاج عليهم كما دل عليه قوله: {كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}، ولذلك كان معرفة تلك الأعمال من ذلك الكتاب حاصلة للقارىء. والقراءة: مستعملة في معرفة ما أثبت للإنسان من الأعمال أو في فهم النقوش المخصوصة إن كانت هنالك نقوش وهي خوارق عادات. والباء في قوله: {بنفسك} مزيدة للتأكيد داخلة على فاعل {كفى} كما تقدم في قوله: {أية : وكفى بالله شهيدا}تفسير : في سورة [النساء: 79]. وانتصب {حسيباً} على التمييز لنسبة الكفاية إلى النفس، أي من جهة حسيب. والحسيب: فعيل بمعنى فاعل مثل ضريب القداح بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم، أي الحاسب والضابط. وكثر ورود التمييز بعد (كفى بكذا). وعدي بــــ (على) لتضمينه معنى الشهيد. وما صدق النفس هو الإنسان في قوله: {وكل إنسان ألزمناه طائره} فلذلك جاء {حسيباً} بصيغة التذكير.
الشنقيطي
تفسير : في قوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ} وجهان معروفان من التفسير: الأول - أن المراد بالطائر: العمل من قولهم: طار له سهم إذا خرج له. اي ألزمناه ما طار له من عمله. الثاني - أن المراد بالطائر ماسبق له في علم الله من شقاوة أوسعادة. والقولان متلازمان. لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يؤول إليه من الشقاوة أو السعادة. فإذا عرفت الوجهين المذكورين فاعلم - أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد يكون فيها للعلماء قولان أو أقوال، وكلها حق، ويشهد له قرآن - فنذكر جميع الأقوال وأدلتها من القرآن. لأنها كلها حق، والوجهان المذكوران في تفسير هذه الآية الكريمة كلاهما يشهد له قرآن. أما على القول الأول بأن المراد بطائره عمله - فالآيات الدالة على أن عمل الإنسان لازم له كثيرة جداً. كقوله تعالى: {أية : لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ}تفسير : [النساء:123] الآية، وقوله {أية : إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الطور:16]، وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ}تفسير : [الانشقاق:6]، وقوله {أية : مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا}تفسير : [فصلت:46]، وقوله: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة:7و8]. والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. وأما على القول بأن المراد بطائره نصيبه الذي طار له في الأزل من الشقاوة أو السعادة - فالآيات الدالة على ذلك أيضاً كثيرة، كقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ}تفسير : [التغابن:2]، وقوله: {أية : وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُم }تفسير : [هود:119] أي للاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم.وقوله: {أية : فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ}تفسير : [الأعراف:30]، وقوله: {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الشورى:7]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {في عنقه} أي جعلنا عمله أو ما سبق من شقاوة في عنقه. أي لازماً له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه. ومنه قول العرب: تقلدها طوق الحمامة. وقولهم: الموت في الرقاب. وهذا الأمر ربقة في رقبته. ومنه قول الشاعر: شعر : اذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمامه تفسير : فالمعنى في ذلك كله: اللزوم وعدم الانفكاك. وقوله جلًّ وعلا في هذه الآية الكريمة: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك العمل الذي ألزم الإنسان إياه يخرجه له يوم القيامة مكتوباً في كتاب يلقاه منشوراً، أي مفتوحاً يقرؤه هو وغيره. وبين أشياء من صفات هذا الكتاب الذي يلقاه منشوراً في آيات أخر. فبين أن من صفاته: أن المجرمين مشفقون أي خائفون مما فيه، وأنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنهم يجدون فيه جميع ما عملوا حاضراً ليس منه شيء غائباً، وأن الله جلَّ وعلا لا يظلمهم في الجزاء عليه شيئاً. وذلك في قوله جلَّ وعلا: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}تفسير : [الكهف:49]. وبين في موضع آخر: أن بعض الناس يؤتى هذا الكتاب بيمينه - جعلنا الله وإخواننا المسلمين منهم. وأن من أوتيه بيمينه يحاسب حساباً يسيراً، ويرجع إلى أهله مسروراً، وأنه في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية. قال تعالى: {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً}تفسير : [الانشقاق:7-9]، وقال تعالى: {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ}تفسير : [الحاقة:19-23]. وبين في موضع آخر: أن من أوتيه بشماله يتمنى أنه لم يؤته، وأنه يؤمر به فيصلى الجحيم، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ذراعاً. وذلك في قوله: {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ}تفسير : [الحاقة:25-32] أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من النار، ومما قرب إليها من قوله وعمل. وبين في موضع آخر: أن من أوتي كتابي وراء ظهره يصلى السعير، ويدعو الثبور. وذلك في قوله: {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَىٰ سَعِيراً}تفسير : [الانشقاق:10-12]، وقوله تعالى: {أية : ٱقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإسراء:14] يعني أن نفسه تعلم أنه لم يظلم، ولم يكتب عليه إلا ما عمل. لأنه في ذلك الوقت يتذكر كل ما عمل في الدنيا من أول عمره إلى آخره. كما قال تعالى: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}تفسير : [القيامة:13]. وقد بين تعالى في مواضع أخر: أنه إن أنكر شيئاً من عمله شهدت عليه جوارحه. كقوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [يس:65]، وقوله: {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ} تفسير : [فصلت:31-32]، وقوله جلَّ وعلا {أية : بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}تفسير : [القيامة:14-15]، وسيأتي إن شاء الله لهذا زيادة إيضاح في سورة القيامة. تنبيه لفظة "كفى" تستعمل في القرآن واللغة العربية استعمالين: تستعمل متعدية، وهي تتعدى غالباً إلى مفعولين، وفاعل هذه المتعدية لا يجر بالباء. كقوله: {أية : وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ}تفسير : [الأحزاب:25]، وكقوله: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}تفسير : [الزمر:36] الآية، وقوله: {أية : فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّه}تفسير : [البقرة:137] الآية، ونحو ذلك من الآيات. وتستعمل لازمة، ويطرد جر فاعلها بالباء المزيدة لتوكيد الكفاية. كقَوْله في هذه الآية الكريمة {كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء:14]، وقوله تعالى: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}تفسير : [الأحزاب:3و48]، وقوله: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً}تفسير : [النساء:6] ونحو ذلك. ويكثر إتيان التمييز بعد فاعلها المجرور بالباء. وزعم بعض علماء العربية: أن جر فاعلها بالباء لازم. والحق أنه يجوز عدم جره بها، ومنه قول الشاعر: شعر : عميرة ودع إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا تفسير : وقول الآخر: شعر : ويخبرني عن غائب المرء هديه كفى الهدى عما غيب المرء مخبرا تفسير : وعلى قراءة من قرأ {يلَقَّاه} بضم الياء وتشديد القاف مبنياً للمفعول - فالمعنى: أن الله يلقيه ذلك الكتاب يوم القيامة. فحذف الفاعل فبني الفعل للمفعول. وقراءة من قرأ {يَخْرج} بفتح الياء وضم الراء مضارع خرج مبنياً للفاعل - فالفاعل ضمير يعود إلى الطائر بمعنى العمل وقوله {كتاباً} حال من ضمير الفاعل. أي ويوم القيامة يخرج هو أي العمل المعبر عنه بالطائر في حال كونه كتاباً منشوراً. وكذلك على قراءة {يخرج} بضم الياء وفتح الراء مبنياً للمفعول، فالضمير النائب عن الفاعل راجع أيضاً إلى الطائر الذي هو العمل. أي يخرج له هو أي طائره بمعنى عمله، في حال كونه كتاباً. وعلى قراءة "يخرج" بضم الياء وكسر الراء مبنياً للفاعل، فالفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى، وقوله {كتاباً} مفعول به. أي ويوم القيامة يخرج هو أي الله له كتاباً يلقاه منشوراً. وعلى قراءة الجمهور منهم السبعة - فالنون في {نخرج} نون العظمة لمطابقة قوله {ألزمناه} و {كتاباً} مفعول به لنخرج كما هو واضح. والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: طائره: أي عمله وما قدر له من سعادة وشقاء. في عنقه: أي ملازم له لا يفارقه حتى يفرغ منه. عليك حسيبا: أي كفى نفسك حاسباً عليك. ولا تزر وازرة وزر أخرى: أي لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى. مترفيها: منعميها من أغنياء ورؤساء. فحق عليها القول: أي بالعذاب. وكم أهلكنا: أي أهلكنا كثيراً. من القرون: أي من أهل القرون السابقة. خبيراً بصيراً: أي عليماً بصيراً بذنوب العباد. معنى الآيات: يخبر تعالى أنه عز وجل لعظيم قدرته، وسعة علمه، وحكمته في تدبيره ألزم كل إنسان ما قضى به له من عمل وما يترتب على العمل من سعادة أو شقاء في الدارين، الزمه ذلك بحيث لا يخالفه ولا يتأخر عنه بحال حتى كأنه مربوط بعنقه. هذا معنى قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ}. وقوله تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} أي وفي يوم القيامة يخرج الله تعالى لكل إنسان كتاب عمله فيلقاه منشوراً أي مفتوحاً أمامه. ويقال له: إقرأ كتابك الذي أحصى لك عملك كله فلم يغادر منه صغيرة ولا كبيرة. وقوله: {كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} أي يكفيك نفسك حاسباً لأعمالك محصياً لها عليك أيها الإنسان. وقوله تعالى: {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ}، أي بعد هذا الإعلام والبيان ينبغي أن يعلم أن من اهتدى اليوم فآمن بالله ورسوله، ولقاء الله، ووعده ووعيده وعمل صالحاً وتخلّى عن الشرك والمعاصي فإنما عائد ذلك له، هو الذي ينجو من العذاب، ويسعد في دار السعادة، وإن من ضل طريق الهدى فكذب ولم يؤمن، وأشرك ولم يوحِّد، وعصى ولم يطع فإن ذلك الضلال عائد عليه، هو الذي يشقى به ويعذب في جهنم دار العذاب والشقاء. وقوله {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} الوزر الإثم والذنب والوازرة الحاملة له لتؤخذ به ومعنى الكلام ولا تحمل يوم القيامة نفس آثمة إثم نفس أخرى، بل كل نفس تتحمل مسئوليتها بنفسها، والكلام تقرير لقوله: {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}. وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} أي لم يكن من شأن الله تعالى وهو العدل الرحيم أن يهلك أمة بعذاب إبادة واستئصال قبل أن يبعث فيها رسولاً يعرفها بربها وبمحابه ومساخطه، ويأمرها بفعل المحارب وترك المساخط التي هي الشرك والمعاصي. وقوله تعالى: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً} أي أهل قرية {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أي أمرنا منعميها من أغنياء ورؤساء وأشراف من أهل الحل والعقد أمرناهم بطاعتنا بإقامة الشرع وأداء الفرائض والسنن واجتناب كبائر الإثم والفواحش فلم يستجيبوا للأمر ولا للنهي وهو معنى {فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ} أي وجب عليها العذاب {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} أي أهلكناها إهلاكاً كاملاً، وهذا الكلام بيان لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} إذ الرسول يأمر وينهى بإذن الله تعالى فإن لم يُطَعْ استوجب الناس العذاب فعذبوا. وقوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} هو تقرير لهذا الحكم أيضاً إذ علمنا تعالى أن ما أخبر به كان واقعاً بالفعل فكثيراً من الأمم أهلكها من بعد هلاك قوم نوح كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وآل فرعون.. وقوله: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً}: فإن القول وإن تضمَّن علم الله تعالى بذنوب عباده فإن معناه الوعيد الشديد والتهديد الأكيد، فإنه تعالى لا يرضى باستمرار الجرائم والآثام إنه يمهل لعل القوم يستفيقون، لعل الفساق يكفون، ثم إذا استمروا بعد الإعلام إليهم والتنديد بذنوبهم والتخويف بظلمهم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. ألا فليحذر ذلك المصرون على الشرك والمعاصي!! هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة القضاء والقدر. 2- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 3- تقرير العدالة الإِلهية يوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً. 4- بيان سنة الله تعالى في إهلاك الأمم غير أنها لا تهلك إلا بعد الإِنذار والإِعذار إليها. 5- التحذير من كثرة التنعم والترف فإنه يؤدي إلى الفسق بترك الطاعة ثم يؤدي الفسق إلى الهلاك والدمار.
القطان
تفسير : طائره: عمله. في عنقه: ملازم له كالقلادة. كتابا يلقاه منشورا: صحيفة فيها جميع اعماله. الوزر: الاثم والذنب. تتحدث هذه الآيات الثلاث عن بعض المشاهد يوم القيامة، فكل انسان مسؤول عما يقول ويفعل، فجميع ما نلفظه من كلام حسنا كان او قبيحا، حمدا او سخطا - كل ذلك يُحفظ في سجل كامل: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق:18] وهذا السجل سوف يعرض امام محكمة الآخرة، ليتم حساب الانسان، فيخرج له كتابه ويلقاه منشورا لا يغادر كبيرة ولا صغيرة. وكذلك اعمالنا مسجلة مثل الاقوال، وهكذا شأن ما يقترفه الانسان، وشأن الاحداث التي يعيشها، فان شريطاً كاملا لتلك الاحداث سوف يوضع بين يدي كل فرد يوم القيامة حتى يقول الناس: {أية : يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} تفسير : [الكهف: 49] وعندما يقدم للمحكمة يقال له: {ٱقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}. من اهتدى واتبع طريق الحق فقد نفع نفسه، ومن ضل وحاد عن الطريق فقد اضر بنفسه، ولا يتحمل انسانٌ ذنب انسان آخر، وحاش لله ان يعب احدا قبل ان يبين له الحق عن طريق الرسل الكرام.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِنْسَانٍ} {أَلْزَمْنَاهُ} {طَآئِرَهُ} {ٱلْقِيَامَةِ} {كِتَاباً} {يَلْقَاهُ} (13) - وَالإِنْسَانُ مُلْتَزِمٌا بِعَمَلِهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْهُ. وَهذا العَمَلُ مُلْتَصِقٌ بِالإِنْسَانِ، وَمُلاَزِمٌ لَهُ مُلاَزَمَةَ القِلاَدَةِ لِلْعُنُقِ، لاَ يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحَالٍ، وَسَيُؤَاخِذُهُ اللهُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُخْرِجُ لَهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ صَحِيفَةَ أَعْمَالِهِ كُلِّهَا، لاَ يَغِيبُ عَنْهَا عَمَلٌ صَغِيرٌ وَلاَ كَبِيرٌ، لِيُحَاسَبَ عَلَى هذِهِ الأَعْمَالِ جَمِيعِهَا. (وَطَائِرُ الإِنْسَانِ هُنَا عَمَلُهُ الذِي سَبَّبَ الخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَكَانَتِ العَرَبُ تَزْجُرُ الطَّيْرَ، فَإِذَا طَارَ الطَّائِرُ يَمِيناً تَيَمَّنُوا وَتَفَاءَلُوا بِالخَيْرِ، وَإِنْ طَارَ شِمالاً تَشَاءَمُوا وَتَوَجَّسُوا خِيْفَةً مِنَ الشَّرِّ. وَالعَرَبُ تَضْرِبُ مَثَلاً لِلشَّيءِ الذِي يُلاَزِمُ الإِنْسَانَ وَلاَ يُفَارِقُهُ أَبَداً، فَتَقُولُ: أَلْزَمْتُهُ إِيَّاهُ فِي عُنُقِهِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة (طائره) أي: عمله وأصلها أن العرب كانوا في الماضي يزجرون الطير، أي: إذا أراد أحدهم أنْ يُمضيَ عملاً يأتي بطائر ثم يطلقه، فإنْ مَرَّ من اليسار إلى اليمين يسمونه "السانح" ويتفاءلون به، وإنْ مَرّ من اليمين إلى اليسار يسمونه "البارح" ويتشاءمون به، ثم يتهمون الطائر وينسبون إليه العمل، ولا ذنب له ولا جريرة. إذن: كانوا يتفاءلون باليمين، ويتشاءمون باليسار، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن، ولا يحب التشاؤم؛ لأن الفَأْل الطيب يُنشّط أجهزة الجسم انبساطاً للحركة، أما التشاؤم فيدعو للتراجع والإحجام، ويقضي على الحركة والتفاعل في الكون. والحق سبحانه هنا يُوضّح: لا تقوِّلوا الطائر ولا تتهموه، بل طائرك أي: عملك في عنقك يلازمك ولا ينفكّ عنك أبداً، ولا يُسأل عنه غيره، كما أنه لا يُسأل عن عمل الآخرين، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ..}تفسير : [الإسراء: 15]. فلا تُلقي بتبعة أفعالك على الحيوان الذي لا ذنب له. وقوله تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} [الإسراء: 13]. وهو كتاب أعماله الذي سجَّلتْه عليه الحفظة الكاتبون، والذي قال الله عنه: {أية : وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}تفسير : [الكهف: 49]. هذا الكتاب سيلقاه يوم القيامة منشوراً. أي: مفتوحاً مُعدَّاً للقراءة. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا شيبان وشريك عن منصور، عن مجاهد في قوله: {أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الآية: 13]. قال: عمله، خيره وشره. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد مثله. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: {طَآئِرَهُ} [الآية: 13]. عمله خيره وشره شقاوته وسعادته. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا المبارك بن فضالة عن الحسن: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} [الآية: 16]. قال: أَكثرنا. قال: وكانت العرب تقول: أَمر بنو فلان. أَي كثر بنو فلان. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن عبد الكريم، عن مجاهد قال: أَكثرنا فساقها [الآية: 16]. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} [الآية: 16]. قال: بعثنا.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} معناه كِتابهٌ. قالَ صَلواتُ الله عَليهِ وَسَلامُهُ: هو عَمَلُهُ وحَظُّهُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا إخبار عن كمال عدله أن كل إنسان يلزمه طائره في عنقه، أي: ما عمل من خير وشر يجعله الله ملازما له لا يتعداه إلى غيره، فلا يحاسب بعمل غيره ولا يحاسب غيره بعمله. { وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا } فيه ما عمله من الخير والشر حاضرا صغيره وكبيره ويقال له: { اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } وهذا من أعظم العدل والإنصاف أن يقال للعبد: حاسب نفسك ليعرف بما عليه من الحق الموجب للعقاب.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 503 : 5 : 14 - سفين عن منصور عن مجاهد في قوله {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} قال، عمله. [الآية 13].
همام الصنعاني
تفسير : 1544- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ}: [الآية: 13]، قال: علمه {وَنُخْرِجُ}: [الآية: 13]، ذلك العمل. {كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً}: [الآية: 13]، قال معمر، وقال الحسن: طائره عمله: شقاوة أو سعادة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):