١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: { أية : وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ } تفسير : [الإسراء: 13] ومعناه: أن كل أحد مختص بعمل نفسه، عبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى أقرب إلى الأفهام وأبعد عن الغلط فقال: {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } يعني أن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله، ولا يتعدى منه إلى غيره، ويتأكد هذا بقوله: { أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ } تفسير : [النجم: 39، 40] قال الكعبي: الآية دالة على أن العبد متمكن من الخير والشر، وأنه غير مجبور على عمل بعينه أصلاً لأن قوله: {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكن منه كيف شاء وأراد، أما المجبور على أحد الطرفين، الممنوع من الطرف الثاني فهذا لا يليق به. المسألة الثانية: أنه تعالى أعاد تقرير أن كل أحد مختص بأثر عل نفسه بقوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } قال الزجاج: يقال وزر يزر فهو وازر ووزر وزرا وزرة، ومعناه: أثم يأثم إثماً قال: وفي تأويل الآية وجهان: الأول: أن المذنب لا يؤاخذ بذنب غيره، وأيضاً غيره لا يؤاخذ بذنبه بل كل أحد مختص بذنب نفسه. والثاني: أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم، لأن غيره عمله كما قال الكفار: { أية : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } تفسير : [الزخرف: 32]. واعلم أن الناس تمسكوا بهذه الآية في إثبات أحكام كثيرة. الحكم الأول: قال الجبائي في الآية دلالة على أنه تعالى لا يعذب الأطفال بكفر آبائهم، وإلا لكان الطفل مؤاخذاً بذنب أبيه، وذلك على خلاف ظاهر هذه الآية. الحكم الثاني: روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إن الميت ليعذب ببكاء أهله » تفسير : فعائشة طعنت في صحة هذا الخبر، واحتجت على صحة ذلك الطعن بقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } فإن تعذيب الميت بسبب بكاء أهله أخذ للإنسان بجرم غيره، وذلك خلاف هذه الآية. الحكم الثالث: قال القاضي: دلت هذه الآية على أن الوزر والإثم ليس من فعل الله تعالى. وبيانه من وجوه: أحدها: أنه لو كان كذلك لامتنع أن يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره. وثانيها: أنه كان يجب ارتفاع الوزر أصلاً، لأن الوازر إنما يصح أن يوصف بذلك إذا كان مختاراً يمكنه التحرز، ولهذا المعنى لا يوصف الصبي بهذا. الحكم الرابع: أن جماعة من قدماء الفقهاء امتنعوا من ضرب الدية على العاقلة، وقالوا: لأن ذلك يقتضي مؤاخذة الإنسان بسبب فعل الغير، وذلك على مضادة هذه الآية. وأجيب عنه بأن المخطىء ليس بمؤاخذ على ذلك الفعل، فكيف يصير غيره مؤاخذاً بسبب ذلك الفعل، بل ذلك تكليف واقع على سبيل الابتداء من الله تعالى. المسألة الثالثة: قال أصحابنا وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع، والدليل عليه قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } وجه الاستدلال أن الوجوب لا تتقرر ماهيته إلا بترتيب العقاب على الترك، ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية، فوجب أن لا يتحقق الوجوب قبل الشرع. ثم أكدوا هذه الآية بقوله تعالى: { أية : رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } تفسير : [النساء: 165] وبقوله: { أية : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ } تفسير : [طه: 134]. ولقائل أن يقول: هذا الاستدلال ضعيف، وبيانه من وجهين: الأول: أن نقول: لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي ألبتة، وهذا باطل فذاك باطل بيان الملازمة من وجوه: أحدها: أنه إذا جاء المشرع وادعى كونه نبياً من عند الله تعالى وأظهر المعجزة، فهل يجب على المستمع استماع قوله والتأمل في معجزاته أو لا يجب؟ فإن لم يجب فقد بطل القول بالنبوة. وإن وجب، فإما أن يجب بالعقل أو بالشرع فإن وجب بالعقل فقد ثبت الوجوب العقلي، وإن وجب بالشرع فهو باطل، لأن ذلك الشرع إما أن يكون هو ذلك المدعي أو غيره، والأول باطل لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أن ذلك الرجل يقول: الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول إنه يجب قبول قولي، وهذا إثبات للشيء بنفسه، وإن كان ذلك الشارع غيره كان الكلام فيه كما في الأول: ولزم إما الدور أو التسلسل وهما محالان. وثانيها: أن الشرع إذا جاء وأوجب بعض الأفعال، وحرم بعضها فلا معنى للإيجاب والتحريم، إلا أن يقول: لو تركت كذا وفعلت كذا لعاقبتك فنقول: إما أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب أو لا يجب، فلو لم يجب عليه الاحتراز عن العقاب لم يتقرر معنى الوجوب ألبتة، وهذا باطل فذاك باطل، وإن وجب عليه الاحتراز عن العقاب، فإما أن يجب بالعقل أو بالسمع، فإن وجب بالعقل فهو المقصود، وإن وجب بالسمع لم يتقرر معنى هذا الوجوب إلا بسبب ترتيب العقاب عليه، وحينئذ يعود التقسيم الأول ويلزم التسلسل وهو محال. وثالثها: أن مذهب أهل السنة أنه يجوز من الله تعالى أن يعفو عن العقاب على ترك الواجب وإذا كان كذلك كانت ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، فلم يبق إلا أن يقال: إن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، وهذا الخوف حاصل بمحض العقل، فثبت أن ماهية الوجوب إنما تحصل بسبب هذا الخوف، وثبت أن هذا الخوف حاصل بمجرد العقل، فلزم أن يقال: الوجوب حاصل بمحض العقل. فإن قالوا: ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم؟ قلنا: إنه تعالى إذا عفا فقد سقط الذم، فعلى هذا ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم وذلك حاصل بمحض العقل، فثبت بهذه الوجوه أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه. وإذا ثبت هذا فنقول: في الآية قولان: الأول: أن نجري الآية على ظاهرها. ونقول: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الأنبياء، فالعقل هو الرسول الأصلي، فكان معنى الآية وما كنا معذبين حتى نبعث رسول العقل. والثاني: أن نخصص عموم الآية فنقول: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع، وتخصيص العموم وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه عند قيام الدلائل، وقد بينا قيام الدلائل الثلاثة، على أنا لو نفينا الوجوب العقلي لزمنا نفي الوجوب الشرعي، والله أعلم. واعلم أن الذي نرتضيه ونذهب إليه أن مجرد العقل سبب في أن يجب علينا فعل ما ينتفع به، وترك ما يتضرر به، أما مجرد العقل لا يدل على أنه يجب على الله تعالى شيء. وذلك لأنا مجبولون على طلب النفع والاحتراز عن الضرر، فلا جرم كان العقل وحده كافياً في الوجوب في حقنا والله تعالى منزه عن طلب النفع والهرب من الضرر، فامتنع أن يحكم العقل عليه بوجوب فعل أو ترك فعل، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي إنما كلّ أحد يحاسب عن نفسه لا عن غيره؛ فمن اهتدى فثواب اهتدائه له، ومن ضلّ فعقاب كفره عليه. {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تقدّم في الأنعام. وقال ابن عباس: نزلت في الوليد بن المغيرة، قال لأهل مكة: اتبعوني وٱكفروا بمحمد وعليّ أوزاركم، فنزلت هذه الآية؛ أي إن الوليد لا يحمل آثامكم وإنما إثم كل واحد عليه. يقال: وَزَرَ يزِرِ وَزْرا ووِزْرَة، أي أثِم. والوِزر: الثِّقْل المثقِل والجمع أوزار؛ ومنه {أية : يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} تفسير : [الأنعام: 31] أي أثقال ذنوبهم. وقد وَزَر إذا حَمَل فهو وازر؛ ومنه وزير السلطان الذي يحمل ثِقْل دولته. والهاء في قوله كناية عن النفس، أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى، حتى أن الوالدة تَلْقي ولدها يوم القيامة فتقول: يا بني ألم يكن حجري لك وِطاء، ألم يكن ثديي لك سِقاء، ألم يكن بطني لك وعاء،! فيقول: بلى يا أُمّه فتقول: يا بني فإن ذنوبي أثقلتني فٱحمل عني منها ذنباً واحدا فيقول: إليك عني يا أمّه! فإني بذنبي عنكِ اليوم مشغول. مسألة ـ نزعت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية في الردّ على ابن عمر حيث قال: إن الميت ليعَذَّبُ ببكاء أهله. قال علماؤنا: وإنما حملها على ذلك أنه لم تسمعه، وأنه معارض للآية. ولا وجه لإِنكارها، فإن الرواة لهذا المعنى كثير؛ كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقَيْلة بنت مخرمة، وهم جازمون بالرواية؛ فلا وجه لتخطئتهم. ولا معارَضة بين الآية والحديث؛ فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصيّة الميت وسنته، كما كانت الجاهلية تفعله، حتى قال طَرَفة:شعر : إذا مِتّ فانعيني بما أنا أهله وشُقّي عليّ الجيب يا بنت مَعْبَدِ تفسير : وقال:شعر : إلى الحَوْل ثم ٱسم السلام عليكما ومن يَبْك حولاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : وإلى هذا نحا البخاري. وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم داود إلى اعتقاد ظاهر الحديث، وأنه إنما يعذَّب بنَوْحِهم؛ لأنه أهمل نهيهَم عنه قبل موته وتأديبَهم بذلك، فيعذَّب بتفريطه في ذلك؛ وبترك ما أمره الله به من قوله: {أية : قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} تفسير : [التحريم: 6] لا بذنب غيره، والله أعلم. قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} أي لم نترك الخلق سُدًى، بل أرسلنا الرسل. وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، خلافاً للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبّح ويحسّن ويبيح ويحظر. وقد تقدّم في البقرة القول فيه. والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا؛ أي أن الله لا يهلك أمة بعذابٍ إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار. وقالت فرقة: هذا عام في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: {أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌقَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا}. تفسير : [الملك: 8] قال ابن عطية: والذي يعطيه النظر أن بعثه آدم عليه السلام بالتوحيد وبَثّ المعتقدات في بنيه مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع سلامة الفِطَر توجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله، ثم تجدد ذلك في زمن نوح عليه السلام بعد غرق الكفار. وهذه الآية أيضاً يعطي احتمال ألفاظها نحو هذا في الذين لم تصلهم رسالة، وهم أهل الفَتَرات الذين قد قدّر وجودَهم بعضُ أهل العلم. وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح، ولا يقتضي ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف. قال المهدوِيّ: وروي عن أبي هريرة أن الله عز وجل يبعث يوم القيامة رسولاً إلى أهل الفترة والأبكم والأخرس والأصم؛ فيطيعه منهم من كان يريد أن يطيعه في الدنيا، وتلا الآية؛ رواه معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة، ذكره النحاس. قلت: هذا موقوف، وسيأتي مرفوعاً في آخر سورة طه إن شاء الله تعالى؛ ولا يصح وقد استدلّ قوم في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالإسلام وآمنوا فلا تكليف عليهم فيما مضى؛ وهذا صحيح، ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق للعذاب من جهة العقل، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } لا ينجي اهتداؤه غيره ولا يردي ضلاله سواه. {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } ولا تحمل نفس حاملة وزراً وزر نفس أخرى، بل إنما تحمل وزرها. {وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } يبين الحجج ويمهد الشرائع فيلزمهم الحجة، وفيه دليل على أن لا وجوب قبل الشرع.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق، واقتفى أثر النبوة، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه، {وَمَن ضَلَّ} أي: عن الحق، وزاغ عن سبيل الرشاد، فإنما يجني على نفسه، وإنما يعود وبال ذلك عليه، ثم قال: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جان إلا على نفسه؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} تفسير : [فاطر: 18] ولا منافاة بين هذا وبين وقوله: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13]، وقوله: {أية : وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [النحل:25] فإن الدعاة عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا، من غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحمل عنهم شيئاً، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده، وكذا قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه؛ كقوله تعالى: { أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} تفسير : [الملك: 8 ـ 9] وكذا قوله: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الزمر: 71] وقال تعالى: {أية : وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} تفسير : [فاطر: 37] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحداً النار إلا بعد إرسال الرسول إليه، ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت معجمة في "صحيح البخاري" عند قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 56]. حدثنا عبد الله بن سعد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن صالح بن كيسان عن الأعرج بإسناده إلى أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اختصمت الجنة والنار» تفسير : فذكر الحديث إلى أن قال: «حديث : وأما الجنة، فلا يظلم الله من خلقه أحداً، وإنه ينشىء للنار خلقاً فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ ثلاثاً» تفسير : وذكر تمام الحديث، فهذا إنما جاء في الجنة، لأنها دار فضل، وأما النار، فإنها دار عدل لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه. وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة، وقالوا: لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين، واللفظ للبخاري من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : تحاجت الجنة والنار» تفسير : فذكر الحديث إلى أن قال: «حديث : فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع فيها قدمه، فتقول: قط قط، فهناك تمتلىء وينزوي بعضها إلى بعض. ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقاً».تفسير : بقي ههنا مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها قديماً وحديثاً، وهي الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار: ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوة؟ وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه، ثم نذكر فصلاً ملخصاً من كلام الأئمة في ذلك والله المستعان. (فالحديث الأول) عن الأسود بن سريع. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس. عن الأسود بن سريع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: رب قد جاء الإسلام، والصبيان يحذفوني بالبعر؛ وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها، لكانت عليهم برداً وسلاماً»تفسير : . وبالإسناد عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله، غير أنه قال في آخره: «حديث : فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها يسحب إليها»تفسير : ، وكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث أحمد بن إسحاق عن علي بن عبد الله المديني به، وقال: هذا إسناد صحيح، وكذا رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أربعة كلهم يدلي على الله بحجة» تفسير : فذكر نحوه، ورواه ابن جرير من حديث معمر عن همام عن أبي هريرة، فذكره موقوفاً، ثم قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} وكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفاً. (الحديث الثاني) عن أنس بن مالك. قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الربيع عن يزيد هو ابن أبان قال: قلنا لأنس: يا أبا حمزة ما تقول في أطفال المشركين؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لم يكن لهم سيئات فيعذبوا بها، فيكونوا من أهل النار، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها، فيكونوا من أهل الجنة».تفسير : (الحديث الثالث) عن أنس أيضاً. قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير عن ليث عن عبد الوارث، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني الهرم، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من النار - ابرز، ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه - قال: - فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟ - قال: - ومن كتب عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعاً - قال: - فيقول الله تعالى: أنتم لرسلي أشد تكذيباً ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار» تفسير : وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار عن يوسف بن موسى عن جرير بن عبد الحميد بإسناده مثله. (الحديث الرابع) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أيضاً: حدثنا قاسم بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله، يعني: ابن داود، عن عمر بن ذر عن يزيد بن أمية، عن البراء قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المسلمين، قال: «حديث : هم مع آبائهم» تفسير : وسئل عن أولاد المشركين، فقال: «حديث : هم مع آبائهم» تفسير : فقيل: يا رسول الله ما يعملون؟ قال: «حديث : الله أعلم بهم» تفسير : ورواه عمر بن ذر عن يزيد بن أمية عن رجل عن البراء عن عائشة، فذكره. (الحديث الخامس) عن ثوبان. قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا ريحان بن سعيد، حدثنا عباد بن منصور عن أيوب، عن أبي قلابة عن أبي أسماء، عن ثوبان: أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم شأن المسألة، قال: «حديث : إذا كان يوم القيامة، جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم، فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولاً، ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولاً، لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها، وجدوا لها تغيظاً وزفيراً، فرجعوا إلى ربهم، فيقولون: ربنا أخرجنا أو أجرنا منها، فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني، فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها، فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا منها ورجعوا وقالوا: ربنا فرقنا منها، ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول: ادخلوها داخرين» تفسير : فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لو دخلوها أول مرة، كانت عليهم برداً وسلاماً» تفسير : ثم قال البزار: ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه، لم يروه عن أيوب إلا عباد، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد، قلت: وقد ذكره ابن حبان في ثقاته، وقال يحيى بن معين والنسائي: لا بأس به، ولم يرضه أبو داود، وقال أبو حاتم: شيخ لا بأس به، يكتب حديثه، ولا يحتج به. (الحديث السادس) عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري. قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا سعيد بن سليمان عن فضيل بن مرزوق عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب، ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً، ويقول المولود: رب لم أدرك العقل، فترفع لهم نار، فيقال لهم: ردوها، قال: فيردها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً لو أدرك العمل، فيقول: إياي عصيتم، فكيف لو أن رسلي أتتكم؟!» تفسير : وكذا رواه البزار عن محمد بن عمر بن هياج الكوفي عن عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق به، ثم قال: لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من طريقه عن عطية عنه، وقال في آخره: «حديث : فيقول الله: إياي عصيتم، فكيف برسلي بالغيب؟».تفسير : (الحديث السابع) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. قال هشام بن عمار ومحمد بن المبارك الصوري: حدثنا عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً، وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيراً، فيقول الممسوخ: يا رب لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد مني» تفسير : وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك «حديث : فيقول الرب عز وجل: إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيقول: اذهبوا فادخلوا النار، قال: ولو دخلوها ما ضرتهم، فتخرج عليهم قوابض، فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعاً، ثم يأمرهم ثانية، فيرجعون كذلك، فيقول الرب عز وجل: قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فتأخذهم النار».تفسير : (الحديث الثامن) عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» تفسير : وفي رواية قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيراً؟ قال: «حديث : الله أعلم بما كانوا عاملين»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أعلم - شك موسى - قال: «حديث : ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم عليه السلام» تفسير : وفي "صحيح مسلم" عن عياض بن حمار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال: «حديث : إني خلقت عبادي حنفاء»تفسير : ، وفي رواية لغيره: «مسلمين». (الحديث التاسع) عن سمرة رضي الله عنه. وراه الحافظ أبو بكر البرقاني في كتابه "المستخرج على البخاري" من حديث عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة» تفسير : فناداه الناس: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: «حديث : وأولاد المشركين»تفسير : . وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم الضبي عن عيسى بن شعيب، عن عباد بن منصور عن أبي رجاء، عن سمرة قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين، فقال: «حديث : هم خدم أهل الجنة».تفسير : (الحديث العاشر) عن عم حسناء. قال أحمد: حدثنا روح، حدثنا عوف عن حسناء بنت معاوية، من بني صريم قالت: حدثني عمي قال: قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: «حديث : النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة»تفسير : . فمن العلماء من ذهب إلى الوقوف فيهم لهذا الحديث، ومنهم من جزم لهم بالجنة لحديث سمرة بن جندب في "صحيح البخاري" أنه عليه الصلاة والسلام قال في جملة ذلك المنام حين مر على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم عليه السلام، وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين، قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: «حديث : نعم وأولاد المشركين» تفسير : ومنهم من جزم لهم بالنار؛ لقوله عليه السلام: «حديث : هم مع آبائهم» تفسير : ومنهم من ذهب إلى أنهم (يمتحنون يوم القيامة في العرصات)، فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخراً، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة، وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. وقد ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري بعد ما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قوية، ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها؛ لأن الآخرة دار جزاء، وليست بدار عمل ولا ابتلاء، فكيف يكلفون دخول النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها؟. (والجواب) عما قال أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح؛ كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال، وقد قال تعالى: {أية : يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ} تفسير : الآية [القلم: 42]، وقد ثبت في الصحاح وغيرها: أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقاً واحداً، كلما أراد السجود، خرّ لقفاه. وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجاً منها: أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مراراً، ويقول الله تعالى: "يابن آدم ما أغدرك" ثم يأذن له في دخول الجنة، وأما قوله: فكيف يكلفهم الله دخول النار، وليس ذلك في وسعهم، فليس هذا بمانع من صحة الحديث، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا أطم وأعظم. وأيضاً فقد أثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار، فإنه يكون عليه برداً وسلاماً، فهذا نظير ذاك، وأيضاً فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتل بعضهم بعضاً حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفاً، يقتل الرجل أباه وأخاه، وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل، وهذا أيضاً شاق على النفوس جداً لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم. (فصل) إذا تقرر هذا، فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال (أحداها) أنهم في الجنة. واحتجوا بحديث سمرة: أنه عليه السلام رأى مع إبراهيم عليه السلام أولاد المسلمين وأولاد المشركين، وبما تقدم في رواية أحمد عن حسناء عن عمها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والمولود في الجنة»تفسير : وهذا استدلال صحيح، ولكن أحاديث الامتحان أخص منه. فمن علم الله منه أنه يطيع، جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا على الفطرة، ومن علم منه أنه لا يجيب، فأمره إلى الله تعالى ويوم القيامة يكون في النار، كما دلت عليه أحاديث الامتحان، ونقله الأشعري عن أهل السنة، ثم إن هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة منهم من جعلهم مستقلين فيها، ومنهم من جعلهم خدماً لهم، كما جاء في حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي داود الطيالسي وهو ضعيف، والله أعلم. (والقول الثاني) أنهم مع آبائهم في النار. واستدل عليه بما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي المغيرة: حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب، حدثني عبد الله بن أبي قيس مولى غطيف: أنه أتى عائشة، فسألها عن ذراري الكفار، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هم تبع لآبائهم» تفسير : فقلت: يا رسول الله بلا أعمال؟ فقال: «حديث : الله أعلم بما كانوا عاملين» تفسير : وأخرجه أبو داود من حديث محمد بن حرب عن محمد بن زياد الألهاني، سمعت عبد الله بن أبي قيس، سمعت عائشة تقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذراري المؤمنين، قال: «حديث : هم مع آبائهم» تفسير : قلت: فذراري المشركين؟ قال: «حديث : هم مع آبائهم» تفسير : فقلت: بلا عمل؟ قال: «حديث : الله أعلم بما كانوا عاملين» تفسير : ورواه أحمد أيضاً عن وكيع عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل، وهو متروك، عن مولاته بهية عن عائشة: أنها ذكرت أطفال المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار».تفسير : وروى عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل بن غزوان، عن محمد بن عثمان عن زاذان عن علي رضي الله عنه قال: سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدين لها ماتا في الجاهلية، فقال: «حديث : هما في النار» تفسير : قال: فلما رأى الكراهية في وجهها قال لها: «حديث : لو رأيت مكانهما لأبغضتهما» تفسير : قالت: فولدي منك؟ قال: «حديث : إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار» تفسير : ثم قرأ: {أية : وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} تفسير : [الطور: 21] وهذا حديث غريب، فإن في إسناده محمد بن عثمان مجهول الحال، وشيخه زاذان لم يدرك علياً، والله أعلم. وروى أبو داود من حديث ابن أبي زائدة عن أبيه عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الوائدة والموءودة في النار» تفسير : ثم قال الشعبي: حدثني به علقمة عن أبي وائل عن ابن مسعود، وقد رواه جماعة عن داود بن أبي هند، عن الشعبي عن علقمة عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: أتيت أنا وأخي النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: إن أمنا ماتت في الجاهلية، وكانت تقري الضيف، وتصل الرحم، وإنها وأدت أختاً لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث. فقال: «حديث : الوائدة الموءودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم» تفسير : وهذا إسناد حسن. (والقول الثالث) التوقف فيهم. واعتمدوا على قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : الله أعلم بما كانوا عاملين» تفسير : وهو في "الصحيحين" من حديث جعفر بن أبي إياس عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، قال: «حديث : الله أعلم بما كانوا عاملين» تفسير : وكذلك هو في "الصحيحين" من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد، وعن أبي سلمة عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أطفال المشركين، فقال: «حديث : الله أعلم بما كانوا عاملين» تفسير : ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف، وهذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة، لأن الأعراف ليس دار قرار ومآل أهلها إلى الجنة، كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف، والله أعلم. (فصل) وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما ولدان المؤمنين، فلا خلاف بين العلماء؛ كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس، وهو الذي نقطع به إن شاء الله عز وجل، فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن بعض العلماء أنهم توقفوا في ذلك وأن الولدان كلهم تحت المشيئة، قال أبو عمر: ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث، منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم، قالوا: وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر، وما أورده من الأحاديث في ذلك، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال المشركين خاصة في المشيئة، انتهى كلامه، وهو غريب جداً، وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في كتاب "التذكرة" نحو ذلك أيضاً، والله أعلم. وقد ذكروا في ذلك أيضاً حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى له، عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: «حديث : أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم» تفسير : رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه. ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع، كره جماعة من العلماء الكلام فيها، روي ذلك عن ابن عباس والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن الحنفية وغيرهم، وأخرج ابن حبان في صحيحه عن جرير بن حازم: سمعت أبا رجاء العطاردي، سمعت ابن عباس رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يزال أمر هذه الأمة مواتياً أو مقارباً ما لم يتكلموا في الولدان والقدر» تفسير : قال ابن حبان: يعني: أطفال المشركين، وهكذا رواه أبو بكر البزار من طريق جرير بن حازم، ثم قال: وقد رواه جماعة عن أبي رجاء عن ابن عباس موقوفاً. #
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ } لأن ثواب اهتدائه له {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } لأن إثمه عليها {وَلاَ تَزِرُ } نفس {وٰزِرَةٌ } آثمة أي لا تحمل {وِزْرَ } نفس {أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ } أحداً {حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } يبيّن له ما يجب عليه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {مَن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} يعني لما يحصل له من ثواب طاعته. {ومَن ضلّ فإنما يضل عليها} يعني لما يحصل عليه من عقاب معصيته. {ولا تزر وازِرةٌ وزر أخرى} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. الثاني: لا يجوز لأحد أن يعصى لمعصية غيره. الثالث: لا يأثم أحد بإثم غيره. ويحتمل رابعاً: أن لا يتحمل أحد ذنب غيره ويسقط مأثمه عن فاعله. {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} فيه وجهان: أحدهما: وما كنا معذبين على الشرائع الدينية حتى نبعث رسولاً مبيناً، وهذا قول من زعم أن العقل تقدم الشرع. الثاني: وما كنا معذبين على شيء من المعاصي حتى نبعث رسولاً داعياً، وهذا قول من زعم أن العقل والشرع جاءا معاً. وفي العذاب وجهان: أحدهما: عذاب الآخرة.وهو ظاهر قول قتادة. الثاني: عذاب بالاستئصال في الدنيا، وهو قول مقاتل.
ابن عطية
تفسير : معنى هذه الآية أن كل أحد إنما يحاسب عن نفسه لا عن غيره، وروي أن سببها أن الوليد بن المغيرة المخزومي قال لأهل مكة: اكفروا بمحمد وإثمكم علي، فنزلت هذه الآية: أي إن الوليد لا يحمل إثمكم وإنما إثم كل واحد عليه، وقالت فرقة نزلت الإشارة في الهدى إلى أبي سلمة بن عبد الأسد، والإشارة بالضلال إلى الوليد بن المغيرة، و {وزر} معناه حمل، والوزر الثقل، ومنه وزير السلطان أي يحمل ثقل دولته، وبهذه الآية نزعت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في الرد على من قال: إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه، ونكتة ذلك المعنى إنما هي أن التعذيب إنما يعنّ إذا كان البكاء من سنة الميت، وسببه كما كانت العرب تفعل وقوله {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} قالت فرقة هي الجمهور: هذا في حكم الدنيا، أي إن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا من بعد الرسالة إليهم والإنذار، وقالت فرقة: هذا عام في الدنيا والآخرة. قال القاضي أبو محمد: وتلخيص هذا المعنى: أن مقصد الآية في هذا الموضع الإعلام بعادة الله مع الأمم في الدنيا، وبهذا يقرب الوعيد من كفار مكة، ويؤيد ما يجيء بعد من وصفه ما يكون عند إرادته إهلاك قرية، ومن إعلامه بكثرة ما أهلك من القرون ومع هذا فالظاهر من كتاب الله في غير هذا الموضع ومن النظر أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة إلا بعد بعثة الرسل، كقوله تعالى: {أية : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى} تفسير : [الملك: 8-9]، وظاهر {كلما} [الملك: 8] الحصر، وكقوله تعالى: {أية : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} تفسير : [فاطر: 24]، وأما من جهة النظر فإن بعثة آدم عليه السلام بالتوحيد وبَثِ المعتقدات في نبيه مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع سلامة الفطر يوجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله، ثم تجدد ذلك في مدة نوح عليه السلام بعد غرق الكفار،وهذه الآية أيضاً يعطي احتمال ألفاظها نحو هذا، ويجوز مع الفرض وجود قوم لم تصلهم رسالة وهم أهل الفترات الذين قد قدر وجودهم بعض أهل العلم، وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح ولا يقتضيه ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف، وقوله {وإذا أردنا أن نهلك قرية} الآية، في مصحف أبي "بعثنا أكابر مجرميها"، و"القرية"، المدينة المجتمعة مأخوذ من قريت الماء في الحوض إذا جمعته وليست من قرأ الذي هو مهموز، وإن كان فيها جمعاً معنى الجمع، وقرأ الجمهور "أمَرنا" على صيغة الماضي من أمر ضد نهى، وقرأ نافع، وابن كثير في بعض ما روي عنهما، "آمرنا" بمد الهمزة بمعنى كثرنا، ورويت عن الحسن، وهي قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس بخلاف عنه وعن الأعرج، وقرأ بها ابن إسحاق، تقول العرب: أمر القوم إذا كثروا، وآمرهم الله بتعدي الهمزة وقرأ أبو عمرو بخلاف: "أمّرنا" بتشديد الميم، وهي قراءة أبي عثمان النهدي وأبي العالية وابن عباس، ورويت عن علي بن أبي طالب، وقال الطبري،: القراءة الأولى معناها أمرناهم بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها وهو قول ابن عباس وابن جبير، والثانية معناها كثرناهم، والثالثة هي من الإمارة أي ملكناهم على الناس، قال القاضي أبو محمد: قال أبو علي الفارسي: الجيد في "آمرنا" أن تكون بمعنى كثرنا فتعدي الفعل بلفظه غير متعد كما تقول رجع ورجعته وشتر عينه وشترتها فتقول آمر القوم وآمرهم الله أي كثرهم، قال "وآمرنا" مبالغة في "أمرنا" بالهمزة، و"أمّرنا" مبالغة فيه بالتضعيف، ولا وجه لكون "أمّرنا" من الإمارة لأن رياستهم لا تكون إلا واحداً بعد واحد والإهلاك إنما يكون في مدة واحد منهم. قال القاضي أبو محمد: وينفصل عن هذا الذي قاله أبو علي بأن الأمر وإن كان يعم المترف وغيره فخص المترف بالذكر إذ فسقه هو المؤثر في فساد القرية وهم عظم الضلالة، وسواهم تبع لهم وأما "أمّرنا" من الإمارة فمتوجه على وجهين، أحدهما أن لا يريد إمارة الملك بل كونهم يأمرون ويؤتمر لهم، فإن العرب تقول لمن يأمر الإنسان وإن لم يكن ملكاً هو أميره، ومنه قول الأعشى: [المتقارب] شعر : إذا كان هادي الفتى في البلاد صدر القناة أطاع الأميرا تفسير : ومنه قول معاوية لعمر رضي الله عنه حين أمره بالاستقادة من لطمة عمرو بن العاص، إن علي أميراً لا أقطع أمراً دونه، أراد معاوية رضي الله عنه أباه وأراد الأعشى أنه إذا شاخ الإنسان وعمي واهتدى بالعصا أطاع كل من يأمره، ومنه قول الآخر: [الكامل] شعر : والناس يلحون الأمير إذ هم خطئوا الصواب ولا يلام المرشد تفسير : وأيضاً فلو أراد إمارة الملك في الآية لحسن المعنى، لأن الأمة إذا ملك الله عليها مترفاً ففسق ثم ولي مثله بعده، ثم كذلك عظم الفساد وتوالى الكفر واستحقوا العذاب فنزل بهم على الرجل الأخير من ملوكهم، وقرأ الحسن ويحيى بن عمر "أمِرنا" بكسر الميم وحكاها النحاس عن ابن عباس، ولا أتحقق وجهاً لهذه القراءة إلا إن كان أمر القوم يتعدى بلفظه، فإن العرب تقول آمر بنو فلان إذا كثروا، ومنه قول لبيد: شعر : إن يغبُطوا يهبطوا وإن أمروا يوماً يصيروا للقل والنفد تفسير : ومنه: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، ورد القراء هذه القراءة، وقد حكي أمر متعدياً عن أبي زيد الأنصاري، و"المترف" الغني من المال المتنعم، والترفة النعمة، وفي مصحف أبي بن كعب: "قرية بعثنا أكابر مجرميها فمكروا فيها"، وقوله {فحق عليها القول} أي وعيد الله لها الذي قاله رسولهم، والتدمير الإهلاك، مع طمس الآثار وهدم البناء، ومنه قول الفرزدق: [المتقارب] شعر : وكان لهمْ ككبرِ ثمود لمّا رغا دهراً فدمرهم دمارا تفسير : وقوله {وكم أهلكنا} الآية {كم} في موضع نصب بـ {أهلكنا} وهذا الذكر لكثرة من أهلك الله {من القرون} مثال لقريش ووعيد، أي لستم ببعيد مما حصلوا فيه من العذاب إذا أنتم كذبتم نبيكم، واختلف الناس في القرن، فقال ابن سيرين: عن النبي عليه السلام أربعون، وقيل غير هذا مما هو قريب منه، وقال عبد الله بن أبي أوفى القرن مائة وعشرون سنة، وقالت طائفة القرن مائة سنة، وهذا هو الأصح الذي يعضده الحديث في قوله عليه السلام "حديث : خير الناس قرني"تفسير : ، وروى محمد بن القاسم في ختنه عبد الله بن يسر، قال وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسي، وقال سيعيش هذا الغلام قرناً قلت: كم القرن؟ قال مائة سنة، قال محمد بن القاسم، فما زلنا نعد له حتى أكمل مائة سنة ومات رحمه الله، والباء في قوله {بربك} زائدة التقدير وكفى بربك، وهذه الباء إنما تجيء في الأغلب في مدح أو ذم وكأنها تعطي معنى اكتف بربك أي ما أكفاه في هذا، وقد تجيء {كفى} دون باء كقول الشاعر: [الطويل] شعر : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا تفسير : وكقول الآخر: [الطويل] شعر : ويخبرني عن غائب الأمر هديه كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا تَزِرُ}: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، أو لا يجوز أن يعصي لمعصية غيره {مُعَذِّبِينَ}: في الدنيا والآخرة على شرائع الدين حتى نبعث رسولاً مبيناً، أو على شيء من المعاصي حتى نبعث رسولاً داعياً.
النسفي
تفسير : {مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي فلها ثواب الاهتداء وعليها وبال الضلال {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي كل نفس حاملة وزراً فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى {وَمَا وَكُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} وما صح منا أن نعذب قوماً عذاب استئصال في الدنيا إلا بعد أن نرسل إليهم رسولاً يلزمهم الحجة {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً} أي أهل قرية {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} متنعميها وجبابرتها بالطاعة عن أبي عمرو والزجاج {فَفَسَقُوا فِيهَا} أي خرجوا عن الأمر كقولك «أمرته فعصى» أو {أمرنا} كثرنا، دليله قراءة يعقوب أمرنا ومنه الحديث «حديث : خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة»تفسير : أي كثيرة النسل {فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} فوجب عليها الوعيد {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} فأهلكناها إهلاكاً {وَكَمْ} مفعول {أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ} بيان لكم {مِن بَعْدِ نُوحٍ} يعني عاداً وثموداً وغيرهما {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خِبِيراً} وإن أخفوها في الصدور {بَصِيراً} وإن أرخوا عليها الستور. {مَن كَانَ يُريدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشآءُ} لا ما يشاء {لِمَن نُّرِيدُ} بدل من {له} بإعادة الجار وهو بدل البعض من الكل إذ الضمير يرجع إلى {من} أي من كانت العاجلة همه ولم يرد غيرها ــ كالكفرة ــ تفضلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد، فقيد المعجل بمشيئته والمعجل له بإرادته وهكذا الحال، ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه، وكثيراً منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، وأما المؤمن التقي فقد اختار غنى الآخرة فإن أوتي حظاً من الدنيا فبها، وإلا فربما كان الفقر خيراً له {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ} في الآخرة {يَصْلاهَا} يدخلها {مَذْمُوماً} ممقوتاً {مَّدْحُوراً} مطروداً من رحمة الله .
ابن عادل
تفسير : هذه الآية تدلُّ على أنَّ ثواب العمل الصَّالح مختصٌّ بفاعله، وعقاب الذنب مختصٌّ بفاعله، لا يتعدَّى منه إلى غيره، كقوله تعالى: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ} تفسير : [النجم: 39، 40]. قال الكعبيُّ: "الآية دالةٌ على أنَّ العبد متمكِّن من الخير والشَّر، وأنه غير مجبورٍ على فعل بعينه أصلاً؛ لأنَّ قوله تعالى جلَّ ذكرهُ: {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكِّن منه، كيف شاء وأراد، وأمَّا المجبور على أحد الطَّرفين، الممنوع من الطَّرف الثاني، فهذا لا يليق بهذه الآية" وتقدَّم الجواب. ثم إنَّه تعالى أعاد تقرير أنَّ كلَّ أحدٍ مختصٌّ بعمل نفسه، فقال تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}. قال الزجاج: يقال: وَزَرَ يَزرُ، فهو وَازِرٌ وَوَزِرٌ وِزْراً وَزِرَة، ومعناه: أثِمَ يَأثمُ إثماً. وقال: في تأويل الآية وجهان: الأول: أنَّ المذنب لا يؤاخذُ بذنبِ غيره، بل كلُّ أحدٍ مختصٌّ بذنب نفسه. والثاني: أنَّه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم؛ لأنَّ غيره عمله كقول الكفَّار: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}تفسير : [الزخرف: 23]. فصل دلَّت هذه الآية على أحكام: الأول: قال الجبائيُّ: في الآية دلالة على أنه تعالى لا يعذِّب الأطفال بكفر آبائهم، وإلاَّ لكان الطفل يؤاخذ بذنب أبيه. وذلك خلافُ ظاهر الآية. الثاني: روى ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنَّ المَيِّتَ ليُعذَّبُ بِبُكاءِ أهلهِ عَليْهِ ". تفسير : وطعنت عائشة - رضي الله عنها - في صحَّة هذا الخبر بهذه الآية. فإن تعذيب الميت ببكاء أهله أخذ للإنسان بجرم غيره، وهو خلاف هذه الآية. والحديث لا شكَّ في صحَّته؛ لأنَّه في الصحيحين. وفي الصحيحين أيضاً عن عمر بنِ الخطَّاب - رضي الله عنه - أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ الميِّت يُعذَّبُ بِبُكاءِ الحيِّ ". تفسير : وفي صحيح البخاريِّ: "حديث : المَيِّتُ يُعذَّبُ في قَبْره بِمَا نِيحَ عَليْهِ ". تفسير : وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنَّهُ مَنْ نِيحَ عليهِ يُعذَّبُ بِمَا نِيحَ عَليْهِ ". تفسير : وقال- صلوات الله وسلامه عليه -: "الميِّتُ يُعذَّبُ بِبُكاءِ الحيِّ، إذا قَالتِ النَّائِحَةُ: واعَضُداهُ، ونَاصِراهُ، وكَاسِيَاهُ حَبَّذا الميِّتُ، قيل لهُ: أنْتَ عَضُدهَا، أنْتَ نَاصرُهَا، أنْتَ كَاسِيهَا". وفي رواية: "مَا مِنْ مَيِّتٍ يَموتُ فَيقُومُ بَاكيهم، فيقُول: واجَبلاهُ، وسنداه وأنْسَاهُ، ونحو ذلك، إلاَّ وكِّلَ به ملكان يلهَذانهِ أهكذا كُنت" اللَّهْذُ واللَّهْزُ مثل اللَّكْز والدفع. وروى البخاريُّ عن النعمان بن بشير، قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أختهُ عمرة تبكي، وتقول: واجبلاهُ واكذا واكذا، تُعدِّدُ عليه، فقال حينَ أفَاقَ: ما قُلْت شَيْئاً إلاَّ قِيل لِي: أنْتَ كذلِكَ؟ فلمَّا مَاتَ لم تَبْك عَليْهِ. فإن قيل: أنكرتْ عائشة وغيرها ذلك، وقالت لما ذكر لها حديث ابن عمر: يغفر الله لأبي عبد الرَّحمن، أما إنَّهُ لمْ يكذبْ ولكنَّه نَسِيَ أو أخطأ إنَّما مَرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكى عليها، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّهُمْ لَيبْكُونَ عَليْهَا وإنَّها لتُعذَّبُ في قَبْرهَا" تفسير : متَّفقٌ عليه. ولمُسْلمٍ: إنَّما مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرِ يهوديٍّ، فقال: "حديث : إنَّه ليُعذَّبُ بِخَطيئَتهِ أو بِذنْبهِ، وإنَّ أهلَهُ ليَبْكُونَ عليْهِ الآنَ ". تفسير : وفي رواية متَّفق عليها: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الله ليَزيدُ الكافر عذاباً بِبُكاءِ أهْلهِ عليْهِ"تفسير : . وقالت: حسبكمُ القُرآنُ {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [الإسراء: 15] وقال بعض العلماء: إنَّما هذا فيمن أوصى أن يناح عليه كما كان أهل الجاهليَّة. والجواب أنه يجب قبول أن الحديث لا يمكن ردُّه؛ لثبوته وإقرار أعيان الصَّحابة له على ظاهره. وعائشة - رضي الله عنها - لم تخبر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نفى ذلك، وإنَّما تأوَّلتْ على ظاهر القرآن، ومن أثبت وسمع حجة على من نفى وأنكر. وظاهر القرآن لا حجَّة فيه؛ لأنَّ الله - تعالى - نفى أن يحمل أحد من ذنب غيره شيئاً، والميِّتُ لا يحمل من ذنب النائحة شيئاً، بل إثمُ النَّوح عليها، وهو قد يعذَّب من جهة أخرى بطريق نوحها، كمن سنَّ سنَّة سيئة، مع من عمل بها، ومن دعا إلى ضلالة، مع من أجابه. والحديث الذي روتهُ حديثٌ آخر لا يجوز أن يردَّ به خبر الصَّادق؛ لأنَّ القوم قد يشهدون كثيراً ممَّا لا تشهد، مع أنَّ روايتها تحقِّق ذلك الحديث؛ فإنَّ الله - تعالى - إذا جاز أن يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله، جاز أن يعذِّب الميت ابتداء ببكاء أهله. ثم في حديث ابن رواحة وغيره ممَّا تقدَّم ما ينصُّ على أن ذلك في المسلم؛ فإنَّ ابن رواحة كان مسلماً، ولم يوص بذلك، ثمَّ إنَّ الصحابة الذين رووه، لو فهموا منه الموصي، لما عجبوا منه، وأنكره من أنكره؛ فإنَّ من المعلوم أنَّ من أمر بمنكرٍ، كان عليه إثمه، ولو كان ذلك خاصًّا بالموصِي، لما خص بالنَّوح، دون غيره من المنكراتِ، ولا بالنَّوح على نفسه، دون غيره من الأموات. وقال بعض العلماء: لمَّا كان الغالب على النَّاس النَّوح على الميِّت، وهو من أمور الجاهليَّة التي لا يدعونها في الاسلام، ولا يتناهى عنها أكثر النَّاس خرِّج الحديث على الأعمِّ الأغلب فيمن لم ينه عن النَّائحة، وهي عادة النَّاس، فيكون تركهُ للنَّهي مع غلبةِ ظنِّه بأنَّها تفعل إقراراً للمنكرِ وتركاً لإنكاره، فيعذب على ما تركه من الإنكار، ورضي به من المنكر، وأما من نهى عنه، وعصي أمره، فالله أكرم من أن يعذِّبه. قال ابن تيمية: وهذا قريبٌ. وأجود منه، إن شاء الله - تعالى - أن العذاب على قسمين: أحدهما: ألمٌ وأذى يلحقُ الميِّت بسبب غيره، وإن لم يكن من فعله؛ كما يلحق أهل القبُور من الأذى بمجاورة الجارِ السيّىء، وبالأعمال القبيحة عند القبور، والجلوس على القبر، أو التغوُّط عليه، إلى غير ذلك من الأشياء التي يتألَّم الإنسانُ بها حيًّا وميتاً، وإن لم تكن من فعله. فهذا الميِّت لما عصي الله بسببه، ونيح عليه، لحقهُ عذابٌ وألمٌ من هذه المعصية. قال القاضي: سُئِلتُ عن ميِّتٍ دفن في داره، وبقُربِ قبره أولاد يشربون ويستعملون آلة اللَّهْو، هل يتأذَّى الميِّت؟. فأجبت: أنَّه يتأذَّى. وروى بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ المَيِّتَ يُؤذِيهِ في قَبْرهِ ما يُؤذِيهِ في بَيْتهِ ". تفسير : وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنه -: إذا مات لأحدكم الميِّت، فأحسنوا كفنه، وعجَّلوا إنفاذ وصيته، وأعمقوا له في قبره، وجنِّبُوهُ جار السُّوءِ. قيل: يا رسُول الله: وهَلْ يَنفَعُ الجَارُ الصَّالحُ في الآخرة؟ قال: وهَلْ يَنْفَعُ في الدُّنيا؟ قالوا: نَعَمْ، قال: وكَذلِكَ يَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ. الثاني: أنَّ طبع البشر يُحِبُّ في حياته أن يبكى عليه بعد موته؛ لما فيه من الشَّرف والذِّكر، كما يحبُّ أن يثنى عليه، ويذكر بما يحبُّ، وكما يحبُّ أن يكون المالُ والسلطان لعقبه، وإن أيقن أنَّه لا لذَّة له بذلك بعد الموت، فعوقب بنقيض هذه الإرادة من عذاب النَّوح والبكاء؛ ليعلم النَّاس بذلك، فيتناهون عن هذه أو يكرهونه، فمن لم يكره النَّوح والبكاء، فهو باقٍ على موجب طبعه، ومن كرهه، كانت تلك الكراهةُ مانعة من لُحوقِ الذمِّ به. الثالث: قال القاضي: دلَّت هذه الآية على أنَّ الوزْرَ والإثم ليس من فعل الله - تعالى -، وذلك من وجوهٍ: أحدها: أنه لو كان كذلك، لامتنع أن يؤاخذ العبد به، كما لا يؤاخذ بوزْرِ غيره. وثانيها: أنَّه كان يحبُّ ارتفاع الوِزْرِ أصلاً؛ لأنَّ الوزر إنَّما يصحُّ أن يوصف بذلك، إذا كان مختاراً يمكنه التحرُّز، ولهذا المعنى لا يوصف الصَّبيُّ بذلك. الرابع: أن جماعة من الفقهاء المتقدِّمين امتنعوا من ضرب الدِّية على العاقلة، قالوا: لأنَّ ذلك يفضي إلى مؤاخذة الإنسان بفعل الغير، وذلك مضادٌ لهذه الآية. ونجيب عنها بأنَّ المخطىء [غير مؤاخذٍ] على ذلك الفعل، فكيف يصير غيره مؤاخذاً بسبب ذلك الفعل، بل ذلك تكليفٌ واقعٌ ابتداءً من الله تعالى. ثم قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}. إقامة للحجَّة وقطعاً للعذر. واستدلُّوا بهذه الآية على أنَّ وجوب شكر النِّعم لا يثبت بالعقل، بل بالسمع؛ كقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}. وذلك لأنَّ الوجوب لا يتقرَّر إلاَّ بترتيب العقاب على التَّرك، ولا عقاب قبل الشَّرع بهذه الآية، وبقوله تعالى: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [النساء: 165]. وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ} تفسير : [طه: 134]. ولقائل أن يقول: هذا الاستدلالُ ضعيف من وجهين: الأول: أنه لو لم يثبت الوجوب العقليُّ، لم يثبت الوجوب الشرعيُّ ألبتة، وهذا باطل. فذلك باطل، وبيان الملازمة من وجوهٍ: أنه إذا جاء الشَّارع، وادعى كونه نبيًّا من عند الله - تعالى - وأظهر المعجزة، فهل يجب على المستمع استماعُ قوله، والتأمُّل في معجزاته، أو لا يجب؟. فإن وجب بالعقل، فقد ثبت الوجوب العقليُّ، وإن وجب بالشَّرع، فهو باطلٌ؛ لأنَّ ذلك الشارع إمَّا أن يكون هو ذلك المدَّعي أو غيره، والأول باطلٌ؛ لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أنَّ ذلك الرجل يقول: الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقوله. وهذا إثبات للشيء بنفسه، وإن كان الشَّارع غيره، كان الكلام كما في الأول، ولزم الدَّور والتَّسلسل، وهما محالان. وثانيها: أنَّ الشَّارع، إذا جاء، وأوجب بعض الأفعال، وحرَّم بعضها، فلا معنى للإيجاب أو التَّحريم إلا أن يقول: إن تركت كذا، أو فعلت كذا، عاقبتك، فنقول: إمَّا أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب، وذلك الاحترازُ إمَّا أن يجب بالعقل، أو بالسَّمعِ، فإن وجب بالعقل، فهو المقصود، وإن وجب بالسَّمع، لم يتقرَّر معنى هذا الوجوب إلاَّ بسبب ترتيب العقاب عليه، وحينئذٍ يعود التقسيمُ الأول، ويلزم التسلسل. وثالثها: أنَّ مذهب أهل السنَّة أنه يجوز من الله - تعالى - أن يعفو عن العقاب على ترك الواجب، وإذا كان كذلك ماهية الوجوب حاصلة، مع عدم العقاب، فلم يبق إلاَّ أن يقال: ماهية الوجوب إنَّما تتقرَّر بسبب حصول الخوف من الذَّم والعقاب؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّ الوجوب العقليَّ لا يمكن دفعه، وإذا ثبت هذا فنقول: في الآية قولان: الأول: أن نجري الآية على ظاهرها، ونقول: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه، لما تقرَّرت رسالةُ أحدٍ من الرُّسل. فالعقل هو الرسول الأصليُّ، فكان معنى الآية: حتى نبعث رسولاً؛ أي رسول العقل. والثاني: أن نخصِّص عموم الآية، فنقول: المراد وما كنا معذِّبين حتَّى نبعث رسولاً أي رسول العقل في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلاَّ بالشَّرع لا بعد مجيء الشرع، وتخصيص العموم وإن كان عدولاً عن الظاهر إلاَّ أنه يجب المصير إليه عند قيام الدَّلالة، وقد بينا قيام الدلائل الثلاثة على أنا لو نفينا الوجوب العقلي، لزمنا نفي الوجوب الشرعيِّ. قال ابن الخطيب: والذي نذهبُ إليه: أن مجرَّد العقل يدلُّ على أنه يجب علينا فعل ما ينتفع به، وتركُ ما يتضرَّر به؛ لأنَّا مجبولون على طلب النفع، والهرب من الضَّرر، فلا جرم: كان العقل وحده كافياً في الوجوب في حقِّنا، أما مجرد العقل فلا يدل على أنه يجب على الله تعالى شيء، وذلك لأنه منزَّه عن طلب النفع، والهرب من الضَّرر، فامتنع أن يحكم العقل عليه بوجوب فعلٍ أو تركه.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة: المعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام، ثم أرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار، فيقولون كيف؟ ولم تأتنا رسل! قال: وايم الله، لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً، ثم يرسل إليهم، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه. قال أبو هريرة رضي الله عنه: اقرأوا إن شئتم {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}. وأخرج إسحق بن راهويه وأحمد وابن حبان وأبو نعيم في المعرفة والطبراني وابن مردويه والبيهقي في كتاب الاعتقاد، عن الأسود بن سريع - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفطرة، فأما الأصم، فيقول: رب، لقد جاء الإسلام، وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق، فيقول: رب، جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفطرة فيقول: رب، ما آتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، ويرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار. قال: فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها كانت عليهم برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها سحب إليها ". تفسير : وأخرج ابن راهويه وأحمد وابن مردويه والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه مثله، غير أنه قال في آخره: فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها سحب إليها. وأخرج قاسم بن أصبغ والبزار وأبو يعلى وابن عبد البر في التمهيد، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يؤتى يوم القيامة بأربعة: بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة والشيخ الهرم الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تبارك وتعالى: لعنق من جهنم أبرزي، ويقول لكم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم. فيقول لهم: ادخلوا هذه، فيقول: من كتب عليه الشقاء يا رب؟ أندخلها ومنها كنا نفر؟! قال: وأما من كتب له السعادة فيمضي فيها، فيقول الرب: قد عاينتموني فعصيتموني، فأنتم لرسلي أشد تكذيباً ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار . تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والطبراني وأبو نعيم، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيراً، فيقول الممسوخ عقلاً: يا رب، لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني، ويقول الهالك في الفترة رب لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهدك مني، ويقول الهالك صغيراً: يا رب، لو آتيتني عمراً ما كان من أتيته عمراً بأسعد بعمره مني، فيقول الرب: - تبارك وتعالى - فإني آمركم بأمر أفتطيعوني؟ فيقولون: نعم وعزتك، فيقول لهم: اذهبوا فادخلوا جهنم، ولو دخلوها ما ضرتهم شيئاً، فخرج عليهم قوابص من نار يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعاً ويقولون: يا ربنا، خرجنا وعزتك نريد دخولها، فخرجت علينا قوابص من نار، ظننا أن قد أهلكت ما خلق الله من شيء، ثم يأمرهم ثانية، فيرجعون كذلك ويقولون: كذلك، فيقول الرب: خلقتكم على علمي، وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فتأخذهم النار ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي صالح رضي الله عنه قال: يحاسب يوم القيامة الذين أرسل إليهم الرسل، فيدخل الله الجنة من أطاعه، ويدخل النار من عصاه، ويبقى قوم من الولدان والذين هلكوا في الفترة، فيقول: وإني آمركم أن تدخلوا هذه النار، فيخرج لهم عنق منها، فمن دخلها كانت نجاته، ومن نكص فلم يدخلها كانت هلكته. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه: حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه رجل فسأله عن ذراري المشركين الذين هلكوا صغاراً؟ فوضع رأسه ساعة ثم قال: أين السائل؟ فقال: ها أنا يا رسول الله، فقال: "إن الله تبارك وتعالى إذا قضى بين أهل الجنة والنار لم يبق غيرهم عجّوا، فقالوا: اللهم ربنا، لم تأتنا رسلك ولم نعلم شيئاً، فأرسل إليهم ملكاً، والله أعلم بما كانوا عاملين، فقال: إني رسول ربكم إليكم، فانطلقوا فاتبعوا حتى أتوا النار، فقال: إن الله يأمركم أن تقتحموا فيها، فاقتحمت طائفة منهم، ثم أخرجوا من حيث لا يشعر أصحابهم، فجعلوا في السابقين المقربين، ثم جاءهم الرسول فقال: إن الله يأمركم أن تقتحموا في النار، فاقتحمت طائفة أخرى، ثم خرجوا من حيث لا يشعرون، فجعلوا في أصحاب اليمين، ثم جاء الرسول فقال: إن الله يأمركم أن تقتحموا في النار، فقالوا: ربنا، لا طاقة لنا بعذابك، فأمر بهم، فجمعت نواصيهم وأقدامهم ثم ألقوا في النار والله أعلم" ". تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أمرنا مترفيها} قال أمروا بالطاعة فعصوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول؛ في قوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية} الآية. قال: {أمرنا مترفيها} بحق، فخالفوه، فحق عليهم بذلك التدمير. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها} قال: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك، أهلكناهم بالعذاب. وهو قوله: {أية : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} تفسير : [الأنعام: 123]. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله وجل: {أمرنا مترفيها} قال: سلطنا عليهم الجبابرة فساموهم سوء العذاب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: شعر : إن يعطبوا يبرموا وإن أمروا يوماً يصيروا للهلك والفقد تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية رضي الله عنه - كان يقرأ {أمرنا مترفيها} مثقلة. يقول: أمرنا عليهم أمراء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قرأ "آمرنا مترفيها" يعني بالمد. قال: أكثرنا فساقها. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر، عن عكرمة - رضي الله عنه - أنه قرأ {أمرنا مترفيها} قال: أكثرناهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء رضي الله عنه {أمرنا مترفيها} قال: أكثرنا. وأخرج البخاري وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية قد أمروا بني فلان.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}. قضايا أعمال العبد مقصورةٌ عليه؛ إنْ كانت طاعةً فضياؤها لأصحابها، وإنْ كانت زَلَّةً فبلاؤها لأربابها. والحقُّ غنيٌّ مُقَدَّسٌ، أَحَدِيٌّ مُنَزَّهٌ. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}. كُلٌّ مُطَالَبٌ بجريرته. وكلُّ نَفْسٍ تحمل أوزارها لا وِزْرَ نَفْسٍ أخرى... {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}: دلَّ ذلك على أن الواجبات إنما تَتَوَجَّهُ من حيث السمع.
اسماعيل حقي
تفسير : {من اهتدى}[هركه راه يابد وبراه رلست رود] اى بهداية القرآن وعمل بما فى تضاعيفه من الاحكام وانتهى عما نهاه {فانما يهتدى لنفسه} فانما تعود منفعة اهتدائه الى نفسه لا تتخطاه الى غيره ممن لم يهتد {ومن ضل} عن الطريقة التى يهديه اليها {فانما يضل عليها} فانما وبال اضلاله عليها لا على من عداه ممن لم يباشره حتى يمكن مفارقة العمل من صاحبه. وقال البيضاوى لا ينجى اهتداؤه غيره ولا يردى ضلاله سواه اى فى الآخرة والا ففى حكم الدنيا يتعدى نفع الاهتداء وضرر الضلال الى الغير كما فى حواشى سعدى المفتى {ولا تزر وازرة وزر اخرى}. قال فى القاموس الوزر بالكسر الاثم والثقل والحمل الثقيل انتهى اى لا تحمل نفس حاملة للوزر اى الاثم وزر نفس اخرى حتى يمكن تخلص النفس الثانية من وزرها ويختل ما بين العامل وعمله من التلازم بل انما تحمل كل منهما وزرها فلا يؤاخذ احد بذنب غيره وهذا تحقيق لمعنى قوله تعالى {أية : وكل انسان الزمناه طائره فى عنقه}تفسير : واما ما يدل عليه قوله تعالى {أية : من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها}تفسير : وقوله تعالى {أية : ليحملوا اوزارهم كاملة يوم القيامة ومن اوزار الذين يضلونهم بغير علم}تفسير : من حمل الغير وزر الغير وانتفاعه بحسنته وتضرره بسيئه فهو فى الحقيقة انتفاع بحسنة نفسه وتضرر بسيئته فان جزاء الحسنة والسيئة اللتين يعملهما العامل الازم له وانما الذى يصل الى من يشفع جزاء شفاعته لا جزاء اصل الحسنة والسيئة وكذلك جزاء الضلالة وقوله {ولا تزر} الخ تأكيد للجملة الثانية وانما خص بها قطعا للاطماع الفارغة حيث كانوا يزعمون انهم لم يكونوا على الحق فالتبعة على اسلافهم الذين قلدوهم والتبعة ما يترتب على الشئ من المضرة ويتفرع عليه من العقوبة. وقال الكاشفى [وليد بن مغيره كافرانرا ميكفت متابعت من كنيد ومن كناهان شمارا بردارم حق سبحانه وتعالى ميفر ما يدكه هر نفسى بارخود خواهد برداشت نه بار ديكرى] هذا. وقد قال بعضهم المراد بالكتاب نفسه المنشقة بآثار اعماله فان كل عمل يصدر من الانسان خيرا او شرا يحدث منه فى جوهر روحه اثر مخصوص الا ان ذلك الاثر يخفى ما دام الروح متعلقا بالبدن مشتغلا بواردات الحواس والقوى فاذا انقطعت علاقته عن البدن قامت قيامته لان النفس كانت ساكنة مستقرة فى الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود الى العالم العلوى فيزول الغطاء وينكشف الاحوال يظهر على لوح النفس نقش كل شئ عمله فى مدة عمره وهذا معنى الكتابة والقراءة بحسب العقل وانه لا ينافى ما ورد فى النقل بل يؤيد هذا المعنى ما روى عن قتادة يقرأ ذلك اليوم من لم يكن فى الدنيا قارئا ثم المراد بالقيامة علىهذا التفصيل هى القيامة الصغرى لكن هذا الكلام اشبه بقواعد الفلسفة كما فى حواشى سعدى المفتى. يقول الفقير لا يخفى ان الآخرة جامعة للصورة والمعنى فللانسان صحيفتان صحيفة عمله التى هى الكتاب وصحيفة نفسه فكل منهما ناطق عن عمله وحاله كما قال فى التأويلات النجمية يجوز ان يكون هذا الكتاب الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها نسخة نسخها الكرام الكاتبون بقلم اعماله فى صحيفة انفاسه من الكتاب الطائر الذى فى عنقه ولهذا يقال له {أية : اقرأ كتابك}تفسير : اى كتابتك التى كتبتها {أية : كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}تفسير : فان نفسك مرقومة بقلم اعمالك اما برقوم السعادة او برقوم الشقاوة من اهتدى الى الاعمال الصالحة فانما يهتدى لنفسه فيرقمها برقوم السعادة ومن ضل عنها بالاعمال الفاسدة فانما يضل عليها فيرقمها برقوم الشقاوة {ولا تزر وازرة وزر اخرى} اى لا يرقم راقم بقلم اوزاره نفس غيره {وما كنا معذبين} اى وما صح وما استقام منا بل استحال فى عادتنا المبنية على الحكم البالغة ان نعذب احدا من اهل الضلال والاوزار اكتفاء بقضية العقل {حتى نبعث} اليهم {رسولا} يهديهم الى الحق ويردعهم عن الضلال ويقيم الحجج ويمهد الشرائع قطعا للمعذرة والزاما للحجة. وفيه دلالة على ان البعثة واجبة لا بمعنى الوجوب على الله بل بمعنى ان قضية الحكمة تقتضى ذلك لما فيه من المصالح والحكم والمراد بالعذاب المنفى هوالعذاب الدنيوى وهو من مقدمات العذاب الاخروى فجوزوا على الكفر والمعاندة بالعذاب فى الدارين وما بينهما ايضا وهو البرزخ والبعث غاية لعدم صحة وقوعه فى قوته المقدر له لا لعدم وقوعه مطلقا كيف لا والاخروى لا يمكن وقوعه عقيب العبث والدنيوى ايضا لا يحصل الا بعد تحقق ما يوجبه من الفسق والعصيان.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {مَن اهتدى} وآمن بالله وبما جاءت به الرسل {فإِنما يهتدي لنفسه}؛ لأن ثواب اهتدائه له، لا يُنجي اهتداؤه غيره، {ومن ضلَّ} عن طريق الله {فإِنما يضلُّ عليها}؛ لأن إثم إضلاله على نفسه، لا يضر به غيره في الآخرة, {ولا تزر} أي: لا تحمل نفس {وازرةٌ}؛ آثمة {وِزرَ} نفس {أخرى} أي: ذنوب نفس أخرى، بل إنما تحمل وزرها، إلا من كان إمامًا في الضلالة، فيحمل وزره ووزر مَن تبعه، على ما يأتي في آية أخرى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13]. ومن كمال عدله تعالى: أنه لا يُعذِّب حتى يُنذر ويُعذر على ألسنة الرسل، كما قال تعالى: {وما كنا مُعذبين} أحدًا في الدنيا ولا في الآخرة {حتى نبعث رسولاً} يُبين الحجج ويمهد الشرائع، ويلزمهم الحجة. وفيه دليل على أن لا حُكم قبل الشرع، بل الأمر موقوف إلى وروده، فمن بلغته دعوته، وخالف أمره، واستكبر عن أتباعه، عذبناه بما يستحقه. وهذا أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء الكرام - عليهم السلام - في جميع الأمم، قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} تفسير : [النحل: 36]، {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 24]، فإن دعوتهم إلى الله قد انتشرت، وعمت الأقطار، واشتهرت، انظر إلى قول قريش الذين لم يأتهم نبي بعد إسماعيل عليه السلام: {أية : مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [ص: 7]؛ فإنه يُفهم منه أنهم سمعوه في الملة الأولى، فمن بلغته دعوة أحد منهم، بوجه من الوجوه فقصَّر، فهو كافر مستحق للعذاب. فلا تغتر بقول كثير من الناس بنجاة أهل الفترة، مع إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن آباءهم، الذين مضوا في الجاهلية، في النار، وأن ما يدحرج من الجُعَل، خير منهم، إلى غير ذلك من الأخبار. قاله البقاعي. وقال الإمام أبو عبد الله الحليمي - أحد أجلاء الشافعية، وعظماء أئمة الإسلام - في أول منهاجه، في باب: "من لم تبلغه الدعوة": وإنما قلنا: إن من كان منهم عاقلاً مميزًا إذا رأى ونظر، إلا أنه لا يعتقد دينًا فهو كافر؛ لأنه، وإن لم يكن سمع دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا شك أنه سمع دعوة أحد من الأنبياء قبله، على كثرتهم وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور مُددِ الذين آمنوا واتبعوهم، والذين كفروا بهم وخالفوهم، فإنَّ الخبر قد يبلغ على لسان المخالف، كما يبلغ على لسان الموافق، وإذا سمع آيَّةَ دعوة كانت إلى الله تعالى، فترك أن يستدل بعقله، كان مُعْرِضًا عن الدعوة فكفر، والله أعلم. وإن أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين، ولا بدعوة نبي، ولا عرف أن في العالم من يُثبت إلهًا، وما نرى أن ذلك يكون، فأمره على الاختلاف، يعني: عند من يُوجب الإيمان بمجرد العقل، ومن لا يُوجبه إلا بانضمام النقل. هـ. وقال الزركشي، في آخر باب النيات، من شرحه على المنهاج: وقد أشار الشافعي إلى عسر تصور عدم بلوغ الدعوة، حيث قال: وما أظن أحدًا إلا بلغته الدعوة، إلا أن يكون قوم من وراء النهر. وقال الدميري: وقال الشافعي: ولم يبق أحد لم تبلغه الدعوة. انتهى؛ على نقل شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه. ثم قال تعالى: {وإِذا أردنا أن نُهلك قريةً} أي: تعلقت إرادتنا بإهلاكها؛ لإنفاذ قضائنا السابق، ودنا وقتُ إهلاكها، {أمرنا مُتْرفيها}؛ منعميها، بمعنى رؤسائها؛ بالطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده، فإن الفسق هو الخروج عن الطاعة، لقوله: {ففسقُوا فيها}؛ خرجوا عن أمرنا. وقيل: أمرناهم: ألهمناهم الفسق وحملناهم عليه، أو: جعلنا لهم أسباب حملهم على الفسق؛ بأن صببنا عليهم من النعم ما أبطرهم، وأفضى بهم إلى الفسوق، {فحقَّ عليها القولُ}؛ وجب عليها كلمة العذاب السابق بحلوله، أو بظهور معاصيهم. {فدمرناها تدميرًا}؛ أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريبها. {وكم أهلكنا} أي: كثيرًا أهلكنا {من القُرون} أي: الأمم {من بعد نوح}؛ كعاد وثمود وأصحاب الأيكة، {وكفى بربك بذنوب عباده خبيرًا بصيرًا}؛ عالمًا ببواطنها وظواهرها، فيعاقب عليها أو يعفو. وبالله التوفيق. الإشارة: من اهتدى إلى حضرة قدسنا فإنما يهتدي لينعم نفسه بأسرار قدسنا، ومن ضل عنها فإنما يضل عليها؛ حيث حرمها لذيذ المعرفة. فإن كان في رفقة السائرين، ثم غلبه القضاء، فلا يتعدى وبال رجوعه إلى غيره، بل ما كان يصل إليه من المدد يرجع إلى أصحابه، وما كنا معذبين أحدًا؛ بإسدال الحجاب بيننا وبينه، حتى نبعث من يُعَرِّف بنا، ويكشف الحجاب بيننا وبين من يريد حضرتنا. والمراد بالحجاب: حجاب الوهم؛ بإثبات حس الكائنات، فلو انهتك حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان، ولو أشرق نورُ الإيقان لغطى وجودَ الأكوان. وإذا أردنا أن نتلف قلوبًا أمرنا أربابها بالتنعم بالحظوظ والشهوات، فخرجوا عن طريق المجاهدة والرياضة، فحق عليها القول بغم الحجاب، فدمرناها تدميرًا، أي: تركناها تجول في أودية الخواطر والشكوك، فتلفت وهلكت، نعوذ بالله من شر الفتن ودرك المحن. وسبب الهلاك هو حب الدنيا
الجنابذي
تفسير : فى الصّغير رسول العقل وفى الكبير واحداً من الانبياء والاولياء (ع).
الهواري
تفسير : قوله: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي: على نفسه. {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى} أي: لا يحمل أحد ذنب آخر. قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} قال الحسن: لا يعذب قوماً بالاستئصال حتى يحتجّ عليهم بالرسل. كقوله: (أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً) تفسير : [القصص:59]. وكقوله: (أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ)تفسير : [فاطر:24] يعني الأمم التي أهلك الله بالعذاب. قوله: { وَإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أي: أكْثَرْنَا جَبَابرتَها. قال الحسن: جبابرة المشركين فاتَّبعهم السفلة { فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ} أي: الغضب {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}. وكان ابن عباس يقرأها: {أَمَرْنا مُتْرَفِيهَا}، مثقلة، من قبل الإِمارة. كقوله: (أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا) تفسير : [الأنعام:123]. وكان الحسن يقرأها: {آمرنا}، وهي أيضاً من الكثرة. وبعضهم يقرأها: {أمرنا} أي: أمرناهم بالإِيمان ففسقوا فيها، أي: أشركوا ولم يؤمنوا. قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} وهو كقوله: (أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ)تفسير : إلى آخر الآية. [إبراهيم: 9]. قوله: { مَّن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ} [وهو المشرك الذي لا يريد إلا الدنيا، لا يؤمن بالآخرة] { عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُوماً} أي: في نقمة الله { مَّدْحُوراً} مطروداً مباعداً عن الجنة في النار. قوله: {وَمَنْ أَرَادَ الأَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} أي: عمل لها عملها { وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي: وهو مُوَفٍّ بالقول والعمل { فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم} أي: عملهم { مَّشْكُوراً} أي: يثيبهم الله به الجنة.
اطفيش
تفسير : {مَّنِ اهْتَدَى} إِلى الحق، {فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِه} لأَن ثواب أهتدى اهتداء له لا لغيره، {وَمَن ضَلَّ} عن الحق، {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَليْهَا} لأَن إِثم ضلاله عليه لا على غيره فهو الهالك به لا غيره {وَلاَ تزِرُ} لا تحمل {وَازِرَةٌ} أى نفس حاملة {وِزْرَ} حمل {أُخْرَى} أى نفس أخرى إِنما تحمل كل نفس وزرها ويسمى الذنب، وزرا أى لا تذنب نفس مذنبة ذنب أخرى أى لا يتعلق بها ذنب أخرى ولا ينسب إِليها، {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} لأَحد على الشرك وفعل المحرمات وترك الواجبات، قال الحسن المعنى لا نعذب أحدا بالاستئصال، {حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} إِليهم نهاهم عن الشرك والمحرمات، ويأْمرهم بالواجبات فيعصوه، وهذا فى جانب التوحيد زيادة لطف ورحمة، فإِن الحجة تقوم فيه بنصب الدلائل التى يراها للكلف بعقله بلا إِرادة أحد كالسماء والأُرض وذاته وسائر ما يحسبه، وأما فى جانب الفروع فإِقامة للحجة وقطع للعذر فإِن الحجة فيه بإِرسال الرسل ألا ترى كيف تكرر فى القرآن: إِن فى ذلك لآية، إن فى ذلك لآيات، هذا ما كنت أقول بعد استفراغ الوسع. وقالت الشافعية وغيرهم: كلا النوعين إِنما قامت فيه الحجة بالرسل وأنه لا وجوب قبل الشرع، وأن الوجوب إِنما هو بالسمع لا بالعقل وبهذا قال أصحابنا؛ لكنهم لا يعذرون أصحاب الفترة فى التوحيد ولا الفروع وعذر أهل المغرب صاحب الجزيرة إن كان على دين نبى ولم يعذره أهل الجبل وإِمام الشافعية وغيرهم فيعذرون أهل الفترة وصاحب الجزيرة ولو لم يكن على دين نبى على خلاف بينهم.
اطفيش
تفسير : {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ} ثواب اهتدائه له، لا ينفع غيره ممن لم يهتد. {وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} عقاب ضلاله عليه، لا على من لم يباشره، كل أحد يعاقب بما عمل، ومن أمر بسوء فأمره فعل له، يعاقب عليه، ومن تبعه عوقب على فعله من أتباعه، وذلك تحقيق لقوله تعالى: "أية : وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه "تفسير : [الإسراء: 13] {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ} لا تذنب نفس وازرة {وِزْرَ أُخْرَى} أى لا تتصف بذنبها، فلا تؤاخذ به، فتتخلص منه الأخرى. ولا تعاقبان به معاً، وفى ذلك رد على من يقول إن لم نكن على الحق فاتباعه على الأسلاف الذين قلدناهم، كما قال الوليد بن المغيرة: اكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلىّ وزركم، وهو سبب نزول الآية، وأما قوله تعالى: "أية : مَن يشفع شفاعة حسنة"تفسير : [النساء: 85] إلخ وقوله: "أية : ليحْملوا أوزارهُم"تفسير : [النحل: 25] إلخ فهما من انتفاع الإنسان بحسنة غيره، أو إِعانته على معصية، وهذا تأكيد لقوله: {ومن ضل} إلخ. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الميت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه" تفسير : فمحمول على ما إذا أمرهم بالبكاء، أو علم أنهم يبكون إذا مات، ولم ينههم، فقد عذب بفعل نفسه أو عذابه فى قبره خيفة بهم، كعذاب الدنيا، وهو فى القبر لا عذاب عقاب، أو الميت المحتضر يتضرر ببكاء أهله، إذ كرهه وأما عقل دية الخطأ فليس عقاباً بل تشريع بالمعاونة، ألا ترى أنا القاتل لا ذنب عليه فكيف قومه. وأما رواية عن عائشة عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أطفال المشركين فى النار"تفسير : ، فلم تصح ثم رأيت والحمد لله أن عمر بن عبد البر ضعفها، وأما قوله: صلى الله عليه وسلم لسعد بن جثامة إذ قال: "حديث : نصيب درارى المشركين فى البيات هم منهم"تفسير : ، فمعناه أنهم منهم فى الحكم كالاسترقاق وهم فى الجنة لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سألت ربى فى اللامين يعنى أطفال المشركين، فأعطانيهم خدماً لأهل الجنة ". تفسير : وروى الحكيم الترمذى، وابن عبد البر، عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أولاد المشركين خدم لأهل الجنة" تفسير : وروى البخارى أنه صلى الله عليه وسلم رأى الخليل وحوله أولاد الناس فقالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين قال: "حديث : وأولاد المشركين" تفسير : وبذلك أقول لتلك الأحاديث ولآية: "أية : ألاَّ تزر وازرة وزر أخرى"تفسير : [النجم: 38] وقد قيل: نزلت الآية فيهم، وأيضاً لقوله تعالى: {وما كنا معذبين} إلخ. {وَمَا كُنَّا مُعَذَّبِينَ} أى لأحد فى الدنيا أو الآخرة أو فيهما على الذين {حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} يبيِّن له ما يجب عليه، وما يحرم عليه، والمراد ما عذبنا أحداً قبل التبليغ، بل بعده فكذلك أنتم تعذبون إن لم تؤمنوا، لأنا قد بلّغناكم وهذا أولى من أن يقال مضى قضاؤنا الأزلى أن لا نعذب أحداً بعد الأزل إِلا بعد التبليغ، وقد بعث الله الرسل فلا يعذر أهل الفترة فى التوحيد، ولا فيما دونه، ولو لم يجدوا مخبراً، هذا مذهبنا. والواضح أنهم لا يعذرون فى الشرك، لأنهم عقلاء، والموجدات دلائل الله يعرفونه بها، وأغفلوا النظر فعوقبوا على الإغفال، وبعثه الرسل منبهه، ثم إِنى تتبعث الأخبار، فاتضح أنه لم يخل زمان من مخبر بالتوحيد وما دونه، لأنهم يسمعون أن ولد كذا عالماً وأن فى بلد كذا شجرة كتب فيها التوحيد ونحو ذلك، ومع هذا لا يتم أنه بلغهم ذلك كلهم، فالظاهر أن أهل الفترة قد لا يبلغهم الخبر، فهم معذورون فى غير التوحيد، ولو كان مجرد الوحى قاطعاً للعذر ولو بلا سماع لزم كفر من لم يبلغه الوحى فى زمانه صلى الله عليه وسلم أيضاً فيكفر من فى المدينة حتى يجيئه الخبر من مكة وبالعكس، وكذا سائر البلاد، وكيف يقول الله عز وجل لأهل الفترة: "أية : ألم يأتكم نذير" تفسير : [الملك: 8] وكيف يقولون: {أية : بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزَّل الله من شئ} تفسير : [الملك: 9] إلخ ونحو ذلك. وألزم الشرع من علم أن نبيا أرسل إلى أحد كأنه أرسل إليه، وجاء الحديث بأن أهل الفترة فى النار، وقال صلى الله عليه وسلم لقومه وغيرهم: "حديث : آباؤكم فى النار"تفسير : ولم يقيد بعدم السماع. قال الحليمى: إذا بلغ عاقلا خبر وجب عليه التأمل فيه، وإن أهمل أشرك، ويبعد أن يوجد أحد لم يبلغه خبر نبى لكثرة الأنبياء وصول أزمانهم. وكثرة من آمن، وكثرة من عاند وخالف، فتلزمه الحجة ولو بخبر من كفر، وزعمت الأشعرية أن لا تكليف قبل البعثة، ولزمهم إِباحة الإشراك. ومذهب أبى حنيفة أن من لم تبلغه الدعوة إن لم يصدق بوجود الله تعالى ووحدانيته يخلد فى النار، لكونه عامًّا، وجعل الرسول عاما للعقل. والآية رد على المعتزلة فى قولهم بالحسن والقبح العقليين، وأن العقل يحكم بالوجوب والتحريم طبق حكم الله، ولا يخالف وهو خطأ فاحش، والعقل عاجز عن ذلك كما لا يخفى عن كل أحد، وهو مخالف للقرآن لنص القرآن أَن الحجة الرسل على العقلاء.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ} فذلكة لما تقدم من كون القرآن هادياً للتي هي أقوم وللزوم الأعمال لأصحابها أي من اهتدى بهدايته وعمل بما في تضاعيفه من الأحكام وانتهى عما نهاه عنه فإنما تعود منفعة الاهتداء به إلى نفسه لا تتخطاه إلى غيره ممن لم يهتد {وَمَن ضَلَّ} عما يهتديه إليه {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي فإنما وبال ضلاله / عليها لا على من لم يباشره حتى يمكن مفارقة العمل صاحبه. {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تأكيد للجملة الثانية أي لا تحمل نفس حاملة للوزر وزر نفس أخرى حتى يمكن تخلص النفس الثانية عن وزرها ويختل ما بين العامل وعمله من التلازم، وخص التأكيد بالجملة الثانية قطعاً للأطماع الفارغة حيث كانوا يزعمون أنهم إن لم يكونوا على الحق فالتبعة على أسلافهم الذين قلدوهم. وروي عن ابن عباس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة لما قال: اكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليَّ أوزاركم «ولا ينافي هذه الآية ما يدل عليه قوله تعالى: {أية : مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} تفسير : [النساء: 85] وقوله تعالى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [النحل: 25] من حمل الغير وزر الغير وانتفاعه بحسنته وتضرره بسيئته لأنه في الحقيقة انتفاع بحسنة نفسه وتضرر بسيئته فإن جزاء الحسنة والسيئة اللتين يعملهما العامل لازم له وإنما يصل إلى من يشفع جزاء شفاعته لا جزاء أصل الحسنة والسيئة وكذلك جزاء الضلال مقصور على الضالين ومايحمله المضلون إنما هو جزاء الإضلال لا جزاء الضلال» قاله شيخ الإسلام. ولهذه الآية طعنت عائشة رضي الله تعالى عنها في صحة خبر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه»تفسير : فإن فيه أخذ الإنسان بجرم غيره وهو خلاف ما نطقت به الآية. وأجيب بأن الحديث محمول على ما إذا أوصى الميت بذلك فيكون ذلك التعذيب من قبيل جزاء الإضلال، وقيل: المراد بالميت المحتضر مجازاً وبالتعذيب التعذيب في الدنيا أي أن المحتضر يتأمل ببكاء أهله عليه فلا ينبغي أن يبكوا، ولهذا أيضاً منع جماعة من قدماء الفقهاء صرف الدية على العاقلة لما فيه من مؤاخذة الإنسان بفعل غيره، وأجيب بأن ذلك تكليف واقع على سبيل الابتداء وإلا فالمخطىء نفسه ليس بمؤاخذ على ذلك الفعل فكيف يؤاخذ غيره عليه. واستدل بها الجبائي على أن أطفال المشركين لا يعذبون وإلا كانوا مؤاخذين بذنب آبائهم وهو خلاف ظاهر الآية، وزعم بعضهم أنها نزلت فيهم وليس بصحيح، نعم أخرج ابن عبد البر في «التمهيد» بسند ضعيف عن عائشة قالت: «حديث : سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: هم من آبائهم ثم سألته بعد ذلك فقال: الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين ثم سألته بعدما استحكم الإسلام فنزلت {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فقال: هم على الفطرة أو قال في الجنة»تفسير : ، والمسألة خلافية وفيها مذاهب فقال الأكثرون: هم في النار تبعاً لآبائهم واستدل لذلك بما أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» حديث : عن عائشة أيضاً قالت «سألت النبـي صلى الله عليه وسلم عن ولدان المسلمين أين هم؟ قال: في الجنة وسألته عن ولدان المشركين أين هم؟ قال في النار قلت: يا رسول الله لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام قال: وربك أعلم بما كانوا عاملين والذي نفسي بيده إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار»تفسير : ، وفيه أن هذا الخبر قد ضعفه ابن عبد البر فلا يحتج به، نعم صح أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن أولاد المشركين فقال: الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين وليس فيه تصريح بأنهم في النار وحقيقة لفظه «الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين لو بلغوا» ولم يبلغوا والتكليف لا يكون إلا بالبلوغ. وأخرج الشيخان وأصحاب «السنن» وغيرهم حديث : عن ابن عباس قال: حدثني الصعب بن جثامة قلت: يا رسول الله أنا نصيب في البيات من ذراري المشركين، قال: هم منهمتفسير : . وهو عند المخالفين محمول على أنهم منهم في الأحكام / الدنيوية كالاسترقاق. وتوقفت طائفة فيهم ومن هؤلاء أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، وقيل: فيهم من يدخل الجنة ومن يدخل النار لما أخرج الحكيم الترمذي في «النوادر» عن عبد الله بن شداد حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فسأله عن ذراري المشركين الذين هلكوا صغاراً فوضع رأسه ساعة ثم قال: أين السائل؟ فقال: ها أنذا يا رسول الله فقال: إن الله تبارك وتعالى إذا قضى بين أهل الجنة والنار ولم يبقى غيرهم عجوا فقالوا: اللهم ربنا لم تأتنا رسلك ولم نعلم شيئاً فأرسل إليهم ملكاً والله تعالى أعلم بما كانوا عاملين فقال: إني رسول ربكم إليكم فانطلقوا فاتبعوا حتى أتوا النار فقال إن الله تعالى يأمركم أن تفتحموا فيها فاقتحمت طائفة منهم ثم خرجوا من حيث لا يشعر أصحابهم فجعلوا في السابقين المقربين ثم جاءهم الرسول فقال إن الله تعالى يأمركم أن تقتحموا في النار فاقتحمت طائفة أخرى ثم أخرجوا من حيث لا يشعرون فجعلوا في أصحاب اليمين ثم جاء الرسول فقال: إن الله تعالى يأمركم أن تقتحموا في النار فقالوا: ربنا لا طاقة لنا بعذابك فأمر بهم فجمعت نواصيهم وأقدامهم ثم ألقوا في النارتفسير : . وذهب المحققون إلى أنهم من أهل الجنة وهو الصحيح ويستدل له بأشياء منها الآية على ما سمعت عن الجبائي، ومنها حديث إبراهيم الخليل عليه السلام حديث : حين رآه النبـي صلى الله عليه وسلم في الجنة وحوله أولاد الناس قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين قال: وأولاد المشركين تفسير : رواه البخاري في «صحيحه»، ومنها ما أخرجه الحكيم الترمذي أيضاً في «النوادر». وابن عبد البر عن أنس قال: حديث : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: هم خدام أهل الجنةتفسير : ، ومنها الآية الآتية حيث أفادت أن لا تعذيب قبل التكليف ولا يتوجه على المولود التكليف ويلزمه قول الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يبلغ، ولم يخالف أحد في أن أولاد المسلمين في الجنة إلا بعض من لا يعتد به فإنه توقف فيهم حديث : لحديث عائشة توفى صبـي من الأنصار فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك يا عائشة إن الله تعالى خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهمتفسير : . وأجاب العلماء عنه بأنه لعله عليه الصلاة والسلام نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون لها دليل قاطع كما أنكر على سعد بن أبـي وقاص في قوله: «اعطه إني لأراه مؤمناً قال أو مسلماً» الحديث، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة فلما علم قال ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله تعالى الجنة بفضله ورحمته إياهم» تفسير : إلى غير ذلك من الأحاديث، وقال القاضي: دلت الآية على أن الوزر ليس من فعله تعالى لأنه لو كان كذلك لامتنع أن يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره ولأنه كان يجب ارتفاع الوزر أصلاً لأن الوازر إنما يوصف بذلك إذا كان مختاراً يمكنه التحرز ولهذا المعنى لا يوصف الصبـي بذلك، وأنت تعلم أن هذا إنما ينتهض على الجبرية لا على الجماعة القائلين لا جبر ولا تفويض. {وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ} بيان للعناية الربانية إثر بيان اختصاص آثار الهداية والضلال بأصحابها وعدم حرمان المهتدي من ثمرات هدايته وعدم مؤاخذة النفس بجناية غيرها أي وما صح وما استقام منا بل استحال في سنتنا المبنية على الحكم البالغة أو ما كان في حكمنا الماضي وقضائنا السابق أن نعذب أحداً بنوع ما من العذاب دنيوياً كان أو أخروياً على فعل شيء أو ترك شيء أصلياً كان أو فرعياً {حَتَّىٰ نَبْعَثَ} إليه {رَسُولاً} يهدي إلى الحق ويردع عن الضلال ويقيم الحجج ويمهد الشرائع أو حتى نبعث / رسولاً كذلك تبلغه دعوته سواء كان مبعوثاً إليه أم لا على ما ستعلمه إن شاء الله تعالى من الخلاف. وهذا غاية لعدم صحة وقوع العذاب في وقته المقدر له لا لعدم وقوعه مطلقاً كيف والأخروي لا يمكن وقوعه عقيب البعث والدنيوي لا يحصل إلا بعد تحقق ما يوجب من الفسق والعصيان، ألا يرى إلى قوم نوح عليه السلام كيف تأخر عنهم ما حل بهم زهاء ألف سنة. وألزم المعتزلة القائلون بالوجوب العقلي قبل البعثة بهذه الآية لأنه تعالى نفى فيها التعذيب مطلقاً قبل البعثة وهو من لوازم الوجوب بشرط ترك الواجب عندهم إذ لا يجوزون العفو فينتفي الوجوب قبل البعثة لانتفاء لازمه، ومحصوله أنه لو كان وجوب عقلي لثبت قبل البعثة ولا شبهة في أن العقلاء كانوا يتركون الواجبات حينئذ فيلزم أن يكونوا معذبين قبلها وهو باطل للآية. وتعقب بأنه إنما يتم إذا أريد بالعذاب ما يشمل الدنيوي والأخروي كما أشير إليه لكن المناسب لما بعد أن يراد عذاب الاستئصال في الدنيا ولا يلزم من انتفاء العذاب الدنيوي قبل البعث انتفاء الوجوب لأن لازم الوجوب عندهم هو العذاب الأخروي. وأجيب بعد تسليم أن المناسب لما بعد أن يراد العذاب الدنيوي بأن الآية لما دلت على أنه لا يليق بحكمته إيصال العذاب الأدنى على ترك الواجب قبل التنبيه ببعثة الرسول فدلالتها على عدم إيصال العذاب الأكبر على تركه قبل ذلك أولى. وأورد الأصفهاني في «شرح المحصول» على من استدل بالآية على نفي الوجوب العقلي قبل البعثة أموراً، الأول: أن المراد بالرسول فيها العقل، الثاني: أنا سلمنا أن المراد النبـي المرسل لكن الآية دلت على نفي تعذيب المباشرة قبل البعثة ولا يلزم منه نفي مطلق التعذيب. الثالث: أنا سلمنا ذلك لكن ليس في الآية دلالة على نفي التعذيب قبلها عن كل الذنوب. الرابع: أنا سلمنا الدلالة لكن لا يلزم من نفي المؤاخذة انتفاء الاستحقاق لجواز سقوط المؤاخذة بالمغفرة، ثم أجاب عن الأول بأن حقيقة الرسول هو النبـي المرسل والأصل في الكلام الحقيقة، وعن الثاني بأن من شأن عظيم القدر التعبير عن نفي التعذيب مطلقاً بنفي المباشرة، وعن الثالث بما أشرنا إليه من أن تقدير الكلام وما كنا معذبين أحداً ويلزم من ذلك انتفاء تعذيب كل واحد من الناس وذلك هو المطلوب لأن الخصم لا يقول به. وعن الرابع بأن الآية تدل على انتفاء التعذيب قبل البعثة وانتفاؤه قبلها ظاهراً يدل على عدم الوجوب قبلها فمن ادعى أن الوجوب ثابت وقد وقع التجاوز بالمغفرة فعليه البيان اهـ. وأنت تعلم أنه إذا كان الاستدلال إلزامياً كما قال به غير واحد لا يرد الأمر الرابع أصلاً لأن المعتزلة لا يجوزون العفو عن تارك الواجب العقلي وقد أشرنا إلى ذلك، نعم قال المراغي في «شرح منهاج الأصول» للقاضي: لا حاجة إلى جعل الدليل إلزامياً بل يجوز إتمامه على تقدير جواز العفو أيضاً بأن يقال وقوع العذاب وإن لم يكن لازماً للوجوب لكن عدم الأمن من وقوعه لازم له ضرورة إذ يجوز العقاب على ترك الواجب عندنا وإن لم يجب وهذا اللازم أعني عدم الأمن منتف لدلالة الآية على عدم وقوعه فينتفي الملزوم. ورد ذلك أولاً بمنع أن عدم الأمن من وقوع العذاب من لوازم ترك الواجب مطلقاً بل عدم الأمن إذا لم يتيقن عدم وقوع العذاب بدليل آخر، وأما ثانياً فبأن انتفاء عدم الأمن إنما هو بالآية إذ قبل ورودها كان العقاب جائزاً ولا شك أن انتفاءه بها انتفاء بالعفو لأن معنى العفو عدم العقاب والآية تدل عليه فلم يتم الدليل على تقدير جواز العفو وهو كما ترى، وقيل: نجعل اللازم جواز العقاب فيتم الدليل تحقيقاً لأن جواز العفو / لا ينافي جواز العقاب. ورد بأن الملازمة القائلة بأنه لو كان الوجوب ثابتاً قبل الشرع لعذب تارك الواجب وإن كانت مسلمة حينئذ لكن بطلان التالي ممنوع لأن الآية إنما تدل على نفي وقوع العذاب لا على نفي جوازه. وفيه أن معنى {مَا كُنَّا مُعَذّبِينَ} ما سمعت وهو يدل على نفي الجواز، وقد كثر استعمال هذا التركيب في ذلك كقوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} تفسير : [الشعراء: 209] {أية : وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} تفسير : [الأعراف: 7] إلى غير ذلك ولو أريد نفي الوقوع لقيل وما نعذب حتى نبعث رسولاً. وضعف الإمام الاستدلال بالآية بأنه «لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي البتة وهذا باطل فذاك باطل قال: بيان الملازمة من وجوه، أحدها: أنه إذا جاء الشارع وادعى كونه نبياً من عند الله تعالى وأظهر المعجزة فهل يجب على المستمع استماع قوله والتأمل في معجزته أو لا يجب؟ فإن لم يجب فقد بطل القول بالنبوة وإن وجب فإما أن يجب بالشرع أو بالعقل فإن وجب بالعقل فقد ثبت الوجوب العقلي وإن وجب بالشرع فهو باطل لأن ذلك الشارع إما أن يكون هو ذلك المدعي أو غيره والأول باطل لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أن يقول ذلك الرجل الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول يجب قبول قولي وهذا إثبات للشيء بنفسه، وإن كان غيره كان الكلام فيه كما في الأول ولزم إما الدور أو التسلسل وهما محالان، وثانيها: أن الشرع إذا جاء وأوجب بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى للإيجاب والتحريم إلا أن يقول لو تركت كذا أو فعلت كذا لعاقبتك، فنقول: إما أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب أو لا يجب فإن لم يجب لم يتقرر معنى الوجوب البتة [وهذا باطل فذاك باطل] وإن وجب فإما أن يجب بالعقل أو بالسمع فإن وجب بالعقل فهو المقصود وإن وجب بالسمع لم يتقرر معنى الوجوب إلا بسبب ترتيب العقاب عليه وحينئذ يعود التقسيم الأول ويلزم التسلسل وهو محال. وثالثها: أن مذهب أهل السنة أنه يجوز من الله تعالى العفو عن العقاب على ترك الواجب وإذا كان كذلك كانت ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب فلم يبق إلا أن يقال: إن ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب وهذا الخوف حاصل بمحض العقل فثبت أن ماهية الوجوب إنما تحصل بسبب هذا الخوف وإن هذا الخوف حاصل بمجرد العقل فلزم أن يقال: الوجوب حاصل بمجرد العقل، فإن قالوا: ماهية الوجوب إنما تقرر بسبب حصول الذم، قلنا: إنه تعالى إذا عفا فقد سقط الذم فعلى هذا ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم وذلك حاصل بمحض العقل فثبت بهذه الوجوه أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه» اهـ. وتعقبه العبادي بأنه يمكن الجواب عن الأول بأنه إذا أظهر المعجزة على دعواه أنه رسول ثبت صدقه كما تقرر في محله فيجب قبول قوله في كل ما يخبر عن الله تعالى من غير لزوم محذور من إثبات الشيء بنفسه أو الدور أو التسلسل، وإن كان ثبوت ما أخبر بالشرع بمعنى أن ثبوته بإخبار من ثبتت رسالته بالمعجزة عن الله تعالى بذلك وليس حاصل الكلام على هذا أنه يقول: الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول يجب [قبول] قولي حتى يلزم ما يلزم بل حاصله أنه يقول: يجب قبول قولي لأنه ثبت أني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعالى فيجب صدقي وتصديقي في كل ما أدعيه، وليس في هذا شيء من المحاذير السابقة، وقد صرَّح السيد السند في «شرح المواقف» بأنه يثبت الشرع وتجب المتابعة بمجرد دعوى الرسالة مع اقتران المعجزة وتمكن المبعوث إليه العاقل من النظر وإن لم ينظر، وذكر أنه حينئذ لا يجوز للمكلف الاستمهال ولو استمهل لم يجب الإمهال لجريان العادة بإيجاب العلم عقيب النظر الذي هو متمكن منه فعلم أنه بمجرد دعوى الرسالة مع ما ذكر يثبت الوجوب بأخباره / وهو ثبوت الشرع لأن معنى الثبوت به هو الثبوت بالإخبار عن الله تعالى حقيقة أو حكماً وعلى هذا لا يتأتى الترديد الذي ذكره بقوله لأن ذلك الشرع إما أن يكون الخ فليتأمل. وعن الثاني بأن وجوب الاحتراز عن العقاب ليس أمراً أجنبياً عن وجوب كذا حتى يتوجه عليه الترديد الذي ذكره بل هو نفس وجوب كذا أو لازمه إذ الاحتراز ليس إلا بالإتيان بكذا الذي هو الواجب فوجوب الاحتراز إما وجوب كذا أو لازمه فوجوبه بوجوبه فلا يلزم الترديد المذكور، وعن الثالث بأنه إن أراد بقوله إن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب أن حصول الواجب في الخارج بالإتيان به إنما هو بسبب حصول الخوف فليس الكلام فيه ومع ذلك إنا لا نسلم أن الإتيان بالواجب متوقف على حصول الخوف وإن أراد أن تحقق وجوب الواجب أي تعلق وجوبه بالمكلف الذي هو التكليف التنجيزي متوقف على حصول الخوف المذكور فهو ممنوع كما هو ظاهر اهـ فتدبر. وأنت تعلم أن الاستدلال بالآية على تقدير تمامه لا يختص بالمعتزلة بل يشاركهم في ذلك أحد فريقي الحنفية من أهل السنة وهم الماتريدية وعامة مشايخ سمرقند لأنهم وإن لم يقولوا كالمعتزلة بأن العقل حاكم بالحسن والقبح اللذين أثبتوها جميعاً لكنهم قالوا: إن العقل آلة للعلم بهما فيخلقه الله تعالى عقيب نظر العقل نظراً صحيحاً وأوجبوا الإيمان بالله تعالى وتعظيمه وحرموا نسبة ما هو شنيع إليه سبحانه حتى روي عن أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه قال: لو لم يبعث الله تعالى رسولاً لوجب على الخلق معرفته، وقد صرح غير واحد من علمائهم بأن العقل حجة من حجج الله تعالى ويجب الاستدلال به قبل ورود الشرع، واحتجوا في ذلك بما أخبر الله تعالى به عن إبراهيم عليه السلام من قوله لأبيه وقومه {أية : إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 74] حيث قال ذلك ولم يقل أوحى إلي ومن استدلاله بالنجوم ومعرفة الله تعالى بها وجعلها حجة على قومه وكذاك كل الرسل حاجوا قومهم بحجج العقل كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى الِلَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [إبراهيم: 10] الآية وبقوله تعالى: {أية : وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهَاً ءاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } تفسير : [المؤمنون: 117] الآية حيث لم يقل ومن يدع مع الله إلٰهاً آخر بعدما أوحى إليه أو بلغته الدعوة وبقوله سبحانه خبراً عن أهل النار {أية : وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 10] حيث أخبروا أنهم صاروا في النار لتركهم الانتفاع بالسمع والعقل. وفيه أنهم لو انتفعوا بالعقول في معرفة الصانع قبل ورود الشرع لم يصيروا في النار وبأن الحجج السمعية لم تكن حججاً إلا باستدلال عقلي، وبأن المعجزة بعد الدعوة لا تعرف إلا بدليل عقلي وآيات الأنفس والآفاق أدل على الصانع من دلالة المعجزة على أنها من الله تعالى فلما كان بالعقل كفاية معرفة المعجزة كان به كفاية معرفة الله تعالى من طريق الأولى، وبأن دعاء جميع الكفرة إلى دين الإسلام واجب على الأمة ومعلوم أن الدهرية لا يحتج عليهم بكلام الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فلم يبق إلا حجج العقول إلى غير ذلك، وحينئذ يقال لهم: لو وجب على الخلق معرفة الله تعالى والإيمان به قبل بعثة رسول لزم تعذيب الكافر قبلها لإخباره تعالى بأنه لا يغفر الشرك به وقد نفى التعذيب في الآية فلا وجوب ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم على نهج ما فعل مع المعتزلة. والإمام الرازي بعد أن ضعف الاستدلال بالآية وأثبت الوجوب العقلي ذكر في الآية وجهين، الأول: حمل الرسول على العقل، والثاني: تخصيص العموم بأن يقال المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى / معرفتها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع ثم قال: والذي نرتضيه ونذهب إليه أن مجرد العقل سبب في أن يجب علينا فعل ماينتفع به وترك ما يتضرر به ويمتنع أن يحكم العقل عليه تعالى بوجوب فعل أو ترك فعل اهـ. وأنت تعلم ما قيل من حمل الرسول على العقل وهو خلاف استعمال القرآن الكريم، ويبعده توبيخ الخزنة الكفار بقولهم {أية : أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رَسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} تفسير : [غافر: 50] ولم يقولوا أو لم تكونوا عقلاء، وحمل الرسول فيه على العقل مما لا يرتضيه العقل، واعتذر هو عن التخصيص بأنه وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه إذا قام الدليل عليه وقد قام بزعمه. وأبو منصور الماتريدي ومتبعوه حملوا الآية على نفي تعذيب الاستئصال في الدنيا، وذهب هؤلاء إلى تعذيب أهل الفترة بترك الايمان والتوحيد وهم كل من كان بين رسولين ولم يكن الأول مرسلاً إليهم ولا أدركوا الثاني، واعتمد القول بتعذيبهم النووي في «شرح مسلم» فقال: إن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار وليس في هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الرسل عليهم السلام. والظاهر أن النووي يكتفي في وجوب الإيمان على كل أحد ببلوغه دعوة من قبله من الرسل وإن لم يكن مرسلاً إليه فلا منافاة بين حكمه بأنهم أهل فترة بالمعنى السابق وحكمه بأن الدعوة بلغتهم خلافاً للأبـي في زعمه ذلك، نعم إنما تلزم المنافاة لو ادعي أن من تقدمهم من الرسل مرسل إليهم وليس فليس. وإلى ذلك ذهب الحليمي فقال في «منهاجه»: إن العاقل المميز إذا سمع أية دعوة كانت إلى الله تعالى فترك الاستدلال بعقله على صحتها وهو من أهل الاستدلال والنظر كان بذلك معرضاً عن الدعوة فكفر ويبعد أن يوجد شخص لم يبلغه خبر أحد من الرسل على كثرتهم وتطاول أزمان دعوتهم ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم والذين كفروا بهم وخالفوهم فإن الخبر قد يبلغ على لسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق ولو أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبـي ولا عرف أن في العالم من يثبت إلٰهاً ولا نرى أن ذلك يكون فأمره على الاختلاف في أن الإيمان هل يجب بمجرد العقل أو لا بد من انضمام النقل، وهذا صريح في ثبوت تكليف كل أحد بالإيمان بعد وجود دعوة أحد من الرسل وإن لم يكن رسولاً إليه، وبالغ بعضهم في اعتماد ذلك حتى قال: فمن بلغته دعوة أحد من الرسل عليهم السلام بوجه من الوجوه فقصر في البحث عنها فهو كافر من أهل النار فلا تغتر بقول كثير من الناس بنجاة أهل الفترة مع اخبار النبـي صلى الله عليه وسلم بأن آباءهم الذين مضوا في الجاهلية في النار اهـ. والذي عليه الأشاعرة من أهل الكلام والأصول والشافعية من الفقهاء أن أهل الفترة لا يعذبون وأطلقوا القول في ذلك، وقد صح تعذيب جماعة من أهل الفترة. وأجيب بأن أحاديثهم آحاد لا تعارض القطع بعدم التعذيب قبل البعثة، وبأنه يجوز أن يكون تعذيب من صح تعذيبه منهم لأمر مختص به يقتضي ذلك علمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم نظير ما قيل في الحكم بكفر الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام مع صباه، وقيل إن تعذيب هؤلاء المذكورين في الأحاديث مقصور على من غير وبدل من أهل الفترة بما لا يعذر به كعبادة الأوثان / وتغيير الشرائع كما فعل عمرو بن لحي ولا يخفى أن هذا لا يوافق إطلاق هؤلاء الأئمة ولا القول بأنه لا وجوب إلا بالشرع ولو أمكن أن يكون من ثبت تعذيبه من أتباع من بقي شرعه إذ ذاك كعيسى عليه السلام لم يبق إشكال أصلاً. واستدل بعض من يقول بتعذيبهم مطلقاً بما أخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» والطبراني وأبو نعيم عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيراً فيقول الممسوخ عقلاً: يا رب لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني ويقول الهالك في الفترة: يا رب لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهدك مني ويقول الهالك صغيراً: يا رب لو آتيتني عمراً ما كان من آتيته عمراً بأسعد بعمره مني فيقول لهم الرب تبارك وتعالى: فاذهبوا فادخلوا جهنم ولو دخلوها ما ضرتهم شيئاً فتخرج عليهم قوابص من نار يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله تعالى من شيء فيرجعون سراعاً ويقولون: يا ربنا خرجنا وعزتك نريد دخولها فخرجت علينا قوابص من نار ظننا أن قد أهلكت ما خلق الله تعالى من شيء ثم يأمرهم ثانية فيرجعون لذلك ويقولون كذلك فيقول الرب تعالى خلقتكم على علمي وإلى علمي تصيرون يا نار ضميهم فتأخذهم النار» تفسير : وبعض الأخبار يقتضي أن منهم من يعذب ومنهم من لا يعذب. فقد أخرج أحمد وابن راهويه وابن مردويه والبيهقي عن أبـي هريرة أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أربعة يحتجون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئاً ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً وأما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول فيأخذ سبحانه مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها سحب إليها»تفسير : . وأخرج قاسم بن أصبغ والبزار وأبو يعلى وابن عبد البر في «التمهيد» عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يؤتى يوم القيامة بأربعة بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة والشيخ الهرم الفاني كلهم يتكلم بحجته فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من جهنم: ابرزي ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم فيقول لهم: ادخلوا هذه فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أتدخلناها ومنها كنا نفر وأما من كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها فيقول الرب تعالى: قد عاينتموني فعصيتموني فأنتم لرسلي أشد تكذيباً ومعصية فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار»تفسير : إلى غير ذلك من الأخبار. ويحتج بها من قال بانقسام ذراري المشركين بل وذراري المؤمنين وفي القلب من صحتها شيء وإن قال في «الإصابة»: إنها وردت من عدة طرق وعلى تقدير صحتها فمعارضها أصح منها. والذي يميل إليه القلب أن العقل حجة في معرفة الصانع تعالى ووحدته وتنزهه عن الولد سبحانه قبل ورود الشرع للأدلة السابقة وغيرها وإن كان في بعضها ما يقال وإرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة منه تعالى أو أن ذلك لبيان ما لا ينال بالعقول من أنواع العبادات والحدود فلا يرد أنه لو كان العقل حجة ما أرسل الله تعالى رسولاً ولاكتفى به. وقيل في جوابه: لما كان أمر البعث والجزاء مما يشكل مع العقل وحده إلا بعظيم تأمل فيه حرج يعذر الإنسان بمثله ولا إيمان بدونه بعث الله تعالى الرسل عليهم السلام لبيان ما به تتمة الدين لا لنفس معرفة الخالق فإنها تنال ببداية العقول فالبعرة / تدل على البعير والأثر على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا تدل على اللطيف الخبير. وأيضاً إن الله تعالى لم يدعنا ورسولاً من أول الأمر إلى آخره والحجة كانت قائمة بالواحد كما بقيت بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ولم يدل ذلك على أن الأول لم يكن حجة كافية، وكذلك لم يدعنا سبحانه والبيان بآية واحدة بل من علينا جل شأنه بآيات متكررة ولا يدل ذلك أن الآية الواحدة لم تكن حجة كافية. وقوله تعالى خبراً عن قول الخزنة لأهل النار: {أية : أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } تفسير : [غافر: 50] توبيخ بالأظهر وهو لا يدل على أن الآخر ليس بحجة، وقوله تعالى: {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } تفسير : [النساء: 165] على معنى لئلا يكون لهم احتجاج بزعمهم بأن يقولوا {أية : لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً } تفسير : [طه: 134]، وقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ } تفسير : [الأنعام: 131] محمول على الإهلاك بعذاب الاستئصال في الدنيا على تكذيب الرسل وأما جزاء الكفر فالنار في العقبـى، وكذا يقال في الآية التي نحن فيها لكثرة ما يدعو إليه فلا عذر لمن لم يعرف ربه سبحانه من أهل الفترة إذا كان عاقلاً مميزاً متمكناً من النظر والاستدلال لا سيما إذا بلغته دعوة رسول من الرسل عليهم السلام ولا يكاد يوجد من لم تبلغه كما سمعت عن الحليمي، وقيل: بوجوده في أمريقا وهي المسماة بيكي دنيا قبل أن يظفر بها في حدود الألف بعد الهجرة كرشتوفيل المشهور بقلونبو فإن أهلها على ما بلغنا إذ ذاك لم يسمعوا بدعوة رسول أصلاً. ثم المفهوم من كلام الأجلة أن النزاع إنما هو بالنسبة لأحكام الإيمان بالله تعالى بخلاف الفروع فلا خلاف في أنها لا تثبت إلا في حق من بلغته دعوة من أرسل إليه وهو الظاهر، نعم ما اتفق عليه الملل من الفروع هل هو كالإيمان حتى يجري فيه النزاع المتقدم؟ فيه نظر، وأما الإيمان بنبينا صلى الله عليه وسلم فليس بواجب على من لم تبلغه دعوته إذ ليس للعقل في ذلك مجال كما لا يخفى على ذي عقل بل قال حجة الإسلام الغزالي: الناس بعد بعثته عليه الصلاة والسلام أصناف، صنف لم تبلغهم دعوته ولم يسمعوا به أصلاً فأولئك مقطوع لهم بالجنة، وصنف بلغتهم دعوته وظهور المعجزة على يده وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الأخلاق العظيمة والصفات الكريمة ولم يؤمنوا به كالكفرة الذين بين ظهرانينا فأولئك مقطوع لهم بالنار، وصنف بلغتهم دعوته عليه الصلاة والسلام وسمعوا به لكن كما يسمع أحدنا بالدجال وحاشا قدره الشريف صلى الله عليه وسلم عن ذلك فهؤلاء أرجو لهم الجنة إذ لم يسمعوا ما يرغبهم في الإيمان به اهـ، ولعل القطع بالجنة للأولين ورجاءها للآخرين إنما يكونان إذا كانوا مؤمنين بالله تعالى وأما إذا لم يكونوا كذلك فهم على الخلاف. ثم إن مسألة عدم الوجوب قبل ورود الشرع إنما يتم الاستدلال عليه بالآية عند المستدلين بها كما قال الأصفهاني إذا كان المقصود تحصيل غلبة الظن فيها فإن كانت علمية فلا يمكن إثباتها بالدلائل الظنية، وفيها عندهم نوع اكتفاء أي وما كنا معذبين ولا مثيبين حتى نبعث رسولاً، قالوا: واستغنى عن ذكر الثواب بذكر مقابله من العذاب ولم يعكس لأنه أظهر منه في تحقق معنى التكليف فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} هذه الجملة بيان أو بدل اشتمال من جملة {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} مع توابعها. وفيه تبيين اختلاف الطائر بين نافع وضار، فطائر الهداية نفع لصاحبه وطائر الضلال ضر لصاحبه. ولكون الجملة كذلك فصلت ولم تعطف على التي قبلها. وجملة {ولا تزر وازرة وزر أخرى} واقعة موقع التعليل لمضمون جملة {ومن ضل فإنما يضل عليها} لما في هذه من عموم الحكم فإن عَمل أحد لا يُلحق نفعُه ولا ضَره بغيره. ولما كان مضمون هذه الجملة معنى مهما اعتبر إفادة أنفاً للسامع، فلذلك عطفت الجملة ولم تُفصل. وقد روعي فيها إبطال أوهام قوم يظنون أن أوزارهم يحملها عنهم غيرهم. وقد روي أن الوليد بن المغيرة وهو من أيمة الكفر كان يقول لقريش: اكفروا بمحمد وعلي أوزاركم، أي تبعاتكم ومؤاخذتكم بتكذيبه إن كان فيه تبعة. ولعله قال ذلك لما رأى ترددهم في أمر الإسلام وميلهم إلى النظر في أدلة القرآن خشية الجزاء يوم البعث، فأراد التمويه عليهم بأنه يتحمل ذنوبهم إن تبين أن محمداً على حق، وكان ذلك قد يروج على دهمائهم لأنهم اعتادوا بالحملات والكفالات والرهائن، فبين الله للناس إبطال ذلك إنقاذاً لهم من الاغترار به الذي يهوي بهم إلى المهالك مع ما في هذا البيان من تعليم أصل عظيم في الدين وهو {ولا تزر وازرة وزر أخرى}. فكانت هذه الآية أصلاً عظيماً في الشّريعة، وتفرع عنها أحكام كثيرة. ولمّا روى ابن عمر عن النّبيء صلى الله عليه وسلم «حديث : أنّ الميت ليعذّب ببكاء أهله عليْه»تفسير : قالت عائشة ــــ رضي الله عنها ــــ: «يرحم الله أبا عبد الرحمان، ما قال رسول الله ذلك والله يقول: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}. ولما مُرّ برسول الله جنازةُ يهودية يبكي عليها أهلها فقال: «إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب». والمعنى أن وزر أحد لا يحمله غيره فإذا كان قد تسبب بوزره في إيقاع غيره في الوِزر حُمل عليْه وزر بوزر غيره لأنه متسبب فيه، وليس ذلك بحمل وزر الغير عليه ولكنه حمل وزر نفسه عليها وهو وزر التسبب في الأوزار. وقد قال تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون}، وكذلك وزر من يَسُنّ للناس وزراً لم يكونوا يعملونه من قبل. وفي الصحيح: «حديث : مَا من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأولِ كِفْل من دمها ذلك أنه أول من سن القتل»تفسير : . وسكتت الآية عن أن لا ينتفع أحد بصالح عمل غيره اكتفاء إذ لا داعي إلى بيانه لأنه لا يوقع في غرور، وتعلم المساواة بطريق لحن الخطاب أو فحواه، وقد جاء في القرآن ما يومىء إلى أن المتسبب لأحد في هدي ينال من ثواب المهتدي قال تعالى: {أية : واجعلنا للمتقين إماماً}تفسير : [الفرقان: 74] وفي الحديث: حديث : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم بثه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له بخيرتفسير : . ومن التخليط توهم أن حمل الدية في قتل الخطأ على العاقلة منافٍ لهذه الآية، فإن ذلك فرع قاعدة أخرى وهي قاعدة التعاون والمواساة وليست من حمل التبعات. و{تزر} تحمل الوزر، وهو الثقل. والوازرة: الحاملة، وتأنيثها باعتبار أنها نفس لقوله قبله {أية : من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}تفسير : [فصّلت: 46]. وأطلق عليها {وازرة} على معنى الفرض والتقدير، أي لو قدرت نفس ذات وزر لا تزاد على وزرها وزر غيرها، فعلم أن النفس التي لا وزر لها لا تزر وزر غيرها بالأوْلى. والوزر: الإثم لتشبيهه بالحمل الثقيل لما يجره من التعب لصاحبه في الآخرة، كما أطلق عليه الثقل، قال تعالى: {أية : وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم}تفسير : [العنكبوت: 13]. {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} عطف على آية {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} الآية. وهذا استقصاء في الإعذار لأهل الضلال زيادة على نفي مؤاخذتهم بأجرام غيرهم، ولهذا اقتصر على قوله: {وما كنا معذبين} دون أن يقال ولا مثيبين. لأن المقام مقام إعذار وقطع حجة وليس مقام امتنان بالإرشاد. والعذاب هنا عذاب الدنيا بقرينة السياق وقرينة عطف {أية : وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها}تفسير : [الإسراء: 16] الآية. ودلت على ذلك آيات كثيرة، قال الله تعالى: {أية : وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين}تفسير : [الشعراء: 209] وقال: {أية : فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون}تفسير : [يونس: 47]. على أن معنى (حتى) يؤذن بأن بعثة الرسول متصلة بالعذاب شأن الغاية، وهذا اتصال عرفي بحسب ما تقتضيه البعثة من مدةٍ للتبليغ والاستمرار على تكذيبهم الرسول والإمهال للمكذبين، ولذلك يظهر أن يكون العذاب هنا عذاب الدنيا وكما يقتضيه الانتقال إلى الآية بعدها. على أننا إذا اعتبرنا التوسع في الغاية صح حمل التعذيب على ما يعم عذاب الدنيا والآخرة. ووقوع فعل {معذبين} في سياق النفي يفيد العموم، فبعثة الرسل لتفصيل ما يريده الله من الأمة من الأعمال. ودلت الآية على أن الله لا يؤاخذ الناس إلا بعد أن يرشدهم رحمة منه لهم. وهي دليل بين على انتفاء مؤاخذة أحد ما لم تبلغه دعوة رسول من الله إلى قوم، فهي حجة للأشعري ناهضة على الماتريدي والمعتزلة الذين اتفقوا على إيصال العقل إلى معرفة وجود الله، وهو ما صرح به صدر الشريعة في التوضيح في المقدمات الأربع. فوجود الله وتوحيده عندهم واجبان بالعقل فلا عذر لمن أشرك بالله وعطل ولا عذر له بعد بعثة رسول. وتأويل المعتزلة أن يراد بالرسول العقل تطوُّحٌ عن استعمال اللغة وإغماض عن كونه مفعولاً لفعل {نبعث} إذ لا يقال بعث عقلاً بمعنى جعل. وقد تقدم ذلك في تفسير قوله تعالى: {أية : لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}تفسير : في سورة [النساء: 165].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}. ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من اهتدى فعمل بما يرضي الله جلَّ وعلا، أن اهتداءه ذلك إنما هو لنفسه لأنه هو الذي يسخط ربه جلَّ وعلا، أن ضلاله ذلك إنما هو على نفسه. لأنه هو الذي يجني ثمرة عواقبه السيئة الوخيمة، فيخلد به في النار. وبين هذا المعنى في مواضع كثيرة. كقوله: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا}تفسير : [فصلت:46] الآية، وقوله: {أية : مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}تفسير : [الروم:40]، وقوله: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}تفسير : [الأنعام:104]، وقوله: {أية : فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}تفسير : [يونس:108]. والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. وقد قدمنا طرفاً منها في سورة "النحل". قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}. ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لا تحمل نفس ذنب أخرى. بل لا تحمل نفس إلا ذنبها. فقوله {ولا تزر} أي لا تحمل، من وزريزر إذا حمل. ومنه سمي وزير السلطان، لأنه يحمل أعباء تدبير شؤون الدولة. والوزر: الإثم. يقال: وزر يزر وزرا، إذا أثم. والوزر أيضاً: الثقل المثقل، أي لا تحمل نفس وازرة أي آثمة وزر نفس أخرى. أي إثمها، أو حملها الثقيل. بل لا تحمل إلا وزر نفسها. وهذا المعنى جاء في آيات أخر. كقوله: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}تفسير : [فاطر:18]، وقوله: {أية : وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ}تفسير : [الأنعام:164] الآية، وقوله: {أية : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}تفسير : [البقرة:134]، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في سورة "النحل" بإيضاح: أن هذه الآيات لا يعارضها قوله تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}تفسير : [العنكبوت:13] الآية، ولا قوله: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}تفسير : [النحل:25] لأن المراد بذلك أنهم حملوا أوزار ضلالهم في أنفسهم، وأوزار إضلالهم غيرهم. لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً - كما تقدم مستوفى. تنبيه يرد على هذه الآية الكريمة سؤالان: الأول - ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما من"أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" فيقال: ما وجه تعذيبه ببكاء غيره. إذ مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره؟ السؤال الثاني -إيجاب دية الخطأ على العاقلة. فيقال: ما وجه إلزام العاقلة الدية بجناية إنسان آخر؟. والجواب عن الأول - هو أن العلماء حملوه على أحد أمرين: الأول - أن يكون الميت أوصى بالنوح عليه. كما قال طرفة بن العبد في معلقته: شعر : إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي على الجيب يابنة معبد تفسير : لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه: فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر. وذلك من فعله لا فعل غيره. الثاني - أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه. لأن إهماله نهيهم تفريط منه، ومخالفة لقوله تعالى: {أية : قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}تفسير : [التحريم:6] فتعذيبه إذا بسبب تفريطه، وتركه ما أمر الله به من قوله: {قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} الآية - وهذا ظاهر كما ترى. وعن الثاني - بأن إيجاب الدية على العاقلة ليس من تحميلهم وزر القاتل، ولكنها مواساة محضة أوجبها الله على عاقلة الجاني. لأن الجاني لم يقصد سوءاً، ولا إثم عليه ألبتة - فأوجب الله في جنايته خطأ الدية بخطاب الوضع، وأوجب المواساة فيها على العاقلة. ولا إشكال في إيجاب الله على بعض خلقه مواساة بعض خلقه. كما أوجب أخذ الزكاة من مال الأغنياء وردها إلى الفقراء. واعتقد من أوجب الدية على أهل ديوان القاتل خطأ كأبي حنيفة وغيره - أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل الديوان. ويؤيد هذا القول ما ذكره القرطبي في تفسيره قال: "وأجمع أهل السير والعلم: أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة، فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام. وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك. حتى جعل عمر الديوان. واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به. وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا زمن أبي بكر ديوان، وأن عمر جعل الديوان، وجمع بين الناس، وجعل أهل كل ناحية يداً، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى. قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}. ظاهر هذه الآية الكريمة: أن الله جلَّ وعلا لا يعذب أحداً من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة. حتى يبعث إليه رسولاً ينذره ويحذره فيعصى ذلك الرسول، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار. وقد أوضح جلَّ وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [النساء:165] فصرح في هذه الآية الكريمة: بأن لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم النار. وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين. بينها في آخر سورة طه بقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ}تفسير : [طه:134]. وأشار لها في سورة القصص بقوله: {أية : وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتِّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [القصص:47]، وقوله جلَّ وعلا: {أية : ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}تفسير : [الأنعام:131]، وقوله: {أية : يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ}تفسير : [المائدة:19] الآية، وكقوله: {أية : وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ}تفسير : [الأنعام:155-157] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ويوضح ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جلَّ وعلا لا يعذب أحداً إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام - تصريحه جلَّ وعلا في آيات كثيرة: "بأنَّه لم يدخل أحداً النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل. فمن ذلك قوله جلَّ وعلا: {أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ}تفسير : [الملك:8-9] الآية. ومعلوم أن قوله جلَّ وعلا: {أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ}تفسير : [الملك:8] يعم جميع الأفواج الملقين في النار. قال أبو حيان في "البحر المحيط" في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه: "وكلما" تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين. ومن ذلك قوله جلَّ وعلا: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [الزمر:71]، وقوله في هذه الآية: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ} عام لجميع الكفار. وقد تقرر في الأصول: أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم. لعمومها في كل ما تشمله صلاتها، وعقده في مراقي السعود بقوله في صيغ العموم. شعر : صيغة كل أو الجميع وقد تلا الذي التي الفروع تفسير : ومراده بالبيت: أن لفظة"كل، وجميع، والذي، والتي" وفروعهما كل ذلك من صيغ العموم. فقوله تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} إلى قوله { قالوا بلى} عام في جميع الكفار. وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا. فعصوا أمر ربهم كما هو واضح. ونظيره أيضاً قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ}تفسير : [فاطر:36-37]. فقوله {والذين كفروا لهم نار جهنم} إلى قوله {وجاءكم النذير} عام أيضاً في جميع أهل النار. كما تقدم إيضاحه قريباً. ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}تفسير : [غافر:49-50]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع أهل النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا. وهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير ولو ماتوا على الكفر. وبهذا قالت جماعة أهل العلم. وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولو لم يأته نذير، واستدلوا بظواهر آيات من كتاب الله، وبأحاديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. فمن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: {أية : وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}تفسير : [النساء:18]، وقوله: {أية : إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [البقرة:161]، وقوله: {أية : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}تفسير : [آل عمران:91]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء:48]، وقوله: {أية : وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}تفسير : [الحج:31]، وقوله {أية : إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [المائدة:72] الآية وقوله: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [الأعراف:50]، إلى غير ذلك من الآيات. وظاهر جميع هذه الآيات العموم. لأنها لم تخصص كافراً دون كافر، بل ظاهرها شمول جميع الكفار. ومن الأحاديث الدالة على أن الكفار لا يعذرون في كفرهم بالفترة ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس:حديث : أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، أَين أبي؟. قال: "في النَّار" فلما قفى دعاه فقال: " إنَّ أَبي وأباك في النَّار"تفسير : اهـ وقال مسلم رحمه الله في صحيحه أيضاً: حدثنا يَحْيَى بن أيوب، ومحمد بن عباد - واللفظ ليحيى - قالا: حدثنا مروان بن معاوية، عن يزيد يعني ابن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي"تفسير : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب قالا: حدثنا محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: زار النَّبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى واّبكى من حوله. فقال: "حديث : استأذنته ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذتنه في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكِّر الموت"تفسير : اهـ إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على عدم عذر المشركين بالفترة. وهذا الخلاف مشهور بين أهل الأصول - هل المشركون الذين ماتوا في الفترة وهم يعبدون الأوثان في النار لكفرهم. أو معذورون بالفترة؟ وعقده في "مراقي السعود" بقوله: شعر : ذو فترة بالفرع لا يراع وفي الأصول بينهم نزاع تفسير : وممن ذهب إلى أن أهل الفترة الذين ماتوا على الكفر في النار: النووي في شرح مسلم، وحكى عليه القرافي في شرح التنقيح الإجماع. كما نقله عنه صاحب "نشر البنود". وأجاب أهل هذا القول عن قوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15] من أربعة أوجه: الأول - أن التعذيب المنفى في قوله {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} الآية، وأمثالها من الآيات. إنما هو التعذيب الدنيوي, كما وقع في الدنيا من العذاب بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم موسى وأمثالهم. وإذا فلا ينافي ذلك التعذيب في الآخرة. ونسب هذا القول القرطبي، وأبو حيان، والشوكاني وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور. والوجه الثاني - أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} [الإسراء:15] الآية وأمثالها في غير الواضح الذي لا يخفى على أدنى عاقل. أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد. لأن الكفار يقرون بأن الله هو ربهم، الخالق الرازق، النافع، الضار. ويتحققون كل التحقق أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر. كما قال عن قوم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ}تفسير : [الأنبياء:65] وكما جاءت الآيات القرآنية بكثرة بأنهم وقت الشدائد يخلصون الدعاء لله وحده. لعلمهم أن غيره لا ينفع ولا يضر. كقوله {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [العنكبوت:65] الآية، وقوله: {أية : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [لقمان:32] الآية، وقوله: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}تفسير : [الإسراء:67] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم - فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وأنها شفعاؤهم عند الله. مع أن العقل يقطع بنفي ذلك. الوجه الثالث أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. كإبراهيم وغيره. وأن الحجة قائمة عليهم بذلك. وجزم بهذا النووي في شرح مسلم، ومال إليه العبادي في (الآيات البينات). الوجه الرابع - ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، الدالة على أن بعض أهل الفترة في النار. كما قدمنا بعض الأحاديث الواردة بذلك في صحيح مسلم وغيره. وأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه الأوجه الأربعة -فأجابوا عن الوجه الأول، وهو كون التعذيب في قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15] إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي من وجهين: الأول - أنه خلاف ظاهر القرآن. لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقاً، فهو أعم من كونه في الدنيا. وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع إلا بدليل يجب الرجوع إليه. الوجه الثاني - أن القرآن دل في أيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة. كقوله: {أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الملك:8-9] وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلى بعد إنذار الرسل. كما تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية. وأجابوا عن الوجه الثاني - وهو أن محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد - بنفس الجوابين المذكورين آنفاً. لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالف لظاهر القرآن، فلا بد له من دليل يجب الرجوع إليه، ولأن الله نص على أن أهل النار ما عذبوا بها حتى كذبوا الرسل في دار الدنيا، بعد إنذارهم من ذلك الكفر الواضح، كما تقدم إيضاحه. وأجابوا عن الوجه الثالث الذي جزم به النووي، وما إليه العبادي وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين أرسلوا قبله صلى الله عليه وسلم بأنه قول باطل بلا شك، لكثرة الآيات القرآنية المصرحة ببطلانه، لأن مقتضاه أنهم أنذروا على ألسنة بعض الرسل والقرآن ينفي هذا نفياً باتاً في آيات كثيرة. كقوله في "يس" {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}تفسير : [يس:6] و"مَا" في قوله {مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} نافية على التحقيق، لا موصولة، وتدل لذلك الفاء في قوله {فَهُمْ غَافِلُونَ}، وكقوله في "القصص": {أية : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ}تفسير : [القصص:46] الآية، وكقوله في "سبأ" {أية : وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ}تفسير : [سبأ:44]، وكقوله في "ألم السجدة": {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ}تفسير : [السجدة:3] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وأجابوا عن الوجه الرابع - بأن تلك الأحاديث الواردة في صحيح مسلم وغيره أخبار آحاد يقدم عليها القاطع، وهو قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15]، وقوله: {أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الملك:8-9]، ونحو ذلك من الآيات. وأجاب القائلون بالعذر بالفترة أيضاً عن الآيات التي استدل بها مخالفوهم كقوله: {أية : وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}تفسير : [النساء:18]، إلى آخر ما تقدم من الآيات - بأن محل ذلك فيما إذا أرسلت إليهم الرسل فكذبوهم بدليل قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15]. وأجاب القائلون بتعذيب عبدة الأوثان من أهل الفترة عن قول مخالفيهم: إن القاطع الذي هو قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} يجب تقديمه على أخبار الآحاد الدالة على تعذيب بعض أهل الفترة، كحديثي مسلم في صحيحه المتقدمين - بأن الآية عامة، والحديثين كلاهما خاص في شخص معين. والمعروف في الأصول أنه لا يتعارض عام وخاص. لأن الخاص يقضي على العام كما هو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله، كما بيناه في غير هذا الموضع. فما أخرجه دليل خاص خرج من العموم، وما لم يخرجه دليل خاص بقي داخلاً في العموم. كما تقرر في الأصول. وأجاب المانعون بأن هذا التخصيص يبطل حكمة العام. لأن الله جل وعلا تمدح بكمال الإنصاف. وأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا، وأشار لأن ذلك الإنصاف الكامل، والإعذار الذي هو قطع العذر علة لعدم التعذيب. فلو عذب إنساناً واحداً من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة التي تمدح الله بها، ولثبتت لذلك الإنسان الحجة التي أرسل الله الرسل لقطعها. كما بينه بقوله: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [النساء:165] الآية، وقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ}تفسير : [طه:134] كما تقدم إيضاحه. وأجاب المخالفون عن هذا - بأنه لو سلم أن عدم الإنذار في دار الدنيا علة لعدم التعذيب في الآخرة، وحصلت علة الحكم التي هي عدم الإنذار في الدنيا، مع فقد الحكم الذي هو عدم التعذيب في الآخرة للنص في الأحاديث على التعذيب فيها. فإن وجود علة الحكم مع فقد الحكم المسمى في اصطلاح أهل الأصول، بـ "النقض" تخصيص للعله، بمعنى أنه قصر لها على بعض أفراد معلولها بدليل خارج كتخصيص العام. أي قصره على بعض أفراده بدليل. والخلاف في النقص هل هو إبطال للعلة، أو تخصيص لها معروف في الأصول، وعقد الأقوال في ذلك صاحب "مراقي السعود" بقوله في مبحث القوادح: شعر : منها وجود الوصف دون الحكم سماه بالنقض وعاة العلم والأكثرون عندهم لا يقدح بل هو تخصيص وذا مصحح وقد روي عن مالك تخصيص إن يك الاستنباط لا التنصيص وعكس هذا قد رآه البعض ومنتقى ذي الاختصار النقض إن لم تكن منصوصة بظاهر وليس فيما استنبطت بضائر إن جا لفقد الشرط أو لما منع والوفق في مثل العرايا قد وقع تفسير : فقد أشار في الأبيات إلى خمسة أقوال في النقض: هل هو تخصيص، أو إبطال للعلة، مع التفاصيل التي ذكرها في الأقوال المذكورة. واختار بعض المحققين من أهل الأصول: أن تخلف الحكم عن الوصف إن كان لأجل مانع منع من تأثير العلة، أو لفقد شرط تأثيرها فهو تخصيص للعلة، وإلا فهو نقض وإبطال لها. فالقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص إجماعاً. فإذا وجد هذا الوصف المركب الذي هو القتل العمد العدوان، ولم يوجد الحكم الذي هو القصاص في قتل الوالد ولده لكون الأبوة مانعاً من تاثير العلة في الحكم - فلا يقال هذه العلة منقوضة. لتخلف الحكم عنها في هذه الصورة، بل هي علة منع من تاثيرها مانع. فيخصص تاثيرها بما لم يمنع منه مانع. وكذلك من زوج أمته من رجل، وغيره فزعم له أنهاحرة فولد منها. فإن الولد يكون حراً، مع أن رق الأم علة لرق الولد إجماعاً. لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها. لأن الغرور مانع منع من تأثير العلة التي هي رق الأم في الحكم الذي هو رق الولد. وكذلك الزنى: فإنه علم للرجم إجماعاً. فإذا تخلف شرط تأثير هذه العلة التي هي الزنى في هذا الحكم الذي هو الرجم، ونعني بذلك الشرط الإحصان. فلا يقال إنها علة منقوضة، بل هي علة تخلف شرط تاثيرها. وأمثال هذا كثيرة جداً. هكذا قاله بعض المحققين. قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر: أن آية "الحشر" دليل على أن النقض تخصيص للعلة مطلقاً، والله تعالى أعلم. ونعني بآية "الحشر" قوله تعالى في بني النضير: {أية : وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ}تفسير : [الحشر:3]. ثم بين جل وعلا علة هذا العقاب بقوله: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}تفسير : [الحشر:4] الآية. وقد يوجد بعض من شاق الله ورسوله، ولم يعذب بمثل العذاب الذي عذب به بنو النضير، مع الاشتراك في العلة التي هي مشاقة الله ورسوله. فدل ذلك على أن تخلف الحكم عن العلة في بعض الصور تخصيص للعلة لا نقض لها. والعلم عند الله تعالى. أما مثل بيع التمر اليابس بالرطب في مسألة بيع العرايا فهو تخصيص للعلة إجماعاً لا نقض لها. كما أشار له في الأبيات بقوله: شعر : والوفق في مثل العرايا قد وقع تفسير : قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا؟ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها. فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا. ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا. لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل. وإنما قلنا: إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين: الأول - أن هذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبوته عنه نص في محل النزاع. فلا وجه للنزاع ألبتة مع ذلك. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها، بعد أن ساق الأحاديث الكثيرة الدالة على عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة، رادا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم، بأن الآخرة دار جزاء لا عمل، وأن التكليف بدخول النار تكليف بما لا يطاق وهو لا يمكن - ما نصه: والجواب عما قال: أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن. وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار. كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال، وقد قال تعالى: {أية : يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ}تفسير : [القلم:42] الآية. وقد ثبت في الصحاح وغيرها: "أن المؤمنون يسجدون لله يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقاً واحداً، كلما أراد السجود خر لقفاه". وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجاً منها: "أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه الا يسال غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك منه، ويقول الله تعالى: يا ابن آدم، ما أعذرك! ثم يأذن له في دخول الجنة" وأما قوله: فكيف يكلفهم الله دخول النار، وليس ذلك في وسعهم؟ فليس هذا بمانع من صحة الحديث. "فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط وهو جسر على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعر، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم، كالبرق، وكالريح، و:كأجاويد الخيل والركاب. ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم المكدوس على وجهه في النار" وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا أطم وأعظم! وأيضاً - فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار فإن يكون عليه برداً وسلاماً. فهذا نظير ذلك. وأيضاً - فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم. فقتل بعضهم بعضاً حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفاً، يقتل الرجل أباه وأخاه، وهو في عماية غمامة أرسلها الله عليهم. وذلك عقوبة لهم على عبادة العجل. وهذا أيضاً شاق على النفوس جداً لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور. والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير بلفظه. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى أيضاً قبل هذا الكلام بقليل ما نصه: ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في عرصات المحشر. فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيه بسابق السعادة. ومن عصى دخل النار داخراً، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة. وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة، الشاهد بعضها لبعض. وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب (الاعتقاد} وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو واضح جداً فيما ذكرنا. الأمر الثاني - أن الجمع بين الأدلة واجب متى أمكن بلا خلاف. لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان. فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان، ويتفق بذلك جميع الأدلة، والعلم عند الله تعالى. ولا يخفى أن مثل قول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: إن الآخرة دار جزاء لا دار عمل -لا يصح ان ترد به النصوص الصحيحة الثابتة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. كما أوضحنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب).
د. أسعد حومد
تفسير : (15) - مَنِ اسْتَقَامَ عَلَى طَرِيقِ الحَقِّ وَاتَّبَعَهُ، وَاتَّبَعَ النُّورَ الَّذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدُ صلى الله عليه وسلم فِإِنَّهُ يَكُونُ قَدِ اهْتَدَى، وَتَكُونُ عَاقِبَةُ هُدَاهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ عَنْ الحَقِّ، وَزَاغَ عَنْ سَبِيلِ الرَّشَادِ، فَإِنَّمَا يَجْنِي عَلَى نَفْسِهِ، وَيَعُودُ وَبَالُ سَعْيهِ عَلَيْهِ هُوَ، وَلاَ يَحْمِلُ أَحَدٌ ذَنْبَ أَحَدٍ، وَلاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ يُعَذِّبُ أَحَداً إِلاَّ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَيْهِ، يَدْعُونَهُ إِلى الحَقِّ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ حِينَ قَالَ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ وَعَلَيَّ وِزْرُكُمْ). لا تَزِرُ وَازِرَةٌ - لاَ تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ ..} [الإسراء: 15]. لأن الحق سبحانه لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، وهو سبحانه الغنيّ عن عباده، وبصفات كماله وضع منهج الهداية للإنسان الذي جعله خليفة له في أرضه، وقبل أنْ يخلقه أعدَّ له مُقوّمات الحياة كلها من أرض وسماء، وشمس وقمر، وهواء وجبال ومياه. فصفات الكمال ثابتة له سبحانه قبل أن يخلق الخَلْق، إذن: فطاعتهم لن تزيده سبحانه شيئاً، كما أن معصيتهم لن تضرّه سبحانه في شيء. وهنا قد يسأل سائل: فلماذا التكليفات إذن؟ نقول: إن التكليف من الله لعباده من أجلهم وفي صالحهم، لكي تستمر حركة حياتهم، وتتساند ولا تتعاند؛ لذلك جعل لنا الخالق سبحانه منهجاً نسير عليه، وهو منهج واجب التنفيذ لأنه من الله، من الخالق الذي يعلم من خلق، ويعلم ما يصلحهم ويُنظم حياتهم، فلو كان منهجَ بشرٍ لبشر لكان لك أنْ تتأبّى عليه، أما منهج الله فلا ينبغي الخروج عليه. لذلك نسمع في الأمثال الدارجة عند أهل الريف يقولون: الأصبع الذي يقطعه الشرع لا ينزف، والمعنى أن الشرع هو الذي أمر بذلك، فلا اعتراضَ عليه، ولو كان هذا بأمر البشر لقامت الدنيا ولم تقعُدْ. ومن كماله سبحانه وغِنَاهُ عن الخَلْق يتحمل عنهم ما يصدر عنهم من أحكام أو تجنٍّ أو تقصير؛ ذلك لأن كل شيء عنده بمقدار، ولا يُقضى أمر في الأرض حتى يُقضى في السماء، فإذا كلَّفْتَ واحداً بقضاء مصلحة لك، فقصّر في قضائها، أو رفض، أو سعى فيها ولم يُوفّق نجدك غاضباً عليه حانقاً. وهنا يتحمّل الخالق سبحانه عن عباده، ويُعفيهم من هذا الحرج، ويعلمهم أن الحاجات بميعاد وبقضاء عنده سبحانه، فلا تلوموا الناس، فلكل شيء ميلاد، ولا داعيَ لأنْ نسبق الأحداث، ولننتظر الفرج وقضاء الحوائج من الله تعالى أولاً. ومن هنا يُعلّمنا الإسلام قبل أن نَعِد بعمل شيء لا بُدَّ أنْ نسبقه بقولنا: إنْ شاء الله لنحمي أنفسنا، ونخرج من دائرة الحرج أو الكذب إذا لم نستطع الوفاء، فأنا - إذن - في حماية المشيئة الإلهية إنْ وُفِّقْتُ فبها ونِعْمت، وإنْ عجزتُ فإن الحق سبحانه لم يشأ، وأخرج أنا من أوسع الأبواب. إذن: تشريعات الله تريد أن تحمي الناس من الناس، تريد أن تجتث أسباب الضِّغن على الآخر، إذا لم تقض حاجتك على يديه، وكأن الحق سبحانه يقول لك: تمهل فلكل شيء وقته، ولا تظلم الناس، فإذا ما قضيتَ حاجتك فاعلم أن الذي كلَّفْته بها ما قضاها لك في الحقيقة، ولكن صادف سَعْيُه ميلادَ قضاء هذه الحاجة، فجاءت على يديه، فالخير في الحقيقة من الله، والناس أسباب لا غير. وتتضح لنا هذه القضية أكثر من مجال الطب وعلاج المرضى، فالطبيب سبب، والشفاء من الله، وإذا أراد الله لأحد الأطباء التوفيق والقبول عند الناس جعل مجيئه على ميعاد الشفاء فيلتقيان. ومن هنا نجد بعض الأطباء الواعين لحقيقة الأمر يعترفون بهذه الحقيقة، فيقول أحدهم: ليس لنا إلا في (الخضرة). والخضرة معناها: الحالة الناجحة التي حان وقت شفائها. وصدق الشاعر حين قال: شعر : والناسُ يلْحون الطَّبيِبَ وإنَّما خَطَأُ الطَّبِيبِ إصَابَةُ الأَقْدَارِ تفسير : فقول الحق تبارك وتعالى: {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ..} [الإسراء: 15] أي: لصالح نفسه. والاهتداء: يعني الالتزام بمنهج الله، والتزامك عائد عليك، وكذلك التزام الناس بمنهج الله عائد عليك أيضاً، وأنت المنتفع في كل الأحوال بهذا المنهج؛ لذلك حينما ترى شخصاً مستقيماً عليك أن تحمد الله، وأن تفرحَ باستقامته، وإياك أن تهزأ به أو تسخر منه؛ لأن استقامته ستعود بالخير عليك في حركة حياتك. وفي المقابل يقول الحق سبحانه: {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ..} [الإسراء: 15]. أي: تعود عليه عاقبةُ انصرافه عن منهج الله؛ لأن شرَّ الإنسان في عدم التزامه بمنهج الله يعود عليك ويعود على الناس من حوله، فيشقى هو بشرّه، ويشقى به المجتمع. ومن العجب أن نرى بعض الحمقى إذا رأى مُنحرفاً أو سيء السلوك ينظر إليه نظرة بُغْض وكراهية، ويدعو الله عليه، وهو لا يدري أنه بهذا العمل يزيد الطين بلة، ويُوسِّع الخُرْق على الراقع كما يقولون. فهذا المنحرف في حاجة لمَنْ يدعو الله له بالهداية، حتى تستريح أولاً من شرِّه، ثم لتتمتع بخير هدايته ثانياً. أما الدعاء عليه فسوف يزيد من شرِّه، ويزيد من شقاء المجتمع به. ومن هذا المنطلق علَّمنا الإسلام أن مَنْ كانت لديه قضية علمية تعود بالخير، فعليه أنْ يُعديها إلى الناس؛ لأنك حينما تُعدّي الخير إلى الناس ستنتفع بأثره فيهم، فكما انتفعوا هم بآثار خِلاَلك الحميدة، فيمكنك أنت أيضاً الانتفاع بآثار خلالهم الحميدة إن نقلتها إليهم. لذلك حرّم الإسلام كَتْم العلم لما يُسبِّبه من أضرار على الشخص نفسه وعلى المجتمع. يقول صلى الله عليه وسلم:"حديث : من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ". تفسير : وكذلك من الكمال الذي يدعونا إليه المنهج الإلهي أن يُتقِن كل صاحب مهنة مهنته، وكل صاحب صَنْعة صَنْعته، فالإنسان في حركة حياته يُتقِن عملاً واحداً، لكن حاجاته في الحياة كثيرة ومتعددة. فالخياط مثلاً الذي يخيط لنا الثياب لا يتقن غير هذه المهنة، وهو يحتاج في حياته إلى مِهَن وصناعات كثيرة، يحتاج إلى: الطبيب والمعلم والمهندس والحداد والنجار والفلاح .. الخ. فلو أتقن عمله وأخلص فيه لَسخّر الله له مَنْ يتقن له حاجته، ولو رَغْماً عنه، أو عن غير قصد، أو حتى بالمصادفة. إذن: من كمالك أن يكون الناس في كمال، فإنْ أتقنتَ عملك فأنت المستفيد حتى إنْ كان الناس من حولك أشراراً لا يتقنون شيئاً فسوف يُيسِّر الله لهم سبيل إتقان حاجتك، من حيث لا يريدون ولا يشعرون. وقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ..} [الإسراء: 15]. أي: لا يحمل أحدٌ ذنبَ أحدٍ، ولا يُؤاخَذ أحدٌ بجريرة غيره، وكلمة: {تَزِرُ وَازِرَةٌ ..}[الإسراء: 15]. من الوزر: وهو الحِمْل الثقيل، ومنها كلمة الوزير: أي الذي يحمل الأعباء الثقيلة عن الرئيس، أو الملك أو الأمير. فعدْلُ الله يقتضي أنْ يُحاسب الإنسان بعمله، وأنْ يُسأل عن نفسه، فلا يرمي أحد ذنبه على أحد، كما قال تعالى: {أية : لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ..}تفسير : [لقمان: 33] وحول هذه القضية تحدَّث كثير من المستشرقين الذين يبحثون في القرآن عن مأخذ، فوقفوا عند هذه الآية: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ..} [الإسراء: 15]. وقالوا: كيف نُوفِّق بينها وبين قوله: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ..}تفسير : [العنكبوت: 13]. وقوله تعالى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ}تفسير : [النحل: 25]. ونقول: التوفيق بين الآية الأولى والآيتين الأخيرتين هيِّن لو فهموا الفرق بين الوِزْر في الآية الأولى، والوِزْر في الآيتين الأخيرتين. ففي الأولى وزر ذاتيٌّ خاص بالإنسان نفسه، حيث ضَلَّ هو في نفسه، فيجب أنْ يتحمّل وزْر ضلاله. أما في الآية الثانية فقد أضلَّ غيره، فتحمَّل وِزْره الخاص به، وِتحمَّل وِزْر مَنْ أضلَّهم. ويُوضِّح لنا هذه القضية الحديث النبوي الشريف:"حديث : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ". تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15]. العذاب: عقوبة على مخالفة، لكن قبل أنْ تُعاقبني عليها لا بُدَّ أن تُعلِّمني أن هذه مخالفة أو جريمة (وهي العمل الذي يكسر سلامة المجتمع)، فلا جريمة إلا بنصٍّ ينصُّ عليها ويُقنّنها، ويُحدِّد العقاب عليها، ثم بعد ذلك يجب الإعلام بها في الجرائد الرسمية لكي يطلع عليها الناس، وبذلك تُقام عليهم الحجة إنْ خالفوا أو تعرَّضوا لهذه العقوبة. لذلك حتى في القانون الوضعي نقول: لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنصٍّ، ولا نصَّ إلا بإعلام. فإذا ما اتضحت هذه الأركان في أذهان الناس كان للعقوبة معنى، وقامت الحجة على المخالفين، أما أنْ نعاقب شخصاً على جريمة هو لا يعلم بها، فله أن يعترضَ عليك من منطلق هذه الآية. أما أنْ يُجرَّم هذا العمل، ويُعلَن عنه في الصحف الرسمية، فلا حجة لمَنْ جهله بعد ذلك؛ لأن الجهل به بعد الإعلام عنه لا يُعفِي من العقوبة. فكأن قول الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] يجمع هذه الأركان السابقة: الجريمة، والعقوبة، والنص، والإعلام، حيث أرسل الله الرسول يُعلِّم الناس منهج الحق سبحانه، ويُحدّد لهم ما جرَّمه الشرع والعقوبة عليه. لذلك يقول تعالى في آية أخرى: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ}تفسير : [فاطر: 24] ويقول: {أية : يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ..}تفسير : [المائدة: 19]. إذن: قد انقطعت حجتكم برسالة محمد البشير النذير صلى الله عليه وسلم. وقد وقف العلماء أمام هذه القضية فقالوا: إن كانت الحجة قد قامت على مَن آمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فما بال الكافر الذي لم يؤمن ولم يعلم منهج الله؟ وكأنهم يلتمسون له العذر بكفره. نقول: لقد عرف الإنسان ربه عز وجل أولاً بعقله، وبما ركّبه فيه خالقه سبحانه من ميزان إيماني هو الفطرة، هذه الفطرة هي المسئولة عن الإيمان بقوة قاهرة وراء الوجود، وإنْ لم يأتِ رسول، والأمثلة كثيرة لتوضيح هذه القضية: هَبْ أنك قد انقطعتْ بك السُّبل في صحراء واسعة شاسعة لا تجد فيها أثراً لحياة، وغلبك النومُ فنمْتَ، وعندما استيقظتَ فوجئت بمائدة منصوبة لك عليها أطايب الطعام والشراب. بالله أَلاَ تفكِّر في أمرها قبل أن تمتدّ يدُك إليها؟ ألاَ تلفت انتباهك وتثير تساؤلاتك عَمَّنْ أتى بها إليك؟ وهكذا الإنسان بعقله وفطرته لا بُدَّ أنْ يهتديَ إلى أن للكون خالقاً مُبْدِعاً، ولا يمكن أن يكون هذا النظام العجيب المتقن وليدَ المصادفة، وهل عرف آدم ربه بغير هذه الأدوات التي خلقها الله فينا؟ لقد جئنا إلى الحياة فوجدنا عالماً مستوفياً للمقوِّمات والإمكانيات، وجدنا أمام أعيننا آياتٍ كثيرة دالّة على الخالق سبحانه، كل منها خيط لو تتبعته لأوصلك. خذ مثلاً الشمس التي تنير الكون على بُعْدها تطلع في الصباح وتغرب في المساء، ما تخلَّفتْ يوماً، ولا تأخرت لحظة عن موعدها، أَلاَ تسترعي هذه الآية الكونية انتباهك؟ وقد سبق أنْ ضربنا مثلاً بـ"أديسون" الذي اكتشف الكهرباء، وكم أخذ من الاهتمام والدراسة في حين أن الإضاءة بالكهرباء تحتاج إلى أدوات وأجهزة وأموال، وهي عُرْضة للأعطال ومصدر للأخطار، فما بالنا نغفل عن آية الإضاءة الربانية التي لا تحتاج إلى مجهود أو أموال أو صيانة أو خلافه؟ والعربي القُحُّ الذي ما عرف غير الصحراء حينما رأى بَعْر البعير وآثار الأقدام استدلَّ بالأثر على صاحبه، فقال في بساطة العربي: البَعْرة تدلّ على البعير، والقدم تدلّ على المسير، سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟ إذن: بالفطرة التكوينية التي جعلها الله في الإنسان يمكن له أن يهتدي إلى أن للكون خالقاً، وإنْ لم يعرف مَنْ هو، مجرد أن يعرف القوة الخفية وراء هذا الكون. وحينما يأتي رسول من عند الله يساعده في الوصول إلى ما يبحث عنه، ويدلّه على ربه وخالقه، وأن هذه القوة الخفية التي حيَّرتْك هي (الله) خالقك وخالق الكون كله بما فيه ومَن فيه. وهو سبحانه واحد لا شريك له، شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو، ولم يعارضه أحد ولم يَدَّعِ أحد أنه إله مع الله، وبذلك سَلِمَتْ له سبحانه هذه الدعوى؛ لأن صاحب الدعوة حين يدَّعيها تسلم له إذا لم يوجد معارض لها. وهذه الفطرة الإيمانية في الإنسان هي التي عنَاهَا الحق سبحانه في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ..}تفسير : [الأعراف: 172]. وهذا هو العَهْد الإلهي الذي أخذه الله على خَلْقه وهم في مرحلة الذَّرِّ، حيث كانوا جميعاً في آدم - عليه السلام - فالأنْسَال كلها تعود إليه، وفي كل إنسان إلى يوم القيامة ذرة من آدم، هذه الذرة هي التي شهدتْ هذا العهد، وأقرَّتْ أنه لا إله إلا الله، ثم ذابتْ هذه الشهادة في فطرة كل إنسان؛ لذلك نسميها الفطرة الإيمانية. ونقول للكافر الذي أهمل فطرته الإيمانية وغفل عنها، وهي تدعوه إلى معرفة الله: كيف تشعر بالجوع فتطلب الطعام؟ وكيف تشعر بالعطش فتطلب الماء؟ أرأيت الجوع أو لمسْتَه أو شَمَمْته؟ إنها الفطرة والغريزة التي جعلها الله فيك، فلماذا استخدمت هذه، وأغفلت هذه؟ والعجيب أن ينصرف الإنسان العاقل عن ربه وخالقه في حين أن الكون كله من حوله بكل ذراته يُسبِّح بحمد ربّه، فذراتُ الكون وذراتُ التكوين في المؤمن وفي الكافر تُسبِّح بحمد ربها، كما قال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..} [الإسراء: 44]. فكيف بك يا سيد الكون تغفل عن الله والذرات فيك مُسبّحة، فإن كانت ذرات المؤمن حدث بينه وبين ذرات تكوينه انسجام واتفاق، وتجاوب تسبيحه مع تسبيح ذراته وأعضائه وتوافقت إرادته الإيمانية مع إيمان ذراته، فترى المؤمن مُنْسجماً مع نفسه مع تكوينه المادي. ويظهر هذا الانسجام بين إرادة الإنسان وبين ذرّاته وأعضائه في ظاهرة النوم، فالمؤمن ذرّاته وأعضاؤه راضية عنه تُحبه وتُحب البقاء معه لا تفارقه؛ لأن إرادته في طاعة الله، فترى المؤمن لا ينام كثيراً مجرد أن تغفل عينه ساعةً من ليل أو نهار تكفيه ذلك؛ لأن أعضاءه في انسجام مع إرادته، وهؤلاء الذين قال الله فيهم: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ..}تفسير : [الذاريات: 17]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه، لأنه في انسجام تام مع إرادته صلى الله عليه وسلم. وما أشبه الإنسان في هذه القضية بسيد شرس سيء الخُلق، لديه عبيد كثيرون، يعانون من سُوء معاملته، فيلتمسون الفرصة للابتعاد عنه والخلاص من معاملته السيئة. على خلاف الكافر، فذراته مؤمنة وإرادته كافرة، فلا انسجام ولا توافق بين الإرادة والتكوين المادي له، لذا ترى طبيعته قلقة، ليس هناك تصالح بينه وبين ذراته، لأنها تبغضه وتلعنه، وتود مفارقته. ولولا أن الخالق سبحانه جعلها مُنْقادةً له لما طاوعتْه، وإنها لتنتظر يوم القيامة يوم أنْ تفكّ من إرادته، وتخرج من سجنه، لتنطق بلسان مُبين، وتشهد عليه بما اقترف في الدنيا من كفر وجحود؛ لذلك ترى الكافر ينام كثيراً، وكأن أعضاءه تريد أن ترتاح من شره. ولا بُدّ أن نعلم أن ذرات الكون وذرات الإنسان في تسبيحها للخالق سبحانه، أنه تسبيح فوق مدارك البشر؛ لذلك قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..}تفسير : [الإسراء: 44]. فلا يفقهه ولا يفهمه إلا مَنْ منحه الله القدرة على هذا، كما منح هذه الميزة لداود - عليه السلام - فقال: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ}تفسير : [الأنبياء: 79]. وهنا قد يقول قائل: ما الميزة هنا، والجبال والطير تُسبّح الله بدون داود؟ الميزة هنا لداود - عليه السلام - أن الله تعالى أسمعه تسبيح الجبال وتسبيح الطير، وجعلها تتجاوب معه في تسبيحه وكأنه (كورس) أو نشيد جماعي تتوافق فيه الأصوات، وتتناغم بتسبيح الله تعالى، ألم يقل الحق سبحانه في آية أخرى: {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ ..}تفسير : [سبأ: 10]. أي: رَجِّعي معه وردِّدي التسبيح. ومن ذلك أيضاً ما وهبه الله تعالى لنبيه سليمان عليه السلام من معرفة منطق الطير أي لغته، فكان يسمع النملة وهي تخاطب بني جنسها ويفهم ما تريد، وهذا فضل من الله يهبه لمَنْ يشاء من عباده، لذلك لما فهم سليمان عليه السلام لغة النملة، وفهم ما تريده من تحذير غيرها تبسم ضاحكاً: {أية : وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ..}تفسير : [النمل: 19]. إذن: لكل مخلوق من مخلوقات الله لغة ومنطق، لا يعلمها ولا يفهمها إلا مَنْ يُيسِّر الله له هذا العلم وهذا الفهم. وحينما نقرأ عن هذه القضية نجد بعض كُتَّاب السيرة مثلاً يقولون: سبَّح الحصى في يد النبي صلى الله عليه وسلم نقول لهم: تعبيركم هذا غير دقيق، لأن الحصى يُسبِّح في يده صلى الله عليه وسلم كما يُسبِّح في يد أبي جهل، لكن الميزة أنه صلى الله عليه وسلم سمع تسبيح الحصى في يده، وهذه من معجزاته صلى الله عليه وسلم. والحق سبحانه يريد أنْ يلفتنا إلى حقيقة من حقائق الكون، وهي كما أن لك حياة خاصة بك، فاعلم أن لكل شيء دونك حياة أيضاً، لكن ليستْ كحياتك أنت، بدليل قول الحق سبحانه: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ..}تفسير : [القصص: 88]. فكل ما يُطلق عليه شيء مهما قَلَّ فهو هالك، والهلاك ضد الحياة؛ لأن الله تعالى قال: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ..}تفسير : [الأنفال: 42] فدلَّ على أن له حياة تُناسبه. ونعود إلى قوله الحق سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15]. فإن اهتدى الإنسان بفطرته إلى وجود الخالق سبحانه، فمن الذي يُعْلِمه بمرادات الخالق سبحانه منه، إذن: لا بُدَّ من رسول يُبلِّغ عن الله، ويُنبِّه الفطرة الغافلة عن وجوده تعالى. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ ..}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ} معناه آثِمةٌ {وِزْرَ أُخْرَىٰ} يعني إِثمَ أُخرى. أَثِمتَهُ، وَلَمْ تَأْثَمْهُ الأَخرى مَنهُما.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: هداية كل أحد وضلاله لنفسه لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يدفع عنه مثقال ذرة من الشر، والله تعالى أعدل العادلين لا يعذب أحدا حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة. وأما من انقاد للحجة أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه. واستدل بهذه الآية على أن أهل الفترات وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله حتى يبعث إليهم رسولا لأنه منزه عن الظلم.
همام الصنعاني
تفسير : 1541- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: إذا كانَ يَوْمَ القيامة جَمَعَ الله أهْلَ الفترةِ، والمعتوهَ، والأصمَّ والأبكمَ والشيوخَ الذين لم يُدْرِكُوا الإسْلاَم، ثم أرسل إيهم رَسُولاً إنِ ادخلوا النار، قال: فيقولون: كيف! ولم يأتنا رسول؟ قال: وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً، ثم يُرْسِلُ إلَيْهم؛ فيطعيه من كَانَ يريد أن يطيعه، قال: ثم قال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}: [الآية: 15].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):