١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } في تفسير هذا الأمر قولان: القول الأول: أن المراد منه الأمر بالفعل، ثم إن لفظ الآية لا يدل على أنه تعالى بماذا يأمرهم فقال الأكثرون: معناه أنه تعالى يأمرهم بالطاعات والخيرات، ثم إنهم يخالفون ذلك الأمر ويفسقون وقال صاحب «الكشاف»: ظاهر اللفظ يدل على أنه تعالى يأمرهم بالفسق فيفسقون، إلا أن هذا مجاز ومعناه أنه فتح عليهم أبواب الخيرات والراحات فعند ذلك تمردوا وطغوا وبغوا قال والدليل على أن ظاهر اللفظ يقتضي ما ذكرناه، أن المأمور به إنما حذف لأن قوله؛ {فَفَسَقُواْ } يدل عليه يقال: أمرته فقام، وأمرته فقرأ لا يفهم منه، إلا أن المأمور به قيام أو قراءة فكذا ههنا لما قال: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا } وجب أن يكون المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا لا يقال يشكل هذا بقولهم أمرته فعصاني أو فخالفني فإن هذا لا يفهم منه أني أمرته بالمعصية والمخالفة؛ لأنا نقول: إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له، فكذلك أمرته ففسق يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به، كما أن كونها معصية ينافي كونها مأموراً بها، فوجب أن يدل هذا اللفظ على أن المأمور به ليس بفسق، وهذا الكلام في غاية الظهور فلا أدري لم أصر صاحب «الكشاف» على قوله مع ظهور فساده، فثبت أن الحق ما ذكره الكل وهو أن المعنى أمرناهم بالأعمال الصالحة وهي الإيمان والطاعة والقوم خالفوا ذلك الأمر عناداً وأقدموا على الفسق. القول الثاني: في تفسير قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } أي أكثرنا فساقها. قال الواحدي: العرب تقول أمر القوم إذا كثروا. وأمرهم الله إذ كثرهم، وآمرهم أيضاً بالمد، روى الجرمي عن أبي زيد أمر الله القوم وآمرهم، أي كثرهم. واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة » تفسير : والمعنى مهرة قد كثر نسلها يقولون: أمر الله المهرة أي كثر ولدها ومن الناس من أنكر أن يكون أمر بمعنى كثر وقالوا أمر القوم إذا كثروا وآمرهم الله بالمد أي كثرهم، وحملوا قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : مهر مأمورة » تفسير : على أن المراد كونها مأمورة بتكثير النسل على سبيل الاستعارة. وأما المترف: فمعناه في اللغة المتنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش {فَفَسَقُواْ فِيهَا } أي خرجوا عما أمرهم الله: {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ } يريد: استوجبت العذاب، وهذا كالتفسير لقوله تعالى: { أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15] وقوله: { أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِى أُمّهَا رَسُولاً } تفسير : [القصص: 59] وقوله: { أية : ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ } تفسير : [الأنعام: 131] فلما حكم تعالى في هذه الآيات أنه تعالى لا يهلك قرية حتى يخالفوا أمر الله، فلا جرم ذكر أنه ها هنا يأمرهم فإذا خالفوا الأمر، فعند ذلك استوجبوا الأهلاك المعبر عنه بقوله: {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ } وقوله: {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } أي أهلكناها إهلاك الاستئصال. والدمار هلاك على سبيل الاستئصال. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجوه: الأول: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أراد إيصال الضرر إليهم ابتداء ثم توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق. الثاني: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما خص المترفين بذلك الأمر لعلمه بأنهم يفسقون، وذلك يدل على أنه تعالى أراد منهم الفسق، والثالث: أنه تعالى قال: {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ } بالتعذيب والكفر، ومتى حق عليها القول بذلك امتنع صدور الإيمان منهم، لأن ذلك يستلزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذباً وذلك محال، والمفضي إلى المحال محال. قال الكعبي: إن سائر الآيات دلت على أنه تعالى لا يبتدىء بالتعذيب والإهلاك لقوله: { أية : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } تفسير : [الرعد: 11] وقوله: { أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ } تفسير : [النساء: 147] وقوله: { أية : وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ } تفسير : [القصص: 59] فكل هذه الآيات تدل على أنه تعالى لا يبتدىء بالإضرار، وأيضاً ما قبل هذه الآية يدل على هذا المعنى وهو قوله: { أية : مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الإسراء: 15] ومن المحال أن يقع بين آيات القرآن تناقض، فثبت أن الآيات التي تلوناها محكمة، وكذا الآية التي نحن في تفسيرها، فيجب حمل هذه الآية على تلك الآيات هذا ما قاله الكعبي، واعلم أن أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية على وجه يوافق قول المعتزلة: القفال. فإنه ذكر فيه وجهين: الوجه الأول: قال إنه تعالى أخبر أنه لا يعذب أحداً بما يعلمه منه ما لم يعمل به، أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره فإذا ظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه فقوله: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } معناه: وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم أمرنا المتنعمين المتعززين الظانين أن أموالهم وأولادهم وأنصارهم ترد عنهم بأسنا بالإيمان بي والعمل بشرائع ديني على ما بلغهم عني رسولي، ففسقوا فحينئذ يحق عليهم القضاء السابق بإهلاكهم لظهور معاصيهم فحينئذ دمرناها، والحاصل أن المعنى: وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب علمنا بأنهم لا يقدمون إلا على المعصية لم نكتف في تحقيق ذلك الإهلاك بمجرد ذلك العلم، بل أمرنا مترفيها ففسقوا، فإذا ظهر منهم ذلك الفسق فحينئذ نوقع عليهم العذاب الموعود به. والوجه الثاني: في التأويل أن نقول: وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب ظهور المعاصي من أهلها لم نعاجلها بالعذاب في أول ظهور المعاصي منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي، وإنما خص المترفين بذلك الأمر، لأن المترف هو المتنعم ومن كثرت نعم الله عليه كان قيامه بالشكر أوجب، فإذا أمرهم بالتوبة والرجوع مرة بعد أخرى مع أنه تعالى لا يقطع عنهم تلك النعم بل يزيدها حالاً بعد حال فحينئذ يظهر عنادهم وتمردهم وبعدهم عن الرجوع عن الباطل إلى الحق، فحينئذ يصب الله البلاء عليهم صباً، ثم قال القفال: وهذان التأويلان راجعان إلى أن الله تعالى أخبر عباده أنه لا يعاجل بالعقوبة أمة ظالمة حتى يعذر إليهم غاية الأعذار الذي يقع منه اليأس من إيمانهم، كما قال في قوم نوح: { أية : وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً } تفسير : [نوح: 27] وقال: { أية : أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ من قد آمن } تفسير : [هود: 36] وقال في غيرهم: { أية : فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } تفسير : [يونس: 74] فأخبر تعالى أولاً أنه لا يظهر العذاب إلا بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام. ثم أخبر ثانياً في هذه الآية أنه إذا بعث الرسول أيضاً فكذبوا لم يعاجلهم بالعذاب، بل يتابع عليهم النصائح والمواعظ، فإن بقوا مصرين على الذنوب فهناك ينزل عليهم عذاب الاستئصال، وهذا التأويل الذي ذكره القفال في تطبيق الآية على قول المعتزلة لم يتيسر لأحد من شيوخ المعتزلة مثله. وأجاب الجبائي بأن قال: ليس المراد من الآية أنه تعالى يريد إهلاكهم قبل أن يعصوا ويستحقوا، وذلك لأنه ظلم وهو على الله محال، بل المراد من الإرادة قرب تلك الحالة فكان التقدير وإذا قرب وقت إهلاك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها وهو كقول القائل: إذا أراد المريض أن يموت ازدادت أمراضه شدة، وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كل جهة، وليس المراد أن المريض يريد أن يموت، والتاجر يريد أن يفتقر وإنما يعنون أنه سيصير كذلك فكذا ههنا. واعلم أن جميع الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في التمسك بهذه الآية، لا شك أن كلها عدول عن ظاهر اللفظ، أما الوجه الثاني والثالث فقد بقي سليماً عن الطعن، والله أعلم. المسألة الثالثة: المشهور عند القراء السبعة: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } بالتخفيف غير ممدودة الألف، وروي برواية غير مشهورة عن نافع وابن عباس: {آمْرُنَا } بالمد، وعن أبي عمرو {أَمْرُنَا } بالتشديد فالمد على الكثير يقال: أمر القوم بكسر الميم إذا كثروا وآمرهم الله بالمد، أي كثرهم الله. والتشديد على التسليط، أي سلطنا مترفيها، ومعناه التخلية وزوال المنع بالقهر، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ } فاعلم أن المراد أن الطريق الذي ذكرناه هو عادتنا مع الذين يفسقون ويتمردون فيما تقدم من القرون الذين كانوا بعد نوح. وهم عاد وثمود وغيرهم، ثم إنه تعالى خاطب رسوله بما يكون خطاباً لغيره وردعاً وزجراً للكل فقال: {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا } وفيه بحثان: البحث الأول: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات راء لجميع المرئيات فلا يخفى عليه شيء من أحوال الخلق، وثبت أنه قادر على كل الممكنات فكان قادراً على إيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه. وأيضاً أنه منزه عن العبث والظلم. ومجموع هذه الصفات الثلاث أعني العلم التام، والقدرة الكاملة، والبراءة عن الظلم بشارة عظيمة لأهل الطاعة. وخوف عظيم لأهل الكفر والمعصية. البحث الثاني: قال الفراء: لو ألغيت الباء من قولك {بربك} جاز، وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم. كقولك: كفاك به. وأكرم به رجلاً. وطاب بطعامك طعاماً. وجاد بثوبك ثوباً، أما إذا لم يكن مدحاً أو ذماً لم يجز دخولها، فلا يجوز أن يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ أخبر الله تعالى في الآية التي قبلُ أنه لم يهلك القرى قبل ابتعاث الرسل، لا لأنه يقبح منه ذلك إن فعل، ولكنه وعد منه، ولا خلف في وعده. فإذا أراد إهلاك قرية مع تحقيق وعده على ما قاله تعالى أمر مترفيها بالفِسق والظلم فيها فحق عليها القول بالتدمير. يعلمك أن من هلك فإنّما هلك بإرادته، فهو الذي يسبب الأسباب ويسوقها إلى غاياتها ليحق القول السابق من الله تعالى. الثانية ـ قوله تعالى: {أَمَرْنَا} قرأ أبو عثمان النَّهْدِيّ وأبو رَجاء وأبو العالية، والربيع ومجاهد والحسن «أمَّرْنا» بالتشديد، وهي قراءة عليّ رضي الله عنه؛ أي سلّطنا شرارها فعصَوْا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم. وقال أبو عثمان النهدِيّ «أمّرنا» بتشديد الميم، جعلناهم أمراء مسلَّطين؛ وقاله ابن عَزيز. وتأمّر عليهم تسلط عليهم. وقرأ الحسن أيضاً وقتادة وأبو حَيْوة الشامي ويعقوب وخارجة عن نافع وحماد بن سلمة عن ابن كَثير وعليّ وابن عباس باختلاف عنهما «آمرنا» بالمد والتخفيف، أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها؛ قاله الكسائِيّ. وقال أبو عبيدة: آمرته بالمد وأمرته، لغتان بمعنى كثّرته؛ ومنه الحديث: «حديث : خير المال مُهْرَةٌ مأمُورة أو سِكّة مأبورة» تفسير : أي كثيرة النِّتاج والنَّسل. وكذلك قال ابن عزيز: آمرنا وأمرنا بمعنًى واحد؛ أي أكثرنا. وعن الحسن أيضاً ويحيـى بن يَعْمَر «أمِرنا» بالقصر وكسر الميم على فَعِلنا، ورويت عن ابن عباس. قال قتادة والحسن: المعنى أكثرنا؛ وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد، وأنكره الكسائي وقال: لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد؛ قال وأصلها «أأمرنا» فخفف، حكاه المهدويّ. وفي الصحاح: وقال أبو الحسن أَمِر مالُه (بالكسر) أي أكثره. وأَمر القوم أي كثروا؛ قال الشاعر:شعر : أَمِـرون لا يرثـون سَهْمَ القُعْـدُدِ تفسير : وآمر الله مالَه (بالمد). الثعلبي: ويقال للشيء الكثير أَمِرٌ، والفعل منه: أمِرَ القومُ يأمَرون أمراً إذا كثروا. قال ابن مسعود: كنا نقول في الجاهلية للحيّ إذا كثروا: أَمِر أمْرُ بني فلان؛ قال لَبيد:شعر : كلُّ بني حُرَّةٍ مَصيرُهمُ قُلٌّ وإن أكثَرتْ من العددِ إن يُغْبَطُوا يَهْبِطُوا وإن أَمِرُوا يوماً يصيروا للهُلْكِ والنَّكَدِ تفسير : قلت: وفي حديث هِرَقل الحديث الصحيح: «لقد أَمِرَ أَمْرُ ابنِ أبي كَبشة، ليخافه ملك بني الأصفر» أي كثر. وكله غير متعدّ ولذلك أنكره الكسائي، والله أعلم. قال المهدوِي: ومن قرأ «أَمِر» فهي لغة، ووجه تعدية «أمِر» أنه شبهه بعمر من حيث كانت الكثرة أقربَ شيء إلى العمارة، فعدّى كما عدّى عمر. الباقون «أَمَرْنا» من الأمر؛ أي أمرناهم بالطاعة إعذاراً وإنذاراً وتخويفاً ووعيداً. {فَفَسَقُواْ} أي فخرجوا عن الطاعة عاصين لنا. {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ} فوجب عليها الوعيد؛ عن ابن عباس. وقيل: «أَمَرْنا» جعلناهم أمراء؛ لأن العرب تقول: أمير غير مأمور، أي غير مؤمر. وقيل: معناه بعثنا مستكبريها. قال هارون: وهي قراءة أبَيٍّ «بعثنا أكابر مجرميها ففسقوا» ذكره الماوَرْدِيّ. وحكى النحاس: وقال هارون في قراءة أُبَيٍّ «وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا فيها أكابر مجرميها فمكروا فيها فحق عليها القول». ويجوز أن يكون «أمرنا» بمعنى أكثرنا؛ ومنه «خير المال مُهْرَةٌ مأمورة» على ما تقدّم. وقال قوم: مأمورة اتباع لمأبورة؛ كالغدايا والعشايا. وكقوله: «إِرْجِعن مأزورات غير مأجورات». وعلى هذا لا يقال: أَمَرهم الله، بمعنى كثرهم، بل يقال: آمره وأمره. واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة العامة. قال أبو عبيد: وإنما اخترنا «أمرنا» لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها من الأمر والإِمارة والكثرة. والمُتْرَف: المنعّم؛ وخُصّوا بالأمر لأن غيرهم تبع لهم. الثالثة ـ قوله تعالى: {فَدَمَّرْنَاهَا} أي ٱستأصلناها بالهلاك. {تَدْمِيراً} ذكر المصدر للمبالغة في العذاب الواقع بهم. وفي الصحيح من حديث حديث : زينب بنت جَحْش زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فَزِعا مُحْمَرًّا وجهه يقول: لا إلٰه إلا الله ويْلٌ للعرب من شَرٍّ قد اقترب فُتح اليوم من رَدْم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلّق بأصبعه الإبهام والتي تليها. قالت: فقلت يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كَثُر الخبث»تفسير : . وقد تقدّم الكلام في هذا الباب، وأن المعاصي إذا ظهرت ولم تُغيّر كانت سبباً لهلاك الجميع؛ والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً } وإذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم لإنفاذ قضائنا السابق، أو دنا وقته المقدر كقولهم: إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة. {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } متنعميها بالطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده، فإن الفسق هو الخروج عن الطاعة والتمرد في العصيان، فيدل على الطاعة من طريق المقابلة، وقيل أمرناهم بالفسق لقوله: {فَفَسَقُواْ فِيهَا } كقولك أمرته فقرأ، فإنه لا يفهم منه إلا الأمر بالقراءة على أن الأمر مجاز من الحمل عليه، أو التسبب له بأن صب عليهم من النعم ما أبطرهم وأفضى بهم إلى الفسوق، ويحتمل أن لا يكون له مفعول منوي كقولهم: أمرته فعصاني. وقيل معناه كثرنا يقال: أمرت الشيء وآمرته فأمر إذا كثرته، وفي الحديث «حديث : خير المال سكة مأبورة، ومهرة مأمورة»تفسير : أي كثيرة النتاج. وهو أيضاً مجاز من معنى الطلب، ويؤيده قراءة يعقوب «آمرنا» ورواية {أَمْرُنَا } عن أبي عمرو، ويحتمل أن يكون منقولاً من أمر بالضم أمارة أي جعلناهم أمراء، وتخصيص المترفين لأن غيرهم يتبعهم ولأنهم أسرع إلى الحماقة وأقدر على الفجور. {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ } يعني كلمة العذاب السابقة بحلوله، أو بظهور معاصيهم أو بانهماكهم في المعاصي. {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريب ديارهم.
ابن كثير
تفسير : اختلف القراء في قراءة قوله {أَمَرْنَا} فالمشهور قراءة التخفيف، واختلف المفسرون في معناها، فقيل: معناها: أمرنا مترفيها ففسقوا فيها: أمراً قدرياً؛ كقوله تعالى: {أية : أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا} تفسير : [يونس: 24] فإن الله لا يأمر بالفحشاء، قالوا: معناه أنه سخرهم إلى فعل الفواحش، فاستحقوا العذاب، وقيل: معناه أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش، فاستحقوا العقوبة، رواه ابن جريج عن ابن عباس، وقاله سعيد بن جبير أيضاً. وقال ابن جرير: يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء، قلت: إنما يجيء هذا على قراءة من قرأ: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا}، قال علي بن طلحة عن ابن عباس: قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} يقول: سلطنا أشرارها، فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك، أهلكهم الله بالعذاب، وهو قوله: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا} تفسير : الآية [الأنعام: 123]، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس. وقال العوفي عن ابن عباس: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} يقول: أكثرنا عددهم، وكذا قال عكرمة والحسن والضحاك وقتادة. وعن مالك، عن الزهري {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أكثرنا، وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد، حيث قال: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعيم العدوي عن مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خير مال امرىء له مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة» تفسير : قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتابه الغريب: المأمورة: كثيرة النسل، والسكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة من التأبير وقال بعضهم: إنما جاء هذا متناسباً؛ كقوله: «حديث : مأزورات غير مأجورات». #
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذآ أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَآ مُتْرَفِيهَا } مُنَعمِّيها بمعنى رؤسائها بالطاعة على لسان رسلنا {فَفَسَقُواْ فِيهَا } فخرجوا عن أمرنا {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ } بالعذاب {فَدَمَّرْنَٰهَا تَدْمِيرًا } أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريبها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها..} الآية في قوله {وإذا أردنا أن نهلك قرية} ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه إذا أردنا أن نحكم بهلاك قرية. والثاني: معناه وإذا أهلكنا قرية، وقوله {أردنا} صلة زائدة كهي في قوله تعالى: {أية : جداراً يريد أن ينقض} تفسير : [الكهف: 77] الثالث: أنه أراد بهلاك القرية فناء خيارها وبقاء شرارها. {أمرنا مترفيها} الذي عليه الأئمة السبعة من القراء أن أمرنا مقصور مخفف، وفيه وجهان: أحدهما: أمرنا متفريها بالطاعة، لأن الله تعالى لا يأمر إلا بها، {ففسقوا فيها} أي فعصوا بالمخالفة، قاله ابن عباس. الثاني: معناه: بعثنا مستكبريها، قاله هارون، وهي في قراءة أبيِّ: بعثنا أكابر مجرميها. وفي قراءة ثانية {أمّرنا مترفيها} بتشديد الميم، ومعناه جعلناهم أمراء مسلطين، قاله أبو عثمان النهدي. وفي قراءة ثالثة {آمَرْنا مُترفيها} ممدود، ومعناه أكثرنا عددهم، من قولهم آمر القوم إذا كثروا، لأنهم مع الكثرة يحتاجون إلى أمير يأمرهم وينهاهم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : خير المال مهرة أو سُكة مأبورة" تفسير : أي كثيرة النسل، وقال لبيد: شعر : إن يغبطوا يهبطوا وإن أمِروا يوماً يصيروا إلى الإهلاك والنكد تفسير : وهذا قول الحسن وقتادة. وفي {مترفيها} ثلاثة تأويلات: أحدها جباروها، قاله السن. الثاني: رؤساؤها، قاله علي بن عيسى. الثالث: فساقها، قاله مجاهد.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَرَدْنَآ} صلة تقديره إذا أهلكنا، أو حكمنا لهلاك قرية. {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} بالطاعة {فَفَسَقُواْ} بالمخالفة "ع" {أَمَرْنَا} جعلناهم أمراء مسلطين. {آمرنا} كثرّنا عددهم، أمر القوم كثروا وإذا كثروا احتاجوا إلى أمراء {مُتْرَفِيهَا} الجبارون، أو الرؤساء.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } قرأ الجمهور: «أَمَرْنَا»؛ على صيغة الماضي، وعن نافع وابن كثير، في بعض ما رُوِيَ عنهما: «آمَرْنَا» بمد الهمزة؛ بمعنى كَثَّرنا، وقرأ أبو عمرو بخلاف عنه: «أَمَّرْنَا» بتشديد الميم، وهي قراءة أبي عثمان النَّهْديِّ، وأبي العاليةِ وابن عبَّاسِ، ورُوِيَتْ عن علي، قال الطبري القراءة الأولى معناها: أمرناهم بالطَّاعة، فعصَوْا وفَسَقُوا فيها، وهو قولُ ابن عباس وابنِ جبير، والثانية: معناها: كَثَّرناهم، والثالثة: هي من الإِمارَةِ، أي ملَّكناهم على الناس، قال الثعلبي: واختار أبو عُبَيْد وأبو حاتمٍ قراءة الجمهور، قال أبو عُبَيْد: وإِنما اخترْتُ هذه القراءة، لأنَّ المعاني الثلاثةَ مجتمعةٌ فيها، وهي معنى الأمْرِ والإِمارة والكثرة انتهى. * ت *: وعبارة ابن العربي: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } يعني بالطاعة، ففسقوا بالمخالَفَة انتهى من كلامه على الأفعال الواقعة في القرآن، «والمترف» الغنيُّ من المالِ المتنعِّم، والتُّرْفَةُ: النِّعمة، وفي مُصْحف أبيِّ بن كعب: «قَرْيَةً بَعَثْنَا أكابِرَ مُجْرِمِيها فَمَكَرُوا فيها». وقوله سبحانه: {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ}، أي: وعيدُ اللَّه لها الذي قاله رسولهم، «والتدميرُ» الإِهلاك مع طَمْس الآثار وهَدْمِ البناء. {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ...} الآية: مثال لقريشٍ ووعيدٌ لهم، أي: لستم ببعيد مما حصلوا فيه إِن كذبتم، وٱختلف في القرن، وقد روى محمَّد بن القاسم في خَتْنِهِ عَبْد اللَّه بن بُسْر، قال: « حديث : وضع رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَدَهُ على رأسه، وقال: «سَيَعِيشُ هَذَا الغُلاَمُ قَرْناً» قُلْتُ: كم القَرْنُ؟ قالَ: مِائَةُ سنة » تفسير : قال محمد بن القاسِمِ: فما زِلْنَا نَعُدُّ له حتى كملِ مِائَةَ سنةٍ، ثم ماتَ رحمه الله. والباء في قوله: {بِرَبِّكَ} زائدةٌ، التقديرٌ وكفَى ربُّكَ، وهذه الباء إِنما تجيء في الأغلب في مَدْحٍ أو ذمٍّ، وقد يجيء «كَفَى» دون باء، كقول الشاعر: [الطويل]شعر : .................................... كَفَى الشَّيْبُ وَالإِسْلاَمُ لِلمَرْءِ ناهِيَا تفسير : وكقول الآخر: [الطويل] شعر : وَيُخْبرُني عَنْ غَائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ كَفَى الهَدْيُ عَمَّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرَا تفسير : وقوله سبحانه: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ...} الآية: المعنى فإِن اللَّه يعجِّل لمن يريدُ من هؤلاء ما يشاء سبحانه؛ على قراءة النون، أو ما يشاء هذا المريدُ؛ على قراءة الياء، وقوله: {لِمَن نُّرِيدُ } شرط كافٍ على القراءتين، وقال ابن إسحاق الفَزَارِيُّ: المعني لِمَنْ نريدُ هَلَكَتَه، و«المدحورُ» المهان المُبْعَدُ المذَّلل المسخُوطُ عليه. وقوله سبحانه: {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ }، أي: إِرادَة يقينِ وإِيمانٍ بها، وباللَّهِ ورسالاتِهِ، ثم شرَطَ سبحانه في مريدِ الآخرة أنْ يَسَعى لها سَعْيَها، وهو ملازمُة أعمالِ الخير على حُكْم الشرع، {فَأُوْلَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } ولا يشكر اللَّه سعياً ولا عملاً إِلا أثابَ عليه، وغَفَر بسببه؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديثِ الرجُلِ الذي سَقَى الكَلْبَ العاطِشَ: « فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ له». وقوله سبحانه: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاءِ وَهَـؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ } يحتملُ أنْ يريد بـــ«العطاء» الطاعات لمريد الآخرةِ، والمعاصي لمريد العاجلةِ، وروي هذا التأويل عن ابن عباس، ويحتمل أن يريد بالعطاء رزقَ الدنيا، وهو تأويل الحسن بن أبي الحسن، وقتادة، المعنى أنه سبحانه يرزقُ في الدنيا من يريد العاجلَة ومريدَ الآخرة، وإِنما يقع التفاضُلُ والتبايُنُ في الآخرةِ، ويتناسَبُ هذا المعنى مع قوله: {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا }، أي: ممنوعاً، وقَلَّمَا تصلح هذه العبارةُ لمن يُمَدّ بالمعاصي.
ابن عادل
تفسير : قرأ العامَّةُ "أمَرْنَا" بالقصر والتخفيف، وفيه وجهان: أحدهما: أنه من الأمرِ الذي هو ضدُّ النهي، ثم اختلف القائلون بذلك في متعلق هذا لأمر، فعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - في آخرين: أنه أمرناهم بالطاعة، ففسقوا، وقد ردَّ هذا الزمخشريُّ ردًّا شديداً، وأنكره إنكاراً بليغاً في كلام طويل، حاصله: أنه حذف ما لا دليل عليه، وقدَّر هو متعلق الأمر: الفسق، أي: أمرناهم بالفسق، قال: "أي: أمرناهم بالفسق، فعملوا، لأنه يقال: أمَرْتهُ، فقام، وأمرته، فقرأ، وهذا لا يفهم منه إلا أنَّ المأمور به قيامٌ أو قراءة، فكذا هاهنا، لمَّا قال: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا}. وجب أن يكون المعنى: أمرناهم بالفسق، ففسقوا، ولا يقال: هذا يشكل بقوله: أمرتهُ فعصَانِي، أو فَخالفَنِي؛ فإنَّ هذا لا يفهم منه إلاَّ أنَّ المأمور به قيامٌ أو قراءةٌ، فكذا هاهنا، كما قال: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيها، فَفَسَقُوا فِيهَا}. وجب أن يكون المعنى: أمرناهُمْ بالفسق، ففسقُوا، ولا يقال: هذا يُشكل بقوله: أمرتُهُ فعصاني، أو فخالفني؛ فإنَّ هذا لا يُفهم منه أنِّي أمرتُهُ بالمعصية، والمخالفةِ؛ لأنَّ المعصية مُخَالفةٌ للأمْرِ، ومُناقِضَةٌ له، فيكونُ كونها مأموراً بها محالاً. فلهذا الضرورة تركنا هذا الظَّاهر، وقلنا: الأمر مجازٌ؛ لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون، فبقي أن يكون مجازاً، ووجه المجازِ: أنه صبَّ عليهم النعمة صبًّا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي، واتِّباع الشَّهوات، فكأنَّهم مأمورون بذلك؛ لتسبُّبِ إيلاءِ النِّعمةِ فيه، وإنما خوَّلهم فيها ليشكروا". ثم قال: "فإن قلت: فهلاَّ زعمت أنَّ معناه: أمرناهم بالطَّاعة ففسقوا؟ قلت: لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائزٍ، فكيف حذف ما الدليل قائمٌ على نقيضه؟ وذلك أنَّ المأمور به، إنَّما حذف لأنَّ "فَفَسقُوا" يدلُّ عليه، وهو كلامٌ مستفيضٌ؛ يقال: "أمَرْتُه، فقَامَ" و "أمَرتهُ فَقَرأ" لا يفهم منه إلاَّ أن المأمور به قيامٌ أو قراءةٌ، ولو ذهبت تقدِّر غيره، رمت من مخاطبك علم الغيب، ولا يلزم [على] هذا قولهم: أمَرتهُ، فعصَانِي" أو "فَلمْ يَمْتثِلْ" لأنَّ ذلك منافٍ للأمر مناقضٌ له، ولا يكون ما يناقض الأمر مأموراً به، فكان محالاً أن يقصد أصلاً؛ حتّى يجعل دالاًّ على المأمور به، فكان المأمور به في هذا الكلام غير منويٍّ، ولا مراد؛ لأن من يتكلَّم بهذا الكلام لا ينوي لأمره مأموراً به؛ فكأنَّه يقول: كان منِّي أمر، فكان منه طاعة، كما أنَّ من يقول: "فلانٌ يأمر وينهى، ويعطي ويمنع" لا يقصد مفعولاً. فإن قلت: هلاَّ كان ثبوت العلم بأنَّ الله لا يأمر بالفحشاءِ دليلاً على أن المراد: أمرناهم بالخيرِ؟. قلت: لأنَّ قوله "فَفسَقوا" يدافعه؛ فكأنك أظهرت شيئاً، وأنت تضمر خلافه، ونظير "أمَرَ": "شاء" في أن مفعوله استفاض حذف مفعوله؛ لدلالةِ ما بعده عليه؛ تقول: لو شاء، لأحسن إليك، ولو شاء، لأساء إليك، تريد: لو شاء الإحسان، ولو شاء الإساءة، ولو ذهبت تضمر خلاف ما أظهرت، وقلت: قد دلَّتْ حال من أسندت إليه المشيئةُ أنه من أهلِ الإحسان، أو من أهل الإساءةِ، فاتركِ الظاهر المنطوق، وأضمر ما دلَّت عليه حالُ المسند إليه المشيئةُ، لم تكن على سدادٍ. وتتبَّعه أبو حيَّان في هذا، فقال: أمَّا ما ارتكبه من المجاز، فبعيد جدًّا، وأما قوله: "لأنَّ حذف ما لا دليل عليه غير جائزْ" فتعليلٌ لا يصح فيما نحن بسبيله، بل ثمَّ ما يدل على حذفه، وقوله: "فكيف يحذف ما الدليل على نقيضه قائمٌ" إلى "علم الغيب" فنقول: حذف الشيء تارة يكون لدلالة موافقه عليه، ومنه ما مثَّل به في قوله "أمَرْتهُ، فقَامَ"، وتارة يكون لدلالة خلافه أو ضدِّه، أو نقيضه؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تفسير : [الأنعام: 13] أي: ما سكن وتحرَّك، وقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81]، أي: والبرد، وقول الشاعر: [الوافر] شعر : 3391- ومَا أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضاً أريدُ الخَيْرَ أيُّهُمَا يَلِينِي أألْخَيْرُ الَّذي أنَا أبْتَغيهِ أم الشَّرُّ الذي هُوَ يَبْتَغينِي تفسير : أي: وأجْتنِبُ الشَّر، وتقول: "أمَرتهُ، فلمْ يُحْسِنْ" فليس المعنى: أمرته بعدم الإحسان، بل المعنى: أمرته بالإحسانِ، فلم يحسِن، والآية من هذا القبيل، يستدلُّ على حذف النَّقيضِ بنقيضه، كما يستدلُّ على حذف النظير بنظيره، وكذلك: "أمَرْتهُ، فأسَاءَ إليَّ" ليس المعنى: أمَرْتهُ بالإساءة، بل أمرته بالإحسان، وقوله: "ولا يَلزَمُ هذا قولهم: أمَرْتهُ فعَصانِي" نقول: بل يلزمُ، وقوله "لأنَّ ذلك منافٍ" أي: لأنَّ العصيانَ منافٍ، وهو كلامٌ صحيح، وقوله: "فكان المأمورُ به غير مدلُولٍ عليه ولا مَنْوي" لا يسلَّم بل مدلولٌ عليه ومنويٌّ لا دلالة الموافق بل دلالة المناقض؛ كما بيَّنا، وقوله: "لا يَنوِي مأموراً به" لا يسلَّم، وقوله "لأنَّ "فَفَسقُوا" يدافعه، إلى آخره" قلنا: نعم، نوى شيئاً، ويظهر خلافه؛ لأنَّ نقيضه يدل عليه، وقوله: ونظير "أمَرَ" "شَاءَ" ليس نظيره؛ لأن مفعول "أمَرَ" كثر التصريح به. قال سبحانه جل ذكره: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} تفسير : [الأعراف: 28] {أية : أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [يوسف: 40] {أية : يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} تفسير : [النحل: 76] {أية : أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [الأعراف: 29] {أية : أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ} تفسير : [الطور: 32]، وقال الشاعر: [البسيط] شعر : 3392- أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أمِرْتَ بِهِ ..................... تفسير : قال شهاب الدين رحمه الله: والشيخ ردَّ عليه ردَّ مستريحٍ من النَّظرِ، ولولا خوفُ السآمةِ على الناظرِ، لكان للنظر في كلامهما مجالٌ. قال ابن الخطيب: ولقائلٍ أن يقول: كما أنَّ قوله: "أمَرْتُهُ، فَعصَانِي" يدلُّ على أن المأمور به شيءٌ غير المعصية من حيث إنَّ المعصية منافية للأمر مناقضةٌ له، فكذلك قوله: أمرته ففسق يدلُّ على أنَّ المأمور به شيء غير الفسقِ؛ لأن الفسقَ عبارةٌ عن الإتيان بضدِّ المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به، كما أنَّ كونها معصية ينافي كونها مأموراً بها؛ فوجب أن يدلَّ هذا اللفظ على أنَّ المأمور به ليس بفسقٍ، وهذا في غاية الظهور. الوجه الثاني: أنَّ "أمَرْنَا" بمعنى كَثَّرْنَا قال الواحديُّ: العرب تقول: أَمِرَ القومُ: إذا أكثروا. ولم يرض به الزمخشريُّ في ظاهر عبارته، فإنه قال: وفسَّر بعضهم "أمَرْنَا" بـ كَثَّرْنَا" وجعله من باب: "فعَّلتُه، فَفَعَلَ" كـ "ثَبَّرْتُهُ فَثَبَر". وفي الحديث: "حديث : خَيْرُ المَالِ سكَّة مَأبورةٌ، ومُهرةٌ مَأمُورةٌ"تفسير : ، أي: كثيرة النِّتاجِ. وقد حكى أبو حاتم هذه اللغة، يقال: أمِرَ القوم، وأمرهم الله، ونقله الواحديُّ عن أهل اللغة، وقال أبو عليٍّ: "الجيِّدُ في "أمَرْنَا" أن يكون بمعنى "كَثَّرْنَا" واستدلَّ أبو عبيدة بما جاء في الحديث، فذكره؛ يقال: أمر الله المهرة، أي: كثَّر ولدها، قال: "ومَنْ أنكر "أمَرَ الله القومَ" أي: كثَّرهم [لم يلتفت إليه؛ لثبوت ذلك لغة" ويكونُ ممَّا لزم وتعدى بالحركةِ المختلفة؛ إذ يقال: أمر القوم، كثروا، وأمرهم الله: كثَّرهُمْ]، وهو من باب المطاوعة: أمرهم الله، فأتمروا، كقولك: شَتَرَ الله عينهُ، فَشتِرَتْ، وجدعَ أنْفَهُ فجَدِعَ، وثلمَ سنَّهُ، فثَلِمَتْ. وقرأ الحسن، ويحيى بن يعمر، وعكرمة "أمِرْنَا" بكسر الميم؛ بمعنى "أمَرْنَا" بالفتح، حكى أبو حاتم، عن أبي زيدٍ: أنه يقال: "أمَرَ الله [مالهُ،] وأمِره" بفتح الميم وكسرها، وقد ردَّ الفراء هذه القراءة، ولا يلتفت لردِّه؛ لثبوتها لغة بنقل العدولِ، وقد نقلها قراءة عن ابن عبَّاس أبو جعفر، وأبو الفضل الرازيُّ في "لَوامحهِ" فكيف تردُّ؟. وقرأ عليُّ بن أبي طالب، وابن أبي إسحاق وأبو رجاء - رضي الله عنهم - في آخرين "آمَرْنَا" بالمدِّ، ورُويتْ هذه قراءة عن ابن كثير وأبي عمرو، وعاصم ونافع، واختارها يعقوب، والهمزة فيه للتعدية. وقرأ عليٌّ أيضاً، وابن عباس، وأبو عثمان النهديُّ: "أمَّرْنَا" بالتشديد، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّ التضعيف للتعدية، عدَّاه تارة بالهمزة، وأخرى بتضعيف العين، كأخرجته وخرَّجته. والثاني: أنه بمعنى جعلناهم أمراء، واللازم من ذلك "أمِّرَ" قال الفارسي: "لا وجه لكون "أمَّرنَا" من الإمارة؛ لأنَّ رئاستهم لا تكون إلاَّ لواحد بعد واحد، والإهلاكُ إنَّما يكون في مدَّة واحدةٍ". ورُدَّ على الفارسي: بأنَّا لا نسلم أنَّ الأمير هو الملكُ؛ حتى يلزم ما قلت، بل الأمير عند العرب من يأمرُ ويؤتمر به، ولئن سلِّم ذلك، لا يلزم ما قال؛ لأنَّ المترف إذا ملك، ففسق، ثم آخر بعده، ففسق، ثم كذلك، كثر الفساد، ونزل بهم على الآخر من ملوكهم العذاب، واختار أبو عبيدة قراءة العامة وقال: فإنَّ المعاني الثلاثة تجتمع فيها، يعني: الأمر، والإمارة، والكثير. المترف في اللغة: المُنَعَّم، والغنيُّ: الَّذي قد أبطرته النِّعمة، وسعةُ العيش. قوله تعالى: {فَفَسَقُواْ فِيهَا} أي: خرجوا عمَّا أمرهم الله. {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ}: أي: وجب عليها العذاب. {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} أي: خرَّبناها، وأهلكنا من فيها، وهذا كالتقرير، لقوله - تعالى -: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. وقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً}تفسير : [القصص: 59]. فصل في الاحتجاج لأهل السنة استدلَّ أهل السنة بهذه الآية على صحَّة مذهبهم من وجوه: الأول: أنَّ ظاهر الآية يدل على أنَّه تعالى أراد إهلاكهم ابتداء، ثم توسَّل إلى إهلاكهم بهذا الطريق؛ وهذا يدلُّ على أنَّه تعالى أراد إيصال الضرر إليهم ابتداء. الثاني: دلَّ ظاهر الآية على أنه - تعالى - إنما خصَّ المترفين بذلك الأمر لعلمه بأنَّهم يفسقون، وذلك يدلُّ على أنَّه تعالى أراد منهم الفسقَ. الثالث: أنه - تعالى - قال: {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ} أي: حقَّ عليها القول بالتَّعذيب والكفر، ومتى حقَّ عليها القول بذلك، امتنع صدور الإيمان منهم؛ لأنَّ ذلك لا يستلزم انقلاب خبر الله الصدق كذباً، وذلك محالٌ، والمفضي إلى المحال محالٌ. قال الكعبيُّ - رحمه الله - إنَّ سائر الآيات دلَّت على أنَّه - تعالى - لا يبتدىء بالتعذي والإهلاك؛ لقوله تعالى {أية : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} تفسير : [الرعد: 11]. وقوله عزَّ وجلَّ: {أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ} تفسير : [النساء: 147] وقوله - عز ذكره: {أية : وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} تفسير : [القصص: 59]. وكلُّ هذه الآيات تدل على أنَّه لا يبتدىء بالإضرار، وأيضاً: ما قبل هذه الآية يدلُّ على هذا المعنى، وهو قوله - تعالى -: {أية : مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [الإسراء: 15]. ومن المحال أن يقع بين آيات القرآن تناقض؛ فثبت أنَّ هذه الآيات محكمة، والآيات التي نحن في تفسيرها مجملة؛ فيجب حمل هذه الآية على تلك الآيات. واعلم أنَّ أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية على وجه يوافق قول المعتزلة: "القَفَّالُ" - رحمه الله تعالى - فإنه ذكر وجهين: الأول: أنه - تعالى - أخبر أنَّه لا يعذِّب أحداً بما يعلمه منه، ما لم يعمل به أي: لا يجعل علمه حجَّة على من علم أنَّه إذا أمره عصاه، بل يأمره، فإذا ظهر عصيانه للنَّاس، فحينئذٍ يعاقبه. وقوله - تعالى -: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا}. معناه: وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم بظهور معاصيهم، فحينئذ {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا}. أي: أمرنا المنعَّمينَ فيها المتعزّزين الظَّانين أن أموالهم وأولادهم وأنصارهم تردُّ عنهم بأسنا بالإيمان والعمل بشرائع ديني، على ما يبلِّغهم عنِّي رسولي، ففسقوا، فحينئذ يحقُّ عليهم القضاء السابق بإهلاكهم، لظهور معاصيهم، فحينئذ أدمِّرُها. والحاصل: أن المعنى: وإذا اردنا أن نهلك قرية بسبب علمنا بأنهم لا يقدمون إلا على المعصية لم نكتف [في تحقيق] ذلك الإهلاك بمجرَّد ذلك العلم، بل أمرنا مترفيها، ففسقوا، فإذا ظهر منهم ذلك الفسق، فحينئذ نوقع العذاب الموعود به. الوجه الثاني: أنَّ التأويل: وإن أردنا أن نهلك قرية بسبب ظهور المعاصي من أهلها، لم نعاجلهم بالعذاب في أوَّل ظهور المعاصي بينهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي. وإنَّما خصَّ المترفين بذلك الأمر؛ لأنَّ المترف هو المنعَّم، ومن كثرت نعمة الله عليه، كان قيامه بالشُّكر أوجب، فإذا أمرهم بالتوبة والرجوع عن المعاصي مرة بعد أخرى، مع أنه لا يقطع عنهم تلك النِّعم، بل يزيدها حالاً بعد حالٍ، فحينئذ يظهر عنادهم وتمرُّدهم وبعدهم عن الرجوع عن الباطل إلى الحقِّ، فحينئذ يصبُّ الله البلاء عليهم صباً. ثم قال القفال - رحمه الله -: وهذان التأويلان راجعان إلى أنَّ الله - تعالى - أخبر عن عباده أنَّه لا يعاجل بالعقوبة أمة ظالمة؛ حتى يعذر إليهم غاية الإعذار، الذي يقع منه اليأس من إيمانهم، كما قال - تعالى - في قوم نوح - عليه السلام -: {أية : وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} تفسير : [نوح: 27]، وقال عزَّ وجلَّ: {أية : أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءَامَنَ} تفسير : [هود: 36] وقال تعالى في غيرهم: {أية : فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} تفسير : [الأعراف: 101] فأخبر الله تعالى عنهم أولاً أنَّه لا يظهر العذاب إلاَّ بعد بعثة الرسل، ثم أخبر ثانياً في هذه الآية: أنه - تعالى - إذا بعث الرسل أيضاً، فكذِّبوا، لم يعاجلهم بالعذاب، بل يتابع عليهم النصائح والمواعظ، فإن بقوا مصرِّين، فهناك ينزل عليهم عذاب الاستئصال. وأجاب الجبائيُّ فقال: ليس المراد من الآية أنَّه تعالى يريد إهلاكهم قبل أن يعصوا ويستحقُّوا ذلك؛ لأنَّه لا يظلم، وهو على الله محالٌ، بل المراد من الإرادة قرب تلك الحالة، فكان التقدير: وإذا قرب وقت إهلاكِ قريةٍ أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها، وهو كقول القائل: إذا أراد المريض أن يموت ازدادت أمراضه شدَّة، وإذا أراد التَّاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كلِّ جهةٍ، وليس المراد أنَّ المريض يريدُ أن يموت على الذُّنوب، والتَّاجر يريد أن يفتقر، وإنَّما يعنون أنه سيصير كذلك؛ فكذا هاهنا. واعلم أنَّ هذه الوجوه جواب عن الوجه الأوَّل من الوجوه الثلاثة المتقدمة في التمسُّك بهذه الآية، وكلها عدول عن ظاهر اللفظ، وأما الوجه الثاني والثالث فبقي سليماً عن الطَّعن.
ابو السعود
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً} بيان لكيفية وقوع التعذيب بعد البعثة التي جعلت غاية لعدم صحته وليس المراد بالإرادة تحققها بالفعل إذ لا يتخلف عنها المراد ولا الإرادة الأزلية المتعلقة لوقوع المراد في وقته المقدر له إذ لا يقارنه الجزاء الآتي بل دنو وقتها كما في قوله تعالى {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل، الآية 1] أي وإذ دنا وقت تعلق إرادتنا بإهلاك قرية بأن نعذب أهلها بما ذكرنا من عذاب الاستئصال الذي بينا أنه لا يصح منا قبل البعثة أو بنوع مما ذكرنا شأنه من مطلق العذاب أعني عذاب الاستئصال لما لهم من الظلم والمعاصي دنوا تقتضيه الحكمة من غير أن يكون له حد معين {أَمَرْنَا} بواسطة الرسول المبعوث إلى أهلها {مُتْرَفِيهَا} متنعميها وجباريها وملوكها خصهم بالذكر مع توجه الأمر إلى الكل لأنهم الأصول في الخطاب والباقي أتباع لهم ولأن توجه الأمر إليهم آكدو عدم التعرض للمأمور به إما الظهور أن المراد به الحق والخير لأن الله لا يأمر بالفحشاء لا سيما بعد ذكر هداية القرآن لما يهدي إليه وإما لأن المراد وجد منا الأمر كما يقال فلان يعطي ويمنع {فَفَسَقُواْ فِيهَا} أي خرجوا عن الطاعة وتمردوا {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ} أي ثبت وتحقق موجبه بحلول العذاب إثر ما ظهر منهم من الفسق والطغيان {فَدَمَّرْنَاهَا} بتدمير أهلها {تَدْمِيراً} لا يكتنه كنهه ولا يوصف. هذا هو المناسب لما سبق، وقيل الأمر مجاز عن الحمل على الفسق والتسبب له بأن صب عليهم ما أبطرهم وأفضى بهم إلى الفسوق وقيل هو بمعنى التكثير يقال أمَرْتُ الشيء فأمِرَ أي كثّرته فكثرُ وفي الحديث حديث : خير المال سكة مأبورة ومَهْرَةٌ مأمورة تفسير : أي كثيرةُ النِتاج ويعضده قراءة آمَرْنا وأمّرنا من الإفعال والتفعيل وقد جُعلتا من الإمارة أي جعلناهم أمراءَ وكل ذلك لا يساعده مقام الزجر عن الضلال والحث على الاهتداء فإن مؤدَّى ذلك أن طغيانَهم مَنوطٌ بإرادة الله سبحانه وإنعامه عليهم بنعم وافرة أبطرْتهم وحملهم على الفسق حملاً حقيقياً بأن يعبر عنه بالأمر به.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} [الآية: 16]. قال بعضهم: أهلكنا خيارها، وأبقينا شرارها. قال أبو عثمان: إذا أخرج الله تعالى إنكار المعاصى من القلوب خيف إذ ذاك على الخلق الهلاك.
القشيري
تفسير : إذا كَثُرَ أهلُ الفسادِ غَلَبُوا، وقَلَّ أهل الصلاح وفقدوا: فعند ذلك يغمر اللَّهُ الخَلْقَ ببلائه، ولا يكون للناس ملجأ من أوليائه ليتكلموا في بابهم، ولا فيهم من يبتهل إلى الله فَيُسْمَعُ دعاؤه، فَيَخْتَرِمُ أولياءَه، ويُبْقِي أربابَ الفساد، وعند ذلك يشتدُّ البلاءُ وتَعْظُمُ المِحَنُ إلى أن ينظرَ اللَّه تعالى إلى الخَلْق نَظَرَ الرحمةِ والمِنَّة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ} اذا اراد الله سبحانه خراب الدّنيا ياخذ اولياءه منها ويبقى اعداءه فيها فاذا ذهب منها الصديقون الذين يندفع العذاب بدعائهم وتدفع البلايا ببركاتهم يسقط عليهم بعد ذلك قوله الحق بالغضب وهلاكهم وايضا اذا اراد الله ان يخرب قلب المريد سلط عليه عساكر هوى نفسه وجنود شياطينه حتى يدوروا فى ارض القلب ويخرّبوها بسنابك خيول الشهوات وآفات الطبيعيات والخطرات نعوذ بالله منها قال بعضهم اهلكنا خيارها وابقينا شرارها وقال ابو عثمان اذا اخرج الله انكار المعاصى من القلوب فانه يخاف على الخلق اذ ذاك الهلاك.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا اردنا ان نهلك قرية} اى واذا دنا وقت تعلق ارادتنا باهلاك قرية بان نعذب اهلها {امرنا} بالطاعة على لسان الرسول المبعوث الى اهلها {مترفيها} متنعميها وكبارها وملوكها. والمترف كمكرم من ابطرته النعمة وسعة العيش والترفه بالضم والنعمة والطعام الطيب وخصهم بالذكر مع توجه الامر الى الكل لانهم الاصول فى الخطاب والباقى اتباع لهم {ففسقوا فيها} اى خرجوا عن الطاعة وتمردوا فى تلك القرية {فحق عليها القول} اى ثبت وتحقق موجبه بحلول العذاب اثر ما ظهر فسقهم وطغيانهم. قال الكاشفى [بس واجب شود براهل آن ده كلمه عذاب كه سبقت كرفته درحكم ازلى مستوجب عقوبت شدند] {فدمرناها} بتدمير اهلها وتخريب ديارها. والتدمير الاهلاك مع طمس الاثر وهدم البناء {تدميرا} وقيل الامر مجاز من الحمل على الفسق والتسبب له بان صب عليهم ما ابطرهم وافضى بهم الى الفسوق.
الطوسي
تفسير : قرأ يعقوب {آمرنا} بمد الهمزة. وعن الحسن {أمّرنا} بالتشديد، وروي عنه {أمِرنا} بكسر الميم خفيفة وهي ردية. ذكر في هذه الآية وجوه أربعة: أحدها - ان مجرد الاهلاك لا يدل على أنه حسن أو قبيح، بل يمكن وقوعه على كل واحد من الأمرين، فإِذا كان واقعاً على وجه الظلم، كما قبيحاً، وإِذا كان واقعاً على وجه الاستحقاق أو على وجه الامتحان، كان حسناً، فتعلق الارادة به لا يقتضى تعلقها على الوجه القبيح. وإِذا علمنا أن القديم لا يفعل القبيح، علمنا أن إِرادته الاهلاك على الوجه الحسن. وقوله {أمرنا مترفيها} المأمور به محذوف، وليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق وان وقع بعده الفسق، بل لا يمتنع أن يكون التقدير: وإِذا أردنا أن نهلك قرية أمرناهم بالطاعة، ففسقوا فيها فحق عليها القول، وجرى ذلك مجرى قولهم: أمرته فعصى ودعوته فأبى، والمراد أمرته بالطاعة ودعوته إِلى الاجابة والقبول، فعصى. فإن قيل: أيّ معنى لتقدم الارادة؟ فإِن كانت متعلقة بإِهلاك يستحق بغير الفسق المذكور في الآية، فلا معنى لقوله {إِذا أردنا... أمرنا}، لأن أمره بما يأمر به لا يحسن إِرادته للعقاب المستحق بما تقدم من الأفعال، وإِن كانت الارادة متعلقة بالاهلاك المستحق بمخالفة الأمر المذكور في الآية، فهو الذي تأبونه، لأنه يقتضي أنه تعالى مريد لإهلاك من لم يستحق العقاب!!. قلنا: لم تتعلق الارادة إِلا بالإِهلاك المستحق بما تقدم من الذنوب، وإِنما حسن قوله {إِذا أردنا... أمرنا} أن في تكرار الأمر بالطاعة بالايمان إِعذاراً للعصاة وإِنذاراً لهم وإِيجاباً للحجة عليهم، ويقوي ذلك قوله قبل هذه الآية {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} منبهاً بذلك أنه أراد إِثبات الحجة وتكررها عليهم الثاني - أن يكون قوله {أمرنا مترفيها} من صفة القرية وصلتها، ولا يكون جواباً لقوله {وإِذا أردنا} ويكون تقدير الكلام: وإِذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنا {أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} ولا يكون لـ (إِذا) جواب ظاهر في اللفظ، للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه، ومثله قوله {أية : حتى إِذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم}تفسير : إِلى قوله {أية : فنعم أجر العاملين}تفسير : ولم يأت لـ (إذا) جواب في طول الكلام للاستغناء عنه، وقال الهذلي: شعر : حتى إِذا أسلكوهم في قتائدة شلاً كما يطرد الجمالة الشردا تفسير : فحذف جواب (إِذا) ولم يأت به، لأن هذا البيت آخر القصيدة. الثالث - أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، وتقديره إِذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة، فعصوا، واستحقوا العقاب، أردنا إِهلاكهم، ويشهد بهذا التأويل قوله {أية : يا أيها الذين آمنوا إِذا قمتم إِلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}تفسير : فالطهارة انما تجب قبل القيام الى الصلاة. ومثله قوله {أية : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك}تفسير : وقيام الطائفة معه يجب أن يكون قبل إِقامة الصلاة لأن إِقامتها هو الاتيان بجميعها على الكمال. ومثله قوله {أية : ما إِنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوّة}تفسير : والتقدير ما إِنّ مفاتحه لتنوء بها العصبة أي يثقلون بها، ومثله قول الشاعر: شعر : ذعرت القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين تفسير : أراد مقام الذئب اللعين، وقد فصلوا بين المضاف والمضاف اليه قال الشاعر: شعر : بين ذراعي وجبهة الأسد تفسير : اراد بين ذراعي الأسد وجبهته. والرابع - أن يكون ذكر الارادة في الآية مجازاً واتساعاً وتنبيهاً على المعلوم من حال القوم وعاقبة أمرهم، وأنهم متى أمروا فسقوا وخالفوا، وجرى ذلك مجرى قولهم: إِذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كل وجه، وجاء الخسران من كل طريق، وإِذا اراد العليل ان يموت خلط في مأكله، ومعلوم أن احداً ممن ذكرناه لم يرد ذلك؛ لكن لما كان المعلوم من حال هذا الخسران، ومن حال ذاك الهلاك، حسن هذا الكلام، وكان أفصح وأبلغ، لما فيه من الاستعارة والمجاز الذي لا يكون الكلام بليغاً من دونهما. ويكون تلخيص الكلام: إِذا اردنا اهلاك قرية كقوله {أية : جداراً يريد أن ينقض}تفسير : أمرناهم بالطاعة، ففسقوا فيها، فحق عليها القول. وانما خصّ المترفون بذكر الأمر، لأنهم الرؤوساء الذين من عداهم تبع لهم، كما أمر فرعون ومن عداه تبع له من القبط. ومن حمله على ان المراد به أكثرْنا قال: لأن الأمر بالطاعة ليس بمقصور على المترفين، بل هو عام لجميعهم، فلذلك شدّد الميم أو مدّ الهمزة. وانما قال {ففسقوا فيها} ولم يقل: فكفروا، لأن المراد فتمردوا في كفرهم لأن الفسوق في الكفر الخروج إِلى افحشه، فكأنه قال ففسقوا بالخروج عن الأمر الى الكفر. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: المعنى أمرناهم بالطاعة، ففسقوا، ومثله امرتك فعصيتني. ومن قرأ {أمّرنا مترفيها} بتشديد الميم من التأمير بمعنى التسليط، وقد يكون بمعنى أكثرنا. ويجوز ان يكون المعنى أكثرْنا عددهم أو مالهم، وقرىء {آمرنا} ممدوداً، والمعنى اكثرْنا مترفيها، وإِنما قيل في الكثرة آمر القوم، لأنهم يحتاجون إِلى أمير يأمرهم وينهاهم، فقد آمروا لذلك، قال لبيد: شعر : ان يغبطوا يهبطوا وان آمروا يوماً يصيروا للهلاك والفند تفسير : وروى والكند وقال بعضهم أمرنا بمعنى اكثرنا، وقال ابو عمرو: ولا يكون من هذا المعنى {أمرنا} قال ابو عبيد: يدل على هذه اللغة قولهم: سكة مأبورة ومهرة مأمورة، أي كثيرة الولد. ومن قال بالأول قال هذا لمكان الازدواج، كما قالوا الغدايا والعشايا، والغداء لا يجمع على غدايا، ولكن قيل ذلك ليزدوج الكلام مع قولهم: العشايا، وقال قوم: يقال أمرالشيء وأمّرته اي كثر وكثرّته لغتان، مثل رجع ورجعته. والمشهور الاول. وإِنما تعدى اما بالتضعيف او الهمزة، وإِذا كان مخففاً فهو من الأمر الذي هو خلاف النهي، على ما بيناه. وقال المبرد: {أَمرنا} خفيفة بمعنى اكثرنا، وروى الجرمي: فعلت وأفعلت - عن ابي زيد - بمعنى واحد، قال وقرأته على الاصمعي. و "دمرنا" معناه أهلكنا، والدمار الهلاك.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} اى منعميها قئ امرنا مفتوح العين من الثّلاثىّ المجرّد وآمرنا ممدود الهمزة من باب الافعال وقرئ امرنا بكسر العين من الثّلاثى، وامرّنا مشدّد العين، والكلّ بمعنى كثّرنا، ويجوز ان يكون امرنا بفتح العين وآمرنا من باب الافعال من الامر ضدّ النهى؛ ويكون المعنى امرناهم تكويناً بالفسق {فَفَسَقُواْ فِيهَا} او يكون المعنى امرناهم تكليفاً بالعبادات ففسقوا، ويجوز ان يكون امرّنا بتشديد وآمرنا من باب الافعال من امر بتثليث العين بمعنى صار اميراً ويكون المعنى جعلنا مترفيها وُلاةً عليها ففسقوا، وتخصيص المترفين على المعانى الاول لانّ غيرهم ينظرون اليهم فيتّبعونهم ولانّهم اقدروا اسرع من غيرهم الى الفجور، ولانّهم افرغ قلباً واجرأ فيكون حيلتهم فى ارتكاب الفجور اكثر وانفذ {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ} بنزول العذاب والاهلاك بعد فسوقهم {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} قيّده ببعد نوح لانّ القرون الّتى كانت قبله لم يكن فيهم ما كان فيمن كان بعده، او لانّ ما كان فيهم لم يصل الينا كما وصل ما كان فيمن كان بعده يعنى اهلكنا كثيراً من بعد نوحٍ فلا نبالى باهلاك الفاسقين منكم {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً} فلا تجترئوا على الّذنوب لعلهم الله بها ومؤاخذته عليها.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً} أى أهل قرية، أو أردنا تخريبها بإِهلاك أهلها والمراد تعلق الإِرادة بإِهلاك قوم لإِنقاذ قضائنا السابق أو دنو وقته المقضى، كقولهم إِذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة، {أَمَرْنَا} من الأَمر ضد النهى أى أمرنا بالتوحيد والشريعة بلسان رسول، {مُتْرَفِيها} أى منعميها وهم الرؤساء الذين يكثر الله عز وجل لهم النعم وخصهم لأَن غيرهم يتبعهم ولأَنهم أسرع إِلى الحماقة وأقدر على الفجور، ويدل على ما ذكرته من كون الأَمر أمراً بالتوحيد والشريعة بلسان رسول قوله وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقوله، {ففَسَقُوا فِيْهَا} أى خرجوا فى القرية عن طاعة الرسول فى أمره لهم بالتوحيد والشريعة فإِن الفسق النسوخ عن الطاعة فدل عليها بطريق المقابلة فإِن دليل الحذف كما يكون بالموافقة يكون بالمخالفة أو بضد كقوله جل وعلا: وله ما سكن فى الليل والنهار أى وما تحرك، وذلك قول ابن عباس، وقيل المعنى أمرناهم بالفسق كما أنه إِذا قيل أمرته فأَكل يفهم أن المراد أمرته بالأَكل فأَكل، وإِذا قيل أمرته فقرأ، يفهم أن المراد أمرته بالقراءة فقرأ، وذلك فى الآية على طريق المجاز، فإِن الله سبحانه وتعالى لا يأْمر بالفسق، وبيان ذلك المجاز أنه تعالى صب عليهم النعم صباً ليشكروها ويعملوا فيها الخير فجعلوها ذريعة إِلى المعاصى ولما كان صب النعم سبباً لعدم الشكر وللفسوق أو حاملا على ذلك، فكأَنه تعالى هو الذى أمرهم بالفسق إِذ يسر لهم ما توصلوا به لعدم الشكر وللفسق ويحتمل أن يكون الكلام على طريق عدم تعلق الغرض بالمفعول، فلا ينوى للأَمر معمول كما تقول أمرته فعصانى، إِذا لم يكن مرادك الإِخبار بما أمرته بل مجرد ترتب عصيانه على الأَمر، وقيل معنى أمرنا مترفيها أكثرنا مترفيها، يقال أمر الشئ بنفسه أى كثر، وأمرته فأَمر، أى أكثرته فكثر يتعدى ويلزم بلفظ واحد ثلاثى، ومن المتعدى قوله - صلى الله عليه وسلم - حديث : خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورةتفسير : . والسكة بكسر فتشديد صف النخل والمهرة المأْمورة التى أكثر الله نتاجها فكان باسم مفعول وناب عن فاعله ضمير مستتر لا جار ومجرور أو ظرف أو مصدر، وقال مشرك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنى أرى أمرك هذا حقير. فقال - صلى الله عليه وسلم - إنه سيأْمر أى يكثر ويدل على ذلك قراءة يعقوب، أمرنا بهمزة فأَلف تعدية لأَمر اللازم الذى بمعنى كثر فالهمزة للتعدية والألف بدل من همزة الثلاثى، وروى هذه القراءة عن نافع وابن كثير، والمشهور عن نافع القصر لا المد الذى هو قراءة يعقوب، وقرأ أبو عمرو فى رواية أمرنا بالقصر وتشديد الميم أى أكثرناهم فالتشديد فيها تعدية لأَمر اللازم المخفف الذى بمعنى كثر أو مبالغة فى المخفف المتعدى وتحتمل قراءة أبى عمرو هذه أن يكون التشديد فيها للتعدية من أمر بضم الميم بمعنى صار أميراً، أى صيرنا مترفيها أمراء ورويت هذه القراءة عن أبى عثمان النهدى، وأبى العالية، وابن عباس وعلى، وفى مصحف أبى ابن كعب أكابر مجرميها فمكروا فيها، واختار أبو حاتم وأبو عبيد قراءة الجمهور، قال أبو عبيدة: اخترتها معنى الكثرة ومعنى الأمر وضد النهى مجتمعة فيها، كذا قال أبو عبيدة، وليس ذلك الاجتماع مسلماً. {فَحَقَّ} أى وقع {عَلَيْهَا الْقَوْلُ} أى كلمة العذاب السابقة فى الأَزل، أى ما أوعدوا به من العذاب بحلوله أو وجب عليهم العذاب بظهور معاصيهم، {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} أهلكناها بإِهلاك أهلها وتخريبها لكثرة خبثهم.. حديث : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أم المؤمنين زينب بنت جحش فزعاً يقول: لا إِله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإِصبعه الإِبهام والتى يليها. قالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون. قال: نعم. إذا كثر الخبث، أى الشر والويل الهلاكتفسير : . رواه البخارى ومسلم. قال بعضهم: التدمير الإِهلاك مع طمس الآثار وهدم البناء.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا} بالطاعة على لسان الرسول المبعوث إِليهم، وليس فى ذلك ابتداء بالضرر. وهو منزه عنه، لأن التكليف حكمة لا يجوز تخلفها، فلا ضير فى عقاب من عصى، وليس ابتداء أو كثرنا مترفيها، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة" تفسير : السكة: نخل مصطف والمهرة: أعنى الخيل، ومأبورة: ملقحة، وتأبير النخل تلقيحها، والمأمورة كثيرة النتاج، أى أكثر الله نتاجها، والتحقيق أنه من الأمر ضد النهى كما رأيت، والأمر بالكثرة سبب للكثرة. {مُتْرَفِيهَا} رؤساءها المتمتعين أوا لذين أترفتهم النعمة، أى أطغتهم، والمراد أهل قرية، ولا يجوز أن يقدر أمرنا مترفيها بالقسوة ففسقوا، لأن الله لا يأمر بالفحشاء، ويضعف إجازة ذلك على الاستعارة التمثيلية، بأن يشبه حالهم فى تقلبهم فى النعم مع عصيانهم بحال من أمر بذلك، أو على الاستعارة المفردة، بأن يشبه إفاضة النعم لترفة لهم بأمرهم بالفسق، لجامع الحمل عليه، والتسبب له أو الأمر استعارة للحمل والتسبب لجامع الإفضاء. {فَفَسَقُوْا} خرجوا عن الطاعة بسبب كثرة النعم ولذتها، والعامة تتبعهم، بل إذا أراد الله أهلك مَن تبعهم ومَن لم يتبعهم، كما قال الله عز وجل: "أية : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"تفسير : [الأنفال: 25] "حديث : دخل صلى الله عليه وسلم على زينب بنت جحش فزعا يقول: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب قالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث "تفسير : {فِيهَا} فى القرية، وهذا دليل على حذف مضاف خاصة، ومانع من أن يراد هنا بالقرية نفس أهلها مجازاً أو حقيقة، والفسق الخروج، فهم خرجوا عما أمر الله به فتركوه، وعن نهيه ففعلوا ما نهى الله، والأمر بالطاعة شامل للنهى عن المعصية، لأن المعنى أطيعوا فيما أُمرتم به، وفيما نهيتم عنه والأمر والنهى سابقان فى كل زمان وإرادة الإهلاك متعلقة بهما، ولو طالت المسافة بينهما وبين قرب الإهلاك، وهذا أولى من أن يقال: يخصصهم بأمر ونهى جديدين، ولو طبق ما سبق على قصد أن لا يقتتلوا فيهلكهم، كمن يأمر عبده وينهاه، وإذا أراد تأديبه جدد له أمرا أو نهيا على قصد أن يخالف فيؤدبه، وقد يقال: معنى {أمرنا مترفيها} حملناهم بالخذلان على الفسق أو سببنا لهم عليه، وهو ضعيف لا دليل عليه، والمراد: وإذا قرب تعلق إرادتنا، لأن الجواب وهو أمرنا مترفيها قبل تعلق الإرادة، وأمر مترفيها يترتب على قرب التعلق، والإرادة بذلك، بمعنى دنو وقت القضاء المقدر، لأن تعلق الإرادة به يلزمه دنو وقته، لأن المراد لا يتخلف عن الإرادة. {فَحَقَّ} وجب أو نزل {عَلَيْهَا الْقَوْلُ} كلمة العذاب، وهى الوعيد السابق والفاء للسببية مع التعقيب، فإن فسقهم سبب للعذاب، وهو معقب له، وإن تراخى حلوله، وذلك من تفريع الحكم على السبب المؤدى إليه، أو كلمة العذاب السابقة عبارة عن ظهور فسقهم الثابت فى العلم الأزلى. {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} أهلكنا أهلها، وخربناها، فالمراد هى وأهلها، كقوله تعالى: "أية : فكأين من قرية أهلكناها وهى ظالمة فهى خاوية على عروشها" تفسير : [الحج: 45] وذلك أنه لا تهلك قرية مع سلامة أهلها.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً} بيان لكيفية وقوع العذاب بعد البعثة. وليس المراد بالإرادة الإرادة الأزلية المتعلقة بوقوع المراد في وقته المقدر له أصلاً إذ لا يقارنها الجزاء الآتي، ولا تحققها بالفعل إذ لا يتخلف عنه المراد بل دنو وقته كما في قوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 1] أي إذا دنا وقت تعلق إرادتنا بإهلاكها بأن نعذب أهلها بما ذكر من عذاب / الاستئصال الذي بينا أنه لا يصح منا قبل البعثة أو بنوع مما ذكرنا شأنه من مطلق العذاب أعني عذاب الاستئصال لما لهم من الظلم والمعاصي دنواً تقتضيه الحكمة من غير أن يكون له حد معين. {أَمَرْنَا} بالطاعة كما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس وسعيد بن جبير على لسان الرسول المبعوث إلى أهلها {مُتْرَفِيهَا} متنعميها وجباريها وملوكها. وخصهم بالذكر مع توجه الأمر إلى الكل لأنهم أئمة الفسق ورؤساء الضلال وما وقع من سواهم بأتباعهم ولأن توجه الأمر إليهم آكد، ويدل على تقدير الطاعة أن فسق وعصى متقاربان بحسب اللغة وإن خص الفسق في الشرع بمعصية خاصة وذكر الضد يدل على الضد كما أن ذكر النظير يدل على النظير فذكر الفسق والمعصية يدل على تقدير الطاعة كما قيل في قوله تعالى: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81] فيكون نحو أمرته فأساء إليَّ أي أمرته بالإحسان بقرينة المقابلة بينهما المعتضدة بالعقل الدال على أنه لا يؤمر بالإساءة كما لا يؤمر بالفسق، والنقل كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء} تفسير : [الأعراف: 28]، وجوز أن ينزل الفعل منزلة اللازم كما في يعطي ويمنع أي وجهنا الأمر. {فَفَسَقُواْ فِيهَا } أي خرجوا عن الطاعة وتمردوا، واختار الزمخشري أن الأصل أمرناهم بالفسق ففسقوا إلا أنه يمتنع إرادة الحقيقة للدليل فيحمل على المجاز إما بطريق الاستعارة التمثيلية بأن يشبه حالهم في تقلبهم في النعم مع عصيانهم وبطرهم بحال من أمر بذلك أو بطريق الاستعارة التصريحية التبعية بأن يشبه إفاضة النعم المبطرة لهم وصبها عليهم بأمرهم بالفسق بجامع الحمل عليه والتسبب له ويتمم أمر الاستعارة في الصورتين بما لا يخفى، وقيل: الأمر استعارة للحمل والتسبب لاشتراكهما في الإفضاء إلى الشيء وآثر أن تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا غير جائز لزعمه أنه حذف ما لا دليل عليه بل الدليل قائم على خلافه لأن قولهم أمرته فقام وأمرته فقعد لا يفهم منه إلا الأمر بالقيام والقعود ولو أردت خلاف ذلك كنت قد رمت من مخاطبك علم الغيب، ولا نقض بنحو قولهم: أمرته فعصاني أو فلم يمتثل أمري لأنه لما كان منافياً للأمر علم أنه لا يصلح قرينة للمحذوف فيكون الفعل في ذلك من باب يعطي ويمنع. واعترض بأنه لا يجوز أن يكون من قبيل أمرته فعصاني لما سمعت من تقارب فسق وعصى وبان قرينة {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء} تفسير : [الأعراف: 28] لم لا تكفي في تقدير وجهنا الأمر فوجد منهم الفسق لا أن يقدر متعلق الأمر؛ ثم لم لا يجوز أن يكون التعقيب بالضد قرينة للضد الآخر ونحوه أكثر من أن يحصى. وأجاب في «الكشف» عن ذلك فقال: الجواب عن الأولين أن صاحب «الكشاف» منع أن يراد أمرنا بالطاعة وأما أن يراد توجيه الأمر فلم يمنعه من هذا المسلك بل المانع أن تخصيص المترفين حينئذٍ يبقى غير بين الوجه وكذلك التقييد بزمان إرادة الإهلاك فإن أمره تعالى واقع في كل زمان ولكل أحد ولظهوره لم يتعرض له، وعن الثالث أن شهرة الفسق في أحد معنييه تمنع من عده مقابلاً بمعنى العصيان على أن ما ذكرنا من نبو المقام عن الإطلاق قائم في التقييد بالطاعة، وفيه قول بسلامة الأمير ونظر بعين الرضا وغفلة عن وجه التخصيص الذي ذكرناه وهو بين لا غبار عليه، وكذا وجه التقييد بالزمان المذكور، والحق أن ما ذكره الزمخشري من الحمل وجه جميل إلا أن عدم ارتضائه ما روته الثقات عن ترجمان القرآن وغيره من تقدير الطاعة مع ظهور الدليل ومساعدة مقام الزجر عن الضلال والحث على الاهتداء لا وجه له كما لا يخفى على من له قلب. / وحكى أبو حاتم عن أبـي زيد أن {أَمَرْنَا } بمعنى كثرنا واختاره الفارسي، واستدل أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بما أخرجه أحمد وابن أبـي شيبة في «مسنديهما» والطبراني في «الكبير» من حديث سويد بن هبيرة «حديث : خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة» تفسير : أي كثيرة النتاج، وأمر كما قيل من باب ما لزم وعدي باختلاف الحركة فيقال أمرته بفتح الميم فأمر بكسرها وهو نظير شتر الله تعالى عينه فشترت وجدع أنفه فجدع وثلم سنه فثلمت، وقيل: إن المكسور يكون متعدياً أيضاً وأنه قرأ به الحسن ويحيـى بن يعمر وعكرمة، وحكى ذلك النحاس وصاحب «اللوامح» عن ابن عباس وأن رد الفراء له غير ملتفت إليه لصحة النقل. وفي «الكشف» أن أمر بمعنى كثر كثير وأما أمرته المتعدي فقال الزمخشري في «الفائق» ما معناه: ما عول هذا القائل إلا علىٰ ما جاء في الخبر أعني مهرة مأمورة وما هو إلا من الأمر الذي هو ضد النهي وهو مجاز أيضاً كما في الآية كأن الله تعالى قال لها كوني كثيرة النتاج فكانت فهي إذن مأمورة على خلاف منهيه، وقيل: أصله مومرة فعدل عنه إلى مأمورة لطلب الازدواج مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مأزورات غير مأجورات» تفسير : حيث لم يقل موزورات. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن أبـي إسحاق وأبو رجاء وعيسى بن عمرو وعبد الله بن أبـي زيد والكلبـي {آمرنا} بالمد وكذلك جاء عن ابن عباس والحسن وقتادة وأبـي العالية وابن هرمز وعاصم وابن كثير وأبـي عمرو ونافع وهو اختيار يعقوب، ومعناه عند الجميع كثرنا وبذلك أيد التفسير السابق على القراءة المشهورة. وقرأ ابن عباس وأبو عثمان النهدي والسدي وزيد بن علي وأبو العالية {أمرنا} بالتشديد، وروي ذلك أيضاً عن علي والحسن والباقر رضي الله تعالى عنهم وعاصم وأبـي عمرو، ومعناه على هذه القراءة قيل كثرنا أيضاً، وقيل: بمعنى وليناهم وجعلناهم أمراء واللازم من ذلك أمر بالضم إلحاقاً له بالسجايا أي صار أميراً والمراد به من يؤمر ويؤتمر به سواء كان ملكاً أم لا على أنه لا محذور لو أريد به الملك أيضاً خلافاً للفارسي لأن القرية إذا ملك عليها مترف ففسق ثم آخر ففسق وهكذا كثر الفساد وتوالى الكفر ونزل بهم العذاب على الآخر من ملوكهم. {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ} أي كلمة العذاب السابق بحلوله أو بظهور معاصيهم أو بانهماكهم فيها {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} لا يكتنه كنهه ولا يوصف، والتدمير هو الإهلاك مع طمس الأثر وهدم البناء، والآية تدل على إهلاك أهل القرية على أتم وجه وإهلاك جميعهم لصدور الفسق منهم جميعاً فإن غير المترف يتبعه عادة لا سيما إذا كان المترف من علماء السوء، ومن هنا قيل: المعنى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها واتبعهم غيرهم فحق عليها القول الآية. وقيل: هلاك الجميع لا يتوقف على التبعية فقد قال سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } تفسير : [الأنفال: 25] وصح حديث : عن أم المؤمنين زينب بنت جحش «أن النبـي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً يقول لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها قالت زينب: قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث» تفسير : . هذا والظاهر أن {أَمَرْنَا} جواب {إذا} ولا تقديم ولا تأخير في الآية والإشكال المشهور فيها على هذا التقدير من أنها تدل على أنه سبحانه يريد إهلاك قوم ابتداءً فيتوسل إليه بأن يأمرهم فيفسقون فيهلكهم وإرادة ضرر الغير ابتداءً من غير استحقاق الإضرار كالإضرار كذلك مما ينزه عنه تعالى لمنافاته للحكمة قد مرت الإشارة إلى جوابه. وأجاب / عنه بعضهم بأنه في الآية تقديماً وتأخيراً والأصل إذا أمرنا مترفي قرية ففسقوا فيها أردنا إهلاكها فحق عليها القول، ونظيره على ما قيل قوله تعالى: {أية : وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَٰوةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } تفسير : [النساء:102] وآخرون بأن قوله تعالى: {أَمَرْنَا} الخ في موضع الصفة لقرية وجواب {إذا} محذوف للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه كما قيل في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا} إلى قوله سبحانه: {أية : فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ} تفسير : [الزمر: 74] وقول الهذلي وهو آخر قصيدة:شعر : حتى إذا اسلكوهم في قتائدة شلا كما تطرد الجمالة الشردا تفسير : وقيل في الجواب عن ذلك غير ذلك فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : هذا تفصيل للحكم المتقدم قُصد به تهديد قادة المشركين وتحميلهم تبعة ضلال الذين أضلوهم. وهو تفريع لتبيين أسباب حلول التعذيب بعد بعثة الرسول أدمج فيه تهديد المضلين. فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بالفاء على قوله: {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً }تفسير : [الإسراء: 15] ولكنه عطف بالواو للتنبيه على أنه خبر مقصود لذاته باعتبار ما يتضمنه من التحذير من الوقوع في مثل الحالة الموصوفة، ويظهر معنى التفريع من طبيعة الكلام، فالعطف بالواو هنا تخريج على خلاف مقتضى الظاهر في الفصل والوصل. فهذه الآية تهديد للمشركين من أهل مكة وتعليم للمسلمين. والمعنى أن بعثة الرسول تتضمن أمراً بشرع وأن سبب إهلاك المرسل إليهم بعد أن يبعث إليهم الرسول هو عدم امتثالهم لما يأمرهم الله به على لسان ذلك الرسول. ومعنى إرادة الله إهلاك قرية التعلق التنجيزي لإرادته. وتلك الإرادة تتوجه إلى المراد عند حصول أسبابه وهي المشار إليها بقوله: {أمرنا مترفيها} إلى آخره. ومتعلق {أمرنا} محذوف، أي أمرناهم بما نأمرهم به، أي بعثنا إليهم الرسول وأمرناهم بما نأمرهم على لسان رسولهم فعصوا الرسول وفسقوا في قريتهم. واعلم أن تصدير هذه الجملة بــــ (إذا) أوجب استغلاق المعنى في الربط بين جملة شرط (إذا) وجملة جوابِه، لأن شأن (إذا) أن تكون ظرفاً للمستقبل وتتضمن معنى الشرط أي الربط بين جملتيها. فاقتضى ظاهر موقع (إذا) أن قوله: {أمرنا مترفيها} هو جواب (إذا) فيقتضي أن إرادة الله إهلاكها سابقة على حصول أمر المترفين سَبْقَ الشرط لجوابه، فيقتضي ذلك أن إرادة الله تتعلق بإهلاك القرية ابتداء فيأمر الله مترفي أهل القرية فيفسقوا فيها فيحق عليها القول الذي هو مظهر إرادة الله إهلاكهم، مع أن مجرى العقل يقتضي أن يكون فسوق أهل القرية وكفرُهم هو سبب وقوع إرادة الله إهلاكهم، وأن الله لا تتعلق إرادته بإهلاك قوم إلا بعد أن يصدر منهم ما توعدهم عليه لا العكس. وليس من شأن الله أن يريد إهلاكهم قبل أن يأتوا بما يسببه، ولا من الحكمة أن يسوقهم إلى ما يفضي إلى مؤاخذتهم ليحقق سبباً لإهلاكهم. وقرينة السياق واضحة في هذا، فبنا أن نجعل الواو عاطفة فعل {أمرنا مترفيها} على {نبعث رسولاً} فإن الأفعال يعطف بعضها على بعض سواء اتحدت في اللوازم أم اختلفت، فيكون أصل نظم الكلام هكذا: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ونأمر مترفي قرية بما نأمرهم به على لسان الرسول فيفسقوا عن أمرنا فيحق عليهم الوعيد فنهلكهم إذا أردنا إهلاكهم. فكانَ {وإذا أردنا أن نهلك قرية} شريطة لحصول الإهلاك، أي ذلك بمشيئة الله ولا مكره له، كم دلت عليه آيات كثيرة كقوله: {أية : أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم}تفسير : [آل عمران: 127-128] وقوله: {أية : أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم}تفسير : [الأعراف: 100] وقوله: {أية : وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا}تفسير : [الإنسان: 28] وقوله: {أية : عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد}تفسير : [الإسراء: 18]. فذُكر شريطة المشيئة مرتين. وإنما عدل عن نظم الكلام بهذا الأسلوب إلى الأسلوب الذي جاءت به الآية لإدماج التعريض بتهديد أهل مكة بأنهم معرضون لمثل هذا مما حل بأهل القرى التي كذبت رسل الله. وللمفسرين طرائق كثيرة تزيد على ثَمان لتأويل هذه الآية متعسفة أو مدخولة، وهي متفاوتة، وأقربُها قول من جعل جملة {أمرنا مترفيها} إلخ صفةً لــــ {قرية} وجعل جواب (إذا) محذوفاً. والمترَفُ: اسم مفعول من أترفه إذا أعطاه التُرفةَ. بضم التاء وسكون الراء ــــ أي النعمة. والمترفون هم أهل النعمة وسعة العيش، وهم معظم أهل الشرك بمكة. وكان معظم المؤمنين يومئذٍ ضعفاء قال الله تعالى: {أية : وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا}تفسير : [المزمّل: 11]. وتعليق الأمر بخصوص المترفين مع أن الرسل يخاطبون جميع الناس، لأن عصيانهم الأمرَ الموجه إليهم هو سبب فسقهم وفسق بقية قومهم إذ هم قادة العامة وزعماء الكفر فالخطاب في الأكثر يتوجه إليهم، فإذا فسقوا عن الأمر اتبعهم الدهماء فعم الفسق أو غلب على القرية فاستحقت الهلاك. وقرأ الجمهور {أمرنا} بهمزة واحدة وتخفيف الميم، وقرأ يعقوب {آمرنا} بالمد بهمزتين همزة التعدية وهمزة فاء الفعل، أي جعلناهم آمرين، أي داعين قومهم إلى الضلالة، فسكنت الهمزة الثانية فصارت ألفاً تخفيفاً، أو الألف ألف المفاعلة، والمفاعلةُ مستعملة في المبالغة، مثل عافاه الله. والفسق: الخروج عن المقر وعن الطريق. والمراد به في اصطلاح القرآن الخروج عما أمر الله به، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وما يضل به إلا الفاسقين}تفسير : في سورة [البقرة: 26]. و{القول} هو ما يبلغه الله إلى الناس من كلام بواسطة الرسل وهو قول الوعيد كما قال: {أية : فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون} تفسير : [الصافات: 31]. والتدمير: هدم البناء وإزالة أثره، وهو مستعار هنا للاستئصال إذ المقصود إهلاك أهلها ولو مع بقاء بنائهم كما في قوله: {أية : واسأل القرية}تفسير : [يوسف: 82]. وتقدم التدمير عند قوله تعالى: {أية : ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه}تفسير : في سورة [الأعراف: 137]. وتأكيد دمرناها بالمصدر مقصود منه الدلالة على عظم التدمير لا نفي احتمال المجاز.
الشنقيطي
تفسير : في معنى قوله {أّمرنا مترفيها} في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير: الأول - وهو الصواب الذي يشهد له القرآن، وعليه جمهور العلماء - أن الأمر في قوله {أمرنا} هو الأمر الذي هو ضد النهي، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره. والمعنى {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله وأتباعهم فيما جاؤوا به {فَفَسَقُواْ} اي خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ} اي وجب عليها الوعيد {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} أي أهلكناها إهلاكاً مستاصلا. وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم. وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة. كقوله: {أية : وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ}تفسير : [الأعراف:28] الآية. فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أنه قوله {أمرنا مترفيها ففسقوا} أي أمرناهم بالطاعة فعصوا. وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا. لأن الله لا يأمر بالفحشاء. ومن الآيات الدالة على هذا قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}تفسير : [سبأ:34-35]. فقوله في هذه الآية {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} الآية. لفظ عام في جميع المترفين من جميع القرى أن الرسل أمرتهم بطاعة الله فقالوا لهم: إنا بما أرسلتم به كافرون، وتبجحوا بأموالهم وأولادهم. والآيات بمثل ذلك كثيرة. وبهذا التحقيق تعلم: أن ما زعمه الزمخشري في كشافه من أن معنى {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أي أمرناهم بالفسق ففسقوا. وأن هذا مجاز تنزيلاً لإسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم وكفرهم منزلة الأمر بذلك - كلام كله ظاهر السقوط والبطلان. وقد اوضح إبطاله أبو حيان في "البحر"، والرازي في تفسيره، مع أنه لا يشك منصف عارف في بطلانه. وهذا القول الصحيح في الآية جار على الأسلوب العربي المألوف، من قولهم: أمرته فعصاني. اي أمرته بالطاعة فعصى. وليس المعنى: امرته بالعصيان كما لا يخفى. القول الثاني في الآية - هو أن الأمر في قوله أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} امر كوني قدري، اي قدرنا عليهم ذلك وسخرناهم له. لأن كلاً ميسر لما خلق له. والأمر الكوني القدري كقوله {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ}تفسير : [القمر:50]، وقوله {أية : قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}تفسير : [الأعراف:166]، وقوله {أية : أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً}تفسير : [يونس:24]، وقوله: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس:82]. القول الثالث في الآية - أن "أمَرْنَا" بمعنى أكثرنا. أي أكثرنا مترفيها ففسقوا وقال أبو عبيدة {أمرنا} بمعنى أكثرنا لغة فصيحة كآمرنا بالمد. ويدل لذلك الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : خير مال امرىء مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة ". تفسير : قال ابن كثير: قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتابه (الغريب): المأمورة: كثيرة النسل. والسكة: الطريقة المصطفة من النخل. والمأبورة: من التأبير، وهو تعليق طلع الذكر على النخلة لئلا يسقط ثمرها. ومعلوم أن إتيان المأمورة على وزن المفعول يدل على أن أمر بفتح الميم مجرداً عن الزوائد، متعد بنفسه إلى المفعول. فيتضح كون أمره بمعنى أكثر. وأنكر غير واحد تعدى أمر الثلاثي بمعنى الإكثار إلى المفعول وقالوا: حديث سويد بن هبيرة المذكور من قبيل الأزدواج، كقولهم: الغدايا والعشايا، وكحديث "حديث : ارجعن مأزورات غير مأجورات"تفسير : لأن الغدايا لا يجوز، وإنما ساغ للازدواج مع العشايا، وكذلك مازورات بالهمز فهو على غير الأصل. لأن المادة من الوزر بالواو. إلا أن الهمز في قوله "مأزورات" للازدواج مع "مأجورات". والازدواج يجوز فيه ما لا يجوز في غيره كما هو معلوم. وعليه فقوله "مأمورة" إتباع لقوله "مأبورة" وإن كان مذكوراً قبله للمناسبة بين اللفظين. وقال الشيخ أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: قوله تعالى {أمرنا} قرأ أبو عثمان النهدي، وأبو رجاء، وأبو العالية، والربيع، ومجاهد، والحسن "أمرنا" بالتشديد. وهي قراءة علي رضي الله عنه. أي سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم. وقال أبو عثمان النهدي "أمَّرنا" بتشديد الميم: جعلناهم أمراء مسلطين. وقاله ابن عزيز: وتأمر عليهم تسلط عليهم. وقرأ الحسن أيضاً، وقتادة،و وأبو حيوة الشامي، ويعقوب وخارجة عن نافع، وحماد بن سلمة عن أبن كثير وعلي وابن عباس باختلاف عنهما "آمرنا" بالمد والتخفيف. أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها. قاله الكسائي. وقال أبو عبيدة: "آمرته - بالمد - وأمرته لغتان بمعنى أكثرته. ومنه الحديث "حديث : خير المَال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة"تفسير : أي كثيرة النتاج والنسل. وكذلك قال ابن عزيز: آمرنا وأمرنا بمعنى واحد. أي أكثرنا. وعن الحسن ايضاً، ويحيى بن يعمر: أمرنا - بالقصر وكسر الميم - على فعلنا، ورويت عن ابن عباس. قال قتادة والحسن: المعنى أكثرنا، وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد. وأنكره الكسائي وقال: لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد، وأصلها أأمرنا فخفف - حكاه المهدوي. وفي الصحاح: قال أبو الحسن: أمر ماله - بالكسر - أي كثر. وأمر القوم: أي كثروا. قال الشاعر وهو الأعشى: شعر : طرفون ولادون كل مبارك أمرون لا يرثون سهم القعدد تفسير : وآمر الله ماله - بالمد. الثعلبي: ويقال للشيء الكثير أمر. والفعل منه أمر القوم يأمرون أمراً: إذا كثروا. قال ابن مسعود: كنا نقول في الجاهلية للحي إذا كثروا: أمر أمر بني فلان: قال لبيد: شعر : كل بني حرة مصيرهم قل وإن أكثرت من العدد إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا يوماً يصيروا للهلك والنكد تفسير : قلت: وفي حديث هرقل الحديث الصحيح. لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر. اي كثر. وكلها غير متعد، ولذلك أنكره الكسائي. والله أعلم. قال المهدوي: ومن قرأ أمر فهي لغة. ووجه تعدية أمر أنه شبهه بعمر من حيث كانت الكثرة أقرب شيء إلى العمارة. فعدى كما عدى عمر - إلى أن قال: وقيل أمرناهم جعلناهم أمراء. لأن العرب تقول: أمير غير مأمور، اي غير مؤمر. وقيل معناه: بعثنا مستكبريها. قال هارون: وهي قراءة أبي: بعثنا أكابر مجرميها ففسقوا فيها - ذكره الماوردي. وحكى النحاس: وقال هارون في قراءة أبي: وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا فيها أكابر مجرميها فمكروا فيها فحق عليها القول اهـ محل الغرض من كلام القرطبي. وقد علمت أن التحقيق الذي دل عليه القرآن أن معنى الآية: أمرنا مترفيها بالطاعة فعصوا أمرنا. فوجب عليهم الوعيد فأهلكناهم كما تقدم إيضاحه. تنبيه في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: إن الله اسند الفسق فيها لخصوص المترفين دون غيرهم في قوله {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} [الإسراء:16] مع أنه ذكر عموم الهلاك للجميع المترفين وغيرهم في قوله {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} [الإسراء:16] يعني القرية، ولم يستثن منها غير المترفين؟ والجواب من وجهين: الأول - أن غير المترفين تبع لهم. وإنما خص بالذكر المترفين الذين هم سادتهم وكبراؤهم. لأن غيرهم تبع لهم. كما قال تعالى: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ}تفسير : [الأحزاب:67]، وكقوله {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ}تفسير : [البقرة:166] الآية، وقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا}تفسير : [الأعراف:38] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْء }تفسير : [إبراهيم:21]. الآية، وقوله: {أية : وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [غافر:47] إلى غير ذلك من الآيات. الوجه الثاني - أن بعضهم إن عصى الله وبغى وطغى ولم ينههم الآخرون فإن الهلاك يعم الجميع. كماقال تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً}تفسير : [الأنفال:25]، وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها: أنها لما سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرٍّ قد اقتربْ، فتح اليوم من ردم ياجوج ومأجوج مثل، هذه"تفسير : - وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها قالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "حديث : نعم، إذا كثر الخبث"تفسير : وقد قدمنا هذا المبحث موضحاً في سورة المائدة.
القطان
تفسير : المترفون: المنعمون المتمردون الذين لا يبالون. امرنا مترفيها: بالطاعة، ففسقوا. فدمرناها: اهلكناها. العاجلة: الدنيا. يصلاها: يدخلها ويقاسي حرها. مدحورا: مطرودا. محظورا: ممنوعا. {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}. الحياة لها قوانين لا تختلف، وسنن لا تتبدل كما بين الله لنا ذلك، والله لا يأمر بالفسق والفحشاء، ولكن اذا كثر الفساد في مجتمع ما، وطغى كبراؤه بالانغماس في اللذات واتباع الشهوات، ولم يوجد من يضع حدا لهذه الفوضى، ويضرب على ايديهم - نزل بلاء الله بهم وهلكت القرية ودمرت بمن فيها. ويوضح هذا قراءةُ الحسن البصري: أمّرنا مترفيها، بتشديد الميم. وبذلك تكون الصورة واضحة تمام الوضوح، والناس دائما تبع للمترفين من السادة والرؤساء. قراءات: قرأ يعقوب: امرنا بمد الهمزة. وقرأ الحسن البصري: "امرنا" بالتشديد وهي ليست من القراءات السبع المعتمدة. {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً}. وقد أهلكنا أمماً كثيرة من بعد نوحٍ، قبلكم، بتمردهم على انبيائهم وجحودهم آيات الله، وحسبك ايها الرسول بيان ربك وإعلامه بأنّ الله عالمٌ بكل شيء، وهو الخبيرُ بذنوب عبادِه البصير بها. وفي هذا تهديدٌ ووعيدٌ لمن كذّبه من قومه. ثم قسم الله عباده قسمين: محبٍ للدنيا لا يشبع منها، ومؤمنٍ مخلص محب للآخرة: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً}. من كان يطلب لذات ومتاعها ويعمل لها ولا يؤمن بالآخرة عجلنا له في الدنيا ما نشاء من الغنى والسعة في العيش، وله في الآخرة جهنم يصلاها خالدا محتقراً مطرودا من رحمة ربك. {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً}. ومن اراد بعمله الآخرة، وعمل لها وهو مؤمن بالله وجزائه فاولئك يقبلهم بالله تعالى، وينالون عنده خير الثواب. ثم بين الله تعالى ان عطاءه لا يخطر على بالِ احد فقال: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً}. ورزقُ الله وعطاؤه للناس اجمعين فكل من يعمل ويسعى يحصل على عطاء ربنا في هذه الدنيا، وما كان عطاء ربك ممنوعا من احد، مؤمنا كان او كافرا، ما داموا يعملون وينشطون في هذه الحياة. {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً}. ان التفاوت في هذه الحياة المعيشة ملحوظ بين الناس بحسب وسائلهم وأسبابهم ونشاطهم في الاعمال. وان تفاوتهم في الدار الآخرة اكبر درجات من تفاوتهم في الدنيا، فالآخرة هي التي تكون فيه الرفعة الحقيقية، والتفاضل الحقيقي.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَدَمَّرْنَاهَا} (16) - فِي قِرَاءَةِ (أَمَرْنَا) وَجْهَانِ: (أَمَرْنَا بِالتَّخْفِيفِ - وَهُوَ المَشْهُورُ فِي قِرَاءَتِهَا: فَمِنْ قَائِلٍ: إِنَّ المَعْنَى هُوَ أَنَّهُ إِذا دَنَا تَعَلُّقِ إِرَادَتِنَا بِإِهْلاَكِ قَرْيَةٍ بِعَذَابِ الاسْتِئْصَالِ لِمَا ظَهَرَ فِيهَا مِنَ المَعَاصِي، وَلَمَا دَنَّسَتْ بِهِ نَفْسَهَا مِنَ الآثَامِ، لَمْ يُعَاجِلْهَا اللهُ تَعَالَى بِالعُقُوبَةِ، بَلْ يَأْمُرُ مُتْرَفِيهَا بِالطَّاعَةِ فَإِذا فَسَقُوا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، وَتَمَرَّدُوا، حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذَابُ لارْتِكَابِهِم الكَبَائِرَ وَالفَوَاحِشَ، فَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى بِتَدْمِيرِ تِلْكَ القَرْيَةِ. (وَخَصَّ اللهُ تَعَالَى المُتْرَفِينَ بِالذِّكْرِ لِمَا جَرَتْ بِهِ العَادَةُ مِنْ أَنَّ العَامَّةَ تُقَلِّدُهُمْ وَتَكُونُ تَبَعاً لَهُمْ، فِيمَا يَفْعَلُونَ). - وَمِنْ قَائِلٍ بَلْ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: أَنَّ اللهَ يُسَخِّرُهُمْ لِفِعْلِ الفَوَاحِشِ فَيَسْتَحِقُّونَ العُقُوبَةَ. - وَأَمَّرْنا - بِتَشْدِيدِ المِيمِ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ مَعْنَاهَا سَلَّطْنَا شِرارَهَا فَعَصَوْا فِيهَا، فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ. وَهذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا}. تفسير : - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضاً: إِنَّ مَعْنَى (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا)، أَكْثَرْنا عَدَدَهُمْ فَيُؤَدّي ذلِكَ إِلى انْتِشَارِ الفِسْقِ وَالفَسَادِ وَالكُفْرِ، فَيُهْلِكُكُم اللهُ بِالعَذَابِ. أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا - أَمَرْنَا مُنَعَّمِيهَا بِطَاعَةِ اللهِ. فَفَسَقُواْ فِيهَا - فَتَمَرَّدُوا وَعَصَوْا وَخَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ. فَدَمَّرْنَاهَا - اسْتَأْصَلْنَاهَا وَمَحَوْنا آثَارَها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق تبارك وتعالى في هذه الآية يعطينا مثالاً لعاقبة الخروج عن منهج الله تعالى؛ لأنه سبحانه حينما يُرسل رسولاً ليُبلِّغ منهجه إلى خَلْقه، فلا عُذْرَ للخارجين عنه؛ لأنه منهج من الخالق الرازق المنعم، الذي يستحق منا الطاعة والانقياد. وكيف يتقلب الإنسان في نعمة ربه ثم يعصاه؟ إنه رَدٌّ غير لائق للجميل، وإنكار للمعروف الذي يسوقه إليك ليل نهار، بل في كل نَفَسٍ من أنفاسك. ولو كان هذا المنهج من عند البشر لكان هناك عُذْر لمَنْ خرج عنه، ولذلك يقولون: "من يأكل لقمتي يسمع كلمتي". كما أن هذا المنعم سبحانه لم يفاجئك بالتكليف، بل كلفك في وقَت مناسب، في وقت استوت فيه ملكاتُكَ وقدراتُكَ، وأصبحتَ بالغاً صالحاً لحمل هذا التكليف، فتركك خمسة عشر عاماً تربع في نعمه وتتمتع بخيره، فكان الأَوْلَى بك أن تستمع إلى منهج ربك، وتُنفِّذه أمراً ونهياً؛ لأنه سبحانه أوجدك من دم وأمدَّك من عُدم. والمتأمل في قضية التكليف يرى أن الحق سبحانه أمر بعضنا أن يُكلِّف بعضاً، كما قال تعالى: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ..}تفسير : [طه: 132]. وقد شرح لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية فقال: "حديث : مُرُوا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ". تفسير : وهذا التكليف وإنْ كان في ظاهره من الأهل لأولادهم، إلا أنه في حقيقته من الله تعالى فهو الآمر للجميع، ولكن أراد الحق سبحانه أن يكون التكليف الأول في هذه السنِّ من القريب المباشر المحسّ أمام الطفل، فأبوه هو صاحب النعمة المحسّة حيث يوفر لولده الطعام والشراب، وكل متطلبات حياته، فإذا ما كلفه أبوه كان أَدْعَى إلى الانصياع والطاعة؛ لأن الولد في هذه السن المبكرة لا تتسع مداركه لمعرفة المنعم الحقيقي، وهو الله تعالى. لذلك أمر الأب أن يعوّد ولده على تحمُّل التكليف وأن يعاقبه إنْ قصَّر؛ لأن الآمر بالفعل هو الذي يُعاقب على الإهمال فيه. حتى إذا بلغ الولد سِنَّ التكليف الحقيقي من المنعم الأعلى سبحانه كان عند الولد أُنْس بالتكليف وتعودُّ عليه، وبذَلك يأتي التكليف الإلهي خفيفاً على النفس مألوفاً عندها. أما إن أخذتَ نِعم الله وانصرفتَ عن منهجه فطغيْتَ بالنعمة وبغيتَ فانتظر الانتقام، انتظر أَخْذه سبحانه وسنته التي لا تتخلف ولا تُردُّ عن القوم الظالمين في الدنيا قبل الآخرة. واعلم أن هذا الانتقام ضروري لحفظ سلامة الحياة، فالناس إذا رأوا الظالمين والعاصين والمتكبرين يرتعُونَ في نِعَم الله في أمن وسلامة، فسوف يُغريهم هذا بأن يكونوا مثلهم، وأنْ يتخذوهم قدوة ومثلاً، فيهم الفساد والظلم وينهار المجتمع من أساسه. أما إنْ رَأوْا انتقام الحق سبحانه من هؤلاء، وشاهدوهم أذلاّء منكسِرينَ، فسوف يأخذون منهم عبرة وعظة، والعاقل مَنِ اعتبر بغيره، واستفاد من تجارب الآخرين. فالانتقام من الله تعالى لحكمة أرادها سبحانه وتعالى، وكم رأينا من أشخاص وبلاد حاقَ بهم سوء أعمالهم حتى أصبحوا عِبرةً ومُثْلة ومَنْ لم يعتبر كان عبرة حتى لمَنْ لم يؤمن، وبذلك تعتدل حركة الحياة، حيث يشاهد الجميع ما نزل بالمفسدين من خراب ودمار، وإذا استقرأت البلاد في نواحي العالم المختلفة لتيسَّر لك الوقوف على هذه السُّنة الإلهية في بلاد بعينها، ولاستطعْتَ أن تعزو ما حدث لها إلى أسباب واضحة من الخروج عن منهج الحق سبحانه. وصدق الله حين قال: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}تفسير : [النحل: 112]. وإياك أن تظن أن الحق سبحانه يمكن أن يهمل الفسقة والخارجين عن منهجه، فلا بُدَّ أن يأتي اليوم الذي يأخذهم فيه أخْذَ عزيز مُقْتدر، وإلاَّ لكانت أُسْوة سيئة تدعو إلى الإفساد في حركة الحياة. قال تعالى: {أية : وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}تفسير : [الإسراء: 16]. الآفة أن الذين يستقبلون نصَّ القرآن يفهمون خطأ أن {فَفَسَقُواْ} مترتبة على الأمر الذي قبلها، فيكون المعنى أن الله تعالى هو الذي أمرهم بالفسق، وهذا فهم غريب لمعنى الآية الكريمة، وهذا الأمر صادر من الحق سبحانه إلى المؤمنين، فتعالوا نَرَ أوامر الله في القرآن: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ..}تفسير : [البينة: 5]. {أية : أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ..}تفسير : [النمل: 91]. {أية : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [يونس: 72]. فأمْر الله تعالى لا يكون إلا بطاعة وخير، ولا يأمر سبحانه بفسق أو فحشاء، كما ذكر القرآن الكريم، وعلى هذا يكون المراد من الآية: أمرنا مترفيها بطاعتنا وبمنهجنا، ولكنهم خالفوا وعَصَوْا وفسقوا؛ لذلك حَقَّ عليهم العذاب. والأمر: طَلَب من الأعلى، وهو الله تعالى إلى الأدنى، وهم الخَلْق طلب منهم الطاعة والعبادة، فاستغلُّوا فرصة الاختيار ففسقوا وخالفوا أمر الله. قوله: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً ..} [الإسراء: 16]. من الخطأ أن نفهم المعنى على أن الله أراد أولاً هلاكهم ففسقوا؛ لأن الفهم المستقيم للآية أنهم فسقوا فأراد الله إهلاكهم. و{قَرْيَةً} أي أهل القرية. وقوله: {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ ..} [الإسراء: 16]. أي: وجب لها العذاب، كما قال تعالى: {أية : كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ..}تفسير : [يونس: 33]. وقد أوجب الله لها العذاب لتسلَم حركة الحياة، وليحمي المؤمنين من أذى الذين لا يؤمنون بالآخرة. وقوله تعالى: {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ..} [الإسراء: 16]. أي: خربناها، وجعلناها أثراً بعد عَيْن، وليستْ هذه هي الأولى، بل إذا استقرأتَ التاريخ خاصة تاريخ الكفرة والمعاندين فسوف تجد قرى كثيرة أهلكها الله ولم يُبْقِ منها إلا آثاراً شاخصة شاهدة عليهم، كما قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} معناهُ أَمرْناهُم بالطَّاعةِ فَعَصُوا، قالَ الإِمامُ زيدُ بن علي عليهما السلام: وتقرأ أمَّرَنا من الإِمارة. وآمَرنا: معناهُ كَثّرَنا. تفسير : وقوله تعالى: {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ} يعني وَجَبَ عَليها العَذابُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً} [الإسراء: 16] أي: من قرى النفوس {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} [الإسراء: 16] وهي النفوس الأمارة بالسوء {فَفَسَقُواْ فِيهَا} [الإسراء: 16] أي: فخرجوا عن قيد الشريعة، ومتابعة الأنبياء بمتابعة الهوى واستيفاء شهوات النفس {فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ} [الإسراء: 16] أي: فوجب لها الشقاوة بمخالفة الشريعة {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} [الإسراء: 16] بإبطال استعداد قبول السعادة إذا صارت النفس مرقومة برقوم الشقاوة والأبدية. {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} [الإسراء: 17] أي: أبطلنا حسن استعدادهم لقبول السعادة برد دعوة الأنبياء {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ} [الإسراء: 17] إذا لم يقبلوا دعوة الأنبياء {خَبِيرَاً بَصِيراً} [الإسراء: 17] فإنه المقدر في الأزل والمدبر إلى الأبد أسباب سعادة عباده وأسباب شقاوتهم. ثم أخبر عن أمارة أهل السعادة والشقاوة بقوله تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ} [الإسراء: 18] إشارة إلى أن إرادته إنما كانت العاجلة؛ لأنا عجلنا له هذه الإرادة {فِيهَا} [الإسراء: 18] أي: في الدنيا {مَا نَشَآءُ} [الإسراء: 18] أي: بقدر ما نشاء على مقتضى حكمتنا {لِمَن نُّرِيدُ} [الإسراء: 18] أن يكون من أهل الدنيا ومظهر صفة قهرنا {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً} [الإسراء: 18] أي: عذبناه بعذاب صفاته الذميمة في جهنم والبعد والقطيعة {مَّدْحُورا} [الإسراء: 18] مطروداً مهيناً ذليلاً. واعلم أن فيها إشارة إلى أن الله تعالى خلق الإنسان مركباً من الدنيا والآخرة، ولكل جزء منها ميل وإرادة إلى كله ليتغذى منه ويتقوى ويتكمل به، وإن في جزئه الدنيوي وهو النفس طريق إلى دركات النيران، وفي جزئه الأخروي وهو الروح طريق إلى درجات الجنان، وخلق القلب في هذين الجزئين، وله طريق إلى بين إصبعي الرحمن إصبع اللطف وإصبع القهر، فمن يرد الله أن يكون مظهره قهره أزاغ الله قلبه، وحول وجهه إلى الدنيا فيريد العاجلة ويربي بها نفسه إلى أن يبلغه إلى دركات جهنم البعد وتصلى نار القطعية، ومن يرد الله أن يكون مظهر لطفه أقام قلبه وحول وجهه إلى عالم العلو فيريد الآخرة، {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] وهو الطلب بالصدق {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الإسراء: 19] بأن طلبه وجده {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم} [الإسراء: 19] في الوجود {مَّشْكُوراً} [الإسراء: 19] من الموجود في الأزل. ثم أكد هذا التأويل بقوله: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ} [الإسراء: 20] يعني: أهل الدنيا بأن نحول وجه قلبه إلى الدنيا وزخارفها إظهاراً للقهر، {وَهَـٰؤُلاۤءِ} [الإسراء: 20] يعني: أهل الآخرة بأن نحول وجه قلبه إلى الآخرة ودرجاتها، {مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [الإسراء: 20] ممنوعاً من كلا الفريقين. {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [الإسراء: 21] من أهل الدنيا في النعمة والدولة وموافاة المرادات ليتحقق لك أنها من إمدادنا إياهم {وَلَلآخِرَةُ} [الإسراء: 21] يعني: أهل الآخرة {أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} [الإسراء: 21] من أهل الدنيا؛ لأن مراتب درجات الأخروية وفضائل أهلها باقية غير متناهية ونعمة الدنيا وفضائل أهلها فانية متناهية، ثم خاطب الله النبي صلى الله عليه وسلم وقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين، فقال: {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} [الإسراء: 22] من الدنيا والآخرة لتعبد الدنيا أن تعبد الآخرة بطلبهما {فَتَقْعُدَ} [الإسراء: 22] عن طلبنا {مَذْمُوماً} [الإسراء: 22] في طلب الدنيا {مَّخْذُولاً} في طلب الآخرة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه إذا أراد أن يهلك قرية من القرى الظالمة ويستأصلها بالعذاب أمر مترفيها أمرا قدريا ففسقوا فيها واشتد طغيانهم، { فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ } أي: كلمة العذاب التي لا مرد لها { فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا }. وهؤلاء أمم كثيرة أبادهم الله بالعذاب من بعد قوم نوح كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ممن عاقبهم الله لما كثر بغيهم واشتد كفرهم أنزل [الله] بهم عقابه العظيم. { وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } فلا يخافوا منه ظلما وأنه يعاقبهم على ما عملوه.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 504 : 6 : 15 - سفين عن الأعمش في قوله {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} اكثرنا مترفيها. [الآية 16]. 505 : 7 : 16 - قال سفين، ذكر عن مجاهد مثله.
همام الصنعاني
تفسير : 1545- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا}: [الآية: 16]، قال: أكثرنا. 1546- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت ابي سلمة، عن زينب بن جحش، قالت: حديث : دخل النبي صلى الله عليه وسلم على زينب وهو يقول: "لا إلَه إلا الله، وَيْلٌ للعرب من شَرِّ قد اقترب، فُتِحَ اليوْمَ من رِدْم يأجوج ومأجوجَ مثلَ هذا، وحلق إبهامه والتي تليها" قالت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثُر الخبث ". تفسير : 1547- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال، قال معاذ بن جبل: اخرجوا من اليمن قبل ثلاث: قبل خروج النار وقبل انقطاع الجبل، وقبل أن لا يكونَ لأهلِها زاد إلا الجراد؟ 1548- عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: تخرجُ نارٌ من اليمن تسوق الناس تغدو وتروح وتدلج. 1549- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: تخرجُ نارٌ بأرض الحجار تضيء أعناقَ الإبل ببصرى. 1550- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، يرويه قال: تخرج نار من مشارق الأرْضِ، تسوق الناسَ إلى مغاربها، سوق البَرَقِ الكَسِير، تقيلُ إذا قالوا: وتبيت معهم إذا باتوا، وتأكل من تَخَلَّف.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):