Verse. 2046 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَكَمْ اَہْلَكْنَا مِنَ الْقُرُوْنِ مِنْۢ بَعْدِ نُوْحٍ۝۰ۭ وَكَفٰى بِرَبِّكَ بِذُنُوْبِ عِبَادِہٖ خَبِيْرًۢا بَصِيْرًا۝۱۷
Wakam ahlakna mina alqurooni min baAAdi noohin wakafa birabbika bithunoobi AAibadihi khabeeran baseeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكم» أي كثيرا «أهلكنا من القرون» الأمم «من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا» عالما ببواطنها وظواهرها وبه يتعلق بذنوب.

17

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} أي كم من قوم كفروا حلّ بهم البَوار. يخوّف كفّار مكة؛ وقد تقدّم القول في القرن في أوّل سورة الأنعام، والحمد لله. {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً} «خبيراً» عليماً بهم. «بَصِيراً» يُبصر أعمالهم؛ وقد تقدّم.

البيضاوي

تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا} وكثيراً أهلكنا. {مّنَ ٱلْقُرُونِ} بيان لكم وتمييز له. {مِن بَعْدِ نُوحٍ} كعاد وثمود. {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا} يدرك بواطنها وظواهرها فيعاقب عليها، وتقديم الخبير لتقدم متعلقه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منذراً كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه قد أهلك أمماً من المكذبين للرسل من بعد نوح، ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام كما قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ومعناه أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم، وقد كذّبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وأحرى. وقوله: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا} أي: هو عالم جميع أعمالهم: خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها خافية، سبحانه وتعالى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَمْ } أي كثيرا {أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ } الأمم {مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا } عالما ببواطنها وظواهرها، وبه يتعلق (بذنوب).

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نُوح} واختلفوا في مدة القرن على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مائة وعشرون سنة، قاله عبد الله بن أبي أوفى. الثاني: أنه مائة سنة، قاله عبد الله بن بُسْر المازني. الثالث: أنه أربعون سنة، روى ذلك محمد بن سيرين عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْقُرُونِ} مدة القرن مائة وعشرون سنة، أو مائة سنة، أو أربعون سنة.

ابن عادل

تفسير : والمراد منه أنَّ الطريق الذي ذكرناه هو عادتنا مع الذين يفسقون، ويتمرَّدون فيما تقدم من القرون الذين كانوا بعد نوح؛ كعادٍ وثمود، وغيرهم، ثم إنه - تعالى - خاطب رسوله - صلوات الله عليه - بما يكون خطاباً وردعاً وزجراً للكُلِّ، فقال جلَّ ذكره: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} وهذا تخويف لكفَّار "مكَّة". و"كَمْ" نصب بأهلكنا، و "مِنَ القُرونِ" تمييزٌ لـ "كَمْ" و "مِن بَعدِ نُوح": "مِنْ" لابتداء الغاية، والأولى للبيان، فلذلك اتَّحدَ متعلقهما، وقال الحوفيُّ: "الثانية بدلٌ من الأولى"، وليس كذلك؛ لاختلاف معنييهما، والباء بعد "كَفَى" تقدم الكلام عليها، وقال ابن عطيَّة: "إنما يجاءُ بهذه الباء في موضع مدحٍ أو ذمٍّ" والباء في "بِذنُوب" متعلقة بـ "خَبِيراً" وعلَّقها الحوفيُّ بـ "كَفَى". قال الفراء - رحمه الله -: لو ألغيت الباء؛ من قوله: "بربِّكَ" جاز، وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يمدحٌ به أو يذمُّ؛ كقولك: كفاك به، وأكرم به رجلاً، وطاب بطعامك طعاماً، وجاد بثوبك ثوباً. أما إذا لم يكن مدحاً أو ذمًّا، لم يجز دخولها، فلا يجوز أن يقال: "قَامَ بِأخيكَ" وأنت تريد: "قَامَ أخُوكَ". فصل في مقدار القرن قال عبد الله بن أبي أوفى: القرنُ: عشرون ومائة سنة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أوَّل قرنٍ، وكان آخره يزيد بن معاوية، وقيل: مائة سنة. رُوِيَ عن محمد بن القاسم عن عبد الله بن بسرٍ المازنيّ: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه، وقال: "حديث : سَيعيشُ هذا الغُلام قَرْناً" تفسير : وقال محمد بن القاسم - رضي الله عنه -: فما زلنا نعدُّ له؛ حتَّى تمت له مائة سنة، ثمَّ مات. وقال الكلبيُّ: ثمانون سنة. وقيل: أربعون سنة.

البقاعي

تفسير : ولما قرر أن هذا شأنه إذا أراد أن يهلك، أخبر أنه فعل ذلك بمن لا يحصيهم العد من القرون، ولا يحيط بهم الحد من الأمم، لأن الاعتبار بالمشاهد أوقع في القلب وأهول عند النفس، فكأنه قال: كم فعلنا ذلك بالقرى ولم نستعجل في إهلاك قرية منهم ولا أخذناهم من غير إنذار، بل أرسلنا فيهم وأملينا لهم إلى أن كان ما علمناه في الأزل، وجاء الوقت الذي قدرناه، وبلغوا في الذنوب ما يستحقون به الأخذ، ولقد أهلكنا قوم نوح على هذا السنن، وكانوا أهل الأرض - كما مضت الإشارة إليه ووقع التنبيه عليه، وإهلاكهم كان في إبلاغ أهل الأرض ما أرسلنا به رسلنا من التوحيد لأن ذلك لم يخفف على أحد بعدهم، وعطف على هذا المقدر قوله تعالى: {وكم أهلكنا} أي بما لنا من العظمة، وبين مدلول "كم" بقوله تعالى: {من القرون} على هذا السنن. ولما كان الإهلاك بعذاب الاستئصال لم يستغرق ما بعده، أدخل الجار فقال تعالى: {من بعد نوح} الذي أنتم ذرية من أنجيناه بالحمل معه بذنوبهم أمهلناهم حتى أعذرنا إليهم ثم أخذناهم في مدد متفاوتة، فكان بعضهم أقصر مدة من بعض وبعضهم أنجيناه بعد أن أحطنا به مخايل العذاب، وأما من قبل نوح فالظاهر من عبارة التوراة وسكوت القرآن أنهم لم يكونوا كفاراً، وبه صرح كثير من المفسرين في تفسير { أية : كان الناس أمة واحدة}تفسير : [البقرة: 213]. ولما كان ذلك ربما أوجب أن يقال: كيف يعذب الساكت مع إمكان عذره بعجز أو غيره؟ قال دافعاً لذلك تاركاً مظهر العظمة، تلطفاً بهذا النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، في جملة حالية: {وكفى بربك} أي المحسن إليك بالعفو عن أمتك وأعقابهم من الاستئصال {بذنوب عباده} أي لكونه خلقهم وقدر ما فيهم من جميع الحركات والسكنات {خبيراً} من القدم، فهو يعلم السر وأخفى، وأما أنتم فلستم هناك، فكم من إنسان كنتم ترونه من أكابر الصالحين ثم أسفرت عاقبته عند الامتحان عن أنه من أضل الضالين {بصيراً *} بها، إذا وقعت لا يخفى عليه شيء منها، وأما أتم فكم من شخص كنتم ترونه مجتهداً في العبادة، فإذا خلا بارز ربه بالعظائم. ولما تقرر أنه سبحانه خبير بذنوبهم بعد تزهيده في الدنيا بما ذكر من مصارع الأولين، أتبعه الإخبار بأنه يعاملهم على حسب علمه على وجه معرف بعلمه بجميع طوياتهم من خير وشر، مرغب في الآخرة، مرهب من الدينا، لأنها المانعة من اتباع الرسل والتقيد بطاعتهم، خوفاً من نقص الحظ من الدينا بزوال ما هو فيه من الرئاسة والمال والانهماك في اللذة جهلاً بأن ما قدر لا يكون غيره سواء كان صاحبه في طاعة أو معصيته فقال تعالى: {من كان يريد} أي إرادة هو فيها في غاية الإمعان بما اقتضاه طبعه المشار إليه بفعل الكون. ولما كان مدار مقصود السورة على الإحسان الذي هو العبادة على المشاهدة، وكان ذلك منافياً لحال من يلتفت إلى الدنيا، عبر بقوله تعالى: {العاجلة} أي فقط {عجلنا} أي بعظمتنا {له فيها} أي العاجلة {ما نشاء} مما يريده لا جميع ما يريده؛ ثم أبدل من "له" قوله تعالى: {لمن نريد} أي لا لكل من أراد ذلك، تنبيهاً على أن ذلك بقوتنا لا بقوة ذلك المريد {ثم جعلنا} أي بما لنا من العظمة {له} أي لظاهره وباطنه {جهنم} أي الدركة النارية التي تلقى بالتجهم من كان يلقى الدنيا وأهلها بالتبسم {يصلاها} في الآخرة {مذموماً} أي مفعولاً به الذم، وهو ضد المدح {مدحوراً *} مدفوعاً مطروداً مبعداً، فينبغي لمريد الدنيا أن لا يزال على حذر لأنه لا ينفك من عذاب الآخرة، فإن لم يعط شيئاً من مناه - كما أشار إليه { لمن نريد} اجتمع له العذابان كاملين: فقر الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أعطى فهو لا يعطي كل ما يريد - بما أشار إليه "ما نشاء" - فيجتمع له عذاب ما منعه منها مع عذاب الآخرة. ولما ذكر الجاهل ذكر العالم العامل فقال تعالى: {ومن أراد الآخرة} أي مطلق إرادة - بما أشار إليه التجريد { من كان} {وسعى} أي وضم إلى نيته العمل بأن سعى {لها سعيها} أي الذي هو لها، وهو ما كانت جديرة به من العمل بما يرضي الله بما شرعه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا أي سعي كان بما لم يشهد ظاهر الكتاب والسنة، إعلاماً بأن النية لا تنفع إلا مع العمل، إما بالفعل عند التمكن، وإما بالقوة عند عدمه؛ ثم ذكر شرط السعي الذي لا يقبل إلا به، فقال تعالى: {وهو مؤمن} أي راسخ في هذا الوصف كما جاء عن بعض السلف: من لم يكن له ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب - وتلا هذه الآية، وهذا الرسوخ هو الإحسان الذي يدور عليه مقصود السورة؛ ثم رتب عليه الجزاء فقال: {فأولئك} أي العالو الرتبة لجمعهم الشرائط الثلاثة {كان} أي كوناً لا بد منه {سعيهم مشكوراً *} أي مقبولاً مثاباً عليه بالتضعيف مع أن بعضهم نفتح عليه أبواب الدنيا كداود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ونستعمله فيها بما يحب، وبعضهم نزويها عنه كرامة له لا هواناً، فالحاصل أنها إن وجدت عند الوالي لم تشرفه، وإن عدمت عنه لم تحقره، وإنما الشرف وغيره عند الله بالأعمال. ولما أخبر عن نفسه الشريفة بما يشير إلى التوسعة على من يريد من أهل الباطل، أخبر بأنه قضى بذلك في الأزل تفضلاً فقال تعالى: {كلاًّ} أي من الفريقين: مريد الدنيا ومريد الآخرة {نمد} أي بالعطاء؛ ثم أبدل من {كلاًّ} قوله تعالى: {هؤلاء} أي الذين طلبوا الدنيا نمد {وهؤلاء} الذين طلبوا الآخرة نمد {من عطاء ربك} أي المحسن إليه بجميع قضائه، إن ضيق على مؤمن فبالحماية من الدنيا الفانية التي إنما هي لهو ولعب، وإن وسع فبالاستعمال فيها على حسب ما يرضيه ويعلي كلمته {وما كان عطاء ربك} أي الموجد لك المدبر لأمرك {محظوراً *} أي ممنوعاً في الدنيا عن مؤمن ولا كافر، بل هو ملء السهل والجبل من الذهب والفضة والحديد والنحاس والجواهر والثمار وأقوات الناس والبهائم، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله حتى لو اجتمع كل الناس على جمعه ليلاً ونهاراً، ولم يكن لهم شغل سوى ذلك، لأعياهم ولم يقدروا عليه، فسبحان الجواد الواسع المعطي المانع، ثم أمر بالنظر في عطائه هذا على وجه مرغب في الآخرة مزهد في الدنيا، فقال تعالى آمراً بالاعتبار: {انظر} وبين أن حالهم لغرابته أهل لأن يسأل عنه فقال تعالى: {كيف فضلنا} أي بما لنا من العظمة القاهرة {بعضهم على بعض} في هذه الحياة الدنيا بالعطاء، فصار الفاضل يسخر المفضول، والمفضول يرغب في خدمة المفضل ويتشرف بالتقرب إليه، مع أن رزق الله - وهوعطاءه - بالنسبة إلى الكل على حد سواء، خلق ما هو موجود في هذه الدنيا للبر والفاجر، وكل حريصون على أن يأخذوا فوق كفايتهم من الأرزاق التي هي أكثر منهم، فما كان هذا التفاضل إلا بقسر قادر قهرهم على ذلك، وهو من تنزه عن النقص وحاز على كمال، فاستحق أن لا توجه رغبة راغب إلا إليه. ولما نبه على أن ما نراه من التفضيل إنما هو بمحض قدرته، أخبر أن ما بعد الموت كله كذلك من غير فرق فقال: {وللآخرة} أكد الإخبار عما فيها المستلزم لتأكيد الإعلام بوجودها لهم من إنكاره {أكبر درجات} من هذه الحياة الدنيا {وأكبر تفضيلاً *} أولاً بالجنة والنار أنفسهما، وثانياً بالدرجات في الجنة والدركات في النار؛ ولما كان العلم هنا مقيداً بالذنوب، ذكر بعد المفاضلة في الدنيا، ولعل في ذلك إشارة إلى أن أكثر من يزاد في الدنيا تكون زيادته نقصاً من آخرته بسبب ذنب اكتسبه أو تقصير ارتكبه، ولما كان العلم فيما يأتي في قوله تعالى: {وربك أعلم} مطلقاً، طوى بعده الرذائل، وعطف على ذلك المطوي الفضائل، فقال تعالى: {ولقد فضلنا بعض، النبيين على بعض} الآية، فمن كانت له نفس أبيه وهمة علية كان عليه أن يزهد في علو فانٍ لأجل العلو الباقي.

ابو السعود

تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا} أي وكثيراً ما أهلكنا {مّنَ ٱلْقُرُونِ} بـيانٌ لِكَم وتميـيزٌ له، والقَرنُ مدةٌ من الزمان يُخترَم فيها القومُ وهي عشرون أو ثلاثون أو أربعون أو ثمانون أو مائة، وقد أيِّد ذلك حديث : بأنه عليه الصلاة والسلام دعا لرجل فقال: «عِشْ قرناً» فعاش مائة سنةٍ أو مائة وعشرين تفسير : {مِن بَعْدِ نُوحٍ} من بعد زمنه عليه الصلاة والسلام كعادٍ وثمودَ ومَنْ بعدهم ممن قُصّت أحوالُهم في القرآن العظيم ومَنْ لم تُقَصَّ، وعدمُ نظمِ قومه عليه الصلاة والسلام في تلك القرون المهلَكة لظهور أمرِهم، على أن ذكره عليه الصلاة والسلام رمزٌ إلى ذكرهم {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ} أي كفى ربُّك {بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيرًا} يحيط بظواهرها وبواطنها فيعاقب عليها، وتقديمُ الخبـير لتقدم متعلَّقِه من الاعتقادات والنيات التي هي مبادي الأعمالِ الظاهرةِ أو لعمومه حيث يتعلق بغير المُبصَرات أيضاً. وفيه إشارةٌ إلى أن البعثَ والأمر وما يتلوهما من فسقهم ليس لتحصيل العلمِ بما صدر عنهم من الذنوب فإن ذلك حاصلٌ قبل ذلك وإنما هو لقطع الأعذار وإلزامِ الحُجة من كل وجه. {مَن كَانَ يُرِيدُ} بأعماله التي يعملها سواءٌ كان ترتُّبُ المراد عليها بطريق الجزاءِ كأعمال البِرّ أو بطريق ترتبِ المعلولات على العلل كالأسباب، أو بأعمال الآخرة فالمرادُ بالمريد على الأول الكفرةُ وأكثرُ الفسقة، وعلى الثاني أهلُ الرياء والنفاق والمهاجِرُ للدنيا والمجاهدُ لمحض الغنيمة {ٱلْعَاجِلَةَ} فقط من غير أن يريد معها الآخرةَ كما ينبىء عنها الاستمرارُ المستفادُ من زيادة كان هٰهنا مع الاقتصار على مطلق الإرادةِ في قسيمه، والمرادُ بالعاجلة الدارُ الدنيا وبإرادتها إرادةُ ما فيها من فنون مطالبِها كقوله تعالى: { أية : وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الشورى: 20] ويجوز أن يراد الحياةُ العاجلة كقوله عز وجل: { أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} تفسير : [هود، الآية 15] لكن الأولَ أنسبُ بقوله: {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا} أي في تلك العاجلةِ فإن الحياةَ واستمرارها من جملة ما عُجِّل له، فالأنسبُ بذلك كلمةُ من كما في قوله تعالى: { أية : وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} تفسير : [آل عمران، الآية 145] {مَا نَشَاء} أي ما نشاء تعجيلَه له من نعيمها لا كلَّ ما يريد {لِمَن نُّرِيدُ} تعجيلَ ما نشاء له وهو بدلٌ من الضمير في له بإعادة الجارِّ بدلَ البعض، فإنه راجعٌ إلى الموصول المنبىءِ عن الكثرة، وقرىء لمن يشاء على أن الضميرَ لله سبحانه، وقيل: هو لِمَن فيكون مخصوصاً بمن أراد به ذلك، وهو واحدٌ من الدهماء، وتقيـيدُ المعجَّل والمعجَّل له بما ذُكر من المشيئة والإرادة لما أن الحِكمةَ التي عليها يدور فلكُ التكوين لا تقتضي وصولَ كلِّ طالبٍ إلى مرامه ولا استيفاءَ كلِّ واصل لما يطلُبه بتمامه، وأما ما يتراءى من قوله تعالى: { أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} تفسير : [هود، الآية 15] من نيل كلِّ مؤمِّلٍ لجميع آماله ووصولِ كلِّ عاملٍ إلى نتيجة أعمالِه، فقد أُشير إلى تحقيق القولِ فيه في سورة هود بفضل الله تعالى {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ} مكان ما عجلنا له {جَهَنَّمَ} وما فيها من أصناف العذاب {يَصْلَـٰهَا} يدخُلها وهو حالٌ من الضمير المجرور أو من جهنم أو استئنافٌ {مَذْمُومًا مَّدْحُورًا} مطروداً من رحمة الله تعالى، وقيل: الآية في المنافقين كانوا يُراؤون المسلمين ويغزون معهم ولم يكن غرضُهم إلا مساهمتَهم في الغنائم ونحوِها، ويأباه ما يقال إن السورةَ مكيةٌ سوى آياتٍ معينة.

القشيري

تفسير : في الآية تسليةٌ للمظلومين إذا استبطأوا هلاكَ الظالمين، و(...) قِصَرِ أيديهم عنهم. فإذا فَكَّروا فيما مضى من الأُمم أمثالِهم وكيف بَنَوْا مَشِيداً، وأَمَّلُوا بعيداً.. فبادوا جميعاً، يعلمون أَنَّ الآخرين - عن قريب - سينخرطون في سلكهم، ويُمْتَحَنُون بمثل شأنهم. وإذا أظَلّتْهُم سُحُبُ الوحشةِ فاءوا إلى ظلِّ شهود التقدير، فتزول عنهم الوحشة، وتطيب لهم الحياةُ، وتحصل الهيبة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكم اهلكنا من القرون} كم مفعول اهلكنا ومن القرون تبيين لابهام كم وتمييز له كما يميز العدد بالجنس اى وكثيرا من القرون اهلكنا والقرن مدة من الزمان يحترم فيها المرؤ والاصح انه مائة سنة حديث : لقوله عليه السلام لغلام "عش قرنا" فعاش مائة تفسير : والقرن كل امة هلكت فلم يبق منها احد وكل اهل عصر قرن لمن بعدهم لانهم يتقدمونهم {من بعد نوح} من بعد زمنه كعاد وثمود ومن بعدهم ولم يقل من بعد آدم لان نوحا اول نبى بالغ قومه فى تكذيبه وقومه اول من حلت بهم العقوبة العظمى وهو الاستئصال بالطوفان {وكفى بربك} اى كفى ربك {بذنوب عباده خبيرا بصيرا} يحيط بظواهرها وبواطنها فيعاقب عليها وتقديم الخبير مع انه مضاف الى الغيب والامور الباطنة والبصير مضاف الى الامور الظاهرة كالشهيد لتقدم متعلقه من الاعتقادات والنيات التى هى مبادى الاعمال الظاهرة. وفيه اشارة الى ان البعث والامر وما يتلوهما من فسقهم ليس لتحصيل العلم بما صدر عنهم من الذنوب فان ذلك حاصل قبل ذلك وانما هو لقطع الاعذار والزام الحجة من كل وجه. وفى الآية تهديد لهذه الامة لا سيما مشركى مكة لكى يطيعوا الله ورسوله ولا يعصوه فيصيبهم مثل ما اصابهم - روى - عن الشعبى انه قال خرج اسد وذئب وثعلب يتصيدون فاصطادوا حمار وحش وغزالا وارنبا فقال الاسد للذئب اقسم فقال حمار الوحش للملك والغزال لى والارنب للثعلب قال فرفع الاسد يده وضرب رأس الذئب ضربة فاذا هو منجدل بين يدى الاسد ثم قال للثعلب اقسم هذه بيننا فقال الحمار يتغدى به الملك والغزال يتعشى به والارنب بين ذلك فقال الاسد ويحك ما اقضاك من علمك هذا القضاء فقال القضاء الذى نزل برأس الذئب ولذلك قبل العاقل من وعظ بغيره شعر : مرد دركارها جوكرد نظر بهزه اعتبار ازاز برداشت هرجه آن سودمند بود كرفت هرجه ناسود مندبود كذا شت تفسير : وفى التأويلات النجمية {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}تفسير : يشير الى ان الاعمال الصالحة والفاسدة التى ترقم النفوس يرقوم السعادة والشقاوة لا يكون لها اثر الا بقبول دعوة الانبياء او بردها فان السعادة والشقاوة مودعة فى اوامر الشريعة ونواهيها {أية : واذا اردنا ان نهلك قرية}تفسير : اى من قرى النفوس {أية : امرنا مترفيها}تفسير : وهى النفوس الامارة بالسوء {أية : ففسقوا فيها}تفسير : اى فخرجوا عن قيد الشريعة ومتابعة الانبياء بمتابعة الهوى واستيفاء شهوات النفس {أية : فحق عليها القول}تفسير : اى فوجبت لها الشقاوة بمخالفة الشريعة {أية : فدمرناها تدميرا}تفسير : بابطال استعداد قبول السعادة اذ صارت النفس مرقومة برقوم الشقاوة الابدية {وكم اهلكنا من القرون من بعد نوح} اى ابطلنا حسن استعدادهم لقبول السعادة برد دعوى الانبياء عليهم السلام {وكفى بربك بذنوب عباده} اذ لم يقبلوا دعوة الانبياء {خبيرا بصيرا} فانه المقدر فى الازل المدبر الى الابد اسباب سعادة عباده واسباب شقاوتهم انتهى.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى بأنه اهلك من القرون من بعد نوح، أُمَماً كثيرة، لأن "كم" يفيد التكثير ضد (ربّ) الذي يفيد التقليل، (والقرن) قيل: مئة وعشرون سنة - في قول عبد الله ابن أَبي أوفى - وقال محمد بن القاسم المازني: هو مئة سنة، وقال قوم: هو اربعون سنة. وادخلت الباء في قوله {كفى بربك} للمدح: كما تقول: ناهيك به رجلاً، وجاد بثوبك ثوباً، وطاب بطعامك طعاماً واكرم به رجلاً، وكل ذلك في موضع رفع، كما قال الشاعر: شعر : ويخبرني عن غائب المرء هديه كفى الهدى عمّا غيّب المرؤ مخبرا تفسير : فرفع لما اسقط الباء. والمعنى: كفى ربك عالماً وحسيباً بذنوب عباده بصيراً بها، ثمّ قال {من كان يريد} المنافع {العاجلة} في الدنيا {عجلنا له فيها} يعني في الدنيا القدر الذي نريده لمن نريد، لا على قدر ما يريدون، لأن ما يريدونه ربما كانت فيه مفسدة، لا يجوز إِعطاؤهم إِياه، ثم بين انه إِذا اعطاهم ما طلبوه عاجلاً جعل لهم جهنم جزاء، على معاصيهم وكفرهم يصلونها مذمومين مدحورين، اي في حال ذمنا إِياهم، يقال: ذأمته، وذمته، وذممته بمعنى واحد فهو مذؤم ومذيم ومذموم، ويكون ذأمته اي طردته، فهو مذؤم. و {مدحوراً} اي متباعداً من رحمة الله دحرته أَدحره دحراً اي باعدته. ثم قال {ومن أَراد الآخرة} اي خير الآخرة، ثواب الجنة {وسعى لها سعيها} بأن فعل الطاعات وتجنب المعاصي، وهو مع ذلك مؤمن مصدق بتوحيد الله ومقر بأنبيائه، فإِن أُولئك يكون {سعيهم مشكوراً} اي تكون طاعاتهم مقبولة. وقال قتادة: شكر الله حسناتهم، وتجاوز عن سيّآتهم. والمعنى أحلهم محلا يشكر عليه في حسن الجزاء كما قال: {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً }.

اطفيش

تفسير : {وَكَمْ} خبرية للتكثير مفعول مقدم لقوله، {أهْلَكْنا} أى أهلكنا كثيراً {مِنَ الْقُرُونِ} المكذبة نعت لكم عندى، ولو منع كثير من العلماء نعتها، وهو بيان لها واختلفوا فى القرن، فقيل من فى مدة عشر سنين، وقيل عشرين، وهكذا بالمعقود إِلى مائة، وقيل مائة وعشرون، وعليه عبد الله بن أبى أوقى، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول القرن، ويزيد بن معاوية: آخره، ولم يذكروا تسعين، وذكرها بعض، والصحيح أنه مائة سنة وهو المشهور المأْخوذ به فى التاريخ والحساب. روى محمد بن القاسم عن ختنه عبد الله بن بشر حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضع يده على رأس عبد الله فقال: سيعيش هذا الغلام قرناً. فقلت: كم القرن. قال: مائة سنة، فما زلنا نعد له حتى تمت له مائة سنة ثم ماتتفسير : ، وإِنما ذلك رغبة فى إفادة الطالب وإِلا فالذى عندى أن المراد بالقرون فى الآية ونحوها الأُمم مطلقا لا باعتبار أزمنتها. {مِن} زائدة عند ابن مالك، وقيل ابتدائية {بَعْدِ نُوْحٍ} كعاد وثمود وغيرهم، وذلك تخويف وتحذير لكفار مكة أن يصيبهم من الهلاك مثل ما أصاب الأَمم الماضية إن أصروا على الكفر. {وَكَفَى بِرَبِّكَ} فاعل كفى والياء للتأْكيد وربما جاء فاعل كفا بلا ياء كقوله: شعر : كفى الشيب والإِسلام للمرء ناهياً تفسير : وقول الآخر: شعر : ويخبرنى عن عائب المرء هديه كفى الهدى عما غيب المرء مخبرا تفسير : وإِنما تزاد فى الغالب كفى فى مقام المدح والذم {بِذُنُوبِ عِبَادِهِ} متعلق بقوله: {خَبِيراً} أو بقوله: {بَصِيراً} ويقدر مثله الآخر، فإِن علق بالثانى قدر للأَول مثله ظاهراً وإِن علق بالأَول قدر مثله للقانى ضمير أو ليس ذلك تنازعاً لتقدمه وإِنما قدم للفاصلة وتشديد الترهيب بالمذنوب ومعنى خبير أنه عالم ببواطن الذنوب، ومعنى بصير أنه عالم بظواهرها. قال القاضى: وتقديم الخبير لتقدم متعلقه ونبه الله عز وجل بذلك على أن الذنوب هى أسباب الهلكة وأنه معاقب عليها.

اطفيش

تفسير : {وَكَمْ} كثيراً {أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ} الأمم، سمى القرن قرنا لاقترانهم فى زمان واحد، والفرن أهل مائة وعشرين سنة، بُعث صلى الله عليه وسلم فى أول قرن آخره يزيد بن معاوية، وبذلك قال عبدا لله بن أبى أوفى: وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "حديث : عش قرنا"تفسير : فعاش مائة سنة، وقيل: عاش مائة وعشرين، وقيل: مائة سنة، روى مرفوعا، وبه قال محمد بن القاسم المازنى، وقيل: ثمانون، وقيل: أربعون، ومن للبيان. {مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} كعاد وثمود، ومن هذه للابتداء أو صلة، والأولى للبيان، وقد ذكر ابن هشام وابن مالك كونها صلة ما ذكر نوحاً أول السورة قال هنا: "من بعد نوح" وأيضا أنه أول نبى حلت العقوبة على قومه، فلم يقل من بعد آدم وشيث، ولم يدخلهم فى القرون تهديداً بما أصاب قومه من العقاب، إذ هو أول نبى آذاه قومه فاستأصلهم الله عز وجل. {وَكَفَى بِرَبِّكَ} الباء صلة، وربك فاعل {بِذُنُوبِ عِبَادِهِ} متعلق بقوله: {خَبِيرًا} أو بقوله: {بَصِيرًا}، ويقدر للآخر لا على التنازع لتأخرهما بعلم بواطن الأمور، وظواهرها فيعاقب عليها، وكذا يثيب، ولما كانت الخبرة متعلقة ببواطن الأمور والبصر بظواهرها قدم الخبرة، لأن الباطل متقدم بالشرف على الظاهر، ولتقدم اعتقاد القلب على أعمال الجوارح، وجاء الحديث: "حديث : إن الله لا ينظر إِلى صوركم ولكن ينظر إِلى ما فى قلوبكم"تفسير : و "حديث : إِنما الأعمال بالنيات" تفسير : ولأن الخبرة أعم من البصر، لأنها تتعلق بالمبصرات وغيرها، والمدرك بالبصر أظهر، تعالى الله عن البصر، ومعنى بصير عالم بظواهر الأمور، وذكر بعض أن الخبير هو الذى لا يعزب عنه الأخبار الباطنة، لا يحصل شئ بلا علم منه به، أو الخبير مستعمل فى العلم بالباطن - باللام بعد الطاء -.

الالوسي

تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا} أي كثيراً ما أهلكنا {مِنَ ٱلْقُرُونِ} تمييز لِـ {كم} والقرن على ما قال الراغب القوم المقترنون في زمان واحد، وعن عبد الله بن أبـي أوفى هو مدة مائة وعشرين سنة، وعن محمد بن القاسم المازني وروي مرفوعاً أنه مائة سنة، وجاء أنه صلى الله عليه وسلم دعا لرجل فقال: عش قرناً فعاش مائة سنة أو مائة وعشرين، وعن الكلبـي أنه ثمانون سنة، وعن ابن سيرين أنه أربعون سنة {مِن بَعْدِ نُوحٍ} من بعد زمنه عليه السلام كعاد وثمود ومن بعدهم ممن قصت أحوالهم في القرآن العظيم ومن لم تقص. وخص نوح عليه السلام بالذكر ولم يقل من بعد آدم لأنه أول رسول آذاه قومه فاستأصلهم العذاب ففيه تهديد وإنذار للمشركين ولظهور حال قومه لم ينظموا في القرون المهلكة على أن ذكره عليه السلام رمز إلى ذكرهم. و{من} الأولى للتبيين لا زائدة والثانية لابتداء الغاية فلذا جاز اتحاد متعلقهما، وقال الحوفي: {من} الثانية بدل من الأولى وليس بجيد. {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ} أي كفى ربك وقد تقدم الكلام مفصلاً آنفاً في مثل هذا التركيب {بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا} محيطاً بظواهرها وبواطنها فيعاقب عليها، وتقديم الخبير لتقدم متعلقه من الاعتقادات والنيات التي هي مبادىء الأعمال الظاهرة تقدماً وجودياً، وقيل تقدماً رتبياً لأن العبرة بما في القلب كما يدل عليه «حديث : إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم» تفسير : و حديث : إنما الأعمال بالنيات تفسير : و حديث : نية المؤمن خير من عمله تفسير : إلى غير ذلك، أو لعمومه من حيث يتعلق بغير المبصرات أيضاً. والجار والمجرور متعلق بخبيراً بصيراً على سبيل التنازع. وقال الحوفي: متعلق بكفى وهو وهم، وفي تذييل ما تقدم بما ذكر إشارة على ما قيل إلى أن البعث والأمر وما يتلوهما من فسقهم ليس لتحصيل العلم بما صدر عنهم من الذنوب فإن ذلك حاصل قبل ذلك وإنما هو لقطع الأعذار وإلزام الحجة من كل وجه. وفي «الكشاف» أنه سبحانه نبه بقوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ} الخ على أن الذنوب هي الأسباب المهلكة لا غير، وبيانه كما في «الكشف» أنه جل شأنه لما عقب إهلاكهم بعلمه بالذنوب علماً أتم دل على أنه تعالى جازاهم بها وإلا لم ينتظم الكلام، وأما الحصر فلأن غيرها لو كان له مدخل كان الظاهر ذكره في معرض الوعيد ثم لا يكون السبب تاماً ويكون الكلام ناقصاً عن أداء المقصود فلزم الحصر وهو المطلوب ولا أرى كلامه خالياً عن دسيسة اعتزال تظهر بالتأمل ولعله لذلك لم يتعرض له العلامة البيضاوي.

ابن عاشور

تفسير : ضرب مثال لإهلاك القرى الذي وصف سببه وكيفيته في الآية السابقة، فعقب ذلك بتمثيله لأنه أشد في الكشف وأدخل في التحذير المقصود. وفي ذلك تحقيق لكون حلول العذاب بالقرى مقدماً بإرسال الرسول إلى أهل القرية، ثم بتوجيه الأوامر إلى المترفين ثم فسقهم عنها وكان زعماء الكفرة من قوم نوح مترفين وهم الذين قالوا: {أية : وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأي}تفسير : [هود: 27] وقال لهم نوح عليه السلام {أية : ولا أقول للذين تزدري أعيُنكم لن يؤتيهم الله خيراً}تفسير : [هود: 31]. فكان مقتضى الظاهر عطف هذه الجملة بالفاء لأنها كالفرع على الجملة قبلها ولكنها عطفت بالواو إظهاراً لاستقلالها بوقع التحذير من جهة أخرى فكان ذلك تخريجاً على خلاف مقتضى الظاهر لهذا الاعتبار المناسب. و (كم) في الأصل استفهام عن العدد، وتستعمل خبرية دالة على عدد كثير مُبهم النوع، فلذلك تحتاج إلى تمييز لنوع العدد، وهي هنا خبرية في محل نصب بالفعل الواقع بعدها لأنها التزم تقديمها على الفعل نظراً لكون أصلها الاستفهام وله صدر الكلام. و {من القرون} تمييز للإبهام الذي اقتضته (كم). والقرون جمع قرن، وهو في الأصل المدة الطويلة من الزمن فقد يقدر بمائة سنة وبأربعين سنة، ويطلق على الناس الذين يكونون في تلك المدة كما هنا. وفي الحديث «حديث : خير القرون قرني ثم الذين يلونهم»تفسير : ، أراد أهل قرني، أي أهل القرن الذي أنا فيه. وقال الله تعالى: {أية : وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا}تفسير : [الفرقان: 38]. وتخصيص {من بعد نوح} إيجاز، كأنه قيل من قوم نوح فمن بعدهم، وقد جعل زمن نوح مبدأ لقصص الأمم لأنه أول رسول، واعتبر القَصص من بعده لأن زمن نوح صار كالمنقطع بسبب تجديد عمران الأرض بعد الطوفان، ولأن العذاب الذي حل بقومه عذاب مهول وهو الغرق الذي أحاط بالعالم. ووجه ذكره تذكير المشركين به وأن عذاب الله لا حد له، والتنبيه على أن الضلالة تحول دون الاعتبار بالعواقب ودون الاتعاظ بما يحل بمن سبق وناهيك بما حل بقوم نوح من العذاب المهول. وجملة {وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً} إقبال على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بالخصوص، لأن كل ما سبق من الوعيد والتهديد إنما مآله إلى حمل الناس على تصديق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من القرآن بعد أن لجوا في الكفر وتفننوا في التكذيب، فلا جرم خُتم ذلك بتطمين النبي بأن الله مطلع على ذنوب القوم. وهو تعريض بأنه مجازيهم بذنوبهم بما يناسب فظاعتها، ولذلك جاء بفعل {كفى} وبوصفي {خبيراً بصيراً} المكنى بذكرهما عن عدم إفلات شيء من ذنوبهم المرئية والمعلومة من ضمائرهم أعني أعمالهم ونواياهم. وقدم ما هو متعلق بالضمائر والنوايا لأن العقائد أصل الأعمال في الفساد والصلاح. وفي الحديث: «حديث : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»تفسير : . وفي ذكر فعل (كفى) إيماء إلى أن النبي غير محتاج إلى من ينتصر له غير ربه فهو كافيه وحسبه، قال: {أية : فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم}تفسير : [البقرة: 137]؛ أو إلى أنه في غنية عن الهم في شأنهم كقوله لنوح: {أية : فلا تسألنِ ما ليس لك به علم}تفسير : [هود: 46] فهذا إما تسلية له عن أذاهم وإما صرف له عن التوجع لهم. وفي خطاب النبي بذلك تعريض بالوعيد لسامعيه من الكفار.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: انه أهلك كثيراً من القرون من بعد نوح. لأن لفظة {كم} في قوله {وكم أهلكنا} خبرية، معناها الإخبار بعدد كثير. وأنه جل وعلا خبير بصير بذنوب عباده. وأكد ذلك بقوله {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ} الآية. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة أوضحته آيات آخر من أربع جهات: الأولى - أن في الآية تهديداً لكفار مكة، وتخويفاً لهم من أن ينزل بهم ما نزل بغيرهم من الأمم التي كذبت رسلها. أي أهلكنا قروناً من بعد نوح بسبب تكذيبهم الرسل، فلا تكذبوا رسولنا لئلا نفعل بكم مثل ما فعلنا بهم. والآيات التي أوضحت هذا المعنى كثيرة. كقوله في قوم لوط {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلْلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [الصافات:137-138]، وكقوله فيهم أيضاً: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ}تفسير : [الحجر:75-76]، وقوله فيهم ايضاً: {أية : وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [العنكبوت:35]، وقوله: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}تفسير : [محمد:10]، وقوله بعد ذكره جل وعلا إهلاكه لقوم نوح وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب في سورة الشعراء: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء:8]، وقوله في قوم موسى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ}تفسير : [النازعات:26]، وقوله: {أية : إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ}تفسير : [هود:103] الآية، وقوله: {أية : أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ}تفسير : [الدخان:37] الآية، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على تخويفهم بما وقع لمن قبلهم. الجهة الثانية - ان هذه القرون تعرضت لبيانها آيات أخر. فبينت كيفية إهلاك قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه من قوم موسى، وذلك مذكور في مواضع متعددة معلومة من كتاب الله تعالى. وبين أن تلك القرون كثيرة في قوله: {أية : وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً}تفسير : [الفرقان:38] وبين في موضع آخر: ان منها ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وذلك في قوله في سورة إبراهيم {أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [إبراهيم:9] الآية. وبين في موضعين آخرين ان رسلهم منهم من قص خبره على نبينا صلى الله عليه وسلم، ومنهم من لم يقصصه عليه. وهما قوله في سورة النساء: {أية : وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً}تفسير : [النساء:164]، وقوله في سورة المؤمن: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [غافر:78] الآية. الجهة الثالثة - ان قوله {مِن بَعْدِ نُوحٍ} [الإسراء:17] يدل على أن القرون التي كانت بين آدم نوح أنها على الإسلام. كما قال ابن عباس: كانت بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام - نقله عنه ابن كثير في تفسير هذه الآية. وهذا المعنى تدل عليه آيات أخر. كقوله {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}تفسير : [البقرة:213] الاية، وقوله. {أية : وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ}تفسير : [يونس:19] الآية. لأن معنى ذلك على أصح الأقوال أنهم كانوا على طريق الإسلام، حتى وقع ما وقع من قوم نوح من الكفر. فبعث الله النَّبيين ينهون عن ذلك الكفر، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار. وأولهم في ذلك نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ويدل على هذا قوله: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ}تفسير : [النساء:163] الآية. وفي أحاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح وغيرها أنهم يقولون لنوح: إنه أول رسول بعثه الله لأهل الأرض كما قدمنا ذلك في سورة البقرة. الجهة الرابعة - أن قوله {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً} [الإسراء:17] فيه أعظم زجر عن ارتكاب ما لا يرضي الله تعالى. والآيات الموضحة لذلك كثيرة جداً. كقوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ}تفسير : [ق:16] وقوله: {أية : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}تفسير : [هود:5]، وقوله: {أية : وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ}تفسير : [البقرة:235] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا هذا المبحث موضحاً في أول سورة هود. ولفظة {كم} في هذه الآية الكريمة في محل نصب مفعول به {لإهلكنا} و {من} في قوله {من القرون} بيان لقوله {كم} وتمييز له كما يميز العدد بالجنس. وأما لفظة "من" في قوله {مِن بَعْدِ نُوحٍ} [الإسراء:17] فالظاهر أنها لإبتداء الغاية، وهو الذي اختاره أبو حيان في "البحر". وزعم الحوفي أن {من} الثانية بدل من الأولى، ورده عليه أبو حيان. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (17) يُنْذِرُ اللهُ الكُفَّارَ مِنْ قُرَيشٍ، الَّذِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهُ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَذَابُهُ، عَلَى مَا يَفْعَلُونَ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُ أَهْلَكَ أُمَماً مِنَ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ، وَإِنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ لَيْسُوا أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِمَّنْ أَهْلَكَهُمْ، فَهُمْ يَسْتَحِقُّونَ العُقُوبَةَ بِالأَحْرَى وَالأَوْلَى، لأَِنَّهُمْ يُكَذِّبُونَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَاللهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، وَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ. القُرُونِ - الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ السَّالِفَةِ.

الثعلبي

تفسير : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} تخوف كفار مكة { وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً} وقد اختلفوا في مبلغ مدة القرن: قال عبد الله بن أُبي: وفي القرن عشرون ومائة سنة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قرن كان وآخرهم يزيد بن معاوية. وروى محمّد بن القاسم "حديث : عن عبد الله بن بشير المازني أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه وقال: سيعيش هذا الغلام قرناً» فقلت: كم القرن؟ قال: «مائة سنة ". تفسير : قال محمّد بن القاسم: مازلنا نعدّ له حتّى (تمت) مائة سنة ثمّ مات. وقال الكلبي: القرن ثمانون سنة. وروى عمر بن شاكر عن ابن سيرين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : القرن أربعون سنة ". تفسير : {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ} يعني الدنيا فعبرنا بحرف عن الاسم، أراد بالدار العاجلة {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ} من البسط والتقدير {لِمَن نُّرِيدُ} أن يفعل به ذلك [أوّل] إهلاكه، { ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ} في الآخرة {يَصْلاهَا} يدخلها {مَذْمُوماً مَّدْحُوراً} مطروداً مبعداً {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} وعمل لها عملها {وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} مقبولاً غير مكفور {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ} أيّ نمد كل الفريقين، من يريد العاجلة ومن يريد الآخرة فيرزقهما جميعاً {مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ} ثمّ يختلف بهما الحال في المال {وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} ممنوعاً [محبوساً] عن عباده {ٱنظُرْ} يا محمّد {كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} في الرزق والعمل، يعني طالب العاجلة وطالب الآخرة {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً * لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره {فَتَقْعُدَ} فتبقى {مَذْمُوماً مَّخْذُولاً * وَقَضَىٰ} أمر {رَبُّكَ}. قال ابن عبّاس وقتادة والحسن قال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن وقال إنه طلق امرأته ثلاثاً، فقال: إنك عصيت ربك وبانت منك امرأتك. فقال الرجل: قضى الله ذلك عليَّ. قال الحسن وكان فصيحاً: ما قضى الله، أي ما أمر الله وقرأ هذه الآية {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} فقال الناس: تكلم الحسن في [القدر]. وقال مجاهد وابن زيد: وأوصى ربك، ودليل هذا التأويل قراءة علي وعبد الله وأُبيّ: ووصى ربك. وروى أبو إسحاق [الكوفي] عن شريك بن مزاحم أنه قرأ: ووصى ربك وقال: إنهم [أدغوا] الواو بالصاد فصارت قافاً. وقال الربيع بن أنس: [وأوجب] ربك إلاّ تعبدو إلاّ إياه. {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أي وأمر بالأبوين إحساناً بّراً بهما وعطفاً عليهما { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ} الكسائي بالالف، وقرأ الباقون: يبلغن بغير الألف على الواحدة وعلى هذه القراءة قوله {أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا} كلام [مستأنف] كقوله ف{أية : ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [المائدة: 71] وقوله {أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} تفسير : [طه: 62] ثمّ ابتدأ فقال: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} فيه ثلاث لغات بفتح الفاء [حيث قد رفع] وهي قراءة أهل مكة والشام واختيار يعقوب وسهيل. و(أُفّ) بالكسر والتنوين وهي قراءة أهل المدينة وأيوب وحفص. و(أُفّ) مكسور غير منون وهي قراءة الباقين من القراء، وكلها لغات معروفة معناها واحد. قال ابن عبّاس: هي كلمة كراهة. مقاتل: الكلام الرديء الغليظ. أبو عبيد: أصل الأف والتف الوسخ على الأصابع إذا فتلته وفرق الآخرون بينهما فقيل الأف ما يكون في المغابن من العرق والوسخ، والتف ما يكون في الأصابع، وقيل: الأف وسخ الأذن والتف وسخ [الأظفار] وقيل: الأف وسخ الظفر والتف ما رفعت يدك من الأرض من شيء حقير. {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} لاتزجرهما {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} حسناً جميلاً. وقال ابن المسيب: كقول العبد المذنب للسيد الفظ. وقال عطاء: لا تسمهما ولا تكنّهما وقل لهما: يا أبتاه ويا أماه. مجاهد في هذه الآية: إن بلغا عندك من الكبر ما يبولان ويُحدثان فلا تتعذرهما. ولا تقل لهما أف حين ترى الأذى وتميط عنهما الخراء والبول كما كانا يميطانه عنك صغيراً [ولا توذهما] [وروى سعيد بن المسيب: أن [العاق] يموت ميتة سوء، و حديث : قال رجل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أبوي بلغا من الكبر أني أُوليهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما؟ قال (صلى الله عليه وآله): "لا فإنهما كانا يفعلان لك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل وأنت تريد موتهما"] . تفسير : {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ}. قال عروة بن الزبير: إن لهما حتّى لا يمتنع من شيء أحياه. مقاتل: أَلِنْ لهما جانبك فاخضع لهما. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير وعاصم الحجدي: جناح الذل بكسر الذال أي [لا تستصعب معهما]. {وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}. قال ابن عبّاس: هو منسوخ بقوله {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ}تفسير : [التوبة: 113] الآية. روى شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رضى الله تعالى مع رضا الوالدين وسخط الله مع سخط الوالدين ". تفسير : عطاء عن عائشة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقال للعاق إعمل ماشئت إني لا أغفر لك ويقال للبار إعمل ماشئت وإني أغفر لك ". تفسير : روى عطاء عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : "من أمسى مرضيا لوالديه وأصبح أمس وأصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة، وإن أمسى وأصبح مسخطاً لوالديه أصبح وله بابان إلى النار وان واحداً فواحد". فقال رجل: يارسول الله وإن ظلماه؟ قال: "وإن ظلماه"، ثلاث مرات . تفسير : وروى رشيد بن سعد عن أبي هاني الخولاني عن أبي عمر (القصبي) قال: حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله دلني على عمل أعمله يقربني إلى الله؟ قال: "هل لك والدة ووالد؟" قال: نعم. قال: "فإنما يكفي مع البر بالوالدين العمل [اليسير]" . تفسير : {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ } من بر الوالدين وعقوقهما {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ} أبراراً مطيعين فيما أمركم الله به بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين، وغير ذلك من فرائض الله {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ} بعد المعصية والهفوة {غَفُوراً}. وقال سعيد بن جبير في هذه الآية: هو الرجل يكون منه المبادرة إلى أبويه لا يريد بذلك إلاّ الخير، فإنه لا يؤخذ به. وإختلف المفسرون في معنى الأوابين: فقال سعيد بن جبير: الراجعين إلى الخير، سعيد بن المسيب: الذي يذنب ثمّ يتوب ثمّ يذنب ثمّ يتوب. مجاهد عن عبيد بن عمر: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا فيستغفر الله تعالى عنها. عمرو بن دينار: هو الذي يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت في [مجلسي] هذا. ابن عبّاس: الراجع إلى الله فيما [لحق به وينويه] والأواب فعال من أوب إذا رجع. قال عبيد بن الأبرص: وكل ذي غيبة يؤوب وغايب الموت لا يؤوب. وقال عمرو بن شرحبيل: وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس دليله قوله و {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ}تفسير : [سبأ: 10]. الوالبي: عنه المطيعين المخبتين. قتادة: المصلين. عون العقيلي: هم الذين يصلون صلاة الضحى. ابن المنكدر: بين المغرب والعشاء. روى ابن إدريس عن أبيه عن سعيد بن جبير قال: الأوابين الرغابين.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فأيْن عاد وثمود وقوم لوط وقوم صالح؟ إذن: فالآية قضية قولية، لها من الواقع ما يُصدِّقها. وقوله: {مِن بَعْدِ نُوحٍ ..} [الإسراء: 17]. دَلَّ على أن هذا الأخذ وهذا العذاب لم يحدث فيما قبل نوح؛ لأن الناس كانوا قريبي عَهْد بخَلْق الله لآدم - عليه السلام - كما أنه كان يُلقِّنهم معرفة الله وما يضمن لهم سلامة الحياة، أما بعد نوح فقد ظهر الفساد والكفر والجحود، فنزل بهم العذاب. الذي لم يسبق له مثيل. قال تعالى: {أية : وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ * وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ}تفسير : [الفجر: 1-14]. ولنا وَقْفة سريعة مع هذه الآيات من سورة الفجر، فقد خاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله:{أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ }تفسير : [الفجر: 6]. و {أَلَمْ تَرَ} بمعنى: ألم تعلم؛ لأن النبي لم ير ما فعله الله بعاد، فلماذا عدل السياق القرآني عن: تعلم إلى تَرَ؟ قالوا: لأن إعلام الله لرسوله أصدق من عينه ورؤيته، ومثلها قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ}تفسير : [الفيل: 1]. حيث وُلِد رسول الله في عام الفيل، ولم يكن رأى شيئاً. وفي آيات سورة (الفجر) ما يدلُّنا على أن حضارة عاد التي لا نكاد نعرف عنها شيئاً كانت أعظمَ من حضارة الفراعنة التي لفتتْ أنظار العالم كله؛ ذلك لأن الحق تبارك وتعالى قال عن عاد:{أية : ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ}تفسير : [الفجر: 8]. أي: لا مثيلَ لها في كل حضارات العالم، في حين قال عن حضارة الفراعنة:{أية : وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ}تفسير : [الفجر: 10]. مجرد هذا الوصف فقط. وقوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ ..} [الإسراء: 17]. كَمْ: تدل على كثرة العدد. والقرون: جمع قرن، وهو في الاصطلاح الزمني مائة عام، ويُطلَق على القوم المقترنين معاً في الحياة، ولو على مبدأ من المبادئ، وتوارثه الناس فيما بينهم. وقد يُطلَق القرن على أكثر من مائة عام كما نقول: قرن نوح، قرن هود، قرن فرعون. أي: الفترة التي عاشها. وقوله: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً} [الإسراء: 17]. أي: أنه سبحانه غنيّ عن إخبار أحد بذنوب عباده، فهو أعلم بها، لأنه سبحانه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء: {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ}تفسير : [غافر: 19]. فلا يحتاج لمَنْ يخبره؛ لأنه خبير وبصير، هكذا بصيغة المبالغة. وهنا قد يقول قائل: طالما أن الله تعالى يعلم كل شيء، ولا تخفى عليه خافية، فلماذا يسأل الناس يوم القيامة عن أعمالهم؟ نقول: لأن السؤال يَرِدُ لإحدى فائدتين: الأولى: كأنْ يسألَ الطالب أستاذه عن شيء لا يعلمه، فالهدف أنْ يعلم ما جهل. والأخرى: كأن يسأل الأستاذ تلميذه في الامتحان، لا ليعلم منه، ولكن ليقرره بما علم. وهكذا الحق سبحانه - ولله المثل الأعلى - يسأل عبده يوم القيامة عن أعماله ليقرره بها، وليجعله شاهداً على نفسه، كما قال:{أية : ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإسراء: 14]. وقوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ ..} [الإسراء: 17]. كما تقول: كفى بفلان كذا، أي: أنك ترتضيه وتثقُ به، فالمعنى: يكفيك ربك فلا تحتاج لغيره، وقد سبق أنْ أوضحنا أن الله تعالى في يده كل السلطات حينما يقضي: السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، وهو سبحانه غنيّ عن الشهود والبينة والدليل. إذن: كفى به سبحانه حاكماً وقاضياً وشاهداً. ولأن الحق سبحانه خبير بصير بذنوب عباده، فعقابه عَدْل لا ظلمَ فيه. ثم يقول الحق سبحانه: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 1553- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّا}: [الآية: 23]، قال: أمروا أن لا يعبدوا إلاّ الله. 1554- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في حَرْفِ ابن مسعود: ووصَّى ربك أن لا تعبدوا إلا إيَّاهُ.