Verse. 2047 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

مَنْ كَانَ يُرِيْدُ الْعَاجِلَۃَ عَجَّــلْنَا لَہٗ فِيْہَا مَا نَشَاۗءُ لِمَنْ نُّرِيْدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَہٗ جَہَنَّمَ۝۰ۚ يَصْلٰىہَا مَذْمُوْمًا مَّدْحُوْرًا۝۱۸
Man kana yureedu alAAajilata AAajjalna lahu feeha ma nashao liman nureedu thumma jaAAalna lahu jahannama yaslaha mathmooman madhooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«من كان يريد» بعمله «العاجلة» أي الدنيا «عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد» التعجيل له بدل من له بإعادة الجار «ثم جعلنا له» في الآخرة «جهنم يصلاها» يدخلها «مذموما» ملوما «مدحورا» مطرودا عن الرحمة.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القفال رحمه الله: هذه الآية داخلة في معنى قوله: { أية : وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ } تفسير : [الإسراء: 13] ومعناه: أن الكمال في الدنيا قسمان، فمنهم من يريد بالذي يعمله الدنيا ومنافعها والرياسة فيها، فهذا يأنف من الانقياد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والدخول في طاعتهم والإجابة لدعوتهم، إشفاقاً من زوال الرياسة عنه، فهذا قد جعل طائر نفسه شؤماً لأنه في قبضة الله تعالى فيؤتيه الله في الدنيا منها قدراً لا كما يشاء ذلك الإنسان، بل كما يشاء الله إلا أن عاقبته جهنم يدخلها فيصلاها بحرها مذموماً ملوماً مدحوراً منفياً مطروداً من رحمة الله تعالى. وفي لفظ هذه الآية فوائد. الفائدة الأولى: أن العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذم بشرط أن تكون دائمة وخالية عن شوب المنفعة، فقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَـٰهَا } إشارة إلى المضرة العظيمة، وقوله: {مَذْمُومًا } إشارة إلى الإهانة والذم، وقوله: {مَّدْحُورًا } إشارة إلى البعد والطرد عن رحمة الله، وهي تفيد كون تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة وتفيد كونها دائمة وخالية عن التبدل بالراحة والخلاص. الفائدة الثانية: أن من الجهال من إذا ساعدته الدنيا اغتر بها وظن أن ذلك لأجل كرامته على الله تعالى، وأنه تعالى بين أن مساعدة الدنيا لا ينبغي أن يستدل بها على رضا الله تعالى، لأن الدنيا قد تحصل مع أن عاقبتها هي المصير إلى عذاب الله وإهانته، فهذا الإنسان أعماله تشبه طائر السوء في لزومها له وكونها سائقة له إلى أشد العذاب. الفائدة الثالثة: قوله تعالى: {لِمَن نُّرِيدُ } يدل على أنه لا يحصل الفوز بالدنيا لكل أحد، بل كثير من الكفار والضلال يعرضون عن الدين في طلب الدنيا، ثم يبقون محرومين عن الدنيا وعن الدين، وهذا أيضاً فيه زجر عظيم لهؤلاء الكفار الضلال الذين يتركون الدين لطلب الدنيا، فإنه ربما فاتتهم الدنيا فهم الأخسرون أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وأما القسم الثاني: وهو قوله تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ ٱلأَخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ } فشرط تعالى فيه شروطاً ثلاثة: الشرط الأول: أن يريد بعمله الآخرة أي ثواب الآخرة، فإنه إن لم تحصل هذه الإرادة، وهذه النية لم ينتفع بذلك العمل لقوله تعالى: { أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } تفسير : [النجم: 39] ولقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : إنما الأعمال بالنيات » تفسير : ولأن المقصود من الأعمال استنارة القلب بمعرفة الله تعالى ومحبته، وهذا لا يحصل إلا إن نوى بعمله عبودية الله تعالى وطلب طاعته. والشرط الثاني: قوله: {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا } وذلك هو أن يكون العمل الذي يتوصل به إلى الفوز بثواب الآخرة من الأعمال التي بها ينال ثواب الآخرة، ولا يكون كذلك إلا إذا كان من باب القرب والطاعات، وكثير من الناس يتقربون إلى الله تعالى بأعمال باطلة، فإن الكفار يتقربون إلى الله تعالى بعبادة الأوثان، ولهم فيه تأويلان: التأويل الأول: يقولون: إله العالم أجل وأعظم من أن يقدر الواحد منا على إظهار عبوديته وخدمته فليس لنا هذا القدر والدرجة ولكن غاية قدرنا أن نشتغل بعبودية بعض المقربين من عباد الله تعالى، مثل أن نشتغل بعبادة كوكب أو عبادة ملك من الملائكة، ثم إن الملك والكوكب يشتغلون بعبادة الله تعالى، فهؤلاء يتقربون إلى الله تعالى بهذا الطريق، إلا أنه لما كان فاسداً في نفسه لا جرم لم يحصل الانتفاع به. والتأويل الثاني لهم: أنهم قالوا: نحن اتخذنا هذه التماثيل على صور الأنبياء والأولياء، ومرادنا من عبادتها أن تصير أولئك الأنبياء والأولياء شفعاء لنا عند الله تعالى. وهذا الطريق أيضاً فاسد، وأيضاً نقل عن الهند: أنهم يتقربون إلى الله تعالى بقتل أنفسهم تارة وبإحراق أنفسهم أخرى ويبالغون في تعظيم الله تعالى، إلا أنه لما كان الطريق فاسداً لا جرم لم ينتفع به، وكذلك القول في جميع فرق المبطلين الذين يتقربون إلى الله تعالى بمذاهبهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة وأعمالهم المنحرفة عن قانون الصدق والصواب. والشرط الثالث: قوله تعالى: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ } وهذا الشرط معتبر، لأن الشرط في كون أعمال البر موجبة للثواب تقدم الإيمان، فإذا لم يوجد الشرط لم يحصل المشروط، ثم إنه تعالى أخبر أن عند حصول هذه الشرائط يصير السعي مشكوراً والعمل مبروراً. واعلم أن الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظماً عن ذلك الشاكر، والله تعالى يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة، فإنه تعالى عالم بكونهم محسنين في تلك الأعمال، وأنه تعالى يثني عليهم بكلامه وأنه تعالى يعاملهم بمعاملات دالة على كونهم معظمين عند الله تعالى، وإذا كان مجموع هذه الثلاثة حاصلاً كانوا مشكورين على طاعاتهم من قبل الله تعالى، ورأيت في كتب المعتزلة أن جعفر بن حرب حضر عنده واحد من أهل السنة وقال: الدليل على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى أنا نشكر الله على الإيمان، ولو لم يكن الإيمان حاصلاً بإيجاده لامتنع أن نشكره عليه، لأن مدح الإنسان وشكره على ما ليس من عمله قبيح. قال الله تعالى: { أية : وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } تفسير : [آل عمران: 188] فعجز الحاضرون عن الجواب، فدخل ثمامة بن الأشرس وقال: إنما نمدح الله تعالى ونشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل. وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل، والله تعالى يشكرنا على فعل الإيمان. قال تعالى: {فَأُولَـئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } قال فضحك جعفر بن حرب وقال: صعب المسألة فسهلت. واعلم أن قولنا: مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل كلام واضح، لأنه تعالى هو الذي أعطى الموجب التام لحصول الإيمان فكان هو المستحق للشكر، ولما حصل الإيمان للعبد وكان الإيمان موجباً للسعادة التامة صار العبد أيضاً مشكوراً ولا منافاة بين الأمرين. المسألة الثانية: اعلم أن كل من أتى بفعل فإما أن يقصد بذلك الفعل تحصيل خيرات الدنيا، أو تحصيل خيرات الآخرة، أو يقصد به مجموعهما، أو لم يقصد به واحداً منهما، هذا هو التقسيم الصحيح، أما إن قصد به تحصيل الدنيا فقط أو تحصيل الآخرة فقط، فالله تعالى ذكر حكم هذين القسمين في هذه الآية. أما القسم الثالث: فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام، لأنه إما أن يكون طلب الآخرة راجحاً أو مرجوحاً، أو يكون الطلبان متعادلين. أما القسم الأول: وهو أن يكون طلب الآخرة راجحاً، فهل يكون هذا العمل مقبولاً عند الله تعالى فيه بحث، يحتمل أن يقال: إنه غير مقبول لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حكى عن رب العزة أنه قال: « حديث : أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشريكه » تفسير : وأيضاً فطلب رضوان الله إما أن يقال: إنه كان سبباً مستقلاً بكونه باعثاً على ذلك الفعل أو داعياً إليه، وإما أن يقال: ما كان كذلك، فإن كان الأول امتنع أن يكون لغيره مدخل في ذلك البعث والدعاء، لأن الحكم إذا حصل مسنداً إلى سبب تام كامل امتنع أن يكون لغيره مدخل فيه، وإن كان الثاني فحينئذ يكون الحامل على ذلك الفعل والداعي إليه ذلك المجموع، وذلك المجموع ليس هو طلب رضوان الله تعالى، لأن المجموع الحاصل من الشيء ومن غيره يجب كونه مغايراً لكل واحد من جزئيه فهذا القسم التحق بالقسم الذي كان الداعي إليه مغايراً لطلب رضوان الله تعالى فوجب أن يكون مقبولاً، ويمكن أن يقال لما كان طلب الآخرة راجحاً على طلب الدنيا تعارض المثل بالمثل فيبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة فوجب كونه مقبولاً، وأما إذا كان طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين، أو كان طلب الدنيا راجحاً فهذا قد اتفقوا على أنه غير مقبول إلا أنه على كل حال خير مما إذا كان طلب الدنيا خالياً بالكلية عن طلب الآخرة. وأما القسم الرابع: وهو أن يقال إنه أقدم على ذلك الفعل من غير داع فهذا بناء على أن صدور الفعل من القادر هل يتوقف على حصول الداعي أم لا؟ فالذين يقولون إنه متوقف قالوا هذا القسم ممتنع الحصول، والذين قالوا: إنه لا يتوقف قالوا: هذا الفعل لا أثر له في الباطن وهو محرم في الظاهر لأنه عبث، والله أعلم. ثم قال تعالى: {كُلاَّ } أي كل واحد من الفريقين، والتنوين عوض من المضاف إليه: {نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبّكَ } أي أنه تعالى يمد الفريقين بالأموال ويوسع عليهما في الرزق مثل الأموال والأولاد، وغيرهما من أسباب العز والزينة في الدنيا، لأن عطاءنا ليس يضيق عن أحد مؤمناً كان أو كافراً لأن الكل مخلوقون في دار العمل، فوجب إزاحة العذر وإزالة العلة عن الكل وإيصال متاع الدنيا إلى الكل على القدر الذي يقتضيه الصلاح فبين تعالى أن عطاءه ليس بمحظور، أي غير ممنوع يقال حظره يحظره، وكل من حال بينه وبين شيء فقد حظره عليك. ثم قال تعالى: {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } وفيه قولان: القول الأول: المعنى: انظر إلى عطائنا المباح إلى الفريقين في الدنيا، كيف فضلنا بعضهم على بعض فأوصلناه إلى مؤمن. وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر، وقبضناه عن كافر آخر، وقد بين تعالى وجه الحكمة في هذا التفاوت فقال: { أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } تفسير : [الزخرف: 32] وقال في آخر سورة الأنعام: { أية : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتَـٰكُمُ } تفسير : [الأنعام: 165]. ثم قال: {وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } والمعنى: أن تفاضل الخلق في درجات منافع الدنيا محسوس، فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم، فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، فإذا كان الانسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى. القول الثاني: أن المراد أن الآخرة أعظم وأشرف من الدنيا، والمعنى أن المؤمنين يدخلون الجنة، والكافرين يدخلون النار، فيظهر فضل المؤمنين على الكافرين، ونظيره قوله تعالى: { أية : أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } تفسير : [الفرقان: 24].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ} يعني الدنيا، والمراد الدار العاجلة؛ فعبّر بالنعت عن المنعوت. {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ} أي لم نعطه منها إلا ما نشاء ثم نؤاخذه بعمله، وعاقبته دخولُ النار. {مَذْمُوماً مَّدْحُوراً} أي مطروداً مبعداً من رحمة الله. وهذه صفة المنافقين الفاسقين، والمرائين المداجين، يلبِسون الإسلام والطاعة لينالوا عاجل الدنيا من الغنائم وغيرها، فلا يقبل ذلك العمل منهم في الآخرة ولا يُعطون في الدنيا إلا ما قُسم لهم. وقد تقدّم في «هود» أن هذه الآية تقيّد تلك الآيات المطلقة؛ فتأمْله. {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ} أي الدار الآخرة. {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} أي عمِل لها عملها من الطاعات. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} لأن الطاعات لا تقبل إلا من مؤمن. {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} أي مقبولاً غير مردود. وقيل: مضاعَفاً؛ أي تضاعف لهم الحسنات إلى عشر، وإلى سبعين وإلى سبعمائة ضعف، وإلى أضعاف كثيرة؛ كما روي حديث : عن أبي هريرة وقد قيل له: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليَجْزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة»؟ فقال سمعته يقول: «إن الله ليَجْزِي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة»

البيضاوي

تفسير : {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ } مقصوراً عليها همه. {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإِرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واجد جميع ما يهواه وليعلم أن الأمر بالمشيئة والهم فضل. {وَلَمَنِ نُرِيدُ } بدل من له بدل البعض. وقرىء «ما يشاء» والضمير فيه لله تعالى حتى يطابق المشهورة. وقيل {لِمَنْ } فيكون مخصوصاً بمن أراد الله تعالى به ذلك. وقيل الآية في المنافقين كانوا يراءون المسلمين ويغزون معهم ولم يكن غرضهم إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها. {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَـٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا } مطروداً من رحمة الله تعالى.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل عليه، بل إنما يحصل لمن أراد الله وما يشاء، وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات، فإنه قال: {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ} أي: في الدار الآخرة {يَصْلَـٰهَا} أي: يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه {مَذْمُومًا} أي: في حال كونه مذموماً على سوء تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على الباقي {مَّدْحُورًا} مبعداً مقصياً ذليلاً مهاناً. روى الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا رويد عن أبي إسحاق، عن زرعة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له»تفسير : . وقوله: {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ} أي: أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم والسرور {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} أي: طلب ذلك من طريقه، وهو متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم{وَهُوَ مْؤْمِنٌ} أي: قلبه مؤمن، أي: مصدق بالثواب والجزاء {فَأُولَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَّن كَانَ يُرِيدُ } بعمله {ٱلْعَاجِلَةَ } أي الدنيا {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشآءَ لِمَن نُّرِيدُ } التعجيل له، بدل من «له»، بإعادة الجار {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ } في الآخرة {جَهَنَّمَ يَصْلَٰهَا } يدخلها {مَذْمُومًا } ملوماً {مَّدْحُورًا } مطروداً عن الرحمة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ } هذا تأكيد لما سلف من جملة {كل إنسان ألزمناه}، ومن جملة {من اهتدى}، والمراد بالعاجلة: المنفعة العاجلة، أو الدار العاجلة. والمعنى: من كان يريد بأعمال البرّ أو بأعمال الآخرة ذلك، فيدخل تحته الكفرة والفسقة والمراءون والمنافقون {عَجَّلْنَا لَهُ } أي: عجلنا لذلك المريد {فِيهَا }: أي: في تلك العاجلة، ثم قيد المعجل بقيدين: الأوّل: قوله: {مَا نَشَاء } أي: ما يشاء الله سبحانه تعجيله له منها، لا ما يشاؤه ذلك المريد، ولهذا ترى كثيراً من هؤلاء المريدين للعاجلة يريدون من الدنيا ما لا ينالون، ويتمنون ما لا يصلون إليه، والقيد الثاني قوله: {لِمَن نُّرِيدُ } أي: لمن نريد التعجيل له منهم ما اقتضته مشيئتنا، وجملة: {لمن نريد} بدل من الضمير في "له" بإعادة الجار بدل البعض من الكل. لأن الضمير يرجع إلى "من" وهو للعموم، وهذه الآية تقيد الآيات المطلقة كقوله سبحانه: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا }تفسير : [الشورى: 20]. وقوله: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } تفسير : [هود: 15]. وقد قيل: إنه قرىء (ما يشاء) بالياء التحتية، ولا ندري من قرأ بذلك من أهل الشواذ، وعلى هذه القراءة فقيل: الضمير لله سبحانه، أي: ما يشاؤه الله، فيكون معناها معنى القراءة بالنون، وفيه بعد لمخالفته لما قبله، وهو {عجلنا} وما بعده وهو {لمن نريد}. وقيل: الضمير راجع إلى {من} في قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ } فيكون ذلك مقيداً بقوله {لمن نريد}: أي: عجلنا له ما يشاؤه، لكن بحسب إرادتنا فلا يحصل لمن أراد العاجلة ما يشاؤه إلاّ إذا أراد الله له ذلك. ثم بعد هذا كله فمن وراء هذه الطلبة الفارغة التي لا تأثير لها إلاّ بالقيدين المذكورين عذاب الآخرة الدائم، ولهذا قال: {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ } أي: جعلنا له بسبب تركه لما أمر به من العمل للآخرة وإخلاصه عن الشوائب عذاب جهنم على اختلاف أنواعه {يَصْلَـٰهَا } في محل نصب على الحال أي: يدخلها {مَذْمُومًا مَّدْحُورًا } أي: مطروداً من رحمة الله مبعداً عنها، فهذه عقوبته في الآخرة، مع أنه لا ينال من الدنيا إلاّ ما قدره الله سبحانه له، فأين حال هذا الشقيّ من حال المؤمن التقيّ؟ فإنه ينال من الدنيا ما قدّره الله له وأراده بلا هلع منه ولا جزع، مع سكون نفسه واطمئنان قلبه وثقته بربه، وهو مع ذلك عامل للآخرة منتظر للجزاء من الله سبحانه، وهو الجنة، ولهذا قال: {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ } أي: أراد بأعماله الدار الآخرة {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا } أي: السعي الحقيق بها اللائق بطالبها، وهو الإتيان بما أمر به، وترك ما نهى عنه خالصاً لله غير مشوب، وكان الإتيان به على القانون الشرعي من دون ابتداع ولا هوى {وَهُوَ مُؤْمِنٌ } بالله إيماناً صحيحاً، لأن العمل الصالح لا يستحق صاحبه الجزاء عليه إلاّ إذا كان من المؤمنين: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [المائدة: 27]، والجملة في محل نصب على الحال، والإشارة بقوله: {فَأُوْلَـئِكَ } إلى المريدين للآخرة الساعين لها سعيها وخبره {كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } عند الله، أي: مقبولاً غير مردود، وقيل: مضاعفاً إلى أضعاف كثيرة، فقد اعتبر سبحانه في كون السعي مشكوراً أموراً ثلاثة: الأول: إرادة الآخرة، الثاني: أن يسعى لها السعي الذي يحق لها، والثالث: أن يكون مؤمناً. ثم بين سبحانه كمال رأفته وشمول رحمته فقال: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبّكَ } التنوين في «كلاً» عوض عن المضاف إليه، والتقدير كل واحد من الفريقين نمدّ، أي: نزيده من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع، نرزق المؤمنين والكفار، وأهل الطاعة وأهل المعصية، لا تؤثر معصية العاصي في قطع رزقه، وما به الإمداد هو ما عجله لمن يريد الدنيا، وما أنعم به في الأولى والأخرى على من يريد الآخرة، وفي قوله: {مِنْ عَطَاء رَبّكَ } إشارة إلى أن ذلك بمحض التفضل وهو متعلق بـ {نمد}، {وَمَا كَانَ عَطَاء رَبّكَ مَحْظُورًا } أي: ممنوعاً، يقال: حظره يحظره حظراً: منعه، وكل ما حال بينك وبين شيء، فقد حظره عليك، و{هؤلاء} بدل من «كلا» وهؤلاء معطوف على البدل. قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أنه يعطي المسلم الكافر وأنه يرزقهما جميعاً الفريقين فقال: {هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبّكَ }. {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون لكل من له أهلية النظر والاعتبار، وهذه الجملة مقرّرة لما مرّ من الإمداد وموضحة له، والمعنى: انظر كيف فضلنا في العطايا العاجلة بعض العباد على بعض، فمن غني وفقير، وقوي وضعيف، وصحيح ومريض، وعاقل وأحمق، وذلك لحكمة بالغة تقصر العقول عن إدراكها. {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } وذلك لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، وليس للدنيا بالنسبة إلى الآخرة مقدار، فلهذا كانت الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً، وقيل: المراد: أن المؤمنين يدخلون الجنة، والكافرين يدخلون النار، فتظهر فضيلة المؤمنين على الكافرين. وحاصل المعنى أن التفاضل في الآخرة ودرجاتها فوق التفاضل في الدنيا ومراتب أهلها فيها من بسط وقبض ونحوهما. ثم لما أجمل سبحانه أعمال البرّ في قوله: {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ } أخذ في تفصيل ذلك مبتدئاً بأشرفها الذي هو التوحيد فقال: {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ } والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، تهييجاً وإلهاباً، أو لكل متأهل له صالح لتوجيهه إليه، وقيل: هو على إضمار القول، والتقدير: قل لكل مكلف: لا تجعل، وانتصاب {تقعد} على جواب النهي، والتقدير: لا يكون منك جعل فقعود؛ ومعنى {تقعد}: تصير، من قولهم: شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها خربة، وليس المراد حقيقة القعود المقابل للقيام؛ وقيل: هو كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات، فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام، والعجز عنه يلزمه أن يكون قاعداً عن الطلب؛ وقيل: إن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً مفكراً على ما فرط منه، فالقعود على هذا حقيقة، وانتصاب {مَذْمُومًا مَّخْذُولاً } على خبرية تقعد أو على الحال: أي فتصير جامعاً بين الأمرين: الذم لك من الله ومن ملائكته، ومن صالحي عباده، والخذلان لك منه سبحانه، أو حال كونك جامعاً بين الأمرين. ثم لما ذكر ما هو الركن الأعظم وهو التوحيد، أتبعه سائر الشعائر والشرائع فقال: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ } أي: أمر أمراً جزماً، وحكماً قطعاً، وحتماً مبرماً {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ } أي: بأن لا تعبدوا، فتكون «أن» ناصبة، ويجوز أن تكون مفسرة، و"لا" نهي. وقرىء (ووصى ربك) أي: وصى عباده بعبادته وحده، ثم أردفه بالأمر ببرّ الوالدين فقال: {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } أي: وقضى بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا، أو وأحسنوا بهما إحساناً، ولا يجوز أن يتعلق {بالوالدين بـ {إحسانا}، لأن المصدر لا يتقدّم عليه ما هو متعلق به. قيل: ووجه ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد عبادة الله سبحانه أنهما السبب الظاهر في وجود المتولد بينهما، وفي جعل الإحسان إلى الأبوين قريناً لتوحيد الله وعبادته من الإعلان بتأكد حقهما والعناية بشأنهما ما لا يخفى، وهكذا جعل سبحانه في آية أخرى شكرهما مقترناً بشكره فقال: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ }تفسير : [لقمان: 14]. ثم خص سبحانه حالة الكبر بالذكر، لكونها إلى البر من الولد أحوج من غيرها، فقال: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا }: "إما" مركبة من "إن" الشرطية و"ما" الإبهامية لتأكيد معنى الشرط، ثم أدخلت نون التوكيد في الفعل لزيادة التقرير، كأنه قيل: إن هذا الشرط مما سيقع ألبتة عادة. قال النحويون: إن الشرط يشبه النهي من حيث الجزم وعدم الثبوت، فلهذا صح دخول النون المؤكدة عليه. وقرأ حمزة والكسائي (يبلغان). قال الفراء: ثنى لأن الوالدين قد ذكرا قبله، فصار الفعل على عددهما، ثم قال: {أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا } على الاستئناف، وأما على قراءة {يبلغن} فأحدهما فاعل بالاستقلال. وقوله: {أَوْ كِلاَهُمَا } فاعل أيضاً، لكن لا بالاستقلال، بل بتبعية العطف، والأولى أن يكون أحدهما على قراءة (يبلغان) بدل من الضمير الراجع إلى الوالدين في الفعل، ويكون {كلاهما} عطفاً على البدل، ولا يصحّ جعل {كلاهما} تأكيداً للضمير، لاستلزام العطف المشاركة، ومعنى {عندك} في كنفك وكفالتك، وتوحيد الضمير في {عندك} و{لا تقل} وما بعدهما للإشعار بأن كل فرد من الأفراد منهيّ بما فيه النهي، ومأمور بما فيه الأمر، ومعنى {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ }: لا تقل لواحد منهما في حالتي الاجتماع والانفراد، وليس المراد حالة الاجتماع فقط. وفي {أف} لغات: ضم الهمزة مع الحركات الثلاث في الفاء، وبالتنوين وعدمه، وبكسر الهمز والفاء بلا تنوين، وأفى ممالاً، وأفه بالهاء. قال الفراء: تقول العرب: فلان يتأفف من ريح وجدها، أي: يقول أف أف. وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والثف: وسخ الأظفار، يقال ذلك: عند استقذار الشيء، ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به. وروى ثعلب عن ابن الأعرابيّ أن الأفف: الضجر، وقال القتيبي: أصله: أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله، فالصوت الحاصل عند تلك النفخة هو قول القائل: أفّ، ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم. وقال الزجاج: معناه النتن. وقال أبو عمرو بن العلاء: الأف: وسخ بين الأظفار، والثف: قلامتها. والحاصل أنه اسم فعل ينبىء عن التضجر والاستثقال، أو صوت ينبىء عن ذلك، فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما، وبهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيهما بفحوى الخطاب أو بلحنه كما هو متقرر في الأصول. {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } النهر: الزجر والغلظة، يقال: نهره وانتهره: إذا استقبله بكلام يزجره. قال الزجاج: معناه لا تكلمهما ضجراً صائحاً في وجوههما. {وَقُل لَّهُمَا } بدل التأفيف والنهر {قَوْلاً كَرِيمًا } أي: ليناً لطيفاً أحسن ما يمكن التعبير عنه من لطف القول وكرامته مع التأدب والحياء والاحتشام {وَٱخْفِضْ لهما جَنَاحَ ٱلذُّلّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ } ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين: الأول: أن الطائر إذا أراد ضم فراخه إليه للتربية خفض لها جناحه، فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير، فكأنه قال للولد: أكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك في حال صغرك. والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية عن التواضع وترك الارتفاع؛ وفي إضافة الجناح إلى الذلّ وجهان: الأوّل: أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك: حاتم الجود، فالأصل فيه: الجناح الذليل، والثاني: سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذلّ جناحاً، ثم أثبت لذلك الجناح خفضاً. وقرأ الجمهور (الذلّ) بضم الذال من ذلّ يذل ذلاً وذلة ومذلة فهو ذليل. وقرأ سعيد بن جبير، وعروة بن الزبير بكسر الذال، وروي ذلك عن ابن عباس وعاصم، من قولهم: دابة ذلول، بنية الذل، أي: منقادة سهلة لا صعوبة فيها، و{من الرحمة} فيه معنى التعليل، أي: من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم لمن كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ثم كأنه قال له سبحانه: ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها ولكن {قُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا } والكاف في محل نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: رحمة مثل تربيتهما لي، أو مثل رحمتهما لي، وقيل: ليس المراد رحمة مثل الرحمة، بل الكاف لاقترانهما في الوجود، فلتقع هذه كما وقعت تلك. والتربية: التنمية، ويجوز أن يكون الكاف للتعليل، أي: لأجل تربيتهما، لي كقوله: {أية : وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } تفسير : [البقرة: 198]. ولقد بالغ سبحانه في التوصية بالوالدين مبالغة تقشعرّ لها جلود أهل العقوق وتقف عندها شعورهم. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ } قال: من كان يريد بعمله الدنيا، {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } ذاك به. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية عن الحسن في قوله: {كُلاًّ نُّمِدُّ } الآية، قال: كل يرزق الله في الدنيا البرّ والفاجر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: يرزق الله من أراد الدنيا، ويرزق من أراد الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: {مَحْظُورًا } ممنوعاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد مثله. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة، فارتفع بها إلاّ وضعه الله في الآخرة درجة أكبر منها وأطول، ثم قرأ {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً }»تفسير : ، وهو من رواية زاذان عن سلمان. وثبت في الصحيحين: «حديث : أن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما يرون الكوكب الغابر في أفق السماء»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مَذْمُومًا } يقول: ملوماً. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قرأ: (ووصى ربك)، مكان {وقضى}، وقال: التزقت الواو والصاد، وأنتم تقرءونها: (وقضى ربك). وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عنه مثله. وأخرج أبو عبيد، وابن منيع، وابن المنذر، وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عنه أيضاً مثله، وزاد "ولو نزلت على القضاء ما أشرك به أحد". وأقول: إنما يلزم هذا لو كان القضاء بمعنى الفراغ من الأمر، وهو وإن كان أحد معاني مطلق القضاء، كما في قوله: {أية : قُضِىَ ٱلاْمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } تفسير : [يوسف: 41]. وقوله: {أية : فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ } تفسير : [البقرة: 200]. {أية : فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ }تفسير : [النساء: 103]. ولكنه ها هنا بمعنى الأمر، وهو أحد معاني القضاء، والأمر لا يستلزم ذلك، فإنه سبحانه قد أمر عباده بجميع ما أوجبه، ومن جملة ذلك إفراده بالعبادة وتوحيده، وذلك لا يستلزم أن لا يقع الشرك من المشركين، ومن معاني مطلق القضاء معانٍ أخر غير هذين المعنيين، كالقضاء بمعنى: الخلق، ومنه {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } تفسير : [فصلت: 12]. وبمعنى الإرادة كقوله: {أية : إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [آل عمران: 47]. وبمعنى العهد كقوله: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى ٱلأمْرَ }تفسير : [القصص: 44]. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ } قال: أمر. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: عهد ربك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } يقول: برّاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } لما تميط عنهما من الأذى: الخلاء، والبول كما كانا لا يقولانه فيما كانا يميطان عنك من الخلاء والبول. وأخرج الديلمي عن الحسين بن عليّ مرفوعاً: لو علم الله شيئاً من العقوق أدنى من أف لحرّمه. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا } قال: إذا دعواك فقل: لبيكما وسعديكما. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية، قال: قولاً ليناً سهلاً. وأخرج البخاري في الأدب، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عروة في قوله: {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ } قال: يلين لهما حتى لا يمتنع من شيء أحبّاه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية، قال: اخضع لوالديك كما يخضع العبد للسيد الفظ الغليظ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا } ثم أنزل الله بعد هذا {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَىٰ } تفسير : [التوبة: 113]. وأخرج البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر من طرق عنه نحوه، وقد ورد في برّ الوالدين أحاديث كثيرة ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وهي معروفة في كتب الحديث.

ابن عطية

تفسير : المعنى من كان يريد الدنيا العاجلة ولا يعتقد غيرها ولا يؤمن بآخرة فهو يفرغ أمله ومعتقده للدنيا، فإن الله يعجل لمن يريد من هؤلاء ما يشاء هذا المريد أو ما يشاء الله على قراءة من قرأ "نشاء" بالنون، وقوله {لمن يريد} شرط كاف على القراءتين ثم يجعل الله جهنم لجميع مريدي العاجلة على جهة الكفر من أعطاه فيها ما يشاء ومن حرمه، قال أبو إسحاق الفزاري المعنى لمن نريد هلكته، وقرأ الجمهور: "نشاء" بالنون، وقرأ نافع أيضاً "يشاء" بالياء، و"المدحور" المهان المبعد المذلل المسخوط عليه، وقوله {ومن أراد الآخرة} الآية، المعنى ومن أراد الآخرة إرادة يقين بها وإيمان بها وبالله ورسالاته. قال القاضي أبو محمد: وذلك كله مرتبط متلازم ثم شرط في مريد الآخرة أن يسعى لها سعيها وهو ملازمة أعمال الخير وأقواله على حكم الشرع وطرقه، فأولئك يشكر الله سعيهم ولا يشكر الله عملاً ولا سعياً إلا أثاب عليه وغفر بسببه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرجل الذي سقى الكلب العاطش فشكر الله له فعفر له، وقوله {كلاًّ نمد} الآية نصب {كلاًّ} بـ {نمد}، وأمددت الشيء إذا زدت فيه من غيره نوعه، ومددته إذا زدت فيه من نوعه، وقيل هما بمعنى واحد، يقال مد وأمد. و {هؤلاء} بدل من قوله {كلاًّ} فهو في موضع نصب، وقوله {من عطاء ربك} يحتمل أن يريد من الطاعات لمريدي الآخرة والمعاصي لمريدي العاجلة، وروي هذا التأويل عن ابن عباس، ويحتمل أن يريد بـ "العطاء" رزق الدنيا، وهذا تأويل الحسن بن أبي الحسن وقتادة، أي إن الله تعالى يرزق في الدنيا مريدي الآخرة المؤمنين ومريدي العاجلة من الكافرين ويمدهم بعطائه منها وإنما يقع التفاضل والتباين في الآخرة، ويتناسب هذا المعنى مع قوله {وما كان عطاء ربك محظوراً}، أي إن رزقه في الدنيا لا يضيق عن مؤمن ولا كافر، وقلما تصلح هذه العبارة لمن يمد بالمعاصي التي توبقه، و"المحظور" الممنوع. وقوله {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض}، آية تدل دلالة ما على أن العطاء في التي قبلها هو الرزق، وفي ذلك يترتب أن ينظر محمد عليه السلام إلى تفضيل الله لبعض على بعض في الرزق، ونحوه من الصور والشرف والجاه والحظوظ وبين أن يكون التفضيل الذي ينظر إليه النبي عليه السلام إن أعطى الله قوماً الطاعات المؤدية إلى الجنة وأعطى آخرين الكفر المؤدي إلى النار، وهذا قول الطبري: وهذا إنما هو النظر في تفضيل فريق على فريق، وعلى التأويل الآخر فالنظر في تفضيل شخص على شخص من المؤمنين ومن الكافرين كيفما قرنتهما ثم أخبر عز وجل أن التفضيل الأكبر إنما يكون في الآخرة. وقوله {أكبر درجات} ليس في اللفظ من أي شيء لكنه في المعنى ولا بد، أي {أكبر درجات} من كل ما يضاف بالوجود أو بالفرض إليها، وكذلك قوله {أكبر تفضيلاً}. قال القاضي أبو محمد: وروى بعض العلماء أن هذه الدرجات والتفضيل إنما هو فيما بين المؤمنين، وأسند الطبري في ذلك حديثاً نصه أن بين أعلى الجنة وأسفلها درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها. قال القاضي أبو محمد: ولكن قد رضي الله الجميع فما يغبط أحد أحداً، ولا يتمنى ذلك بدلاً، وقوله {لا تجعل} الآية، الخطاب لمحمد عليه السلام، والمراد لجميع الخلق قاله الطبري وغيره، والذم هنا لاحق من الله تعالى ومن ذوي العقول في أن يكون الإنسان يجعل عوداً أو حجراً أفضل من نفسه، ويخصه بالكرامة وينسب إليه الألوهية ويشركه مع الله الذي خلقه ورزقه وأنعم عليه، و"الخذلان" في هذا يكون بإسلام الله وأن لا يكفل له بنصر، و"المخذول" الذي لا ينصره من يحب أن ينصره. والخاذل من الظبا التي تترك ولدها، ومن هذه اللفظة قول الراعي: شعر : قتلوا ابن عفان الخليفة محرما وسعى فلم أر مثله مخذولا

ابن عادل

تفسير : قوله - تعالى -: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ} الآية. "مَنْ" شرطية، و "عَجَّلنا" جوابها، و "ما يشاءُ" مفعولها، و "لِمنْ نُريد" بدل بعضٍ من كلٍّ، من الضمير في "لَهُ" بإعادة العامل، و "لِمَنْ نُريد" تقديره: لمن نريد تعجيله له. [قوله:] "ثُمَّ جَعلنَا لهُ جهنَّم" "جَعلَ" هنا تصييرية. وقوله: "يَصْلاهَا" الجملة حال: إمَّا من الضمير في "لَهُ" وإمَّا من "جَهَنَّم" و "مَذمُوماً" حال من فاعل "يَصْلاها" قيل: وفي الكلام حذف، وهو حذف المقابل؛ إذ الأصل: من كان يريد العاجلة، وسعى لها سعيها، وهو كافرٌ لدلالةِ ما بعده عليه، وقيل: بل الأصل: من كان يريد العاجلة بعمله للآخرة كالمنافق. ومعنى "يَصْلاهَا": يدخلها. "مَذمُوماً": مطروداً، "مَدْحُوراً": مُبْعَداً. وقوله: "سَعْيَهَا": فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول به؛ لأنَّ المعنى: وعمل لها عملها. والثاني: أنه مصدر، و "لهَا" أي: من أجلها. والجملة من قوله: "وهو مُؤمِنٌ" هذه الجملة حال من فاعل "سَعَى". قوله تعالى: {كُلاًّ نُّمِدُّ}: "كُلاًّ" منصوب بـ "نُمِدُّ" و "هؤلاء" بدل، "وهؤلاءِ" عطف عليه، أي: كلَّ فريق نمدُّ هؤلاء الساعين بالعاجلة، وهؤلاء الساعين للآخرة، وهذا تقدير جيدٌ، وقال الزمخشري في تقديره: "كلَّ واحدٍ من الفريقين [نُمِدُّ]". قال أبو حيان: "كذا قدَّره الزمخشري، وأعربوا "هؤلاءِ" بدلاً من "كُلاًّ" ولا يصح أن يكون بدلاً مِنْ "كل" على تقدير: كلَّ واحدٍ؛ لأنَّه إذ ذاك بدل كلٍّ من بعضٍ، فينبغي أن يكون التقدير: كل الفريقين". و "مِنْ عطاءِ" متعلقٌ بـ "نُمِدُّ" والعطاء اسم مصدر واقع موقع اسم المفعول. والمحظور: الممنوعُ، وأصله من الحظر، وهو: جمعُ الشيء في حظيرة، والحظيرة: ما يعمل من شجرٍ ونحوه؛ لتأوي إليه الغنم، والمحتظرُ: من يعمل الحظيرة. فصل قال القفال - رحمه الله -: هذه الآية داخلة في معنى قوله: {أية : وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} تفسير : [الإسراء: 13]: ومعناه: أن العمَّال في الدنيا قسان: منهم من يريد بعمله الدنيا والرياسة، فهذا يأنف من الانقياد للأنبياء - عليه الصلاة والسلام -، والدخول في طاعتهم؛ خوفاً من زوال الرِّياسة عنهم، فهذا قد جعل طائر نفسه شؤماً؛ لأنه في قبضة الله؛ فيؤتيه الله في الدنيا منها قدراً لا كما يشاء ذلك الإنسان، بل كما يشاء الله. بل إن عاقبته جهنَّم يدخلها فيصلاها بحرِّها مذموماً ملوماً، مدحوراً مطروداً من رحمة الله. وفي لفظ هذه الآية فوائد: أحدها أنَّ العقاب عبارة عن مضرَّة مقرونةٍ بالإهانة بشرط أن تكون دائمة خالية عن المنفعة. وثانيها: أن من الجهَّال من إذا ساعدته الدنيا اغترَّ بها، وظنَّ أن ذلك لأجل كرامته على الله - تعالى - فبيَّن - تعالى - بهذه الآية أن مساعدة الدنيا لا ينبغي أن يستدلَّ بها على رضا الله تعالى لأنَّ الدنيا قد تصلح مع أنَّ عاقبتها المصير إلى العذاب والإهانة، فهذا الإنسان أعماله تشبه طائر السُّوء في لزومها له، وكونها سائقة له إلى أشدِّ العذاب. وثالثها: قوله: {لِمَن نُّرِيدُ} يدلُّ على أنَّه لا يحصل الفوز بالدنيا لكلِّ أحدٍ، بل كثيرٌ من الكفَّار يعرضون عن الدِّين في طلب الدنيا، ثم يبقون محرومين عن الدنيا، وعن الدِّين، فهؤلاء هم الأخسرون أعمالاً الذي ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وأما القسم الثاني: وهو قوله تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} فشرط تعالى فيه ثلاثة شروطٍ: أحدها: أن يريد بعمله الآخرة أي: ثواب الآخرة، فإنه إن لم ينو ذلك، لم ينتفع بذلك العمل؛ لقوله تعالى: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 37] وقوله - صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : إنَّما الأعمَالُ بالنِّيَّاتِ ". تفسير : والثاني: قوله جلَّ ذكره: {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ}، وذلك يقتضي أن يكون ذلك العمل من باب القرب والطَّاعات، وكثير من الضُّلال يتقرَّبون بعبادة الأوثان، ولهم فيها تأويلان: أحدهما: أنهم يقولون: إله العالم أجلُّ وأعظم من أن يقدر الواحد منَّا على إظهار عبوديته، وخدمته، ولكن غاية قدرتنا أن نشتغل بعبوديَّة بعض المقربين من عباد الله، مثل أن نشتغل بعبادة الكواكب، أو ملكٍ من الملائكةِ، ثمَّ إنَّ الملك أو الكواكب يشتغلون بعبادة الله - تعالى -. فهؤلاء يتقرَّبون إلى الله - تعالى - بهذا الطريق، وهذه طريق فاسدة، فلا جرم لم ينتفع بها. والتأويل الثاني: أنَّهم قالوا: اتخذنا هذه التماثيل على صور الأنبياء والأولياء، والمراد من عبادتها أن يصير أولئك الأنبياء والأولياء شعفاءنا عند الله - تعالى -، وهذا الطريق أيضاً فاسد؛ فلا جرم لم ينتفع بها. وأيضاً: نقل عن الجنيد أنَّهم يتقرَّبون إلى الله - تعالى - بقتل أنفسهم تارة، وبإحراق أنفسهم أخرى، وهذا الطريق أيضاً فاسد، فلا جرم لم ينتفع بها، وكذا القول في جميع فرق المبطلين الذين يتقرَّبون إلى الله - تعالى - بمذاهبهم الباطلة. والشرط الثالث: قوله تعالى: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}. وهذا الشرط معتبرٌ؛ لأنَّ الشرط في كون أعمال البرِّ موجبة للثواب هو الإيمان، فإذا لم يوجد، لم يحصل المشروط، ثمَّ إنه - تعالى - أخبر أنَّ عند حصول هذه الشرائط يصير السعي مشكوراً، والعمل مبروراً. واعلم أن الشُّكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدلُّ على كونه معظماً عند ذلك الشَّاكر، والله - تعالى - يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة، فإنَّه تعالى عالمٌ بكونهم محسنين في تلك الأعمال، وإنه تعالى يثني عليهم بكلامه؛ وإنَّه تعالى يعاملهم بمعاملة دالَّة على كونهم مطيعين عند الله - تعالى -. وإذا كان مجموع هذه الثلاثة حاصلاً، كانوا مشكورين على طاعتهم من قبل الله - تعالى -. يروى في كتب المعتزلة: أنَّ جعفر من حربٍ حضر عنده رجل من أهل السنَّة، وقال: الدليل على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى: أنا نشكر على الإيمان، ولو لم يكن الإيمان حاصلاً بإيجاده، لامتنع أن نشكره عليه؛ لأنَّ مدح الإنسان وشكره على ما ليس من عمله قبيحٌ. قال الله - تعالى -: {أية : وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} تفسير : [آل عمران: 188]. فعجز الحاضرون على الجواب، فدخل ثمامة بن الأشرسِ، وقال: إنَّا نمدحُ الله - تعالى - ونشكره على ما أعطانا من القدرة، والعقل، وإنزال الكتب، وإيضاح الدلائل، والله - تعالى - يشكرنا على فعل الإيمان، قال الله - تعالى -: {فَأُوْلَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} قالوا: فضحك جعفر بن حربٍ وقال: صعبت المسألة، فسهلت. واعلم أن قولنا: مجموع القدرة مع الداعي يوجبُ الفعل كلامٌ واضح؛ لأنه "تعالى" هو الذي أعطى الموجب التَّام لحصول الإيمان، فكان هو المستحقَّ للشُّكر، ولما حصل الإيمان للعبد، وكان الإيمان موجباً للسَّعادة التَّامَّة، صار العبدُ أيضاً مشكوراً، ولا منافاة بين الأمرين. فصل اعلم أنَّ كلَّ من أتى بفعلٍ، فإمَّا أن يقصد به تحصيل خيراتِ الدنيا، أو تحصيل الآخِرة، أو يقصد به مجموعهما، أو لم يقصد به واحد منهما. فإن قصد به تحصيل خيراتِ الدنيا فقط، أو تحصيل الآخرة فقط، فالله - تعالى - ذكر حكم هذين القسمين في هذه الآية، وأما القسمُ الثالث فينقسمُ ثلاثة أقسامٍ: إمَّا أن يكون طلب الآخرة راجحاً أو مرجوحاً، أو يكون الطلبان متعادلين. فإن كان طلب الآخرة راجحاً، فهل يكون هذا العمل مقبولاً عند الله تعالى بحيث يحتمل أن يقال: إنه غير مقبولٍ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم حاكياً عن الله - تعالى - أنه قال: حديث : أنَا أغْنَى الأغنِيَاءِ عن الشِّركِ من عَملَ عَملاً أشْركَ فِيهِ غَيْرِي تَركْتهُ وشَريكَه تفسير : وأيضاً: طلب رضوان الله - تعالى - إما أن يكون سبباً مستقلاً بكونه باعثاً على ذلك الفعل، وداعياً إليه، وإمَّا ألا يكون. فإن كان الأول امتنع أن يكون لغيره مدخلٌ في ذلك البعث والدعاء؛ لأنَّ الحكم إذا أسند إلى سبب كامل تامٍّ، امتنع أن يكون لغيره مدخل فيه، وإن كان الثاني، فيكون الدَّاعي إلى ذلك الفعل هو المجموع، وذلك المجموع ليس هو طلب الرضوان من الله - تعالى -؛ لأنَّ المجموع الحاصل من الشَّيء ومن غيره يجب أن يكون مغايراً لطلب رضوان الله؛ فوجب ألا يكون مقبولاً، ويحتمل أن يقال: لما كان طلب الآخرة راجحاً على طلب الدنيا تعارض المثلُ بالمثلِ، فيبقى القدر الزائدُ داعية خالصة لطلب الآخرة؛ فوجب كونه مقبولاً. وأمَّا إذا كان طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين، أو كان طلبُ الدنيا راجحاً، فقد اتفقوا على أنه غيرُ مقبولٍ، إلاَّ أنه على كلِّ حالٍ خير مما إذا كان طلب الدنيا خالياً بالكليَّة عن طلب الآخرة. وأما القسم الرَّابع، وهو الإقدام على الفعل من غير داع، فهو مبنيٌّ على أنَّ صدور الفعل من القادر، هل يتوقَّف على حصول الدَّاعي أم لا؟. فالذين يقولون: إنَّه متوقِّف على حصول الداعي، قالوا: هذا القسم ممتنع الحصول، والَّذين قالوا: إنَّه لا يتوقَّف، قالوا: هذا الفعل لا أثر له في الباطن، وهو محرَّم في الظاهر؛ لأنه عبثٌ. فصل في معنى الآية معنى الآية أنه تعالى يمدُّ الفريقين بالأموال، ويوسِّع عليهما في الرِّزق، والعزِّ والزينة في الدنيا؛ لأنَّ عطاءه ليس بضيِّقٍ على أحدٍ مؤمناً كان أو كافراً؛ لأنَّ الكلَّ مخلوق في دار العمل؛ فوجب إزاحةُ العذر وإزالة العلَّة عن الكلِّ. والتنوين في "كُلاًّ" عوضٌ من المضاف إليه، أي كلَّ واحد من الفريقين.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏من كان يريد العاجلة‏} ‏ قال‏:‏ من كان يريد بعمله الدنيا، ‏ {‏عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد‏}‏ ذاك به‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏من كان يريد العاجلة‏}‏ قال‏:‏ من كانت همه ورغبته وطلبته ونيته عجل الله له فيها ما يشاء، ثم اضطره إلى جهنم ‏{‏يصلاها مذموماً‏} ‏ في نقمة الله ‏ {‏مدحورا‏ً} ‏ في عذاب الله‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك سعيهم مشكوراً} ‏ قال‏:‏ شكر الله له اليسير، وتجاوز عنه الكثير‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك‏}‏ أي‏:‏ أن الله قسم الدنيا بين البر والفاجر، والآخرة‏:‏ خصوصاً عند ربك للمتقين‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية، عن الحسن رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏كلاً نمد‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ كلاً نرزق في الدنيا البر والفاجر‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء‏} ‏ يقول‏:‏ نمد الكفار والمؤمنين ‏ {‏من عطاء ربك‏}‏ يقول‏:‏ من الرزق‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏كلاً نمد‏}‏ الآية قال‏:‏ نرزق من أراد الدنيا، ونرزق من أراد الآخرة‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء‏}‏ قال‏:‏ هؤلاء أصحاب الدنيا، وهؤلاء أصحاب الآخرة‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء‏} ‏ هؤلاء أهل الدنيا، وهؤلاء أهل الآخرة ‏ {‏وما كان عطاء ربك محظورا‏ً} ‏ قال ممنوعا‏ً. واخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏محظورا‏ً}‏ قال ممنوعا‏ً. وأخرج ابن جرير وأبن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض‏} ‏ أي في الدنيا‏:‏ ‏ {‏وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا‏ً}‏ وإن للمؤمنين في الجنة منازل وإن لهم فضائل بأعمالهم‏.‏ وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا‏ً}‏ قال‏:‏ إن أهل الجنة بعضهم فوق بعض درجات، الأعلى يرى فضله على من هو أسفل منه، والأسفل لا يرى أن فوقه أحدا‏ً. وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية، عن سلمان رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال‏:‏ ‏"‏حديث : ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة فارتفع، إلا وضعه الله في الآخرة درجة أكبر منها وأطول‏"‏ تفسير : ثم قرأ ‏{‏وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا‏ً}‏‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وهناد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ لا يصيب عبد من الدنيا شيئاً، إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان على الله كريما‏ً.

السلمي

تفسير : قوله عز وجلَّ: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ} [الآية: 18]. قال الواسطى: فى ترك الدنيا مشاهدة الآخرة، وفى مشاهدة الآخرة رفض الدنيا كما أن مشاهدة التأييد زوال عزة النفس، وفى مطالعة صفات الحق سقوط صفات العبد.

القشيري

تفسير : مَنْ رَضِيَ بالحظ الخسيس من عاجل الدنيا بَقِيَ عن نفيس الآخرة، ثم لا يحظى إلا بِقَدْر ما اشْتَمَّهُ، ثم يكون آنسَ ما به قلباً وأشدَّ ما يكون به سكوناً... ثم يُخْتَطَفُ عن نعمته، ولا يخصه بشيءٍ مما جمع من كرائمه، ويمنعه من قربه في الآخرة.. ولقد قيل: شعر : يا غافلاً عن سماع الصوتْ إنْ لم تبادِرْ فهو الفوتْ مَنْ لم تَزُلْ نعمته عاجلاً أزاله عن نعمته الموتْ

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ} من مال الى الدنيا اراد حظ الاولى كانه استعجل لطلب العاجلة عن الاجلة من خسة طبعه ودناءة همته وذلك من قلة معرفته بزوالها وبلائها والعذاب والحساب من اجلها فعجل الله بعض مراده له فى الدنيا لحرمانه عن الاخرة والدرجات العلى ولم يكن مظفرا بمراده ايضا من ماموله لان الله سبحانه قال عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد قال الواسطى فى ترك الدنيا مشاهدة الاخرة وفى مشاهدة الاخرة رفض الدنيا كما ان فى مشاهدة التابيد زوال عزة النفس وفى مطالعة صفات الحق سقوط صفات العبد ثم وصف مريد الآخرة بعد تركه الدنيا ولذاتها بان سعيه مشكور وعمله مبرور بقوله {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} جعل ههنا شرطين فى ارادة الاخرة شرط السعى وشرط الايمان اى ينبغى له ان يكون سعيه على نعت مشاهدة الاخرة ورؤية الغيب واليقين الصادق حتى يكون سعيه مقرونا برؤية ما وعد الله له من الدّرجات الرفيعة والمقامات الشريفة حتى يكون عمله وسعيه على وصف حظ القلب و الروح وايضا معنى قوله وهو مؤمن عارف بالله وبصفاته عالم بعمله لله لا يعمل الا بالعلم ولا يسعى الا بالشوق الى الله والى جواره و البقاء فى المشاهدته والسعى المشكور ان ينكشف لصاحبه مشاهدة الحق فى سعيه نقدا فى الدنيا فان تاثير القبول ظهور اوائل الكرامات وبروز لطائف انوار المشاهدات قال القاسم شرط الارادة بحسن السعاية لان لكل طائفة ارادة الآخرة وسعيها وهو الذى يسعى على الاستقامة وما يوجبه عليه الشريعة وشرط السعى بالاستقامة وشرط الاستقامة بالايمان لان كل من اراد الاخرة وقصد قصدها فليستقم عليها ربّ قاصد مستقيم فى الظاهر خلعة الايمان عارية عنده وكم من ساع حسن السعى غير مقبول فيه سعيه وقال بعضهم السعى فى الدنيا بالابدان والسعى الى الاخرة بالقلوب والسعى الى الله بالهمم وقال ابو حفص السعى المشكور ما لم يكن مشوبا برياء ولا سمعة ولا بوية نفس ولا طلب ثواب بل يكون خالصا لوجهه لا يشاركه فى ذلك شئ سواه فذلك السعى المشكور ثم بين ان ساعى الدنيا وساعى الآخرة كل واحد على جزاء سعيه بقدر همته بقوله {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} وصف عدله سبحانه انّه لا يخيب رجاء كل مؤمل لان عطاه غير ممنوع فجازى الكل بقدر الهمم فعطاء الدنيا حظ النفوس وعطاء الآخرة حظ القلوب قال على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر بن محمد عليهم السّلام عطايا الدنيا غفلة من الله وعطايا الآخرة القربة من الله ثم بين سبحانه تفاضل الفريقين بقوله {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} افضل العابدين بعضهم على بعض فى الدنيا بالطاعات وفضل العارفين بعضهم على بعض فى الدنيا بالمعارف والمشاهدات فالعباد فى الاخرة فى درجات الجنان متفاوتون والعارفون فى درجات وصال الرحمن متفاوتون قال تعالى {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} صفو الوصال التفات بلا عتاب وحصول المراد بلا حساب قال ابن عطا من تولاه الله بضرب من العناية وتوالت اعماله كلها لله فله فضل الولاية على من دونه قال الله انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض فالفضيلة تقع فيما بين الخلق والخلق لا تكبرعنده الطاعات ولا تغضبه المخالفات قال الواسطى فضلنا بعضهم على بعض بالمعرفة والاخلاص والتوكل وقال فى قوله وللاخرة اكبر درجات بدرجات السوابق يصل العبد الى الدرجات العلى واعظم درجة فى الاخرة التخطى الى بساط القرب ومشاهدة اعلى واجل.

اسماعيل حقي

تفسير : {من كان}[هركه باشد از روى خساست همت]{يريد} باعماله {العاجلة} الدار الدنيا فقط اى ما فيها من فنون مطالبها وهم الكفرة والفسقة واهل الرياء والنفاق والمهاجر للدنيا والمجاهد لمحض الغنيمة والذكر {عجلنا له فيها} اى فى تلك العاجلة {ما نشاء} تعجيله له من نعيمها لا كل ما يريد فان الحكمة لا تقتضى وصول كل واحد الى جميع ما يهواه {لمن نريد} تعجيل ما نشاء له فانها لا تقتضى وصول كل طالب الى مرامه فان الله تعالى يبتلى بعض العباد بالطلب من غير حصول المطلوب وبعضهم يبتلى به بحصول المطلوب المشروط به اما مقارنا لطلبه واما بعده لان وقت الطلب قد يفارق وقت حصول المطلوب فيحصل الطلب فى وقت والمطلوب فى وقت وبعضهم لا يبتلى بالطلب بل يصل اليه الفيض بلا طلب فالاول طلب ولا شئ. والثانى طلب وشئ. والثالث شئ ولا طلب قوله {لمن نريد} بدل من الضمير فى له باعادة الجار بدل البعض فانه راجع الى الموصول المنبئ عن الكثرة {ثم جعلنا له } مكان ما جمعنا له {جهنم} وما فيها من اصناف العذاب {يصليها} يدخلها وهو حال من الضمير المجرور {مذموما} ملوما لان الذم اللوم وهو خلاف المدح والحمد يقال ذممته وهو ذميم غير حميد كما فى بحر العلوم {مدحورا} مطرودا من رحمة الله تعالى فان الدحر الطرد والابعاد.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {لمن نُريد}: بدل من ضمير {له}؛ بدل بعض من كل. و {كُلاًّ}: مفعول {نُمد}، و {هؤلاء}: بدل منه. و {كيف}: حال، و {درجات} و {تفضيلاً}: تمييز. يقول الحقّ جلّ جلاله: {مَن كان يُريد} بعمله الدنيا {العاجلةَ}، مقصورًا عليها همه، {عجَّلنا له فيها ما نشاء لمن نُريد} التعجيل له. قيَّد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة؛ لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واحد جميع ما يهواه. قاله البيضاوي: {ثم جعلنا له} في الآخرة {جهنم يصلاها}؛ يدخلها ويحترق بها، حال كونه {مذمومًا مدحورًا}؛ مطرودًا من رحمة الله. والآية في الكفار، وقيل: في المنافقين، الذين يغزون مع المسلمين لقصد الغنائم. والأصح: أنها تعم كل من اتصف بهذا الوصف. {ومَن أراد الآخرةَ وسعى لها سعيها}؛ عمل لها عملها اللائق بها، وهو: الإتيان بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، لا التقرب بما يخترعون بآرائهم. وفائدة اللام في قوله: "لها": اعتبار النية والإخلاص. والحال أن العامل {مؤمن} إيمانًا صحيحًا لا شرك معه ولا تكذيب، فإنه العمدة، {فأولئك} الجامعون للشروط الثلاثة {كان سعيهم مشكورًا} عند الله، مقبولاً مثابًا عليه؛ فإن شُكر الله هو الثواب على الطاعة. {كُلاًّ نُّمدُّ} أي: كل واحد من الفريقين نُمد بالعطاء مرة بعد أخرى، {هؤلاء} المريدين للدنيا، {وهؤلاء} المريدين للآخرة، نُمد كلا {من عطاء ربك} في الدنيا، {وما كان عطاءُ ربك} فيها {محظورًا}؛ ممنوعًا من أحد، لا يمنعه في الدنيا مؤمن ولا كافر، تفضلاً منه تعالى. {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} في الرزق والجاه، {وللآخِرةُ أكبرُ درجاتٍ وأكبرُ تفضيلاً} من الدنيا، فينبغي الاعتناء بها دونها، والتفاوت في الآخرة حاصل للفريقين، فكما تفاوتت الدرجات في الجنة تفاوتت الدركات في النار. وسبب التفاوت: زيادة اليقين، والترقي في أسرار التوحيد لأهل الإيمان، أو الانهماك في الكفر والشرك لأهل الكفران. ولذلك قال تعالى: {لا تجعلْ مع الله إِلهًا آخر} تعبده. والخطاب لكل سامع، أو للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، {فتقعد}؛ فتصير حينئذ {مذمومًا مخذولاً}؛ جامعًا على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين، والخذلان من الله. ومفهومه: أن الموحد يكون ممدوحًا منصورًا في الدارين. الإشارة: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلاَّ مَا قُسِمَ لَهُ. وَمَنْ كَانَتِ الآخِرةُ نِيَّتَهُ، جَمَعَ الله عليه أَمْرَهُ، وجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِه، وأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ صَاغِرَةٌ"تفسير : ، واعلم أن الناس على قسمين؛ قوم أقامهم الحق لخدمته، وهم: العباد والزهاد، وقوم اختصهم بمحبته، وهم: العارفون بالله؛ أهل الفناء والبقاء، قال تعالى: {كلا نُمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورًا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض}؛ في الكرامات والأنوار، وفي المعارف والأسرار. وفضلُ العارفين على غيرهم كفضلِ الشمس على سائر الكواكب، هذا في الدنيا، {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً}، يقع ذلك بالترقي في معارج أسرار التوحيد، وبتفاوت اليقين في معرفة رب العالمين. وقال القشيري في تفسير الآية: منهم من لا يغيب عن الحضرة لحظة، ثم يجتمعون في الرؤية، ويتفاوتون في النصيبِ لكلٍّ. وليس كلُّ أحد يراه بالعين الذي يراه به صاحبه. وأنشدوا: شعر : لو يَسْمَعُون كما سمعتُ حديثها خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وسجودا تفسير : وقال الورتجبي: فضَّل العابدين بعضهم على بعض في الدنيا بالطاعات، وفضَّل العارفين بعضهم على بعض بالمعارف والمشاهدات، فالعباد في الآخرة في درجات الجنان متفاوتون، والعارفون في درجات وصال الرحمن متفاوتون. وقال القشيري أيضًا: من كانت مشاهدته اليوم على الدوام، كانت رؤيته غدًا على الدوام، ومن لا فلا. هـ. وقد تقدم تفاوت الناس في الرؤية بأبسط من هذا، عند قوله تعالى: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} تفسير : [الأنعام: 103]. والله تعالى أعلم. ثمَّ بين السعي للآخرة

الجنابذي

تفسير : {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ} الحاضرة وهى الدّنيا ونعيمها بان كان ارادته فى اعماله متعلّقة بها {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ} بدل من له بدل البعض، وتقييد التّعجيل للاشارة الى انّ ذلك منوط بمشيّة الله لا بارادة المريد وهمّه على ما يريد وليس كلّ مريدٍ يصل الى مراده ولا من يصل يصل الى تمام مراداته {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً} مطروداً، عن النّبىّ (ص) معنى الآية: من كان يريد ثواب الدّنيا بعملٍ افترضه الله عليه لا يريد به وجه الله والدّار الآخرة عجّل له ما يشاء الله من عرض الدّنيا وليس له ثواب الآخرة.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {من كان يريد العاجلة} الآية نزلت في قوم من المجاهدين طلبوا عاجل الدنيا وهو الغنائم دون ثواب الله، ومعناه من كان يريد العاجلة أي النعمة العاجلة وهي الدنيا {عجلنا له فيها ما نشاء} من البسط، فتعلق ذلك بمشيئته لا بمشيئة العبد فقد يشاء العبد ما لا يشاء الله تعالى {ثم جعلنا له جهنم} أي مأوى من يريد الدنيا {يصلاها مذموماً} معيباً، يعني يذمه الله ويعيبه وكذلك الملائكة والمؤمنون {مدحوراً} مطروداً مبعداً من رحمته {ومن أراد الآخرة} أي نعيمها وثوابها {وسعى لها سعيها} أي عمل للآخرة لأجل الثواب {فأولئك كان سعيهم مشكوراً} عند الله {كُلاًّ نمدّ هؤلاء} يعني من تقدم ذكره ممن يريد العاجلة ويريد الآخرة نمدّ أي نعطي البر والفاجر من رزقه في الدنيا والآخرة المؤمنين خاصة {من عطاء ربك} أي نعمة {وما كان عطاء ربك محظوراً}، قيل: ممنوعاً محبوساً من البر والفاجر {انظر} يا محمد أو أيها السامع {كيف فضلنا بعضهم على بعض}، قيل: في الرزق باغناء بعضهم وافقار آخرين، وأصح قوم وأسقم قوم آخرين {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً} {لا تجعل مع الله الها آخر فتقعد مذموماً مخذولاً} يذمك الله وملائكته والعلماء، مخذولاً لا ناصر لك {وقضى ربك} أمر، وقيل: ألزم وأوجب {ألاَّ تعبدوا إلاَّ إياه وبالوالدين إحساناً} أو بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً {إمَّا يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف} أراد تأكيد الأمر بالإِحسان اليهما، وفي أفٍّ ثلاث قراءات بكسر الفاء من غير تنوين، وقرأ أبو عمرو وحمزة بفتح الفاء من غير تنوين، ابن كثير الفاء والتنوين، نافع لا يؤخرهما {وقل لهما قولاً كريماً} حسناً جميلاً، ويدل عليه أن الدعاء لهما مندوب كما قال: {وقل رب ارحمهما} وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما ". حديث : وشكا رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أباه يأخذ ماله، فدعا به فإذا بشيخ يتوكّأ على عصا فسأله فقال: إنه كان ضعيفاً وأنا قوي وفقيراً وأنا غني فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي واليوم أنا ضعيف وهو قوي وفقير وهو غني ويبخل عليّ بماله، فبكى (عليه السلام) وقال: "ما من حجر ولا مدر سمع هذا إلا بكى" ثم قال للولد: "أنت وما لك لأبيك" تفسير : وشكا اليه آخر سوء خلق أمَّه فقال: "حديث : لم تكن سيئة الخلق حين حملتك لم تكن كذلك حين أرضعتك" تفسير : وروي: "حديث : يفعل العاق ما شاء أن يفعل فلن يدخل الجنة" تفسير : وعنه (عليه السلام): "حديث : إياكم وعقوق الوالدين فإن الجنة يوجد ريحها من مسير ألف عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان" تفسير : {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} المراد بالجناح الجناب أي ليّن لهما جناحك {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً}، قوله: {ربكم أعلم بما في نفوسكم} بما في ضمائركم، قوله تعالى: {إن تكونوا صالحين} قاصدين الانصلاح والبر ثم فرطت منكم في حال الغضب {فإنه كان للأوابين غفوراً} الذين يتوبون مرة بعد مرة، وروي أنه قال: كلما أذنبت بادرت بالتوبة وهم الذين يصلون بين المغرب والعشاء.

اطفيش

تفسير : {مَّن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ} أى من كان يريد الدار العاجلة، وقصر همه عليها وهى الدنيا. {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ} من توسيع وتضييق لا ما يشاء هو فما كان همه إلا زائداً ضائعاً، وليس كل متمن يجد ما يتمناه، ولا كل واجد يجد جميع ما تمناه، وكثير من الفسقة والكفرة يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه، وكثير يتمنون ذلك البعض ولا يعطونه فأَجمع عليهم فقر الدنيا والآخرة، والآية فى الفسقة والكفرة، وقيل فى المنافقين كانوا يراؤون المسلمين ويغزون معهم ولم يكن غرضهم إلا مساهمتهم فى الغنائم ونحوها ويغزون ليذكروا بالشجاعة ويعملون عمل الآخرة للدنيا ويهاجرون لنساء يتزوجونها. قال - صلى الله عليه وسلم - حديث : من كانت هجرته إِلى الله ورسوله فهجرته إِلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إِلى ما هاجر إِليهتفسير : . وقرأ ما يشاء بالمثناة والضمير فيه عائد إِلى من فيكون التعجيل مخصوصاً ببعض دون بعض لا عاماً فى كل من يريد العاجلة أو عابد لله سبحانه وتعالى وعز وجل على طريق الالتفات من التكلم إِلى الغيبة، وبهذا توافق هذه القراءة من قرأ النون. {لِمَن نُّرِيدُ} بدل بعض من قوله له أى عجلنا ما نشاء لمن نريد التعجيل له من جملة من يريد العاجلة لا ما يشاء المريد ولم نرده ولا لكل من يريدها والرابط من بين الصلة والموصول محذوف أى يريده بالتعجيل له. وقال ابن إِسحاق والفزارى لمن نريد إِهلاكه، والرابط بين البدل والمبدل منه محذوف أيضاً، أى لمن نريد منه من العاجلة وسمى ذلك تعجيلا باعتبار أن ما يعطيهم ثواب لما قد يعلمونه فلا ثواب لهم فى الآخرة ولكن هذا لا يطرد، إِذ قد لا يعمل المشرك شيئاً من الأَخلاق، ولا المنافق شيئاً لله، والأَولى أن يكون ذلك باعتبار ما ادخر لهم فى الآخرة من العذاب عجل لهم متاعاً قليلاً وادخر لهم عذاباً أليماً مؤجلا إِلى الآخرة كما قال {ثُمَّ جَعَلْنَا لهُ} فى الآخرة {جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا} يدخلها فى الآخرة والجعل مستقبل ولو عبر عنه بصيغة الماضى لأَنه معطوف على جواب الشرط أو خبر الموصول الشبيه بالشرط {مَذْمُوماً} مذكوراً بشر {مَّدْحُوراً} مطروداً من رحمة الله أو مهاناً.

اطفيش

تفسير : {مَنْ كَانَ يُرِيدُ} بعلمه من العبادة {الْعَاجِلَةَ} همته مقصورة عليها وهى الدنيا، والمراد إيثارها أو متاعها، وأما من لم تقصر همته عليها كما قال: "أية : ومنهم من يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة" تفسير : [البقرة: 201] فليس مراداً لقوله: {ثم جعلنا له جهنم} والمراد الدار العاجلة، أو الحياة العاجلة، والأول أنسب بقوله: {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا} فى العاجلة، ولو أريد الحياة العاجلة لقيل عجلنا له منها، لأن الحياة من جملة ما عجل. {مَا نَشَاءُ} تعجيله طبق ما يريد أو دونه أو فوقه، ولا يجد كل أحد جميع ما يتمنى إلا إن شاء الله، فالأمور على مشيئة الله، والهم زائد لا يزيد خيراً، وما الهم بمعنى الاهتمام بالخير ففضل من الله، والإرادة منا مخلوقة لله عز وجل عندنا وعند الأشعرية، وزعم بعض منهم أن الإرادة الجزئية غير مخلوقة له تعالى وأنها أمر اعتبارى لا وجود له، خارجاً وهو خطأ. {لِمَنْ نُرِيدُ} التعجيل له، ودليل على أن المراد لمن نشاء هلاكه، كما زعم بعض، ولو صح المعنى، إذ لا يجوز أن يفسر بما يجوز فى المعنى بلا دليل، ولمن بدل من له ومن العجيب أن يقال من بدل من الهاء إعادة الجار، ما المانع من أن يقال الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور معاً، وهو بدل بعض لأن الهاء لمن يريد العاجلة، ومن يريدها شامل لمن يعجل له مراده، ومن لا يعجل له، والرابط محذوف أى لمن نريد منهم، أو لمن نريد التعجيل له، ولا بأس بعود الضمير إلى بعض المبدل منه، وهذا البعض هو هاء له، وبعض الناس يريد العاجلة، ولا نعطيه منها مراده، وقيل: المراد بالآية المنافق، يريد بعمله الصالح كالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصلاة معه والصوم أمر الدنيا كالأخذ من الغنائم، قيل الآية متصلة بقوله عز وجل: "أية : وكل إنسان ألزمناه"تفسير : [الإسراء: 13] إلخ بيَّن أنه يصدر عنه من الأعمال ما قدر له، وأن عمله محفوظ له، يجازى عليه يوم القيامة، وبيَّن هنا أن بعض الناس مقصور الهمة على الدنيا، ويعمل لها فينال مراده منها إن شاء الله، وله جهنم كما قال: {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ} مفعولان لجعلنا بمعنى صيَّرنا، أو الثانى محذوف أى مأوى واللام فى له للاستحقاق أو للاختصاص، أو للنفع تهكماً {يَصْلاَهَا} قال الخليل: يقاسى حرها، وقيل: يدخلها مستأنف أو مفعول ثان أو حال من الهاء أو من جهنم. {مَذْمُومًا مَدْحُورًا} مطروداً عن الرحمة، والمراد بمن كان المشرك والمنافق بإضمار الشرك، والمنافق بالجارحة، وأما المؤمن المخلص ففى قوله تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ} أى قصد بقلبه {الآخِرَةَ} المثوبة الآخرة وهى الجنة، ورِضَى الله عز وجل {وَسَعَى لَهَا} اللام للاستحقاق أو للتعليل أو عبَّر به عن مطلق الإعطاء {سَعْيَهَا} مفعول به، أى فعل لها ما يليق بها من فعل ما أمر بفعله، وترك ما أمر بتركه، لا ما اخترعوه مما يتقربون به، أو ما يفعله أهل الأهواء فلا جناح بعوضة له، أو مفعول مطلق أى سعى لها حتى سعيها الخالى عن تقصير. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} حال مؤكد لأنه داخل فى سمى لها سعيها، وأما عمل الكافر فكرماد اشتدت به الرياح، وكسَرَاب بقيعة يحسبه الظمآن ماء إلخ. {فأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} مثاباً عليه مقبولا، قال بعض المتقدمين: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله: إِيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب، وتلا هذه الآية، ولا ثواب إلا للمخلص، قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيرى تركته وشركه" وذكر بعض قومنا أنه إن ترجحت إِرادة الآخرة أثبت على قدرها، وأبطله ابن عبد السلام، ومثل له فى الإحياء بأن ينشط لإطلاع الناس، ولو فقد لم يترك العبادة، ولو انفرد قصد الرياء لم يفعل، واختار أنه يثاب على قدر قصده لله، ويعاقب على قدر قصده للناس، وكذا ذكر ابن حجر أنه يثاب على أقل قليل قصده الله سبحانه.

الالوسي

تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ} أي بعمله كما أخرجه ابن أبـي حاتم عن الضحاك {ٱلْعَاجِلَةَ} فقط من غير أن / يريد معها الآخرة كما ينبـىء عنه الاستمرار المستفاد من زيادة {كَانَ} هنا مع الاقتصار على مطلق الإرادة في قسيمه، وقيل لو لم يقيد صدق على مريد العاجلة والآخرة والقسمة تنافي الشركة، ودلالة الإرادة على ذلك لأنها عقد القلب بالشيء وخلوص همه فيه ليس بذاك. والمراد بالعاجلة الدار الدنيا كما روي عن الضحاك أيضاً وبإرادتها إرادة ما فيها من فنون مطالبها كقوله تعالى: {أية : وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الشورى: 20] وجوز أن يراد الحياة العاجلة كقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} تفسير : [هود: 15] ورجح الأول بأنه أنسب بقوله تعالى: {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا} أي في تلك العاجلة فإن تلك الحياة واستمرارها من جملة ما عجل فالأنسب في ذلك كلمة (من) كما في قوله عز وجل: {أية : وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} تفسير : [آل عمران: 145] {مَا نَشَاء} أي ما نشاء تعجيله له من نعيمها لا كل ما يريد. {لِمَن نُّرِيدُ} تعجيل ما نشاء له، وقال أبو إسحاق الفزاري: أي لمن نريد هلكته ولا يدل عليه لفظ في الآية. والجار والمجرور بدل من الجار والمجرور السابق أعني {له} فلا يحتاج إلى رابط لأنه في بدل المفردات أو المجرور بدل من الضمير المجرور بإعادة العامل وتقديره لمن نريد تعجيله له منهم، والضمير راجع إلى {من} وهي موصولة أو شرطية وعلى التقديرين هي منبئة عن الكثرة فهو بدل بعض من كل. وعن نافع أنه قرأ {مَا يَشَاء} بالباء فقيل الضمير فيه لله تعالى فيتطابق القراءتان، وقيل هو لمن فيكون مخصوصاً بمن أراد الله تعالى به ذلك كنمروذ وفرعون ممن ساعده الله تعالى على ما أراده استدراجاً له. واستظهر هذا بأنه يلزم أن يكون على الأول التفات ووقوع الالتفات في جملة واحدة إن لم يكن ممنوعاً فغير مستحسن كما فصله في «عروس الأفراح». وتقييد المعجل والمعجل له بما ذكر من المشيئة والإرادة لما أن الحكمة التي يدور عليها فلك التكوين لا تقتضي وصول كل طالب إلى مرامه ولا استيفاء كل واصل لما يطلبه بتمامه. وليس المراد بأعمالهم في قوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} تفسير : [هود: 15] أعمال كلهم ولا كل أعمالهم، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر. وذكر المشيئة في أحدهما والإرادة في الآخر إن قيل بترادفهما تفنن. {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ} مكان ما عجلنا له {جَهَنَّمَ يَصْلَـٰهَا} يقاسي حرها كما قال الخليل أو يدخلها كما قيل. والجملة كما قال أبو البقاء حال من الهاء في {لَهُ} وقال أبو حيان: «إنها حال من {جَهَنَّمَ} وهي مفعول أول لجعلنا و {لَهُ} الثاني» وجوز أن تكون الجملة مستأنفة وقال صاحب «الغنيان» «مفعول جعلنا الثاني محذوف والتقدير مصيراً أو جزاء» ولا حاجة إلى ذلك {مَذْمُومًا} حال من فاعل يصلى وهو من الذم ضد المدح وفعله ذم وذمته ذيماً وذأمته ذأماً بمعناه {مَّدْحُورًا} أي مطروداً مبعداً من رحمة الله تعالى. قال الإمام: «إن العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذم بشرط أن تكون دائمة وخالية عن [شوب] المنفعة فقوله تعالى: {جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَـٰهَا} إشارة إلى المضرة العظيمة و {مَذْمُومًا} إشارة إلى الإهانة والذم و {مَّدْحُورًا} إشارة إلى البعد والطرد من رحمته تعالى فيفيد ذلك أن تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة وتفيد كونها دائمة وخالية عن التبدل بالراحة والخلاص» اهـ، ولا يخفى أن هذا ظاهر في أن الآية تدل على الخلود وحينئذٍ يتعين عندنا أن يكون ذلك المريد من الكفرة. وفي «إرشاد العقل السليم» «من كان يريد أي بأعماله التي يعملها سواء كان ترتب المراد عليها بطريق الجزاء كأعمال البر أو بطريق ترتب المعلولات على العلل كالأسباب أو بإعمال الآخرة فالمراد بالمريد على الأول الكفرة وأكثر الفسقة وعلى الثاني أهل الرياء والنفاق والمهاجر للدنيا والمجاهد للغنيمة»، وأنت تعلم أن أدراج / الفاسق والمهاجر للدنيا والمجاهد للغنيمة إذا كان مؤمناً في التمثيل على القول بدلالة الآية على الخلود مما لا يستقيم على أصولنا نعم يصح على أصول المعتزلة، وقد أدرج الزمخشري الفاسق في ذلك ودسائس الاعتزال منه عامله الله تعالى بعدله أكثر من أن تحصى. وظاهر كلام أبـي حيان اختيار كون المريد من الكفرة حيث قال «العاجلة هي الدنيا ومعنى إرادتها إيثارها على الآخرة ولا بد من تقدير محذوف دل عليه المقابل في قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلاْخِرَةَ} تفسير : [الإسراء: 19] الخ أي من كان يريد العاجلة وسعى لها سعيها وهو كافر عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد، وقيل المراد من كان يريد العاجلة بعمل الآخرة كالمنافق والمرائي والمجاهد للغنيمة والذكر والمهاجر للدنيا» إلى آخر ما قال فحكى غير القول الأول الذي يكون يتعين عليه كون المريد من الكفرة بعد أن قدمه بقيل. ويؤيده تفسير كثير من كان يريد العاجلة بمن كان همه مقصوراً عليها لا يريد غيرها أصلاً فإن ذلك مما لا يكاد يصدق على مؤمن فاسق فإنه لو لم يكن له إرادة للآخرة ما آمن بها، وعلى القول بدخول الفاسق ونحوه ممن لا يحكم له عندنا بالخلود يمنع القول بدلالة الآية على الخلود ويقال لمن أدخل النار مبعد عن رحمة الله تعالى ما دام فيها فيصدق على الفاسق ما دام فيها كما يصدق على الكافر المخلد. وزعم بعضهم أن المريد هو المنافق الذي يغزو مع المسلمين للغنيمة لا للثواب فإن الآية نزلت فيه، وفيه أنه يأبـى ذلك ما سبق من أن السورة مكية غير آيات معينة ليست هذه منها على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فافهم.

ابن عاشور

تفسير : هذا بيان لجملة {أية : من اهتدى فإنما يهتدي} تفسير : [الإسراء: 15] وهو راجع أيضاً إلى جملة {أية : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه}تفسير : [الإسراء: 13] تدريجاً في التبيان للناس بأن أعمالهم من كسبهم واختيارهم، فابتدئوا بأن الله قد ألزمهم تبعة أعمالهم بقوله: وكل إنسان ألزمناه طائره ثم وكل أمرهم إليهم، وأن المسيء لا يضر بإساءته غيره ولا يحملُها عنه غيره فقال: {أية : من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه}تفسير : الآية [الإسراء: 15]. ثم أعذر إليهم بأنه لا يأخذهم على غرة ولا يأخذهم إلا بسوء أعمالهم بقوله: {أية : وما كنا معذبين} تفسير : [الإسراء: 15] إلى قوله: {أية : خبيراً بصيراً }تفسير : [الإسراء: 17]. ثم كشف لهم مقاصدهم من أعمالهم، وأنهم قسمان: قسم لم يرد إلا الدنيا فكانت أعماله لمرضاة شهواته معتقداً أن الدنيا هي قصارى مراتع النفوس لا حظ لها إلا ما حصل لها في مدة الحياة لأنه لا يؤمن بالبعث فيقصر عمله على ذلك. وقسم علم أن الفوز الحق هو فيما بعد هذه الحياة فعمل للآخرة مقتفياً ما هداه الله إليه من الأعمال بواسطة رسله وأن الله عامل كل فريق بمقدار همته. فمعنى {كان يريد العاجلة} أنه لا يريد إلا العاجلة، أي دون الدنيا بقرينة مقابلته بقوله: {ومن أراد الآخرة} لأن هذه المقابلة تقوم مقام الحصر الإضافي إذ ليس الحصر الإضافي سوى جملتين إثبات لشيء ونفي لخلافه. والإتيان بفعل الكون هنا مؤذن بأن ذلك ديدنه وقصارى همه، ولذلك جعل خبر (كان) فعلاً مضارعاً لدلالته على الاستمرار زيادة تحقيق لتمحض إرادته في ذلك. و{العاجلة} صفة موصوف محذوف يعلم من السياق، أي الحياة العاجلة، كقوله: {أية : من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها }تفسير : [هود: 15]. والمراد من التعجيل التعجيل العرفي وهو المبادرة المتعارفة، أي أن يعطى ذلك في الدنيا قبل الآخرة، فذلك تعجيل بالنسبة إلى الحياة الدنيا، وقرينة ذلك قوله: {فيها}. وإنما زاد قيدي {ما نشاء لمن نريد} لأن ما يعطاه من أرادوا العاجلة يعطاه بعضهم بالمقادير التي شاء الله إعطاءها. والمشيئة: الطواعية وانتفاء الإكراه. وقوله: {لمن نريد} بدل من قوله: {له} بدل بعض من كل بإعادة العامل، فضمير {له} عائد إلى {من} باعتبار لفظه، وهو عام لكل مريد العاجلة فأبدل منه بعضه، أي عجلنا لمن نريد منكم، ومفعول الإرادة محذوف دل عليه ما سبقه، أي لمن نريد التعجيل له، وهو نظير مفعول المشيئة الذي كثر حذفه لدلالة كلام سابق. وفيه خصوصية البيان بعد الإبهام. ولو كان المقصود غير ذلك لوجب في صناعة الكلام التصريح به. والإرادة: مرادف المشيئة، فالتعبير بها بعد قوله: {ما نشاء} تفنن. وإعادة حرف الجر العامل في المبدل منه لتأكيد معنى التبعية وللاستغناء عن الربط بضمير المبدل منهم بأن يقال: من نريد منهم. والمعنى: أن هذا الفريق الذي يريد الحياة الدنيا فقط قد نعطي بعضهم بعض ما يريد على حسب مشيئتنا وإرادتنا لأسباب مختلفة. ولا يَخلو أحد في الدنيا من أن يكون قد عجل له بعض ما يرغبه من لذات الدنيا. وعطف جملة {جعلنا له جهنم} بحرف (ثم) لإفادة التراخي الرتبي. و {له} ظرف مستقر هو المفعول الثاني لــــ {جعلنا}، قدم على المفعول الأول للاهتمام. وجملة {يصلاها مذموماً مدحوراً} بيان أو بدل اشتمال لجملة {جعلنا له جهنم} و {مذموماً مدحوراً} حالان من ضمير الرفع في {يصلاها} يقال: صلى النار إذا أصابه حرقها. والذم الوصف بالمعائب التي في الموصوف. والمدحور: المطرود. يقال: دحره، والمصدر: الدحور، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : قال اخرج منها مذءوماً مدحوراً}تفسير : في سورة [الأعراف: 18]. والاختلاف بين جملة {من كان يريد العاجلة} وجملة {ومن أراد الآخرة} بجعل الفعل مضارعاً في الأولى وماضياً في الثانية للإيماء إلى أن إرادة الناس العاجلة متكررة متجددة. وفيه تنبيه على أن أمور العاجلة متقضية زائلة، وجعل فعل إرادة الآخرة، ماضياً لدلالة المضي على الرسوخ تنبيهاً على أن خير الآخرة أولى بالإرادة، ولذلك جردت الجملة من (كان) ومن المضارع، وما شرط في ذلك إلا أن يسعى للآخرة سعيها وأن يكون مؤمناً. وحقيقة السعي المشي دون العَدْوِ، فسعي الآخرة هو الأعمال الصالحة لأنها سبب الحصول على نعيم الآخرة، فالعامل للصالحات كأنه يسير سيراً سريعاً إلى الآخرة ليصل إلى مرغوبه منها. وإضافته إلى ضمير الآخرة من إضافة المصدر إلى مفعوله في المعنى، أي السعي لها، وهو مفعول مطلق لبيان النوع. وفي الآية تنبيه على أن إرادة خير الآخرة من غير سعي غرور وأن إرادة كل شيء لا بد لنجاحِها من السعي في أسباب حصوله. قال عبد الله بن المبارك: شعر : تَرجو النجاة ولم تَسلُك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليَبَس تفسير : وجملة {وهو مؤمن} حال من ضمير {وسعى}. وجيء بجملة {وهو مؤمن} اسمية لدلالتها على الثبات والدوام، أي وقد كان راسخ الإيمان، وهو في معنى قوله: {أية : ثم كان من الذين آمنوا }تفسير : [البلد: 17] لما في (كان) من الدلالة على كون الإيمان ملكة له. والإتيان باسم الإشارة في {فأولٰئك كان سعيهم مشكوراً} للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما سيخبر به عنهم لأجل ما وُصفوا به قبل ذِكر اسم الإشارة. والسعي المشكور هو المشكور ساعيه، فوصفه به مجاز عقلي، إذ المشكور المرضي عنه، وإذ المقصود الإخبار عن جزاء عمل من أراد الآخرة وسعى لها سعيها لا عن حسن عمله لأنه قسيم لجزاء من أراد العاجلة وأعرض عن الآخرة، ولكن جعل الوصف للعمل لأنه أبلغ في الإخبار عن عامله بأنه مرضي عنه لأنه في معنى الكناية الراجعة إلى إثبات الشيء بواسطة إثبات ملزومه. والتعبير بــــ {كان} في {كان سعيهم مشكوراً} للدلالة على أن الوصف تحقق فيه من قبل، أي من الدنيا لأن الطاعة تقتضي ترتب الشكر عاجلاً والثواب آجلاً. وقد جمع كونه مشكوراً خيرات كثيرة يطول تفصيلها لو أريد تفصيله.

الواحدي

تفسير : {من كان يريد العاجلة} بعمله وطاعته وإسلامه الدُّنيا {عجلنا له فيها ما نشاء} القدر الذي نشاء {لمن نريد} أن نعجِّل له شيئاً، ثمَّ يدخل النَّار في الآخرة {مذموماً} ملوماً {مدحوراً} مطروداً لأنَّه لم يرد الله سبحانه بعمله. {ومن أراد الآخرة} الجنَّة {وسعى لها سعيها} عمل بفرائض الله {وهو مؤمن} لأنَّ الله سبحانه لا يقبل حسنةً إلاَّ من مؤمنٍِ {فأولئك كان سعيهم مشكوراً} تُضاعف لهم الحسنات. {كلاً} من الفريقين {نمدُّ} نزيد، ثمَّ ذكرهما فقال: {هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك} يعني: الدُّنيا، وهي مقسومةٌ بين البرِّ والفاجر {وما كان عطاء ربك محظوراً} ممنوعاً في الدُّنيا من المؤمنين والكافرين، ثمَّ يختصُّ المؤمنين في الآخرة. {وانظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} في الرِّزق، فمن مُقلٍّ ومُكثرٍ {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً} من الدُّنيا؛ لأنَّ درجات الجنَّة يقتسمونها على قدر أعمالهم. {لا تجعل} أَيُّها الإِنسان المخاطب {مع الله إلهاً آخر فتقعد مذموماً} ملوماً {مخذولاً} لا ناصر لك.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: العاجلة: أي الدنيا لسرعة انقضائها. يصلاها مذموماً مدحورا: أي يدخلها ملوماً مبعداً من الجنة. وسعى لها سعيها: أي عمل لها العمل المطلوب لدخولها وهو الإِيمان والعمل الصالح. كان سعيهم مشكوراً: أي عملهم مقبولاً مثاباً عليه من قبل الله تعالى. كلا نمد هؤلاء وهؤلاء: أي كل فريق من الفريقين نعطي. وما كان عطاء ربك محظورا: أي لم يكن عطاء الله في الدنيا محظوراً أي ممنوعاً عن أحد. كيف فضلنا بعضهم على بعض: أي في الرزق والجاه. لا تجعل مع الله إلهاً آخر: أي لا تعبد مع الله تعالى غيره من سائر المعبودات الباطلة. فتقعد ملوماً مخذولاً: أي فتصير مذموماً من الملائكة والمؤمنين مخذولاً من الله تعالى. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في أخبار الله تعالى الصادقة والمتضمنة لأنواع من الهدايات الإلهية التي لا يحرمها إلا هالك، فقال تعالى في الآية الكريمة [18] {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ} أي الدنيا {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ}، لا ما يشاؤه العبد، وقوله {لِمَن نُّرِيدُ} لا من يريد غيرنا فالأمر كله لنا، {ثُمَّ} بعد ذلك {جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً} أي ملوماً {مَّدْحُوراً} أي مطروداً من رحمتنا التي هي الجنة دار الأبرار أي المطيعين الصادقين. وقوله تعالى في الآية الثانية [19] {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ} يخبر تعالى أن من أراد الآخرة أي سعادة الآخرة {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} أي عمل لها عملها اللائق بها وهو الإِيمان الصحيح والعمل الصالح الموافق لما شرع الله في كتابه وعلى لسان رسوله، واجتنب الشرك والمعاصي وقوله {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} قيد في صحة العمل الصالح أي لا يقبل من العبد صلاة ولا جهاد إلا بعد إيمانه بالله وبرسوله وبكل ما جاء به رسوله وأخبر به من الغيب. وقوله {فَأُولَئِكَ} أي المذكورون بالإِيمان والعمل الصالح {كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} أي كان عملهم متقبلاً يثابون عليه بالجنة ورضوان الله تعالى. وقوله تعالى: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} أي أن كلا من مريدي الدنيا ومريدي الآخرة يمد الله هؤلاء وهؤلاء من عطائه أي فضله الواسع فالكل يأكل ويشرب ويكتسي بحسب ما قدر له من الضيق والوسع ثم يموت وثَمَّ يقع التفاضل بحسب السعي الفاسد أو الصالح وقوله {وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} يعني أن من أراد الله إعطاءه شيئاً لا يمكن لأحد أن يصرفه منه ويحرمه منه بحال من الأحوال وقوله تعالى: {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي انظر يا رسولنا ومن يفهم خطابنا كيف فضلنا بعض الناس على بعض في الرزق الذي شمل الصحة والعافية والمال والذرية والجاه، فإذا عرفت هذا فاعرف أن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا وذلك عائد إلى فضل الله أولاً ثم إلى الكسب صلاحاً وفساداً وكثرة وقِلَّةً كما هي الحال أيضاً في الدنيا فبقدر كسب الإِنسان الصالح للدنيا يحصل عليها ولو كان كافراً لقوله تعالى من سورة هود {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ}تفسير : [هود: 15] أي لا ينقصون ثمرات عملهم لكونهم كفاراً مشركين. وقوله تعالى: {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} أي لا تجعل يا رسولنا مع الله إلهاً آخر تؤمن به وتعبده وتقرر إلهيته دوننا فإنك ان فعلت - وحاشاه أن يفعل لأن الله لا يريد له ذلك {فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} أي ملوماً يلومك المؤمنون والملائكة مخذولاً من قبل ربك لا ناصر لك والسياق وإن كان في خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم فإن المراد به كل إنسان فالله تعالى ينهى عبده أن يعبد معه غيره فيترتب على ذلك شقاؤة والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- كلا الدارين السعادة فيها أو الشقاء متوقف على الكسب والعمل هذه سنة الله تعالى في العباد. 2- سعي الدنيا التجارة والفلاحة والصناعة. 3- سعي الآخرة الإِيمان وصالح الأعمال والتخلية عن الشرك والمعاصي. 4- يعطي الله تعالى الدنيا من يحب ومن لا يحب وعطاؤه قائم على سنن له في الحياة يجب معرفتها والعمل بمقتضاها لمن أراد الدنيا والآخرة. 5- ما أعطاه الله لا يمنعه أحد فوجب التوكل على الله والإِعراض عما سواه. 6- تحريم الشرك والوعيد عليه بالخلود في نار جهنم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَصْلاهَا} (18) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ يَصِلُ إِلَى الدُّنْيا وَمَا فِيهَا كُلُّ مَنْ أَرَادَهَا، وَإِنَّمَا يَصِلُ إِلَيْهَا مَنْ أَرَادَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ، وَبِالقَدْرِ الَّذِي يُرِيدُهُ اللهُ لَهُ، وَفِي الدَّارِ الآخِرَةِ يَكُونُ مَصِيرُهُ نَارَ جَهَنَّمَ، يَدْخُلُهَا حَتَّى تَغْمُرَهُ مِنْ جَوَانِبِهِ (يَصْلاَهَا)، وَهُوَ مَذْمُومٌ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِ وَتَصَرُّفِهِ، إِذِ اخْتَارَ الدُّنْيا الفَانِيَةَ عَلَى الآخِرَةِ البَاقِيَةِ، وَهُوَ مُبْعَدٌ حَقِيرٌ مُهَانٌ (مَدْحُوراً). وَفِي الحَدِيثِ (حديث : الدُّنْيا دَارُ مَنْ لاَ دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لاَ مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لاَ عَقْلَ لَهُ)تفسير : . (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعاً). يَصْلاهَا - يَدْخُلُهَا أَوْ يُقَاسِي حَرَّهَا. مَدْحُوراً - مَطْرُوداً مُبْعَداً مِنْ رَحْمَةِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق تبارك وتعالى قبل أن يخلق الإنسان الذي جعله خليفة له في أرضه، خلق له الكون كُلّه بما فيه، وخلق له جميع مُقوّمات حياته، ووالى عليه نِعَمه إيجاداً من عدم، وإمداداً من عُدم، وجعل من مُقوّمات الحياة ما ينفعل له وإنْ لم يُطلب منه، كالشمس والقمر والهواء والمطر .. الخ فهذه من مُقوّمات حياتك التي تُعطيك دون أنْ تتفاعلَ معها. ومن مُقوّمات الحياة مَا لا ينفعل لك، إلا إذا تفاعلتَ معه، كالأرض مثلاً لا تعطيك إلا إذا حرثتها، وبذرت فيها البذور فتجدها قد انفعلتْ لك، وأعطتْك الإنتاج الوفير. والمتأمل في حضارات البشر وارتقاءاتهم في الدنيا يجدها نتيجة لتفاعل الناس مع مُقوّمات الحياة بجوارحهم وطاقاتهم، فتتفاعل معهم مُقوِّمات الحياة، ويحدث التقدم والارتقاء. وقد يرتقي الإنسان ارتقاءً آخر، بأن يستفيد من النوع الأول من مُقوّمات الحياة، والذي يعطيه دون أنْ يتفاعل معه، استفادة جديدة، ومن ذلك ما توصّل إليه العلماء من استخدام الطاقة الشمسية استخدامات جديدة لم تكن موجودة من قبل. إذن: فهذه نواميس في الكون، الذي يُحسِن استعمالها تُعطيه النتيجة المرجوة، وبذلك يُثري الإنسان حياته ويرتقي بها، وهذا ما أَسْمَيناه سابقاً عطاء الربوبية الذي يستوي فيه المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ ..} [الإسراء: 18]. أي: عطاء الدنيا ومتعها ورُقيها وتقدّمها. {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ..} [الإسراء: 18]. أجبْنَاهُ لما يريد من متاع الدنيا. ولا بُدَّ لنا أنْ نتنبه إلى أن عطاء الربوبية الذي جعله الله للمؤمن والكافر، قد يغفل عنه المؤمن ويترك مُقوّمات الحياة وأسبابها يستفيد منها الكافر ويتفاعل معها ويرتقي بها، ويتقدم على المؤمن، ويمتلك قُوته ورغيف عيشه، بل وجميع متطلبات حياتهم، ثم بالتالي تكون لهم الكلمة العليا والغلبة والقهر، وقد يفتنونك عن دينك بما في أيديهم من أسباب الحياة. وهذا حال لا يليق بالمؤمن، ومذلة لا يقبلها الخالق سبحانه لعباده، فلا يكفي أن نأخذ عطاء الألوهية من أمر ونهي وتكليف وعبادة، ونغفل أسباب الحياة ومُقوّماتها المادية التي لا قِوامَ للحياة إلا بها. في حين أن المؤمن أَوْلَى بمقوّمات الحياة التي جعلها الخالق في الكون من الكافر الذي لا يؤمن بإله. إذن: فمن الدين ألاَّ تمكِّن أعداء الله من السيطرة على مُقوِّمات حياتك، وألاَّ تجعلَهم يتفوقون عليك. وقوله: {مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ..} [الإسراء: 18]. أي: أن تفاعل الأشياء معك ليس مُطْلقاً، بل للمشيئة تدخُّلٌ في هذه المسألة، فقد تفعل، ولكن لا تأخذ لحكمة ومراد أعلى، فليس الجميع أمام حكمة الله سواء، وفي هذا دليل على طلاقة القدرة الإلهية. ومعنى {مَا نَشَآءُ ..} للمعجَّل و {لِمَن نُّرِيدُ} للمعجَّل له. وما دام هذا يريد العاجلة، ويتطلع إلى رُقيِّ الحياة الدنيا وزينتها، إذن: فالآخرة ليستْ في باله، وليست في حُسْبانه؛ لذلك لم يعمل لها، فإذا ما جاء هذا اليوم وجد رصيده صِفْراً لا نصيبَ له فيها؛ لأن الإنسان يأخذ أجره على ما قدّم، وهذا قدَّم للدنيا وأخذ فيها جزاءه من الشهرة والرقيّ والتقدّم والتكريم. قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [النور: 39]. والسراب ظاهرة طبيعية يراها مَنْ يسير في الصحراء وقت الظهيرة، فيرى أمامه شيئاً يشبه الماء، حتى إذا وصل إليه لم يجدْهُ شيئاً، كذلك إنْ عمل الكافرُ خيراً في الدنيا فإذا أتى الآخرة لم يجدْ له شيئاً من عمله؛ لأنه أخذ جزاءه في الدنيا. ثم تأتي المفاجأة: {أية : وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ ..}تفسير : [النور: 39]. لأن الله تعالى لم يكُنْ في حُسْبانه حينما قدَّم الخير في الدنيا. وفي آية أخرى يصفه القرآن بقوله: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ}تفسير : [إبراهيم: 18]. فمرة يُشبِّه عمل الكافر بالماء الذي يبدو في السراب، ومرة يُشبِّهه بالرماد؛ لأن الماء إذا اختلط بالرماد صار طيناً، وهو مادة الخِصْب والنماء، وهو مُقوِّم من مُقوِّمات الحياة. ووصفه بقوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 264]. والحق تبارك وتعالى في هذه الآية يُجسِّم لنا خَيْبة أمل الكافر في الآخرة في صورة مُحسَّة ظاهرة، فمثَلُ عمل الكافر كحجر أملس أصابه المطر، فماذا تنتظر منه؟ وماذا وراءه من الخير؟ ثم يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً} [الإسراء: 18]. أي: أعددناها له، وخلقناها من أجله يُقاسي حرارتها {مَذْمُوماً} أي: يذمُّه الناس، والإنسان لا يُذَمّ إلا إذا ارتكب شيئاً ما كان يصحّ له أنْ يرتكبه. و {مَّدْحُوراً} [الإسراء: 18] مطروداً من رحمة الله. وبعد أنْ أعطانا الحق سبحانه صورة لمن أراد العاجلة وغفل عن الآخرة، وما انتهى إليه من العذاب، يعطينا صورة مقابلة، صورة لمن كان أعقل وأكيس، ففضَّل الآخرة. يقول الحق سبحانه: {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مَّدْحُوراً} معناه مُبعدٌ.

الجيلاني

تفسير : {مَّن كَانَ} منهم {يُرِيدُ} اللذات {ٱلْعَاجِلَةَ} والشهوات الفانية الزائلة {عَجَّلْنَا} وأعطيناه {لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ} أي: في النشأة الأولى ابتلاءً له، واختباراً وتلبيساً عليه واغتراراً، مطلعون على ما في سه وضميره {ثُمَّ جَعَلْنَا} وهيأنا في النشأة الأخرى {لَهُ جَهَنَّمَ} منزل الطرد والحرمان، حال كونه {يَصْلاهَا مَذْمُوماً} مشئوماً محروماً {مَّدْحُوراً} [الإسراء: 18] مطروداً مقهوراً. {وَمَنْ أَرَادَ} منهم بامتثال الأوامر المتعلقة لمصالح الدين، وباجتناب نواهيه {ٱلآخِرَةَ} أي: اللذة الأخروية الأبدية {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} أي: حق سعيها على مقتضى الأمر الإلهي {وَ} الحال أنه {هُوَ} في حال السعي والاجتهاد {مُؤْمِنٌ} موقن، مصدق بوحدانية الله، وبما جاء من عنده على رسله، بلا شوب تزلزل وتردد {فَأُولَئِكَ} السعداء المقبولون {كَانَ سَعْيُهُم} واجتهادهم في امتثال الأوامر، واجتناب النواهي {مَّشْكُوراً} [الإسراء: 19] مقبولاً مستحسناً، وعملهم مبروراً، وجزاؤهم موفوراً، وهم صاروا في دار الجزاء مغفوراً مسروراً. {كُلاًّ نُّمِدُّ} أي: كل واحد من الفريقين المطيع والعاصي نُيسر ونوفق على مقتضى ما يهوى ويريد {هَـٰؤُلاۤءِ} المؤمنين المطيعين، توفقهم على الطاعات، ونجنبهم عن المعاصي {وَهَـٰؤُلاۤءِ} الكافرين العاصين، نُيسر لهم ما تميل إليه نفوسهم من الأهوية الفاسدة، والآراء الباطلة؛ إذ كلٌّ ميسر لما خلق له. كل ذلك {مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل الذي ربَّاك وجميع عباده بأنواع اللطف والكرم {وَ} كيف لا ييسر لهم سبحانه، ولا يوفقهم؛ إذ لا رازق لهم سواه، ولا معطي لهم غيره؟! لذلك {مَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [الإسراء: 20] ممنوعاً عن الكافر لكفره وعصيانه، موفوراً على المؤمن لإيمانه، بل لا يعلَّل فعل بالأعراض والأعواض مطلقاً، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد إرادةً واختياراً. والتفاوت الجاري بين عباده إنما هو لحكمةٍ ومصلحةٍ استأثر الله به في غيبه، لا اطلاع لأحدٍ عليه؛ لذلك قال: {ٱنظُرْ} أيها الناظر المعتبر {كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ} في النشأة الأولى بالمال والجاه، والثورة والرئاسة {عَلَىٰ بَعْضٍ} مبتلى بالفقر والمسكنة، وأنواع المذلة والهوان {وَلَلآخِرَةُ} المعدَّة للذات الروحانية، والحقائق والمعارف، والمكاشفات والمشهادات {أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ} لبقاء ذاتها أبد الآباد {وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} [الإسراء: 21] من فضل المستعار الفاني الزائل بسرعة. ومتى اعتبرت أيها المعتبر، وتأملت ما فيه من العبر {لاَّ تَجْعَل} ولا تتخذ {مَعَ ٱللَّهِ} الواحد الأحد، المتعزز برداء الفردانية {إِلَـٰهاً آخَرَ} كفؤاً له، يُعبد بالحق مثله، وكيف تجعل وتأخذ ربّاً سواه؛ إذ ليس في الوجود إلاَّ هو {فَتَقْعُدَ} بعد جعلك واتخاذك إلهاً سواه خائباً خاسراً، بل {مَذْمُوماً} عند الملائكة وجميع النبيين {مَّخْذُولاً} [الإسراء: 22] عند الله يوم العرض الأكبر؟!. {وَ} كيف تتخذ إلهاً سواه، مع أنه {قَضَىٰ رَبُّكَ} وحكم حكماً مقطواً مبرماً {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ} أي: بألاَّ تعبدوا أيها البالغون لحد التكليف {إِلاَّ إِيَّاهُ} إذ لا مستحق للعبادة والانقياد سواه؛ إذ هو المستقل بإيجادكم وإظهاركم بلا مشاركة ومعاونة، فعليكم أن تعظّموه وتوقّروه، وتذللوا نحوه غايى التذلل والخضوع. {وَ} أن تسحنوا {بِٱلْوَالِدَيْنِ} اللذين هما السبب الظاهري لتربيتكم وظهوركم {إِحْسَاناً} سلساً طلقاً فرحاناً، بلا شوب المنة والأذى، سيما {إِمَّا يَبْلُغَنَّ} أي: أن يبلغن {عِندَكَ} أيها الولد {ٱلْكِبَرَ} أي: سن الكهولة، بحيث عجز عن خدمة نفسه {أَحَدُهُمَا} أي: أحد الوالدين {أَوْ كِلاَهُمَا} معاً {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ} في جميع الأحوال، سيما عند الكبر والكهولة: {أُفٍّ} أي: صوتاً شديداً دالاً على تضجرهما وردعهما {وَ} إن خرجا عن مقتضى العقل، وفعلا فعلاً يجب لك صرفهما عنه {لاَ تَنْهَرْهُمَا} ولا تقهرهما زجراً عليهام {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} [الإسراء: 23]. {وَ} بالجملة: {ٱخْفِضْ} وابسط {لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ} والتواضع والمسكنة {مِنَ} كمال {ٱلرَّحْمَةِ} والشفقة عليهما {وَ} لا يقتصر على الخفض والشفقة الدنيوية، بل {قُل} لهما ولأجلهما مناجياً مع الله: {رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا} على مقتضى رحمتك الواسعة، وجودك الشامل {كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 14] أي: ارحمهما بفضلك، مثل رحمتهما وتربيتهما إياي في حال صغري وطفولتي. فعليكم أن تكونوا في دعائهما على العزيمة الصحيحة، والمحبة الخالصة، بحيث يكون بواطنكم موافقة لظواهركم، مثل تربيتهما إياكم حالة صغركم، ولا تتمنوا موتهما في قلوبكم؛ إذ {رَّبُّكُمْ} المطلع على سرائركم {أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} من ابتغائكم موتهما، أو برهما وتكريمهما، فالله سبحانه يعفو عنكم، ويقبل توبتكم {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ} مصلحين ما فوّتم وأفسدتم على نفوسكم من حق تعظيمهما وتوقيرهما {فَإِنَّهُ} سبحانه من كمال جوده وفضله {كَانَ لِلأَوَّابِينَ} الرجَّاعين إليه سبحانه، النادمين بما صدر عنهم من المعاصي، سيما ما يتلعق بعقوق الوالدين {غَفُوراً} [الإسراء: 25] يغفرهم ويتجاوز عنهم. {وَ} لا تقتصر أيها الولد على تعظيم والديك فقط، بل عليك تعظيم كل من ينتمي إليك من قبلهما؛ لذلك {آتِ} وأعط {ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} أي: حق تواضعهم وتوقيرهم إن كانوا إغنياء، وأنفِق عليهم إن كانوا فقراء {وَ} آت من زكاة أموالك، وفواضل صدقاتكم {ٱلْمِسْكِينَ} الذي لا يقدر على قوته وقوت عياله {وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} أيضاً الذي يبعد عن بلده، ولس معه مؤنة معاشه، وكن في إنفاقك مقتصداً معتلاً {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} [الإسراء: 26] أي: لا تسرف إسرافاً مفرطاً خارجاً عن حد الاعتدال، سيما فيما لا يعني وينبغي؛ إذ التبذير والتقتير كلاهما مذموم عقلاً وشرعاً. لذلك قال سبحانه: {إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ} المسرفين أموالهم رياءً وسمعةً {كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ} أي: أشباههم وأتباعهم في صرف الأموال الموهوبة من الله إلى غير المصرف و غير المستحق من المصارف، بل صرفوها إلى المحظورات والمكروهات، بإغواء الشياطين وإغرائهم {وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ} الغوي الطاغي {لِرَبِّهِ كَفُوراً} [الإسراء: 27] لنعم الله، فيغري أتباعه إلى الكفران أيضاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أن { مَنْ كَانَ يُرِيدُ } الدنيا { العاجلة } المنقضية الزائلة فعمل لها وسعى، ونسي المبتدأ أو المنتهى أن الله يعجل له من حطامها ومتاعها ما يشاؤه ويريده مما كتب [الله] له في اللوح المحفوظ ولكنه متاع غير نافع ولا دائم له. ثم يجعل له في الآخرة { جَهَنَّمَ يَصْلاهَا } أي: يباشر عذابها { مَذْمُومًا مَدْحُورًا } أي: في حالة الخزي والفضيحة والذم من الله ومن خلقه، والبعد عن رحمة الله فيجمع له بين العذاب والفضيحة. { وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ } فرضيها وآثرها على الدنيا { وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا } الذي دعت إليه الكتب السماوية والآثار النبوية فعمل بذلك على قدر إمكانه { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. { فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا } أي: مقبولا منمى مدخرا لهم أجرهم وثوابهم عند ربهم. ومع هذا فلا يفوتهم نصيبهم من الدنيا فكلا يمده الله منها لأنه عطاؤه وإحسانه. { وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا } أي: ممنوعا من أحد بل جميع الخلق راتعون بفضله وإحسانه. { انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } في الدنيا بسعة الأرزاق وقلتها، واليسر والعسر والعلم والجهل والعقل والسفه وغير ذلك من الأمور التي فضل الله العباد بعضهم على بعض بها. { وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا } فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها إلى الآخرة بوجه من الوجوه. فكم بين من هو في الغرف العاليات واللذات المتنوعات والسرور والخيرات والأفراح ممن هو يتقلب في الجحيم ويعذب بالعذاب الأليم، وقد حل عليه سخط الرب الرحيم وكل من الدارين بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحدا عده.