١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَمَنْ أَرَادَ ٱلأَخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا } حقها من السعي وهو الإِتيان بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه لا التقرب بما يخترعون بآرائهم. وفائدة اللام اعتبار النية والإِخلاص. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} إيماناً صحيحاً لا شرك معه ولا تكذيب فإنه العمدة. {فَأُوْلَـئِكَ } الجامعون للشروط الثلاثة. {كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} من الله تعالى أي مقبولاً عنده مثاباً عليه، فإن شكر الله الثواب على الطاعة. {كُلاًّ} كل واحد من الفريقين، والتنوين بدل من المضاف إليه. {نُّمِدُّ } بالعطاء مرة بعد أخرى ونجعل آنفه مدداً لسالفه. {هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء } بدل من {كُلاًّ}. {مِنْ عَطَاء رَبّكَ } من معطاه متعلق بـ {نُّمِدُّ }. {وَمَا كَانَ عَطَاء رَبّكَ مَحْظُورًا } ممنوعاً لا يمنعه في الدنيا من مؤمن ولا كافر تفضلاً. {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } في الرزق، وانتصاب {كَيْفَ } بـ {فَضَّلْنَا } على الحال. {وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} أي التفاوت في الآخرة أكبر، لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها. {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ } الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته أو لكل أحد. {فَتَقْعُدَ} فتصير من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة، أو فتعجز من قولهم قعد عن الشيء إذا عجز عنه. {مَذْمُومًا مَّخْذُولاً } جامعاً على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين والخذلان من الله تعالى، ومفهومه أن الموحد يكون ممدوحاً منصوراً. {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} وأمر أمراً مقطوعاً به. {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ } بأن لا تعبدوا. {إِلاَّ إِيَّاهُ } لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإِنعام، وهو كالتفصيل لسعي الآخرة. ويجوز أن تكون {ءانٍ } مفسرة و {لا } ناهية. {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } وبأن تحسنوا، أو وأحسنوا بالوالدين إحساناً لأنهما السبب الظاهر للوجود والتعيش، ولا يجوز أن تتعلق الباء بالإِحسان لأن صلته لا تتقدم عليه. {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا } {أَمَّا } هي إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيداً ولذلك صح لحوق النون المؤكدة للفعل، وأحدهما فاعل {يَبْلُغَنَّ } ويدل على قراءة حمزة والكسائي من ألف «يبلغان» الراجع إلى «الوالدين»، وكلاهما عطف على أحدهما فاعلاً أو بدلاً ولذلك لم يجز أن يكون تأكيداً للألف، ومعنى {عِندَكَ } أن يكونا في كنفك وكفالتك. {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } فلا تتضجر مما يستقذر منهما وتستثقل من مؤنتهما، وهو صوت يدل على تضجر. وقيل هو اسم الفعل الذي هو أتضجر، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين وتنوينه في قراءة نافعٍ وحفص للتنكير. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالفتح على التخفيف. وقرىء به منوناً وبالضم للاتباع كمنذ منوناً وغير منون، والنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الايذاء قياساً بطريق الأولى. وقيل عرفاً كقولك: فلان لا يملك النقير والقطمير، ولذلك منع رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة من قتل أبيه وهو في صف المشركين، نهى عما يؤذيهما بعد الأمر بالإِحسان بهما. {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ. وقيل النهي والنهر والنهم أخوات. {وَقُل لَّهُمَا } بدل التأفيف والنهر. {قَوْلاً كَرِيمًا } جميلاً لا شراسة فيه. {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ } تذلل لهما وتواضع فيهما، وجعل للذل جناحاً كما جعل لبيد في قوله:شعر : وَغَدَاةَ رِيحٍ قَدْ كشفت وَقرة إِذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمَالِ زِمَامُهَا تفسير : للشمال يداً أو للقرة زماماً، وأمره بخفضه مبالغة أو أراد جناحه كقوله تعالى: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [الحجر: 88]. وإضافته إلى الذل للبيان والمبالغة كما أضيف حاتم إلى الجود، والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل. وقرىء «ٱلذل» بالكسر وهو الانقياد والنعت منه ذلول. {مِنَ ٱلرَّحْمَةِ } من فرط رحمتك عليهما لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله تعالى إليهما بالأمس. {وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا } وادع الله تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتف برحمتك الفانية وإن كانا كافرين لأن من الرحمة أن يهديهما: {كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا } رحمة مثل رحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري وفاء بوعدك للراحمين. روي: أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبوي بلغا من الكبر أني أَلي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما. قال: لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما).
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَنْ أَرَادَ ٱلأَخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا } عمل عملها اللائق بها {وَهُوَ مُؤْمِنٌ } حال {فَأُوْلَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } عند الله أي مقبولاً مثاباً عليه.
النسفي
تفسير : {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} هو مفعول به أو حقها من السعي وكفاءها من الأعمال الصالحة {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} مصدق لله في وعده ووعيده {فَأُوْلَـئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} مقبولاً عند الله مثاباً عليه. عن بعض السلف: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت ونية صادقة وعمل مصيب وتلا الآية: فإنه شرط فيها ثلاث شرائط في كون السعي مشكوراً: إرادة الآخرة والسعي فيما كلف والإيمان الثابت {كُلاً} كل واحد من الفريقين والتنوين عوض عن المضاف إليه وهو منصوب بقوله {نُّمِدُّ هَـؤُلآءِ} بدل من {كلاً} أي نمد هؤلاء {وَهَـــٰــؤُلآءِ} أي من أراد العاجلة ومن أراد الآخرة {مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ} رزقه و«من» تتعلق «بنمد» والعطاء اسم للمعطي أي نزيدهم من عطائنا ونجعل الآنف منه مدداً للسالف لا نقطعه فنرزق المطيع والعاصي جميعاً على وجه التفضل {وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} ممنوعاً عن عباده وإن عصوا {انظُرْ} بعين الاعتبار {كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} في المال والجاه والسعة والكمال {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} روي أن قوماً من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر رضي الله عنه فخرج الإذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو: إنما أتينا من قبلنا. إنهم دعوا ودعينا ــ يعني إلى الإسلام ــ فأسرعوا وأبطأنا، وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر. {لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته {فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} فتصير جامعاً على نفسك الذم والخذلان. وقيل: مشتوماً بالإهانة محروماً عن الإعانة، إذ الخذلان ضد النصر والعون. دليله قوله تعالى: {أية : إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده}تفسير : . [آل عمران: 160] حيث ذكر الخذلان بمقابلة النصر. {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} وأمر أمراً مقطوعاً به {أَلاَّ تَعْبُدُوآ إِلاَّ إِيَّاهُ} «أن» مفسرة و{لا تعبدوا} نهي أو بأن لا تعبدوا {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} وأحسنوا بالوالدين إحساناً أو بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ} «إما» هي «أن» الشرطية زيد عليها «ما» تأكيداً لها ولذا دخلت النون المؤكدة في الفعل ولو أفردت «إن» لم يصح دخولها لا تقول. «إن تكرمن زيداً يكرمك» ولكن «إما تكرمنه» {أَحَدُهُمَآ} فاعل {يبلغن} وهو في قراءة حمزة وعليّ {يبلغان} بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين {أَوْ كِلاهُمَا} عطف على {أحدهما} فاعلاً وبدلاً {فَلا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} مدني وحفص. {أفّ}َ مكي وشامي. {أفّ}ُ غيرهم. وهو صوت يدل على تضجر فالكسر على أصل التقاء الساكنين والفتح للتخفيف، والتنوين لإرادة التنكير أي أتضجر تضجراً، وتركه لقصد التعريف أي أتضجر التضجر المعلوم {وَلا تَنْهَرْهُمَا} ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك والنهي والنهر أخوان {وَقُل لَّهُمَا} بدل التأفيف والنهر {قَوْلاً كَرِيماً} جميلاً ليناً كما يقتضيه حسنِ الأدب أو هو أن يقول: يا أبتاه يا أماه ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء ولا بأس به في غير وجهه، كما قالت عائشة رضي الله عنها: نحلني أبو بكر كذا، وفائدة {عندك} إنهما إذا صارا كلاً على ولدهما ولا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه وذلك أشق عليه، فهو مأمور بأن يستعمل معهما لين الخلق حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما «أف» فضلاً عما يزيد عليه، ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضجر ومع أحوال لا يكاد يصبر الإنسان معها.
ابو السعود
تفسير : {وَمَنْ أَرَادَ} بأعماله {ٱلآخِرَةَ} الدارَ الآخرةَ وما فيها من النعيم المقيم {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} أي السعْيَ اللائقَ بها وهو الإتيانُ بما أُمر والانتهاءُ عما نُهيَ لا التقرّبُ بما يخترعون بآرائهم، وفائدةُ اللام اعتبارُ النيةِ والإخلاص {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} إيماناً صحيحاً لا يخالطه شيءٌ قادحٌ فيه، وإيرادُ الإيمانِ بالجملة الحالية للدِلالة على اشتراط مقارنتِه لما ذُكر في حيِّز الصلة {فَأُوْلَـئِكَ} إشارةٌ إلى الموصولِ بعنوان اتصافِه بما في حيز الصلةِ، وما في ذلك من معنى البعدِ للإشعار بعلو درجتِهم وبُعد منزلتِهم، والجمعيةُ لمراعاة جانب المعنى إيماءً إلى أن الإثابة المفهومةَ من الخبر تقع على وجه الاجتماعِ أي أولئك الجامعون لما مر من الخصال الحميدةِ، أعني إرادةَ الآخرةِ والسعيَ الجميلَ لها والإيمانَ {كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} مقبولاً عند الله تعالى أحسنَ القَبول مُثاباً عليه، وفي تعليق المشكوريّةِ بالسعْي دون قرينَيْهِ إشعارٌ بأنه العمدةُ فيها. {كَلاَّ} التنوين عوضٌ عن المضاف إليه أي كلَّ واحد من الفريقين لا الفريقِ الأخير المريد للخير الحقيقِ بالإسعاف فقط {نُّمِدُّ} أي نزيد مرة بعد مرة بحيث يكون الآنِفُ مدداً للسالف، وما به الإمدادُ ما عُجّل لأحدهما من العطايا العاجلة وما أعد للآخر من العطايا الآجلةِ المشارِ إليها بمشكورية السعي، وإنما لم يصرحْ به تعويلاً على ما سبق تصريحاً وتلويحاً واتكالاً على ما لحِق عبارةً وإشارة كما ستقف عليه، وقوله تعالى: {هَـؤُلاء} بدل من كلاًّ {وَهَـؤُلاء} عطف عليه أي نُمد هؤلاء المعجَّلَ لهم وهؤلاءِ المشكورَ سعيُهم، فإن الإشارةَ متعرّضةٌ لذات المشارِ إليه بما له من العنوان لا للذات فقط كالإضمار، ففيه تذكيرٌ لما به الإمدادُ وتعيـينٌ للمضاف إليه المحذوفِ دفعاً لتوهّم كونِه أفرادَ الفريقِ الأخير، وتأكيدٌ للقصر المستفادِ من تقديم المفعول وقوله تعالى: {مِنْ عَطَاء رَبّكَ} أي من العطاء الواسعِ الذي لا تناهيَ له متعلقٌ بنُمد، ومغْنٍ عن ذكر ما به الإمدادُ ومنبِّهٌ على أن الإمدادَ المذكورَ ليس بطريق الاستيجابِ بالسعي والعمل بل بمحض التفضل {وَمَا كَانَ عَطَاء رَبّكَ} أي دنيوياً كان أو أخروياً، وإنما أُظهر إظهاراً لمزيد الاعتناءِ بشأنه وإشعاراً بعلّيته للحكم {مَحْظُورًا} ممنوعاً ممن يريده بل هو فائضٌ على مَن قُدّر له بموجب المشيئةِ المبنيةِ على الحكمة وإن وُجد منه ما يقتضي الحظرَ كالكافر وهو في معنى التعليل لشمول الأمدادِ للفريقين، والتعرضُ لعنوان الربوبـية في الموضعين للإشعار بمبدئيتها لما ذُكر من الإمداد وعدم الحظر.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} [الآية: 19]. قال القاسم: فى قوله {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} بشرط الإرادة بحسن السعاية لأن كل طائفة أرادت الآخرة وسعيها وهو الذى يسعى على الاستقامة، وما توجه عليه الشريعة، وشرط السعى بالاستقامة، وشرط الاستقامة بالإيمان لأن كل من أراد الآخرة وقصد قصدها فليستقم عليها فرُبّ قاصد مستقيم فى الظاهر حظه الإيمان عارية عنده، وكم من ساع حسن السعى غير مقبول سعيه. قال بعضهم: السعى فى الدنيا بالأبدان، والسعى إلى الآخرة بالقلوب، والسعى إلى الله تعالى بالهمم. قال عز وجل: {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} [الآية: 19]. قال أبو حفص: السعى المشكور ما لم يكن مشوبًا برياء. ولا سمعة، ولا رؤية نفس، ولا طلب ثواب بل يكون خالصًا لوجهه لا يشاركه فى ذلك شىء فذلك السعى المشكور.
القشيري
تفسير : علامة مَنْ أراد الآخرةَ - على الحقيقة - أن يسعى لها سَعْيها؛ فإرادةُ الآخرة إذا تجرَّدَتْ عن العمل لها كانت مجرَّد إرادة، ولا يكون السعيُ مشكوراً. قوله: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}: أي من المآلِ كما أنه مؤمِنٌ في الحال. ويقال وهو مؤمن أنَّ نجاته بفضله لا بسببه. {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} أي مقبولاً، ومع القبول بكون التضعيف والتكثير؛ فكما أن الصدقة يُرْبِيها كذلك طاعةُ العبدِ يُكْثِّرُها ويُنَمِّيها.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن}[هركه ازروى علو همت]{أراد} بالاعمال {الآخرة} الدار الآخرة وما فيها من النعيم المقيم {وسعى لها سعيها} اى السعى اللائق بها وهو الاتيان بما امر والانتهاء عما نهى لا التقرب بما يخترعون بارآئهم وفائدة اللام اعتبار النية والاخلاص فانها للاختصاص {وهو مؤمن} اى والحال انه مؤمن ايمانا صحيحا لاشرك معه ولا تكذيب فانه العمدة {فاولئك} الجامعون الشرائط الثلاثة من ارادة الآخرة والسعى الجميل لها والايمان {كان سعيهم مشكورا} مقبولا عند الله تعالى بحسن القبول مثابا عليه فان شكر الله الثواب على الطاعة وفى تعليق المشكورية بالسعى دون قرينيه اشعار بانه العمدة فيها. اعلم ان الله تعالى خلق الانسان مركبا من الدنيا والآخرة ولكل جزء منهما ميل وارادة الى كله ليتغذى منه ويتقوى ويتكمل به ففى جزئه الدنيوى وهو النفس طريق الى دركات النيران وفى جزئه الاخروى وهو الروح طريق الى درجات الجنان وخلق القلب من هذين الجزءين وله طريق الى ما بين اصبعى الرحمن اصبع اللطف واصبع القهر فمن يرد الله به ان يكون مظهر قهره ازاغ قلبه وحول وجهه إلى الدنيا فيريد العاجلة ويربى بها نفسه إلى أن تبلغه إلى دركات جهنم البعد ويصلى نار القطيعة ومن يرد الله به ان يكون مظهر لطفه اقام قلبه وحول وجهه الى عالم العلو فيزيد الآخرة ويسعى لها سعيها وهو الطلب بالصدق وهو مؤمن بان من طلبه وجده فاولئك كان سعيهم فى الوجود مشكورا من الموجد فى الازل.
الجنابذي
تفسير : {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} اللاّئق بها لا السّعى الّذى زعموه بآرائهم انّه سعيها، وجعل القرينتين مختلفتين فى الشّرط والجزاء للاشعار بانّ استحقاق العذاب انّما هو بصيرورة ارادة العاجلة سجيّة لا بارادة ما واحدة جزئيّة واستحقاق الثّواب انّما هو بارادةٍ واحدةٍ جزئيّةٍ وسعىٍ واحدٍ بشرط الايمان والى هذا المعنى اشار تعالى بقوله: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة:286]، وللاشعار بانّ استتباع صور الاعمال الحسنة لتعجيل خيرات الدّنيا عرضىّ محتاج الى الجعل بخلاف استتباعها لغاياتها {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} قيّده بالايمان وهو الولاية الّتى تحصل بالبيعة الخاصّة الولويّة لانّ العمل بدون الولاية لا اثر له ولا فائدة فيه كما ورد: لو انّ عبداً بعد الله تحت الميزاب سبعين خريفاً قائماً ليله صائماً نهاره ولم يكن له ولاية ولىّ امّره لأكبّه الله على منخريه فى النّار {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} مجزيّاً عليه.
اطفيش
تفسير : {وَمَنْ أرَادَ الآخِرَةَ} أرادت إِيمان بها وبالله ورسالاته أو أراد خير الآخرة وهو أنسب بقوله من كان يريد العاجلة {وَسَعَى لَهَا} فائدة اللام اعتبار النية والإخلاص {سَعْيَهَا} أى عمل لها العمل اللائق بها وهو اتباع الشرع امتثالا واجتناباً {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} إِيماناً خالصاً لا إيماناً مخلوطاً باعتقاد فاسد يوقع فى شرك لوصف الله سبحانه وتعالى بانتقال وزوال من مكان إِلى آخر وتحديد وتشبيه فإِن الإِيمان الخالص هو الأَصل المعتمد عليه والجملة حال. {فأولئك} الجامعون للشرائط الثلاث التى لا يشكر السعى إلا بها إرادة الآخرة بأَن يعقد بها همه ويتجافى عن دار الغرور والسعى فيما كلف من الفعل والترك والإِيمان الصحيح الثابت. {كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} عند الله تعالى، أى مقبولا عنده مثاباً عليه، فإِن شكر الله هو الثواب على الطاعة ولا يشكر الله سعياً ولا عملا إلا أثاب عليه كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : بينما رجل يمشى فى الطريق فاشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب فخرج فإِذا بكلب يلهث ويأْكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذى بغلنى، فنزل البئر وملأ خفه بالماء فأْمسكه بِفيهِ حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله ذلك له وغفر له. فقالوا: يا رسول الله إن فى البهائم لاجراً فقال: فى كل كبد رطب أجرتفسير : ، رواه أبو عبيدة رحمه الله، عن أبى هريرة، وعن بعض المتقدمين من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه علمه إِيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب، وقرأ الآية.
الالوسي
تفسير : {وَمَنْ أَرَادَ} الظاهر على طبق ما مر عن الضحاك أن يراد بعمله أيضاً {ٱلأَخِرَةَ} أي الدار الآخرة وما فيها من النعيم المقيم {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} أي الذي يحق ويليق بها كما تنبـىء عنه الإضافة الاختصاصية سواء كان السعي مفعولاً به على أن المعنى عمل عملها أو مصدراً مفعولاً مطلقاً ويتحقق ذلك بالإتيان بما أمر الله تعالى والانتهاء عما نهى سبحانه عنه فيخرج من يتعبد من الكفرة بما يخترعه من الآراء ويزعم أنه يسعى لها. وفائدة اللام سواء كانت للأجل أو للاختصاص اعتبار النية والإخلاص لله تعالى في العمل. واختار بعضهم ولا يخلو عن حسن أنه لا حاجة إلى ما اعتبره الضحاك بل الأولى عدم اعتباره لمكان {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} وحينئذٍ لا يعتبر فيما سبق أيضاً ويكون في الآية على هذا من تحقير أمر الدنيا وتعظيم شأن الآخرة ما لا يخفى على من تأمل. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} إيماناً صحيحاً لا يخالطه قادح. وإيراد الإيمان بالجملة الحالية للدلالة على اشتراط مقارنته لما ذكر في حيز {مَنْ} فلا تنفع إرادة ولا سعى بدونه وفي الحقيقة هو الناشىء عنه إرادة الآخرة والسعي للنجاة فيها وحصول الثواب، وعن بعض المتقدمين من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله إيمان ثابت ونية صادقة وعمل مصيب وتلا هذه الآية. {فَأُوْلَٰـئِكَ} إشارة إلى {مَنْ} بعنوان اتصافه بما تقدم، وما في ذلك من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم، والجمعية لمراعاة جانب المعنى إيماءً إلى أن الإثابة المفهومة من الخبر تقع على وجه الاجتماع أي فأولئك الجامعون لما مر من الخصال الحميدة أعني إرادة الآخرة والسعي الجميل لها والإيمان {كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} مثاباً عليه مقبولاً عنده تعالى بحسن القبول، وفسر بعضهم السعي هٰهنا بالعمل الذي يعبر عنه بفعل فيشمل جميع ما تقدم وهذا غير السعي السابق، وقال بعضهم: هو هو. وعلق المشكورية به دون قرينيه إشعاراً بأنه العمدة فيها. وأصل السعي كما قال الراغب المشي السريع وهو دون العدو ويستعمل للجد / في الأمر خيراً كان أو شراً وأكثر ما يستعمل في الأفعال المحمودة قال الشاعر:شعر : إن أجز علقمة بن سعد سعيه لا أجزه ببلاء يوم واحد
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} أي عمل لها عملها الذي تنال به، وهو امتثال أمر الله، واجتناب نهيه بإخلاص على الوجه المشروع {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي موحد لله جل وعلا، غير مشرك به ولا كافر به، فإن الله يشكر سعيه، بأن يثيبه الثواب الجزيل عن عمله القليل. وفي الآية الدليل على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان بالله. لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة، لأنه شرط في ذلك قوله {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}. وقد أوضح تعالى هذا في آيات كثيرة. كقوله: {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً}تفسير : [النساء:124]، وقوله: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [النحل:97] وقوله: {أية : مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [غافر:40] إلى غير ذلك من الآيات. ومفهوم هذه الآيات - أن غير المؤمنين إذا أطاع الله بإخلاص لا ينفعه ذلك. لفقد شرط القبول الذي هو الإيمان بالله جل وعلا. وقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات آخر. كقوله في أعمال غير المؤمنين: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان:23]، وقوله: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ}تفسير : [إبراهيم:18] الاية، وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً}تفسير : [النور:39] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين جل وعلا في مواضع أخر: أن عمل الكافر الذي يتقرب به إلى الله يجازى به في الدنيا، ولا حظّ له منه في الآخرة. كقوله: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [هود:15-16]، وقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى:20]. وثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم نحو ما جاءت به هذه الآيات: من انتفاع الكافر بعمله في الدنيا من حديث أنس، قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن ابي شيبة، وزهير بن حرب - واللفظ لزهير - قالا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأَمَّا الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها ". تفسير : حدثنا عاصم بن النضر التيمي، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي، حدثنا قتادة عن أنس بن مالك: أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الكافر إذا عمل حسنة أُطعم بها طعمة من الدنيا. وأَما المؤمن فإِن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته ". تفسير : حدثنا محمد بن عبد الله الرزي، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن انس عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديثهما. واعلم أن هذا الذي ذكرنا أدلته من الكتاب والسنة من أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الدنيا: كبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف والجار، والتنفيس عن المكروب ونحو ذلك، كله مقيد بمشيئة الله تعالى. كما نص على ذلك بقوله: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ}تفسير : [الإسراء:18] الآية. فهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات والأحاديث. وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. وأشار له في "مراقي السعود" بقوله: شعر : وحمل مطلق على ذاك وجب إن فيهما اتحد حكم والسبب
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآخِرَةَ} {فَأُولَئِكَ} (19) - وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَمَا فِيهَا مِنْ نَعيمٍ وَسُرُورٍ، وَرِضْوَانٍ مِنَ اللهِ، وَطَلَبَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِهِ، وَهُوَ مَتَابَعَةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ قَلْبُهُ مُؤْمِناً مُصَدِّقاً بِالثَّوَابِ وَالجَزَاءِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَأُولئِكَ يَشْكُرُ اللهُ سَعْيَهُمْ وَيَجْزِيهِمْ بِمَا يَسْتَحِقُّونَ، وَهُوَ دُخُولُ الجَنَّةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : المتأمل في أسلوب القرآن الكريم يجده عادة يُعطِيِ الصورة ومقابلها؛ لأن الشيء يزداد وضوحاً بمقابله، والضِّد يظهر حُسْنه الضّد، ونرى هذه المقابلات في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى كما في: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}تفسير : [الانفطار: 13-14]. وهنا يقول تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ ..} [الإسراء: 19] في مقابل: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ..} [الإسراء: 18]. قوله تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا ..} [الإسراء: 19]. أي: أراد ثوابها وعمل لها. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ ..} [الإسراء: 19]. لأن الإيمان شَرْط في قبول العمل، وكُلُّ سعي للإنسان في حركة الحياة لا بُدَّ فيه من الإيمان ومراعاة الله تعالى لكي يُقبَل العمل، ويأخذ صاحبه الأجر يوم القيامة، فالعامل يأخذ أجره ممَّنْ عمل له. فالكفار الذين خدموا البشرية باختراعاتهم واكتشافاتهم، حينما قدّموا هذا الإنجازات لم يكُنْ في بالهم أبداً العمل لله، بل للبشرية وتقدُّمها؛ لذلك أخذوا حقهم من البشرية تكريماً وشهرة، فأقاموا لهم التماثيل، وألّفوا فيهم الكتب .. الخ. إذن: انتهت المسألة: عملوا وأخذوا الأجر ممن عملوا لهم. وكذلك الذي يقوم ببناء مسجد مثلاً، وهذا عمل عظيم يمكن أن يُدخل صاحبه الجنة إذا توافر فيه الإيمان والإخلاص لله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة ". تفسير : ولكن سرعان ما نقرأ على باب المسجد لافتة عريضة تقول: أنشأه فلان، وافتتحه فلان .. الخ مع أنه قد يكون من أموال الزكاة!! وهكذا يُفسد الإنسان على نفسه العمل، ويُقدم بنفسه ما يُحبطه، إذن: فقد فعل ليقال وقد قيل. وانتهت القضية. وقوله تعالى: {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} [الإسراء: 19]. وهذا جزاء أهل الآخرة الذين يعملون لها، ومعلوم أن الشكر يكون لله استدراراً لمزيد نِعَمه، كما قال تعالى: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ..}تفسير : [إبراهيم: 7]. فما بالك إنْ كان الشاكر هو الله تعالى، يشكر عبده على طاعته؟ وهذا يدل على أن العمل الإيماني يُصادف شُكْراً حتى من المخالف له، فاللص مثلاً إنْ كان لديه شيء نفيس يخاف عليه، فهل يضعه أمانة عند لصٍّ مثله، أم عند الأمين الذي يحفظه؟ فاللصّ لا يحترم اللص، ولا يثق فيه، في حين يحترم الأمين مع أنه مخالف له، وكذلك الكذاب يحترم الصادق، والخائن يحترم الأمين. ومن هنا كان كفار مكة رغم عدائهم للنبي صلى الله عليه وسلم وكفرهم بما جاء به إلا أنهم كانوا يأتمنونه على الغالي والنفيس عندهم؛ لأنهم واثقون من أمانته، ويلقبونه "بالأمين"، رغم ما بينهما من خلاف عقديّ جوهري، فهم فعلاً يكذبونه، أما عند حفْظ الأمانات فلن يغشُّوا أنفسهم، لأن الأحفظ لأماناتهم محمد صلى الله عليه وسلم. وقد ضربنا لذلك مثلاً بشاهد الزور الذي تستعين بشهادته ليُخرجك من ورطة، أو قضية، فرغم أنه قضى لك حاجتك وأخرجك من ورطتك، إلا أنه قد سقط من نظرك، ولم يعُدْ أهلاً لثقتك فيما بعد. لذلك قالوا: مَنِ استعان بك في نقيصة فقد سقطْتَ من نظره، وإنْ أعنْتَه على أمره كشاهد الزور ترتفع الرأس على الخصم بشهادته وتدوس القدم على كرامته. ثم يقول الحق سبحانه عن كلا الفريقين: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} معناهُ عَمَل لَها عَمَلَها.
الأندلسي
تفسير : {وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ} أي ثواب الآخرة بأن يؤثرها على الدنيا ويعقد إرادته بها. {وَسَعَىٰ} فيما كلف من الأعمال والأقوال. {سَعْيَهَا} أي السعي المعد للنجاة فيها. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} هو الشرط الأعظم في النجاة فلا ينفع أراده ولا سعي إلا بحصوله وفي الحقيقة هو الناشىء عنه إرادة الآخرة والسعي للنجاة فيها وحصول الثواب. {فَأُولَئِكَ} إشارة إلى من اتصف بهذه الأوصاف وراعى معنى من فلذلك كان بلفظ الجمع والله تعالى يشكرهم على طاعتهم وهو تعالى هو المشكور على ما أعطى وانتصب كلاً بنمد والامداد المواصلة بالشىء وهؤلاء وهؤلاء بدلان من كلا بدل تفصيل وقدره الزمخشري كل واحد من الفريقين نمد وأعربوا هؤلاء بدلاً من كلا ولا يصح أن يكون بدلاً من كلا على تقدير كل واحد لأنه يكون إذ ذاك بدل كل من بعض فينبغي أن يكون التقدير كل الفريقين فيكون بدل كل من كل على جهة التفصيل والظاهر أن هذا الامداد هو في الرزق في الدنيا ويدل على هذا التأويل. {وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} أي رزقه لا يضيق عن مؤمن ولا كافر ومعنى محظوراً أي ممنوعاً والظاهر أن: {ٱنظُرْ} بصرية لأن التفاوت في الدنيا مشاهد. و{كَيْفَ} سؤال عن الهيئة منصوب. بـ{فَضَّلْنَا} والجملة في موضع نصب على إسقاط حرف الجر وهو إلى ويجوز أن يكون أنظر من نظر القلب فيكون حرف الجر المقدر لفظه في والتفضيل هنا في الدنيا ودرجات منصوباً على التمييز والمفضل عليه محذوف تقديره من درجات الدنيا وتفضيلها والخطاب في: {لاَّ تَجْعَل} للسامع المخاطب غير الرسول. {فَتَقْعُدَ} قال الفراء وتبعه الزمخشري فتقعد بمعنى فيصير فيكون اسمها ضمير المخاطب وخبرها. {مَذْمُوماً} وحكى الكسائي عن العرب وقعد لا يسأل حاجة إلا قضاها وأصحابنا لا يجعلون قعد بمعنى صار إلا في المثل في قولهم: شحذ شفرته حتى قعدت كأنها حربة أي صارت ومذموماً حال عندهم من الضمير المستكن في فتقعد ويؤولونه على معنى فيثبت ويسكن في حال الذم. {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} الآية قال ابن عباس: وجماعة قضى بمعنى أمر وأن حرف تفسير * وقال أبو البقاء ويجوز أن يكون في موضع نصب أي ألزم ربك عبادته ولا زائدة انتهى وهذا وهم لدخول إلا على مفعول تعبد ويلزم أن يكون منفياً أو مبهماً ولا تعبدوا نهي. و{إِحْسَاناً} مصدر بمعنى الأمر عطف ما معناه أمر على نهي كما عطف في قوله * يقولون لا تهلك أسى وتجمل * وقد اعتنى بالأمر بالإِحسان إلى الوالدين حيث قرن بقوله: لا تعبدوا إلا إياه ويتقديمهما اعتناء بهما على قوله إحساناً ومناسبة اقتران بر الوالدين بإِفراد الله بالعبادة من حيث أنه تعالى هو الموجود حقيقة والوالدان وساطة في إنشائه وهو تعالى المنعم بإِيجاده ورزقه وهما ساعيان في مصالحه * وقال الزمخشري اما هي ان الشرطية زيدت عليها ما توكيداً لها ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل ولو أفردت لم يصح دخولها لا تقول ان تكرمن زيداً يكرمك ولكن إما تكرمنه انتهى * وهذا الذي ذكره مخالف لمذهب سيبويه لأن مذهبه أنه يجوز أن يجمع بين اما ونون التوكيد وأن تأتي بأن وحدها ونون التوكيد وأن تأتي باما وحدها دون نون التوكيد وقال سيبويه في هذه المسئلة: وإن شئت لم تقحم النون كما أنك إن شئت لم تجىء بما يعني مع النون وعدمها وقرىء: {يَبْلُغَنَّ} بنون التوكيد وعند متعلق به. و{أَحَدُهُمَا} فاعل بيبلغن. {أَوْ كِلاَهُمَا} معطوف على أحد وقرىء: يبلغان فالألف للتثنية والنون مشددة بعد ألف الاثنين وأحدهما بدل من الضمير، أو كلاهما فاعل بفعل محذوف تقديره أو يبلغ كلاهما والفاء في فلا جواب الشرط * وقال الزمخشري: * فإِن قلت لو قيل اما يبلغان كلاهما كان توكيداً لا بدلاً فمالك زغمت أنه بدل * قلت: لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيداً للإِثنين فانتظم في حكمه فوجب أن يكون مثله * فإِن قلت ما ضرك لو جعلته توكيداً مع كون المعطوف عليه بدلاً وعطفت التوكيد على البدل * قلت: لو أريد توكيد التثنية لقيل كلاهما فحسب فلما قيل أحدهما أو كلاهما علم أن التوكيد غير مراد فكان بدلاً مثل الأول * قال ابن عطية: وعلى هذه القراءة الثالثة يعني يبلغان يكون قوله: أحدهما بدلاً من الضمير في يبلغان وهو بدل مقسم * كقول الشاعر: شعر : وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت تفسير : "انتهى" ويلزم من قوله: أن يكون كلاهما معطوفاً على أحدهما وهو بدل والمعطوف على البدل بدل والبدل مشكل لأنه يلزم منه أن يكون المعطوف عليه * بدلاً وإذا جعلت أحدهما بدلاً من الضمير فلا يكون إلا بدل بعض من كل وإذا عطفت عليه كلاهما فلا جائز أن يكون بدل بعض من كل لأن كلاهما مرادف للضمير من حيث التثنية فلا يكون بدل بعض من كل ولا جائز أن يكون بدل كل من كل لأن المستفاد من الضمير التثنية وهو المستفاد من كلاهما فلم يغد البدل زيادة على المبدل منه * وأما قول ابن عطية وهو بدل مقسم كقول الشاعر: شعر : وكنت كذي رجلين البيت تفسير : فليس من بدل التقسيم لأن شرط ذلك العطف بالواو وأيضاً فالبدل المقسم لا يصدق المبدل فيه على أحد قسميه وكلاهما يصدق عليه الضمير وهو المبدل منه فليس من البدل المقسم وقد ذكرنا تخريجه على إضمار فعل فتكون كلاهما فاعلاً بذلك الفعل. {أُفٍّ} إسم فعل بمعنى أنضجر ولم يأت اسم فعل بمعنى المضارع إلا قليلاً نحو أف وأوه بمعنى أتوجع وإذا كان قد نهى أن يستقبلهما بهذه اللفظة الدالة على الضجر والتبرم بهما فالنهي عما هو أشد كالشتم والضرب هو بجهة الأولى وفي أف لغات ذكرت في البحر ولما نهاه تعالى أن يقول لهما ما مدلوله أتضجر منكما ارتقى إلى النهي عما هو من حيث الوضع أشد من أف وهو نهرهما وان كان النهي عن نهرهما يدل عليه النهي عن قول أف لأنه إذا نهى عن الأدنى كان ذلك نهياً عن الأعلى بجهة الأولى والمعنى ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك وقل لهما بدل قول أف ونهرهما. {قَوْلاً كَرِيماً} أي جامعاً للمحاسن من البر وجودة اللفظ ثم أمره تعالى بالمبالغة في التواضع معهما بقوله: {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} وقال القفال في تقديره وجهان: * أحدهما أن الطائر إذا ضم فرحة إليه للتربية خفض له جناحه فخفض الجناح كناية عن حسن التدبير وكأنه قيل للولد أكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا بك ذلك حال صغرك * الثاني أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه وإذا أراد ترك الطيران والارتفاع خفضه فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه ثم أمره تعالى بأن يدعو الله تعالى لهما بأن يرحمهما رحمته الباقية إذ رحمته عليهما لا فناء لها ثم نبه على العلة الموجبة للإِحسان إليهما والبر بهما واسترحام الله تعالى لهما وهي تربيتهما له صغيراً وتلك الحالة مما يزيده إشفاقاً لهما ورحمة إذا هي تذكير بحالة إحسانهما إليه وقت أن لا يقدر على الإِحسان لنفسه والظاهر أن الكاف في كما للتعليل أي رب ارحمهما لتربيتهما لي وإحسانهما إليّ حالة الصغر والافتقار. {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} أخبر تعالى أنه أعلم بما انطوت عليه الضمائر من قصد عبادة الله والبر بالوالدين ثم قال: {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ} أي ذوي صلاح ثم فرط منكم تقصير في عبادة أو بر وانبتم إلى الخير. {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} أي غفور لما فرط من هناتكم والظاهر أن هذا عام في كل من فرطت منه جناية ثم ناب منها. {وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ} الآية لما أمر ببر الوالدين أمر بصلة القرابة والظاهر أنه خطاب لما خوطب بقوله: اما يبلغن عندك الكبر والحق هنا ما يتعين له من صلة الرحم وسد الخلة والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه ونهى تعالى عن التبذير وكانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتبذر أموالها في الفخر والسمعة وتذكر ذلك في أشعارها فنهى الله تعالى عن النفقة في غير وجوه البر وما يقرب منه. {كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ} واخوه الشياطين كونهم قرناءهم في الدنيا وفي النار وفي الآخرة وتدل هذه الأخوة على أن التبذير في معصية الله أو كونهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإِسراف في الدنيا وذكر كفران الشيطان لربه ليحذر ولا يطاع لأنه لا يدعو إلى خير كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [فاطر: 6]. {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} قيل حديث : نزلت في ناس في مزينة استحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا أجد ما أحملكم عليه فبكوا وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان بعد نزول هذه الآية إذا لم يكن عنده ما يعطي وسئل قال: يرزقنا الله وإياكم من فضله تفسير : فالرحمة على هذا الرزق المنتظر * قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ابتغاء رحمة من ربك علة لجواب الشرط فهو يتعلق به ويتقدم عليه أي فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً رحمة لهم وتطييباً لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك أي ابتغ رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم "انتهى" ما أجازه لا يجوز لأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبله لا يجوز في قولك أن تقم فاضرب زيداً ان تقم زيداً فاضرب وهذا منصوص عليه فإِن حذفت الفاء في مثل ان تقم تضرب خالداً فمذهب سيبويه والكسائي الجواز فتقول ان تقم خالداً تضرب ومذهب الفراء المنع فإِن كان معمول الفعل مرفوعاً نحو ان تفعل يفعل زيد فلا يجوز تقديم زيد على أن يكون مرفوعاً بتفعل هذه وأجاز سيبويه أن يكون مرفوعاً بفعل يفسره يفعل كأنك قلت إن تفعل يفعل زيد يفعل ومنع ذلك الكسائي والفراء. {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} أي مداراة باللسان ويسر يكون لازماً ومتعدياً فميسور من المتعدي تقول يسر ذلك كذا إذا أعددته لك. {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} قيل نزلت في إعطائه صلى الله عليه وسلم قميصه ولم يكن له غيره وبقي عرياناً وقيل أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإِبل وعيينة مثل ذلك والعباس بن مرداس خمسين ثم أكملها مائة فنزلت وهذه استعارة استعير فيها المحسوس للمعقول وذلك أن البخل معنى قائم بالإِنسان يمنعه من التصرف في ماله فاستعير له الغل الذي هو ضم اليد إلى العنق فامتنع من تصرف يده وإجالتها حيث يريد وذكر اليد لأن الأخذ بها والإِعطاء واستعير بسط اليد لإِذهاب المال وذلك لأن قبض اليد يحبس ما فيها وبسطها يذهب ما فيها طابق في الاستعارة بين قبض اليد وبسطها من حيث المعنى لأن جعل اليد مغلولة هو قبضها وغلها أبلغ من القبض وقد طابق بينهما أبو تمام * قال في المعتصم تعوّد بسط الكف حتى لو أنه * ثناها لقبض لم تطعه أنامله والظاهر أنه مراد بالخطاب أمة الرسول صلى الله عليه وسلم. وإلا فهو صلى الله عليه وسلم كان لا يدخر شيئاً لغد وكذلك من كان واثقاً بالله تعالى حق الوثوق كأبي بكر حيث تصدق بجميع ماله وختم ذلك بقوله: خبيراً وهو العلم بخفيات الأمور وبصيراً أي بمصالح عباده حيث يبسط لقوم ويضيق على قوم. {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} تقدم تفسير نظيره صدر هذه الآية والفرق بين خشية إملاق ومن إملاق وبين قوله يرزقهم وإياكم ويرزقكم وإياهم تقدم كل ذلك. {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} الآية تقدم تفسير نظيرها في الانعام. {وَسَآءَ سَبِيلاً} أي وبئس طريقة لأنها سبيل يؤدي إلى النار قال ابن عطية: وسبيلاً نصب على التمييز التقدير وساء سبيله سبيلاً انتهى فإِذا كان سبيلاً نصباً على التمييز فإِنما هو تمييز للمضمر المستكن في ساء وهي الضمير الذي يفسره ما بعده والمخصوص بالذم محذوف وإذا كان كذلك فلا يكون تقديره وساء سبيله سبيلاً لأنه إذ ذاك لا يكون فاعله ضميراً يراد به الجنس مقيداً بالتمييز ويبقى التقدير أيضاً عارياً عن المخصوص بالذم وتقدم تفسير قوله: ولا تقتلوا النفس في أواخر الانعام ولما نهى عن قتل الأولاد نهي عن قتل النفس فانتقل من الخاص إلى العام والظاهر أن هذه كلها منهيات مستقلة ليست مندرجة تحت قوله تعالى: وقضى ربك كاندراج أن لا تعبدوا وانتصب مظلوماً على الحال من الضمير المستكن في قتل والمعنى أنه قتل بغير الحق. {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ} وهو الطالب لدمه شرعاً. {سُلْطَاناً} أي تسلطاً وقهراً والظاهر النهي عما كانت الجاهلية تفعله من قتل الجماعة بالواحد وقتل غير القاتل والمثلة والمكافأة الذي يقتل لمن قتله والضمير في أنه عائد على الولي لتناسق الضمائر ونصره إياه بأن وجب له القصاص فلا تسترد على ذلك أو نصره بمعونة السلطان وبإِظهار المؤمنين على استبقاء الحق. {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} تقدم تفسير نظيره في الانعام. {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} عام فيما عقده الإِنسان بينه وبين ربه أو بينه وبين آدمي في طاعة. {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} ظاهره أن العهد هو المسئول من المعاهد أن يفي له ولا يضيعه وقيل هو على حذف مضاف أي ان ذا العهد كان مسئولا ان لم يف به واسم كان مضمر يعود على العهد أو على ذي العهد مسئولا خبر كان وفيه ضمير المفعول أي مسئولا هو أي عدم الإِيفاء به * ثم أمره تعالى بإِيفاء الكيل والوزن المستقيم وذلك فيما يرجع إلى المعاملة بالأموال وفي قوله وأوفوا الكيل دلالة على أن الكيل هو على البائع لأنه لا يقال ذلك للمشتري والتقييد بقوله: إذا كلتم أي وقت كيلكم على سبيل التأكيد ولا يتأخر الإِيفاء بأن يكيل به بنقصان ما تم يوفيه بعد ذلك فلا يتأخر الإِيفاء عن وقت الكيل * قال ابن عطية: واللفظة للمبالغة من القسط انتهى لا يجوز أن يكون من القسط لاختلاف المادتين لأن القسط مادته قسط وذلك مادته قسطس إلا أن اعتقد زيادة السين أخيراً كسين قدموس وضغبوس وعرفاس فيمكن لكنه ليس من مواضع زيادة السين المقيسة. {ذٰلِكَ خَيْرٌ} أي الإِيفاء والوزن لأن فيه تطييب النفوس بالاتسام بالعدل والإِيصال للحق. {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي عاقبة إذ لا تبقى على الموفى والوازن تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة وهو من المآل وهو المرجع. {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} لما أمر تعالى بثلاثة أشياء بالإِيفاء بالعهد والإِيفاء بالكيل والوزن بالقسطاس أتبع ذلك بثلاثة أمناه ولا تقف ولا تمش ولا تجعل ومعنى ولا تقف لا تتبع ما لا علم لك به من قول أو فعل نهي أن يقول ما لا يعلم وأن يعمل بما لا يعلم ويدخل فيه النهي عن اتباع التقليد لأنه اتباع لما لا يعلم صحته وقال الكميت: شعر : فلا أرمي البريء بغير ذنب ولا أقفوا الحواض أن قفيا تفسير : في قوله: ان السمع والبصر والفؤاد دليل على أن العلوم مستفادة من الحواس ومن العقول وجاء هذا الترتيب القرآني في البداءة بالسمع ثم يليه البصر ثم يليه الفؤاد وأولئك إشارة إلى هذه الثلاثة وهم اسم إشارة إلى الجمع المذكر والمؤنث العاقل وغيره وتخيل ابن عطية أن أولئك مختص بالعاقل فقال: وعبر عن السمع والبصر والفؤاد بأولئك لأنها حواس لها إدراك وجعلها في هذه الآية مسؤولة فهي حالة من يعقل وليس ما تخيله صحيحاً بل جميع أسماء الإِشارة مثل أولئك يشترك فيه المذكر والمؤنث والعاقل وغير العاقل قال الزمخشري: وعنه في موضع الرفع بالفاعلية أي كل واحد منها كان مسئولاً عنه فمسئولا مسند إلى الجار والمجرور كالمغضوب في قوله: {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} تفسير : [الفاتحة: 7]، يقال للإِنسان لم سمعت ما لا يحل لك سماعه ولم نظرت ما لا يحل لك نظره ولم عزمت على ما لا يحل لك العزيمة عليه. "انتهى" وهذا الذي ذهب إليه من أن عنه في موضع الرفع بالفاعلية ومعنى به أنه مفعول لم يسم فاعله لا يجوز لأن الجار والمجرور وما يقام مقام الفاعل من مفعول به ومصدر وظرف بشروطها جار مجرى الفاعل وكما أن الفاعل لا يجوز تقديمه فكذلك ما جرى مجراه وأقيم مقامه فإِذا قلت غضب عليّ زيد فلا يجوز على زيد غضب بخلاف غضبت على زيد فيجوز على زيد غضبت وقد حكى الاتفاق من النحويين على أنه لا يجوز تقديم الجار والمجرور الذي لا يقام مقام الفاعل على الفعل أبو جعفر النحاس ذكر ذلك في المقنع من تأليفه فليس عنه مسئولاً كالمغضوب عليه لتقديم الجار والمجرور في عنه مسئولاً وتأخير في المغضوب عليهم قول الزمخشري: ولم نظرت ما لا يحل لك أسقط إلى وهو لا يجوز إلا ان جاء في ضرورة شعر لأن نظر يتعدى بإِلى وكان التركيب ولم نظرت إلى ما لا يحل لك كما قال النظر إليه فعدّاه بإِلى ومسئولاً فيه ضمير يعود على كل من حيث اللفظ وهذا الضمير هو المفعول الذي لم يسم فاعله وعنه في موضع نصب والضمير في عنه عائد على معنى أولئك أي عن كل واحد مما تقدم وانتصب مرحاً على الحال أي مارحاً كما تقول جاء زيد ركضاً أي راكضاً أو على حذف مضاف أي ذا مرح والمرح هو السرور والاغتباط بالراحة والفرح وكأنه ضمن معنى الاختيال لأن غلبة السرور والفرح يصحبها التكبر والاختيال ولذلك علل بقوله: {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} أي لن تجعل فيه خرقاً بدوسك لها وشدّة وطئك وانتصب طولاً على التمييز أي لن يبلغ طولك الجبال والظاهر أن ذلك إشارة إلى مصدر النهيين السابقين وهما قفو ما ليس لك به علم والمشي في الأرض مرحاً وسيئة خبر كان وأنت ثم قال مكروها فذكر وقرىء: سيئته فسيئة اسم كان ومكروها الخبر ذلك إشارة إلى جميع التكاليف من قوله: لا تجعل مع الله إلهاً آخر إلى قوله: ولا تمش في الأرض مرحاً، وهي أربعة وعشرون نوعاً من التكاليف بعضها أمر وبعضها نهي بدأها بقوله: لا تجعل، واختتم الآيات بقوله: ولا تجعل، وقال: مما أوحى لأن ذلك بعض مما أوحي إليه إذ أوحى بتكاليف أخر ومما أوحى خبر عن ذلك ومن الحكمة يجوز أن يكون متعلقاً بأوحى وأن يكون بدلاً مما وأن يكون حالاً من الضمير المنصوب المحذوف العائد على ما وكانت هذه التكاليف حكمة لأن حاصلها يرجع إلى الأمر بالتوحيد وأنواع الطاعات والإِعراض عن الدنيا والإِقبال على الآخرة والعقول تدل على صحتها وهي شرائع في جميع الشرائع لا تقبل النسخ وعن ابن عباس أن هذه الآيات كانت في ألواح موسى صلى الله عليه وسلم أولها لا تجعل مع الله إلهاً آخر قال تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 145] وكرر تعالى النهي عن الشرك ففي النهي الأول فتقعد مذموماً مخذولاً وفي الثاني فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً والفرق بين مذموم وملوم أن كونه مذموماً أن تذكر أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح منكر وكونه ملوماً أن يقال له بعد الفعل وذمه لم فعلت كذا وما حملك عليه وما استفدت منه إلا إلحاق الضرر بنفسك فأول الأمر الذم وآخره اللوم والفرق بين مخذولاً ومدحوراً أن المخذول هو المتروك إعانته ونصره والمفوض إلى نفسه والمدحور المطرود المبعد على سبيل الإِهانة له والاستخفاف به فأول الأمر الخذلان وآخره الطرد مهاناً وكان وصف الذم والخذلان يكون في الدنيا ووصف اللوم والدحور يكون في الآخرة ولذلك جاء فتلقى في جهنم والخطاب بالنهي في هذه الآيات كلها للسامع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم * وقال الزمخشري: ولقد جعل الله فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك لأن التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها ومن عدمه لم تنفعه حكمته وعلومه وان بدّ فيها الحكماء وحل بيافوخه السماء ما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم. {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ} لما نبه تعالى على فساد طريقة من أثبت لله شريكاً ونظيراً أتبعه بفساد طريقة من أثبت لله ولداً والاستفهام معناه الإِنكار والتوبيخ والخطاب لمن اعتقد أن الملائكة بنات الله ومعنى أفأصفاكم أآثركم وخصكم وهذا كما قال أله البنات ولكم البنون ألكم الذكر وله الأنثى وهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم وعادتكم ومعنى عظيماً مبالغاً في المنكر والقبح حيث أضفتم إليه الأولاد ثم حيث فضلتم عليه أنفسكم فجعلتم له ما تكرهون ثم نسبة الملائكة الذين هم من شريف ما خلق إلى الأنوثة ومعنى صرفنا نوعنا من جهة إلى جهة ومن مثال إلى مثال والتصريف لغة صرف الشىء بين جهة إلى جهة ثم صار كتابة عن التبيين وقرىء: ليذكر وأصله من التذكر أدغمت التاء في الذال وقرىء: ليذكروا من الذكر ما يزيدهم أي التصريف إلا نفوراً أي بعداً وفراراً عن الحق. {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ} ذكر قولهم أنه تعالى معه آلهة ورد عليهم ومعنى: {لاَّبْتَغَوْاْ} أي طلبوا متوصلين إلى ذي العرش إلى مغالبته وإفساد ملكه لأنهم شركاؤه على زعمهم كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض والكاف في كما في موضع نصب أي مثلما وقرىء: تقولون بتاء الخطاب ويقولون بياء الغيبة سبحانه أي تنزيهه وتعالى متعلق به على سبيل الأعمال إذ يصح لسبحان أن يتعلق به عن والتعالي في حقه تعالى هو بالمكانة لا بالمكان وعلو مصدر على غير الصدر إذ لو جاء على تعالى لكان المصدر تعالياً لأن تفاعل بمعنى الفعل المجرد وهو على ونسبة التسبيح للسماوات والأرض ومن فيهن من ملك وإنس وجن حمله بعضهم على النطق بالتسبيح حقيقة وان ما لا حياة فيه ولا نمو يحدث الله له نطقاً وهذا هو الظاهر من اللفظ ولذلك جاء ولكن لا تفقهون تسبيحهم * قال ابن عطية ثم أعاد على السماوات والأرض ضمير من يعقل لما أسند إليها فعل الفاعل وهو التسبيح "انتهى" ويعني بالضمير في قوله: ومن فيهن وكأنه تخيل أن هن لا يكون إلا لمن يعقل من المؤنثات وليس كما تخيل بل هن يكون ضمير الجمع المؤنث مطلقاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):