١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } في الرزق والجاه {وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ } أعظم {دَرَجَٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } من الدنيا فينبغي الاعتناء بها دونها.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } الآية تُدلُّ دلالةً ما على أن العطاء في التي قبلها الرْزُق، وباقي الآية معناه أوضَحُ من أن يبيَّن. وقوله سبحانه: {لاَّ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً} هذه الآية خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم والمراد لجميعِ الخلقِ، قاله الطبري وغيره، ولا مريةَ في ذمِّ مَنْ نحت عوداً أو حجراً، وأشركه في عبادة ربه. قال * ص *: {فَتَقْعُدَ}، أي: فتصير؛ بهذا فسره الفراء وغيرهُ ا هـــ. «والخذلان»؛ في هذا بإِسلام اللَّه لعبده، ألا يتكفَّل له بنصرٍ، والمخذولُ الذي أسلمه ناصروه، والخَاذِل من الظباء التي تتركُ ولدها.
ابن عادل
تفسير : "كيف" نصب: إمَّا على التشبيه بالظرف، وإمَّا على الحال، وهي معلقة لـ "انْظُرْ" بمعنى فكِّر، أو بمعنى أبصرْ. والمعنى: أنا أوصلنا إلى مؤمنٍ، وقبضنا عن مؤمنٍ آخر، وأوصلنا إلى كافرٍ، وقبضنا عن كافرٍ آخر، وقد بيَّن - تعالى - وجه الحكمة في هذا التفاوت، فقال جلَّ ذكره: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} تفسير : [الزخرف: 32]. وقال تعالى في آخر سورة الأنعام: {أية : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} تفسير : [الأنعام: 165] الآية. ثم قال تعالى: {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} أي: من درجات الدنيا، ومن تفضيل الدنيا، و المعنى: أن الآخرة أعظم وأشرف من الدنيا. أي: أن المؤمنين يدخلون الجنَّة، والكافرين يدخلون النَّار، فتظهر فضيلة المؤمنين على الكافرين، ونظيره قوله - تعالى -: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} تفسير : [الفرقان: 24].
ابو السعود
تفسير : {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} كيف في محل النصبِ بفضّلنا على الحالية والمرادُ توضيحُ ما مر من الإمداد وعدمِ محظوريةِ العطاء بالتنبـيه على استحضار مراتبِ أحد العطاءين والاستدلالِ بها على مراتب الآخر، أي انظر بنظر الاعتبار كيف فضلنا بعضَهم على بعض فيما أمددناهم به من العطايا العاجلة، فمِنْ وضيع ورفيع وضَالعٍ وضليع ومالكٍ ومملوكٍ ومُوسرٍ وصُعلوكٍ تعرِفْ بذلك مراتبَ العطايا الآجلةِ ودرجاتِ تفاضل أهلِها على طريقة الاستشهاد بحال الأدنى على حال الأعلى كما أفصح عنه قوله تعالى: {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ} أي هي وما فيها أكبرُ من الدنيا، وقرىء أكثرُ {دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} لأن التفاوتَ فيها بالجنة ودرجاتِها العالية التي لا يقادر قدرُها ولا يُكتنه كُنهُها، كيف لا وقد عُبّر عنه بما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطَر على قلب بشر. هذا ويجوز أن يراد بما به الإمدادُ العطايا العاجلةُ فقط ويُحمل القصرُ المذكورُ على دفع توهم اختصاصِها بالفريق الأول، فإن تخصيصَ إرادتهم لها ووصولَهم إليها بالذكر من غير تعرض لبـيان النسبةِ بـينها وبـين الفريق الثاني إرادةً ووصولاً مما يُوهم اختصاصَها بالأولين، فالمعنى كلُّ واحد من الفريقين نُمِد بالعطايا العاجلة لا مَنْ ذكرنا إرادتَه لها فقط من الفريق الأول من عطاء ربك الواسعِ وما كان عطاؤُه الدنيويُّ محظوراً من أحد ممن يريده وممن يريد غيره، انظر كيف فضلنا في ذلك العطاءِ بعضَ كلَ من الفريقين على بعض آخرَ منهما وللآخِرةُ.. الآية. واعتبارُ عدم المحظورية بالنسبة إلى الفريق الأولِ ـ تحقيقاً لشمول الإمدادِ له كما فعله الجمهور حيث قالوا: لا يمنعه مِن عاصٍ لعصيانه ـ يقتضي كونَ القصر لدفع توهم اختصاصِ الإمداد الدنيويِّ بالفريق الثاني مع أنه لم يسبِقْ في الكلام ما يوهم ثبوتَه له فضلاً عن إيهام اختصاصِه. {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ} الخطابُ للرسول عليه الصلاة والسلام والمرادُ به أمتُه وهو من باب التهيـيجِ والإلهاب، أو كلِّ أحد ممن يصلح للخطاب {فَتَقْعُدَ} بالنصب جواباً للنهي، والقعودُ بمعنى الصيرورة من قولهم: شحذ الشفرةَ حتى قعَدتْ كأنها خَرِبة، أو بمعنى العجز، مِن قعد عنه أي عجز عنه {مَذْمُومًا مَّخْذُولاً} خبران أو حالان أي جامعاً على نفسك الذمَّ من الملائكة والمؤمنين والخِذلانَ من الله تعالى، وفيه إشعارٌ بأن الموحِّدَ جامعٌ بـين المدح والنُّصرة.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [الآية: 21]. قال ابن عطاء: من تولاه بصرف من العناية توالت أعماله كلها بالله تعالى فله فضل الولاية على من دونه فإن الله تعالى قال: انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض والفضيلة تقع فيما بين الخلق والحق لا يكبر عنده الطاعات ولا تغضبه المخالفات. قال الواسطى: فضلنا بعضهم على بعض: بالمعرفة والإخلاص والتوكل. قوله عز وجل: {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} [الآية: 21]. قال الواسطى: بدرجات الشوق يصل العبد إلى درجات العلى وأعظم درجة فى الآخرة التخطى إلى بساط القرب ومشاهدة الحق أعلا وأجلّ. قال أبو سعيد القرشى: ابن آدم أنت تباهى بحسن مجلسك فى دار الدنيا من سلطان أو شريف أو عالم فكيف لا ترغب فى مباهاة مجالس الآخرة وهى أكبر وأفضل.
القشيري
تفسير : التفضيلُ على أقسام، فالعُبَّاد فَضَّلَ بعضَهم على بعض ولكن في زكاء أعمالهم، والعارفون فَضَّلَ بعضَهم على بعض ولكن في صفاء أحوالهم، وزكاء الأعمال بالإخلاص، وصفاء الأحوال بالاستخلاص؛ فقومٌ تفاضلوا بصدق القَدَمِ، وقوم تفاضلوا بعلوِّ الهِمَم. والتفضيل في الآخرة أكبر: فالعُبَّادُ تفاضلهم بالدرجات، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنكم لَتَرَوْنَ أهلَ عِلِّيين كما ترون الكوكبَ الدريَّ في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم ". تفسير : وأهلُ الحضرةِ تفاضُلُهم بلطائفهم من الأُنْس بنسيم القربة بما لا بيانَ يصفه ولا عبارة، ولا رمز يدركه ولا إشارة. منهم من يشهده ويراه مرةً في الأسبوع، ومنهم من لا يغيب من الحضرة لحظة، فهم يجتمعون في الرؤية ويتفاوتون في نصيبِ كلِّ أحد، وليس كلُّ مَنْ يراه بالعين التي بها يراه صاحبه،وأنشد بعضهم: شعر : لو يسمعون - كما سمعتُ حديثها خَرَّوا لِعَزَّةَ رُكَّعاً وسجودا
اسماعيل حقي
تفسير : {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} كيف فى محل النصب بفضلنا على الحالية لا بالنظر لان الاستفهام يحجب ان يتقدم عليه عامله لاقتضائه صدر الكلام اى انظر يا محمد بنظر الاعتبار كيف فضلنا بعض الآدميين على بعض فيما امددناهم من العطايا الدنيوية فمن وضيع ورفيع ومالك ومملوك وموسر وصعلوك تعرف بذلك مراتب العطايا الاخروية ودرجات تفاضل اهلها على طريقة الاستشهاد بحال الادنى على حال الاعلى كما افصح عنه قوله تعالى {وللآخرة} اى هى وما فيها {اكبر} من الدنيا {درجات} نصب على التمييز وهى جمع درجة معنى المرتبة والطبقة {واكبر تفضيلا} وذلك لان التفاوت فى الآخرة بالجنة ودرجاتها العالية لان ما بين كل درجتين كما بين السماء والارض. وفى التأويلات النجمية {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} من اهل الدنيا فى النعمة والدولة وموافاة المرادات ليتحقق لك انها من امدادنا اياهم {وللآخرة} اى اهل الآخرة {اكبر درجات واكبر تفضيلا} من اهل الدنيا لان مراتب الدرجات الاخروية وفضائل اهلها باقية غير متناهية ونعمة الدنيا وفضائل اهلها فانية متناهية: قال الحافظ شعر : فى الجملة اعتماد مكن بر ثبات دهر كين كار خانه ايست كه تغيير ميكنند تفسير : فعلى العاقل تحصيل الدرجات الاخروية الباقية. وفى الحديث "حديث : اكثر اهل الجنة البله وعلييون لذوى الالباب"تفسير : اراد بذوى الالباب العلماء ألا يرى الى قوله عليه السلام "حديث : فضل العالم على العابد كفضلى على ادناكم" وفى رواية "كفضل القمر على سائر الكواكب"تفسير : وقد قال ابن عباس رضى الله عنهما فى تفسير قوله تعالى {أية : والذين اوتوا العلم درجات}تفسير : يرفع العالم فوق المؤمن بسبعمائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والارض فبهذه الشواهد يتضح ان تفاوت درجات اهل الجنة بحسب تفاوت معارفهم الالهية وعلومهم الحقيقة كما قال عليه السلام "حديث : ان فى الجنة مدينة من نور لم ينظر اليها ملك مقرب ولا نبى مرسل جميع ما فيها من القصور والغرف والازواج والخدم من النور اعدها الله للعاقلين فاذا ميز الله اهل الجنة من اهل النار ميزاهل العقل فجعلهم فى تلك المدينة فيجزى كل قوم على قدر عقولهم قيتفاوتون فى الدرجات كما بين المشارق والمغارب بالف ضعف"تفسير : وعنه عليه السلام "حديث : ان فى الجنة درجة لا ينالها الا اصحاب الهموم"تفسير : يعنى فى طلب الخير والمعيشة وقال عليه السلام "حديث : ان فى الجنة درجة لا ينالها الا ثلاثة اقسام عادل وذو رحم واصل وذو عيال صبور" فقال على رضى الله عنه ما صبر ذى العيال قال "لا يمن على اهله ما ينفق عليهم"تفسير : - روى - ان عدة من الناس اجتمعوا بباب عمر رضى الله عنه فخرج الاذن لبلال وصهيب فشق على ابى سفيان فقال لسهيل بن عمرو انما ابينا من قبلنا فانهم دعوا ودعينا يعنى الى الاسلام فاسرعوا وابطأنا وهذا باب عمر فكيف التفاوت فى الآخرة ولئن حسدتموهم على باب عمر فما اعد الله لهم فى الجنة اكثر. وقرئ واكثر تفضيلا. وفى قول بعضهم ايها المباهى بالرفع منك فى مجالس الدنيا أما ترغب فى المباهاة بالرفع فى مجالس الآخرة وهى اكبر وافضل وعنه عليه السلام "حديث : بين المجاهد والقاعد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة"تفسير : اى عدوه وعنه عليه السلام "حديث : تعلموا العلم فالله تعالى يبعث يوم القيامة الانبياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم سائر الخلق على درجاتهم"تفسير : كما فى بحر العلوم وفى المثنوى شعر : علم را دوبر كما نرا يك براست ناقص آمد ظن به برواز ابتراست مرغ يك بر زود افتد سرنكون بازبر برد دوكامى يا فزون افت وخيزان مييرد مرغ كمان بايكى بر بر اميد آشيان دون زظن وارست وعلمش رونمود شد دوبر آن مرغ يك بربر كشود بعد ازان يمشى سويا مستقيم نى على وجه مكبا او سقيم تفسير : اللهم اجعلنا من اهل اليقين والتمكين.
الجنابذي
تفسير : {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} لتتنبّه للتّفاضل فى الآخرة {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ} يعنى اكثر درجات او اعظم درجات بحسب انفسها من درجات الدّنيا {وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} بالاضافة الى تفضيل درجات الدّنيا.
اطفيش
تفسير : {انظُرْ} يا محمد. {كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ علىَ بَعْضٍ} فإِن المتبادر منه التفضيل فى الرزق، قيل فضلنا بعضهم على بعض فى الرزق والجاه وكيف اسم استفهام حال منصوب بفضلنا وجملة كيف فضلنا فى محل نصب مفعول انظر، وعقله عن العمل فى المفرد إِلى العمل فى الجملة اسم الاستفهام {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ} أعظم من الدنيا {دَرَجَات وَأَكْبَرُ} منها، وقرئ وأكثر بالمثلثة {تَفْضِيلاً} فإِن درجات الدنيا والتفضيل فيها بأَرزاق وجاه ونحو ذلك مما هو غير دائم وغير خال عن نقض وكدورة ودرجات الآخرة والتفضيل فيها بقصور وجملة نعم لا تزول ولا تكدر ولا تنقطع فيجب الاعتناء بها دون الدنيا فالآية فى تنضيلا نعيم الآخرة على نعيم الدنيا، ويحتمل أن يكون ذلك فيما بين درجات الآخرة ونعيمها بعضها أفضل من بعض، أى التفاوت فى درجات الآخرة فيما بينها أعظم من التفاوت فى درجات الدنيا فيما بينها. روى أن قوماً من الأَشراف منهم أبو سفيان وسهل وقوماً دونهم منهم بلال وصهيب اجتمعوا فى باب عمر رضى الله تعالى عنه يستأذنون فخرج الإِذن لبلال وصهيب فشق على أبى سفيان، فقال سهيل: إِنما أتينا من قبلنا أنهم دعوا ودعينا يعنى إِلى الإِسلام فأسرعوا وأبطأنا وهذا باب عمر فكيف التفاوت فى الآخرة، ولئن حسدتموهم على باب عمر فما أعد الله لهم فى الجنة أكثر، وقيل المعنى أن التفاوت فى الآخرة أكثر لأَن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها.
اطفيش
تفسير : {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} فى الدنيا، كيف حال كل من فاء وجملة فضلنا إلخ مفعول لأنظر علق إليها بصورة الاستفهام، والتفضيل هو بالمال والجاه والولد ونحو ذلك، من منافع الدنيا، كالجَمال وحسن الصورة {وَللآخِرَةُ} اللام للابتداء ولا دليل على تقدير قسم، وجعل اللام فى جوابه لام جواب قسم، أو لام ابتداء فى جوابه، وما لا دليل عليه لا يقدر فلا تهم. {أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ} درجاتها أكبر من درجات الدنيا، كما أن الآخرة أفضل من الدنيا، كذلك درجاتها أفضل من درجات الدنيا، أو درجات الآخرة تفاوتت أكثر مما تفاوتت درجات الدنيا، أو المراد التفاوت بالدرجات فى مقابلة الدركات أكبر من التفاوت بتوسيع النعم فى مقابلة التضييق، ونسبة التفاوت فى درجات منافع الآخرة، ودركات عقابها إلى التفاوت فى أمور الدنيا، كنسبة نفس الآخرة إِلى نفس الدنيا، وظاهر الآية التفضيل، كما لأن الكبر والصغر والكثرة والقلة من مقولة الكم، واختار بعض أن المارد هنا مثل ما فى الدنيا، لأن الغالب فيها أن هذا أكثر مالا مثلا من هذا، ولا مانع من إبقاء الآية على الكيف. {وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} لأن التفاوت فيها الجنة ودرجاتها، والنار ودركاتها، وأولى من هذا اعتبار التفاوت بين بعض أهل الجنة، والبعض الآخر، وبعض أهل النار والبعض الآخر؛ بعض أهل الجنة أكبر من بعض آخر، وبعض أهل النار أشد عذاباً من البعض الآخر، ذكر ابن عبد البر، عن الحسن أنه اجتمع أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، ونحوهما من الأكابر عند باب عمر، فأذن لصهيب وبلال وأهل بدر، وكان يحبهم، وأوصى لهم، فقال أبو سفيان: يؤذن لعبيد دوننا! فقال سهيل بن عمرو: لا تغضبوا فإنهم دعوا ودُعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتاً من بابكم هذا الذى تتنافسون عليه، وفى رواية: إنما أتينا من قبلنا أنهم دعوا ودعينا، فأسرعوا وأبطأنا، وهذا رب عمر فكيف التفاوت فى الآخرة، ولئن حسدتموهم على باب عمر لَمَا أعد الله لهم فى الجنة أكبر.
الالوسي
تفسير : {انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} (كيف) في محل النصب بفضلنا على الحال وليست مضافة للجملة كما توهم، والجملة بتمامها في محل نصب بانظر وهو معلق هنا. والمراد كما قال شيخ الإسلام «توضيح ما مر من الإمداد وعدم محظورية العطاء بالتنبيه على استحضار مراتب أحد العطاءين والاستدلال بها على مراتب الآخر أي انظر بنظر الاعتبار كيف فضلنا بعضهم على بعض فيما أمددناهم من العطايا العاجلة فمن وضيع ورفيع وظالع وضليع ومالك ومملوك وموسر وصعلوك تعرف بذلك مراتب العطايا الآجلة وتفاوت أهلها على طريقة الاستدلال بحال الأدنى على حال الأعلى كما أفصح عنه قوله تعالى: {وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} أي أكبر من درجات الدنيا وتفضيلها لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها العالية لا يقادر قدرها ولا يكتنه كنهها». وفي بعض الآثار أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها وقد أرضى الله تعالى الجميع فما يغبط أحد أحداً»تفسير : وعن الضحاك الأعلى يرى فضله على من هو أسفل منه والأسفل لا يرى أن فوقه أحداً، وصح أن الله تعالى أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وروى ابن عبد البر في «الاستيعاب» عن الحسن قال: حضر جماعة من الناس باب عمر رضي الله تعالى عنه وفيهم سهيل بن عمرو القرشي وكان أحد الأشراف في الجاهلية وأبو سفيان بن حرب وأولئك المشايخ من قريش فأذن لصهيب وبلال وأهل بدر وكان يحبهم وكان قد أوصى لهم فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا فقال سهيل: وكان أعقلهم أيها القوم أني والله قد / أرى الذي في وجوهكم فإن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتاً من بابكم هذا الذي تنافسون عليه. وفي «الكشاف» أنه قال «إنما أتينا من قبلنا أنهم دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطأنا وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ولئن حسدتوهم على باب عمر لما أعد الله تعالى لهم في الجنة أكبر. وقرىء (أَكْثَرَ تَفْضِيلاً) بالثاء المثلثة». هذا وجوز أن يراد بما به الإمداد العطايا العاجلة فقط، وحمل القصر المذكور على دفع توهم اختصاصها بالفريق الأول فإن تخصيص إرادتهم لها ووصولهم إليها بالذكر من غير تعرض لبيان النسبة بينها وبين الفريق الثاني إرادة ووصولاً مما يوهم اختصاصها بالأولين فالمعنى كل الفريقين نمد بالعطايا العاجلة لا من ذكرنا إرادته لها فقط من الفريق الأول من عطاء ربك الواسع وما كان عطاؤه الدنيوي محظوراً من أحد ممن يريد وممن يريد غيره انظر كيف فضلنا في ذلك العطاء بعض كل من الفريقين على بعض آخر منهما وللآخرة الخ. وإلى نحو هذا ذهب الحسن وقتادة فقد روي عنهما أنهما قالا: في معنى الآية: إن الله تعالى يرزق في الدنيا مريدي العاجلة الكافرين ومريدي الآخرة المؤمنين ويمد الجميع بالرزق. وذكر الرزق من بين ما به الإمداد قيل على سبيل التمثيل، وقيل تخصيص لدلالة السياق. وجوز أن يكون المراد به معناه اللغوي فيتناول الجاه ونحوه كما يقال السعادة أرزاق. واعتبر الجمهور عدم المحظورية بالنسبة إلى الفريق الأول تحقيقاً لشمول الإمداد له حيث قالوا: لا يمنعه من عاص لعصيانه. واعترض بأنه يقتضي كون القصر لدفع توهم اختصاص الإمداد الدنيوي بالفريق الثاني مع أنه لم يسبق في الكلام ما يوهم ثبوته له فضلاً عن إيهام اختصاصه وفيه تأمل. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى {مِنْ عَطَاء رَبّكَ} من الطاعات ويمد بها مريد الآخرة والمعاصي ويمد بها مريد العاجلة فيكون العطاء عبارة عما قسم الله تعالى للعبد من خير أو شر، وأنت تعلم أنه يبعد غاية البعد إرادة المعاصي من العطاء ولعل نسبة ذلك للحبر غير صحيحة فلا تغفل. واعلم أن التقسيم الذي تضمنته الآية غير حاصر وذلك غير مضر والتقسيم الحاصر أن كل فاعل إما أن يريد بفعله العاجلة فقط أو يريد الآخرة فقط أو يريدهما معاً أو لم يرد شيئاً والقسمان الأولان قد علم حكمهما من الآية، والقسم الثالث ينقسم إلى ثلاثة أقسام لأنه إما تكون إرادة الآخرة أرجح أو تكون مرجوحة أو تكون الإرادتان متعادلتين، وفي قبول العمل في القسم الأول بحث عند الإمام قال: يحتمل عدم القبول لما روى عن رب العزة جل شأنه: "حديث : أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه"تفسير : . ويمكن أن يقال: إذا كانت إرادة الآخرة راجحة على إرادة الدنيا تعارض المثل بالمثل فيبقى القدر الزائد خالصاً للآخرة يجب كونه مقبولاً، وإلى عدم القبول ذهب العز بن عبد السلام، ومال إلى القول بأصل الثواب حجة الإسلام الغزالي حيث قال: لو كان اطلاع الناس مرجحاً أو مقوياً لنشاطه ولو فقد لم تترك العبادة ولو انفرد قصد الرياء لما أقدم فالذي نظنه والعلم عند الله تعالى أنه لا يحبط أصل الثواب ولكنه يعاقب على مقدار قصد الرياء ويثاب على مقدار قصد الثواب. وهذا ظاهر في أن الرياء ولو محرماً لا يمنع أصل الثواب عنده إذا كان باعث العبادة أغلب. وذكر ابن حجر أن الذي يتجه ترجيحه أنه متى كان المصاحب بقصد العبادة رياء مباحاً لم يقتضِ إسقاط ثوابها من أصله بل يثاب على مقدار قصد العبادة وإن ضعف أو محرماً اقتضى سقوطه من أصله للاخبار، وقوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7] قد لا يعكر على ذلك لأن تقصيره بقصد المحرم / اقتضى سقوط قصد الأجر فلم تبق له ذرة من خير فلم تشمله الآية. واتفقوا على عدم قبول ما ترجح فيه باعث الدنيا أو كان الباعثان فيه متساويين، وخص الغزالي الأحاديث الدالة بظاهرها على عدم القبول مطلقاً بهذين القسمين، وتمام الكلام في هذا المقام في «الزواجر عن اقتراف الكبائر». وأما القسم الرابع عند القائلين بأن صدور الفعل من القادر يتوقف على حصول الداعي فهو ممتنع الحصول والذين قالوا إنه لا يتوقف قالوا ذلك الفعل لا أثر له في الباطن وهو محرم في الظاهر لأنه عبث والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} تفسير : [الإسراء: 1]. فيه أربع إشارات. إشارة التقديس بسبحان فهو تنزيه له تعالى عن اللواحق المادية والنقائص التشبيهية وعن جميع ما يرتسم في الأذهان. وإشارة الغيرة بعدم ذكر الاسم الظاهر من أسمائه الحسنى عزت أسماؤه وكذا بعدم ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم. وإشارة الغيب بذكر ضمير الغائب. وإشارة السر بذكر الليل فإنه محل السر والنجوى، وعن بعض الأكابر لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وذكر غير واحد أن في اختيار عنوان العبودية إشارة إلى أنها أعلى المقامات وقد أشير إلى ذلك فيما سلف، وأصلها الذل والخضوع وحيث أن الذل لشيء لا يكون إلا بعد معرفته دلت العبودية لله تعالى على معرفته سبحانه وكمالها على كمالها، ومن هنا فسر ابن عباس قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] بقوله: إلا ليعرفون وهي تسعة وتسعون سهماً بعدد الأسماء الإلٰهية التي من أحصاها دخل الجنة لكل اسم إلٰهي عبودية مختصة به يتعبد له من يتعبد من المخلوقين ولم يتحقق بهذا المقام على كماله مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عبداً محضاً زاهداً في جميع الأحوال التي تخرجه عن مرتبة العبودية وشهد الله تعالى له بأنه عبد مضاف إليه من حيث هويته هنا واسمه الجامع في قوله سبحانه: {أية : وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ} تفسير : [الجن: 19] ولما أمر صلى الله عليه وسلم بتعريف مقامه يوم القيامة قيد ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر» تفسير : بالراء أو الزاي على اختلاف الروايتين وهي لما علمت من معناها لا يمكن أن تكون نعتاً إلٰهياً أصلاً بل هي صفة خاصة لا اشتراك فيها فقد قال أبو يزيد البسطامي: ما وجدت شيئاً يتقرب به إليه تعالى إذ رأيت كل نعت يتقرب به للألوهية فيه مدخل فقلت: يا رب بماذا أتقرب إليك؟ قال: تقرب إليَّ بما ليس لي قلت: يا رب وما الذي ليس لك؟ قال: الذلة والافتقار. وذكر أن العبد مع الحق في حال عبوديته كالظل مع الشخص في مقابلة السراج كلما قرب إلى السراج عظم الظل ولا قرب من الله تعالى إلا بما هو لك وصف أخص لا له سبحانه وكلما بعد عن السراج صغر الظل فإنه ما يبعدك عن الحق إلا خروجك عن صفتك التي تستحقها وطمعك في صفته تعالى، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار وهما صفتان لله تعالى و {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49] وهما كذلك وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : أَعُوذُ بِكَ مِنكَ" تفسير : وأول بعضهم الليل بظلمة الغواشي البدنية والتعلقات الطبيعية وقال: إن الترقي والعروج لا يكون إلا بواسطة البدن وقد صرحوا بأنه صلى الله عليه وسلم أسريَ به وكذا عرج يقظة لم يفارق بدنه إلا أن العارف الجامي قال: إن ذلك إلى المحدد ثم ألقى البدن هناك وقد تقدم ذلك، وفي «أسرار القرآن» أن عليه الصلاة والسلام أسري به من رؤية أفعاله إلى رؤية صفاته ومن رؤية صفاته إلى رؤية ذاته فرأى الحق بالحق وكانت صورته روحه وروحه عقله وعقله قلبه وقلبه سره وكأنه أراد أنه صلى الله عليه وسلم حصل له هذا الإسراء وإلا فإرادة أن الإسراء الذي في الآية هو هذا مما لا ينبغي. ولا يخفى أن الإسراء غير المعراج، نعم قد يطلقون الإسراء على المعراج بل قيل إنهما إذا اجتمعا افترقا وإذا / افترقا اجتمعا، وقد ذكروا أن لجميع الوارثين معراجاً إلا أنه معراج أرواح لا أشباح وإسراء أسرار لا أسوار ورؤية جنان لا عيان وسلوك ذوق وتحقيق لا سلوك مسافة وطريق إلى سمٰوات معنى لا مغنى، وهذا المعراج متفاوت حسب تفاوت مراتب الرجال، وقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره في «معراجه» ما يحير الألباب ويقضي منه العجب العجاب ولم يستبعد ذلك منه بناء على أنه ختم الولاية المحمدية عندهم. ومن عجائب ما اتفق في زماننا أن رجلاً يدعى بعبد السلام نائب القاضي في بغداد وكان جسوراً على الحكم بالباطل شرع في ترجمة «معراج» الشيخ قدس سره بالتركية مع شرح بعض مغلقاته ولم يكن من خبايا هاتيك الزوايا فقبل أن يتم مرامه ابتلي والعياذ بالله تعالى بآكلة في فمه فأكلته إلى أذنيه فمات وعرج بروحه إلى حيث شاء الله تعالى نسأل الله سبحانه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. ونقل عن الشيخ قدس سره أن الإسراء وقع له صلى الله عليه وسلم ثلاثين مرة، وفي كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراني أن إسراءاته عليه الصلاة والسلام كان أربعاً وثلاثين واحد منها بجسمه والباقي بروحه، وقد صرحوا أن الأول من خصائصه صلى الله عليه وسلم. وفي «الخصائص الصغرى» وخص عليه الصلاة والسلام بالإسراء وما تضمنه من خرق السمٰوات السبع والعلو إلى قاب قوسين ووطئه مكاناً ما وطئه نبـي مرسل ولا ملك مقرب وأن قطع المسافة الطويلة في الزمن القصير مما يكون كرامة للولي، والمشهور تسمية ذلك بطي المسافة وهو من أعظم خوارق العادات؛ وأنكر ثبوته للأولياء الحنفية ومنهم ابن وهبان قال:شعر : ومن لولي قال طي مسافة يجوز جهول ثم بعض يكفر تفسير : وهذا منهم مع قولهم إذا ولد لمغربـي ولد من امرأته المشرقية مثلاً يلحق به وإن لم يلتقيا ظاهراً غريب، والكتب ملأى من حكايات الثقات هذه الكرامة لكثير من الصالحين، وكأن مجهل قائلها بني تجهيله على أن في ذلك قولاً بتداخل الجواهر وقد أحاله المتكلمون خلافاً للنظام وبرهنوا على استحالته بما لا مزيد عليه وادعى بعضهم الضرورة في ذلك، وأنت تعلم أن قطع المسافة الطويلة في الزمن القصير لا يتوقف على تداخل الجواهر لجواز أن يكون بالسرعة كما قالوا في الإسراء فليثبت للأولياء على هذا النحو على أن الكرامات كالمعجزات مجهولة الكيفية فنؤمن بما صح منها ونفوض كيفيته إلى من لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى، ومثل طي المسافة ما يحكمونه من نشر الزمان وأنا مؤمن ولله تعالى الحمد بما يصح نقله من الأمرين والمكفر جهول والمجهل ليس برسول والله تعالى الموفق للصواب إليه المرجع والمآب؛ وأول المسجد الحرام بمقام القلب المحترم عن أن يطوف به مشركو القوى البدنية ويرتكب فيه فواحشها وخطاياها، والمسجد الأقصى بمقام الروح الأبعد من العالم الجسماني {أية : لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا} تفسير : [الإسراء: 1] أي آيات صفاتنا من جهة أنها منسوبة إلينا ونحن المشاهدون بها وإلا فأصل مشاهدة الصفات في مقام القلب {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} تفسير : [الإسراء: 8] قال سهل: أي إن عدتم إلى المعصية عدنا إلى المغفرة وإن عدتم إلى الإعراض عنا عدنا إلى الإقبال عليكم وإن عدتم إلى الفرار منا عدنا إلى أخذ الطريق عليكم لترجعوا إلينا. وقال الوراق: إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى التيسير والقبول، وقيل: غير ذلك {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9] الآية أي إن هذا القرآن يعرف أهله بنوره أقوم الطرق إلى الله تعالى وهو طريق الطاعة والاقتداء بمن أنزل عليه عليه الصلاة والسلام فإنه لا طريق يوصل إلا ذلك ولله تعالى در من قال:شعر : وأنت باب الله أي امرىء أتاه من غيرك لا يدخل تفسير : وذكروا أن القرآن يرشد بظاهره إلى معاني باطنه وبمعاني باطنه إلى نور حقيقته وبنور حقيقته إلى أصل / الصفة وبالصفة إلى الذات فطوبى لمن استرشد بالقرآن فإنه يدل على الله تعالى وقد أحسن من قال:شعر : إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا كفى لمطايانا بنورك هادياً تفسير : ويبشر أهله الذين يتبعونه أن لهم أجر المشاهدة وكشفها بلا حجاب {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرّ دُعَاءهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11] فيه إشارة إلى أدب من آداب الدعاء وهو عدم الاستعجال فينبغي للسالك أن يصبر حتى يعرف ما يليق بحاله فيدعو به، وقال سهل: أسلم الدعوات الذكر وترك الاختيار لأن في الذكر الكفاية وربما يسأل الإنسان ما فيه هلاكه ولا يشعر، وفي الأثر يقول الله تعالى شأنه حديث : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطى السائلين تفسير : {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ} أي ليل الكون وظلمة البدن {وَٱلنَّهَارَ} أي نهار الإبداع والروح {ءايَتَيْنِ} يتوصل بهما إلى معرفة الذات والصفات {فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ} بالفساد والفناء {وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً} منيرة باقية بكمالها تبصر بنورها الحقائق {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} وهو كمالكم الذي تستعدونه {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} أي لتحصوا عدد المراتب والمقامات من بدايتكم إلى نهايتكم بالترقي فيها وحساب أعمالكم وأخلاقكم وأحوالكم فتبدلوا السيء من ذلك بالحسن {وَكُلَّ شىْء} من العلوم والحكم {فَصَّلْنَاهُ} بنور عقولكم الفرقانية الحاصلة لكم عند الكمال {أية : تفصيلاً} تفسير : [الإسراء: 12] لا إجمال فيه كما في مرتبة العقل القرآني الحاصل عند البداية {أية : وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ} تفسير : [الإسراء: 13] الآية تقدم ما يصلح أن يكون من باب الإشارة فيها {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] للصوفية في هذا الرسول كغيرهم قولان، فمنهم من قال إنه رسول العقل، ومنهم من قال رسول الشرع {أية : وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} تفسير : [الإسراء: 16] الآية فيها إشارة إلى أنه سبحانه إذا أراد أن يخرب قلب المريد سلط عليه عساكر هوى نفسه وجنود شياطينه فيخرب بسنابك خيول الشهوات وآفات الطبعيات نعوذ بالله تعالى من ذلك {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ} لكدورة استعداده وغلبة هواه وطبيعته {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَـٰهَا مَذْمُومًا} عن ذوي العقول {أية : مَّدْحُورًا} تفسير : [الإسراء: 18] في سخط الله تعالى وقهره {وَمَنْ أَرَادَ ٱلأَخِرَةَ} لصفاء استعداده وسلامة فطرته {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} اللائق بها وهو السعي على سبيل الاستقامة وما ترضيه الشريعة، وقال بعضهم: السعي إلى الدنيا بالأبدان والسعي إلى الآخرة بالقلوب والسعي إلى الله تعالى بالهمم {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} ثابت الإيمان لا تزعزعه عواصف الشبه {أية : فَأُولَٰـئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} تفسير : [الإسراء: 19] مقبولاً مثاباً عليه، وعن أبـي حفص أن السعي المشكور ما لم يكن مشوباً برياء ولا بسمعة ولا برؤية نفس ولا بطلب عوض بل يكون خالصاً لوجهه تعالى لا يشاركه في ذلك شيء فلا تغفل {كُلاًّ نُّمِدُّ هَٰـؤُلاء وَهَٰـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبّكَ} لا تأثير لإرادتهم وسعيهم في ذلك وإنما هي معرفات وعلامات لما قدرنا لهم من العطاء، ورأيت في «الفتوحات المكية» أن هذه الآية نحو قوله تعالى: {أية : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} تفسير : [الشمس: 8] وهو نحو ما تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقد سمعت ما فيه {أية : وَمَا كَانَ عَطَاء رَبّكَ مَحْظُورًا} تفسير : [الإسراء: 20] عن أحد مطيعاً كان أو عاصياً لأن شأنه تعالى شأنه الإفاضة حسبما تقتضيه الحكمة {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } في الدنيا بمقتضى المشيئة والحكمة {أية : وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } تفسير : [الإسراء: 21] فهناك ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر رزقنا الله تعالى وإياكم ذلك أنه سبحانه الجواد المالك.
ابن عاشور
تفسير : لما كان العطاء المبذول للفريقين هو عطاء الدنيا وكان الناس مفضلين فيه على وجه يدركون حكمته لفت الله لذلك نظر نبيه ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ لَفْتَ اعتبار وتدبر، ثم ذَكَّرَهُ بأن عطاء الآخرة أعظم عطاء، وقد فضل الله به المؤمنين. والأمر بالنظر موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ترفيعاً في درجات علمه ويحصل به توجيه العبرة إلى غيره. والنظر حقيقته توجه آلة الحس البَصري إلى المبصر. وقد شاع في كلام العرب استعماله في النظر المصحوب بالتدبر وتكرير مشاهدة أشياء في غرض ما، فيقوم مقام الظن ويستعمل استعماله بهذا الاعتبار، ولذلك شاع إطلاق النظر في علم الكلام على الفكر المؤدي إلى علم أو ظن، وهو هنا كذلك. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {أية : انظر كيف يفترون على الله الكذب}تفسير : في [النساء: 50]. و (كيف) اسم استفهام مستعمل في التنبيه، وهو معلّق فعلَ (انظر) عن العمل في المفعولين. والمراد التفضيل في عطاء الدنيا، لأنه الذي يدركه التأمل والنظر وبقرينة مقابلته بقوله: {وللآخرة أكبر درجات}. والمقصود من هذا التنظير التنبيه إلى أن عطاء الدنيا غير منوط بصلاح الأعمال؛ ألا ترى إلى ما فيه من تفاضل بين أهل العمل المتحد، وقد يفضل المسلم فيه الكافر، ويفضل الكافر المسلم، ويفضل بعض المسلمين بعضاً، وبعض الكفرة بعضاً، وكفاك بذلك هادياً إلى أن مناط عطاء الدنيا أسباب ليست من وادي العمل الصالح ولا مما يساق إلى النفوس الخيرة. ونصب {درجات} و {تفضيلاً} على التمييز لنسبة {أكبر} في الموضعين، والمفضل عليه هو عطاء الدنيا. والدرجات مستعارة لعظمة الشرف، والتفضيل: إعطاء الفضل، وهو الجدة والنعمة، وفي الحديث: «حديث : ويتصدقون بفضول أموالهم»تفسير : . والمعنى: النعمة في الآخرة أعظم من نعم الدنيا.
د. أسعد حومد
تفسير : {لَلآخِرَةُ} {دَرَجَاتٍ} (21) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ فَضَّلَ النَّاسَ، بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فِي الدُّنْيا: فِي المَالِ وَالجَمَالِ وَالحَيَاةِ وَالعَمَلِ وَالأَعْمَارِ، لِحِكْمَةٍ وَأَسْبَابٍ اقْتَضَتْهَا حِكْمَتُهُ، وَإِنَّ تَفَاوُتَهُمْ فِي الآخِرَةِ سَيَكُونُ أَكْبَرَ مِنْ تَفَاوُتِهِمْ فِي الدُّنْيا، وَسَيَكُونُ تَفَاضُلُهُمْ فِي الآخِرَةِ أَكْبَرَ مِنْ تَفَاضُلِهِمْ فِي الدُّنْيا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق تبارك وتعالى أعطانا قضايا إيمانية نظرية، ويريد مِنّا أنْ ننظر في الطبيعة والكون، وسوف نجد فيه صِدْق ما قال. يقول تعالى: {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} [الإسراء: 21]. والمتأمل يجد أن الله تعالى جعل التفضيل هنا عامّاً، فلم يُبيّن مَن المفضَّل ومَنِ المفضّل عليه، فلم يقُلْ: فضلت الأغنياء على الفقراء، أو: فضلت الأصحاء على المرضى. إذن: فما دام في القضية عموم في التفضيل، فكلُّ بعض مُفضَّل في جهة، ومُفضّل عليه في جهة أخرى، لكن الناس ينظرون إلى جهة واحدة في التفضيل، فيفضلون هذا لأنه غني، وهذا لأنه صاحب منصب .. الخ. وهذه نظرة خاطئة فيجب أن ننظر للإنسان من كُلِّ زوايا الحياة وجوانبها؛ لأن الحق سبحانه لا يريدنا نماذج مكررة، ونُسَخاً مُعَادة، بل يُريدنا أُنَاساً متكاملين في حركة الحياة، ولو أن الواحد مِنّا أصبح مَجْمعاً للمواهب ما احتاج فينا أحدٌ لأحد، ولتقطعت بيننا العَلاقات. فمن رحمة الله أن جعلك مُفضَّلاً في خَصْلة، وجعل غيرك مُفضَّلاً في خصال كثيرة، فأنت محتاج لغيرك فيما فُضِّل فيه، وهم محتاجون إليك فيما فُضِّلْتَ فيه، ومن هنا يحدث التكامل في المجتمع، وتسلَمْ للناس حركة الحياة. ونستطيع أن نخرج من هذه النظرة بقضية فلسفية تقول: إن مجموع مواهب كل إنسان تساوي مجموع مواهب كل إنسان، فإنْ زِدْتَ عني في المال فربما أزيد عنك في الصحة، وهكذا تكون المحصّلة النهائية متساوية عند جميع الناس في مواهب الدنيا، ويكون التفاضل الحقيقي بينهم بالتقوى والعمل الصالح، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}تفسير : [الحجرات: 13]. لذلك يجب على المسلم أن يلتزمَ أدب الإسلام في حِفْظ مكانة الآخرين، فمهما كنت مُفضَّلاً فلا تحتقر غيرك، واعلم أن لهم أيضاً ما يفضلون به، وسوف يأتي اليوم الذي تحتاج إليهم فيه. وقد ضربنا لذلك مثلاً بالعظيم الوجيه الذي قد تضطره الظروف وتُحوِجه لسباك أو عامل بسيط ليؤدي له عملاً لا يستطيع هو القيام به، فالعامل البسيط في هذا الموقف مُفضّل على هذا العظيم الوجيه. ولك أنْ تتصورَ الحال مثلاً إذا أضرب الكناسون عدة أيام عن العمل. إذن: مهما كان الإنسان بسيطاً، ومهما كان مغموراً فإن له مهمة يفضّل بها عن غيره من الناس. خُذ الخياط مثلاً، وهو صاحب حرفة متواضعة بين الناس، ولا يكاد يُجيد عملاً إلا أن يخيطَ للناس ثيابهم، فإذا ما كانت ليلة العيد وجدته من أهم الشخصيات، الجميع يقبلون عليه، ويتمنون أن يتكرم عليهم ويقضي حاجتهم من خياطة ثيابهم وثياب أولادهم. وبهذا نستطيع أن نفهم قَوْل الحق تبارك وتعالى: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}تفسير : [الزخرف: 32]. فكل منا مُسخَّر لخدمة الآخرين فيما فُضِّل فيه، وفيما نبغ فيه. وصدق الشاعر حين قال: شعر : النَّاسُ لِلناسِ مِـنْ بَدْوٍ ومِنْ حَضَــرٍ بَعْضٌ لبعْضٍ وإن لم يشعروا خَدَمُ تفسير : إذن: في التفاضل يجب أن ننظر إلى زوايا الإنسان المختلفة؛ لأن الجميع أمام الله سواء، ليس مِنّا مَن هو ابن الله، وليس مِنّا مَنْ بينه وبين الله نسَبٌ أو قرابة، ولا تجمعنا به سبحانه إلا صلة العبودية له عز وجل، فالجميع أمام عطائه سواء، لا يوجد أحد أَوْلَى من أحد. فالعاقل حين ينظر في الحياة لا ينظر إلى تميُّزه عن غيره كموهبة، بل يأخذ في اعتباره مواهب الآخرين، وأنه محتاج إليها، وبذلك يندكّ غروره، ويعرف مدى حاجته لغيره. وكما أنه نابغ في مجال من المجالات، فغيره نابغ في مجال آخر؛ لأن النبوغ يأتي إذا صادف العمل الموهبة، فهؤلاء البسطاء الذين تنظر إليهم نظرة احتقارٍ، وترى أنهم دونك يمكن أن يكونوا نابغين لو صادف عملهم الموهبة. وقوله تعالى: {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ..} [الإسراء: 21]. فإنْ كان التفاضل بين الناس في الدنيا قائماً على الأسباب المخلوقة لله تعالى، فإن الأمر يختلف في الآخرة؛ لأنها لا تقوم بالأسباب، بل بالمسبب سبحانه، فالمفاضلة في الآخرة على حسبها. ولو تأملتَ حالك في الدنيا، وقارنتَه بالآخرة لوجدتَ الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً، فعمرك في الدنيا موقوت، وسينتهي إلى الموت؛ لأن عمرك في الدنيا مدة بقائك فيها، فإنْ بقيْت من بعدك فهي لغيرك، وكذلك ما فُضِّلْتَ به من نعيم الدنيا عُرْضَة للزوال، حيث تناله الأغيار التي تطرأ على الإنسان. فالغنيّ قد يصير فقيراً، والصحيح سقيماً، كما أن نعيم الدنيا على قَدْر إمكانياتك وتفاعلك مع الأسباب، فالدنيا وما فيها من نعيم غير مُتيقّنة وغير موثوق بها. وهَبْ أنك تنعَّمْتَ في الدنيا بأعلى درجات النعيم، فإن نعيمك هذا يُنغِّصه أمران: إما أن تفوت هذا النعيم بالموت، وإما أنْ يفوتَك هو بما تتعرّض له من أغيار الحياة. أما الآخرة فعمرك فيها مُمتدّ لا ينتهي، والنعمة فيها دائمة لا تزول، وهي نعمة لا حدودَ لها؛ لأنها على قَدْر إمكانيات المنعِم عز وجل، في دار خلود لا يعتريها الفناء، وهي مُتيقنة موثوق بها. فأيهما أفضل إذن؟ لذلك الحق سبحانه يدعونا إلى التفكُّر والتعقُّل: {ٱنظُرْ} أيَّ الصفقتين الرابحة، فتاجر فيها ولا ترضى بها بديلاً. إذن: فالآخرة أعظم وأكبر، ولا وجهَ للمقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. وأذكر أننا سافرنا مرة إلى (سان فرانسيسكو) فأدخلونا أحد الفنادق، لا للإقامة فيه، ولكن لمشاهدة ما فيه من روعة وجمال ومظاهر الرقي والرفاهية. وفعلاً كان هذا الفندق آية من آيات الإبداع والجمال، فرأيتُ رفاقي وكانوا من علية القوم مبهورين به، مأخوذين بروعته، فقلت لهم عبارة واحدة: هذا ما أعد البشر للبشر، فكيف بما أعدّه ربُّ البشر للبشر؟ فنعيم الدنيا ومظاهر الجمال فيها يجب أنْ تثير فينا الشوق لنعيم دائم في الجنة؛ لا أنْ يثير فينا الحقد والحسد، يجب أن نأخذ من مظاهر الترف والنعيم عند الآخرين وسيلة للإيمان بالله، وأن نُصعِّد هذا الإيمان بالفكر المستقيم، فإنْ كان ما نراه من ترف وتقدم ورُقيّ وعمارة في الدنيا من صُنْع مهندس أو عامل، فكيف الحال إنْ كان الصانع هو الخالق سبحانه وتعالى؟ ويجب ألاًّ نغفلَ الفرْق بين نعيم الدنيا الذي أعدّه البشر ونعيم الآخرة الذي أعدّه الله تعالى، فقصارى ما توصل إليه الناس في رفاهية الخدمة أن تضغط على زر فيأتي لك منه الشاي مثلاً، وتضغط على زر آخر فيأتي لك منه القهوة. وهذه آلة تستجيب لك إنْ تفاعلتَ معها، لكن مهما ارتقى هؤلاء، ومهما تقدَّمت صناعتهم فلن يصلوا إلى أنْ يقدموا لك الشيء بمجرد أن يخطر على بالك؛ لأن هذا من نعيم الجنة الذي أعده الخالق سبحانه لعباده الصالحين. إذن: فما دام كذلك، وسلَّمنا بأن الآخرة أفضل وأعظم، فما عليك إلاَّ أنْ تبادر وتأخذ الطريق القويم، وتسلك طريق ربك من أقصر اتجاه، وهو الاستقامة على منهج الله الواحد والالتزام به. فيقول الحق سبحانه: {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):