١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في بيان وجه النظم. فنقول: إنه تعالى لما بين أن الناس فريقان منهم من يريد بعمله الدنيا فقط وهم أهل العقاب والعذاب، ومنهم من يريد به طاعة الله وهم أهل الثواب. ثم شرط ذلك بشرائط ثلاثة: أولها: إرادة الآخرة. وثانيها: أن يعمل عملاً ويسعى سعياً موافقاً لطلب الآخرة. وثالثها؛ أن يكون مؤمناً لا جرم فصل في هذه الآية تلك المجملات فبدأ أولاً بشرح حقيقة الإيمان، وأشرف أجزاء الإيمان هو التوحيد ونفي الشركاء والأضداد فقال: {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ } ثم ذكر عقيبه سائر الأعمال التي يكون المقدم عليها، والمشتغل بها ساعياً سعياً يليق بطلب الآخرة، وصار من الذين سعد طائرهم وحسن بختهم وكملت أحوالهم. المسألة الثانية: قال المفسرون: هذا في الظاهر خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن في المعنى عام لجميع المكلفين كقوله: { أية : يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } تفسير : [الطلاق: 1] ويحتمل أيضاً أن يكون الخطاب للإنسان كأنه قيل: أيها الإنسان لا تجعل مع الله إلهاً آخر، وهذا الاحتمال عندي أولى، لأنه تعالى عطف عليه قوله: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ } تفسير : إلى قوله: {أية : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا } تفسير : [الإسراء: 23] وهذا لا يليق بالنبي عليه السلام، لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده فعلمنا أن المخاطب بهذا هو نوع الإنسان. المسألة الثالثة: معنى الآية أن من أشرك بالله كان مذموماً مخذولاً، والذي يدل على أن الأمر كذلك وجوه: الأول: أن المشرك كاذب والكاذب يستوجب الذم والخذلان. الثاني: أنه لما ثبت بالدليل أنه لا إله ولا مدبر ولا مقدر إلا الواحد الأحد، فعلى هذا التقدير تكون جميع النعم حاصلة من الله تعالى، فمن أشرك بالله فقد أضاف بعض تلك النعم إلى غير الله تعالى، مع أن الحق أن كلها من الله، فحينئذ يستحق الذم، لأن الخالق تعالى استحق الشكر بإعطاء تلك النعم فلما جحد كونها من الله، فقد قابل إحسان الله تعالى بالإساءة والجحود والكفران فاستوجب الذم وإنما قلنا إنه يستحق الخذلان، لأنه لما أثبت شريكاً لله تعالى استحق أن يفوض أمره إلى ذلك الشريك، فلما كان ذلك الشريك معدوماً بقي بلا ناصر ولا حافظ ولا معين. وذلك عين الخذلان. الثالث: أن الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمن أثبت الشريك فقد وقع في جانب النقصان واستوجب الذم والخذلان، واعلم أنه لما دل لفظ الآية على أن المشرك مذموم مخذول وجب بحكم الآية أن يكون الموحد ممدوحاً منصوراً، والله أعلم. المسألة الرابعة: القعود المذكور في قوله: {فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً } فيه وجوه: الأول: أن معناه: المكث أي فتمكث في الناس مذموماً مخذولاً، وهذه اللفظة مستعملة في لسان العرب والفرس في هذا المعنى، فإذا سأل الرجل غيره ما يصنع فلان في تلك البلدة فيقول المجيب: هو قاعد بأسوأ حال معناه: المكث سواء كان قائماً أو جالساً. الثاني: إن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكراً على ما فرط منه. الثالث: أن المتمكن من تحصيل الخيرات يسعى في تحصيلها، والسعي إنما يتأتى بالقيام، وأما العاجز عن تحصيلها فإنه لا يسعى بل يبقى جالساً قاعداً عن الطلب فلما كان القيام على الرجل أحد الأمور التي بها يتم الفوز بالخيرات، وكان القعود والجلوس علامة على عدم تلك المكنة والقدرة لا جرم جعل القيام كناية عن القدرة على تحصيل الخيرات. والقعود كناية عن العجز والضعف. المسألة الخامسة: قال الواحدي: قوله: (فتقعد) انتصب لأنه وقع بعد الفاء جواباً للنهي وانتصابه بإضمار «أن» كقولك لا تنقطع عنا فنجفوك، والتقدير: لا يكن منك انقطاع فيحصل أن نجفوك فما بعد الفاء متعلق بالجملة المتقدمة بحرف الفاء التي هي حرف العطف. وإنما سماه النحويون جواباً لكونه مشابهاً للجزاء في أن الثاني مسبب عن الأول، ألا ترى أن المعنى إن انقطعت جفوتك كذلك تقدير الآية إن جعلت مع الله إلهاً آخر قعدت مذموماً مخذولاً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى، والمراد المكلفون من الأمة: لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكاً {فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا} أي: على إشراكك به {مَّخْذُولاً} لأن الرب تعالى لا ينصرك، بل يكلك إلى الذي عبدت معه، وهو لا يملك لك ضراً ولا نفعاً؛ لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد لله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أصابته فاقة فأنزلها بالناس، لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله، أرسل الله له بالغنى، إما آجلاً، وإما غنى عاجلاً» تفسير : رواه أبو داود والترمذي من حديث بشير بن سلمان به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَّ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً } لا ناصر لك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وقضى ربُّك ألاّ تبعدوا إلاّ إياه} معناه وأمر ربك، قاله ابن عباس والحسن وقتادة. وكان ابن مسعود وأبيّ بن كعب يقرآن {ووصى ربك} قاله الضحاك، وكانت في المصحف: {ووصى ربك} لكن ألصق الكاتب الواو فصارت {وقضى ربك}. {وبالوالدين أحساناً} معناه ووصى بالوالدين إحساناً، يعني أن يحسن إليهما بالبر بهما في الفعل والقول. {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} فيه وجهان: أحدهما: يبلغن كبرك وكما عقلك. الثاني: يبلغان كبرهما بالضعف والهرم. {فلا تقل لهما أفٍّ} يعني حين ترى منهما الأذى وتميط عنهما الخلا، وتزيل عنهما القذى فلا تضجر، كما كانا يميطانه عنك وأنت صغير من غير ضجر. وفي تأويل {أف} ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كل ما غلظ من الكلام وقبح، قاله مقاتل. الثاني: أنه استقذار الشيء وتغير الرائحة، قاله الكلبي. الثالث: أنها كلمة تدل على التبرم والضجر، خرجت مخرج الأصوات المحكية. والعرب أف وتف، فالأف وسخ الأظفار، والتُّف ما رفعته من الأرض بيدك من شيء حقير. {وقل لهما قولاً كريماً} فيه وجهان: أحدهما: ليناً. والآخر: حسناً. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية والآية التي بعدها في سعد بن أبي وقاص.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {يبلغان} مثنى: حمزة وعلي وخلف {أف} بالجر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص {أف} بالفتح: ابن كثير وابن ذكوان وابن عامر وسهل ويعقوب غير مجاهد والمفضل. والباقون بالكسر. {تبصطها كل البصط} مثل: {بصطة} {خطأ} بفتحتين من غير مد: يزيد وابن ذكوان غير ابن مجاهد {خطأ} بالفتح ثم السكون: ابن مجاهد عن ابن ذكوان {خطاء} بالكسر والمد: ابن كثير. الباقون بالكسر ثم السكون {فلا تسرف} على الخطاب: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. {بالقسطاس} مكسور القاف حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل. وقرأ أبو نشيط والشموني غير النقاد بالصاد {سيئه} على إضافة سيء إلى ضمير {كل}: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر وسهل. الآخرون {سيئة} علم التأنيث. الوقوف: {مخذولاً} ه {إحساناً}، ط {كريماً} ه {صغيراً}، ط {في نفوسكم} ط {غفوراً} ه {تبذيراً} ه {الشياطين} ط {كفوراً}، {ميسوراً} ه {محسوراً} ه {ويقدر}، ط {بصيراً} ه {إملاق} ط {وإياكم} ط {كبيراً} ه {فاحشة} ط {سبيلاً} ه {إلا بالحق} ط لأن الشرط في أمر قد يقع نادراً خارجاً عن النهي. {في القتل} ط {منصوراً} ه {أشده} ز {بالعهد} ج على تقدير فإن. {مسئولاً} ه {المستقيم} ط {تأويلا} ه {به علم} ط {مسئولاً} ه {مرحاً} ج لاحتمال إضمار الفاء أو اللام {طولا} ه {مكروهاً} ه {الحكمة} ط {مدحوراً} ه {إناثاً} ط {عظيماً}. التفسير: لما أجمل أعمال البر في قوله: {وسعى لها سعيها وهو مؤمن} أخذ في تفصيل ذلك مبتدئاً بأشرفها الذي هو التوحيد فقال: {لا تجعل مع الله إلهاً آخر} والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر ولكنه في الحقيقة عام للمكلفين، ويحسن أن يقال: إن الخطاب للإنسان كأنه قيل: يا أيها الإنسان لا تجعل أو القول مضمر أي قل لكل مكلف لا تجعل ومما يؤيد ذلك قوله: {وقضى ربك} فإن ذلك الخطاب لا يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده. وانتصب قوله: {فتقعد} على أنه جواب للنهي والفاء في التحقيق عاطفة والتقدير: لا يكن منك جعل فقعود. وفيه وجوه منها. أن المراد به المكث يقال: ما يصنع فلان فيقال هو قاعد بأسوأ حال أي ماكث سواء كان قائماً أو جالساً. ومنها أن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكراً على ما فرط منه، فالقعود على هذا حقيقة. ومنها أنه كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام والعجز عنه يلزمه أن يبقى قاعداً عن الطلب. ومنه أنه بمعنى الصيرورة من قولهم: "شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة" بمعنى صارت. ولا ريب أن المشرك جامع على نفسه الذم والخذلان لأنه بشركه يضيف بعض النعم الحاصلة في حقه من الله إلى غيره فيستوجب الذم بالكفران ويستحق الخذلان من حيث إنه لما فوض أمره إلى الشريك المعدوم أو العاجز الناقص بقى بلا ناصر ومعين. وأيضاً الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمثبت الشريك واقع في جانب النقصان فيورثه الذم والخذلان. ولما ذكر ما هو الركن الأعظم في الإيمان أتبعه سائر الشعائر والشرائع فقال: {وقضى ربك} أي أمر أمراً جزماً وحكم حكماً قطعاً {ألا تعبدوا} أي بأن لا تعبدوا فـ"أن" ناصبة ويجوز أن تكون مفسرة، والفعل النهي معناه أي لا يعبدوا. وقد روى الضحاك وسعيد بن جبير وميمون بن مهران عن ابن عباس أنه كان الأصل في هذه الآية "ووصى ربك" وبه قرأ علي وعبد الله فالتصقت الواو بالصاد فقرىء: {وقضى ربك} ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط لأن خلاف قضاء الله ممتنع. وضعف هذا القول بأنه يوجب تجويز وقوع التحريف والتصحيف في القرآن. أمر بعبادة نفسه ثم أردفه بالأمر ببر الوالدين وتقدير الكلام بأن تحسنوا بالوالدين أو وأحسنوا بالوالدين إحساناً، ولا يجوز أن يتعلق الباء في {بالوالدين} بالإحسان على ما ذهب إليه الواحدي، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته وقد مر في أوائل البقرة تفسير قوله: {وبالوالدين إحساناً} وأنه لم يجعل الإحسان إليهما تالياً لعبادة الله. يحكى أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للفقر والعمى والزمانة. وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟ قال: اكتبوا عليه: شعر : هذا ما جناه أبي علي وما جنيت على أحد تفسير : وقال في ترك التزوج والولد: شعر : وتركت فيهم نعمة العدم التي سبقت وصدّت عن نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة ترمى بهم في موبقات الآجل تفسير : وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منَّة عليك أم والدك؟ فقال: الأستاذ أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعلمي حتى أرتعني في نور العلم، فأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد. ومن هنا قيل: "خير الآباء من علمك". وقال العقلاء: وهب أن الوالد في أول الأمر طلب لذة الوقاع إلا أن اهتمامه بإيصال الخيرات إلى الولد ودفع الآفات عنه من أول دخول الولد في الوجود إلى أوان كبره بل إلى آخر عمره لا ينكر ولا يكفر، ولهذا نكر {إحساناً} أي أحسنوا إليهما إحساناً عظيماً كاملاً جزاء على وفور إحسانهما إليك، على أن البادىء بالبر لا يكافأ لأنه أسبق منه. ثم فصل طرفاً من الإحسان المأمور به فقال: {أما يبلغن} هي "إن" الشرطية زيدت عليها "ما" الإبهامية لتأكيد معنى الشرط، ثم أدخلت النون المشددة لزيادة التقرير والتأكيد كأنه قيل: إن هذا الشرط مما سيقع ألبتة عادة فليكن هذا الجزاء مرتباً عليه وإلا فالتقرير والتأكيد ليس يليق بالشرط الذي مبناه على تردد الحكم. وقال النحويون: إن الشرط أشبه النهي من حيث الجزم وعدم الثبوت فلهذا صح دخول النون المؤكدة فيه. من قرأ الفعل على التوحيد فقوله: {أحدهما أو كلاهما} فاعل له لكن الأول بالاستقلال والثاني بتبعية العطف، ومن قرأ على التنبيه فأحدهما يدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين، وكلاهما عطف علىالبدل فهو بدل مثله. ولا يصح أن يكون توكيد للضمير معطوفاً على البدل لاستلزام العطف المشاركة دون المباينة. {وكلاهما} مفرد لفظاً مثنى معنى، وألفه عن واو عند الكوفيين وأصله كل المفيد للإحاطة فخفف بحذف إحدى اللامين وزيد ألف التثنية ليعرف أن المراد الإحاطة في المثنى لا في الجمع. وضعف بأنه لو كان كذلك لوجب أن يقال في الخفض والنصب "مررت بكلي الرجلين" بكسر الياء كقوله {أية : طرفي النهار}تفسير : [هود: 114] {أية : يا صاحبي السجن}تفسير : [يوسف: 41] قال في الكشاف: معنى {عندك} هو أن يكبرا ويعجزا وكانا كلاً على ولدهما لا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه. وفي {أف} لغات: ضم الهمزة مع الحركات في الفاء الثلاث بالتنوين وبدونه. وأف بكسرتين بلا تنوين. وأفى ممالاً كبشرى، وأف كخذ، وأفة منونة وغير ممنونة وقد تتبع المنونة تفة فيقال: أفة وتفة وهي من أسماء الأفعال. وفي تفسيرها وجوه: قال الفراء: تقول العرب فلان يتأفف من ريح وجدها أي يقول: أف أف. وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار. يقال ذلك عند استقذار الشيء ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به. وقيل: معنى "أف" القلة من الأفيف وهو الشيء القليل، وتف اتباع له نحو شيطان ليطان وحيث بيث وخبيث نبيث. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأف الضجر. وقال القتيبي: أصله أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله، فالصوت الحاص عند تلك النفخة هو القائل أف، ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم، قال الزجاج: معناه النتن وبه فسر مجاهد الآية أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك حين كنت تخر أو تبول. وفي رواية أخرى عن مجاهد: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف أي لا تقل تضجرت أو أتضجر. قال بعض الأصوليين: منع التأفيف يدل على المنع من سائر أنواع الأذية دلالة لفظية. ومعنى الآية لا تتعرض لهما بنوع من أنواع الإيذاء والإيحاش كما أن قولك لا يملك فلا نقيراً ولا قطميراً يدل في العرف على أنه لا يملك شيئاً أصلاً، وقال الأكثرون منهم: إن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن صورة أخرى، فإذا أردنا إلحاق المسكوت عنها بالمنصوص عليها فإما أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكثر القياسات، وإما أن يتساويا كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أعتق نصيباً من عبد حرم عليه الباقي"تفسير : فإن الحكم في الأمة والعبد يتساويان. وإما أن يكون الحكم في محل المسكوت أظهر وهو القياس الجلي ومثاله المنع من التأفيف فإنه مغاير للمنع من الضرب عقلاً، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكاً آخر عدواً له فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته. فهذا معقول في الجملة إلا أن قرينة تعظيم الوالدين صيره من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى، فدل على المنع من جميع أنواع الإيذاء. ثم أكد هذا المعنى بقوله: {ولا تنهرهما} والنهر والنهي أخوان يقال: نهره وانتهره وإذا استقبله بكلام يزجره. {وقل لهما} بدل التأفيف والنهر {قولاً كريماً} جميلاً مشتملاً على حسن الأدب ورعاية دقائق المروة والحياء والاحتشام. وقال عمر بن الخطاب القول الكريم أن يقول له: "يا أبتاه" "يا أماه" دون أن يسميهما باسمهما. وقول إبراهيم لأبيه آزر بالضم على النداء، تقديم لحق الله على حق الأبوين. قالوا: ولا بأس به في الغيبة كما قالت عائشة: نحلني أبو بكر كذا، أو سئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ {واخفض لهما جناح الذل} ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين: الأول أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحيه فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك في حال صغرك. والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع وترك الارتفاع. وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان: الأول أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك: "حاتم الجود" فالأصل فيه الجناح الذليل أو الذلول. والثاني سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحاً ثم أثبت لذلك الجناح خفضاً كقول لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها. فأثبت للشمال يداً ثم وضع زمام الريح في يد الشمال. وقوله: {من الرحمة} في "من" معنى التعليل أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها {و} لكن {قل رب ارحمهما كما ربياني} ليس المراد رحمة مثل رحمتهما عليّ. وأما الكاف فلاقتران الشيئين في الوجود أي كما وقع تلك فتقع هذه. والتربية التنمية ربا الشيء إذا انتفخ وزاد. قال بعض المفسرين: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين}تفسير : [التوبة: 113] وقيل: مخصوصة لأن التخصيص أولى من النسخ، وقيل: لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو فله أن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان. ثم إن ظاهر الأمر للوجوب من غير تكرار فيكفي في العمر مرة واحدة {رب ارحمهما} وسئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه أفي كل يوم مرة أو في كل شهر أو في كل سنة؟ فقال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قد قال: {أية : يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه}تفسير : [الأحزاب: 56]. وكانوا يرون الصلاة عليه في التشهد. وكما قال الله تعالى: {أية : واذكروا الله في أيام معدودات}تفسير : [البقرة: 203] فهم يذكرون في أدبار الصلاة. قلت: ويشبه أن يدعو لهما أيضاً كلما ذكرهما أو ذكر شيئاً من إنعامهما. وسئل أيضاً عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه ولا شيء أنفع له من الاستغفار، ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما" تفسير : وروى سعيد بن المسيب أن البارَّ لا يموت ميتة سوء. وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبويّ بلغا من الكبر أنّى، ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما؟ قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقائك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما. وشكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال: إنه كان ضعيفاً وأنا قوي، وفقيراً وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي. واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني ويبخل عليّ بماله، فبكى صلى الله عليه وسلم وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع ذلك إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك. مرتين. وشكا إليه آخر سوء خلق أمه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر. قال: إنها سيئة الخلق. قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين. قال: إنها سيئة الخلق. قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها. قال: لقد جازيتها. قال: ما فعلت؟ قال: حججت بها على عاتقي. قال: ما جازيتها. وقال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة وإذا بعث إليه واحد منهما ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر ويأخذ الإناء منه إذا شرب بها. ثم قال سبحانه: {ربكم أعلم بما في نفوسكم} أي بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات {أن تكونوا صالحين} قاصدين الصلاح والبر إلى الوالدين ثم فرطت منكم بادرة في حقهما فأنبتم إلى الله واستغفرتم منها {وإنه كان للأوابين غفوراً} اللام للعهد كما روي عن سعيد بن جبير هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير، أو للجنس فيشمل كل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته عن أبي علي الجانويه النائب من جنايته لوروده على أثره. ثم وصى بغير الأبوين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال: {وآت ذا القرى حقه} قيل: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤتى أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضاً من هذين المالين. والأظهر أنه خطاب لكل إنسان كل في قوله: {وقضى ربك} وأما الحق المأمور به للأقارب فهو إذا كانوا محارم كالأبوين والولد وكانوا فقراء عاجزين عن الكسب وكان الرجل موسراً أن ينفق عليهم بقدر الحاجة. وعند الشافعي: لا ينفق إلا على الولد والوالدين وإن كانوا مياسير ولم يكونوا محارم كأبناء العم فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة على السراء والضراء. وفي عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى دليل على أن المراد بالحق الحق المالي، وقد تقدم وصف المسكين وابن السبيل في "البقرة" وفي "التوبة". ثم نهى عن التبذير وهو تفريق المال كما يفرق البذر وهو الإسراف المذموم. كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتنفق أموالها في الفخر والسمعة كما ذكروا ذلك في أشعارها فنهوا عن ذلك وأمروا بالإنفاق فيما يقرب إلى الله. قال ابن مسعود: التبذير إنفاق المال في غير حقه. وعن مجاهد: لو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً. ثم بالغ في تفظيع شأن التبذير قائلاً: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} أي أمثالهم في الشرارة وأصدقاءهم من حيث إنهم يطيعونهم في الأمر بالإسراف، أوهم قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد {وكان الشيطان لربه كفوراً} لأنه يستعمل قواه البدنية في المعاصي والإفساد والإضلال، وكذلك من رزقه الله مالاً أو جاهاً فصرفه إلى غير مرضاة الله كان كفوراً لنعمة الله. ثم علم أدباً حسناً في رد السائل إن أفضى الأمر إلى ذلك ضرورة فقال: {وإما تعرضن عنهم} وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سئل شيئاً وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء. والقول الميسور الرد بالطريق الأحسن. وقيل: اللين السهل. قال الكسائي: يسرت أيسر له القول أي لينته. وقيل: القول المعروف كقوله: {أية : قول معروف ومغفرة خير}تفسير : [البقرة: 263] وذلك أن القول المتعارف لا يحتاج إلى تكلف. وقيل: ادع لهم بأن يسهل الله عليهم أسباب الرزق أي دعاء فيه يسرة. قال جار الله قوله: {ابتغاء رحمة} أما أن يتعلق بجواب الشرط متقدماً عليه أي فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً ابتغاء رحمة من الله {ترجوها} بسبب رحمتك عليهم، وإما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجوا أن يفتح لك فردهم رداً جميلاً، فسمى الرزق رحمة وضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له. فالفقد سبب الابتغاء فأطلق المسبب على السبب وجوز أن يكون الإعراض كناية عن عدم الإعطاء، فإن من أبى أن يعطى أعرض بوجهه، ولما ذكر أدب المنع ونهى عن التبذير صرح بأدب الإنفاق فقال: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} وهو مثل لغاية الإمساك بحيث يضيق على نفسه وأهله في سلوك سبيل الإنفاق {ولا تبسطها كل البسط} أي لا توسع في الإنفاق بحيث لا يبقى في يدك شيء. وحين نهى عن طرفي التفريط والإفراط المذمومين بقي الخلق الفاضل المسمى بالجود وهو العدل والوسط، ثم بين غاية استعمال الطرفين قائلاً: {فتقعد ملوماً} عند الناس بالبخل {محسوراً} بالإسراف أي منقطعاً عن المقاصد بسبب الفقر. فقير محسور منقطع عن السير. ولا شك أن المال مطية الحوائج والآمال وكثيراً ما يلام الرجل على تضييع المال بالكلية وإبقاء الأهل والولد في الضر والمحنة. وعن جابر: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس أتاه صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعاً فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا.تفسير : فذهب إلى أمه فقالت له: قل إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك. فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة فنزلت الآية. وقيل: أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن فجاء عباس بن مرداس وأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع. وما كان حصن ولا حابس، يفوقان مرادس في مجمع وما كنت دون أمرىء منهما، ومن تضع اليوم لا يرفع. فقال صلى الله عليه وسلم:حديث : ياأبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من الإبل تفسير : فنزلت. ثم إنه تعالى سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن الذي يرهقه من الإضافة ليس لهوان منه على الله ولا لبخل به عليه ولكنه تاب لمشيئة الخالق الرازق فقال: {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي يضيق {أنه كان بعباده} وبمصالحهم {خبيراً بصيرا} فالتفاوت في الأرزاق ليس لأجل البخل ولكن لرعاية الصلاح. ويمكن أن يكون مراد الآية أن البسط الكلي والقبض الكلي من شأن الرب الخبير والبصير وليس للعباد الاقتصاد. ويحتمل أن يراد أنه تعالى مع غاية قدرته وسعة جوده يراعي أوسط الحالين. فلا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه، فاستنوا بسنته وتخلقوا بأخلاقه. وفي الآية دلالة على أنه هو المتكفل بأرزاق العباد فلذلك قال بعده: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} وأيضاً لما علم كيفية البر بالوالدين أراد أن يعلم كيفية البر بالأولاد، فبر الآباء مكافأة وبر الأبناء ابتداء اصطناع. وفيه نظام العالم وبقاء النوع الإنساني لأن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو لسوء الظن بالله، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم. والأول ضد التعظيم لأمر الله الثاني ضد الشفقة على خلق الله، ومن رغب عن محبة الوالد فكأنه رغب عن جزئه قال: شعر : ولد المرء منه جزء وما حا ل امرىء يودع الثرى منه جزءاً تفسير : وكانوا يقتلون البنات لعجز عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على القتل والغارة. وأيضاً كانوا يخافون أن فقرها ينفر أكفاءها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء وفي ذلك عار شديد، فبين الله سبحانه أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولداً فلهذا قال: {أولادكم} وبين أن الخوف من الفقر لا وجه له لأن الله هو الرزاق للكل، وكثيراً ما يكون لابن أخرق من البنت بعد البلوغ، وكلا الصنفين يشتركان في الإنفاق عليهما قبل البلوغ. ولما نهى عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضي إلى مثل ذلك ولا أقل من اختلاط النسب فقال: {ولا تقربوا الزنا} وهذ آكد من أن يقال "لا تزنوا" ثم علل النهي بقوله: {إنه كان فاحشة} أي خصلة متزايدة في القبح {وساء سبيلاً} سبيله فاستدل القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بهذا التعليل في الأشياء لا تحسن ولا تقبح لذواتها بل لوجوه عائد إليها في أنفسها، وأن تكاليف العباد واقعة على وفق مصالحهم في المعاش والمعاد. ومن مفاسد الزنا اختلاط الأنساب وتضييع الأولاد وإهمال تربيتهم؟ فإن الولد إذا لم يكن منسوباً إلى شخص معين لم يكن أحد بالتزام تربيته أولى من الآخرة كذا المرأة التي ولدته إذا لم يوجد سبب شرعي للزاني صارت هي به أولى بالرجل فلا يحصل الألف والمحبة، ولا يتم السكون والازدواج. ويتواثب كل رجل على امرأة أراد بحسب شهوته ومقتضى طبعه، فتهيج بالفسوق الحروب بعد التشبه بالبهائم. وأيضاً ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة ولكن المقصود الكلي هو أن تكون شريكة له في ترتيب المنزل وإعداد مهماته والقيام بأمور الأولاد والعبيد، ولن تتم هذه المقاصد إلا إذا كانت مقصورة الهمة على رجل واحد منقطعة الطمع عن غيره. وأيضاً الوطء يوجب الذل والعار ولهذا لا يرتكب إلا في الأماكن المستورة وفي الأوقات المعلومة. فاقتصار المرأة على الواحد من الرجال سعي في تقليل ذلك العمل، وكفى في قبح الزنا مرتكبه من الرجال والنساء يستقذره كل عقل سليم وينحط بذلك عن درجة الاعتبار. وقد زعم في التفسير الكبير أنه تعالى وصف الزنا في آية أخرى بكونه مقتاً لأن الزانية تصير ممقوتة مكروهة وهو وهم، لأن ذلك قد ورد في أول سورة النساء في نكاح منكوحات الأب قال: {أية : ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً}تفسير : [النساء: 22]. وإنما نبهناك عليه لئلا يقتدي به غيره في السهو. ولما فرغ من التكليف بالاحتياط في مبدأ حال الإنسان شرع بالتكليف بالاحتياط في آخر عمره فقال: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله} وفي التصريح بالتحريم بعد النهي تأكيد للخطر. ولا ريب أن الأصل في قتل الإنسان هو التحريم لأنه ضرر، والأصل في المضار الحرمة، ولأن الإنسان خلق للاشتغال بالعبادة وإنه لا يتم إلا بالحياة وكمال البنية، ولكن الحل إنما يثبت لأسباب عرضية فلهذا قال: {إلا بالحق} وهذا بحمل فبين ذلك الحق بقوله: {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً} أي تسلطاً على استيفاء القصاص. فظاهر الآية دل على أنه لا سبب لحل القتل إلا إذا قتل مظلوماً، وظاهر قوله عليه السلام "حديث : لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان؟ وقتل نفس بغير حق" تفسير : يقتضي ضم شيئين آخرين إليه فرعاً على القول بتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. ويحتمل أن يقال قوله: {ومن قتل مظلوماً}. كلام مستأنف، والحديث بتمامه تفسير لقوله: {إلا بالحق} فلا يلزم التفريع المذكور. ثم إنه دلت آية أخرى على حصول سبب رابع هو قوله: {أية : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله}تفسير : [المائدة: 33] وآية أخرى على سبب خامس وهو الكفر الأصلي: {أية : واقتلوهم حيث ثقفتموهم}تفسير : [البقرة: 191] هذا وقد أبدى الفقهاء أسباباً أخر منها: أن تارك الصلاة يقتل عند الشافعي دون أبي حنيفة، وكذا اللائط. ومنها الساحر إذا قال: قتلت فلاناً بسحري. وجوز بعضهم قتل من يمنع الزكاة أو يأتي البهيمة، والذين منعوا القتل في هذه الصور قالوا: الأصل حرمة القتل كما بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر. ثم إنه سبحانه أثبت لوليّ الدم سلطاناً. ولم يبين أن هذه السلطنة تحصل فيماذا فقيل: إنه قال: {فلا يسرف في القتل} عرف أن تلك السلطنة إنما تحصل في استيفاء القتل. وقيل: معنى قوله: {فلا يسرف في القتل} إنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص وسلطنة استيفاء الدية بقوله: {أية : كتب عليكم القصاص في القتلى}تفسير : إلى قوله: {أية : فمن عفى}تفسير : [البقرة: 178] الآية. فالأولى به أن لا يقدم على استيفاء القتل وأن يكتفي بالعفو وأخذ الدية، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص. وعن الشافعي أن التنوين في قوله: {مظلوماً} للتنكير فيدل على أن المقتول ما لم يكن كاملاً في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص، فيعلم منه أن المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك فإن ذنبه غير مغفور كالمشرك، ولأن النصارى قائلون بالتثليث وقد قال تعالى: {أية : اقتلوا المشركين}تفسير : [التوبة: 5] فثبت أن الذمي غير كامل في المظلومية فلا يندرج في الآية. وأيضاً ليس فيها دلالة على أن الحر يقتل بالعبد لأنها وإن كانت عامة إلا أن قوله {أية : الحر بالحر والعبد بالعبد}تفسير : [البقرة: 178] خاص والخاص مقدم على العام. من قرأ {فلا تسرف} بالتاء الفوقانية فعلى خطاب الولي أو قاتل المظلوم، ومن قرأ على الغيبة فالضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة الجاهلية. وعن مجاهد أن الضمير الأول للقاتل، أما الضمير في قوله: {إنه كان منصوراً} فإما للولي أي حسبه أن الله قد نصره بإيجاب القصاص فلا يستزاد عليه، أو نصره بمعونة السلطان والمؤمنين فلا يتبع ما وراء حقه، وإما للمظلوم فإن الله نصره في الدنيا بإيجاب القصاص على قاتله، وفي الآخرة بإعطاء الثواب. وأما الذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف. ولما ذكر النهي عن إتلاف النفوس في المبادىء وفيما وراءها أتبعه النهي عن إتلاف الأموال وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال اليتيم فقال: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي} بالطريقة التي {هي أحسن} وهي تثميره وإنماؤه. وروى مجاهد عن ابن عباس: إذا احتاج الولي أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه وإن لم يوسر فلا شيء عليه ويتصرف الولي في مال اليتيم على الوجه المذكور {حتى يبلغ} اليتيم {أشده} بأن تكمل قواه العقلية والحسية كما مر في آخر "الأنعام" {وأوفوا بالعهد} يتناول كل عهد جري بين إنسانين على وفق الشرع وقانونه في المعاملات والمناكحات وغيرها إلا إذا دلّ دليل خاص على ضده. {إن العهد كان مسئولا} أي مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو هو على حذف المضاف والمراد أن صاحب العهد مسؤول أو هو تخييل كأنه يقال للعهد: لم نكثت تبكيتاً للناكث كقوله: {أية : وإذا الموءودة سئلت}تفسير : [التكوير: 8] ثم أمر بإيفاء الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن. والقسطاس بضم القاف وكسرها هو القبان المسمى بالقرسطون. وقيل: كل ميزان صغير أو كبير والأصح أنه لغة العرب من القسط النصيب المعدل، وقيل رومي أو سرياني {ذلك} الإيفاء والوزن المعدل {خير} من التطفيف {وأحسن تأويلاً} عاقبة من آل إذا رجع. أما في الدنيا فلانة إذا اشتهر بالاحتراز عن الخيانة مالت القلوب إليه. وعول الناس عليه فينفتح عليه أبواب المعاملات، وأما في الآخرة فظاهر. وقال الحكيم: إن نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد عليه شديد والعار فيه عظيم فيجب على العاقل أن يحترز عنه. ثم أمر بإصلاح اللسان والقلب فقال: {ولا تقف} أي لا تتبع من قولك "فقوت فلاناً" أي اتبعت أثره ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت، والقبيلة المشهورة بالقافة لأنه يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوالهم في النسب. والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به، وهذه قضية كلية ولكن المفسرين حملوها على صور مخصوصة فقيل: نهى المشركين عن تقليد أسلافهم في الإلهيات والنبوات والتحليل والتحريم والمعاد كقوله: {أية : إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس}تفسير : [النجم: 23] {أية : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن}تفسير : [الأنعام: 148] وعن محمد بن الحنفية: المراد شهادة الزور. ومثله عن ابن عباس: لا تشهد إلا رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك. وقيل: أراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب. وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه. وقال قتادة: معناه لا تقل سمعت ورأيت وعملت ولم تسمع ولم تر ولم تعلم. وقيل: القفو هو البهت وهو في معنى الغيبة لأنه قول يقال في قفاه ومن الحديث: "حديث : من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج"تفسير : أي يتوب. وردغة الخبال بفتح الدال وسكونها هي غسالة أهل النار من القيح والصديد. احتج نفاة القياس بالآية زعماً منهم أن الحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم. وأجيب بأن العلم قد يراد به الظن قال تعالى: {أية : فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار}تفسير : [الممتحنة: 10] ولا ريب أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وإنه لا يفيد إلا الظن. سلمنا لكن الظن وقع في الطريق لأن الشرع قد أقام الظن الغالب مقام العلم وأمر بالعمل به، وزيف بأنه لا دليل قاطعاً على وجوب العمل بالظن الغالب لأن ذلك الدليل ليس عقلياً بالاتفاق، ولا نقلياً لأنه إنما يكون قطعياً لو كان منقولاً نقلاً متواتراً وكانت دلالته على ثبوت هذا الطلب دلالة قطعية غير محتملة للنقيض، ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولم يبق خلاف، ونوقض بأن الدليل الذي عولتم عليه - وهو هذه الآية - تمسك بعام مخصوص للاتفاق على أن العمل بالشهادة عمل بالظن وهو جائز. وكذا الاجتهاد في القبلة وفي قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكذا الفصد والحجامة وسائر المعالجات، وكذا الحكم بكون الشخص المعين كالذبائح مؤمناً لتحل ذبيحته، أو الوارث لحصول التوارث، أو الميت ليدفن في مقابر المسلمين. وبالحقيقة أكثر الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المعينة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة. وقال صلى الله عليه وسلم: نحن نحكم بالظاهر. والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن. فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لزم أن لا يجوز التمسك بهذه الآية، وكل ما يفضي ثبوته إلى نفيه يسقط الاستدلال به. وأجيب بأنا نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن التمسك بآيات القرآن جائز. ورد بأن كون العالم المخصص حجة غير معلوم بالتواتر، ثم علل النهي بقوله: {إن السمع والبصر وكل أولئك} إشارة إلى الأعضاء الثلاثة وإن لم تكن من ذوات العقول كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام. {كان عنه مسئولاً} قال في الكشاف: {عنه} في موضع الرفع بالفاعلية مثل {أية : غير المغضوب عليهم}تفسير : [الفاتحة: 7] وفيه نظر لأن المسند إليه الفعل أو شبهه لا يتقدم عليه. والصواب أن يقال: إنه فاعل {مسئولاً} المحذوف والثاني مفسر له. وكيف يسأل عن هذه الجوارح؟ قيل: يسأل صاحبهما عما استعملها فيه لأنها آلات والمستعمل لها هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخيرات استحق الثواب وإلا فالعقاب. وقيل: إنه تعالى ينطق الأعضاء ثم يسألها عن أفعالها. {ولا تمش في الأرض مرحاً} نصب على الحال مع أنه مصدر أي ذا مرح وهو شدة الفرح. وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع من التأكيد مثل "أتاني ركضاً" ونهي عن مشية أهل الخيلاء والكبر. {إنك لن تخرق الأرض} لن تثقبها بشدة وطأتك {ولن تبلغ الجبال طولاً} مصدر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول، أو تمييز، أو مفعول له، أو مصدر من معنى تبلغ. بيّن ضعف الآدمي بأنه في حال انخفاضه لا يقدر على خرق الأرض، وحال ارتفاعه لا يقدر على الوصول إلى رؤوس الجبال، فلا يليق به أن يتكبر. وبوجه آخر كأنه قيل له: إنك خلق ضعيف محصور بين حجارة من فوقك وتراب من تحتك، فلا تفعل فعل المقتدر القوي. وقيل: إنه مثل ومعناه: كما أنك لن تخرق الأرض في مشيتك ولن تبلغ الجبال طولاً فكذلك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك وفيه يأس للإِنسان من بلوغ إرادته. {كل ذلك كان سيئه} من قرأ بالإضافة فظاهر لأن المذكور من قوله: {لا تجعل مع الله إلهاً آخر} بعضها أحسن وهو المأمورات وبعضها سيىء وهو المنهيات، فالمعنى أن ما كان من تلك الأشياء سيئاً فإنه مكروه عند الله. ويمكن أن يراد بسيىء تلك الخصال طرف الإفراط أو التفريط. ومن قرأ {سيئة} على التأنيث فقوله: {كل ذلك} إشارة إلى المنهيات خاصة.وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: {وأحسن تأويلاً} وقوله: {كل ذلك} إشارة إلى ما نهى عنه في قوله: {ولا تقف} {ولا تمش} وإنما قال: {سيئة} على التأنيث مع قوله: {مكروهاً} على التذكير لأنه جعل السيئة في معنى الذنب والإثم. قالت المعتزلة: الكراهة نقض الإرادة ففي الآية دلالة على أن المنهيات لا تكون مرادة لله تعالى لأنها مكروهة عنده. وإذا لم تكن مرادة لم تكن مخلوقة له لأن الخلق بدون الإرادة محال. أجابت الأشاعرة بأن المراد من كراهتها كونها منهياً عنها، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع لزوم التكرار لأن كونها سيئة يدل على كونها منهية. وأجيب بأنه لابأس بالتكرار لأجل التأكيد {ذلك} الذي ذكر من قوله: {لا تجعل} إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفاً {مما أوحى إليك ربك من الحكمة} سمي حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه. روي عن ابن عباس أنها كانت في ألواح موسى عليه السلام. وباصطلاح الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به. لا ريب أن الأمر بالتوحيد رأس الحكمة النظرية وسائر التكاليف مشتملة على أصول مكارم الأخلاق وهي الحكمة العملية، ولقد جعل الله سبحانه فاتحة هذه التكاليف النهي عن الشرك وكذا خاتمتها لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن فقده لم ينفعه شيء من العلوم وإن بذ فيها الأقران والأكفاء وحك بيافوخه السماء. وقد راعى في هذا التكرار دقيقة فرتب على الأول كونه مذموماً مخذولاً وذلك إشارة إلى حال المشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى في جهنم ملوماً مدحوراً وأنها حاله في الآخرة. وفي القعود هناك والإلقاء ههنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة والله أعلم بمراده. وقد يفرق بين الذم واللوم فيقال: الذم هو أن يذكر أن الفعل الذي قدم عليه قبيح منكر، واللوم هو أن يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت من هذا العمل إلاَّ إلحاق الضرر بنفسك. ويفرق بين المخذول والمدحور بأن المخذول عبارة عن الضعيف يقال: تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت. والمدحور والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة. ثم أنكر على المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله فقال: {أفأصفاكم} أي أفخصكم {ربكم} على وجه الخلوص والصفاء {بالبنين} الذين هم أفضل الأولاد {واتخذ من الملائكة} أولاداً {إناثاً إنكم لتقولون قولاً عظيماً} بإضافة الأولاد إلى من لا يصح له الولد لقدمه وتنزهه عن صفات الأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون ما تكرهون وهذا خلاف معقولكم وعادتكم فإن العبيد لا يؤثرون بالأجود والأصفى والسادة بالأدون والأردأ، ثم بجعلكم الملائكة الذين هم أعلى خلق الله على الإطلاق أو التقييد على المذهبين أخس الصنفين وهو الإناث. التأويل: خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ليقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين فقال: {لا تجعل مع الله إلها آخر} من الدنيا والآخرة، ثم شرف أمته بتبعيته قائلاً: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلاَّ إياه} وإنما قال: {ربك} لأنه أصل في التربية والأمة تبع له، فمن حكم في الأزل أنه لا يعبد غير الله لم يعبد غير الله {وبالوالدين} والد الروح ووالدة البدن. والإحسان بهما أن يراقبهما في العبودية ليعبد الله كأنهما يريانه {أما يبلغن عندك} يخاطب القلب ويوصيه بأن يواسي والد الروح عند كبره وهو بلوغه أعلى مراتب القرب وعجزه عند سطوات تجلي صفا الألوهية، ويداري والدة البدن حينئذ فلا يستعملها عند العجز {ولا تنهرهما} عند الاستراحة وأرفق بهما عند استعمالهما في العبودية، ولا تتكبر عليهما فإنك أخذت التربية منهما لأن القلب طفل تولد بازدواج الروح والبدن، وقد وجد التربية منهما صورة ومعنى إلى أن صار قابلاً للتجلي والخلافة {ربكم أعلم بما في نفوسكم} من الاستعداد {أن تكونوا صالحين} مستعدين للخلافة {فإنه كان للأوابين} الراجعين من أنانيته إلى هويته دون من كان مقيداً بنفسه {غفوراً} سائراً بأنوار جماله. ثم أخبر عن أداب الخلافة قائلاً {وآت ذا القربى} وهو النفس حقه فإن لنفسك عليك حقاً من غير إسراف وتقتير.
ابن عادل
تفسير : لما بيَّن تعالى أن النَّاس فريقان؛ منهم: من يريد بعمله الدنيا فقط، وهم أهل العذاب، ومنهم: من يريد طاعة الله، وهم أهل الثواب، ثم شرط في ذلك ثلاثة شروط: أن يريد الآخرة، وأن يعمل عملاً، ويسعى سعياُ موافقاً لطلب الآخرة، وأن تكون مؤمناً لا جرم فصَّل في هذه الآية تلك المجملات، فبدأ أوَّلاً بشرحِ حقيقة الإيمان، وأشرفُ أجزاء الإيمان هو التوحيد، ونفي الشِّرك، فقال عزَّ وعلا: {لاَّ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ}. ثم ذكر عقيبه سائر الأعمال التي يكونُ المشتغلُ بها ساعياً سعي الآخرة. قال المفسِّرون: الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره كقوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} تفسير : [الطلاق: 1] وقيل: الخطاب للإنسان، وهذا أولى؛ لأنَّه تعالى عطف عليه قوله - تعالى -: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 23] إلى قوله تعالى: {أية : إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا} تفسير : [الإسراء: 23]. وهذا لا يليق بالنبي - صلوات الله وسلامه عليه - لأنَّ أبويه ما بلغا الكبر عنده. والمعنى: أنَّ من أشرك بالله، كان مذموماً مخذولاً؛ ويدل على ذلك وجوه: الأول: أنَّ المشرك كاذب، والكاذب يستوجب الذمَّ، والخذلان. الثاني: أنَّه لما ثبت بالدَّليل: أنه لا إله ولا مدبِّر إلاَّ الواحد الأحد، فحينئذ: يكون جميع النِّعم حاصلة من الله - تعالى -، فمن أشرك بالله، فقد أضاف بعض تلك النِّعم إلى غير الله، مع أن الحقَّ أن كلَّها من الله، فحينئذ يستحقُّ الذمَّ؛ لأنَّ المستحقَّ للشُّكر على تلك النعم هو الخالقُ لها، فلمَّا جحد كونها من الله - تعالى - فقد قابل إحسان الله - تعالى - بالإساءة والجحود، فاستوجب الذمَّ، ويستحقُّ الخذلان؛ لأنَّه لما أثبت لله شريكاً، استحقَّ أن يفوض أمره إلى ذلك الشَّريك، ولمَّا كان ذلك الشريكُ معدوماً، بقي بلا ناصرٍ ولا حافظٍ ولا معينٍ، وذلك عينُ الخذلان. الثالث: أنَّ الكمال في الوحدة، والنقصان في الكثرة، فمن أثبت الشَّريك، فقد وقع في جانب النقصان. قوله تعالى: {فَتَقْعُدَ}: يجوز أن تكون على بابها، فينتصب ما بعدها على الحال، ويجوز أن تكون بمعنى "صار" فينتصب على الخبريَّة، وإليه ذهب الفراء والزمخشريُّ، وأنشدوا في ذلك. شعر : 3393- لا يُقْنِعُ الجَارِيةَ الخِضَابُ ولا الوِشَاحَانِ ولا الجِلْبَابُ مِن دُون أن تَلتَقِيَ الأرْكابُ ويَقْعُدَ الأيْرُ لهُ لُعَابُ تفسير : أي: ويصير، و البصريُّون لا يقيسون هذا، بل يقتصرون به على المثل في قولهم: "شَحَذَ شفرته؛ حتَّى قعَدتْ كأنَّها حَربَةٌ". وقال الواحديُّ: "فَتَقْعد": انتصب؛ لأنَّه وقع بعد الفاء؛ جواباً للنهي، وانتصابه بإضمار "أن" كقولك: لا تنقطع عنَّا، فنجفوك، والتقدير: لا يكن منك انقطاعٌ؛ فيحصل أن نجفوك، فما بعد الفاء متعلَّق بالجملة المتقدمة بحرف الفاء، وإنَّما سمَّاه النحويون جواباً؛ لكونه مشابهاً للجزاءِ في أنَّ الثاني مسبَّب عن الأول؛ ألا ترى أنَّ المعنى: إن انقطعت جفوتك، كذلك تقدير الآية إن جعلت مع الله إلهاً آخر، قعدت مذموماً مخذولاً. فصل في معنى القعود في الآية ذكروا في هذا القعود وجوهاً: أحدها: أن معناه المكث أي: فتمكُث في النَّاس مذموماً مخذولاً، وهذه اللفظة مستعملةٌ في لسانِ العرب والفرس في هذا المعنى، إذا سأل الرجلُ غيره: ما يصنعُ فلانٌ في تلك البلدة؟ فيقول المجيب: هو قاعدٌ بأسوأ حالٍ. معناه: المكث، سواء كان قائماً أو قاعداً وثانيها: أنَّ من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكراً على ما فرط منه. وثالثها: أنَّ المتمكن من تحصيل الخيرات يسعى في تحصيلها، والسَّعي إنما يتأتى بالقيام، وأما العاجزُ عن تحصيلها، فإنَّه لا يسعى، بل يبقى جالساً قاعداً عن الطَّلب، فلمَّا كان القيام على الرَّجلِ أحد الأمور التي يتمُّ بها الفوز بالخيرات، وكان القعود والجلوس علامة على عدم تلك المكنة والقدرة، لا جرم جعل القيام كناية عن القدرة على تحصيل الخيرات، والقعود كناية عن العجز والضعف.
البقاعي
تفسير : ولما تقرر بما مضى أن له سبحانه الأمر كله، وأنه متصف بجميع الكمال منزه عن شوائب النقص، أنتج أنه لا إله غيره، فقال تعالى يخاطب الرأس لأن ذلك أوقع في أنفس الأتباع، وإشارة إلى أنه لا يوحده حق توحيده سواه، ويجوز أن يكون خطاباً عاماً لكل من يصح أن يخاطب به: {لا تجعل مع الله} الذي له جميع صفات الكمال {إلهاً} وسيأتي قريباً سر قوله: {ءاخر} أنه مفهوم من المعية {فتقعد} أي فيتسبب عن ذلك أن تقعد أي تصير في الدنيا قبل الآخرة {مذموماً}. ولما كان الذم قد يحتمله بعض الناس مع بلوغ الأمل، بين أنه مع الخيبة فقال تعالى: {مخذولاً *} أي غير منصور فيما أردته من غير أن يغني عنك أحد بشفاعة أو غيرها. ولما قرع الأسماع بهذا النهي المحتم لتوحيده، أتبعه الإخبار بالأمر بذلك جمعاً في ذلك بين صريحي الأمر والنهي تصريحاً بعد التنزيه له عن الشريك بالإفراد له في العبادة في أسلوب الخبر، إعلاماً بعظم المقام فقال تعالى: {وقضى} أي نهاك عن ذلك وأمر {ربك} أي المحسن إليك أمراً حتماً مقطوعاً به ماضياً لا يحتمل النزاع؛ ثم فسر هذا الأمر بقوله تعالى: {ألا تعبدوا} أي أنت وجميع أهل دعوتك، وهم جميع الخلق {إلا إياه} فإن ذلك هو الإحسان. ولما أمر بمعرفة الحق المحسن المطلق منبهاً على وجوب ذلك باسم الرب، أتبعه الأمر بمعرفة الحق لأول المربين من الخلق فقال: {وبالوالدين} أي وأحسنوا، أي أوقعوا الإحسان بهما {إحساناً} بالإتباع في الحق إن كانا حنيفين شاكرين لأنعمه كإبراهيم ونوح عليهما السلام فإن ذلك يزيد في حسناتهما، وبالبراءة منهما في الباطل فإن ذلك يخفف من وزرهما واللطف بهما ما لم يجر إلى فساد ليكون الله معكم فإنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. ولما كان سبحانه عليماً بما في الطباع من ملال الولد لهما عند أخذهما في السن، قال تعالى: {إما} مؤكداً بإدخال "ما" على الشرطية لزيادة التقرير للمعنى اهتماماً بشأن الأبوين {يبلغن عندك} أي بأن يضطر إليك فلا يكون لهما كافل غيرك {الكبر} ونفى كل احتمال يتعلق به المتعنت بقوله تعالى: {أحدهما أو كلاهما} فيعجزا بحيث يكونان في كفالتك {فلا تقل لهما أف} أي لا تتضجر منهما، وفي سورة الأحقاف ما ينفع كثيراً هنا؛ ثم صرح بما ينهى عنه الكلام من باب الأولى تعظيماً للمقام فقال: {ولا تنهرهما} فيما لا ترضاه؛ والنهر: زجر بإغلاظ وصياح. وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي رحمه الله في كتابه في أصول الفقه: وقد أولع الأصوليون بأن يذكروا في جملة هذا الباب - أي باب الاستدلال بالملزوم على اللازم والأدنى على الأعلى - قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} بناء على أن التأفيف عندهم أقل شيء يعق به الأب، وذلك حائد عن سنن البيان ووجه الحكمة، لأنه ليس في العقوق شيء أشد من التأفيف لأنه إنما يقال للمستقذر المسترذل، ولذلك عطف عليه {ولا تنهرهما} لأنه لا يلزم منه لزوم سواء ولا لزوم أحرى، ولا يصلح فيما يقع أدنى أن يعطف عليه ما يلزمه سواء أو أحرى، كما لو قال قائل: من يعمل ذرة خيراً يره، ومن يعمل قيراطاً يره، لم يصلح عطفه عليه لإفادة الأول إياه، ولعل ذلك شيء وهل فيه واهل فسلك إثره من غير اعتبار لقوله - انتهى. ولما نهاه عن عقوقهما تقديماً لما تدرأ به المفسدة، أمره ببرهما جلباً للمصلحة، فقال تعالى: {وقل لهما} أي بدل النهر وغيره {قولاً كريماً *} أي حسناً جميلاً يرضاه الله ورسوله مع ما يظهر فيه من اللين والرقة والشفقة وجبر الخاطر وبسط النفس، كما يقتضيه حسن الأدب وجميل المروءة، ومن ذلك أنك لا تدعوهما بأسمائهما، بل بيا أبتاه ويا أمتاه - ونحو هذا {واخفض لهما} ولما كان الطائر يخفض جناحه عند الذل، استعار لتعطفه عليهما رعياً لحقوقهما قوله تعالى: {جناح الذل} أي جناح ذلّك، وبين المراد بقوله تعالى: {من الرحمة} أي لا من أجل امتثال الأمر والنواهي وما تقدم لهما من من أجل الرحمة لهما، بأن لا تزال تذكر نفسك بالأوامر والنواهي وما تقدم لهما من الإحسان إليك، فصارا مفتقرين إليك وقد كنت أفقر خلق الله إليهما، حتى يصير ذلك خلقاً لازماً لك فإن النفس لأمارة بالسوء، وإن لم تقد إلى الخير بأنواع الإرغاب والإرهاب والإمعان في النظر في حقائق الأمور وعجائب المقدور، ولذلك أتبعه قوله تعالى آمراً بأن لا يكتفي برحمته التي لا بقاء لها، فإن ذلك لا يكافىء حقهما بل يطلب لهما الرحمة الباقية: {وقل رب} أي أيها المحسن إليّ بعطفهما عليّ حتى ربياني وكانا يقدماني على أنفسهما {ارحمهما} بكرمك برحمتك الباقية وجودك كما رحمتهما أنا برحمتي القاصرة مع بخلي وما فيّ من طبع اللوم {كما ربياني} برحمتهما لي {صغيراً *} وهذا مخصوص بالمسلمين بآية {ما كان للنبي} لا منسوخ، ولقد أبلغ سبحانه في الإيصاء بهما حيث بدأه بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ونظمه في سلكه، وختمه بالتضرع في نجاتهما، جزاء على فعلهما وشكراً لهما، وضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى شيء من امتهانهما، مع موجبات الضجر ومع أحوال لا يكاد يدخل الصبر إليها في حد الاستطاعة إلا بتدريب كبير. ولما كان ذلك عسراً جداً حذر من التهاون به بقوله تعالى: {ربكم} أي المحسن إليكم في الحقيقة، فإنه هو الذي عطف عليكم من يربيكم وهو الذي أعانهم على ذلك {أعلم} أي منكم {بما في نفوسكم} من قصد البر بهما وغيره، فلا يظهر أحدكم غير ما يبطن، فإن ذلك لا ينفعه ولا ينجيه إلا أن يحمل نفسه على ما يكون سبباً لرحمتهما {إن تكونوا} أي كوناً هو جبلة لكم {صالحين} أي متقين أو محسنين في نفس الأمر؛ والصلاح: استقامة الفعل على ما يدعو إليعه الدليل، وأشار إلى أنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس وترجيعها كرة بهد فرة بقوله تعالى: {فإنه كان للأوابين} أي الرجاعين إلى الخير مرة إثر مرة بعد جماع أنفسهم عنه {غفوراً *} أي بالغ الستر، تنبيهاً لمن وقع منه تقصير، فرجع عنه على أنه مغفور.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {مذموماً} يقول ملوماً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله: {فتقعد مذموماً} يقول: في نقمة الله {مخذولاً} في عذاب الله.
القشيري
تفسير : الذي أشرك بالله أصبح مذموماً من قِبَلِ الله، ومخذولاً من قِبَلِ مَنْ عَبَدَه من دون الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا تجعل مع الله الها آخر} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد امته فان بعضهم قالوا الاصل فى الاوامر هو وفى النواهى امته {فتقعد} بالنصب جوابا بالنهى والقعود بمعنى الصيرورة او عبارة عن المكث اى فتمكث فى الناس كما تقول لمن سأل عن حال شخص قاعد فى اسوأ حال ومعناه ماكث سواء كان قائما او جالسا وقد يراد القعود حقيقة لان من شأن المذموم المخذول ان يقعد حائرا يتفكر او عبر بغالب حاله وهو القعود {مذموما مخذولا} خبر ان او حالان اى جامعا على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين والخذلان من الله تعالى فان الشريك عاجز عن النصرة. وفيه اشعار بان الموحد جامع بين المدح والنصرة اشارة الى ان طالب الحق لا يطلب مع الله غيره من الدارين ونعمهما.
الجنابذي
تفسير : {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ} الخطاب عامّ لكلّ من يتأتّى منه الخطاب او خاصّ به (ص) فى اللّفظ على، ايّاك اعنى واسمعى يا جارة او على طريق سريان خطاب المتبوع الى الاتباع، او سريان خطاب الكلّ الى الاجزاء يعنى لا تجعل مع الله فى الآلهة او العبادة او الطّاعة او الوجود، اولا تجعل مع الله بحسب مظاهره الّذين هم مظاهر الولاية {إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ} فتبقى فانّ القاعد يبقى متأخّراً عن الرّفقة {مَذْمُوماً} يذمّك الله وخواصّه {مَّخْذُولاً} عن نصرة الله ونصرة خواصّه.
اطفيش
تفسير : {لاَّ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ} قال ابن جرير الطبرى وغيره: الخطاب للنبى - صلى الله عليه وسلم - والرد جميع الخلق، وقيل المراد غيره، وقيل الخطاب لكل من يصلح له، أى لا تجعل مع الله إِلهاً آخر أيها المكلف أو أيها الإِنسان. {فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً} عند الله والملائكة والناس. رويت عن شيخى ذكره الله بالصالحات فى شرح الأَجرمية للشريف ابن يعلى الفاسى فشحذ شفرته حتى قعدت كأَنها حربة أى صارت وكذا تقعد بمعنى تصير، فيكون من باب كان أى فتصير مذموماً {مَّخْذُوُلاً} من الله ومفهومه أن من وحد الله يكون ممدوحاً منصوراً ويجوز أن يكون تقعد بمعنى تعجز فيكون مذموماً مخذولا حالين، يقال قعد عن الشئ أى عجز عنه وفسره الفراء بما ذكرته أولا.
اطفيش
تفسير : {لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخرَ} هذا خطاب للأمة فى المعنى بخطابه صلى الله عليه وسلم فى اللفظ أو خطاب لمن يصلح له، وهو أولى لقوله بعد: "أية : إمَّا يبلغن عندك الكِبَر أحدُهما أوْ كِلاهُما" تفسير : [الإسراء: 23] وهو صلى الله عليه وسلم لم يدرك أبويه. {فَتَقْعُدَ} فتصير لذلك، وهو من باب كان واهاً لزمان الطفولية، إذ كنت أقرأ عند شيخى فى شرح الشريف بن يعلى الحسنى، وفيه التمثيل لقعد من باب كان بمعنى صار بقولهم: شحذ شفرته حتى قعدت كأنها حربة، وقال أبو حيان: قعد بمعنى صار مقصور عند الأصحاب، يعنى الأندلسيين على هذا المثال، وقاسه بعض فى التشبيه مثل قعد كأنه سلطان، وقاسه الفراء مطلقاً، ومنه قعد لا يُسأل حاجة إلا قضاها. {مَذْمُومًا} خبر تقعد، واسمه مستتر، ويجوز إِبقاؤه على ظاهره من عدم القيام مجازاً للعجز، وكناية عنه، فمذموماً حال، ولا اسم لها، يقال قعد عن الشئ بمعنى عجز عنه، أى متعجز عن رفع العذاب، فضلا عن وصول الدرجات العلا، ومن شأن المذموم المخذول أن يقعد حائراً متفكراً، وقعد بمعنى صار، بمعنى اللبث على شئ قعد أو قام. {مَخْذُولاً} ممنوعًا من التوفيق، أما الذم فمن الملائكة والمسلمين، وأما الخذلان فمن الله، ولا ناصر لك، لأن الشريك لا يدفع سوءًا، ولا يجرّ نفعاً، ومَن لم يجعل لله شريكا فهو منصور دنيا وأخرى، ودنيا فقط، إن لم يوف.
الالوسي
تفسير : {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته على حد إياك أعني فاسمعي يا جارة أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب على حد {أية : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ } تفسير : [الأنعام: 27] {فَتَقْعُدَ} بالنصب على النهي. والقعود قيل بمعنى المكث كما تقول هو قاعد في أسوأ حال أي ماكث ومقيم سواء كان / قائماً أم جالساً، وقيل بمعنى العجز والعرب تقول: ما أقعدك عن المكارم أي ما أعجزك عنها، وقيل: بمعنى الصيرورة من قولهم: شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة أي صارت. وتعقب هذا أبو حيان بأن مجيء قعد بمعنى صار مقصور عند الأصحاب على هذا المثل ولا يطرد، وقال بعضهم: ان اطرد فإنما يطرد في مثل الموضع الذي استعملته العرب فيه أولاً يعني القول المذكور فلا يقال: قعد كاتباً بمعنى صار بل قعد كأنه سلطان لكونه مثل قعدت كأنها حربة، ولعل من فسر القعود هنا بمعنى الصيرورة ذهب مذهب الفراء فإنه كما قال أبو حيان وغيره يقول باطراد ذلك وجعل منه قول الراجز المذكور في «البحر» و«الحواشي الشهابية» ولا حجة فيه، وحكى الكسائي قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها واستعمالُ البغداديين على هذا. ثم إنهم اختلفوا في القعود بمعنى العجز فقيل هو مجاز من القعود ضد القيام كالمقعد بمعنى العاجز عن القيام ثم تجوز به عن مطلق العجز، وقيل هو كناية عن العجز فإن من أراد أخذ شيء يقوم له ومن عجز قعد وأما القعود بمعنى الزمانة فحقيقة والإقعاد مجاز كأن مرضه أقعده وجعل هذا القعود بمعنى المكث حقيقة. وتعقب بأن فيه نظراً إلا أن يريد حقيقة عرفية لا لغوية لأنه ضد القيام وإذا جعل القعود هنا بمعنى العجز فالفعل لازم ومتعلقه محذوف أي فتعجز عن الفوز بالمقصود مثلاً. و{مَذْمُومًا مَّخْذُولاً} إما خبران لتقعد على القول الأخير وإما حالان مترادفان أي فتقعد جامعاً على نفسك الخذلان من الله تعالى والذم من الملائكة والمؤمنين أو من ذوي العقول حيث اتخذت محتاجاً مفتقراً مثلك لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلٰهاً ونسبت إليه ما لا يصلح له وجعلته شريكاً لمن له الكمال الذاتي وهو الذي خلقك ورزقك وأنعم عليك على ما عداه. وجوز أبو حيان أن يراد بالقعود حقيقته لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائراً متفكراً وهو من باب التعبير بالحال الغالبة، وفي الآية إشعار بأن الموحد جامع بين المدح والنصرة.
سيد قطب
تفسير : في الدرس الماضي ربطت قواعد العمل والجزاء، والهدى والضلال، والكسب والحساب.. إلى الناموس الكوني الذي يصرف الليل والنهار. وفي هذا الدرس تربط قواعد السلوك والآداب والتكاليف الفردية والاجتماعية إلى العقيدة في وحدة الله، كما تربط بهذه العروة الوثقى جميع الروابط وتشد إليها كل الوشائج، في الأسرة وفي الجماعة وفي الحياة. وفي الدرس الماضي ورد {أية : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}تفسير : وورد: {أية : وكل شيء فصلناه تفصيلاً }. تفسير : ففي هذا الدرس يعرض شيئاً من أوامر هذا القرآن ونواهية، مما يهدي للتي هي أقوم، ويفصل شيئاً مما اشتمل عليه من قواعد السلوك في واقع الحياة. يبدأ الدرس بالنهي عن الشرك، وبإعلان قضاء الله بعبادته وحده. ومن ثم تبدأ الأوامر والتكاليف: بر الوالدين، وإيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل، في غير إسراف ولا تبذير. وتحريم قتل الذرية، وتحريم الزنا، وتحريم القتل. ورعاية مال اليتيم، والوفاء بالعهد، وتوفية الكيل والميزان، والتثبت من الحق، والنهي عن الخيلاء والكبر... وينتهي بالتحذير من الشرك. فإذا الأوامر والنواهي والتكاليف محصورة بين بدء الدرس وختامه، مشدودة إلى عقيدة التوحيد التي يقوم عليها بناء الحياة. {لا تجعل مع الله إلـها آخر فتقعد مذموماً مخذولا}. إنه النهي عن الشرك والتحذير من عاقبته، والأمر عام، ولكنه وجه إلى المفرد ليحس كل أحد أنه أمر خاص به، صادر إلى شخصه. فالاعتقاد مسألة شخصية مسؤول عنها كل فرد بذاته، والعاقبة التي تنتظر كل فرد يحيد عن التوحيد أن {يقعد} {مذموماً} بالفعلة الذميمة التي أقدم عليها، {مخذولاً} لا ناصر له، ومن لا ينصره الله فهو مخذول وإن كثر ناصروه. ولفظ {فتقعد} يصور هيئة المذموم المخذول وقد حط به الخذلان فقعد، ويلقي ظل الضعف فالقعود هو أضعف هيئات الإنسان وأكثرها استكانة وعجزاً، وهو يلقي كذلك ظل الاستمرار في حالة النبذ والخذلان، لأن القعود لا يوحي بالحركة ولا تغير الوضع، فهو لفظ مقصود في هذا المكان. {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}.. فهو أمر بتوحيد المعبود بعد النهي عن الشرك. أمر في صورة قضاء. فهو أمر حتمي حتمية القضاء. ولفظة {قضى} تخلع على الأمر معنى التوكيد، إلى جانب القصر الذي يفيده النفي والاستثناء {ألا تعبدوا إلا إياه} فتبدو في جو التعبير ظلال التوكيد والتشديد. فإذا وضعت القاعدة، وأقيم الأساس، جاءت التكاليف الفردية والاجتماعية، ولها في النفس ركيزة من العقيدة في الله الواحد، توحد البواعث والأهداف من التكاليف والأعمال. والرابطة الأولى بعد رابطة العقيدة، هي رابطة الأسرة، ومن ثم يربط السياق بر الوالدين بعبادة الله، إعلاناً لقيمة هذا البر عند الله: {وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما: أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل: رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}. بهذه العبارات الندية، والصور الموحية، يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء. ذلك أن الحياة وهي مندفعة في طريقها بالأحياء، توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام. إلى الذرية. إلى الناشئة الجديدة. إلى الجيل المقبل. وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء. إلى الأبوة. إلى الحياة المولية. إلى الجيل الذاهب! ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف، وتتلفت إلى الآباء والأمهات. إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد. إلى التضحية بكل شيء حتى بالذات. وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات، ويمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هي قشر؛ كذلك يمتص الأولاد كل رحيق وكل عافية وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين فإذا هما شيخوخة فانية ـ إن أمهلهما الأجل ـ وهما مع ذلك سعيدان! فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله، ويندفعون بدورهم إلى الأمام. إلى الزوجات والذرية.. وهكذا تندفع الحياة. ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء. إنما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوة ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقة كله حتى أدركه الجفاف! وهنا يجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد، بعد الأمر المؤكد بعبادة الله. ثم يأخذ السياق في تظليل الجو كله بأرق الظلال؛ وفي استجاشة الوجدان بذكريات الطفولة ومشاعر الحب والعطف والحنان: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما}.. والكبر له جلاله، وضعف الكبر له إيحاؤه؛ وكلمة {عندك} تصور معنى الالتجاء والاحتماء في حالة الكبر والضعف.. {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} وهي أول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب ألا يند من الولد ما يدل على الضجر والضيق، وما يشي بالإهانة وسوء الأدب.. {وقل لهما قولاً كريماً} وهي مرتبة أعلى إيجابية أن يكون كلامه لهما بشيء بالإكرام والاحترام.. {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} وهنا يشف التعبير ويلطف، ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان. فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عيناً، ولا يرفض أمراً. وكأنما للذل جناح يخفضه إيذاناً بالسلام والاستسلام. {وقل: رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} فهي الذكرى الحانية. ذكرى الطفولة الضعيفة يرعاها الولدان، وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان. وهو التوجه إلى الله أن يرحمهما فرحمة الله أوسع، ورعاية الله أشمل، وجناب الله أرحب. وهو أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبهما مما لا يقدر على جزائه الأبناء. قال الحافظ أبو بكر البزار ـ بإسناده ـ عن بريدة عن أبيه: "حديث : أن رجلاً كان في الطواف حاملاً أمه يطوف بها فسأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هل أديت حقها؟ قال: لا. ولا بزفرة واحدة ". تفسير : ولأن الانفعالات والحركات موصولة بالعقيدة في السياق، فإنه يعقب على ذلك برجع الأمر كله لله الذي يعلم النوايا، ويعلم ما وراء الأقوال والأفعال: {ربكم أعلم بما في نفوسكم، إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا}. وجاء هذا النص قبل أن يمضي في بقية التكاليف والواجبات والآداب ليرجع إليه كل قول وكل فعل؛ وليفتح باب التوبة والرحمة لمن يخطئ أو يقصر، ثم يرجع فيتوب من الخطأ والتقصير. وما دام القلب صالحاً، فإن باب المغفرة مفتوح. والأوابون هم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى ربهم مستغفرين. ثم يمضي السياق بعد الوالدين إلى ذوي القربى أجمعين؛ ويصل بهم المساكين وابن السبيل، متوسعاً في القرابات حتى تشمل الروابط الإنسانية بمعناها الكبير: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربه كفوراً؛ وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها، فقل لهم قولاً ميسورا}. والقرآن يجعل لذي القربى والمسكين وابن السبيل حقاً في الأعناق يوفى بالإنفاق. فليس هو تفضيلاً من أحد على أحد؛ إنما هو الحق الذي فرضه الله، ووصله بعبادته وتوحيده. الحق الذي يؤديه المكلف فيبرئ ذمته، ويصل المودة بينه وبين من يعطيه، وإن هو إلا مؤد ما عليه لله. وينهى القرآن عن التبذير ـ كما يفسره ابن مسعود وابن عباس ـ الإنفاق في غير حق. وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذراً، ولو أنفق مُدًّا في غير حق كان مبذراً. فليست هي الكثرة والقلة في الإنفاق. إنما هو موضع الإنفاق. ومن ثم كان المبذرون إخوان الشياطين، لأنهم ينفقون في الباطل، وينفقون في الشر، وينفقون في المعصية. فهم رفقاء الشياطين وصحابهم {وكان الشيطان لربه كفورا} لا يؤدي حق النعمة، كذلك إخوانه المبذرون لا يؤدون حق النعمة، وحقها أن ينفقوها في الطاعات والحقوق، غير متجاوزين ولا مبذرين. فإذا لم يجد إنسان ما يؤدي به حق ذوي القربى والمساكين وابن السبيل واستحيا أن يواجههم، وتوجه إلى الله يرجو أن يرزقه ويرزقهم، فليعدهم إلى ميسرة، وليقل لهم قولاً ليناً، فلا يضيق بهم صدره، ولا يسكت ويدعهم فيحسوا بالضيق في سكوته، ففي القول الميسور عوض وأمل وتجمل. وبمناسبة التبذير والنهي عنه يأمر بالتوسط في الإنفاق كافة: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا}. والتوازن هو القاعدة الكبرى في النهج الإسلامي، والغلو كالتفريط يخل بالتوازن. والتعبير هنا يجري على طريقة التصوير؛ فيرسم البخل يداً مغلولة إلى العنق، ويرسم الإسراف يداً مبسوطة كل البسط لا تمسك شيئاً، ويرسم نهاية البخل ونهاية الإسراف قعدة كقعدة الملوم المحسور. والحسير في اللغة الدابة تعجز عن السير فتقف ضعفاً وعجزاً. فكذلك البخيل يحسره بخله فيقف. وكذلك المسرف ينتهي به سرفه إلى وقفة الحسير. ملوماً في الحالتين على البخل وعلى السرف، وخير الأمور الوسط. ثم يعقب على الأمر بالتوسط بأن الرازق هو الله. هو الذي يبسط في الرزق ويوسع، وهو الذي يقدر في الرزق ويضيق. ومعطي الرزق هو الآمر بالتوسط في الأنفاق: {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه كان بعباده خبيراً بصيرا}. يبسط الرزق لمن يشاء عن خبرة وبصر، ويقدر الرزق لمن يشاء عن خبرة وبصر. ويأمر بالقصد والاعتدال، وينهى عن البخل والسرف، وهو الخبير البصير بالأقوام في جميع الأحوال؛ وقد أنزل هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم في جميع الأحوال. وكان بعض أهل الجاهلية يقتلون البنات خشية الفقر والإملاق؛ فلما قرر في الآية السابقة أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أتبعه بالنهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق في المكان المناسب من السياق. فما دام الرزق بيد الله، فلا علاقة إذن بين الإملاق وكثرة النسل أو نوع النسل؛ إنما الأمر كله إلى الله. ومتى انتفت العلاقة بين الفقر والنسل من تفكير الناس، وصححت عقيدتهم من هذه الناحية فقد انتهى الدافع إلى تلك الفعلة الوحشية المنافية لفطرة الأحياء وسنة الحياة: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم، إن قتلهم كان خطأً كبيرا}.. إن انحراف العقيدة وفسادها ينشئ آثاره في حياة الجماعة الواقعية، ولا يقتصر على فساد الاعتقاد والطقوس التعبدية. وتصحيح العقيدة ينشئ آثاره في صحة المشاعر وسلامتها، وفي سلامة الحياة الاجتماعية واستقامتها. وهذا المثل من وأد البنات مثل بارز على آثار العقيدة في واقع الجماعة الإنسانية. وشاهد على أن الحياة لا يمكن إلا أن تتأثر بالعقيدة، وأن العقيدة لا يمكن أن تعيش في معزل عن الحياة. ثم نقف هنا لحظة أمام مثل من دقائق التعبير القرآني العجيبة. ففي هذا الموضع قدم رزق الأبناء على رزق الآباء: {نحن نرزقهم وإياكم} وفي سورة الأنعام قدم رزق الآباء على رزق الأبناء: {أية : نحن نرزقكم وإياهم}. تفسير : وذلك بسبب اختلاف آخر في مدلول النصين. فهذا النص: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم}: والنص الآخر {أية : ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم }. تفسير : هنا قتل الأولاد خشية وقوع الفقر بسببهم فقدم رزق الأولاد. وفي الأنعام قتلهم بسبب فقر الآباء فعلاً. فقدم رزق الآباء. فكان التقديم والتأخير وفق مقتضى الدلالات التعبيرية هنا وهناك. ومن النهي عن قتل الأولاد إلى النهي عن الزنا: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا}.. وبين قتل الأولاد والزنا صلة ومناسبة ـ وقد توسط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس ـ لذات الصلة وذات المناسبة. إن في الزنا قتلاً من نواحي شتى. إنه قتل ابتداء لأنه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها، يتبعه غالباً الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق أو بعد أن يتخلق، قبل مولده أو بعد مولده فإذا ترك الجنين للحياة ترك في الغالب لحياة شريرة، أو حياة مهينة، فهي حياة مضيعة في المجتمع على نحو من الأنحاء.. وهو قتل في صورة أخرى. قتل للجماعة التي يفشو فيها، فتضيع الأنساب وتختلط الدماء، وتذهب الثقة في العرض والولد، وتتحلل الجماعة وتتفكك روابطها، فتنتهي إلى ما يشبه الموت بين الجماعات. وهو قتل للجماعة من جانب آخر، أذ أن سهولة قضاء الشهوة عن طريقه يجعل الحياة الزوجية نافلة لا ضرورة لها، ويجعل الأسرة تبعة لا داعي إليها، والأسرة هي المحضن الصالح للفراخ الناشئة، لا تصح فطرتها ولا تسلم تربيتها إلا فيه. وما من أمة فشت فيها الفاحشة إلا صارت إلى انحلال، منذ التاريخ القديم إلى العصر الحديث. وقد يغر بعضهم أن أوربا وأمريكا تملكان زمام القوة المادية اليوم مع فشو هذه الفاحشة فيهما. ولكن آثار هذا الانحلال في الأمم القديمة منها كفرنسا ظاهرة لا شك فيها. أما في الأمم الفتية كالولايات المتحدة، فإن فعلها لم تظهر بعد آثاره بسبب حداثة هذا الشعب واتساع موارده كالشاب الذي يصرف في شهواته فلا يظهر أثر الإسراف في بنيته وهو شاب ولكنه سرعان ما يتحطم عندما يدلف إلى الكهولة فلا يقوى على احتمال آثار السن، كما يقوى عليها المعتدلون من أنداده! والقرآن يحذر من مجرد مقاربة الزنا. وهي مبالغة في التحرز. لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة، فالتحرز من المقاربة أضمن. فعند المقاربة من أسبابه لا يكون هناك ضمان. ومن ثم يأخذ الإسلام الطريق على أسبابه الدافعة، توقياً للوقوع فيه.. يكره الاختلاط في غير ضرورة. ويحرم الخلوة. وينهى عن التبرج بالزينة. ويحض على الزواج لمن استطاع، ويوصي بالصوم لمن لا يستطيع. ويكره الحواجز التي تمنع من الزواج كالمغالاة في المهور. وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد. ويحض على مساعدة من يبتغون الزواج ليحصنوا أنفسهم. ويوقع أشد العقوبة على الجريمة حين تقع، وعلى رمي المحصنات الغافلات دون برهان.. إلى آخر وسائل الوقاية والعلاج، ليحفظ الجماعة الإسلامية من التردي والانحلال. ويختم النهي عن قتل الأولاد وعن الزنا بالنهي عن قتل النفس إلا بالحق: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل، إنه كان منصوراً}.. والإسلام دين الحياة ودين السلام، فقتل النفس عنده كبيرة تلي الشرك بالله، فالله واهب الحياة، وليس لأحد غير الله ان يسلبها إلا بإذنه وفي الحدود التي يرسمها. وكل نفس هي حرم لا يمس، وحرام إلا بالحق، وهذا الحق الذي يبيح قتل النفس محدد لا غموض فيه، وليس متروكاً للرأي ولا متأثراً بالهوى. وقد جاء في الصحيحين أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة ". تفسير : فأما الأولى فهي القصاص العادل الذي إن قتل نفساً فقد ضمن الحياة لنفوس {أية : ولكم في القصاص حياة}. تفسير : حياة بكف يد الذين يهمون بالاعتداء على الأنفس والقصاص ينتظرهم فيردعهم قبل الإقدام على الفعلة النكراء. وحياة بكف يد أصحاب الدم أن تثور نفوسهم فيثأروا ولا يقفوا عند القاتل، بل يمضوا في الثأر، ويتبادلوا القتل فلا يقف هذا الفريق وذاك حتى تسيل دماء ودماء. وحياة بأمن كل فرد على شخصه واطمئنانه إلى عدالة القصاص، فينطلق آمناً يعمل وينتج فإذا الأمة كلها في حياة. وأما الثانية فهي دفع للفساد القاتل في انتشار الفاحشة، وهي لون من القتل على النحو الذي بيناه. وأما الثالثة فهي دفع للفساد الروحي الذي يشيع الفوضى في الجماعة، ويهدد أمنها ونظامها الذي اختاره الله لها، ويسلمها إلى الفرقة القاتلة. والتارك لدينه المفارق للجماعة إنما يقتل لأنه اختار الإسلام لم يجبر عليه، ودخل في جسم الجماعة المسلمة، واطلع على أسرارها، فخروجه بعد ذلك عليها فيه تهديد لها. ولو بقي خارجها ما أكرهه أحد على الإسلام. بل لتكفل الإسلام بحمايته إن كان من أهل الكتاب وبإجارته وإبلاغه مأمنه إن كان من المشركين. وليس بعد ذلك سماحة للمخالفين في العقيدة. {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}.. {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً}.. تلك الأسباب الثلاثة هي المبيحة للقتل، فمن قتل مظلوماً بغير واحد من تلك الأسباب، فقد جعل الله لوليه ـ وهو أقرب عاصب إليه ـ سلطاناً على القاتل، إن شاء قتله وإن شاء عفا على الدية، وإن شاء عفا عنه بلا دية. فهو صاحب الأمر في التصرف في القاتل، لأن دمه له. وفي مقابل هذا السلطان الكبير ينهاه الإسلام عن الإسراف في القتل استغلالاً لهذا السلطان الذي منحه إياه. والإسراف في القتل يكون بتجاوز القاتل إلى سواه ممن لا ذنب لهم ـ كما يقع في الثأر الجاهلي الذي يؤخذ فيه الآباء والأخوة والأبناء والأقارب بغير ذنب إلا أنهم من أسرة القاتل ـ ويكون الإسراف كذلك بالتمثيل بالقاتل، والولي مسلط على دمه بلا مثله. فالله يكره المثلة والرسول قد نهى عنها. {فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} يقضي له الله، ويؤيده الشرع، وينصره الحاكم. فليكن عادلاً في قصاصه، وكل السلطات تناصره وتأخذ له بحقه. وفي تولية صاحب الدم على القصاص من القاتل، وتجنيد سلطان الشرع وسلطان الحاكم لنصرته تلبية للفطرة البشرية، وتهدئة للغليان الذي تستشعره نفس الولي. الغليان الذي قد يجرفه ويدفعه إلى الضرب يميناً وشمالاً في حمى الغضب والانفعال على غير هدى. فأما حين يحس أن الله قد ولاه على دم القاتل، وأن الحاكم مجند لنصرته على القصاص، فإن ثائرته تهدأ ونفسه تسكن ويقف عند حد القصاص العادل الهادئ. والإنسان إنسان فلا يطالب بغير ما ركب في فطرته من الرغبة العميقة في القصاص. لذلك يعترف الإسلام بهذه الفطرة ويلبيها في الحدود المأمونة، ولا يتجاهلها فيفرض التسامح فرضاً. إنما هو يدعو إلى التسامح ويؤثره ويحبب فيه، ويأجر عليه. ولكن بعد أن يعطي الحق. فلولي الدم أن يقتص أو يصفح. وشعور ولي الدم بأنه قادر على كليهما قد يجنح به إلى الصفح والتسامح، أما شعوره بأنه مرغم على الصفح فقد يهيج نفسه ويدفع به إلى الغلو والجماح! وبعد أن ينتهي السياق من حرمة العرض وحرمة النفس، يتحدث عن حرمة مال اليتيم، وحرمة العهد. {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا}.. والإسلام يحفظ على المسلم دمه وعرضه وماله، لقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله"تفسير : ولكنه يشدد في مال اليتيم ويبرز النهي عن مجرد قربه إلا بالتي هي أحسن. ذلك أن اليتيم ضعيف عن تدبير ماله، ضعيف عن الذود عنه، والجماعة الإسلامية مكلفة برعاية اليتيم وماله حتى يبلغ أشده ويرشد ويستطيع أن يدبر ماله وأن يدفع عنه. ومما يلاحظ في هذه الأوامر والنواهي أن الأمور التي يكلف بها كل فرد بصفته الفردية جاء الأمر أو النهي فيها بصيغة المفرد؛ أما الأمور التي تناط بالجماعة فقد جاء الأمر أو النهي فيها بصيغة الجمع، ففي الإحسان للوالدين وإيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل، وعدم التبذير، والتوسط في الإنفاق بين البخل والسرف، وفي التثبت من الحق والنهي عن الخيلاء والكبر.. كان الأمر أو النهي بصيغة المفرد لما لها من صبغة فردية. وفي النهي عن قتل الأولاد وعن الزنا وعن قتل النفس، والأمر برعاية مال اليتيم والوفاء بالعهد، وإيفاء الكيل والميزان كان الأمر أو النهي بصيغة الجمع لما لها من صبغة جماعية. ومن ثم جاء النهي عن قرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن في صيغة الجمع، لتكون الجماعة كلها مسؤولة عن اليتيم وماله، فهذا عهد عليها بوصفها جماعة. ولأن رعاية مال اليتيم عهد على الجماعة ألحق به الأمر بالوفاء بالعهد إطلاقاً. {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا}.. يسأل الله جل جلاله عن الوفاء به، ويحاسب من ينكث به وينقضه. وقد أكد الإسلام على الوفاء بالعهد وشدد. لأن هذا الوفاء مناط الاستقامة والثقة والنظافة في ضمير الفرد وفي حياة الجماعة. وقد تكرر الحديث عن الوفاء بالعهد في صور شتى في القرآن والحديث؛ سواء في ذلك عهد الله وعهد الناس. عهد الفرد وعهد الجماعة وعهد الدولة. عهد الحاكم وعهد المحكوم. وبلغ الإسلام في واقعه التاريخي شأوا بعيدا في الوفاء بالعهود لم تبلغه البشرية إلا في ظل الإسلام. ومن الوفاء بالعهد إلى إيفاء الكيل والميزان: {وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم. ذلك خير وأحسن تأويلا}.. والمناسبة بين الوفاء بالعهد وإيفاء الكيل والميزان ظاهرة في المعنى واللفظ، فالانتقال في السياق ملحوظ التناسق. وإيفاء الكيل والاستقامة في الوزن، أمانة في التعامل، ونظافة في القلب، يستقيم بهما التعامل في الجماعة، وتتوافر بهما الثقة في النفوس، وتتم بهما البركة في الحياة. {ذلك خير وأحسن تأويلا}.. خير في الدنيا وأحسن مآلاً في الآخرة. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "حديث : لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه، ليس به إلا مخافة الله، إلا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير من ذلك ". تفسير : والطمع في الكيل والوزن قذارة وصغار في النفس، وغش وخيانة في التعامل تتزعزع بهما الثقة، ويتبعها الكساد، وتقل بهما البركة في محيط الجماعة، فيرتد هذا على الأفراد؛ وهم يحسبون أنهم كاسبون بالتطفيف. وهو كسب ظاهري ووقتي، لأن الكساد في الجماعة يعود على الأفراد بعد حين. وهذه حقيقة أدركها بعيدو النظر في عالم التجارة فاتبعوها، ولم يكن الدافع الأخلاقي، أو الحافز الديني هو الباعث عليها؛ بل مجرد إدراكها في واقع السوق بالتجربة العملية. والفارق بين من يلتزم إيفاء الكيل والميزان تجارة، ومن يلتزمه اعتقاداً.. أن هذا يحقق أهداف ذاك؛ ويزيد عليه نظافة القلب والتطلع في نشاطه العملي إلى آفاق أعلى من الأرض، وأوسع في تصور الحياة وتذوقها. وهكذا يحقق الإسلام دائماً أهداف الحياة العملية وهو ماض في طريقه إلى آفاقه الوضيئة وآماده البعيدة، ومجالاته الرحيبة. والعقيدة الإسلامية عقيدة الوضوح والاستقامة والنصاعة. فلا يقوم شيء فيها على الظن أو الوهم أو الشبهة: {ولا تقف ما ليس لك به علم. إن السمع والبصر والفؤاد كل أولـئك كان عنه مسؤولاً}.. وهذه الكلمات القليلة تقيم منهجاً كاملاً للقلب والعقل، يشمل المنهج العلمي الذي عرفته البشرية حديثاً جداً، ويضيف إليه استقامة القلب ومراقبة الله، ميزة الإسلام على المناهج العقلية الجافة! فالتثبت من كل خير ومن كل ظاهرة ومن كل حركة قبل الحكم عليها هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق. ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة. ولم يبق مجال للظن والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل. ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم. والأمانة العلمية التي يشيد بها الناس في العصر الحديث ليست سوى طرف من الأمانة العقلية القلبية التي يعلن القرآن تبعتها الكبرى، ويجعل الإنسان مسؤولاً عن سمعه وبصره وفؤاده، أمام واهب السمع والبصر والفؤاد.. إنها أمانة الجوارح والحواس والعقل والقلب. أمانة يسأل عنها صاحبها، وتسأل عنها الجوارح والحواس والعقل والقلب جميعاً. أمانة يرتعش الوجدان لدقتها وجسامتها كلما نطق اللسان بكلمة، وكلما روى الإنسان رواية، وكلما أصدر حكماً على شخص أو أمر أو حادثة. {ولا تقف ما ليس لك به علم}.. ولا تتبع ما لا تعلمه علم اليقين، وما لم تتثبت من صحته: من قول يقال ورواية تروى. من ظاهرة تفسر أو واقعة تعلل. ومن حكم شرعي أو قضية اعتقادية. وفي الحديث: "حديث : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث".تفسير : وفي سنن أبي داود: "حديث : بئس مطية الرجل: زعموا"تفسير : وفي الحديث الآخر "حديث : إن أفرى الفري أن يُريَ الرجل عينيه ما لم تريا ".. تفسير : وهكذا تتضافر الآيات والأحاديث على تقرير ذلك المنهج الكامل المتكامل الذي لا يأخذ العقل وحده بالتحرج في أحكامه، والتثبت في استقرائه: إنما يصل ذلك التحرج بالقلب في خواطره وتصوراته، وفي مشاعره وأحكامه، فلا يقول اللسان كلمة ولا يروي حادثة ولا ينقل رواية، ولا يحكم العقل حكماً ولا يبرم الإنسان أمراً إلا وقد تثبت من كل جزئية ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة، فلم يبق هنالك شك ولا شبهة في صحتها. {أية : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} تفسير : حقاً وصدقاً.. وتختم هذه الأوامر والنواهي المرتبطة بعقيدة التوحيد بالنهي عن الكبر الفارغ والخيلاء الكاذبة: {ولا تمش في الأرض مرحاً. إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا}.. والإنسان حين يخلو قلبه من الشعور بالخالق القاهر فوق عباده تأخذه الخيلاء بما يبلغه من ثراء أو سلطان، أو قوة أو جمال. ولو تذكر أن ما به من نعمة فمن الله، وأنه ضعيف أمام حول الله، لطامن من كبريائه، وخفف من خيلائه، ومشى على الأرض هوناً لا تيهاً ولا مرحاً. والقرآن يجبه المتطاول المختال المرح بضعفه وعجزه وضآلته: {إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً} فالإنسان بجسمه ضئيل هزيل، لا يبلغ شيئاً من الاجسام الضخمة التي خلقها الله. إنما هو قوي بقوة الله، عزيز بعزة الله، كريم بروحه الذي نفخه الله فيه، ليتصل به ويراقبه ولا ينساه. ذلك التطامن والتواضع الذي يدعو إليه القرآن بترذيل المرح والخيلاء، أدب مع الله، وأدب مع الناس. أدب نفسي وأدب اجتماعي. وما يترك هذا الأدب إلى الخيلاء والعجب إلا فارغ صغير القلب صغير الاهتمامات. يكرهه الله لبطره ونسيان نعمته، ويكرهه الناس لانتفاشه وتعاليه. وفي الحديث: "حديث : من تواضع لله رفعه فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير. ومن استكبر وضعه الله، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير. حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير ". تفسير : وتنتهي تلك الأوامر والنواهي والغالب فيها هو النهي عن ذميم الفعال والصفات بإعلان كراهية الله للسيئ منها: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً}. فيكون في هذا تلخيصاً وتذكيراً بمرجع الأمر والنهي وهو كراهية الله للسيئ من تلك الأمور. ويسكت عن الحسن المأمور به، لأن النهي عن السيئ هو الغالب فيها كما ذكرنا. ويختم الأوامر والنواهي كما بدأها بربطها بالله وعقيدة التوحيد والتحذير من الشرك. وبيان أنها بعض الحكمة التي يهدي إليها القرآن الذي أوحاه الله إلى الرسول: {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلـها آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحورا}. وهو ختام يشبه الابتداء. فتجيء محبوكة الطرفين، موصولة بالقاعدة الكبرى التي يقيم عليها الإسلام بناء الحياة، قاعدة توحيد الله وعبادته دون سواه..
ابن عاشور
تفسير : تذييل هو فذلكة لاختلاف أحوال المسلمين والمشركين، فإن خلاصة أسباب الفوز ترك الشرك لأن ذلك هو مبدأ الإقبال على العمل الصالح فهو أول خطوات السعي لمريد الآخرة، لأن الشرك قاعدة اختلال التفكير وتضليل العقول، قال الله تعالى في ذكر آلهة المشركين {أية : وما زادوهم غير تتبيب}تفسير : [هود: 101]. والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تبعٌ لخطاب قوله: {أية : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض}تفسير : [الإسراء: 21]. والمقصود إسماعُ الخطاب غيره بقرينة تحقق أن النبي قائم بنبذ الشرك ومُنْح على الذين يعبدون مع الله إلهاً آخر. و{تقعد} مستعار لمعنى المكث والدوام. أريد بهذه الاستعارة تجريد معنى النهي إلى أنه نهي تعريض بالمشركين لأنهم متلبسون بالذم والخذلان. فإن لم يقلعوا عن الشرك داموا في الذم والخذلان. والمذموم: المذكور بالسوء والعيب. والمخذول: الذي أسلمه ناصره. فأما ذمه فمن ذوي العقول، إذ أعظم سُخرية أن يتخذ المرء حجراً أو عُوداً رباً له ويعبده، كما قال إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ {أية : أتعبدون ما تنحتون}تفسير : [الصافات: 95]، وذمهُ من اللّهِ على لسان الشرائع. وأما خذلانه فلأنه اتخذ لنفسه ولياً لا يغني عنه شيئاً {أية : إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} تفسير : [فاطر: 14]، وقال إبراهيم عليه السلام {أية : يا أبت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً}تفسير : [مريم: 42]، وخذلانه من الله لأنه لا يتولى من لا يتولّاه قال:{أية : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم}تفسير : [محمّد: 11] وقال {أية : وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} تفسير : [غافر: 50].
الشنقيطي
تفسير : الظاهر أن الخطاب في هذه الآية الكريمة متوجه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم. ليشرع لأمته على لسانه إخلاص التوحيد في العبادة له جل وعلا، لأنه صلى الله عليه وسلم معلوم أنه لا يجعل مع الله إلهاً آخر، وأنه لا يقعد مذموماَ مخذولاً. ومن الآيات الدالة دلالة واضحة على أنه صلى الله عليه وسلم يوجه إليه الخطاب، والمراد بذلك التشريع لأمته لا نفس خطابه هو صلى الله عليه وسلم -.
القطان
تفسير : مخذولا: غير منصور. خذله: تخلى عنه. قضى: امر وأوجب. اف: كلمة معناها التضجر. لا تنهرهما: لا تزجرهما بغلظة. خفض الجناح: التواضع والتذلل. للأوابين: للتوابين الراجعين الى الله. {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً}. لا تُشرك بالله احداً، فتبقى ملوماً لا ناصر لك، ويكون الخذلان مكتوبا عليك. {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}. وقد امر الله تعالى بعبادته باخلاص واكد ان لا نعبد غيره، ثم بعد ذلك امرنا بالبر والطاعة بالوالدين، لانهما عماد الاسرة، وفضلهما على الانسان لا يحد، وان اكبر نعمة تصل الى الانسان هي نعمة الخالق، ثم نعمة الوالدين. {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}. واذا كبرا في السن او كان احدهما عندك في مرحلة الشيخوخة وحال الضعف في آخر العمر، فلا تتضجر منهما، ولا تتأفف، ولا تزجرهما، وقل لهما قولا جميلا ليِّنافيه احسان اليهما وتكريم لهما. وألن لهما جانبك وتواضع لهما مع الاحترام الزائد، وادع لهما وتوجه الى الله ان يرحمهما برحمته الباقية، كفاء رحمتهما لك في صغرك وجميل شفقتهما عليك. ومهما اديت لهما من خدمات فلن تستطيع ان تكافئهما. وقد وردت احاديث كثيرة في بر الوالدين. منها عن عبد الله بن مسعود قال: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم اي العمل أحب الى الله ورسوله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم اي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله . تفسير : وروى البزار عن بريدة عن ابيه:حديث : ان جلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يطوف حاملاً امه، فقال: هل اديتُ حقها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة . تفسير : قراءات: قرأ حمزة والكسائي وخلف: "اما يبلغان" وقرأ ابن كثير ويعقوب: "أف" بفتح الفاء من غير تنوين. وقرأ حفص واهل المدينة "اف" بالكسر والتنوين كما هو في المصحف، والباقون "أفِّ" بدون تنوين. {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً}. ربكم ايها الناس اعلم منكم بما في ضمائركم، فإن أنتم أصلحتم نياتِكم واطعتم ربكم، فانه يتوب عليكم،ان هفَوتُم واتيتم بما يخالف اوامره ثم تبتم، لانه دائم المغفرة للتوابين.
د. أسعد حومد
تفسير : {آخَرَ} (22) - وَيُخَاطِبُ اللهُ تَعَالَى المُكَلَّفِينَ مِنَ الأُمَّةِ فَيَقُولُ لَهُمْ: لاَ تَجْعَلْ أَيُّهَا الإِنْسَانُ للهِ شَرِيكاً وَأَنْتَ تَعْبُدُهُ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ قَعَدْتَ مَذْمُوماً عَلَى إِشْرَاكِكَ بِرَبِّكَ، مَخْذُولاً لاَ يَنْصُرُكَ اللهُ، وَيَكِلُكَ إِلَى مَنْ عَبَدْتَهُ، وَهُوَ لاَ يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً، وَلاَ يَمْلِكُ لَكَ أَنْتَ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لأنه سبحانه أعطاك في الدنيا، وأمدّك بالأسباب، وبمقوّمات حياتك، أوجدك من عدم، وأمدك من عُدْمٍ، حتى وإنْ كنت كافراً، ثم أعدَّ لك في الآخرة الدرجات العالية والنعيم المقيم الذي لا يَفْنى ولا يزول. وهذه هي الحيثيات التي ينبغي عليك بعدها أن تعرفه سبحانه، وتتوجّه إليه، وتلتحم به وتكون في معيته، ولا تجعل معه سبحانه إلهاً آخر؛ لأنك إنْ فعلتَ فلن تجد من هذا النعيم شيئاً، لن تجد إلا المذمّة والخُذْلان في الدنيا والآخرة. وسوف تُفَاجأ في القيامة بربك الذي دعاك للإيمان به فكفرْتَ. {أية : وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ ..}تفسير : [النور: 39]. ساعتها ستندم حين لا ينفعك الندم، بعد أن ضاعت الفرصة من يديك. ويقول تعالى: {أية : فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً}تفسير : [الإسراء: 22]. والقعود ليس أمراً عادياً هنا، بل هو أنكَى ما يصير إليه الإنسان؛ لأن الإنسان لا يقعد إلا إذا أصبح غيرَ قادر على القيام، ففيها ما يُشعر بإنهاك القوة، وكأنه سقط إلى الأرض، بعد أنْ أصبحتْ رِجلاه غير قادرتين على حَمْله، ولم تَعْد به قوة للحركة. ونلاحظ في تعبير القرآن عن هذا الذي خارتْ قواه، وانتهت تماماً، أنه يختار له وَضْع القعود خاصة، ولم يَقُلْ مثلاً: تنام، لأن العذاب لا يكون مع النوم، ففي النوم يفقد الإنسان الوعي فلا يشعر بالعذاب، بل قال {فَتَقْعُدَ} هكذا شاخص يُقاسي العذاب؛ لأن العذاب ليس للجوارح والمادة، بل للنفس الواعية التي تُحِسّ وتألم. ولذلك يلجأ الأطباء إلى تخدير المريض قبل إجراء العمليات الجراحية؛ لأن التخدير يُفقِده الوعي فلا يشعر بالألم. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 95]. وقال: {أية : وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ..}تفسير : [النور: 60]. فالقعود يدل على عدم القدرة، وفي الوقت نفسه لا يرتاح بالنوم، فهو في عذاب مستمر. وفي مجال الذم قال الشاعر: شعر : دَعِ المكَــارِمَ لاَ ترحَلِ لِبُغْيِتهَا وَاقْعُدْ فإنكَ أنتَ الطَّاعِمُ الكَاسي تفسير : وقوله: {مَذْمُوماً ..} [الإسراء: 22] لأنه أتى بعمل يذمه الناس عليه. {مَّخْذُولاً ..} [الإسراء: 22] من الخذلان، وهو عدم النُّصْرة، فالأبعد في موقف لا ينصره فيه أحد، ولا يدافع عنه أحد، لذلك يقول تعالى لهؤلاء: {أية : مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ}تفسير : [الصافات: 25-26]. ثم ينتقل بنا الحق سبحانه إلى قضية يعطينا فيها نوعاً من الاستدلال، فيقول سبحانه: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لا تعتقد أن أحدا من المخلوقين يستحق شيئا من العبادة ولا تشرك بالله أحدا منهم فإن ذلك داع للذم والخذلان، فالله وملائكته ورسله قد نهوا عن الشرك وذموا من عمله أشد الذم ورتبوا عليه من الأسماء المذمومة، والأوصاف المقبوحة ما كان به متعاطيه، أشنع الخلق وصفا وأقبحهم نعتا. وله من الخذلان في أمر دينه ودنياه بحسب ما تركه من التعلق بربه، فمن تعلق بغيره فهو مخذول قد وكل إلى من تعلق به ولا أحد من الخلق ينفع أحدا إلا بإذن الله، كما أن من جعل مع الله إلها آخر له الذم والخذلان، فمن وحده وأخلص دينه لله وتعلق به دون غيره فإنه محمود معان في جميع أحواله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):