١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه لما ذكر في الآية الأولى ما هو الركن الأعظم في الأيمان، أتبعه بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائطه وهي أنواع: النوع الأول: أن يكون الإنسان مشتغلاً بعبادة الله تعالى، وأن يكون محترزاً عن عبادة غير الله تعالى، وهذا هو المراد من قوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ } وفيه بحثان: البحث الأول: القضاء معناه الحكم الجزم البت الذي لا يقبل النسخ. والدليل عليه أن الواحد منا إذا أمر غيره بشيء فإنه لا يقال: إنه قضى عليه، أما إذا أمره أمراً جزماً وحكم عليه بذلك الحكم على سبيل البت والقطع، فههنا يقال: قضى عليه ولفظ القضاء في أصل اللغة يرجع إلى إتمام الشيء وانقطاعه. وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية كان الأصل ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين بالصاد فقرىء: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ } ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط، لأن خلاف قضاء الله ممتنع، هكذا رواه عنه الضحاك وسعيد بن جبير، وهو قراءة علي وعبد الله. واعلم أن هذا القول بعيد جداً لأنه يفتح باب أن التحريف والتغيير قد تطرق إلى القرآن، ولو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن القرآن وذلك يخرجه عن كونه حجة ولا شك أنه طعن عظيم في الدين. البحث الثاني: قد ذكرنا أن هذه الآية تدل على وجوب عبادة الله تعالى وتدل على المنع عن عبادة غير الله تعالى وهذا هو الحق، وذلك لأن العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام، ونهاية الإنعام عبارة عن إعطاء الوجود والحياة، والقدرة والشهوة والعقل، وقد ثبت بالدلائل أن المعطي لهذه الأشياء هو الله تعالى لا غيره، وإذا كان المنعم بجميع النعم هو الله لا غيره، لا جرم كان المستحق للعبادة هو الله تعالى لا غيره، فثبت بالدليل العقلي صحة قوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ }. في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى أمر بعبادة نفسه، ثم أتبعه بالأمر ببر الوالدين وبيان المناسبة بين الأمر بعبادة الله تعالى وبين الأمر ببر الوالدين من وجوه: الوجه الأول: أن السبب الحقيقي لوجود الإنسان هو تخليق الله تعالى وإيجاده، والسبب الظاهري هو الأبوان، فأمر بتعظيم السبب الحقيقي، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري. الوجه الثاني: أن الموجود إما قديم وإما محدث، ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الإله القديم بالتعظيم والعبودية، ومع المحدث بإظهار الشفقة وهو المراد من قوله عليه السلام: « حديث : التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله » تفسير : وأحق الخلق بصرف الشفقة إليه هو الأبوان لكثرة إنعامهما على الإنسان فقوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ } إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله: {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } إشارة إلى الشفقة على خلق الله. الوجه الثالث: أن الاشتغال بشكر المنعم واجب، ثم المنعم الحقيقي هو الخالق سبحانه وتعالى. وقد يكون أحد من المخلوقين منعماً عليك، وشكره أيضاً واجب لقوله عليه السلام: « حديث : من لم يشكر الناس لم يشكر الله » تفسير : وليس لأحد من الخلائق نعمة على الإنسان مثل ما للوالدين وتقريره من وجوه: أحدها: أن الولد قطعة من الوالدين، قال عليه السلام: « حديث : فاطمة بضعة مني » تفسير : . وثانيها: أن شفقة الأبوين على الولد عظيمة وجدهما في إيصال الخير إلى الولد كالأمر الطبيعي واحترازهما عن إيصال الضرر إليه كالأمر الطبيعي، ومتى كانت الدواعي إلى إيصال الخير متوفرة، والصوارف عنه زائلة لا جرم كثر إيصال الخير، فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة أكثر من كل نعمة تصل من إنسان إلى إنسان. وثالثها: أن الإنسان حال ما يكون في غاية الضعف ونهاية العجز، يكون في إنعام الأبوين فأصناف نعمهما في ذلك الوقت واصلة إليه، وأصناف رحمة ذلك الولد واصلة إلى الوالدين في ذلك الوقت، ومن المعلوم أن الإنعام إذا كان واقعاً على هذا الوجه كان موقعه عظيماً. ورابعها: أن إيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه وقد يمتزج بهذا الغرض سائر الأغراض، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض فقط. فكان الإنعام فيه أتم وأكمل، فثبت أنه ليس لأحد من المخلوقين نعمة على غيره مثل ما للوالدين على الولد، فبدأ الله تعالى بشكر نعمة الخالق وهو قوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ } ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين وهو قوله: {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } والسبب فيه ما بينا أن أعظم النعم بعد إنعام الإله الخالق نعمة الوالدين. فإن قيل: الوالدان إنما طلبا تحصيل اللذة لنفسيهما فلزم منه دخول الولد في الوجود وحصوله في عالم الآفات والمخافات، فأي إنعام للأبوين على الولد؟ حكي أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد. وعرضني للموت والفقر والعمى والزمانة، وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟ قال اكتبوا عليه: شعر : هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد تفسير : وقال في ترك التزوج والولد: شعر : وتركت أولادي وهم في نعمة الــ عدم التي سبقت نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة ترمي بهم في موبقات الآجل تفسير : وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منة عليك أم والدك؟ فقال: الأستاذ أعظم منة، لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي أرتعني في نور العلم، وأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه، وأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد، ومن الكلمات المشهورة المأثورة، خير الآباء من علمك. والجواب: هب أنهما في أول الأمر طلبا لذة الوقاع إلا أن الاهتمام بإيصال الخيرات، وفي دفع الآفات من أول دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر أليس أنه أعظم من جميع ما يتخيل من جهات الخيرات والمبرات، فسقطت هذه الشبهات، والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {بِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } قال أهل اللغة: تقدير الآية وقضى ربك ألا تعبدوا إلا الله وأن تحسنوا، أو يقال: وقضى ألا تعبدوا إلا إياه وأحسنوا بالوالدين إحساناً. قال صاحب «الكشاف»: ولا يجوز أن تتعلق الباء في {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ } بالإحسان لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته ثم لم يذكر دليلاً على أن المصدر لا يجوز أن تتقدم عليه صلته. وقال الواحدي في «البسيط»: الباء في {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ } من صلة الإحسان وقدمت عليه كما تقول بزيد فامرر، وهذا المثال الذي ذكره الواحدي غير مطابق، لأن المطلوب تقديم صلة المصدر عليه، والمثال المذكور ليس كذلك. المسألة الثالثة: قال القفال: لفظ الإحسان قد يوصل بحرف الباء تارة، وبحرف إلى أخرى، وكذلك الإساءة، يقال: أحسنت به وإليه. وأسأت به وإليه. قال الله تعالى: { أية : وَقَدْ أَحْسَنَ بَى } تفسير : [يوسف: 100] وقال القائل: شعر : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت تفسير : وأقول لفظ الآية مشتمل على قيود كثيرة كل واحد منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين: أحدها: أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: { أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلأَخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } تفسير : [الإسراء: 19] ثم إنه تعالى أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة فذكر من جملتها البر بالوالدين، وذلك يدل على أن هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة. وثانيها: أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد وثنى بطاعة الله تعالى، وثلث بالبر بالوالدين وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطاعة. وثالثها: أنه تعالى لم يقل: وإحساناً بالوالدين، بل قال: {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } فتقديم ذكرهما يدل على شدة الاهتمام. ورابعها: أنه قال: {إِحْسَـٰناً } بلفظ التنكير والتنكير يدل على التعظيم، والمعنى: وقضى ربك أن تحسنوا إلى الوالدين إحساناً عظيماً كاملاً، وذلك لأنه لما كان إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، ثم على جميع التقديرات فلا تحصل المكافأة، لأن إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداء، وفي الأمثال المشهورة أن البادي بالبر لا يكافأ. ثم قال تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ «إما» لفظة مركبة من لفظتين: إن، وما. أما كلمة إن فهي للشرط، وأما كلمة (ما) فهي أيضاً للشرط كقوله تعالى: { أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ } تفسير : [البقرة: 106] فلما جمع بين هاتين الكلمتين أفاد التأكيد في معنى الاشتراط، إلا أن علامة الجزم لم تظهر مع نون التوكيد، لأن الفعل يبنى مع نون التأكيد وأقول لقائل أن يقول: إن نون التأكيد إنما يليق بالموضع الذي يكون اللائق به تأكيد ذلك الحكم المذكور وتقريره وإثباته على أقوى الوجوه، إلا أن هذا المعنى لا يليق بهذا الموضع، لأن قول القائل: الشيء إما كذا وإما كذا، فالمطلوب منه ترديد الحكم بين ذينك الشيئين المذكورين، وهذا الموضع لا يليق به التقرير والتأكيد فكيف يليق الجمع بين كلمة إما وبين نون التأكيد؟ وجوابه: أن المراد أن هذا الحكم المتقرر المتأكد إما أن يقع وإما أن لا يقع، والله أعلم. المسألة الثانية: قرأ الأكثرون: {أَمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا } وعلى هذا التقدير فقوله: {يَبْلُغَنَّ } فعل وفاعله هو قوله: {أَحَدُهُمَا } وقوله: {أَوْ كِلاَهُمَا } عطف عليه كقولك: ضرب زيد أو عمرو: ولو أسند قوله: {يَبْلُغَنَّ } إلى قوله: {كِلاَهُمَا } جاز لتقدم الفعل، تقول قال رجل، وقال رجلان، وقالت الرجال، وقرأ حمزة والكسائي: {يبلغان} وعلى هذه القراءة فقوله: {أَحَدُهُمَا } بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين و{كلاهما} عطف على {أحدهما} فاعلاً أو بدلاً. فإن قيل: لو قيل (إما يبلغان كلاهما) كان (كلاهما) توكيداً لا بدلاً، فلم زعمتم أنه بدل؟ قلنا: لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيداً للاثنين فانتظم في حكمه، فوجب أن يكون مثله في كونه بدلاً. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال قوله: {أَحَدُهُمَا } بدل، وقوله: {أَوْ كِلاَهُمَا } توكيد، ويكون ذلك عطفاً للتوكيد على البدل. قلنا: العطف يقتضي المشاركة فجعل {أحدهما} بدلاً والآخر توكيداً خلاف الأصل، والله أعلم. المسألة الثالثة: قال أبو الهيثم الرازي، وأبو الفتح الموصلي، وأبو علي الجرجاني: إن كلاً اسم مفرد يفيد معنى التثنية ووزنه فعل ولامه معتل بمنزلة لام حجي ورضي وهي كلمة وضعت على هذه الخلقة يؤكد بها الاثنان خاصة ولا تكون إلا مضافة. والدليل عليه أنها لو كانت تثنية لوجب أن يقال في النصب والخفض مررت بكلي الرجلين بكسر الياء كما تقول: بين يدي الرجل و { أية : من ثلثي الليل } تفسير : [المزمل: 20]. و { أية : يا صاحبي السجن } تفسير : [يوسف: 39، 41]. و { أية : طرفي النهار } تفسير : [هود: 114] ولما لم يكن الأمر كذلك، علمنا أنها ليست تثنية بل هي لفظة مفردة وضعت للدلالة على التثنية كما أن لفظة كل اسم واحد موضوع للجماعة، فإذن أخبرت عن لفظة كما تخبر عن الواحد كقوله تعالى: { أية : وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً } تفسير : [مريم: 95] وكذلك إذا أخبرت عن كلا أخبرت عن واحد فقلت كلا إخوتك كان قائماً قال الله تعالى: { أية : كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا } تفسير : [الكهف: 33] ولم يقل آتتا، والله أعلم. المسألة الرابعة: قوله: {يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا } معناه: أنهما يبلغان إلى حالة الضعف والعجز فيصيران عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أول العمر. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الجملة فعند هذا الذكر كلف الإنسان في حق الوالدين بخمسة أشياء: النوع الأول: قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: فيه سبع لغات: كسر الفاء وضمها وفتحها، وكل هذه الثلاثة بتنوين وبغير تنوين فهذه ستة واللغة السابعة أفي بالياء قال الأخفش: كأنه أضاف هذا القول إلى نفسه فقال قولي هذا وذكر ابن الأنباري: من لغات هذه اللفظة ثلاثة زائدة على ما ذكره الزجاج: {أُفّ } بكسر الألف وفتح الفاء وافه بضم الألف وادخال الهاء و {أُفّ } بضم الألف وتسكين الفاء. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وابن عامر: بفتح الفاء من غير تنوين، ونافع وحفص: بكسر الفاء والتنوين، والباقون: بكسر الفاء من غير تنوين وكلها لغات، وعلى هذا الخلاف في سورة الأنبياء { أية : أُفّ لَّكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 67] وفي الأحقاف: { أية : أُفّ لَّكُمَا } تفسير : [الأحقاف: 17] وأقول: البحث المشكل ههنا أنا لما نقلنا عشرة أنواع من اللغات في هذه اللفظة، فما السبب في أنهم تركوا أكثر تلك اللغات في قراءة هذه اللفظة، واقتصروا على وجوه قليلة منها؟ المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير هذه اللفظة وجوهاً: الأول: قال الفراء: تقول العرب جعل فلان يتأفف من ريح وجدها، معناه يقول: أف أف. الثاني: قال الأصمعي: الأف وسخ الأذن. والتف وسخ الظفر. يقال ذلك عند استقذار الشيء، ثم كثر حتى استعملوا عند كل ما يتأذون به. الثالث: قال بعضهم أف معناه قلة، وهو مأخوذ من الأفيف وهو الشيء القليل وتف أتباع له، كقولهم: شيطان ليطان خبيث نبيث. الرابع: روى ثعلب عن ابن الأعرابي: الأف الضجر. الخامس: قال القتبي: أصل هذه الكلمة أنه إذا سقط عليك تراب أو رماد نفخت فيه لتزيله والصوت الحاصل عند تلك النفخة هو قولك أف، ثم إنهم توسعوا فذكروا هذه اللفظة عند كل مكروه يصل إليهم. السادس: قال الزجاج: أف معناه النتن وهذا قول مجاهد، لأنه قال معنى قوله: {وَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك كنت تخر أو تبول، وفي رواية أخرى عن مجاهد أنه إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف. المسألة الرابعة: قول القائل: لا تقل لفلان أف، مثل يضرب للمنع من كل مكروه وأذية وإن خف وقل. واختلف الأصوليون في أن دلالة هذا اللفظ على المنع من سائر أنواع الإيذاء دلالة لفظية أو دلالة مفهومة بمقتضى القياس. قال بعضهم: إنها دلالة لفظية، لأن أهل العرف إذا قالوا: لا تقل لفلان أف عنوا به أنه لا يتعرض له بنوع من أنواع الإيذاء والايحاش، وجرى هذا مجرى قولهم فلان لا يملك نقيراً ولا قطميراً في أنه بحسب العرف يدل على أنه لا يملك شيئاً. والقول الثاني: أن هذا اللفظ إنما يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء بحسب القياس الجلي، وتقريره أن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن حكم صورة أخرى، فإذا أردنا إلحاق الصورة المسكوت عن حكمها بالصورة المذكور حكمها فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ثبوت ذلك الحكم في محل السكوت أولى من ثبوته في محل الذكر مثل هذه الصورة، فإن اللفظ إنما دل على المنع من التأفيف، والضرب أولى بالمنع من التأفيف. وثانيها: أن يكون الحكم في محل السكوت مساوياً للحكم في محل الذكر، وهذا هو الذي يسميه الأصوليون القياس في معنى الأصل، وضربوا لهذا مثلاً وهو قوله عليه السلام: « حديث : من أعتق نصيباً له من عبد قوم عليه الباقي » تفسير : فإن الحكم في الأمة والعبد متساويان. وثالثها: أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكبر القياسات. إذا عرفت هذا فنقول: المنع من التأفيف إنما يدل على المنع من الضرب بواسطة القياس الجلي الذي يكون من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى. والدليل عليه: أن التأفيف غير الضرب، فالمنع من التأفيف لا يكون منعاً من الضرب، وأيضاً المنع من التأفيف لا يستلزم المنع من الضرب عقلاً، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكاً عظيماً كان عدواً له، فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته، وإذا كان هذا معقولاً في الجملة علمنا أن المنع من التأفيف مغاير للمنع من الضرب وغير مستلزم للمنع من الضرب عقلاً في الجملة، إلا أنا علمنا في هذه الصورة أن المقصود من هذا الكلام المبالغة في تعظيم الوالدين بدليل قوله: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ } فكانت دلالة المنع من التأفيف على المنع من الضرب من باب القياس بالأدنى على الأعلى، والله أعلم. النوع الثاني: من الأشياء التي كلف الله تعالى العباد بها في حق الأبوين قوله: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره. قال تعالى: { أية : وَأَمَّا ٱلسَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ } تفسير : [الضحى: 10]. فإن قيل: المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار بطريق الأولى، فلما قدم المنع من التأفيف كان ذكر المنع من الانتهار بعده عبثاً. أما لو فرضنا أنه قدم المنع من الانتهار ثم أتبعه بالمنع من التأفيف كان مفيداً حسناً، لأنه يلزم من المنع من الانتهار المنع من التأفيف، فما السبب في رعاية هذا الترتيب؟ قلنا: المراد من قوله: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } المنع من إظهار الضجر بالقليل أو الكثير، والمراد من قوله: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليه والتكذيب له. النوع الثالث: قوله تعالى: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا } واعلم أنه تعالى لما منع الإنسان بالآية المتقدمة عن ذكر القول المؤذي الموحش. والنهي عن القول المؤذي لا يكون أمراً بالقول الطيب، لا جرم أردفه بأن أمره بالقول الحسن والكلام الطيب فقال: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا } والمراد منه أن يخاطبه بالكلام المقرون بأمارات التعظيم والاحترام. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو أن يقول له: يا أبتاه يا أماه، وسئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ، وعن عطاء أن يقال: هو أن تتكلم معه بشرط أن لا ترفع عليهما صوتك ولا تشد إليهما نظرك، وذلك لأن هذين الفعلين ينافيان القول الكريم. فإن قيل: إن إبراهيم عليه السلام كان أعظم الناس حلماً وكرماً وأدباً، فكيف قال لأبيه يا آزر على قراءة من قرأ: { أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأَبِيهِ ءازَرَ } تفسير : بالضم: { أية : إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الأنعام: 74] فخاطبه بالاسم وهو إيذاء، ثم نسبه ونسب قومه إلى الضلال وهو أعظم أنواع الإيذاء؟ قلنا: إن قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } يدل على أن حق الله تعالى مقدم على حق الأبوين، فإقدام إبراهيم عليه السلام على ذلك الإيذاء إنما كان تقديماً لحق الله تعالى على حق الأبوين. النوع الرابع: قوله: {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ } والمقصود منه المبالغة في التواضع، وذكر القفال رحمه الله في تقريره وجهين: الأول: أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية، فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك. والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه. فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه. فإن قيل: كيف أضاف الجناح إلى الذل والذل لا جناح له؟ قلنا: فيه وجهان: الأول: أنه أضيف الجناح إلى الذل كما يقال: حاتم الجود فكما أن المراد هناك حاتم الجواد فكذلك ههنا المراد، واخفض لهما جناحك الذليل، أي المذلول. والثاني: أن مدار الاستعارة على الخيالات فههنا تخيل للذل جناحاً وأثبت لذلك الجناح ضعفاً تكميلاً لأمر هذه الاستعارة كما قال لبيد: شعر : إذ أصبحت بيد الشمال زمامها تفسير : فأثبت للشمال يداً ووضع زمامها في يد الشمال فكذا ههنا وقوله: {مِنَ ٱلرَّحْمَةِ } معناه: ليكن خفض جناحك لهما بسبب فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما بسبب كبرهما وضعفهما. والنوع الخامس: قوله: {وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا } وفيه مباحث: البحث الأول: قال القفال رحمه الله تعالى: إنه لم يقتصر في تعليم البر بالوالدين على تعليم الأقوال بل أضاف إليه تعليم الأفعال وهو أن يدعو لهما بالرحمة فيقول: {رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا } ولفظ الرحمة جامع لكل الخيرات في الدين والدنيا. ثم يقول: {كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا } يعين رب افعل بهما هذا النوع من الإحسان كما أحسنا إلي في تربيتهما إياي، والتربية هي التنمية، وهي من قولهم ربا الشيء إذا انتفع، ومنه قوله تعالى: { أية : فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } تفسير : [فصلت: 39]. البحث الثاني: اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها منسوخة بقوله تعالى: { أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 113] فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين، ولا يقول: رب ارحمهما. والقول الثاني: أن هذه الآية غير منسوخة، ولكنها مخصوصة في حق المشركين، وهذا أولى من القول الأول لأن التخصيص أولى من النسخ. والقول الثالث: أنه لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو لهما بالهداية والإرشاد، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان. البحث الثالث: ظاهر الأمر للوجوب فقوله: {وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا } أمر وظاهر الأمر لا يفيد التكرار فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرة واحدة، سئل سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه؟ أفي اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة؟ فقال: نرجو أن نجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ } تفسير : [الأحزاب: 56] فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أن الله تعالى قال: { أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ } تفسير : [البقرة: 203] فهم يكررون في أدبار الصلوات. ثم قال تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَـٰلِحِينَ } والمعنى أنا قد أمرناكم في هذه الآية بإخلاص العبادة لله تعالى وبالإحسان بالوالدين، ولا يخفى على الله ما تضمرونه في أنفسكم من الإخلاص في الطاعة وعدم الإخلاص فيها، فاعلموا أن الله تعالى مطلع على ما في نفوسكم بل هو أعلم بتلك الأحوال منكم بها، لأن علوم البشر قد يختلط بها السهو والنسيان وعدم الإحاطة بالكل، فأما علم الله فمنزه عن كل هذه الأحوال، وإذا كان الأمر كذلك كان عالماً بكل ما في قلوبكم والمقصود منه التحذير عن ترك الإخلاص. ثم قال تعالى: {إِن تَكُونُواْ صَـٰلِحِينَ } أي إن كنتم برآء عن جهات الفساد في أحوال قلوبكم كنتم أوابين، أي رجاعين إلى الله منقطعين إليه في كل الأعمال وسنة الله وحكمه في الأوابين أنه غفور لهم يكفر عنهم سيآتهم، والأواب هو الذي من عادته وديدنه الرجوع إلى أمر الله تعالى والالتجاء إلى فضله ولا يلتجىء إلى شفاعة شفيع كما يفعله المشركون الذين يعبدون من دون الله جماداً يزعمون أنه يشفع لهم، ولفظ الأواب على وزن فعال، وهو يفيد المداومة والكثرة كقولهم: قتال وضراب والمقصود من هذه الآية أن الآية الأولى لما دلت على وجوب تعظيم الوالدين من كل الوجوه ثم إن الولد قد يظهر منه نادرة مخلة بتعظيمهما فقال: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ } يعني أنه تعالى عالم بأحوال قلوبكم فإن كانت تلك الهفوة ليست لأجل العقوق بل ظهرت بمقتضى الجبلة البشرية كانت في محل الغفران، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيـه ست عشرة مسألة: الأولى ـ {وَقَضَىٰ} أي أمر وألزم وأوجب. قال ابن عباس والحسن وقتادة: وليس هذا قضاء حُكْم بل هو قضاء أمر. وفي مصحف ابن مسعود «ووصَّى» وهي قراءة أصحابه وقراءة ابن عباس أيضاً وعليّ وغيرهما، وكذلك عند أُبَيّ بن كعب. قال ابن عباس: إنما هو «ووصى ربك» فالتصقت إحدى الواوين فقرئت «وقضى ربك» إذ لو كان على القضاء ما عصى الله أحد. وقال الضحاك: تصحفت على قوم «وصى بقضى» حين اختلطت الواو بالصاد وقت كَتْب المصحف. وذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثلَ قول الضحاك. وقال عن ميمون بن مهْران أنه قال: إن على قول ابن عباس لنورا؛ قال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك. وقال: لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، ثم قال علماؤنا المتكلمون وغيرهم القضاء يستعمل في اللغة على وجوه: فالقضاء بمعنى الأمر؛ كقوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} معناه أمر. والقضاء بمعنى الخلق؛ كقوله تعالى: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : [فصلت: 12] يعني خلقهن. والقضاء بمعنى الحكم؛ كقوله تعالى: {أية : فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} تفسير : [طه: 72] يعني احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى الفراغ؛ كقوله: {أية : قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } تفسير : [يوسف: 41] أي فُرغ منه؛ ومنه قوله تعالى {أية : فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ} تفسير : [البقرة: 200]. وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ} تفسير : [الجمعة: 10]. والقضاء بمعنى الإرادة؛ كقوله تعالى: {أية : إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 47]. والقضاء بمعنى العهد؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} تفسير : [القصص: 44]. فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر فلا خلاف أنه لا يجوز ذلك، لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء. وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن فقال إنه طلّق امرأته ثلاثا. فقال: إنك قد عصيت ربك وبانَتْ منك. فقال الرجل: قضى الله ذلك علي فقال الحسن وكان فصيحاً: ما قضى الله ذلك! أي ما أمر الله به، وقرأ هذه الآية: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}. الثانية ـ أمر الله سبحانه بعبادته وتوحيده، وجعل برّ الوالدين مقروناً بذلك، كما قَرَن شكرهما بشكره فقال: «وقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاّ إيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً». وقال: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [لقمان: 14]. وفي صحيح البخاريّ حديث : عن عبد الله قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم أيّ العمل أحبّ إلى الله عز وجل؟ قال: «الصلاة على وقتها» قال: ثم أيّ؟ قال: «ثم بِرُّ الوالدين» قال ثم أيّ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» تفسير : فأخبر صلى الله عليه وسلم أن برّ الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام. ورتّب ذلك بـ «ـثُمّ» التي تعطي الترتيب والمهلة. الثالثة ـ من البِرِّ بهما والإحسانِ إليهما ألاّ يتعرض لسَبّهما ولا يَعقُهُّما؛ فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف، وبذلك وردت السنة الثابتة؛ ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن من الكبائر شَتْمَ الرجلِ والديه قالوا: يا رسول الله، وهل يَشْتُم الرجل والديه؟ قال «نعم. يسبّ الرجلُ أبا الرجل فيَسُبّ أباه ويَسُبُّ أمَّه فيسب أمّه».تفسير : الرابعة ـ عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما؛ كما أن بِرَّهما موافقتهما على أغراضهما. وعلى هذا إذا أمرا أو أحدُهما ولدَهما بأمر وجبت طاعتهما فيه، إذا لم يكن ذلك الأمر معصية، وإن كان ذلك المأمور به من قبيل المباح في أصله، كذلك إذا كان من قبيل المندوب. وقد ذهب بعض الناس إلى أن أَمَرَهما بالمباح يصيّره في حق الولد مندوباً إليه وأمرُهما بالمندوب يزيده تأكيداً في نَدْبيّته. الخامسة ـ روى الترمذي حديث : عن ابن عمر قال: كانت تحتي امرأة أحبّها، وكان أبي يكرهها فأمرني أن أطلقها فأبَيْتُ، فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا عبد الله بن عمر طَلّق امرأتك»تفسير : . قال هذا حديث حسن صحيح. السادسة ـ روى الصحيح عن أبي هريرة قال: حديث : جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: مَن أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمُّك» قال: ثم مَن؟ قال: «ثم أمُّك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك»تفسير : . فهذا الحديث يدلّ على أن محبة الأم والشفقةَ عليها ينبغي أن تكون ثلاثةَ أمثال محبة الأب؛ لذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم الأمَّ ثلاث مرات وذِكْرِ الأب في الرابعة فقط. وإذا توصّل هذا المعنى شهد له العِيان. وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم دون الأب؛ فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب. ورُوي عن مالك أن رجلاً قال له: إن أبي في بلد السودان، وقد كتب إليّ أن أقدَم عليه، وأمِّي تمنعني من ذلك؛ فقال له: أطع أباك، ولا تَعْص أمك. فدلّ قول مالك هذا أن بِرّهما متساوٍ عنده. وقد سئل الليث عن هذه المسألة فأمره بطاعة الأم؛ وزعم أن لها ثلثي البر. وحديث أبي هريرة يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر؛ وهو الحجة على من خالف. وقد زعم المحاسِبِي في (كتاب الرعاية) له أنه لا خلاف بين العلماء أن للأم ثلاثةَ أرباع البر وللأب الربع؛ على مقتضى حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والله أعلم. السابعة ـ لا يختص بِرّ الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا كافِرَين يَبَرّهما ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد؛ قال الله تعالى: {أية : لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ} تفسير : [الممتحنة: 8]. وفي صحيح البخارِيّ حديث : عن أسماء قالت: قَدِمتْ أمّي وهي مشركة في عهد قريش ومدّتهم إذ عاهدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم مع أبيها، فاستفتيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أمّي قَدِمت وهي راغبة أفأصِلُها؟ قال: نعم صِليِ أمَّكِ»تفسير : . وروي أيضاً حديث : عن أسماء قالت: أتتني أميّ راغبة في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم فسألت النبيّ صلى الله عليه وسلم أأصلها؟ قال: «نعم»تفسير : . قال ٱبن عُيينة: فأنزل الله عز وجل فيها: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ} [الممتحنة: 8] الأوّل معلّق والثاني مسند. الثامنة ـ من الإحسان إليهما والبِرّ بهما إذا لم يتعيّن الجهاد ألاّ يجاهد إلا بإذنهما. روى الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: حديث : جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: «أحَيٌّ والداك»؟ قال نعم. قال: ففيهما فجاهد»تفسير : . لفظ مسلم. في غير الصحيح قال: نعم؛ وتركتهما يبكيان. قال: «حديث : اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما»تفسير : . وفي خبر آخر أنه قال: «حديث : نومك مع أبويك على فراشهما يضاحكانك ويلاعبانك أفضل لك من الجهاد معي»تفسير : . ذكره ٱبن خُوَيْز منداد. ولفظ البخارِيّ في كتاب بِرّ الوالدين: أخبرنا أبو نعيم أخبرنا سفيان عن عطاء بن السَّائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: حديث : جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يبايعه على الهجرة، وتَرَكَ أبويه يبكيان فقال: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما»تفسير : . قال ابن المنذر: في هذا الحديث النّهيُ عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النَّفِير؛ فإذا وقع وجب الخروج على الجميع. وذلك بَيِّنٌ في حديث أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيش الأمراء...؛ فذكر قصة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وابن رَوَاحة وأن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى بعد ذلك: أن الصلاة جامعة؛ فٱجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «حديث : أيها الناس، ٱخرجوا فأمِدّوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد» تفسير : فخرج الناس مشاةً وركباناً في حَرٍّ شديد. فدلّ قوله»حديث : ٱخرجوا فأمدوا إخوانكم» تفسير : أن العذر في التخلف عن الجهاد إنما هو ما لم يقع النفير؛ مع قوله عليه السلام: «حديث : فإذا استنفرتم فانْفُرواتفسير : قلت: وفي هذه الأحاديث دليل على أن الفروض أو المندوبات متى اجتمعت قُدّم الأهم منها. وقد استوفى هذا المعنى المحاسبيُّ في كتاب الرعاية. التاسعة ـ واختلفوا في الوالدين المشركَيْن هل يخرج بإذنهما إذا كان الجهاد من فروض الكفاية؛ فكان الثَّوْرِيّ يقول: لا يغزو إلا بإذنهما. وقال الشافعيّ: له أن يغزو بغير إذنهما. قال ابن المنذر: والأجداد آباء، والجدّات أمهات فلا يغزو المرء إلا بإذنهم، ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الإخوة وسائر القرابات. وكان طاوس يرى السّعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله عز وجل. العاشرة ـ من تمام بِرِّهما صِلة أهل وُدِّهما؛ ففي الصحيح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن من أبَرّ البر صلَة الرجل أهل وُدّ أبيه بعد أن يُوَلِّيَ»تفسير : . حديث : وروى أبو أسَيد وكان بَدْرِيًّا قال: كنت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم جالساً فجاءه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر والدَيّ من بعد موتهما شيء أبَرّهما به؟ قال: نعم. الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهذا الذي بقي عليك»تفسير : . وكان صلى الله عليه وسلم يُهدي لصدائق خديجة بِرًّا بها ووفاء لها وهي زوجته، فما ظنّك بالوالدين. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا} خصّ حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بِرّه لتغيّر الحال عليهما بالضّعف والكبر؛ فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل، لأنهما في هذه الحالة قد صارا كَلاًّ عليه، فيحتاجان أن يَلِيَ منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يلِيَا منه؛ فلذلك خصّ هذه الحالة بالذكر. وأيضاً فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة ويحصل الملل ويكثر الضجر فيظهر غضبه على أبويه وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما بدالّة البنوّة وقلّة الديانة، وأقلّ المكروه ما يظهره بتنفسه المتردَّد من الضجر. وقد أمر أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة، وهو السالم عن كل عيب فقال: «فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً». روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رَغِمَ أنْفُه رغم أنفه رغم أنفه» قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: مَن أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كلَيْهما ثم لم يدخل الجنة»تفسير : . وقال البخاري في كتاب بر الوالدين: حدّثنا مسدّد حدّثنا بشر بن المفضل حدّثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي سعيد المَقْبُرِيّ عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رَغِم أنف رجل ذُكرت عنده فلم يصلّ عليّ. رَغِمَ أنفُ رجل أدرك أبويه عند الكبر أو أحدَهما فلم يدخلاه الجنة. ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم ٱنسلخ قبل أن يُغفر له»تفسير : . حدّثنا ٱبن أبي أُوَيْس حدّثني أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن هلال عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرَة السالميّ عن أبيه رضي الله عنه قال: إن كعب بن عُجْرة رضي الله عنه قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أحضروا المنبر فلما خرج رَقِيَ (إلى) المنبر، فرقي في أوّل درجة منه قال آمين ثم رقي في الثانية فقال آمين ثم لما رقي في الثالثة قال آمين، فلما فرغ ونزل من المنبر قلنا: يا رسول الله، لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه منك؟ قال: «وسمعتموه»؟ قلنا نعم. قال: إن جبريل عليه السلام اعترض قال: بَعُد من أدرك رمضان فلم يغفر له فقلت آمين فلما رَقِيت في الثانية قال بَعُدَ من ذُكرتَ عنده فلم يصل عليك فقلت آمين فلما رقيت في الثالثة قال بَعُدَ من أدرك عنده أبواه الكبرَ أو أحدُهما فلم يُدخلاه الجنة قلت آمين»تفسير : . حدّثنا أبو نعيم حدّثنا سلمة بن وردان سمعت أنساً رضي الله عنه يقول: حديث : ارتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر درجة فقال آمين ثم ارتقى درجة فقال آمين ثم ارتقى الدرجة الثالثة فقال آمين، ثم استوى وجلس فقال أصحابه: يا رسول الله، علام أمّنت؟ قال: أتاني جبريل عليه السلام فقال رَغِم أنف من ذُكرتَ عنده فلم يصلّ عليك فقلت آمين ورغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخل الجنة فقلت آمين» تفسير : الحديث. فالسعيد الذي يبادر اغتنام فرصة بِرّهما لئلا تفوته بموتهما فيندم على ذلك. والشقيّ من عقّهما، لا سيما من بلغه الأمر ببرّهما. الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} أي لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرّم. وعن أبي رجاء العُطَارِدِيّ قال: الأُفُّ الكلام القَذَع الرديء الخفيّ. وقال مجاهد: معناه إذا رأيت منهما في حال الشيَخ الغائطَ والبول الذي رأياه منك في الصغر فلا تَقْذَرْهما وتقول أُفّ. والآية أعمّ من هذا. والأُفّ والتُّفّ وسخ الأظفار. ويقال لكل ما يُضجر ويستثقل: أفّ له. قال الأزهري: والتُّفّ أيضاً الشيء الحقير. وقرىء «أُفٍّ» منوّناً مخفوضاً؛ كما تُخفض الأصوات وتُنَوّن، تقول: صَهٍ ومهٍ. وفيه عشر لغات: أفَّ، وأفُّ، وأفِّ، وأُفًّا وأُفٍّ، وأُفٌّ، وأُفَّهْ، وإفْ لك (بكسر الهمزة)، وأُفْ (بضم الهمزة وتسكين الفاء)، وأُفًا (مخففة الفاء). وفي الحديث: «حديث : فألقى طرف ثوبه على أنفه ثم قال أف أف»تفسير : . قال أبو بكر: معناه استقذار لما شَمّ. وقال بعضهم: معنى أف الاحتقار والاستقلال؛ أُخذ من الأَفَف وهو القليل. وقال القُتَبِيّ: أصله نفخك الشيء يَسقط عليك من رماد وتراب وغير ذلك، وللمكان تريد إماطة شيء لتقعد فيه؛ فقيلت هذه الكلمة لكل مستثقل. وقال أبو عمرو بن العَلاء: الأفّ وسخ بين الأظفار، والتُّفّ قُلامتها. وقال الزجاج: معنى أف النّتْن. وقال الأصْمَعِيّ: الأف وسخ الأذن، والتّف وسخ الأظفار؛ فكثر استعماله حتى ذكر في كل ما يُتأذَّى به. وروي من حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو علم الله من العقوق شيئاً أردأ من «أف» لذكره فليعمل البارّ ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار. وليعمل العاقّ ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة»تفسير : . قال علماؤنا: وإنما صارت قوله «أف» للأبوين أردأ شيء لأنه رفضهما رفض كفر النعمة، وجحد التربية وردّ الوصية التي أوصاه في التنزيل. و «أفّ» كلمة مقولة لكل شيء مرفوض؛ ولذلك قال إبراهيم لقومه: {أية : أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنبياء: 67] أي رَفْض لكم ولهذه الأصنام معكم. الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} النَّهْر: الزجر والغِلظة. {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} أي لَيِّناً لطيفاً، مثل: يا أبتاه ويا أمّاه، من غير أن يسميهما أو يُكَنِّيهما؛ قاله عطاء. وقال أبو الهدّاج التُّجِيبيّ: قلت لسعيد بن المسيّب كلّ ما في القرآن من برّ الوالدين قد عرفته إلا قول: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} ما هذا القول الكريم؟ قال ابن المسيّب: قولُ العبد المذنب للسيد الفَظّ الغليظ. الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} هذه استعارة في الشفقة والرحمة بهما والتذلل لهما تذلّل الرعية للأمير والعبيد للسادة؛ كما أشار إليه سعيد بن المسيّب. وضَربَ خَفْضَ الجناح ونصبه مثلاً لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده. والذل: هو اللين. وقراءة الجمهور بضم الذال، من ذَلّ يَذِل ذُلاًّ وذِلّة ومَذلة فهو ذالّ وذليل. وقرأ سعيد بن جُبير وابن عباس وعروة بن الزبير «الذِّل» بكسر الذال، ورُويت عن عاصم؛ من قولهم: دابّة ذَلول بينة الذِّل. والذِّل في الدواب المنقاد السهل دون الصعب. فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذِلة، في أقواله وسكناته ونظره، ولا يُحِدّ إليهما بصره فإن تلك هي نظرة الغاضب. الخامسة عشرة ـ الخطاب في هذه الآية للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته؛ إذ لم يكن له عليه السلام في ذلك الوقت أبوان. ولم يذكر الذلّ في قوله تعالى: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 215] وذكره هنا بحسب عظم الحق وتأكيده. و «مِن» في قوله: {مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} لبيان الجنس، أي إن هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنّة في النفس، لا بأن يكون ذلك استعمالاً. ويصح أن يكون لانتهاء الغاية، ثم أمر تعالى عباده بالترحّم على آبائهم والدعاء لهم، وأنْ ترحمهما كما رحماك وتَرْفُق بهما كما رَفَقا بك؛ إذ وَلِيَاك صغيراً جاهلاً محتاجاً فآثراك على أنفسهما، وأسهرا ليلهما، وجاعا وأشبعاك، وتعرّيا وكَسَواك، فلا تجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر الحدَّ الذي كنت فيه من الصغر، فتَلي منهما ما وَلِيَا منك، ويكون لهما حينئذ فضل التقدّم. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يَجْزِي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشترِيَه فيُعْتِقه»تفسير : . وسيأتي في سورة «مريم» الكلام على هذا الحديث. السادسة عشرة ـ قوله تعالى: {كَمَا رَبَّيَانِي} خصّ التربية بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية، فيزيده ذلك إشفاقاً لهما وحناناً عليهما، وهذا كله في الأبوين المؤمنين. وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي قُرْبَى، كما تقدم. وذُكر عن ابن عباس وقتادة أن هذا كله منسوخ بقوله: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 113] ـ إلى قوله ـ أصْحَابُ الجحِيم» فإذا كان والدا المسلم ذِمِّيّيْن استعمل معهما ما أمره الله به هاهنا؛ إلا الترحم لهما بعد موتهما على الكفر؛ لأن هذا وحده نسخ بالآية المذكورة. وقيل: ليس هذا موضع نسخ، فهو دعاء بالرحمة الدنيوية للأبوين المشركين ما داما حيّين، كما تقدم. أو يكون عموم هذه الآية خُصّ بتلك، لا رحمة الآخرة، لا سيما وقد قيل إن قوله: {وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا} نزلت في سعد بن أبي وَقّاص، فإنه أسلم، فألقت أمُّه نفسها في الرّمْضَاء متجرِّدة، فذكر ذلك لسعد فقال: لِتَمُت، فنزلت الآية. وقيل: الآية خاصة في الدعاء للأبوين المسلمين. والصواب أن ذلك عموم كما ذكرنا، وقال ابن عباس قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أمسى مُرْضِياً لوالدَيْه وأصبح أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان من الجنة وإن واحداً فواحداً. ومن أمسى وأصبح مُسْخطاً لوالديه أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى النار وإن واحداً فواحداً» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله، وإن ظلماه؟ قال: «حديث : وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه»تفسير : . وقد روينا بالإسناد المتصل عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: حديث : جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أبي أخذ مالي. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم للرجل: «فأتني بأبيك» فنزل جبريل عليه السلام على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمِعته أذناه فلما جاء الشيخ قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما بال ٱبنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله؟» فقال: سله يا رسول الله، هل أنفقه إلا على إحدى عمّاته أو خالاته أو على نفسي! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إيهِ، دعنا من هذا. أخبرني عن شيء قلتَه في نفسك ما سمِعَتْه أذناك؟ فقال الشيخ: والله يا رسول الله، ما زال الله عز وجل يزيدنا بك يقينا، لقد قلتُ في نفسي شيئاً ما سمعته أذناي. قال: «قل وأنا أسمع» قال قلت:شعر : غَذَوْتُكَ مولودا ومُنْتُك يافِعا تُعَلّ بما أجْنِي عليك وتُنْهَلُ إذا ليلةٌ ضافَتك بالسُّقم لم أَبِتْ لسُقْمك إلا ساهراً أتململُ كأني أنا المطروق دونك بالذي طُرِقتَ به دوني فَعَيْنِيَ تَهْمُلُ تخاف الرَّدَى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقتٌ مؤجل فلما بلغتَ السنّ والغايةَ التي إليها مَدَى ما كنتُ فيك أؤمّلُ جعلتَ جزائِي غِلظة وفظاظة كأنك أنت المُنْعِمُ المتفضِّلُ فليتَك إذ لم تَرْعَ حقّ أبوّتي فعلتَ كما الجار المُصَاقِب يفعل فأوْليتني حقّ الجِوار ولم تكن عليّ بمال دون مالك تَبْخَلُ حديث : قال: فحينئذ أخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم بتلابيب ٱبنه وقال: «أنت ومالك لأبيك»تفسير : . قال الطبراني: اللَّخْمِيُّ لا يروى ـ يعني هذا الحديث ـ عن ابن المنكدر بهذا التمام والشعر إلا بهذا الإسناد؛ وتفرّد به عبيد الله بن خلصة. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَضَىٰ } أمر {رَبُّكَ } ن أي بأن {لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ * إِيَّاهُ و} وأن تحسنوا {بِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَٰناً } بأن تبروهما {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمآ } فاعل {أَوْ كِلاَهُمَا } وفي قراءة «يَبْلُغانِّ» فأحدهما بدل من ألفه {فَلاَ تَقُل لَّهُمآ أُفٍّ } بفتح الفاء وكسرها منوناً وغير منون مصدر بمعنى تبا وقبحاً {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } تزجرهما {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا } جميلاً ليّناً.
ابن عطية
تفسير : {قضى} في هذه الآية هي بمعنى أمر وألزم وأوجب عليكم وهكذا قال الناس، وأقول إن المعنى {وقضى ربك} أمره {ألا تعبدوا إلا إياه} وليس في هذه الألفاظ الأمر بالاقتصار على عبادة الله فذلك هو المقضي لا نفس العبادة، وقضى في كلام العرب أتم المقضي محكماً، والمقضي هنا هو الأمر، وفي مصحف ابن مسعود "ووصى ربك" وهي قراءة أصحابه، وقراءة ابن عباس والنخعي وسعيد بن جبير وميمون ابن مهران وكذلك عند أبي بن كعب، وقال الضحاك تصحف على قوم وصى بـ "قضى" حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وإنما القراءة مروية بسند، وقد ذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثل قول الضحاك، وقال عن ميمون بن مهران: إنه قال إن على قول ابن عباس لنوراً، قال الله تعالى {أية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك} تفسير : [الشورى: 13] ثم ضعف أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك، وقال لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، والضمير في {تعبدوا} لجميع الخلق، وعلى هذا التأويل مضى السلف والجمهور، وسأل الحسن بن أبي الحسن رجل فقال له: إنه طلق امرأته ثلاثاً فقال له الحسن: عصيت ربك وبانت منك امرأتك، فقال له الرجل قضي ذلك علي، فقال له الحسن وكان فصيحاً، ما قضى الله أي ما أمر الله، وقرأ هذه الآية، فقال الناس: تكلم الحسن في القدر. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تكون {قضى} على مشهورها في الكلام، ويكون الضمير في قوله {تعبدوا} للمؤمنين من الناس إلى يوم القيامة، لكن على التأويل الأول يكون قوله: {وبالوالدين إحساناً} عطفاً على {أن} الأولى أي أمر الله ألا تعبدوا إلا إياه وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً، وعلى هذا الاحتمال الذي ذكرناه يكون قوله {وبالوالدين إحساناً} مقطوعاً من الأول كأنه أخبرهم بقضاء الله ثم أمرهم بالإحسان إلى الوالدين، و {إما} شرطية، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وعاصم وابن عامر "يبلغنّ"، وروي عن ابن ذكوان "يبلغنَ" بتخفيف النون، وقرأ حمزة والكسائي "يبلغان" وهي قراءة أبي عبد الرحمن ويحيى وطلحة والأعمش والجحدري، وهي النون الثقيلة دخلت مؤكدة وليست بنون تثنية فعلى القراءتين الأوليين يكون قوله {أحدهما} فاعلاً، وقوله {أو كلاهما} معطوفاً عليه، وعلى هذه القراءة الثانية يكون قوله {أحدهما} بدلاً من الضمير في يبلغان وهو بدل مقسم كقول الشاعر: [الطويل] شعر : وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلَّت تفسير : ويجوز أن يكون {أحدهما} فاعلاً وقوله {أو كلاهما} عطف عليه ويكون ذلك على لغة من قال أكلوني البراغيث، وقد ذكر هذا في هذه الآية بعض النحويين وسيبويه لا يرى لهذه اللغة مدخلاً في القرآن، وقرأ أبو عمرو "أفِّ" بكسر الفاء وترك التنوين، وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وقرأ نافع والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة وعيسى "أفٍّ" بالكسر والتنوين، وقرأ ابن كثير وابن عامر "أفَّ" بفتح الفاء، وقرأ أبو السمال "أفٌّ" بضم الفاء، وقرأ ابن عباس "أف" خفيفة، وهذا كله بناء إلا أن قراءة نافع تعطي التنكير كما تقول آية، وفيها لغات لم يقرأ بها "أف" بالرفع والتنوين على أن هارون حكاها قراءة، "وأفّاً" بالنصب والتنوين "وأفي" بياء بعد الكسرة حكاها الأخفش الكبير، "وأفاً" بألف بعد الفتحة، "وأفّْ" بسكون الفاء المشددة "وأَف" مثل رب، ومن العرب من يميل "أفاً"، ومنهم من يزيد فيها هاء السكت فيقول "أفاه". قال القاضي أبو محمد: ومعنى اللفظة أنها اسم فعل كأن الذي يريد أن يقول أضجر أو أتقذر أو أكره أو نحو هذا يعبر إيجازا بهذه اللفظة، فتعطي معنى الفعل المذكور،وجعل الله تعالى هذه اللفظة مثالاً لجميع ما يمكن أن يقابل به الآباء مما يكرهون، فلم ترد هذه في نفسها، وإنما هي مثال الأعظم منها، والأقل فهذا هو مفهوم الخطاب الذي المسكوت عنه حكمه حكم المذكور، والانتهار إظهار الغضب في الصوت واللفظ، والقول الكريم الجامع للمحاسن من اللين وجودة المعنى وتضمن البر، وهذا كما تقول ثوب كريم تريد أنه جم المحاسن، و"الألف" وسخ الأظفار، فقالت فرقة إن هذه اللفظة التي في الآية مأخوذة من ذلك وقال مجاهد في قوله {ولا تقل لهما أف} معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخ الغائط والبول الذي رأياه في حال الصغر فلا تستقذرهما. وتقول {أف}. قال القاضي أبو محمد: والآية أعم من هذا القول وهو داخل في جملة ما تقتضيه، وقال أبو الهدَّاج النجيبي: قلت لسعيد بن المسيب كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته إلا قوله {وقل لهما قولاً كريماً} ما هذا القول الكريم؟ قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظّ، وقوله {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} استعارة أي اقطعهما جانب الذل منك ودمث لهما نفسك وخلقك، وبولغ بذكر {الذل} هنا ولم يذكر في قوله {أية : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} تفسير : [الشعراء: 215] وذلك بحسب عظم الحق هنا، وقرأ الجمهور "الذُّل" بضم الذال، وقرأ سعيد بن جبير وابن عباس وعروة بن الزبير "الذِل" بكسر الذال، ورويت عن عاصم بن أبي النجود، و"الذل" في الدواب ضد الصعوبة ومنه الجمل الذلول، والمعنى يتقارب وينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة في أقواله واستكانته ونظره ولا يحد إليهما بصره فإن تلك هي نظرة الغاضب والحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أبعده الله وأسحقه" تفسير : قالوا من يا رسول الله؟ قال: "حديث : من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له" تفسير : . وقوله {من الرحمة}، {من} هنا لبيان الجنس أي إن هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنة في النفس لا بأن يكون ذلك استعمالاً، ويصح أن يكون لابتداء الغاية، ثم أمر الله عبادة بالترحم على آبائهم وذكر منتهما عليه في التربية ليكون تذكر تلك الحالة مما يزيد الإنسان إشفاقاً لهما وحناناً عليهما، وهذا كله في الأبوين المؤمنين، وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي قربى، وذكر عن ابن عباس هنا لفظ النسخ، وليس هذا موضع نسخ، وقوله {ربكم أعلم بما في نفوسكم} أي من اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما أو من غير ذلك، ويجعلون ظاهر برهما رياء، ثم وعد في آخر الآية بالغفران مع شرط الصلاح والأوبة بعد الأوبة إلى طاعة الله، واختلفت عبارة الناس في {الأوابين}، فقالت فرقة هم المصلحون، وقال ابن عباس: هم المسبحون، وقال أيضاً: هم المطيعون المحسنون، وقال ابن المنكدر: هم الذين يصلون العشاء والمغرب، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في ذلك الوقت فقال: "حديث : تلك صلاة الأوابين"تفسير : ، وقيل غير هذا من المستغفرين ونحوه، وقال عون العقيلي: هم الذين يصلون صلاة الضحى، وحقيقة اللفظة أنه من آب يؤوب إذا رجع، وهؤلاء كلهم لهم رجوع أبداً إلى طاعة الله تعالى، ولكنها لفظة لزم عرفها أهل الصلاح، قال ابن المسيب هو العبد يتوب ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب، وفسر الجمهور {الأوابين} بالرجاعين إلى الخير، وقال ابن جبير: أراد بقوله غفوراً للأوابين الزلة والفلتة تكون من الرجل إلى أحد أبويه، وهو لم يصر عليها بقلبه ولا علمها الله من نفسه، وقالت فرقة "خفض الجناح" هو ألا يمتنع من شيء يريدانه.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَقَضَى} أمر "ع" قال الضحاك: كانت في المصحف "ووصى" فألصق الكاتب الواو بالصاد فصارت وقضى قلت: هذا هوس {فَلا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} إذا رأيت بهما الأذى أو أمطت عنهما الخلاء فلا تضجر كما لم يضجرا في صغرك لما أماطاه عنك، {أُفٍّ}: كل ما غلظ وقبح من الكلام أو استقذار للنتن وتغير الرائحة، أو كلمة دالة على التبرم والضجر. ويقولون: أُف وتف فالأُف وسخ الأظفار والتف ما رفعته بيدك من الأرض من شيء حقير. {كَرِيماً} ليناً، أو حسناً. نزلت والتي بعدها في سعد بن أبي وقاص "ع".
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ...} الآية: {قَضَى}، في هذه الآية: هي بمعنى أمر وألزم وأوجب عليكم؛ وهكذا قال الناس، وأقول: إن المعنى وقَضَى ربك أمره، فالمقضِيُّ هنا هو الأمْرُ، وفي مصحفِ ابن مسعود: «وَوَصَّى رَبُّكَ»، وهي قراءة ابن عباس وغيره، والضمير في {تَعْبُدُواْ } لجميع الخلق؛ وعلى هذا التأويل مضى السلفُ والجمهور، ويحتمل أنْ يكون {قَضَى } على مشهورها في الكلامِ، ويكون الضمير في {تَعْبُدُواْ } للمؤمنين من الناس إِلى يوم القيامة. وقوله: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} معنى اللفظة أنها اسمُ فعل؛ كأن الذي يريد أن يقول: أَضْجَرُ أو أتقذَّرُ أو أكْرَه، ونحوَ هذا، يعبِّر إيجازاً بهذه اللفظة، فتعطي معنى الفعْل المذكورِ، وإذا كان النهْيُ عن التأفيفِ فما فوقه من باب أحَرى، وهذا هو مفهومُ الخِطَابِ الذي المسكُوتُ عنه حُكْمُهُ حكْمُ المذكور. قال * ص *: وقرأ الجمهور {ٱلذُّلِّ} بضم الذال، وهو ضد العِزِّ، وقرأ ابن عباس وغيره بكسرها، وهو الانقيادُ ضدُّ الصعوبة انتهى، وباقي الآية بيِّن. قال ابن الحاجب في «منتهى الوُصول»، وهو المختصَرُ الكَبِير: المفهومُ ما دَلَّ عليه اللفظُ في غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْق، وهو: مفهوم موافقة، ومفهومُ مخالفة، فالأول: أنْ يكون حُكْمُ المفهومِ موافقاً للمنطوق في الحُكْم، ويسمَّى فَحْوَى الخطابِ، ولَحْنَ الخِطَابِ، كتحريم الضَّرْبِ من قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} وكالجَزَاء بما فَوْقَ المِثْقالِ من قوله تعالى: { أية : وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } تفسير : [الزلزلة:8]، وكتأديةِ ما دُونَ القْنطار من قوله تعالى: { أية : وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } تفسير : [آل عمران:75] وعدم تأدية ما فوق الدينار من قوله تعالى: { أية : بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } تفسير : [آل عمران:75] وهو من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، والأعلى على الأدنى، فلذلك كان الحُكم في المسكوتِ أولى، وإِنما يكون ذلك إِذا عُرِفَ المقصودُ من الحُكْم، وأنه أشدُّ مناسبةً في المسكوت؛ كهذه الأمثلة، ومفهومُ المخالفة: أنْ يكونَ المَسْكُوتُ عنه مخالفاً للمنطوقِ به في الحُكْم ويسمَّى دليلَ الخطاب وهو أقسامٌ: مفهومُ الصفة؛ مثل: « حديث : في الغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ » تفسير : ،ومفهومُ الشرط، مثل: { أية : وَإِن كُنَّ أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ } تفسير : [الطلاق:6] ومفهوم الغاية، مثل: { أية : حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } تفسير : [البقرة:230] ومفهوم إنَّما مثل: « حديث : إنما الرِّبَا في النَّسِيئَةِ » تفسير : ومفهومُ الاستثناء مِثل: «لا إله إلا الله» ومفهوم العددِ الخاصِّ، مثلَ: { أية : فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } تفسير : [النور:4]، ومفهومُ حَصَرْ المبتدإِ مثل: العِالمُ زَيْد، وشرطُ مفهومِ المخالفة عْند قائله ألاَّ يظهر أن المسكوتَ عنه أولى ولا مساوياً؛ كمفهومِ الموافَقَةِ، ولا خرج مَخْرَجَ الأعمِّ الأغلب، مثل: { أية : وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّـٰتِي فِي حُجُورِكُم } تفسير : [النساء:23] فأما مفهومُ الصفةِ، فقال به الشافعيُّ، ونفاه الغَزَّاليُّ وغيره. انتهى. وفسَّر الجمهوُرُ الأوَّابين بالرَّجَّاعين إلى الخير، وهي لفظة لزم عُرْفُها أهْلَ الصلاح. * ت *: قال عَبْدُ الحقِّ الأشَبِيليُّ: واعَلَمْ أنَّ الميت كالحيِّ فيما يُعْطَاه ويُهْدى إِليه، بل الميت أكثر وأكثر؛ لأن الحي قد يستقلُّ ما يُهْدَى إِليه، ويستحقرُ ما يُتْحَفُ به، والميت لا يستحقر شيئاً من ذلك، ولو كان مقدارَ جناحِ بعوضةٍ، أو وزْنَ مثقالِ ذرةٍ، لأنه يعلم قيمته، وقد كان يقدر عليه، فضيَّعه، وقد قال عليه السلام: « حديث : إِذَا مَاتَ الإِنسانُ ٱنْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاِتٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةَ جَارِيَةٍ، أَوْ علْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ » تفسير : فهذا دعاءُ الولدِ يصلُ إِلى والده، وينتفعُ به، وكذلك أمره عليه السلام بالسَّلاَمِ على أهْلِ القُبُورِ والدعاءِ لهمْ ما ذاك إِلا لكونِ ذلك الدعاءِ لهُمْ والسلام عليهمْ، يصلُ إليهم ويأتيهم، والله أعلم، وروي عنه عليه السلام؛ أنه قال: ( حديث : لكون الميِّتُ في قَبْرِهِ كالغَرِيقِ يَنْتَظرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ من ابْنِهِ أَو أَخِيهِ أو صَدِيقِهِ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ، كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدَّنْيا وَمَا فِيهَا » تفسير : والأخبارُ في هذا الباب كثيرةٌ انتهى من «العاقبة». * ت *: وروى مالك في «الموطإ» عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيَّب، أنه قال: كان يقال: إِن الرجُلَ ليُرْفَعُ بدعاءِ ولده من بعده وأشارَ بيَدِهِ نحو السماء. قال أبو عمرو: وقد رُوِّينَاه بإسناده جيِّدٍ، ثم أسند عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ العَبْدَ الدَّرَجَةَ، فَيقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَنَّى لي هَذِهِ الدَّرَجَةُ؟ فَيقالُ: باسْتِغْفَارَ وَلَدِكَ لَكَ » تفسير : انتهى من «التمهيد»، وروِّينا في «سنن أبي داود»؛ « حديث : أنَّ رجُلاً مِنْ بني سَلَمَةَ قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقيَ مِنْ برِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ، أَبُّرُهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ الصَّلاَةُ عَلَيْهما، والاسْتِغْفَارُ لَهُما وإِنْفَاذُ عَهْدِهِما مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصَلَةُ الرَّحِمِ التي لاَ تُوَصَلُ إِلاَّ بِهمَا، وإِكْرَامُ صَدِيِقِهَما » تفسير : انتهى. وقوله سبحانه: {وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ...} الآية: قال الجمهورُ: الآية وصيةٌ للنَّاس كلِّهم بصلة قرابتهم، خوطِبَ بذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة، «والحَقُّ»، في هذه الآية، ما يتعيَّن له؛ مِنْ صلة الرحم، وسدِّ الخُلْة، والمواساةِ عند الحاجة بالمالِ والمعونةِ بكلِّ وجْه؛ قال بنحو هذا الحسنُ وابن عباس وعكرمة وغيرهم، «والتبذير» إِنفاق المال في فسادٍ أو في سرفٍ في مباحٍ. وقوله تعالى: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ }، أي: عمَّن تقدَّم ذكره من المساكين وابن السبيل، {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا}، أي: فيه ترجيةٌ بفضل اللَّه، وتأنيسٌ بالميعاد الحسنِ، ودعاءٌ في توسعة اللَّه وعطائه، وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقولُ بَعْدَ نزولِ هذه الآية، « حديث : إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُعْطِي: يَرْزُقُنا اللَّهُ وإيَّاكُمْ مِنْ فضله » تفسير : والـــ {رَحْمَةٍ} على هذا التأويل: الرزق المنتظر، وهذا قول ابن عباس وغيره، والميسور: من اليسر.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}. لما ذكر في الآية المتقدمة ما هو الركن الأعظم في الإيمان، أتبعه بذكر ماهو من شعائر الإيمان وشرائعه، وهي أنواع: الأول: أن يشتغل الإنسان بعبادة الله سبحانه وتعالى، ويتحرَّز عن عبادة غير الله تعالى. والقضاءُ: الحكم الجزم البتُّ الذي لا يقبل النسخ؛ لأنَّ الواحد منا، إذا أمر غيره بشيءٍ لا يقال: قضى عليه، فإذا أمره أمراً جزماً، وحكم عليه بذلك على سبيل البتِّ والقطع، فها هنا يقال: قضى عليه، وروى ميمون بن مهران عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - أنه قال في هذه الآية: كان الأصلُ: "ووصَّى ربُّكَ"، فالتصقت إحدى الواوين بالصَّاد، فصارت قافاً فقرىء "وقَضَى ربُّكَ". ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحدٌ قط؛ لأنَّ خلاف قضاء الله ممتنعٌ، هذا رواه عنه الضحاك بنُ مزاحم، وسعيد بن جبيرٍ، وهو قراءة عليٍّ وعبد الله. وهذا القول بعيدٌ جدًّا؛ لأنه يفتح باب أنَّ التحريف والتغيير قد تطرق إلى القرآن، ولو جوَّزنا ذلك، لارتفع الأمانُ عن القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجَّة، وذلك طعنٌ عظيمٌ في الدِّين. وقرأ الجمهور "قَضَى" فعلاً ماضياً، فقيل: هي على موضوعها الأصلي؛ قال ابن عطية: "ويكون الضمير في "تَعْبدُوا" للمؤمنين من الناس إلى يوم القيامة". وقال ابن عبَّاس وقتادة والحسن بمعنى: أمَرَ. وقال مجاهد: بمعنى: أوصى. وقال الربيع بن أنسٍ: أوجب وألزم. وقيل بمعنى: حكم. وقرأ بعض ولد معاذ بن جبل: "وقضاءُ ربِّك" اسماً مصدراً مرفوعاً بالابتداء، و "ألاَّ تَعْبدُوا" خبره. قوله تعالى: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}: يجوز أن تكون "أنْ" مفسرة؛ لأنها بعد ما هو بمعنى القول، و "لا" ناهية، ويجوز أن تكون الناصبة، و "لا" نافية، أي: بأن لا، ويجوز أن تكون المخففة، واسمها ضمير الشأن، و "لا" ناهية أيضاً، والجملة خبرها، وفيه إشكال؛ من حيث وقوع الطَّلب خبراً لهذا الباب، ومثله في هذا الإشكال قوله: {أية : أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ} تفسير : [النمل: 8]، وقوله: {أية : أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ} تفسير : [النور: 9] لكونه دعاء، وهو طلبٌ أيضاً، ويجوز أن تكون الناصبة، و "لا" زائدة. [قال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون في موضع نصب، [أي:] ألزم ربُّك عبادته و "لا" زائدة"]. قال أبو حيَّان: "وهذا وهمٌ؛ لدخول "إلاَّ" على مفعول "تَعْبدُوا" فلزم أن يكون نفياً، أو نهياً". قوله تعالى: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} قد تقدم نظيره في البقرة. وقال الحوفي: "الباء متعلقة بـ "قَضَى" ويجوز أن تكون متعلقة بفعلٍ محذوف تقديره: وأوصى بالوالدين إحساناً، و "إحساناً" مصدر، أي: يحسنون بالوالدين إحساناً". وقال الواحديُّ: "الباءُ من صلة الإحسان، فقدِّمت عليه؛ كما تقول: بزيدٍ فانزل" وقد منع الزمخشري هذا الوجه؛ قال: "لأنَّ المصدر لا يتقدَّم عليه معموله". قال شهاب الدين: والذي ينبغي أن يقال: إنَّ هذا المصدر إن عنى به أنَّه ينحلُّ لحرفٍ مصدريٍّ، وفعلٍ، فالأمر على ما ذكر الزمخشريُّ، وإن كان بدلاً من اللفظ بالفعل، فالأمرُ على ما قال الواحديُّ، فالجوازُ والمنع بهذين الاعتبارين. وقال ابن عطية: "قوله {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} عطف على "أنْ" الأولى، أي: أمر الله ألاَّ تعبدوا إلاَّ إيَّاه، وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً". واختارأبو حيَّان أن يكون "إحْسَاناً" مصدراً واقعاً موقع الفعل، وأنَّ "أنْ" مفسرة، و "لا" ناهية، قال: فيكون قد عطف ما هو بمعنى الأمر على نهيٍ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3394-................. يقُولُونَ: لا تهْلِكَ أسًى وتَجمَّلِ تفسير : قلت: و "أحْسنَ" و "أسَاءَ" يتعدَّيان بـ "إلى" وبـ "الباء". قال تعالى: {أية : وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ} تفسير : [يوسف: 100] وقال كثير عزَّة: [الطويل] شعر : 3395- أسِيئي بِنَا أو أحْسِنِي لا مَلُومَة ................... تفسير : وكأنه ضُمِّن "أحْسنَ" لمعنى "لَطُفَ" فتعدَّى تعديته. فصل في نظم الآية لما أمر بعبادة نفسه أتبعه ببرِّ الوالدين، ووجه المناسبة بين الأمرين أمورٌ: أوَّلها: أنَّ السبب الحقيقيَّ لوجود الإنسان هو تخليق الله وإيجاده، والسبب الظاهريّ هو الأبوان، فأمر بتعظيم السبب الحقيقي، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري. وثانيها: أنَّ الموجود: إما قديمٌ، وإما محدث، ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الإله القديم بالتعظيم والعبودية، ومع المحدث بإظهار الشفقة، وهو المراد من قوله - صلوات الله البرِّ الرَّحيم وسلامه عليه -: "حديث : والتعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله" تفسير : وأحقُّ الخلق بالشفقة الأبوان؛ لكثرة إنعامهما على الإنسان. فقوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} إشارة إلى التَّعظيم لأمر الله تعالى، وقوله تعالى: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} إشارة إلى الشَّفقة على خلق الله. وثالثها: أنَّ الاشتغال بشكر المنعم واجبٌ، ثمَّ المنعم الحقيقي هو الخالق سبحانه وتعالى جلَّ ذكره لا إله إلا هو، وقد يكون بعض المخلوقين منعماً عليك، وشكره أيضاً واجبٌ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ لمْ يشكُر النَّاس، لمْ يشكُر الله"تفسير : ، وليس لأحدٍ من الخلائق نعمةٌ على الإنسان مثل ما للوالدين، وتقريره من وجوه: أحدها: أن الولد قطعةٌ من الوالدين؛ قال - عليه السلام -: "حديث : فَاطِمةُ بضَعةٌ منِّي يُؤذِينِي ما يُؤذيها ". تفسير : وأيضاً شفقة الوالدين على الولد عظيمة، وجدهما في إيصال الخير إلى الولد أمرٌ طبيعيٌّ، واحترازهما عن إيصال الضرر إليه أمر طبيعيٌّ أيضاً؛ فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة، بل هي أكثر من كلِّ نعمة تصل من إنسانٍ إلى إنسانٍ. وأيضاً: حال ما يكون الإنسان في غاية الضَّعفٍ ونهاية العجز يكون جميعُ أصناف نعم الأبوين في ذلك الوقت واصلة إلى الولدِ، وإذا وقع الإنعام على هذا الوجه، كان موقعه عظيماً. وأيضاً: فإيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض، فكان الإنعام فيه أتمَّ وأكمل، فثبت بهذه الوجوه أنه ليس لأحدٍ من المخلوقين نعمةٌ على غيره مثل ما للوالدين على الولدِ، فلهذا بدأ الله بشكر نعمة الخالق؛ فقال تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين، فقال تعالى: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}. فإن قيل: إنَّ الوالدين إنَّما طلبا تحصيل اللذَّة لأنفسهما؛ فلزم منه دخول الولد في الوجود، ودخوله في عالم الآفات والمخافات، فأيُّ إنعامٍ للأبوين على الولد. يحكى أن بعض المنتسبين للحكمة كان يضربُ أباه، ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد، وعرَّضني للموت، والفقر، والعمى، والزَّمانة. وقيل لأبي العلاء المعرِّي: ماذا تكتب على قبرك؟ فقال اكتبوا عليه: [الكامل] شعر : 3396- هَذَا جَناهُ أبِي عَلَيْــ يَ وما جَنَيْتُ عَلى أحَدْ تفسير : وقال في ترك التزوج والولد: [الكامل] شعر : 3397- وتَركْتُ فِيهِمْ نِعْمةَ الْـــ عدم التي سبقت نعيم العاجل ولوْ أنَّهُمْ ولَدُوا لعَانَوا شِدَّة تَرْمِي بِهمْ في مُوبِقاتِ الآجلِ تفسير : وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم ملَّة عليك أم والدك؟ فقال: الأستاذ أعظم منَّة؛ لأنَّه تحمَّل أنواع الشَّدائد عند تعليمي وأوقفني في نور العلم، وأمَّا الوالدُ فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه، فأخرجني إلى آفاتِ عالمِ الكون والفساد. ومن الكلمات المشهورة المأثورة: "خَيْرُ الآبَاءِ من عَلَّمكَ" والجواب: هبْ أنَّه في أوَّل الأمر طلب لذة الوقاعِ، إلاَّ أن الاهتمام بإيصال الخيراتِ إليه، ودفع الآفاتِ من أوَّل دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر، أليس أنَّه أعظم من جميع ما يصل إليه من جهاتِ الخيرات والمبرات؟ فسقطت هذه الشبهات. واعلم أن لفظ الآية يدلُّ على معانٍ كثيرة، كل واحدٍ منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين، منها أنه تبارك وتعالى قال في الآية المتقدمة: {أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا}تفسير : [الإسراء: 19]، ثم أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي يحصل بها الفوز بسعادة الآخرة. وذكر من جملتها البرَّ بالوالدين، وذلك يدلُّ على أن هذه الطاعة من أصول الطَّاعات التي تفيد سعادة الآخرة. ومنها أنَّه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتَّوحيد، وثنَّى بطاعة الله، وثلَّث ببرِّ الوالدين، وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطَّاعة. ومنها: أنه تعالى لم يقل: "وإحْسَاناً بالوَالِديْنِ"، بل قال: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، فتقديم ذكرهما يدل على شدَّة الاهتمام. ومنها: أنه تعالى قال: "إحْسَاناً" بلفظ التنكير، والتنكير يدلُّ على التعظيم، أي: إحساناً عظيماً كاملاً؛ لأنَّ إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة؛ فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، وإن لم تحسن إليهما كذلك، فلا تحصل المكافأة؛ لأنَّ إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداءِ، وفي الأمثال المشهورة: "إنَّ البَادِىء بالبرِّ لا يُكَافأ". قوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ} قرأ الأخوان "يَبْلغانِّ" بألف التثنية قبل نون التوكيد المشددة المكسورةِ، والباقون دون ألف وبفتحِ النون، فأمَّا القراءة الأولى، ففيها أوجه: أحدها: أن الألف ضمير الوالدين؛ لتقدُّم ذكرهما، و "أحَدُهمَا" بدلٌ منه، و "أو كلاهما" عطف عليه، وإليه نحا الزمخشريُّ وغيره، واستشكله بعضهم بأنَّ قوله "أحَدهُمَا" بدل بعضٍ من كلٍّ، لا كل من كلٍّ؛ لأنه غير وافٍ بمعنى الأول، وقوله بعد ذلك "أو كلاهما" عطف على البدل، فيكون بدلاً، وهو من بدل الكلِّ من الكلِّ؛ لأنه مرادف لألف التثنية، لكنه لا يجوز أن يكون بدلاً؛ لعروِّه عن الفائدة؛ إذ المستفادُ من ألف التثنية هو المستفاد من "كِلاهمَا" فلم يفد البدل زيادة على المبدل منه. قال شهاب الدين: هذا معنى قول أبي حيَّان، وفيه نظر؛ إذ لقائلٍ أن يقول: مسلَّمٌ أنَّه لم يفد البدل زيادة على المبدل منه، لكنه لا يضرُّ؛ لأنه شأن التأكيد، ولو أفاد زيادة أخرى غير مفهومة من الأول كان تأسيساً لا تأكيداً، وعلى تقدير تسليم ذلك، فقد يجاب عنه بما قال ابن عطيَّة؛ فإنه قال بعد ذكره هذا الوجه: وهو بدلٌ مقسِّم؛ كقول الشاعر: [الطويل] شعر : 3398- وكُنْتُ كَذِي رجْليْنِ رجْلٍ صَحِيحَةٍ ورِجْلٍ رَمَى فيها الزَّمانُ فشَلَّتِ تفسير : إلا أنَّ أبا حيَّان تعقَّب كلامه، فقال: "أمَّا قوله: بدلٌ مقسم؛ كقوله: شعر : 3399- "وكُنْتُ.................." تفسير : فليس كذلك؛ لأنَّ شرطه العطف بالواو، وأيضر فشرطه: ألاَّ يصدق المبدل منه على أحد قسميه، لكن هنا يصدق على أحد قسميه؛ ألا ترى أنَّ الألف، وهي المبدل منه يصدق على أحد قسميها، وهو "كلاهما" فليس من البدلِ المقسِّم". ومتى سلِّم له الشرطان، لزم ما قاله. الثاني: أن الألف ليست ضميراً، بل علامة تثنية، و "أحَدُهمَا" فاعل بالفعل قبله، و"أو كِلاهُمَا" عطف عليه، وقد ردَّ هذا الوجه: بأنَّ شرط الفعل الملحقِ به علامة تثنية: أن يكون مسنداً لمثنى؛ نحو: قَامَا أخواك، أو إلى مفرَّق بالعطف بالواو خاصة على خلاف فيه؛ نحو: "قَامَا زيدٌ وعمرٌو"، لكنَّ الصحيح جوازه؛ لوروده سماعاً كقوله: [الطويل] شعر : 3400-...................... وقَدْ أسْلمَاهُ مُبعدٌ وحَمِيمُ تفسير : والفعلُ هنا مسندٌ إلى "أحدهما" وليس مثنًّى، ولا مفرَّقاً بالعطف بالواو. الثالث: نقل عن الفارسي أن "كلاهما" توكيد، وهذا لا بد من إصلاحه بزيادة، وهو أن يجعل "أحدهما" بدل بعضٍ من كلٍّ، ويضمر بعده فعلٌ رافعٌ لضمير تثنية، ويقع "كلاهما" توكيداً لذلك الضمير تقديره: أو يبلغا كلاهما، إلا أنه فيه حذف المؤكد وإبقاء التوكيد، وفيها خلاف، أجازها الخليل وسيبويه نحو: "مَررْتُ بزَيْدٍ، ورَأيْتُ أخَاكَ أنْفُسَهُمَا" بالرفع والنصب، فالرفع على تقدير: هما أنفسهما، والنصب على تقدير أعينهما أنفسهما، ولكن في هذا نظرٌ؛ من حيث إنَّ المنقول عن الفارسي منع حذف المؤكَّد وإبقاء توكيده، فكيف يخرَّجُ قوله على أصلٍ لا يجيزه؟. وقد نصَّ الزمخشريُّ على منع التوكيدِ، فقال: "فإن قلت: لو قيل: "إمَّا يَبْلغانِّ كلاهما" كان "كِلاهما" توكيداً لا بدلاً، فما لك زعمْتَ أنه بدلٌ؟ قلت: لأنه معطوفٌ على ما لا يصحُّ أن يكون توكيداً للاثنين، فانتظم في حكمه؛ فوجب أن يكون مثله" قلت: يعني أنَّ "أحدهما" لا يصلح أن يكون توكيداً للمثنى، ولا لغيرهما، فكذا ما عطف عليه؛ لأنه شريكه. ثم قال: "فإن قلت: ما ضرَّك لو جعلته توكيداً مع كونِ المعطوف عليه بدلاً، وعطفت التوكيد على البدل؟ قلت: لو أريد توكيد التثنية، لقيل: "كِلاهُمَا" فحسب، فلما قيل: "أحَدهُمَا أو كِلاهُمَا" علم أنَّ التوكيد غير مرادٍ، فكان بدلاً مثل الأول". الرابع: أن يرتفع "كِلاهُمَا" بفعل مقدرٍ تقديره: أو يبلغُ كلاهما، ويكون "أحدهما" بدلاً من ألف الضمير بدل بعضٍ من كلٍّ، والمعنى: إمَّا يبلغنَّ عندك أحد الوالدين أو يبلغ كلاهما. قال البغوي - رحمه الله - فعلى قراءة حمزة والكسائي قوله: "أحَدهُمَا أو كِلاهُمَا" كلام مستأنف؛ كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ}تفسير : [المائدة: 71] وقوله تعالى: {أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}تفسير : [الأنبياء: 3] فقوله: {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} ابتداء. وأما القراءة الثانية فواضحة، و "إمَّا" هي "إنْ" الشرطية زيدتْ عليها "ما" توكيداً، فأدغم أحد المتقاربين في الآخر بعد أن قلب إليه، وهو إدغام واجب، قال الزمخشريُّ: "هي إن الشرطية زيدت عليها "ما" توكيداً لها؛ ولذلك دخلت النون، ولو أفردت "إنْ" لم يصحَّ دخولها، لا تقول: إن تُكرمنَّ زيداً، يُكرمْكَ، ولكن: إمَّا تُكرِمنَّهُ". وهذا الذي قاله الزمخشريُّ نصَّ سيبويه على خلافه، قال سيبويه: وإنْ شِئْتَ، لم تُقْحمِ النون، كما أنك، إن شئت، لم تجىء بـ "مَا" قال أبو حيَّان: "يعني مع النون وعدمها" وفي هذا نظر؛ لأنَّ سيبويه، إنما نصَّ على أنَّ نون التوكيد لا يجب الإتيان بها بعد "أمَّا" وإن كان أبو إسحاق قال بوجوب ذلك، وقوله بعد ذلك: كما أنَّك إن شِئْتَ لم تجىء بـ "مَا" ليس فيه دليلٌ على جواز توكيد الشَّرط مع "إنْ" وحدها. و "عِندكَ" ظرفٌ لـ "يَبْلغَنَّ" و "كِلا" مثناةٌ معنى من غير خلاف، وإنما اختلفوا في تثنيتها لفظاً: فمذهب البصريِّين: أنها مفردة لفظاً، ووزنها على فعل؛ كـ "مِعَى" وألفها منقلبة عن واوٍ، بدليل قلبها تاء في "كِلْتَا" مؤنث "كِلا" هذا هو المشهور، وقيل: ألفها عن ياءٍ، وليس بشيءٍ، وقال الكوفيُّون: هي مثناة لفظاً؛ وتبعهم السهيليُّ مستدلِّين على ذلك بقوله: [الرجز] شعر : 3401- في كِلْتِ رِجْليْهَا سُلامَى وَاحِده ................. تفسير : فنطق بمفردها؛ ولذلك تعربُ بالألف رفعاً والياء نصباً وجراً، فألفها زائدة على ماهية الكلمة كألف "الزيدان"، ولامها محذوفة عند السهيليِّ، ولم يأت عن الكوفيين نصٌّ في ذلك، فاحتمل أن يكون الأمر كما قال السهيليُّ، وأن تكون موضوعة على حرفين فقط، لأنَّ مذهبهم جواز ذلك في الأسماءِ المعربة. قال أبو الهيثم الرَّازيُّ وأبو الفتح الموصليُّ، وأبو عليٍّ الجرجانيُّ إن "كلا" اسم مفرد يفيد معنى التثنية، ووزنه فعل، ولامه معتلٌّ بمنزلة لام "حِجَى ورِضَى" وهي كلمة وضعت على هذه الخلقة يؤكد بها الاثنان خاصة، ولا تكون إلا مضافة؛ لأنَّها لو كانت تثنية، لوجب أن يقال في النَّصب والخفض: "مَرَرْتُ بِكلَي الرَّجليْنِ" بكسر الياء، كما يقال: "بَيْنَ يَدي الرَّجُل" و "مِنْ ثُلُثي اللَّيْلِ" و "يَا صَاحِبَي السِّجْنِ" و "طَرفي النَّهارِ"، ولما لم يكن كذلك، علمنا أنَّها ليست تثنية، بل هي لفظة مفردة، وضعت للدلالة على التثنية، كما أنَّ لفظة "كُل" اسمٌ واحدٌ موضوع للجماعة، فإذن أخبرت عن لفظه، كما تخبر عن الواحد؛ كقوله تعالى: {أية : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَرْداً} تفسير : [مريم: 95]، فكذا إن أخبرت عن "كِلاَ" أخبرت عن واحدٍ، فقلت: كلا أخويك كان قائماً. قال الله تعالى: {أية : كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا}تفسير : [الكهف: 33]. ولم يقل: "آتَتَا". وحكمها: أنَّها متى أضيفت إلى مضمرٍ أعربت إعراب المثنى، أو إلى ظاهر، أعْرِبت إعراب المقصور عند جمهور العرب، وبنو كنانة يعربونها إعراب المثنى مطلقاً، فيقولون: رأيت كِلَى أخوَيْكَ، وكونها جرتْ مجرى المثنى مع المضمر، دون الظاهر يطول ذكره. ومن أحكامها: أنَّها لا تضافُ إلاَّ إلى مثنى لفظاً [ومعنى نحو: "كلا الرَّجليْنِ"]، أو معنى لا لفظاً؛ نحو: "كِلانَا" ولا تضاف إلى مفرَّقين بالعطف نحو "كِلا زَيْدٍ وعمرٍو" إلا في ضرورةٍ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3402- كِلاَ السَّيفِ والسَّاقِ الَّذي ذَهبتْ بِهِ عَلَى مَهلٍ باثْنَيْنِ ألْقَاهُ صَاحِبهُ تفسير : وكذا لا تضاف إلى مفردٍ مرادٍ به التثنيةُ إلاَّ في ضرورة؛ كقوله: [الرمل] شعر : 3403- إنَّ للخَيْرِ وللشَّرِّ مَدًى وكِلاَ ذلِكَ وجْهُ وقَبَلْ تفسير : والأكثر مطابقتها فيفرد خبرها وضميرها؛ نحو: كلاهما قائم، وكلاهما ضربته، ويجوز في قليل: قائمان، وضربتهما؛ اعتباراً بمعناهما، وقد جمع الشاعر بينهما في قوله: [البسيط] شعر : 3404- كِلاهُمَا حِينَ جَدَّ الجَرْيُ بَيْنهُمَا قَد أقْلعَا وكِلاَ أنْفَيهِمَا رَابِي تفسير : وقد يتعيَّن اعتبارُ اللفظ؛ نحو: كلانا كفيل صاحبه، وقد يتعيَّن اعتبارُ المعنى، ويستعمل تابعاً توكيداً، وقد لا يتبع، فيقع مبتدأ، ومفعولاً به، ومجروراً، و "كِلْتَا" في جميع ما ذكر كـ "كِلا" وتاؤها بدل عن واو، وألفها للتأنيث، ووزنها فعلى؛ كذكرى، وقال يونس: ألفها أصلٌ، وتاؤها مزيدة، ووزنها فعتلٌ، وقد ردَّ عليه الناس، والنسب إليها عند سيبويه: "كِلْوِي" كمذكرها، وعند يونس: كِلْتَوِيّ؛ لئلا تلتبس، ومعنى الآية أنَّهما يبلغان إلى حالة الضَّعف والعجز، فيصيران عندك في آخر العمر، كما كنت عندهما في أوَّل العمر. قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} قوله: أفّ: اسم فعلٍ مضارعٍ بمعنى أتضجَّر، وهو قليلٌ؛ فإنَّ أكثر باب أسماء الأفعال أوامر، وأقل منه اسم الماضي، وأقلُّ منه اسم المضارع؛ كـ "أف" وأوَّه، أي: أتوجَّع، وويْ، أي: أعجبُ، وكان من حقِّها أن تعرب؛ لوقوعها موقع معربٍ، وفيها لغاتٌ كثيرة، وصلها الرُّماني إلى تسع وثلاثين، وذكر ابنُ عطيَّة لفظة، بها تمَّت الأربعون، وهي اثنتان وعشرون مع الهمزة المضمومة: أفُّ، أفَّ، أفِّ، بالتشديد مع التنوين وعدمه، أفُ، أفَ، أفِ، بالتخفيف مع التنوين وعدمه، أُفْ بالسكون والتخفيف؛ أُفّ بالسكون والتشديد، أفُّهْ، أُفَّهْ، أفِّهْ، أفَّا من غير إمالة، وبالإمالة المحضة، وبالإمالة بين بين، أفُّو أفِّي: بالواو والباء، وإحدى عشرة مع كسرِ الهمزة: إفَّ، إفِّ: بالتشديد مع التنوين وعدمه، أَفُ، أفَ، إفِ بالتخفيف مع التنوين وعدمه، إفًّا بالإمالة، وست مع فتح الهمزة: أفَّ أفِّ؛ بالتشديد مع التنوين وعدمه، أفْ بالسكون، أفا بالألف، فهذه تسعٌ وثلاثون لغة، وتمام الأربعين: "أفاهُ" بهاء السكت، وفي استخراجها بغير هذا الضَّابط الذي ذكرته عسر ونصب، يحتاج في استخراجه من كتب اللغة، ومن كلام أهلها، إلى تتبُّعٍ كثيرٍ، وأبو حيان لم يزدْ على أن قال: "ونحنُ نسردها مضبوطة كما رأيناها"، فذكرها، والنُّسَّاخ خالفوه في ضبطه، فمن ثمَّ جاء فيه الخللُ، فعدلنا إلى هذا الضَّابط المذكور، ولله الحمد والمنة. وقد قرىء من هذه اللغات بسبعٍ: ثلاثٍ في المتواتر، وأربعٍ في الشاذ، فقرأ نافع وحفص بالكسر والتنوين، وابن كثيرٍ، وابن عامرٍ بالفتح دون تنوين، والباقون بالكسر دون تنوين، ولا خلاف بينهم في تشديد الفاء، وقرأ نافع في رواية: أفٌ بالرفع والتنوين، وأبو السًّمال بالضمِّ من غير تنوين، وزيد بن عليِّ بالنصب والتنوين، وابن عبَّاسٍ: "أفْ" بالسكون. قال ابن الخطيب: والبحث المشكل ها هنا أنا لما نقلنا أنواعاً من اللغات في هذه اللفظة، فما السَّبب في أنَّهم تركوا أكثر تلك اللُّغاتِ في قراءةِ هذه اللفظة، واقتصروا على وجوه قليلة منها؟. فصل في تفسير هذه اللفظة وجوهٌ: أحدها: قال الفراء: تقول العرب: "لعلَّ فلاناً يَتأفَّفُ من ريحٍ وجدها" معناه: يقول: أفٍّ أفٍّ. والثاني: قال الأصمعي: الأفُّ: وسخُ الآذانِ، والتُّفُّ: وسخُ الأظفار، يقال ذلك عند استقذار الشيء، ثم كثر، حتَّى استعملوه عند محلِّ ما يتأذَّون. الثالث: قال أبو عبيدة - رحمه الله -: أصل الأفِّ والتُّفِّ: الوسخُ على الأصابع إذا فَتلْتَها. الرابع: الأفُّ: ما يكون في المغابن من الوسخِ، والتُّفُّ ما يكون في الأصابع من الوسخ. الخامس: الأفُّ: وسخ الأظافرِ، والتُّفُّ ما رفعت بيدك من الأرْضِ من شيءٍ حقيرٍ. السادس: قيل: أفٍّ: معناه قلًّة، وهو مأخوذ من الأفيفِ، وهو الشيء القليل، وتُفّ: إتباعٌ له؛ كقولهم شيطانٌ ليطانٌ، خبيثٌ نبيثٌ. السابع: روى يعلبٌ عن ابن الأعرابيِّ: الأفُّ: الضجر. الثامن: قال القتبيُّ: أصل هذه الكلمة أنَّه إذا سقط عليك ترابٌ أو رمادٌ، نفخت فيه لتزيله؛ والصَّوْت الحاصل عند تلك النفخةِ هو قولك: أفٍّ، ثم إنَّهم توسَّعوا، فذكروا هذه اللفظة عند كلِّ مكروه يصل إليهم. قال مجاهدٌ: معنى قوله: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} أي: لا تتقذَّرهما: كما أنَّهما لم يتقذَّراك حين كنت تخرى وتبول. وروي عن مجاهد أيضاً: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك، فلا تقل لهما: أفٍّ. فصل في دلالة الأفّ قول القائل: "لا تقلْ لفلانٍ: أفٍّ" مثل يضرب للمنعِ من كل مكروهٍ وأذيَّةٍ، وإن خفَّ وقلَّ. واختلف الأصوليُّون في أنَّ دلالة هذا اللفظ على المنع من سائر أنواع الإيذاء دلالةٌ لفظيةٌ، أو دلالة مفهومة بالقياس، فقيل: إنها دلالة لفظية، لأنَّ أهل العرف، إذا قالوا: لا تقل لفلانٍ أفٍّ، عنوا به أنَّه لا يتعرض له بنوعٍ من أنواع الأذى، فهو كقوله: فلانٌ لا يملكُ نقيراً ولا قطْمِيراً فهو بحسب العرف يدلُّ على أنه لا يملك شيئاً. وقيل: إنَّ هذا اللفظ، إنَّما دلَّ على المنعِ من سائر أنواعِ الأذى بالقياس الجليِّ. وتقريره: أنَّ الشَّرع، إذا نصَّ على حكمٍ في صورةٍ، وسكت عن حكم في صورةٍ أخرى، فإذا أردنا إلحاق الصُّورة المسكوت عن حكمها بالصورة المذكور حكمها، فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ثبوت ذلك الحكم في محلِّ السكوت أولى من ثبوته في محلِّ الذِّكر كهذه الصورة؛ فإنَّ اللفظ إنما دلَّ على المنع من التأفيف، والضَّرب أولى بالمنع. وثانيها: أن يكون الحكم في محلِّ السكوت مساوياً للحكم في محلِّ الذِّكر، وهذا يسمِّيه الأصوليُّون: "القياس في معنى الأصل" كقوله صلوات الله وسلامه عليه: "حديث : مَنْ أعْتقَ شِركاً لهُ في عَبْدٍ، قُوِّمَ عليه البَاقِي"تفسير : فإنَّ الحكم في الأمَةِ وفي العبد سواء. وثالثها: أن يكون الحكم في محلِّ السكوت أخفى من الحكم في محلِّ الذِّكرِ، وهو أكثر القياساتِ. إذا عرف هذا، فالمنع من التأفيف، إنما دلَّ على المنع من الضرب بالقياس الجليِّ من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى؛ لأنَّ التأفيف غير الضرب، فالمنع من التأفيف لا يكون منعاً من الضرب، وأيضاً: المنع من التأفيف لا يستلزم المنع من الضرب عقلاً؛ لأنَّ الملك الكبير، إذا أخذ ملكاً عظيماً، كان عدُوًّا له، فقد يقول للجلاَّد: إيَّاك أن تستخفَّ به أو تشافهه بكلمة موحشةٍ، لكن اضرب رقبته، وإذا كان هذا معقولاً في الجملة، علمنا أنَّ المنع من التأفيف يغاير المنع من الضرب، وغير مستلزم للمنع من الضرب في الجملة إلاَّ أنَّا علمنا في هذه الصورة: أنَّ المقصود من هذا الكلام المبالغة في تعظيم الوالدين، لقوله تعالى: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ}. فكانت دلالة المنع من التأفيف على المنع من الضرب بالقياس من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى. قوله: "ولا تَنْهَرْهُمَا" أي: لا تَزْجُرهما، والنَّهْرُ: الزَّجْرُ بصياحٍ وغلظة وأصله الظهور، ومنه "النَّهْر" لظهوره، وقال الزمخشري - رحمه الله تعالى -: "النَّهْيُ والنَّهْرُ والنَّهْمُ أخَواتٌ". ويقال نهرهُ وانتهره، إذا استقبله بكلامٍ يزجره، قال تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} تفسير : [الضحى: 10]. فإن قيل: المنع من التأفيف يدلُّ على المنع من الانتهار؛ بطريق الأولى، فلما قدم المنع من التأفيف، كان المنع من الانتهار بعده عبثاً، ولو فرضنا أنه قدَّم المنع من الانتهار على المنع من التأفيف، كان مفيداً؛ لأنَّه يلزم من المنع من الانتهار المنع من التأفيف، فما السَّبب في رعاية هذا التَّرتيب؟. فالجواب: أن المراد من قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} المنع من إظهار الضَّجر بالقليل والكثير، والمراد من قوله {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الردِّ عليه. قوله تعالى: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} لمَّا منعه من القول المؤذي، وذلك لا يكون أمراً بالقول الطَّيب، فلا جرم: أردفه بأن أمره بالقول الحسن، فقال: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}. قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: هو أن يقول له: يا أبَتاهُ يا أمَّاهُ، وقال عطاء: هو أن تتكلَّم معهما بشرط ألاَّ ترفع إليهما بصرك. وقال مجاهد: لا تُسمِّهِمَا و لاتكنِّهما، فهو كقول عمر - رضي الله عنه -. فإن قيل: إنَّ إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - كان أعظم النَّاس حلماً وكرماً وأدباً، فكيف قال لأبيه: "يا آزرُ" على قراءة "لأبِيهِ آزَرُ" بالضمِّ{أية : إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 74] فخاطبه بالاسم، وهو إيذاءٌ له، ثم نسبه ونسب قومه إلى الضلال، وهو أعظم أنواع الإيذاءِ. فالجواب أن قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} يدلُّ على أنَّ حقَّ الله متقدِّم على حقِّ الأبوين، فإقدام إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - على ذلك الإيذاء، إنَّما كان تقديماً لحق الله تعالى على حقِّ الأبوين. قوله تعالى: {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ}. والمقصود المبالغة في التواضع، وهذه استعارة بليغة. قال القفَّال - رحمه الله تعالى -: وفي تقريره وجهان: الأول: أنَّ الطائر، إذا أراد ضمَّ فرخه إليه للتربية خفض له جناحه، فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية، فكأنَّه قال للولد: اكفل والديك؛ بأن تَضمَّهما إلى نفسك، كما فعلا ذلك بك حال صغرك. والثاني: أنَّ الطائر، إذا أراد الطَّيران، نَشرَ جناحيه، ورفعهما؛ ليرتفع، وإذا أراد ترك الطيران، خفض جناحيه، فجعل خفض الجناحِ كناية عن التواضع واللِّين. وقال الزمخشري: "فإن قلت: ما معنى جناح الذلِّ؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون المعنى: واخفض لهما جناحك، كما قال: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الحجر: 88] فأضافه إلى الذُّلِّ [أو الذِّلِّ]، كما أضيف حاتم إلى الجود على معنى: واخفض لهما جناحك الذَّليل أو الذَّلول. والثاني: أن تجعل لذُلِّه أو لذِلِّه جناحاً خفيضاً؛ كما جعل لبيد للشَّمال يداً، وللقرَّة زماماً، في قوله: [الكامل] شعر : 3405- وغَداةِ رِيح قد كَشفْتُ وقَرَّةٍ إذْ أصَبْحَتْ بِيدِ الشَّمالِ زِمامُهَا تفسير : مبالغة في التذلُّل والتواضع لهما" انتهى، يعني أنه عبَّر عن اللين بالذلِّ، ثم استعار له جناحاً، ثم رشَّح هذه الاستعارة بأن أمره بخفض الجناح. ومن طريف ما يحكى: أن أبا تمامٍ، لمَّا نظم قوله: [الكامل] شعر : 3406- لا تَسْقِني مَاءَ المَلامِ فإنَّني صبٌّ قد اسْتعذَبْتُ مَاء بُكائِي تفسير : جاءه رجل بقصعةٍ، وقال له: أعطني شيئاً من ماءِ الملامِ، فقال: حتى تأتيني بريشةٍ من جناح الذلِّ؛ يريد أن هذا مجاز استعارةٍ كذاك، وقال بعضهم: [الطويل] شعر : 3407- أرَاشُوا جَناحِي ثُمَّ بلُّوه بالنَّدى فلمْ أسْتطِعْ من أرْضهِمْ طَيرانَا تفسير : وقرأ العامة "الذُّلِّ" بضم الذال، وابن عبَّاسٍ في آخرين بكسرها، وهي استعارةٌ؛ لأن الذلَّ في الدوابِّ؛ لأنَّه ضدُّ الصعوبة، فاستعير للأناسيِّ، كما أنَّ الذل بالضم ضدُّ العزِّ. قوله: "من الرَّحمة" فيه أربعة أوجه: أحدها: أنها للتعليل، فتتعلق بـ "اخفِضْ"، أي: اخفض من أجل الرَّحمة. والثاني: أنها لبيان الجنس؛ قال ابن عطيَّة: "أي: إنَّ هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنَّة في النَّفس". الثالث: أن تكون في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ "جَنَاح". الرابع: أنها لابتداء الغاية. قوله: "كَمَا ربَّيانِي" في هذه الكاف قولان: أحدهما: أنها نعتٌ لمصدر محذوف، فقدَّره الحوفيُّ: "ارحمهما رحمة مثل تربيتهما [لي]". وقدَّره أبو البقاء: "رحمة مثل رحمتهما" كأنَّه جعل التربية رحمة. والثاني: أنها للتعليل، أي: ارحمهما؛ لأجل تربيتهما؛ كقوله: {أية : وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ}تفسير : [البقرة: 198]. قال القرطبيُّ: أمر الله تعالى عباده بعبادته وتوحيده، وجعل برَّ الوالدين مقروناً بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال جل ذكره: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}تفسير : [لقمان: 14] ومن البرِّ إليهما أن يحسن إليهما، ولا يسبَّهما ولا يعقَّهما؛ فإنَّ ذلك من الكبائر، ولا يخالفهما في أغراضهما الجائزة لهما. والأحاديث الدالة على الأمر ببرِّ الوالدين كثيرة. قال القرطبيُّ: ولا يختصُّ برُّ الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا كافرين يبرُّهما، ويحسن إليهما. قال القفال - رحمه الله -: إنَّه لم يقتصر في تعليم البرِّ بالوالدين على تعليم الأفعال، بل أضاف إليه تعليم الأقوال، وهو أن يدعو لهما بالرَّحمة، فيقول: ربِّ ارحمهما، ولفظة الرحمة جامعة لكلِّ الخيرات في الدِّين والدنيا، ثم يقول: {كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} يعني: ربِّ افعل بهما هذا النوع من الإحسان، كما أحسنا إليَّ في تربيتهما، والتربية هي التَّنْميَةُ من قولهم: ربَا الشَّيء، إذا انتفخ قال تعالى: {أية : فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} تفسير : [الحج: 5]. واختلف المفسرون في هذه الآية، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 113] فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين، ولا يقول: ربِّ ارحمهما. وقيل إنها مخصوصة بالمسلمين غير منسوخة، وهذا أولى من القول الأول؛ لأنَّ التخصيص أولى من النَّسخ. وقيل: لا نسخ، ولا تخصيص؛ لأنَّ الوالدين، إذا كانا كافرين، فله أن يدعو لهما بالهداية والإرشاد، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان. فصل في أنّ الأمر يفيد التكرار أم لا؟ قوله جلَّ ذكرهُ: {وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا} أمرٌ، وظاهر الأمر لا يفيد التَّكرار، فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرَّة واحدة. سئل سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه؟ أفي اليوم مرة، أو في الشهر، أو في السَّنة؟ فقال: نرجو أن يجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات؛ كما قال تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ} تفسير : [الأحزاب: 56] فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبيِّ - صلوات الله وسلامه عليه -. وكقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} تفسير : [البقرة: 203] فهم يكرِّرون في أدبار الصلاة.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وقضى ربك أَلاَّ تعبدوا إلا إياه} قال: التزقت الواو بالصاد، وأنتم تقرؤونها {وقضى ربك}. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرج أبو عبيد وابن منيع وابن المنذر وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل الله هذا الحرف على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - "ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه" فالتصقت إحدى الواوين بالصاْد، فقرأ الناس {وقضى ربك} ولو نزلت على القضاء، ما أشرك به أحد. وأخرج الطبراني، عن الأعمش قال: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقرأ "ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه". وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن الضحاك بن مزاحم - رضي الله عنه - أنه قرأها "ووصى ربك" قال: إنهم ألصقوا إحدى الواوين بالصاد فصارت قافاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وقضى ربك} قال: أمر. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} قال: عهد ربك ألا تعبدوا إلا إياه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {وبالوالدين إحساناً} يقول: براً. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف} فيما تميط عنهما من الأذى الخلاء والبول، كما كانا لا يقولانه، فيما كانا يميطان عنك من الخلا, والبول. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: {لا تقل لهما أف} فما سواه. وأخرج الديلمي، عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - مرفوعاً، لو علم الله شيئاً من العقوق أدنى من {أف} لَحَرَّمَهُ. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عروة رضي الله عنه في قوله: {وقل لهما قولاً كريماً} قال: لا تمنعهما شيئاً أرادا. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن الحسن - رضي الله عنه - أنه سئل ما برّ الوالدين؟ قال: أن تبذل لهما ما ملكت، وأن تطيعهما فيما أمراك به، إلا أن يكون معصية. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن - رضي الله عنه - أنه قيل له: إلام ينتهي العقوق؟ قال: أن يحرمهما ويهجرهما ويحد النظر إلى وجههما. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنهما في قوله: {وقل لهما قولاً كريماً} قال: يقول: يا أبت، يا أمه، ولا يسميهما بأسمائهما. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: حديث : أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ومعه شيخ فقال: ""من هذا معك؟" قال: أبي. قال: "لا تمشين أمامه، ولا تقعدن قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستب له" ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد رضي الله عنه في قوله: {وقل لهما قولاً كريماً} قال: إذا دعواك فقل لهما لبيكما وسعديكما. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {وقل لهما قولاً كريماً} قال: قولاً ليناً سهلاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي الهداج التجيبي قال: قلت لسعيد بن المسيب - رضي الله عنه - كل ما ذكر الله في القرآن من بر الوالدين فقد عرفته إلا قوله: {وقل لهما قولاً كريماً} ما هذا القول الكريم؟ قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ. وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عروة في قوله: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} قال: تلين لهما حتى لا يمتنعا من شيء أحباه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} يقول اخضع لوالديك كما يخضع العبد للسيد الفظ الغليظ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنهما في قوله: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} قال: لا ترفع يديك عليهما إذا كلمتهما. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عروة رضي الله عنه في قوله: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} قال: إن أغضباك، فلا تنظر إليهما شزراً، فإنه أوّل ما يعرف غضب المرء بشدة نظره إلى من غضب عليه. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما برَّ أباه من حدّ إليه الطرف ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن زهير بن محمد - رضي الله عنه - في قوله: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} قال: إن سباك أو لعناك، فقل رحمكما الله غفر الله لكما. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه قرأ {واخفض لهما جناح الذل} بكسر الذال. وأخرج، عن عاصم الجحدري رضي الله عنه مثله. وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي مرة مولى عقيل: أن أبا هريرة - رضي الله عنه - كانت أمه في بيت وهو في آخر، فكان يقف على بابها ويقول: السلام عليك يا أمتاه ورحمة الله وبركاته فتقول: وعليك يا بني، فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيراً، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً} ثم أنزل الله بعد هذا {أية : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} تفسير : [التوبة: 113]. وأخرج البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وإما يبلغن عندك الكبر} إلى قوله: {كما ربياني صغيراً} قد نسختها الآية التي في براءة {أية : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} تفسير : [التوبة: 113] الآية. وأخرج ابن المنذر والنحاس وابن الأنباري في المصاحف، عن قتادة رضي الله عنه قال: نسخ من هذه الآية حرف واحد، لا ينبغي لأحد من المسلمين أن يستغفر لوالديه إذا كانوا مشركين، ولم يقل {رب ارحمهما كما ربياني صغيراً} ولكن ليخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وليقل لهما قولاً معروفاً. قال الله تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: {ربكم أعلم بما في نفوسكم} قال: تكون البادرة من الولد إلى الوالد، فقال الله: {إن تكونوا صالحين} أي تكون النية صادقة ببرهما {فإنه كان للأوّابين غفوراً} للبادرة التي بدرت منه. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: {إنه كان للأوّابين غفوراً} قال: الرجاعين إلى الخير. وأخرج سعيد بن منصور وهناد وابن أبي حاتم والبيهقس, عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله: {إنه كان للأوّابين} قال: الرجاعين من الذنب إلى التوبة، ومن السيئات إلى الحسنات. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {للأوّابين} قال: للمطيعين المحسنين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {للأوّابين} قال: للتوّابين. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه - قال: الأوّاب، التوّاب. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "حديث : "الصلاة على وقتها" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم بر الوالدين" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله" ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد. وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، حديث : عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قلت يا رسول الله، من أبر؟ قال:"أمك. قلت: من أبر؟ قال: أمك. قلت: من أبر؟ قال: أمك. قلت: من أبر؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد والبيهقي، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه أتاه رجل فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمك حية؟ قال: لا. قال: تب إلى الله، وتقرب إليه ما استطعت. فذهبت فسألت ابن عباس - رضي الله عنهما - لم سألت عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله من بر الوالدة. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حديث : أتى رجل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ما تأمرني؟ قال: "بر أمك، ثم عاد فقال: بر أمك، ثم عاد فقال: بر أمك، ثم عاد الرابعة فقال: بر أباك" تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما من مسلم له والدان يصبح إليهما محسناً إلا فتح الله له بابين - يعني من الجنة - وإن كان واحداً فواحد، وإن أغضب أحدهما، لم يرض الله عنه، حتى يرضى عنه. قيل: وإن ظلماه؟؟ قال: وإن ظلماه. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : لا يجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري في الأدب والحاكم وصححه والبيهقي، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: حديث : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان قال: "فارجع إليهما وأضحكهما كما أبكيتهما". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: حديث : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد الجهاد، فقال: "ألك والدان؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب ومسلم والبيهقي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه قالوا يا رسول الله من؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما فدخل النار ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان، عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من بر والديه طوبى له زاد الله في عمره ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري في الأدب والبيهقي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه أبصر رجلين، فقال: لأحدهما ما هذا منك؟ فقال أبي، فقال: لا تسمه. وفي لفظ لا تدعه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله حتى يجلس، ولا تستب له. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين ". تفسير : وأخرج سعيد وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي، حديث : عن معاوية بن جابر، عن أبيه قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم أستشيره في الجهاد، فقال: "ألك والدة؟ قال نعم. قال: اذهب فالزمها فإن الجنة عند رجليها". تفسير : وأخرج عبد الرزاق، عن طلحة رضي الله عنه حديث : أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا رسول الله، إني أريد الغزو، وقد جئت إليك أستشيرك؟ فقال: "هل لك من أم؟ قال: نعم. قال: فالزمها فإن الجنة عند رجليها، ثم الثانية، ثم الثالثة"" تفسير : كمثل ذلك. وأخرج ابن مردويه والبيهقي، عن أنس - رضي الله عنه - "حديث : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، فقال: "هل بقي أحد من والديك؟ قال: أمي، قال: فاتق الله فيها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد، فإذا دعتك أمك فاتق الله وبرّها" ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : لنومك على السرير بين والديك تضحكهما ويضحكانك أفضل من جهادك بالسيف في سبيل الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي، عن خداش بن سلامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصي امرأ بأمه ثلاث مرار، وأوصي امرأ بأبيه مرتين، وأوصي امرأً بمولاه الذي يليه، وإن كان عليه منه أذى يؤذيه. وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي، عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الوالد وسط أبواب الجنة، فاحفظ ذلك الباب، أو ضَيِّعْهُ ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إني أراني في الجنة، فبينا أنا فيها إذ سمعت صوت رجل بالقرآن، فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، كذلك البر كذلك البر ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "حديث : "نمت فرأيتني في الجنة، فسمعت قارئاً، يقرأ، فقلت من هذا؟" قالوا: حارثة بن النعمان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كذلك البر كذلك البر كذلك البر" قال: وكان أبر الناس بأمه . تفسير : وأخرج البيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حديث : مر رجل له جسم - يعني خلقاً - فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -"لعله يكد على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله. لعله يكد على صبية صغار، فهو في سبيل الله. لعله يكد على نفسه ليغنيها عن الناس، فهو في سبيل الله ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أحب أن يمد الله في عمره، ويزيد في رزقه، فليبر والديه وليصل رحمه ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : ما من ولد بار ينظر إلى والديه نظرة رحمة، إلا كتب الله له بكل نظرة حجة مبرورة قالوا: وإن نظر كل يوم مائة مرة؟ قال: نعم. الله أكبر وأطيب ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : "إذا نظر الولد إلى والده - يعني - فسرّ به، كان للولد عتق نسمة" قيل: يا رسول الله، وإن نظر ثلاثمائة وستين نظرة؟ قال: "الله أكبر من ذلك" ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: النظر إلى الوالد عبادة، والنظر إلى الكعبة عبادة، والنظر إلى المصحف عبادة، والنظر إلى أخيك؛ حباً له في الله عبادة. وأخرج البيهقي وضعفه، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قبل بين عيني أمه كان له ستراً من النار ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألك والدان قال: لا. قال: ألك خالة؟ قال: نعم. قال: فبرها إذن" ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أم أيمن رضي الله عنها حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بعض أهل بيته فقال: لا تشرك بالله وإن عذبت وإن حرقت، وأطع ربك ووالديك وإن أمراك أن تخرج من كل شيء فاخرج، ولا تترك الصلاة متعمداً؛ فإنه من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله، إياك والخمر، فإنها مفتاح كل شر، وإياك والمعصية؛ فإنها تسخط الله، لا تنازِعَنَّ الأمر أهله؛ وإن رأيت أنه لك، لا تفر من الزحف؛ وإن أصاب الناس موت، وأنت فيهم فأثبت، أنفق على أهلك من طولك، ولا ترفع عصاك عنهم وأخفهم في الله عز وجل ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري في الأدب وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي، عن أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه قال: كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث : فقال رجل: "يا رسول الله، هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: نعم. خصال أربع: الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وانفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب ومسلم وأبو داود والترمذي وابن حبان والبيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه بعد أن يولي الأب ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب، عن عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - قال: والذي بعث محمداً بالحق، إنه لفي كتاب الله، لا تقطع من كان يصل أباك، فتطفئ بذلك نورك. وأخرج الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لرجل من العرب كان يصحبه - يقال له عفير - يا عفير، كيف سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الودّ؟ قال: سمعته يقول: "حديث : الودّ يتوارث، والعداوة كذلك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والحاكم والبيهقي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يدخل الجنة عاق، ولا ولد زنا، ولا مدمن خمر، ولا منان ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والنسائي والبيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يدخل الجنة عاق والديه، ولا منان، ولا ولد زنية، ولا مدمن خمر، ولا قاطع رحم، ولا من أتى ذات رحم ". تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه، عن طلق بن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لو أدركت والدي أو أحدهما وأنا في صلاة العشاء، وقد قرأت فيها بفاتحة الكتاب، فنادى يا محمد، لأجبتهما لبيك ". تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه من طريق الليث بن سعد حدثني يزيد بن حوشب الفهري، عن أبيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لو كان جريج الراهب فقيهاً عالماً، لعلم أن إجابته أمه أفضل من عبادته ربه ". تفسير : وأخرج البيهقي عن مكحول قال: إذا دعتك والدتك وأنت في الصلاة فأجبها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه حتى تفرغ من صلاتك. وأخرج ابن أبي شيبة، عن محمد بن المنكدر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا دعتك أمك في الصلاة فأجبها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي، عن أبي مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك، فأبعده الله وأسحقه ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي، عن سهل بن معاذ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "من العباد عباد لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولا يطهرهم" قيل: من أولئك يا رسول الله؟ قال: "المتبرئ من والديه رغبة عنهما، والمتبرئ من ولده، ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من قتل نبياً، أو قتله نبي، أو قتل أحد والديه، والمصوّرون، وعالم لم ينتفع بعلمه ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي والبيهقي والطبراني والخرائطي في مساوئ الأخلاق من طريق بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه عن جده أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة، إلا عقوق الوالدين، فإنه يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات، ومن رايا رايا الله به، ومن سمع سمع الله به ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي، عن طاوس رضي الله عنه قال: إن من السنة أن توقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد. قال: ويقال أن من الجفاء: أن يدعو الرجل والده باسمه. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي، عن كعب - رضي الله عنه - أنه سئل عن العقوق ما تجدونه في كتاب الله عقوق الوالدين؟ قال: إذا أقسم عليه لم يبره، وإذا سأله لم يعطه، وإذا ائتمنه خان، فذلك العقوق. وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث دعوات مستجابات: دعاء الوالد على ولده، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن محمد بن النعمان يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب برّاً ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما فيدعو لهما من بعدهما، فيكتبه الله من البارين ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن العبد يموت والداه أو أحدهما، وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله بارّاً ". تفسير : وأخرج البيهقي عن الأوزاعي رضي الله عنه قال: بلغني أن من عق والديه في حياتهما ثم قضى ديناً إن كان عليهما واستغفر لهما ولم يستسب لهما كتب بارّاً، ومن بر والديه في حياتهما ثم لم يقض ديناً إذا كان عليهما ولم يستغفر لهما واستسب لهما كتب عاقاً". وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : "من أصبح مطيعاً لله في والديه أصبح له بابان مفتوحان من الجنة، وإن كان واحداً فواحداً، ومن أمسى عاصياً لله في والديه أصبح له بابان مفتوحان من النار، وإن كان واحداً فواحداً" قال رجل: وإن ظلماه؟ قال: "وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه" ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن المنكدر بن محمد بن المنكدر رضي الله عنه قال: كان أبي يبيت على السطح يروح على أمه، وعمي يصلي إلى الصباح، فقال له أبي ما يسرني أن ليلتي بليلتك. وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد والبيهقي، عن عبد الله بن المبارك قال: قال محمد بن المنكدر، بات عمر أخي يصلي، وبت أغمز رجل أمي، وما أحب أن ليلتي بليلته. وأخرج ابن سعد، عن محمد بن المنكدر: أنه كان يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه: يا أمه، قومي فضعي قدمك على خدي. وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي، عن طاوس قال: كان رجل له أربعة بنين فمرض فقال أحدهم: إما أن تمرضوه، وليس لكم من ميراثه شيء، وأما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء، قالوا: بل مرضه وليس لك من ميراثه شيء، فمرضه حتى مات ولم يأخذ من ماله شيئاً، فأتي في النوم فقيل له: ائت مكان كذا وكذا، فخذ منه مائة دينار، فقال في نومه أفيها بركة؟ قالوا: لا. فأصبح فذكر ذلك لامرأته، فقالت له خذها، فإن من بركتها: أن تكتسي منها وتعيش بها، فأبى، فلما أمسى أتي في النوم فقيل له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه عشرة دنانير، فقال: فيها بركة؟ قالوا: لا: فأصبح فذكر ذلك لامرأته، فقالت له مثل ذلك، فأبى أن يأخذها، فأتي في النوم في الليلة الثالثة: أن ائت مكان كذا وكذا فخذ منه ديناراً، فقال: أفيه بركة؟ قالوا: نعم. فذهب فأخذ الدينار، ثم خرج به إلى السوق، فإذا هو برجل يحمل حوتين، فقال بكم هذان، فقال بدينار، فأخذهما منه بالدينار، ثم انطلق بهما، فلما دخل بيته شق الحوتين فوجد في بطن كل واحد منهما درة لم ير الناس مثلها، فبعث الملك بدرة ليشتريها، فلم توجد إلا عنده، فباعها بوقر ثلاثين بغلاً ذهباً، فلما رآها الملك قال: ما تصلح هذه إلا بأخت، فاطلبوا مثلها وإن أضعفتم. قال: فجاؤوا فقالوا: عندك أختها نعطيك ضعف ما أعطيناك؟ قال: أو تفعلون؟ قالوا: نعم. فأعطاهم أختها بضعف ما أخذوا الأولى. وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي، عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال: حديث : لما قدم أبو موسى وأبو عامر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعوه وأسلموا. قال: "ما فعلت امرأة منكم تدعى كذا وكذا؟ قالوا تركناها في أهلها. قال: فإنها قد غفر لها. قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: ببرها والدتها قال: كانت لها أم عجوز كبيرة، فجاءهم النذير: إن العدو يريد أن يغير عليكم الليلة، فارتحلوا ليلحقوا بعظيم قومهم، ولم يكن معها ما تحتمل عليه، فعمدت إلى أمها، فجعلت تحملها على ظهرها، فإذا أعيت وضعتها، ثم ألصقت بطنها ببطن أمها، وجعلت رجليها تحت رجلي أمها من الرمضاء حتى نجت ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "حديث : بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ طلع شاب فقلنا: لو كان هذا الشاب جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالتنا. فقال: "وما في سبيل الله، إلا من قتل، ومن سعى على والديه، فهو في سبيل الله، ومن سعى على عياله، فهو في سبيل الله، ومن سعى على نفسه يغنيها فهو في سبيل الله تعالى" ". تفسير : وأخرج الحاكم، حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، أي الناس أعظم حقاً على المرأة. قال:"زوجها. قلت: فأي الناس أعظم حقاً على الرجل. قال: أمه ". تفسير : وأخرج الحاكم عن علي رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : لعن الله من ذبح لغير الله، ثم تولى غير مولاه، ولعن الله العاق لوالديه، ولعن الله من نقض منار الأرض ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً "عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم، وبروا آبائكم تبركم أبناؤكم، ومن أتاه أخوه متنصلاً فليقبل ذلك منه محقاً كان أو مبطلاً، فإن لم يفعل لم يرد على الحوض". وأخرج الحاكم، عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً "بروا آباءكم". وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: حديث : إن رجلاً هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "قد هاجرت من الشرك - ولكنه الجهاد - هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي قال: أذنا لك؟ قال: لا. قال: فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك مجاهد، وإلاّ، فبرّهما ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد، عن وهب بن منبه رضي الله عنه أن موسى - عليه الصلاة والسلام - سأل ربه عز وجل فقال: يا رب، بم تأمرني؟ قال: "بأن لا تشرك بي شيئاً" قال: وبم؟ قال: "وتبر والدتك" قال: وبم؟ قال: وبوالدتك قال: وبم؟ قال: بوالدتك؟ قال وهب رضي الله عنه: إن البر بالوالدين يزيد في العمر، والبر بالوالدة ينبت الأصل. وأخرج أحمد في الزهد، عن عمرو بن ميمون رضي الله عنه قال: رأى موسى عليه السلام رجلاً عند العرش، فغبطه بمكانه، فسأل عنه فقالوا: نخبرك بعمله، لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يمشي بالنميمة، ولا يعق والديه. قال: "أي رب، ومن يعق والديه"؟ قال: "يستسب لهما حتى يسبا". وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه: "أن رجلاً أتاه فقال: إن امرأتي بنت عمي وإني أحبها، وإن والدتي تأمرني أن أطلقها، فقال: لا آمرك أن تطلقها، ولا آمرك أن تعصي والدتك، ولكن أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعته يقول: حديث : "إن الوالدة أوسط باب من أبواب الجنة" فإن شئت فأمسك وإن شئت فدع . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن رضي الله عنه قال: للأم ثلثا البر وللأب الثلث. وأخرج أحمد وابن ماجة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر ولا مكذب بقدر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بر الوالدين يجزئ من الجهاد ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قيل له: ما حق الوالد على الولد؟ قال: لو خرجت من أهلك ومالك ما أديت حقهما. وأخرج ابن أبي شيبة وهناد، عن علي بن أبي طالب قال: إذا مالت الأفياء، وراحت الأرواح، فاطلبوا الحوائج إلى الله، فإنها ساعة الأوّابين، وقرأ {فإنه كان للأوّابين غفوراً}. وأخرج هناد، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه في قوله: {فإنه كان للأوّابين غفوراً} قال: الأوّاب الذي يذنب، ثم يستغفر، ثم يذنب، ثم يستغفر، ثم يذنب ثم يستغفر. وأخرج هناد، عن عبيد بن عمير رضي الله عنه في قوله: {فإنه كان للأوّابين غفوراً} قال: الأوّاب الذي يتذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر منها.
ابو السعود
تفسير : {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} أي أمر أمراً مُبْرماً، وقرىء وأوصى ربُّك «ووصّى ربك» {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ} أي بأن لا تعبدوا {إِلاَّ إِيَّاهُ} على أنّ «أنْ» مصدريةٌ ولا نافيةٌ أو أي لا تعبدوا على أنها مفسرةٌ ولا ناهيةٌ لأن العبادة غايةُ التعظيمِ فلا تحِقُّ إلا لمن له غايةُ العظمة ونهايةُ الإنعام وهو كالتفصيل للسعي للآخرة {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ} أي وبأن تُحسِنوا بهما أو وأحسنوا بهما {إِحْسَـٰناً} لأنهما السببُ الظاهرُ للوجود والتعيش {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا} إما مركبةٌ من إن الشرطية وما المزيدةِ لتأكيدها ولذلك دخل الفعلَ نونُ التأكيد، ومعنى عندك في كنفك وكفالتك وتقديمُه على المفعول مع أن حقه التأخرُ عنه للتشويق إلى وروده فإن مدارَ تضاعف الرعايةِ الإحسانُ وأحدُهما فاعل للفعل وتأخيره عن الظرف والمفعولِ لئلا يطولَ الكلامُ به وبما عُطف عليه. وقرىء يبلغان فأحدُهما بدلٌ من ضمير التثنية وكلاهما عطفٌ عليه ولا سبـيل إلى جعل (كلاهما) تأكيداً للضمير، وتوحيدُ ضمير الخطاب في عندك وفيما بعده مع أن ما سبق على الجمع للاحتراز عن التباس المرادِ فإن المقصودَ نهيُ كلِّ أحد عن تأفيف والديه ونهْرِهما، ولو قوبل الجمعُ بالجمع أو بالتثنية لم يحصل هذا المرام {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا} أي لواحد منهما حالتي الانفراد والاجتماع {أُفّ} وهو صوتٌ ينبىء عن تضجر، أو اسمُ فعلٍ هو أتضجر، وقرىء بالكسر بلا تنوين وبالفتح والضم منوناً وغيرَ مُنوّن أي لا تتضجرْ بهما تستقذرُ منهما وتستثقل من مُؤَنهما وبهذا النهي يُفهم النهيُ عن سائر ما يؤذيهما بدلالة النصِّ، وقد خُص بالذكر بعضُه إظهاراً للاعتناء بشأنه فقيل: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} أي لا تزجُرهما عما لا يعجبك بإغلاظ، قيل: النهيُ والنهرُ والنهْمُ أخواتٌ {وَقُل لَّهُمَا} بدلَ التأفيف والنهر {قَوْلاً كَرِيمًا} ذا كرمِ أو هو وصفٌ له بوصف صاحبِه أي قولاً صادراً عن كرم ولطفٍ، وهو القولُ الجميلُ الذي يقتضيه حسنُ الأدب ويستدعيه النزولُ على المروءة مثلُ أن يقول: يا أباه ويا أماه، كدأب إبراهيمَ عليه السلام إذ قال لأبـيه: يا أبتِ مع ما به من الكفر، ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوءِ الأدب وديدنُ الدُعّار. وسئل الفضيلُ بنُ عياض عن بر الوالدين فقال: أن لا تقوم إلى خدمتهما عن كسل، وقيل: أن لا ترفعَ صوتَك عليهما ولا تنظُرَ إليهما شزْراً ولا يَرَيا منك مخالفةً في ظاهر ولا باطن وأن تترحّم عليهما ما عاشا وتدعوَ لهما إذا ماتا وتقومَ بخدمة أوِدّائِهما من بعدهما، فعن النبـي عليه الصلاة والسلام: " حديث : إنَّ مِنْ أَبَرِّ البِرِّ أنْ يصلَ الرجلُ أهلَ ودِّ أبـيه "تفسير : . {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ} عبارةٌ عن إلانة الجانبِ والتواضعِ والتذلل لهما، فإن إعزازَهما لا يكون إلا بذلك فكأنه قيل: واخفض لهما جناحَ الذليل أو جُعل لذله جَناحٌ كما جَعل لبـيدٌ في قوله: [الكامل] شعر : وغداةِ ريحٍ قد كشفْت وقَرّة إذ أصبحت بـيد الشمالِ زمامُها تفسير : للقَرة زماماً وللشمال يداً تشبـيهاً له بطائر يخفض جناحَه لأفراخه تربـيةً لها وشفقةً عليها، وأما جعلُ خفض الجناحِ عبارةً عن ترك الطيران كما فعله القفالُ فلا يناسب المقام {مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} من فرْط رحمتِك وعطفِك عليهما ورِقّتك لافتقارهما اليوم إلى مَنْ كان أفقرَ خلق الله تعالى إليهما ولا تكتفِ برحمتك الفانية بل ادعُ الله لهما برحمته الواسعة الباقية {وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا} برحمتك الدنيوية والأخرويةِ التي من جملتها الهدايةُ إلى الإسلام فلا ينافي ذلك كفرَهما {كَمَا رَبَّيَانِى} الكاف في محل النصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أي رحمةً مثلَ تربـيتهما لي أو مثلَ رحمتهما لي على أن التربـيةَ رحمةٌ ويجوز أن يكون لهما الرحمةُ والتربـية معاً وقد ذُكر أحدُهما في أحد الجانبـين والآخرُ كما يلوح به التعرّضُ لعنوان الربوبـيةِ في مطلع الدعاء كأنه قيل: رب ارحمهما وربِّهما كما رحِماني وربّـياني {صَغِيرًا} ويجوز أن تكون الكافُ للتعليل أي لأجل تربـيتهما لي كقوله تعالى: { أية : وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} تفسير : [البقرة: 198] ولقد بالغ عز وجل في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفَع الإحسانَ إليهما بتوحيده سبحانه ونظمَهما في سلك القضاءِ بهما معاً ثم ضيّق الأمرَ في باب مراعاتهما حتى لم يرخِّصْ في أدنى كلمةٍ تُفْلت من المتضجر مع ما له من موجبات الضجر ما لا يكاد يدخل تحت الحصر، وختمَها بأن جعل رحمتَه التي وسعت كلَّ شيء مُشْبَهةٌ بتربـيتهما. وعن النبـي عليه الصلاة والسلام: « حديث : رِضى الله في رضى الوالدين وسخطُه في سخطهما » تفسير : وروي (يفعل البارُّ ما يشاء أن يفعل فلن يدخُل النارَ ويفعل العاقُّ ما يشاء أن يفعل فلن يدخُل الجنة) حديث : وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبوَيَّ بلغا من الكِبَر أنى أَلي منهما ما وَلِيا مني في الصغر فهل قضيتُهما حقهما؟ قال: «لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يُحبّان بقاءَك وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما» تفسير : وروي أن شيخاً أتى النبـي عليه الصلاة والسلام فقال: إن ابني هذا له مالٌ كثير وإنه لا ينفق عليَّ من ماله، فنزل جبريلُ عليه السلام وقال: إن هذا الشيخَ قد أنشأ في ابنه أبـياتاً ما قُرع سمعٌ بمثلها فاستنشَدَها الشيخَ فقال: [الطويل] شعر : غذَوتُك مولوداً ومُنْتُك يافعا تَعُلُّ بما أَجني عليك وتنهل إذا ليلةٌ ضافتْك بالسُّقم لم أبِت لسُقمك إلا باكياً أتململ كأني أنا المطروقُ دونك بالذي طُرِقَتْ به دوني وعينَي تهمُل فلما بلغتَ السنَّ والغايةَ التي إليها مدى ما كنتُ فيك أؤمل جعلتَ جزائي غِلظةً وفظاظة كأنك أنت المنعمُ المتفضّل فليتك إذْ لم ترْعَ حقَّ أُبوتي فعلتَ كما الجارُ المجاورُ يفعل تفسير : فغضب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال: " حديث : أنتَ ومالُكَ لأبـيك ".
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الآية: 23]. قال بعضهم: قضى ربك: أمر ربك. قال بعضهم: العبودية هى قطع الأرباب وخلع الأسباب، والرجوع إلى الحق بالحقيقة. سمعت أبا عثمان المغربى يقول: من تحقق فى العبودية ظهر سرّه لمشاهدة الربوبية، وإجابته القدرة إلى كل ما يريد. قال النصرآباذى: العبودية إسقاط رؤية التعبد فى مشاهدة المعبود.
القشيري
تفسير : أمَرَ بإفراده - سبحانه - بالعبادة، وذلك بالإخلاص فيما يستعمله العبدُ منها، وأن يكون مغلوباً باستيلاء سلطانِ الحقيقةِ عليه بما يَحْفَظُه عن شهودِ عبادته. وأَمَرَ بالإحسان إلى الوالدين ومراعاةِ حقِّهما، والوقوفِ عند إشارتهما، والقيام بخدمتهما، وملازمة ما كان يعود إلى رضاهما وحُسْنِ عشرتهما ورعاية حُرْمَتهما، وألا يبديَ شواهدَ الكسلِ عند أوامرهما، وأن يَبْذُل المُكْنَةَ فيما يعود إلى حفظ قلوبهما... هذا في حال حياتهما، فأمَّا بعد وفاتهما فبِصِدْقِ الدعاء لهما، وأداءِ الصَدَقَةِ عنهما، وحِفْظِ وصيتهما على الوجه الذي فَعَلاه، والإحسان إلى مَنْ كان مِنْ أهلِ ودِّهما ومعارفهما. ويقال إِنَّ الحقَّ أَمَرَ العبادَ بمراعاة حقِّ الوالدين وهما من جنس العبد.. فَمَنْ عجز عن القيام بحقِّ جنسه أَنَّى له أن يقومَ بحقِّ ربه؟
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} وجب فى الازل للربوبية القديمة العبودية على نعت تجريدها عن رؤية غير الله لانه كان تعالى فى الازل موصوفا بالربوبية والاحدية وحق العبودية لغيره مستحيل بالحقيقة لان عبودية الحدث للحدث على نعت المجاز ولا يقع العبودية الخالصة الا للازلى الابدى والعبودية افراد القدم عن الحدوث بنعت الاذعان لتصرفه والخضوع بنعت الفناء لعزته وحديث الوالدين بالاحسان لانها فعله الخاص وحرمة فعله فى ايجاد خلقه من حرمة صفته وحرمة صفته كحرمة ذاته والاحسان للوالدين احترامهما واجلالهما باحترام الله واجلاله واشياخ الطريقة وآباء اهل الارادة والاحسان لهم متابعة امرهم لمحبة الله قال بعضهم العبودية قطع الارباب وخلع الاسباب والرجوع الى الحق بالحقيقة قال ابو عثمان المغربى من تحقق فى العبودية ظهر سره المشاهدة الغيوب واجابته القدرة الى كل ما يريد.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقضى ربك} اى امر كل مكلف امرا مقطوعا به فضمن قضى معنى امر وجعل المضمن اصلا والمضمن فيه قيدا له لان المقضى يجب وقوعه ولم يقع من بعض المخاطبين التوحيد. وفى التأويلات النجمية وانما قال ربك اراد به النبى لا نه مخصوص بالتربية اصالة والامة تبع له فى هذا الشأن وقوله {وقضى ربك} اى حكم وقدر فى الازل {ان لا تعبدوا} اى بان لا تعبدوا على ان ان مصدرية ولا نافية {الا اياه} لان العبادة غاية التعظيم فلا تحق الا لمن له غاية العظمة ونهاية الانعام {وبالوالدين احسانا} اى بان تحسنوا بهما احسانا لانهما السبب الظاهرى للوجود والتعيش والله تعالى هو السبب الحقيقى فاخبر بتعظيم السبب الحقيقى ثم اتبعه بتعظيم السبب الظاهرى يعنى الله تعالى قرن احسان الوالدين بتوحيده لمناسبتهما لحضرة الالوهية والربوبية فى سببيتهما لوجودك وتربيتهما اياك عاجزا صغيرا وهما اول مظهر ظهر فيهما آثار صفات الله تعالى من الايجاد والربوبية والرحمة والرأفة بالنسبة اليك ومع ذلك فهما محتاجان الى قضاء حقوقهما والله غنى عن ذلك. فاهم الواجبات بعد التوحيد احسانهما وفى الحديث "حديث : بر الولدين افضل من الصلاة والصوم والحج والعمرة والجهاد فى سبيل الله"تفسير : ذكره الامام {اما يبلغن عندك الكبر احدهما او كلاهما} [اكر برسد نزديك تو بزرك سالى وكبر سن يكى ازايشان يا هردو ايشان يعنى بزنيد تابير شوند ومحتاج خدمت تو كردند]. قوله اما مركبة من ان الشرطية وما المزيدة لتأكيدها ولذلك حل الفعل نون التأكيد ومعنى عندك فى كنفك وكفالتك واحدهما فاعل للفعل وتوحيد ضمير الخطاب فى عندك وفيما بعده مع ان ما سبق على الجمع للاحتراز عن التباس المراد فان المقصود نهى كل احد عن تأفيف والديه ونهرهما ولو قوبل الجمع بالجمع او بالتثنية لم يحصل هذا المراد. قال فى الاسئلة المقحمة ان قلت كيف خص الله حال الكبر بالاحسان الى الوالدين وهو واجب فى حقهما على العموم والجواب ان هذا وقت الحاجة فى الغالب وعند عدم الحاجة اجابتهما ندب وفى حالة الحاجة فرض انتهى {فلا تقل لهما} اى لواحد منهما حالتى الانفراد والاجتماع {اف} هو صوت يدل على تضجر واسم للفعل الذى هو الضجر وقرئ بحركات الفاء فالتنوين على قصد التنكير كصه ومه وايه وغاق وتركه على قصد التعريف والكسر على اصل البناء ان بنى على الكسر لالتقاء الساكنين وهما الفا آن والفتح على التخفيف والضم للاتباع كمنذ وهو بالشاذ. والمعنى لا تتضجر بما تستقذر منهما وتستثقل من مؤونتهما وهو عام لكل اذى لكل خص بعضه بالذكر اعتناء بشأنه فقيل {ولا تنهرهما} اى لا تزجرهما باغلاظ اذا كرهت منهما شيأ {وقل لهما} بدل التأفيف {قولا كريما} ذا كرم وهو القول الجميل الذى يقتضيه حسن الآدب ويستدعيه النزول على المروءة مثل ان تقول يا آبتاه ويا اماه كدأب ابراهيم عليه السلام اذ قال لابيه يا أبت مع ما به من الكفر ولا يدعوهما باسمائهما فانه من الجفاء وسوء الادب وديدن الدعاء الا ان يكون فى غير وجههما كما قالوا ولا يرفع صوته فوق صوتهما ولا يجهر لهما بالكلام بل يكلمهما بالهمس والخضوع الا لضرورة الصمم والا فهام ولا يسب والدى رجل فيسب ذلك الرجل والديه ولا ينظر اليهما بالغضب.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {قضى}، هنا، بمعنى حكم وأوجب وأمر، لا بمعنى القضاء؛ إذ لو كان كذلك لما عُبد غير الله. وفي مصحف ابن مسعود: "ووصى ربك ألا تعبدوا". و (أن): مفسرة، أو مصدرية، أي: بأن لا تعبدوا، و {إما}: إن الشرطية دخلت عليها "ما" المؤكدة. و {فلا تقل}: جوابها. وتوحيد ضمير الخطاب في {عندك}، وفيما سبق - مع أن ما سبق ضمير الجمع -؛ للاحتراز عن التباس المراد، فإنَّ المقصود نهي كل أحد عن تأفيف والديه ونهرهما. ولو قوبل الجمع بالجمع، أو بالتثنية، لم يحصل هذا المرام. و "أفُّ": اسم فعل، معناها: قول مكروهُ، يقال عند الضجر ونحوه. قال الهروي: أي: لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم، ويقال لكل ما يضجر منه ويستثقل: أُفّ لَهُ. وقال في القاموس: أَفّ، يَؤُفُّ، ويَئِفُّ: تأففَ من كَرْبٍ أوْ ضَجَر. وأُفّ: كلمة تكره، وأفف تأفِيفًا، وتَأَفَّفَ، قالها، ولغتها أربعون، ثم ذكرها. وحركتها للبناء، وتنوينها للتنكير. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقضى ربُّك}؛ أَمر أمْرًا مقطوعًا به، بـ {ألاَّ تعبدوا إِلا إِياه}؛ لأن غاية التعظيم لا يكون إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام، وهو الله وحده، {و} أحسنوا {بالوالدين إِحسانًا}؛ لأنهما السبب الظاهر في وجود العبد، وبهما قامت نعمة الإمداد من التربية والحفظ في مظاهر الحكمة، وإلاَّ فما ثَمَّ إلا تربية الحق تعالى، ظهرت في مظاهر الوالدين، لكن أمر بشكر الواسطة؛ "من لم يشكر الناس لم يشكر الله". ثم أمر ببرهما، فقال: {إِما يبلغنَّ عندك الكبَرَ أحدُهما أو كلاهما} أي: مهما بلغ زمن الكِبَرِ، وهما عندك في كفالتك، هما أو أحدهما، {فلا تقلْ لهما أُفٍّ} أي: فلا تضجر فيما يستقذر منهما ويستثقل من مؤنتهما، ولا تنطق بأدنى كلمة توجعهما، فأحرى ألا يقول لهما ما فوق ذلك. فالنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء؛ قياسًا بطريق الأخرى. وقال في الإحياء: الأُفّ: وسخ الظفر، والتف: وسخ الأذن، أي: لا تصفهما بما تحت الظفر من الوسخ، فأحرى غيره، وقيل: لا تتأذّ بهما كما يتأذى بما تحت الظفر. هـ. {ولا تنهرهما}؛ ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظٍ، فإن كان لإرشاد ديني فبرفق ولين. {وقل لهما قولاً كريمًا}؛ جميلاً لينًا لا غلظ فيه، {واخفض لهما جناحَ الذل}؛ أَلِنْ لهما جانبك الذليل، وتذلل لهما وتواضع. استعار للذل جناحًا، وأضافه إليه؛ مبالغة؛ فإنَّ الطير إذا تذلل أرخى جناحه إلى الأرض، كذلك الولد، ينبغي أن يخضع لأبويه، ويلين جانبه، ويتذلل لهما غاية جهده. وذلك {مِنَ الرحمة} أي: من إفراط الرحمة لهما والرقة والشفقة عليهما. {وقل ربِّ ارحمهما} أي: وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتف برحمتك الفانية، وإن كانا كافرين؛ لأن من الرحمة أن يهديهما للإسلام، فقل اللهم ارحمهما {كما ربياني صغيرًا} أي: رحمة مثل رحمتهما عليّ وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري، وفاء بعهدك للراحمين. فالكاف في محل نصب؛ على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: رحمة مثل تربيتهما، أو مثل رحمتهما لي، على أن التربية رحمة. ويجوز أن يكون لهما الرحمة والتربية معًا، وقد ذكر أحدهما في أحد الجانبين والآخر في الآخر، كما يلوح له التعرض لعنوان الربوبية، كأنه قيل: رب ارحمهما، ورَبِّهِمَا كما ربياني صغيرا. ويجوز أن يكون الكاف للتعليل، كقوله: {أية : وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} تفسير : [البقرة: 198]. ولقد بالغ الحق تعالى في التوصية بالوالدين؛ حيث شفع الإحسان إليهما بتوحيده سبحانه، ونظمهما في سلك القضاء بعبادته، ثم ضيق في برهما حتى لم يُرخص في أدنى كلمة تتفلت من المتضجر، وختمها بأن جعل رحمته التي وسعت كلَّ شيء مشبهة بتربيتهما. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : رِضَا اللهِ في رضا الوَالِدَين، وَسَخَطُهُ في سَخَطِهِمَا"تفسير : . "حديث : ورُوي: أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبَويَّ بَلَغَا مِنْ الكِبَر إلى أنِّي ألي منهما ما وَلَيَا مِنِّي في الصغر، فهل قضيتهما حقهما؟ قال: لا؛ فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما"تفسير : . ورُوي أن شيخًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابني هذا له مال كثير، ولا ينفق عليّ من ماله شيئًا، فنزل جبريل وقال: إن هذا الشيخ أنشأ في ابنه أبياتًا، ما قُرعَ سَمْعٌ بمثلها، فاستنشدها، فأنشدها الشيخ، فقال: شعر : غَذَوْتُـك مَوْلــُودًا ومُنْتُـك يَافعـًـا تُعلُّ بما أُجْرِي عليك وتَنْهَلُ إذَا لَيْلةٌ ضَافَتْك بالسُّقْـمِ لـَم أَبِتْ لسُقْمـِكَ إلا باكِـيًـا أَتَملْمَــلُ كَأَنِّي أنا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بالذي طُرِقتَ به دُونى وعَيْنِيَ تمْهَلُ فَلَمَّا بَلَغْتَ السّـِنَّ والغَايـَةَ الَّتي إليْها مَدَى مَا كُنْتُ فِيك أُؤَمِّلُ جَعَلْتَ جزَائي غـلْظَـةً وفَظَاظَةً كأَنّك أنتَ المُنْعمُ الْمُتَفَضِّلُ فَلَيْتَكَ إذ لَمْ تَرْعَ حَــقَّ أُبوَّتـي فَعَلْتَ كَمَا الجَارُ المجاورُ يَفْعَلُ تفسير : ومن تمام برهما: زيارتهما بعد موتهما، والدعاء لهما، والتصدق عليهما، ففي الحديث: "حديث : إنما الميت في قبره كالغريق، ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها"تفسير : . وروى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال: (كان يقال: إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده، وأشار بيده نحو السماء)، وهو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: من طريق أبي هريرة قال: "حديث : إن الله ليرفع العبد الدرجة، فيقول: يا رب، أنَّى لي بها؟! فيقول: باستغفار ابنك لك"تفسير : ، وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: هل بقي من بر أبويَّ شيء أبرهما به، بعد موتهما؟ فقال: "حديث : نعم... الصلاة عليهما - أي: الترحم والاستغفار لهما -، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما ". تفسير : قال تعالى: {ربكم أعلمُ بما في نفوسكم} من قصد البر إليهما، واعتقاد ما يجب لهما من التوقير. وكأنه تهديد على أن يُضمر لهما كراهة واستثقالاً، {إِن تكونوا صالحين}؛ قاصدين للصلاح، أو طائعين لله، {فإِنه كان للأوابين}: التوابين، أو الرجّاعين إلى طاعته، {غفورًا} لما فرط منهم عند حرج الصدر؛ من إذاية ظاهرة أو باطنة، أو تقصير في حقهما. ويجوز أن يكون عامًا لكل تائب، ويندرج فيه الجاني على أبويه اندراجًا أوليًا. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما أوحى الله تعالى به في حق والدي البشرية، يجري مثله في والد الروحانية، وهو الشيخ، ويزيد؛ لأنه أوكد منه؛ لأنَّ أب البشرية كان السبب في خروجه إلى دار الدنيا، معرضًا للعطب أو السلامة، وأب الروحانية كان سببًا في خروجه من ظلمة الجهل إلى نور العلم والوصلة، وهما السبب في التخليد في النعيم الذي لا يفنى ولا يبيد. وقد تقدم في سورة النساء تمام هذه الإشارة. والله تعالى أعلم. ثمَّ أمر بالإحسان إلى القرابة لقربهما من الوالدين
الطوسي
تفسير : قرا حمزة والكسائي وخلف "يبلغان" بألف وكسر النون على التثنية. الباقون يبلغن على الوحدة. وقرأ ابن كثير، وابن عباس، ويعقوب "افّ" بفتح الفاء من غير تنوين. وقرأ اهل المدينة وحفص بكسر الفاء مع التنوين. الباقون بكسر الفاء من غير تنوين. ومثله في الاحقاف. قال ابو علي الفارسي قوله {أحدهما} مرتفع بالفعل، وقوله {أو كلاهما} معطوف عليه، والذِّكر الذي عاد من قوله {أحدهما} يغني عن إِثبات علامة الضمير في {يبلغنّ}, فلا وجه لمن قال: إِن الوجه إِثبات الالف، لتقدم ذكر الوالدين. ويجوز ان يكون رفع {أحدهما} على البدل من الضمير في {يبلغان} ويجوز ان يرفعه بفعل مجدد على تقدير إِما يبلغان عندك الكبر. يبلغ احدهما او كلاهما، ويكون رفعاً على السؤال والتفسير كقوله {أية : وأسروا النجوى الذين ظلموا} تفسير : ومن اثبت الألف، فعلى وجه التأكيد، ولو لم يذكر لم يخلّ بالكلام نحو قوله {أية : أموات غير أحياء}تفسير : فقوله {غير أحياء} توكيد، لأن قوله {أموات} دل عليه قال: وقول ابن كثير (أفَّ) يبني الفاء على الفتح، لأنه وان كان في الأصل مصدراً من قولهم (أفه وتفه) يراد به نتناً وذفراً، لقد سمي الفعل به فبني، وهذا في البناء على الفتح كقولهم (سرعان ذا إِهالة) لما سار اسماً لـ (سرع)، فكذلك (أفَّ) لما كان اسماً لـ (كره)، ومثله ريداً، في أنه سمي به الفعل، فبني ولم يلحق التنوين إِلا ان هذا للأمر والنهي، واف في الخبر. وقول نافع في البناء على الكسر مع التنوين، مثل (أف) في البناء على الفتح: إِلا أنه بدخول التنوين دل على التنكير مثل إِيه ومه وصه، ومثله قولهم صه، فبنوه على الكسر، وإِن كان في الأصل مصدراً، كما كان (أف) في الأصل كذلك، ومن كسر ولم ينون جعله معرفة، فلم ينون، كما أن من قال: صه وضاف، فلم ينون اراد به المعرفة. وموضع (أف) على اختلاف القراءات موضع الجمل، مثل (رويد) في أن موضعه موضع الجمل وكذلك لو قلت: هذا فدا قال أبو الحسن. وقول من قال (اف) اكثر وأجود ولو جاء (أفّاً لك) أحتمل أمرين: احدهما - أن يكون الذي صار إِسماً للفعل لحقه التنوين لعلامة التنكير. والآخر أن يكون نصباً معرباً، وكذلك الضمير، فإِن لم يكن معه لك كان ضعيفاً، كما انك لا تقول ويل حتى تقرن به لك، فيكون في موضع الخبر و (أف) كلمة يكنى بها عن الكلام القبيح وما يتأفف به، لأن التف وسخ الظفر و (الاف) وسخ الاذن. وقيل التف كل ما رفعت بيدك من حقير من الأَرض، وقيل معنى الأف الثوم، وقيل الشرّ، وقد جرى مجرى الاصوات، فزال عنه الاعراب مثل (صه) ومعناه اسكت، ومه ومعناه كفَّ وهيهات هيهات اي بعيد بعيد، فاذا نوّنت أردت النكرة أي سكوتا وقبحاً، واذا لم تنون أردت المعرفة. وإِنما جاز تحريك الفاء بالضم والفتح والكسر، لان حركتها ليست حركة إِعراب، وانما هي حركة التقاء الساكنين فتفتح لخفة الفتحة، وتضم اتباعاً للضم قبله، وقيل تضم تشبيهاً بقبل وبعد وتكسر على أصل حركة التقاء الساكنين. وفي (أف) سبع لغات: أفٍّ وافَّ وافِّ وافَّا و أَفي مماله، وزاد ابن الانباري بسكون الفاء. وروي عن الرضا عن أبية عن جعفر بن محمد (ع) انه قال (لو علم الله لفظ أوجز في ترك عقوق الوالدين من (أف) لاتى به). فان قيل هل اباح الله أن يقال لهما أف قبل أن يبلغا الكبر؟ قلنا: لا، لأن الله أوجب على الولد إِطاعة الوالدين على كل حال. وحظر عليه أذاهما وإِنما خصّ الكبر، لأن وقت كبر الوالدين مما يضطر فيه الوالدان إِلى الخدمة اذا كانا محتاجين عند الكبر، وفي المثل يقال فلان أبر من النسر، لان النسر إِذا كبر ولم ينهض للطيران جاء الفرخ فزقه، كما كان أبواه يزقانه، ومثله قوله {أية : ويكلم الناس في المهد وكهلاً} تفسير : والوجه في قوله {وكهلاً} مع ان الناس يكلمون كلهم حال الكهولة ان الله اخبر أن عيسى يكلم في المهد أعجوبة وأخبر أَنه يعيش حتى يكتهل ويتكلم بعد الكهولة، ونحوه قوله {أية : والأمر يومئذ لله}تفسير : وانما خصّ ذلك اليوم بأن الأمر لله، لأن في الدنيا مع أنه يملك، قد ملك اقواماً جعلهم ملوكاً وخلفاء، وذلك اليوم لا يملك سواه. معنى قوله {وقضى ربك أَلا تعبدوا إِلاّ إِياه} أمر، في قول ابن عباس والحسن وقتادة وابن زيد. فإِن قيل: الامر لا يكون أمراً بألاّ يكون الشيء، لأنه يقتضي إِرادة المأمور به، والإِرادة لا تتعلق بألاّ يكون الشيء، وإِنما تتعلق بحدوث الشيء. قلنا: المعنى انه كره ربكم عبادة غيره وأَراد منكم عبادته على وجه الإخلاص وسمى ذلك أمراً بـ {أن لا تعبدوا إِلاّ إِياه} لأن معناهما واحد. وقوله {وبالوالدين إحساناً} العامل في الباء يحتمل شيئين: أحدهما - وقضى بالوالدين إحساناً. والثاني - وأوصى، وحذف لدلالة الكلام عليه، والمعنى متقارب، والعرب تقول: أمر به خيراً وأوصى به خيراً، وقال الشاعر: شعر : عجبت من دهماء إِذ تشكونا ومن أبي دهماء اذ يوصينا خيراً بها كأننا جافونا تفسير : فأعمل "يوصينا" في الخير، كما أعمل في الاحسان. وقوله {إِمّا يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} معناه متى بلغ واحد منهما أو هما الكبر {فلا تقل لهما أف} أي لا تؤذهما بقليل ولا كثير {ولا تنهرهما} أي لا تزجرهما بإِغلاظ وصياح يقال: نهره ينهره نهراً، وانتهره انتهاراً إِذا أغلظ له {وقل لهما قولاً كريماً} أي شريفاً تكرمهما به. وتوقّرهما {واخفض لهما جناح الذلّ} أي تواضع لهما واخضع لهما. وقرأ سعيد بن جبير {الذل} بكسر الذال. والذل والذلة مصدر الذليل، والذل مصدر الذلول، مثل الدابة والارض تقول: جمل ذلول، ودابة ذلول {وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً} أي ادع لهما بالمغفرة والرحمة كما ربّياك في حال صغرك. وقال قوم الاستغفار لهما منسوخ إِذا كانا مشركين بقوله {أية : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين}.تفسير : وقال البلخي: الآية تختص بالمسلمين.
الجنابذي
تفسير : {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} تكويناً كما امر تكيلفاً او امر تكويناً وتكليفاً على استعمال اقضاء بمعنى ايصال الامر الى المأمور سواء كان بنحو التّكوين او التّكليف لكن فى امره التّكوينىّ لا يقع التّخلّف وفى امره التّكليفىّ قد يقع التّخلّف او ثبت فى عالم قضائه {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} ان مصدريّة ولا نافية او ناهيّة او مفسّرة ولا ناهية والمعنى قضى ربّك ان لا يقع منكم عبادة تكويناً الاّ له او ان لا يقع ولا يصحّ تكويناً واختياراً او لا يصحّ اختياراً وتكليفاً منكم عبادة الاله. بيان انحصار العبادة فى الله اعلم، انّ الله تعالى منزّه عن المثل والثّانى ولكن له المثل الاعلى والانسان مثل اعلى له تعالى، فمثل الحقّ تعالى فى العالم الكبير باملاكه وافلاكه وارضه ومواليده مثل النّفس الانسانيّة فى العالم الصّغير بقواها العالية والدّانية وارواحها الحيوانيّة السّماويّة واعضائها الارضيّة وصورها الّذهنيّة، فشأن الصّور الذهنيّة بالنّسبة الى النّفس شأن الملائكة المقرّبين الّذين لا شأن لهم الاّ التّعلّق الصّرف ولا انانيّة لهم ولا استقلال بوجهٍ من الوجوه وشأن القوى المدركة والمحرّكة شأن النّفوس وعالم المثال، وشأن الاعضاء شأن عالم الطّبع، وكما انّه ليس للصّور الّذهنيّة شأنٌ الاّ الانقياد الصّرف والعبوديّة المحضة كذلك ليس للملائكة الاّ الانقياد والعبوديّة، وكما انّ الاعضاء اذا كانت سليمة غير مؤفةٍ شأنها الانقياد للنّفس والعبوديّة لها كذلك عالم الطّبع بشراشره اذا كان سليماً شأنه الانقياد والعبوديّة، وكما انّ الاعضاء اذ طرأ عليها الآفة قد تخرج عن انقياد النّفس كذلك اجزاء العالم اذا كانت مؤفة بآفة اضلال الشّيطان او بآفة العجب والغرور كما فى افراد الانسان والشّياطين والجنّ قد تخرج عن انقياد الله وطاعته، وكما انّ الاعضاء المؤفة الخارجة عن طاعة النّفس والمنقادة للطّبع بحكم الآفة غير خارجة عن انقياد النّفس مطلقاً كذلك اجزاء العالم المؤفة الخارجة عن طاعة الله ودخلت فى طاعة الشّيطان وعبدت بحكومته سائر اجزاء العالم من الملائكة والسّماويّات والارضيّات والشّياطين والجنّ اختياراً كما انّها عبدت الشّيطان اوّلاً من حيث لا تشعر لم تكن خارجة عن طاعة الله تكويناً، ولمّا كان اجزاء العالم مظاهر لله الواحد الاحد القهّار بحسب اسمائه اللّطفيّة والقهريّة كان عبادة الانسان لاىّ معبودٍ كانت عبادة لله اختياراً ايضاً بخلاف طبائع الاناسىّ فانّها ليست مظاهر للنّفس الاّ بوجهٍ بعيدٍ لا يعلمه الاّ الرّاسخون، ولذلك لم تكن الاعضاء المؤفة فى حكم الآفة منقادة للنّفس عابدة لها مطلقاً فالانسان فى عبادتها اختياراً للشّيطان كالابليسيّة وللجن كالكهنة وتابعى الجنّ وللعناصر كالزّردشيّته وعابدى الماء والهواء والارض وللمواليد كالوثنيّة وعابدى الاحجار والاشجار والنّباتات كالسّامريّة وبعض الهنود الّذين يعبدون سائر الحيوانات، وكالجمشيديّة والفرعونيّة الّذين يعبدون الانسان ويقرّون بآلهته وللكواكب كالصّابئة وللملائكة كاكثر الهنود وللّذكر والفرج كبعض الهنود القائلين بعبادة ذكر الانسان وفرجه، وكالبعض الآخر القائلين بعبادة ذكر مَهاديوْ ملكاً عظيماً من الملائكة وفرج امرأته كلّهم عابدون لله من حيث لا يشعرون، لانّ كلّ المعبودات مظاهر له باختلاف اسمائه ولذلك قيل: شعر : اكَر مؤمن بدانستى كه بت جيست يقين كردى كه دين دربت برستى است اكَر كافر زبت آكَاه بودى جرا در دين خود كمراه بودى تفسير : وقال المولوى المعنوىّ قدّس سرّه: شعر : ساخت موسى قدس درباب صغير تا فرود آرند سر قوم زحير زانكه جبّاران بدند وسر فراز دوزخ آن باب صغير است ونياز آنجنانكه حق زلحم واستخوان ازشهان باب صغيرى ساخت هان ساخت سركين دانكى محرابشان نام آن محراب مير وبهلوان جون عبادت بود مقصود از بشر شد عبادتكاه كردنكش سقر تفسير : لكن تلك العبادة لمّا لم تكن بأمرٍ تكليفىٍّ من الله لم يستحقّوا الاجر والثّواب عليها بل استحقّوا العقوبة والعذاب، فعلى هذا معنى الآية قضى ربّك قضاءً حتماً لا تخلّف عنه ان لا يعبد عبد عبادةً لشيءٍ من الاشياء الاّ كانت العبادة له وبقضائه وامره التّكوينىّ، وقضى قضاء حتماً ان لايصحّ العبادة من عابد لمعبودٍ الاّ اذا كانت باذن من الله وقضى قضاءً تكليفيّاً بان امر على السنة انبيائه (ع) ان لا تعبدوا الاّ ايّاه فمن كان فى عبادته ناظراً الى غيره فقد خرج عن قضائه وامره التّكليفىّ ولم تكن العبادة باذنه فلم تصحّ منه واستحقّ العقوبة من الله تعالى {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ} وان تحسنوا او ان احسنوا حذفه اكتفاءً بقوله {إِحْسَاناً} وهذا غاية التّعظيم للوالدين حيث قرن احسانهما من عابدة نفسه والوالدان اعمّ من الجسمانيّين والرّوحانيّين العلويّين والسّفليّين فانّ السّفليّين احسانهما ان تصاحبهما فى الدّنيا معروفاً وقد مضى فى سورة البقرة تفصيل تحقيق تامّ للوالدين واحسانهما {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ} الهرم والشّيخوخة {أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} لا تنزجر منهما ولا تظهر انزجارك لهما وورد: لو علم الله شيئاً ادنى من افٍّ لنهى عنه وهو من ادنى العقوق {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} ولا تقهرهما بان تزجرهما {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} جميلاً.
اطفيش
تفسير : {وَقَضى رَبُّكَ} قال ابن عباس أمر، وقيل أوجب وقيل حكم الحكم الجازم، وقيل وصى وقد قرأ الضحاك ووصى، وكذا قرأ ابن عباس فى رواية وابن مسعود وكذا هى فى مصحفه، وأخطأ من زعم أن هذا هو القراءة وإِن القراءة بالقاف تحريف منها بأَن ألصق الكاتب الواو بالصاد فصار قافاً، وكانت المصاحف غير منقوطة، خطأً عظيماً يؤدى إِلى أن لا يوثق بالقرآن وإِلى الطعن وقد حفظ الله سبحانه القرآن عن أن يغير. وعن ابن عباس وأوصى ويجوز أن يكون المعنى سبق علم الله فى الأَزل فيكون الخطاب فى تعبدوا للمؤمنين خاصة إِلى يوم القيامة ولا نافية وأن ناصبة والباء مقدرة أى بأَن لا تعبدوا وعلى الأَوجه السابقة الخطاب لجميع الناس وإِن ولا كما ذكر أو لا ناهية وأن مفسرة وأجيز أن يكون أن مخففة ولا ناهية وقوله وقضى ربك.. الخ. كالتفضيل لسعى الآخرة {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} أى إِلا ربك لأَنه الذى له الغاية العظمة ونهاية الإِنعام والعبادة غاية التعظيم فلا يستحقها إِلا من هو كذلك وقرأ بعض ولد معاذ بن جبل: وقضاء ربك بالمد على الابتداء وأن لا تعبدوا خبر على أن لا نافية وأن ناصبة {وَبِالْوَالِدَيْنِ} أى وإِن تحسنوا بالوالدين فهو متعلق بمحذوف وذلك المحذوف معطوف على أن لا تعبدوا بأن ولا. لا على تعبدوا بدون ولا وإِلا تسلط النفى أو النهى عليه وليس بمراد وكأَنه قيل وقضى أن تحسنوا بأَن الناصبة أو بأَن تحسنوا أو وقضى أن تحسنون بأَن التفسيرية ويجوز تعليقه بمستأنف محذوف أى واحسنوا بالوالدين بكسر السين على الأَمر، ويجوز عطفه على لا تعبدوا إِذا جعلت لا ناهية ولا يجوز أن يعلق بقوله {إِحْسَاناً} لأَنه مصدر والمصدر لا يسبقه معموله، وقيل بالجواز لأَن معموله جار ومجرور، وقيل يجوز لأَنه مصدر لا ينحل إِلى الموصول الحرفى والفعل، لأَنه عوض من اللفظ بفعله وإِنما الذى لا يجوزه فيه ذلك هو الذى لا ينحل إِلى الموصول الحرفى والفعل، لأَن الموصول لا تقدم عليه صلته {إِمَّا} أن الشرطية وما التى هى صلة للتأْكيد أدغمت نون أن فى ميم ما ويدل لذلك تأكيد الفعل بعد بالنون ولو جردت "أن" عن "ما" لكان غير جائز تأْكيده. {يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا} فاعل يبلغ. {أَوْ كِلاَهُمَا} عطف على أحدهما، وقرأ حمزة والكسائى يبلغان بنون توكيد مشددة بعد مكسورة ألف اثنين وهما الوالدان، وحذفت نون الرفع للجازم وأحد بدل من الأَلف، ومعنى بلوغهما الكبر عندك أن يكونا فى بيته قائماً بهما فى حال كونهما قد كبرا وعجزا وكانا كلا عليك. {فَلاَ تَقُلْ لَّهُمَا أُفٍّ} بالتنوين للتنكير وهو مبنى على الكسر لالتقاء الساكنين وذلك قراءة نافع وحفص هنا، وفى الأَنبياء والأَحسن، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بناء على الفتح تخفيفاً بلا تنوين، وقرئ بالفتح والتنوين، وقرئ بالضم منوناً وغير منون اتباع للهمزة كمنذ، والساكن جائز غير حصين ولا سيما المدغم وهو على ذلك كله اسم صوت يدل على ضجر وملل، وقيل اسم للصوت الذى يخرج من فم من ينفخ على شئ يقم عليه كرماد وتراب مما يكرهه ليزيله بالنفخ ثم توسعوا بذكره عند كل مكروه يصلهم، وقيل اسم للفعل المضارع الذى هو اضجر وأمَلَّ أو أكره أو تقدر ونحو ذلك، وعليه ابن هشام وفسر بعضهم أفٍ تباً وقبحاً، والمراد نهى الإِنسان أن يقول لوالديه: أفٍ، إِذا رأى منهما ما استقذره أو يستثقله، ويفهم غير هذا اللفظ من الأَلفاظ السوء المساوية والتى هى أعظم ومن الأَفعال المضرة كالضرب من ذلك اللفظ، لأَن العلة إضرارهما فهو منهى عنه بأَى لفظ كان، ويجوز أن يكون المراد جميع ذلك بالكناية، أى لا تقل لهما شيئاً مما يضرهما ولا تفعل شيئا يضرهما وعلى هذا فلا مفهوم بخلاف الأَول، فإِن فيه مفهوم الخطاب الذى المسكوت عنه حكمه حكم المذكور، فما كان مساوياً فى التأْفيف فمفهوم المساواة ويسمى المحوى، وما كان أعظم فمن التنبيه بالأَذى على الأَعلى كالشتم والضرب ويسمى لحن الخطاب، وفهم النهى عن ذلك بطريق القياس، وقيل بطريق العرف، وقيل بطريق اللفظ وهو الذى يتبادر. قيل: نزلت الآية فى سعد بن أبى وقاص، أسلم وأُمه كافرة مشركة لما كان حق الوالدين عظيماً ولو كانا مشركين قرنه الله سبحانه وتعالى بعبادته، وقرن حقهما وعبادته فى القضاء ولم يرخص فى أدنى كلمة تنقلت من المتضجر مع موجبات الضجر، مثل أن يلى منهما ما ولياه منه فى صغره من بول وغائط وغيرهما وما تستقذر رؤيته أو رائحته، ومع أحوال لا يكاد صبر الإِنسان يدخل معها فى الاستطاعة وألزمه فى حقهما خمسة أشياء: الأَول - أن لا يقول لهما أفٍ وقد مر الكلام فيه وسواء فى هذه الخمسة أن يكونا كبيرين أو غير كبيرين وإِنما علقها بالكبر، لأَنه مظنة عدمها. الثانى عدم انتهارهما كما قال الله عز وجل. {وَلاَ تنْهَرْهُمَا} أى لا تغلظ لهما الكلام إِذا أراك ما لا يعجبك يقال نهره وانتهره ونهمه بمعنى واحد، والفرق بين التأْفيف والنهران، التأْفيف إِظهار الضجر بالقليل والكثير إِظهار المخالفة بالرد عليهما. الثالث: أن يقول لهما قولا يطيبان به نفساً كما قال عز وعلا {وَقُل لَّهُمَا قوْلاً كَرِيماً} حسناً جميلا ليناً لا سوء خلق فيه بدل التأْفيف مثل السلام عليكما، ومثل يا أبتاه ويا أُماه، وغير ذلك مما هو حسن أدب ونزول على مروءة كما قال إِبراهيم لأَبيه مع كفره يا أبت، ولا تدعهما بأسمائهما ولا بكنيتهما، بل يقول لهما كقول العبد الذليل للسيد الفظ الغليظ، وقد قيل من الجفاء وسوء الأَدب دعاؤهما بأَسمائهما ولا بأس بذكرهما فى وجههما بغير أسمائهما، كما قالت عائشة رضى الله عنها: قال أبو بكر كذا: وفعل أبو بكر كذا. الرابع: أن يبالغ فى التواضع لهما كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جنَاحَ الذُّلِّ} أى تذلل وتواضع لهما حتى لا تمتنع من شئ أراده، شبه الذل بالطائر تشبيها غير مذكور وذلك التشبيه استعارة ملكية وأثبت له شيئاً من لوازم الطائر عند انحطاطه وانخفاضه وهو الجناح وذلك الإِثبات استعارة تخييلية كما جعل لبيد للشمال وهى ريح يداً وللقرة بكسر القاف وهى البرد زماماً فى قوله: شعر : وغداة ريح قد كشف وقرة إِذ أصبحت بيد الشمال زمامها تفسير : أى زمام القرة، شبه الشمال بالإِنسان تشبيهاً مضمر، أى النفس على سبيل الاستعارة المكنية وأثبت لها ما لا يلازم الإِنسان وهو اليد على طريق الاستعارة التخييلية، وشبه القرة بنحو ناقة كذلك وأثبت لها لازم الناقة مثلا وهو الزمام كذلك، وأمره الله سبحانه وتعالى بخفض الجناح مبالغة ويجوز أن يكون المعنى واخفض لهما جناحك، كما قال واحفظ جناحك للمؤمنين وعليه فإِضافة الذل لبيان لزوم الذل فى حقهما وللمبالغة كما يقال حاتم الجود، كأَنه قيل جناحك الذليل وحاتم الجواد، وقرئ الذل بكسر الذال والمعنى واحد. وقال أبو حيان هو بالكسر للدابة ضد الصعوبة وبالضم للإِنسان ضد العسر كأَنهم فرقوا بذلك لأَن ما يلحق الإِنسان أكثر قدراً مما يلحق الدابة فاختاروا الضم لقوته فى الإِنسان والكسر لضعفه فى الدابة، وقيل المكسور بمعنى الانقياد {مِنَ الرَّحْمَةِ} من شدة شفقتك عليهما لكبرهما وافتقارك اليوم إِليهما كما كنت فى حال صغرك أفقر خلق إِليهما، ومن للتعليل، وقيل للابتداء وليست للبيان الخامس الدعاء برحمة الآخرة لهما غير مكتف برحمتك التى لا بقاء لهما كما قال الله عز وجل: {وَقُل رَّبِّ ارْحمْهُمَا} بالرحمة الدائمة وهى رحمة الآخرة، وهذا فى حق الوالدين المسلمين محكم وفى حق المشركين منسوخ بقوله تعالى: {أية : ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى} تفسير : والفاسق من الوالدين عندنا مقيس على المشرك وأما الموقوف فيه منهما فيكف عن الدعاء له بخير الآخرة عندنا. وقال بعضنا يدعى له به ويتولى وأما عند مخالفينا فالموحد مطلقاً يجوز أن يدعى له بالجنة مطيعاً أو فاسقاً، وقيل يجوز أن يدعى للوالدين المشركين بأَن يهديهما الله إِلى الإِسلام، فإِذا هداهما فقد رحمهما فقد دخلا فى الآية، ولا نسخ فيها وذلك قول مخالفينا وهكذا يجوز عندهم الدعاء بالهداية للمشرك والفاسق ويمنع ذلك عندنا والظاهر عندى الجواز لما روى أنه دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعض الأَنبياء عليهم السلام كنوح، للمشركين بالهداية ولأَن الدعاء للمشرك والفاسق تقوية للإِسلام ولا فرق بينه وبين دعائهما إِلى الإِسلام، فكما أن الدعاء لهما بالهداية سبب لدخول الجنة كذلك دعاؤهما إِلى الإِسلام سبب له فإِن كان المنع لأَنه سبب لدخولها فليمنع دعاءهما إِلى الإِسلام ولا قائل به وإِنما الممنوع عندى الدعاء لهما بالجنة ونحوها من خير الاخرة كإِعطاء كتابه بيمينه واختلف أصحابنا فى الولاية والبراءة بالشريطة وفى الكشاف إِذا كان الوالدان كافرين فللولد أن يسترحم لهما بشرط الإيمان وأن يدعو الله لهما بالهداية. {كَما رَبَّيَانِى صَغِيراً} أى رحمة مثل رحمتهما وتربيتهما وإِرشادهما لى فى صغرى وفاء بوعدك للراحمين. قاله القاضى، ويجوز كون الكاف للتعليل وما على كل حال مصدرية سُئِلَ ابن عيينة عن الصدقة على الميت فقال: كل ذلك واصل إِليه ولا شئ له أنفع من الاستغفار ولو كان شئ أنفع منه لأَمركم به فى الأَبوين. روى مالك فى الموطأ عن يحيى بن سعيد بن المسيب أنه كان يقال إِن الرجل ليرفع بدعاء ولده له من بعده وأشار بيده نحو السماء وقد اتصل بيدى جزء من الموطأ، وروى أو عمرو بن عبد البر ذلك بسند جيد ثم أسند عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : قال إِن الله سبحانه ليرفع العبد الدرجة فيقول: أى ربى أنى لى هذه الدرجة؟ فيقال باستغفار ابنكتفسير : والآية فى الوالدين الحيين ولكن طلب الرحمة لهما بعد موتهما والصدقة عليهما وسائر الأَعمال نافع لها على خلاف ذكره فى غير هذه السورة. قال عبد الحق فى العاقبة اعلم أن الميت كالحى فيما يعطاه ويهدى إِليه بل الميت أكثر وأكثر لأَن الحى قد يستقل ما يهدى إِليه ويستحقر ما يتحف به والميت لا يستحقر شيئاً من ذلك ولو كان مقدار جناح بعوضة أو وزن مثقال ذرة لأَنه يعلم قيمته وقد كان يقدر عليه فضيعه. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -حديث : إذا مات الإِنسان انقطع عمله إِلا من ثلاثة صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو لهتفسير : وأمر - صلى الله عليه وسلم - بالسلام على أهل القبور والدعاء لهم وفعل ذلك هو وما ذلك إِلا لكونه نافعاً لهم وقال - صلى الله عليه وسلم - حديث : الميت فى قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه فإِذا لحقته كانت أحب إِليه من الدنيا وما فيهاتفسير : . وقال أبو داودحديث : إن رجلا من بنى سلمة قال: يا رسول الله، هل بقى من أبوى شئ أبرهما بعد موتهما به قال الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإِنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما وإِكرام صديقهماتفسير : . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -حديث : من أحق الناس بحسن صحبتى قال أُمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك فأَدناكتفسير : . رواه البخارى ومسلم عن أبى هريرة وروى مسلم عنه أنه قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول حديث : رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه. قيل من يا رسول الله قال من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة تفسير : وروى أيضا عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : لن يجزى ولد والديه إِلا أن يجده مملوكا يشتريه فيعتقهتفسير : . وروى هو والبخارى عن عبد الله ابن عمرو بن العاص حديث : جاء رجل إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنه فى الجهاد قال: أحى والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد قال. رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضى الرب فى رضى الوالد وسخط الرب فى سخط الوالدتفسير : . أخرجه الترمذى مرفوعا وموقوفا. قال وهو أيضاً وأخرج أيضاً عن أبى الدراداء قال حديث : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الوالد أوسط أبواب الجنة فإِن شئت فضيع ذلك الباب أو احفظهتفسير : . وقال إنه حسن صحيح. حديث : قال ابن مسعود سأَلت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أى الأَعمال أحب إِلى الله تعالى؟ قال الصلاة على وقتها. قلت: ثم أى؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أى؟ قال الجهاد فى سبيل اللهتفسير : . رواه البخارى ومسلم قال الشيخ هود رحمه الله ذكروا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إن فوق كل بر براً حتى إِن الرجل ليهرق دمه فى سبيل الله، وإِن فوق كل فجور فجورا حتى إِن الرجل ليعق والديه وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال من أصبح بارا لوالديه أصبح له بابان مفتوحان إِلى الجنة، وإِن كان واحد فواحد ومن أصبح عاقا لوالديه أصبح له بابان مفتوحان إِلى النار، وإِن كان واحد فواحد وإِن ظلماه وإِن ظلماه وإِن ظلماه. وروى حديث : أن رجلا قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - إن أبوى بلغا من الكبر أى ألى منهما ما وليا منى فى الصغر فهل قضيتهما؟ قال: لا فإِنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما حديث : وشكا رجل إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سوء خلق أُمه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر. قال: إِنها سيئة الخلق. قال: لم تكن سيئة الخلق حين أرضعتك حولين. قال: إِنهما سيئة الخلق. قال: لم تكن سيئة الخلق حين اسهرت ليلها وأضنأت نهارها. قال: لقد جازيتها. قال: ما فعلت؟ قال: حججت بها على عاتقى. قال: ما جازيتها ولو طلقة واحدةتفسير : . ورأى ابن عمر رجلا يحمل أمه ويقول: شعر : إِنى لها مطية لا تذعر إِذا الركاب نفرت لا تنفر ما حملت وأرضعتنى أكثر الله ربى ذو الجلال الأَكبر تظننى جازيتها يا ابن عمر تفسير : قال لا ولو زفرة واحدة. حديث : وشكا رجل إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به وإِذا شيخ يتوكأ على عصى فسأَله فقال: إِنه كان ضعيفا وأنا قوى وفقيرا وأنا غنى فكنت لا أمنعه شيئا من مالى واليوم أنا ضعيف وهو قوى وأنا فقير وهو غنى ويبخل على بماله فبكى عليه السلام فقال: ما من حجر ولا مدر يسمع ذلك إِلا بكى ثم قال للولد أنت ومالك لأَبيك، أنت ومالك لأَبيكتفسير : . وروى ليفعل البار ما شاء أن يفعله فلن يدخل النار وليفعل العاق ما شاء أن يفعله فلن يدخل الجنة يعنى أن برهما سبب لحسن الخاتمة وعقهما سبب لسوئهما روى سعيد ابن المسيب أن البار لا يموت موتة سوء حديث : وقال - صلى الله عليه وسلم - إِياكم وعقوق الوالدين فإِن الجنة يوجد ريحها من مسيرة ألف عام ولا يوجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إِزاره خيلاءتفسير : ، إِن الكبرياء لله رب العالمين والضابط أن يطيعهما فى كل ما ليس معصية. روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصى بعض أهل بيته وكان فيما أوصاه به أطع والديك، فإِن أمراك أن تخرج من مالك كله فافعل وإِن أمراك بمكروه لا إِثم فيه وجب عندى أن تطعيهما وإِن أمراك بمعصية فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق سبحانه وتعالى: وزعم أبو يوسف صاحب أبى حنيفة أنه إِن أمر الوالد أبوه أن يوقد تحت قدره وفيها لحم الخنزير أوقد والصواب المنع ولا يذهب بأَبيه إِلى كنيسة اليهود ولا إِلى بيعة النصارى وإِذا بعث إِليه منها ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر ويأَخذ الإِناء منه إِذ شربها. استأَذن حذيفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى قتل أبيه وهو فى صف المشركين فقال: دعه يليه غيرك وسأَل الفضيل بن عياض عن بر الوالدين فقال أن لا يقوم إِلى خدمتهما عن كسل وسأَل بعضهم، فقال: أن لا ترفع صوتك عليهما ولا تنظر شزرا إِليهما ولا يريا منك مخالفة فى ظاهر ولا باطن وأن تترحم عليهما ما عاشا وتدعو لهما إِن ماتا وتقوم بخدمتة أودائهما من بعدهما. "حديث : وعن النبى - صلى الله عليه وسلم - إِن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه ".
اطفيش
تفسير : {وَقَضَى رَبُّكَ} أمر ربك {أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ} بأَن لا تعبدوا، أو واجب ألا تعبدوا إلا إياه، أو حكم بأن لا تعبدوا إلا إياه، بمعنى حكم بأنه لا تجوز عبادة غيره، وليس المعنى أنه سبقت إرادته أنه لا تصدر عبادة غيره عن أحد، ولو كان ذلك لم يقع إشراك البتة، ولا نافية، وأن مصدرية، وأعجب من إجازتهم أن تكون مصدرية متصلة بالنهى، أو بالأمر، مع أَن النهى والأمر لا خارج لهما يكون حدثاً معنى للمصدر، فإذا جعلت لا ناهية، فإن تفسيرية لتقدم معنى القول، وهو القضاء، وأنا أبهج بذلك من صغر سنى إلى أن رأيته للشيخ زادة، ونصه: صلة أن المصدرية لا تكون شيئاً مما فيه معنى الطلب على الأصح، وإن أجازه سيبويه. {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} أى وبأن تحسنوا بالوالدين، على أن قضى بمعنى أمر، وأن تحسنوا بلا باء، على أن قضى بمعنى أوجب، وإما أن تقدر وأحسنوا بالوالدين إحسانا ففيه عطف الأمر على الإخبار والهاء متعلق بإحساناً لجواز تقديم معمول المصدر إذا كان ظرفاً ولا سيما إن كان المعنى على غير قصد انحلاله له إلى حرف المصدر والفعل، كما هنا، لأن تقدير الفعل قبله يغنى من انحلاله إلى ذلك، أو تتعلق بهذا المقدر قبلها، الإحسان إليهما أعم من أن يأمراه أو ينهياه، فيطيعهما، وأن لا يأمراه ولا ينهياه فينظر هو ما يلوق بهما فيفعله والطاعة ما كان عن أمرهما أو نهيهما، فهى أخص من الإحسان. {إِمَّا يَبْلُغَنَّ}إن الشرطية، وما التى هى صلة للتأكيد أبدلت نونها ميماً وأدغمت فى الميم (عِنْدَكَ الْكِبَرَ) فى كفالتك، وتحت يديك بالنفقة، والقيام لهما لأنهما كالطفل، لعجزهما فى بيتك، وهو أولى أو فى غير بيتك. {أَحَدُهُمَا أَو كِلاَهُمَا} عطف على أحدهما فإن كلا لا يختص بالتوكيد، فإنه يكون مبتدأ أو فاعلا ومفعولا وغير ذلك، وهو هنا فاعل بواسطة العطف. {فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} فكيف الدفع والضرب، وما هو أشد من التأفيف، وذلك قياس جلى لأنه يفهم بطريق الأولى، ويسمى فحوى الخطاب، ومفهوم الموافقة، ولكن قد يكون مفهوم الموافقة مساوياً لا أولى، أما دليل الخطاب فهو معنى الكلام المصرح به، ولا يصح ما قيل عنه صلى الله عليه وسلم أنه لو علم الله شيئا أولى من الأف لنهى عنه، لأنه تعالى علم وأعلمنا أنه وجد أدنى من الأف، ولم يذكرها، وهى لا تجوز مثل أن يقول لهما على وجه الضجر: ما هذا، ولكن مثل لنا بالأف الإحسان إلى الوالدين واجب قبل كبَرهما، وفيه، وتحريم التأفيف كذلك، وكذا نهرهما، والقول الكريم ونحو ذلك، ولكن ذكر الكبر لكونه محل تهاون الولد بهما، والضجر، وأُف اسم للفعل المضارع التكلمى وهو أضجر أو أتضجر أى أصابنى الملل منكما لشدة مؤنتكما على، أو خدمتكما، أو رائحتكم المتنة. وقيل: أُف خسراناً أو قبحاً أو نتناً، فيكون اسم فعل ماض للخطاب أى خسرتما أو قبحتما، أو أنتنتما، أو أشبهتما وسخ الظفر، أو ما يسقط من السقف، وقيل: اسم صوت من أصوات الفم يصوت به الإنسان عند الضجر لا اسم فعل ولا ضمير فيه، وإنما هو بالطبع ولا وضع فيه. {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} لا تغلظ الصوت عليهما فيما تكرهه منهما ولا فى مصلحتهما، وليس من ذلك رفع الصوت ليسمعا إذا ثقل سمعهما، قيل: المراد المنع من إظهار المخالفة فى القول على سبيل الرد والتكذيب لهما، ولذا روعى هذا الترتيب وإلا فالمنع من التأفيف، يدل على المنع من النهر بطريق الأولى، فيكون ذكره بعده عبثاً. قلت: بل النهر يكون أيضاً بلا ردّ لقولهما، ولا مخالفة، وليس المنع من التأفيف يدل على منع النهر بالأولى، بل قد يتساويان، وقد يكون النهر دون التأفيف. {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} لا تكتف بترك التأفيف والنهر، أو قل بدلهما قولا كريماً، أى جميلا ليِّناً كقول العبد المذنب للسيد الفظ: وكلبَّيكما وسعديكما، إذا نادياه، ولا تعاشرهما بسوء خلق، ومن ذلك أن يتكلم مع غيره بحضرتهما، ولا يكترث بهما سمعاً، أو لم يسمعا أو يتفاوضا فى أمر مفرح ولا يشركهما فيه، والضابط أن يجتنب ما يكرهان، ويستقصى النظر فيما يحبان، فيفعله. وقولا باق على المصدرية مفعول مطلق، أو بمعنى مفعول فهو مفعول به.
الالوسي
تفسير : {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} أخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي بن أبـي طلحة عن ابن عباس أنه قال: أي أمر {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} أي بأن لا تعبدوا الخ على أن (أن) مصدرية والجار قبلها مقدر و(لا) نافية والمراد النهي، ويجوز أن تكون ناهية كما مر ولا ينافيه التأويل بالمصدر كما أسلفناه أو أي لا تعبدوا الخ على أن (أن) مفسرة لتقدم ما تضمن معنى القول دون حروفه و(لا) ناهية لا غير، وجوز بعضهم أن تكون (أن) مخففة واسمها ضمير شأن محذوف و(لا) ناهية أيضاً وهو كما ترى وجوز أبو البقاء أن تكون (أن) مصدرية و(لا) زائدة والمعنى الزم ربك عبادته وفيه أن الاستثناء يأبى ذلك. وفي «الكشاف» تفسير قضى بأمر أمراً مقطوعاً به وجعل ذلك غير واحد من باب التضمين وجعل المضمن أصلاً والمتضمن قيداً وقال بعضهم: أراد أن القضاء مجاز عن الأمر المبتوت الذي لا يحتمل النسخ ولو كان ذلك من التضمين لكان متعلق القضاء الأمر دون المأمور به وإلا لزم أن لا يعبد أحد غير الله تعالى فيحتاج إلى تخصيص الخطاب بالمؤمنين فيرد عليه بأن جميع أوامر الله تعالى بقضائه فلا وجه للتخصيص. وتعقب بأن ما ذكر متوجه لو أريد بالقضاء أخو القدر أما لو أريد به معناه اللغوي الذي هو البت والقطع المشار إليه فلا يرد ما ذكره. ثم إن لزوم أن لا يعبد أحد غير الله تعالى ادعاه ابن عباس فيما يروى للقضاء من غير تفصيل، فقد أخرج أبو عبيد وابن منيع وابن المنذر وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: أنزل الله تعالى هذا الحرف على لسان نبيكم (وَوَصَّىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ) فلصقت إحدى الواوين بالصاد فقرأ الناس {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} ولو نزلت / على القضاء ما أشرك به أحد، وأخرج مثل ذلك عنه جماعة من طريق سعيد بن جبير وابن أبـي حاتم من طريق الضحاك ورويت هذه القراءة عن ابن مسعود وأبـي بن كعب رضي الله تعالى عنهما أيضاً وهذا إن صح عجيب من ابن عباس لاندفاع المحذور بمحمل القضاء على الأمر ولا أقل كما هو مروي عنه أيضاً نعم قيل إن ذلك معنى مجازي للقضاء وقيل إنه حقيقي. وفي «مفردات» الراغب «القضاء فصل الأمر قولاً كان أو فعلاً وكل منهما إلٰهي وبشري فمن القول الإلٰهي قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ} أي أمر ربك» إلى آخر ما قال، ثم إن هذا الأمر عند البعض بمعنى مطلق الطلب ليتناول طلب ترك العبادة لغيره تعالى، ويغني عن هذا التجوز كما قيل إن معنى لا تعبدوا غيره اعبدوه وحده فهو أمر باعتبار لازمه، وإنما اختير ذلك للإشارة إلى أن التخلية بترك ما سواه مقدمة مهمة هنا، وأمر سبحانه أن لا يعبدوا غيره تعالى لأن العبادة غاية التعظيم وهي لا تليق إلا لمن كان في غاية العظمة منعماً بالنعم العظام وما غير الله تعالى كذلك، وهذا وما عطف عليه من الأعمال الحسنة كالتفصيل للسعي للآخرة. {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} أي وبأن تحسنوا بهما أو أحسنوا بهما إحساناً، ولعله إذا نظر إلى توحيد الخطاب فيما بعد قدر وأحسن بالتوحيد أيضاً، والجار والمجرور متعلق بالفعل المقدر وهو الذي ذهب إليه الزمخشري ومنع تعلقه بالمصدر لأن صلته لا تتقدم عليه، وعلقه الواحدي به فقال الحلبـي: إن كان المصدر منحلاً بأن والفعل فالوجه ما ذهب إليه الزمخشري وإن جعل نائباً عن الفعل المحذوف فالوجه ما قاله الواحدي، ومذهب الكثير من النحاة جواز تقديم معموله إذا كان ظرفاً مطلقاً لتوسعهم فيه والجار والمجرور أخوه. {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا} إما مركبة من إن الشرطية وما المزيدة لتأكيدها. قال الزمخشري: ولذا صح لحوق النون المؤكدة للفعل ولو أفردت إن لم يصح لحوقها واختلف في لحاقها بعد الزيادة فقال أبو إسحٰق بوجوبه، وعن سيبويه القول بعدم الوجوب ويستشهد له بقول أبـي حية النميري:شعر : فإما ترى لمتى هكذا فقد أدرك الفتيات الخفارا تفسير : وعليه قول ابن دريد:شعر : أما ترى رأسي حاكى لونه طرة صبح تحت أذيال الدجى تفسير : ومعنى {عِندَكَ} في كنفك وكفالتك، وتقديمه على المفعول مع أن حقه التأخير عنه للتشويق إلى وروده فإنه مدار تضاعف الرعاية والإحسان، و {أَحَدُهُمَا} فاعل للفعل، وتأخيره عن الظرف والمفعول لئلا يطول الكلام به وبما عطف عليه و {كِلاَهُمَا} معطوف عليه. وقرأ حمزة والكسائي (إما يبلغان) فأحدهما على ما في «الكشاف» بدل من ألف الضمير لا فاعل والألف علامة التثنية على لغة أكلوني البراغيث فإنه رد بأن ذلك مشروط بأن يسند الفعل للمثنى نحو قاما أخواك أو لمفرق بالعطف بالواو خاصة على خلاف فيه نحو قاما زيد وعمرو وما هنا ليس كذلك. واستشكلت البدلية بأن {أَحَدُهُمَا} على ذلك بدل بعض من كل لا كل من كل لأنه ليس عينه و {كِلاَهُمَا} معطوف عليه فيكون بدل كل من كل لكنه خال عن الفائدة على أن عطف بدل الكل على غيره مما لم نجده. وأجيب بأنا نسلم أنه لم يفد البدل / زيادة على المبدل منه لكنه لا يضر لأنه شأن التأكيد ولو سلم أنه لا بد من ذلك ففيه فائدة لأنه بدل مقسم كما قاله ابن عطية فهو كقوله:شعر : فكنت كذي رجلين رجل صحيحة وأخرى رمى فيها الزمان فشلت تفسير : وتعقب بأنه ليس من البدل المذكور لأنه شرطه العطف بالواو وأن لا يصدق المبدل منه على أحد قسميه وهنا قد صدق على أحدهما، وبالجملة هذا الوجه لا يخلو عن القيل والقال، وعن أبـي علي الفارسي أن {أَحَدُهُمَا} بدل من ضمير التثنية و {كِلاَهُمَا} تأكيد للضمير، وتعقب بأن التأكيد لا يعطف على البدل كما لا يعطف على غيره وبأن أحدهما لا يصلح تأكيداً للمثنى ولا غيره فكذا ما عطف عليه وبأن بين إبدال بدل البعض منه وتوكيده تدافعا لأن التأكيد يدفع إرادة البعض منه، ومن هنا قال في «الدر المصون» لا بد من إصلاحه بأن يجعل «أحدهما» بدل بعض من كل ويضمر بعده فعل رافع لضمير تثنية و {كِلاَهُمَا} توكيد له والتقدير أو يبلغان كلاهما وهو من عطف الجمل حينئذ لكن فيه حذف المؤكد وإبقاء تأكيده وقد منعه بعض النحاة وفيه كلام في مفصلات العربية، ولعل المختار إضمار فعل لم يتصل به ضمير التثنية وجعل {كِلاَهُمَا} فاعلاً له فإنه سالم عمّا سمعت في غيره ولذا اختاره في «البحر»، وتوحيد ضمير الخطاب في {عِندَكَ} وفيما بعده مع أن ما صرح به فيما سبق على الجمع للاحتراز عن التباس المراد وهو نهي كل أحد عن تأفيف والديه ونهرهما فإنه لو قوبل الجمع بالجمع أو التثنية بالتثنية لم يحصل ذلك، وذكر أنه وحد الخطاب في {أية : لاَ تَجْعَلْ} تفسير : [الإسراء: 22] للمبالغة وجمع في {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـاهُ} لأنه أوفق لتعظيم أمر القضاء. {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا } أي لواحد منهما حالتي الانفراد والاجتماع {أُفّ } هو اسم صوت ينبىء عن التضجر أو اسم فعل هو أتضجر واسم الفعل بمعنى المضارع وكذا بمعنى الماضي قليل والكثير بمعنى الأمر وفيه نحو من أربعين لغة والوارد من ذلك في القراآت سبع ثلاث متواترة وأربع شاذة. فقرأ نافع وحفص بالكسر والتنوين وهو للتنكير فالمعنى أتضجر تضجراً ما وإذا لم ينون دل على تضجر مخصوص. وقرأ ابن كثير. وابن عامر بالفتح دون تنوين، والباقون بالكسر دون تنوين وهو على أصل التقاء الساكنين والفتح للخفة ولا خلاف بينهم في تشديد الفاء. وقرأ نافع في رواية عنه بالرفع والتنوين، وأبو السمال بالضم للاتباع من غير تنوين، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنه بالنصب والتنوين، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالسكون، ومحصل المعنى لا تتضجر مما يستقذر منهما وتستثقل من مؤنهما، والنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياساً جلياً لأنه يفهم بطريق الأولى ويسمى مفهوم الموافقة ودلالة النص وفحوى الخطاب، وقيل يدل على ذلك حقيقة ومنطوقاً في عرف اللغة كقولك: فلان لا يملك النقير والقطمير فإنه يدل كذلك على أنه لا يملك شيئاً قليلاً أو كثيراً، وخص بعض أنواع الإيذاء بالذكر في قوله تعالى: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} للاعتناء بشأنه، والنهر كما قال الراغب الزجر بإغلاظ، وفي «الكشاف» النهي والنهر والنهم أخوات أي لا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك. وقال الإمام: المراد من قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} المنع من إظهار الضجر القليل والكثير والمراد من قوله سبحانه {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليهما والتكذيب لهما ولذا روعي هذا الترتيب وإلا فالمنع من التأفيف يدل على المنع من النهر بطريق الأولى فيكون ذكره بعده عبثاً فتأمل. {وَقُل لَّهُمَا} بدل التأفيف والنهر {قَوْلاً كَرِيمًا} أي جميلاً لا شراسة فيه، قال الراغب: كل شيء يشرف / في بابه فإنه يوصف بالكرم، وجعل ذلك بعض المحققين من وصف الشيء باسم صاحبه أي قولاً صادراً عن كرم ولطف ويعود بالآخرة إلى القول الجميل الذي يقتضيه حسن الأدب ويستدعيه النزول على المروءة مثل أن يقول يا أبتاه ويا أماه ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوء الأدب، وليس القول الكريم مخصوصاً بذلك كما يوهمه اقتصار الحسن فيما أخرجه عنه ابن أبـي حاتم عليه فإنه من باب التمثيل، وكذا ما أخرج عن زهير بن محمد أنه قال فيه: إذا دعواك فقل لبيكما وسعديكما. وأخرج هو وابن جرير وابن المنذر عن أبـي الهداج أنه قال: قلت لسعيد بن المسيب كل ما ذكر الله تعالى في القرآن من بر الوالدين فقد عرفته إلا قوله سبحانه: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} ما هذا القول الكريم؟ فقال ابن المسيب قول العبد المذنب للسيد الفظ.
ابن عاشور
تفسير : {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ}. عطف على الكلام السابق عطف غرض على غرض تخلصاً إلى أعمدة من شريعة الإسلام بمناسبة الفذلكة المتقدمة تنبيهاً على أن إصلاح الأعمال متفرع على نبذ الشرك كما قال تعالى: {أية : فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا}تفسير : [البلد: 13-17]. وقد ابتُدىء تشريع للمسلمين أحكاماً عظيمة لإصلاح جامعتهم وبناء أركانها ليزدادوا يقيناً بارتفاعهم على أهل الشرك وبانحطاط هؤلاء عنهم، وفي جميعها تعريض بالمشركين الذين كانوا منغمسين في المنهيات. وهذه الآيات أول تفصيل للشريعة للمسلمين وقع بمكة، وأن ما ذكر في هذه الآيات مقصود به تعليم المسلمين. ولذلك اختلف أسلوبه عن أسلوب نظيره في سورة الأنعام الذي وُجه فيه الخطاب إلى المشركين لتوقيفهم على قواعد ضلالتهم. فمن الاختلاف بين الأسلوبين أن هذه الآية افتتحت بفعل القضاء المقتضي الإلزام، وهو مناسب لخطاب أمة تمتثل أمر ربها، وافتتح خطاب سورة [الأنعام: 151] بـ{أية : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم}تفسير : كما تقدم هنالك. ومنها أن هذه الآية جعلت المقضي هو توحيد الله بالعبادة، لأنه المناسب لحال المسلمين فحذرهم من عبادة غير الله. وآية الأنعام جعلت المحرم فيها هو الإشراك بالله في الإلهية المناسب لما كانوا عليه من الشرك إذ لا عبادة لهم. وأن هذه الآية فصل فيها حكم البر بالوالدين وحكم القتل وحكم الإنفاق ولم يفصل ما في آية الأنعام. وكان ما ذكر في هذه الآيات خمسة عشر تشريعاً هي أصول التشريع الراجع إلى نظام المجتمع. وأحسب أن هذه الآيات اشتهرت بين الناس في مكة وتناقلها العرب في الآفاق، فلذلك ألَمّ الأعشى ببعضها في قصيدته المروية التي أعدها لمدح النبي صلى الله عليه وسلم حين جاء يريد الإيمان فصدته قريش عن ذلك، وهي القصيدة الدالية التي يقول فيها: شعر : أجدّك لم تسمع وَصاة محمد نبيء الإله حين أوصى وأشهدا فإياك والميتاتِ لا تأكلنها ولا تأخذنْ سهماً حديداً لتفصدا وذا النُصُب المنصوب لا تنسكنه ولا تَعبد الشيطانَ والله فاعبدا وذا الرحم القربى فلا تقطعنه لفاقته ولا الأسيرَ المقيدا ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة ولا تَحسبن المال للمرء مخلدا ولا تقربَنّ جارةً إن سرها عليك حَرام فانكحَنّ أو تأبّدا تفسير : وافتتحت هذه الأحكام والوصايا بفعل القضاء اهتماماً به وأنه مما أمر الله به أمراً جازماً وحكماً لازماً، وليس هو بمعنى التقدير كقوله: {أية : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب}تفسير : [الإسراء: 4] لظهور أن المذكورات هنا مما يقع ولا يقع. و (أنْ) يجوز أن تكون تفسيرية لما في (قضى) من معنى القول. ويجوز أن تكون مصدرية مجرورة بباء جر مقدرة، أي قضى بأن لا تعبدوا. وابتدىء هذا التشريع بذكر أصل التشريعة كلها وهو توحيد الله، فذلك تمهيد لما سيذكر بعده من الأحكام. وجيء بخطاب الجماعة في قوله: {ألا تعبدوا إلا إياه} لأن النهي يتعلق بجميع الناس وهو تعريض بالمشركين. والخطاب في قوله: {ربك} للنبيء صلى الله عليه وسلم كالذي في قوله قبل: {أية : من عطاء ربك}تفسير : [الإسراء: 20]، والقرينة ظاهرة. ويجوز أن يكون لغير معين فيعم الأمة والمآل واحد. وابتدىء التشريع بالنهي عن عبادة غير الله لأن ذلك هو أصل الإصلاح، لأن إصلاح التفكير مقدم على إصلاح العمل، إذ لا يشاق العقل إلى طلب الصالحات إلا إذا كان صالحاً. وفي الحديث: »حديث : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»تفسير : . وقد فصلت ذلك في كتابي المسمى "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام". {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} هذا أصل ثانٍ من أصول الشريعة وهو بر الوالدين. وانتصب {إحساناً} على المفعولية المطلقة مصدر نائباً عن فعله. والتقدير: وأحسنوا إحساناً بالوالدين كما يقتضيه العطف على {ألا تعبدوا إلا إياه} أي وقضى إحساناً بالوالدين. {وبالوالدين} متعلق بقوله؛ {إحساناً}، والباء فيه للتعدية يقال: أحسن بفلان كما يقال أحسن إليه، وقد تقدم قوله تعالى: {أية : وقد أحسن بي}تفسير : في سورة [يوسف: 100]. وتقديمه على متعلقه للاهتمام به، والتعريف في الوالدين للاستغراق باعتبار والدي كل مكلف ممن شملهم الجمع في {ألا تعبدوا}. وعطف الأمر بالإحسان إلى الوالدين على ما هو في معنى الأمر بعبادة الله لأن الله هو الخالق فاستحق العبادة لأنه أوجد الناس. ولما جعل الله الأبوين مظهرَ إيجاد الناس أمر بالإحسان إليهما، فالخالق مستحق العبادة لغناه عن الإحسان، ولأنها أعظم الشكر على أعظم منة،، وسببُ الوجود دون ذلك فهو يستحق الإحسان لا العبادة لأنه محتاج إلى الإحسان دون العبادة، ولأنه ليس بمُوجد حقيقي، ولأن الله جبل الوالدين على الشفقة على ولدهما، فأمر الولد بمجازاة ذلك بالإحسان إلى أبويه كما سيأتي {وقل رب أرحمهما كما ربياني صغيراً}. وشمل الإحسان كل ما يصدق فيه هذا الجنس من الأقوال والأفعال والبذل والمواساة. وجملة {إما يبلغن} بيان لجملة {إحساناً}، و {إما} مركبة من (إن) الشرطية و (ما) الزائدة المهيئة لنون التوكيد، وحقها أن تكتب بنون بعد الهمزة وبعدها (ما) ولكنهم راعوا حالة النطق بها مدغمة فرسموها كذلك في المصاحف وتبعها رسم الناس غالباً، أي إن يبلغ أحدُ الوالدين أو كلاهما حد الكبَر وهما عندك، أي في كفالتك فَوَطّىء لهما خُلُقك ولين جانبك. والخطاب لغير معين فيعم كل مخاطب بقرينة العطف على {ألا تعبدوا إلا إياه} وليس خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن له أبوان يومئذٍ. وإيثار ضمير المفرد هنا دون ضمير الجمع لأنه خطاب يختص بمن له أبوان من بين الجماعة المخاطبين بقوله: {ألا تعبدوا إلا إياه} فكان الإفراد أنسب به وإن كان الإفراد والجمع سواء في المقصود لأن خطاب غير المعين يساوي خطاب الجمع. وخص هذه الحالة بالبيان لأنها مظنة انتفاء الإحسان بما يلقى الولد من أبيه وأمّه من مشقة القيام بشؤونهما ومن سوء الخلق منهما. ووجه تَعدد فاعل {يبلغن} مُظهراً دون جعله بضمير التثنية بأن يقال إما يبلغَانِّ عندك الكبر، الاهتمام بتخصيص كل حالة من أحوال الوالدين بالذكر، ولم يستغن بإحدى الحالتين عن الأخرى لأن لكل حالة بواعث على التفريط في واجب الإحسان إليهما، فقد تكون حالة اجتماعهما عند الابن تستوجب الاحتمال منهما لأجل مراعاة أحدهما الذي الابن أشد حُبّاً له دون ما لو كان أحدهما منفرداً عنده بدون الآخر الذي ميله إليه أشد، فالاحتياج إلى ذكر أحدهما في هذه الصورة للتنبيه على وجوب المحافظة على الإحسان له. وقد تكون حالة انفراد أحد الأبوين عند الابن أخف كلفة عليه من حالة اجتماعهما، فالاحتياج إلى {أو كلاهما} في هذه الصورة للتحذير من اعتذار الابن لنفسه عن التقصير بأن حالة اجتماع الأبوين أحرَج عليه، فلأجل ذلك ذكرت الحالتان وأجري الحكم عليهما على السواء، فكانت جملة {فلا تقل لهما أف} بتمامها جواباً لــــ (إما). وأكد فعل الشرط بنون التوكيد لتحقيق الربط بين مضمون الجواب ومضمون الشرط في الوجود. وقرأ الجمهور {إما يبلغن} على أن {أحدهما} فاعل {يبلغن} فلا تلحق الفعل علامة لأنّ فاعله اسم ظاهر. وقرأ حمزة والكسائي وخلف {يبلغان} بألف التثنية ونون مشددة والضمير فاعل عائد إلى الوالدين في قوله: {وبالوالدين إحساناً}، فيكون {أحدهما أو كلاهما} بدلاً من ألف المثنى تنبيهاً على أنه ليس الحكم لاجتماعهما فقط بل هو للحالتين على التوزيع. والخطاب بــــ {عندك} لكل من يصلح لسماع الكلام فيعم كل مخاطب بقرينة سبق قوله: {ألا تعبدوا إلا إياه}، وقوله اللاحق {أية : ربكم أعلم بما في نفوسكم}تفسير : [الإسراء: 25]. {أف} اسم فعل مضارع معناه أتضخر. وفيه لغات كثيرة أشهرها كلها ضم الهمزة وتشديد الفاء، والخلاف في حركة الفاء، فقرأ نافع، وأبو جعفر، وحفص عن عاصم ــــ بكسر الفاء منونة ــــ. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب ــــ بفتح الفاء غيرَ منونة ــــ. وقرأ الباقون ــــ بكسر الفاء غير منونة ــــ. وليس المقصود من النهي عن أن يقول لهما {أف} خاصة، وإنما المقصود النهي عن الأذى الذي أقله الأذى باللسان بأوْجز كلمة، وبأنها غير دالة على أكثر من حصُول الضجر لقائلها دون شتم أو ذم، فيفهم منه النهي مما هو أشد أذى بطريق فحوى الخطاب بالأوْلى. ثم عطف عليه النهي عن نهرهما لئلا يُحسب أن ذلك تأديب لصلاحهما وليس بالأذى. والنهر الزجر، يقال: نهره وانتهره. ثم أمر بإكرام القول لهما. والكريم من كل شيء: الرفيع في نوعه. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ومغفرة ورزق كريم}تفسير : في سورة [الأنفال: 4]. وبهذا الأمر انقطع العذر بحيث إذا رأى الولد أن ينصح لأحد أبويه أو أن يحذر مما قد يضر به أدى إليه ذلك بقول لين حسن الوقع. ثم ارتقى في الوصاية بالوالدين إلى أمر الولد بالتواضع لهما تواضعاً يبلغ حد الذل لهما لإزالة و حشة نفوسهما إن صارا في حاجة إلى معونة الولد، لأن الأبوين يبغيان أن يكونا هما النافعين لولدهما. والقصد من ذلك التخلق بشكره على أنعامهما السابقة عليه. وصيغ التعبير عن التواضع بتصويره في هيئة تذلل الطائر عندما يعتريه خوف من طائر أشد منه إذ يخفض جناحه متذللاً. ففي التركيب استعارة مكنية والجناح تخييل بمنزلة تخييل الأظفار للمنية في قول أبي ذُؤْيبَ: شعر : وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيتَ كل تميمة لا تنفع تفسير : وبمنزلة تخييل اليد للشمال بفتح الشين والزمام للقرة في قول لبيد: شعر : وغداة ريح قد كشفت وقِرةٍ إذْ أصبحت بيد الشمال زِمامها تفسير : ومجموع هذه الاستعارة تمثيل. وقد تقدم في قوله: {أية : واخفض جناحك للمؤمنين}تفسير : في سورة [الحجر: 88]. والتعريف في {الرحمة} عوض عن المضاف إليه،أي من رحمتك إياهما. و (من) ابتدائية، أي الذل الناشىء عن الرحمة لا عن الخوف أو عن المداهنة. والمقصود اعتياد النفس على التخلق بالرحمة باستحضار وجوب معاملته إياهما بها حتى يصير له خلقاً، كما قيل: شعر : إن التخلق يأتي دونه الخلق تفسير : وهذه أحكام عامة في الوالدين وإن كانا مشركين، ولا يُطاعان في معصية ولا كفر كما في آية سورة العنكبوت. ومقتضى الآية التسوية بين الوالدين في البر وإرضاؤهما معاً في ذلك، لأن موردها لفعل يصدر من الولد نحو والديه وذلك قابل للتسوية. ولم تتعرض لما عدا ذلك مما يختلف فيه الأبوان ويتشاحان في طلب فعل الولد إذا لم يمكن الجمع بين رغبتيهما بأن يأمره أحد الأبوين بضد ما يأمره به الآخر. ويظهر أن ذلك يجري على أحوال تعارض الأدلة بأن يسعى إلى العمل بطلبيهما إن استطاع. وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة:»حديث : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم مَن أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم مَن؟ قال: ثم أمُّك. قال: ثم مَن؟ قال: ثم أمُّك. قال: ثمّ من؟ قال: ثم أبوك»تفسير : . وهو ظاهر في ترجيح جانب الأم لأن سؤال السائل دل على أنه يسأل عن حسن معاملته لأبويه. وللعلماء أقوال: أحدها: ترجيح الأم على الأب وإلى هذا ذهب الليث بن سعد، والمحاسبي، وأبو حنيفة. وهو ظاهر قول مالك، فقد حكى القرافي في الفرق 23 عن مختصر الجامع أن رجلاً سأل مالكاً فقال: إن أبي في بلد السودان وقد كتب إليّ أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك؟ فقال مالك: أَطِعْ أباك ولا تعْص أمك. وذكر القرافي في المسألة السابعة من ذلك الفرق أن مالكاً أراد منع الابن من الخروج إلى السودان بغير إذن الأم. الثاني: قول الشافعية أن الأبوين سواء في البر. وهذا القول يقتضي وجوب طلب الترجيح إذا أمرا ابنهما بأمرين متضادين. وحكى القرطبي عن المحاسبي في كتاب «الرعاية» أنه قال: لا خلاف بين العلماء في أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع. وحكى القرطبي عن الليث أن للأم ثلثي البر وللأب الثلث، بناء على اختلاف رواية الحديث المذكور أنه قال: ثم أبوك بعد المرة الثانية أو بعد المرة الثالثة. والوجه أن تحديد ذلك بالمقدار حوالة على ما لا ينضبط وأن محمل الحديث مع اختلاف روايتيه على أن الأم أرجح على الإجمال. ثم أمر بالدعاء لهما برحمة الله إياهما وهي الرحمة التي لا يستطيع الولد إيصالها إلى أبويه إلا بالابتهال إلى الله تعالى. وهذا قد انتُقل إليه انتقالاً بديعاً من قوله: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} فكان ذكر رحمة العبد مناسبة للانتقال إلى رحمة الله، وتنبيهاً على أن التخلق بمحبة الولد الخير لأبويه يدفعه إلى معاملته إياهما به فيما يعلمانه وفيما يخفى عنهما حتى فيما يصل إليهما بعد مماتهما. وفي الحديث «حديث : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم بثه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له بخير»تفسير : . وفي الآية إيماء إلى أن الدعاء لهما مستجاب لأن الله أذن فيه. والحديث المذكور مؤيد ذلك إذ جعل دعاء الولد عملاً لأبويه. وحكم هذا الدعاء خاص بالأبوين المؤمنين بأدلة أخرى دلت على التخصيص كقوله: {أية : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين}تفسير : [التوبة: 113] الآية. والكاف في قوله: {كما ربياني صغيراً} للتشبيه المجازي يعبر عنه النحاة بمعنى التعليل في الكاف، ومثاله قوله تعالى: {أية : واذكروه كما هداكم}تفسير : [البقرة: 198]، أي ارحمهما رحمة تكافىء ما ربياني صغيرا. و{صغيراً} حال من ياء المتكلم. والمقصود منه تمثيل حالة خاصة فيها الإشارة إلى تربية مكيفة برحمة كاملة فإن الأبوة تقتضي رحمة الولد، وصغرالولد يقتضي الرحمة به ولو لم يكن ولداً فصار قوله: {كما ربياني صغيراً} قائماً مقام قوله كما ربياني ورحماني بتربيتهما. فالتربية تكملة للوجود، وهي وحدها تقتضي الشكر عليها. والرحمة حفظ للوجود من اجتناب انتهاكه وهو مقتضى الشكر، فجمع الشكر على ذلك كله بالدعاء لهما بالرحمة. والأمر يقتضي الوجوب. وأما مواقع الدعاء لهما فلا تنضبط وهو بحسب حال كل امرىء في أوقات ابتهاله. وعن سفيان بن عيينة إذا دعا لهما في كل تشهد فقد امتثل. ومقصد الإسلام من الأمر ببر الوالدين وبصلة الرحم ينحل إلى مقصدين: أحدهما: نفساني وهو تربية نفوس الأمة على الاعتراف بالجميل لصانعه، وهو الشكر، تخلقاً بأخلاق الباري تعالى في اسمه الشكور، فكما أمر بشكر الله على نعمة الخلق والرزق أمر بشكر الوالدين على نعمة الإيجاد الصوري ونعمة التربية والرحمة. وفي الأمر بشكر الفضائل تنويه بها وتنبيه على المنافسة في إسدائها. والمقصد الثاني عمراني، وهو أن تكون أواصر العائلة قوية العُرى مشدودة الوثوق فأمر بما يحقق ذلك الوثوق بين أفراد العائلة، وهو حسن المعاشرة ليربي في نفوسهم من التحاب والتواد ما يقوم مقام عاطفة الأمومة الغريزية في الأم، ثم عاطفة الأبوة المنبعثة عن إحساسٍ بعضه غريزي ضعيف وبعضه عقلي قوي حتى أن أثر ذلك الإحساس ليساوي بمجموعه أثر عاطفة الأم الغريزية أو يفوقها في حالة كبر الابن. ثم وزع الإسلام ما دعا إليه من ذلك بين بقية مراتب القرابة على حسب الدنو في القرب النسبي بما شرعه من صلة الرحم، وقد عزز الله قابلية الانسياق إلى تلك الشرعة في النفوس. جاء في الحديث: «حديث : أن الله لما خلق الرحم أخذت بقائمة من قوائم العرش وقالت: هذا مقام العائذ بكَ من القطيعة. فقال الله: أما تَرْضَيْنَ أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك»تفسير : . وفي الحديث: «حديث : إن الله جعل الرحم من اسمه الرحيم»تفسير : . وفي هذا التكوين لأواصر القرابة صلاح عظيم للأمة تظهر آثاره في مواساة بعضهم بعضاً، وفي اتحاد بعضهم مع بعض، قال تعالى: {أية : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} تفسير : [الحجرات: 13]. وزاده الإسلام توثيقاً بما في تضاعيف الشريعة من تأكيد شد أواصر القرابة أكثر مما حاوله كل دين سلف. وقد بينا ذلك في بابه من كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية".
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}. لأن معنى قوله {إِمَّا يَبْلُغَنَّ} الآية: اي إن يبلغ عندك والداك أو أحدهما الكبر فلا تقل لهما أف. ومعلوم أن والديه قد ماتا قبل ذلك بزمن طويل. فلا وجه لاشتراط بلوغهما أو أحدهما الكبر بعد أن ماتا منذ زمن طويل، إلا أن المراد التشريع لغيره صلى الله عليه وسلم. ومن أساليب اللغة العربية خطابهم إنساناً والمراد بالخطاب غيره. ومن الأمثلة السائرة في ذلك قول الراجز، وهو سهل بن مالك الفزاري: شعر : إياك أعني واسمعي يا جاره تفسير : وسبب هذا المثل: أنه زار حارثة بن لأم الطائي فوجده غائباً. فأنزلته أخته وأكرمته، وكانت جميلة. فأعجبه جمالها، فقال مخاطباً لأخرى غيرها ليسمعها هي: شعر : يا أخت خير البدو والحضارة كيف ترين في فتى فزاره أصبح يهوى حرة معطاره إياك أعني واسمعي يا جاره تفسير : ففهمت المرأة مراده، وأجابته بقولها: شعر : إني اقول يا فتى فزاره لا أبتغي الزوج ولا الدعاره ولا فراق أهل هذي الحاره فارحل إلى أهلك باستحاره تفسير : والظاهر أن قولها "باستحارة" أن أصله استفعال من المحاورة بمعنى رجع الكلام بينهما - أي ارحل إلى أهلك بالمحاورة التي التي وقعت بيني وبينك، وهي كلامك وجوابي له، ولا تحصل مني على غير ذلك! والهاء في "الاستحارة" عوض من العين الساقطة بالإعلال. كما هو معروف في فن الصرف. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطاب في قوله: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ }تفسير : [الإسراء:22] ونحو ذلك من الآيات - متوجه إلى المكلف. ومن أساليب اللغة العربية: إفراد الخطاب مع قصد التعميم. كقول طرفة بن العبد في معلقته: شعر : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود تفسير : وقال الفراء، والكسائي، والزمخشري: ومعنى قوله {فتقعد} أي تصير. وجعل الفراء منه قول الراجز: شعر : لا يقنع الجارية الخضاب ولا الوشاحان ولا الجلباب من دون أن تلتقي الأركاب ويقعد الأير له لعاب تفسير : أي يصير له لعاب. وحكى الكسائي: قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها. بمعنى صار. قاله أبو حيان في البحر. ثم قال أيضاَ: والقعود هنا عبارة عن المكث، أي فتمكث في الناس مذموماً مخذولاً. كما تقول لمن سأل عن حال شخص: هو قاعد في أسوأ حال. ومعناه ماكث ومقيم. سواء كان قائماً أم جالساً. وقد يراد القعود حقيقة. لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائراً متفكراً، وعبر بغالب حاله وهو القعود. وقيل: معنى {أية : فَتَقْعُدَ}تفسير : [الإسراء:22] فتعجز. والعرب تقول: ما أقعدك عن المكارم اهـ محل الغرض من كلام أبي حيان. والمذموم هنا: هو من يلحقه الذم من الله ومن القعلاء من الناس. حيث أشرك بالله ما لا ينفع ولا يضر، ولا يقدر على شيء. والمخذول: هو الذي لا ينصره من كان يؤمل منه النصر. ومنه قوله: شعر : إن المرء ميتاً بانقضاء حياته ولكن بأن يبغي عليه فيخذلا تفسير : قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بإخلاص العبادة له وحده، وقرن بذلك الأمر بالإحسان إلى الوالدين. وجعله بر الوالدين مقروناً بعبادته وحده جل وعلا المذكور هنا ذكره في آيات أخر. كقوله في سورة "النساء": {أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}تفسير : [النساء:36] الآية، وقوله في البقرة: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}تفسير : [البقرة:83] الآية، وقوله في سورة لقمان: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [لقمان:14]، وبين في موضع آخر أن برهما لازم ولو كانا مشركين داعيين إلى شركهما. كقوله في "لقمان": {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً}تفسير : [لقمان:15] وقوله في العنكبوت:: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ}تفسير : [العنكبوت:8] الآية. وذكره جل وعلا في هذه الآيات: بر الوالدين مقروناً بتوحيده جل وعلا في عبادته، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين. وجاءت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أحاديث كثيرة. وقوله جل وعلا في الآيات المذكورة: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} بينه بقوله تعالى: {إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء:23-24] لأن هذا من الإحسان إليهما المذكور في الآيات. وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح معنى خفض الجناح، وإضافته إلى الذل في سورة الشعراء" وقد أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في رسالتنا المسماة "منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز". وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} معناه: أمر وألزم، وأوجب ووصى ألا تعبدوا إلا إياه. وقال الزمخشري: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} أي أمر أمراً مقطوعاً به. واختار أبو حيان في "البحر المحيط" أن إعراب قوله {إِحْسَانا} أنه مصدر نائب عن فعله. فهو بمعنى الأمر، وعطف الأمر المعنوي أو الصريح على النهي معروف. كقوله: شعر : وقوفاً بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل تفسير : وقال الزمخشري في الكشاف: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أي وأحسنوا بالوالدين إحساناً. أو بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً.
الواحدي
تفسير : {وقضى} وأمر {ربك أن لا تعبدوا إلاَّ إيَّاه وبالوالدين إحساناً} وأمرَ إحساناً بالوالدين {إمَّا يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} يقول: إن عاش أحد والديك حتى يشيب ويكبر، أو هما جميعاً {فلا تقل لهما أف} [لا تقل لهما] رديئاً من الكلام، ولا تستثقلنَّ شيئاً من أمرهما {ولا تنهرهما} لا تُوجِهْهُما بكلامٍ تزجرهما به {وقل لهما قولاً كريماً} ليِّناً لطيفاً. {واخفض لهما جناح الذل} ألن لهما جانبك واخضع لهما {من الرحمة} أَيْ: من رقَّتك عليهما وشفقتك {وقل ربِّ ارحمهما كما ربياني} مثل رحمتهما إيَّاي في صغري حتى ربَّياني {صغيراً}. {ربكم أعلم بما في نفوسكم} بما تُضمرون من البِرِّ والعقوق {إن تكونوا صالحين} طائعين لله {فإنَّه كان للأوابين} الرَّاجعين عن معاصي الله تعالى {غفوراً} يغفر لهم ما بدر منهم، وهذا فيمن بدرت منه بادرةٌ وهو لا يُضمر عقوقاً، فإذا رجع عن ذلك غفر الله له، ثمَّ أنزل في برِّ الأقارب وصلة ارحامهم بالإِحسان إليهم قوله: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} ممَّا جعل الله لهما من الحقِّ في المال {ولا تبذر تبذيراً} يقول: لا تنفق في غير الحقِّ. {إنَّ المبذرين} المنفقين في غير طاعة الله {كانوا إخوان الشياطين} لأنَّهم يُوافقونهم فيما يأمرونهم به، ثمَّ ذمَّ الشَّيطان بقوله: {وكان الشيطان لربه كفوراً} جاحداً لنعم الله، وهذا يتضمنَّ أنَّ المُنفق في السَّرف كفور.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وقضى ربك: أي أمر وأوصى. وبالوالدين إحساناً: أي وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً وذلك ببرورهما. فلا تقل لهما أف: أي تباً أو قبحاً أو خسراناً. ولا تنهرهما: أي ولا تزجرهما بالكلمة القاسية. قولاً كريما: جميلاً ليناً. جناح الذل: أي ألن لهما جانبك وتواضع لهما. كان للأوابين: أي الرجاعين إلى الطاعة بعد المعصية. وآت ذا القربى: أي أعط أصحاب القرابات حقوقهم من البر والصلة. ولا تبذر تبذيرا: أي ولا تنفق المال في غير طاعة الله ورسوله. لربه كفورا: أي كثير الكفر كَبِيرَهُ لنعم ربه تعالى، فكذلك المبذر أخوه. معنى الآيات: لما حرم الله تعالى الشرك ونهى عنه رسوله بقوله {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً}تفسير : [الإسراء: 17] أمر بالتوحيد فقال: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} أي حكم وأمر ووصى {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} أي بأن لا تعبدوا إلا الله عز وجل، وقوله تعالى: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أي وأوصى بالوالدين وهما الأم والأب إحساناً وهو برهما وذلك بإيصال الخير إليهما وكف الأذى عنهما، وطاعتهما في غير معصية الله تعالى. وقوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} أي إن يبلغ سن الكبر عندك واحد منهما الأب أو الأم أو يكبران معاً وأنت حي موجود بينهما في هذه الحال يجب أن تخدمهما خدمتهما لك وأنت طفل فتغسل بولهما وتطهر نجاستهما وتقدم لهما ما يحتاجان إليه ولا تتضجّر أو تتأفف من خدمتهما كما كانا هما يفعلان ذلك معك وأنت طفل تبول وتخرأ وهما يغسلان وينظفان ولا يتضجران أو يتأففان، وقوله: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} أي لا تزجرهما بالكلمة العالية النابية {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} أي جميلاً سهلاً لينا يشعران معه بالكرامة والإِكرام لهما وقوله تعالى: {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} أي ألن لهما وتطامن وتعطف عليهما وترحم. وادع لهما طوال حياتك بالمغفرة والرحمة إن كانا موحّدين وماتا على ذلك لقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ} تفسير : [التوبة: 113] وهو معنى قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}، وقوله تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً}. يخبر تعالى بأنه أعلم بنا من أنفسنا فمن كان يضمر عدم الرضا عن والديه والسخط عليهما فالله يعلمه منه، ومن كان يضمر حبهما واحترامهما والرضا بهما وعنهما فالله تعالى يعلمه ويجزيه به فالمحسن يجزيه بالإِحسان والمسيء يجزيه بالإِساءة، وقوله {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} بحكم ضعف الإنسان فإنه قد يضمر مرة السوء لوالديه أو تبدر منه البادرة السيئة من قول أو عمل وهو صالح مؤدٍ لحقوق الله تعالى وحقوق والديه وحقوق الناس فهذا العبد الصالح يخبر تعالى أنه غفور له متى آب إلى الله تعالى مستغفراً مما صدر منه نادماً عليه. وقوله تعالى: {وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} هذا أمر الله للعبد المؤمن بايتاء قرابته حقوقهم من البر والصلة وكذا المساكين وهم الفقراء الذين مسكنتهم الفاقة وأذلهم الفقر فهؤلاء أمر تعالى المؤمن باعطائهم حقهم من الإِحسان إليهم بالكساء أو الغذاء والكلمة الطيبة، وكذا ابن السبيل وهو المسافر يعطي حقه من الضيافة والمساعدة على سفره إن احتاج إلى ذلك مع تأمينه وإرشاده إلى طريقه. وقوله تعالى {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} أي ولا تنفق مالك ولا تفرقه في غير طاعة الله تعالى. وقوله {إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ} لأنهم بتبذيرهم المال في المعاصي كانوا عصاة لله فاسقين عن أمره وهذه حال الشياطين فتشابهوا فكانوا إخواناً، وقوله إن الشيطان كان لربه كفوراً لأنه عصى الله تعالى وكفر نعمه عليه ولم يشكره بطاعته فالمبذر للمال في المعاصي فسق عن أمر ربه ولم يشكر نعمه عليه فهو إذا شيطان فهل يرضى عبد الله المسلم أن يكون شيطاناً؟ هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب عبادة الله تعالى وحده ووجوب بر الوالدين، وهو الإِحسان بهما، وكف الأذى عنهما، وطاعتهما في المعروف. 2- وجوب الدعاء للوالدين بالمغفرة والرحمة. 3- وجوب مراقبة الله تعالى وعدم إضمار أي سوء في النفس. 4- من كان صالحاً وبدرت منه البادرة وتاب منها فإن الله يغفر له ذلك. 5- وجوب إعطاء ذوي القربى حقوقهم من البر والصلة، وكذا المساكين وابن السبيل. 6- حرمة التبذير وحقيقته إنفاق المال في المعاصي والمحرمات.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ} {إِحْسَاناً} (23) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ (وَقَضَى رَبُّكَ - يَعْنِي أَمَرَ رَبُّكَ وَوَصَّى)، وَوَصَّى اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالإِحْسَانِ إِلى الوَالِدَيْنِ، فَإِذا بَلَغَا الكِبَرَ، أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا، عِنْدَ أَبْنَائِهِمَا، فَعَلَى الأَبْنَاءِ أَلاَّ يُسْمِعُوهُمَا قَوْلاً سَيِّئاً حَتَّى وَلا تَأَفُّفاً (وَأُفٍّ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى الضَّجَرِ وَالضِّيقِ)، وَيَجِبُ أَنْ لاَ يَنْتَهِرُوهُمَا، وَأَنْ لاَ يَصْدُرَ مِنْهُمْ إِلَيْهِمَا فِعْلٌ قَبِيحٌ يَدُلُّ عَلَى سُوءِ الأَدَبِ. وَأَمَرَ اللهُ الأَبْنَاءَ بِالإِحْسَانِ فِي القَوْلِ إِلى الأَبَوَيْنِ وَتَوْقِيرِهِمَا، وَبِاسْتِعْمَالِ الكَلاَمِ الطَّيِّبِ الكَرِيمِ فِي مُخَاطَبَتِهِمَا (فَلاَ نِعْمَةَ تَصِلُ إِلى الإِنْسَانِ أَعْظَمُ مِنْ نِعْمَةِ الخَالِقِ ثُمَّ نِعْمَةِ الأَبَوَيْنِ). قَضَى رَبُّكَ - أَمَرَ وَأَلْزَمَ وَحَكَمَ. أُفٍّ - كَلِمَةُ تَضَجُّرٍ وَتَبَرُّمٍ. لا تَنْهَرْهُمَا - لاَ تَزْجُرْهُمَا عَمَّا لا يُعْجِبُكَ. قَوْلاً كَرِيماً - حَسَناً لَيِّناً جَمِيلاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أنْ وجَّهنا الله تعالى إلى القضية العقدية الكبرى: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ..}تفسير : [الإسراء: 22]. أراد سبحانه أنْ يُبيّن لنا أن العقيدة والإيمان لا يكتملان إلا بالعمل، فلا يكفي أن تعرف الله وتتوجّه إليه، بل لا بُدَّ أنْ تنظر فيما فرضه عليك، وفيما كلّفك به؛ لذلك كثيراً ما نجد في آيات الكتاب الكريم الجمع بين الإيمان والعمل الصالح، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 1-3]. لأن فائدة الإيمان وثمرته العمل الصالح، وما دُمْتَ ستسلك هذا الطريق فانتظر مواجهة أهل الباطل والفساد والضلال، فإنهم لن يدعُوك ولن يُسالموك، ولا بُدَّ أن تُسلِّح نفسك بالحق والقوة والصبر، لتستطيع مواجهة هؤلاء. ودليل آخر على أن الدين ليس الإيمان القوليّ فقط، أن كفار مكة لم يشهدوا أن لا إله إلا الله، فلو كانت المسألة مسألةَ الإيمان بإله واحد وتنتهي القضية لَكانوا قالوا وشهدوا بها، إنما هم يعرفون تماماً أن للإيمان مطلوباً، ووراءه مسئولية عملية، وأن من مقتضى الإيمان بالله أن تعمل بمراده وتأخذ بمنهجه. ومن هنا رفضوا الإيمان بإله واحد، ورفضوا الانقياد لرسوله صلى الله عليه وسلم الذي جاء ليُبلِغهم مراد الله تعالى، وينقل إليهم منهجه، فمنهج الله لا ينزل إلا على رسول يحمله ويُبلّغه للناس، كما قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ}تفسير : [الشورى: 51]. وها هي أول الأحكام في منهج الله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ..} [الإسراء: 23]. وقد آثر الحق سبحانه الخطاب بـ {رَبُّكَ} على لفظ (الله)؛ لأن الربَّ هو الذي خلقك وربَّاك، ووالى عليك بنعمه، فهذا اللفظ أَدْعَى للسمع والطاعة، حيث يجب أن يخجل الإنسان من عصيان المنعِم عليه وصاحب الفضل. {وَقَضَىٰ رَبُّكَ ..} [الإسراء: 23]. الخطاب هنا مُوجّه إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي بلغ المرتبة العليا في التربية والأدب، وهي تربية حَقّة؛ لأن الله تعالى هو الذي ربَّاه، وأدَّبه أحسن تأديب. وفي الحديث الشريف:"حديث : أدّبني ربي فأحسن تأديبي ". تفسير : قضى: معناها: حكم؛ لأن القاضي هو الذي يحكم، ومعناها أيضاً: أمر، وهي هنا جامعة للمعنييْن، فقد أمر الله ألاَّ تعبدوا إلا إيّاه أمراً مؤكداً، كأنه قضاء وحكم لازم. وقد تأتي قضى بمعنى: خلق. كما في قوله تعالى: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ..}تفسير : [فصلت: 12]. وتأتي بمعنى: بلغ مراده من الشيء، كما في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ..}تفسير : [الأحزاب: 37]. وقد تدل على انتهاء المدة كما في: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ ..}تفسير : [القصص: 29]. وتأتي بمعنى: أراد كما في: {أية : فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ}تفسير : [غافر: 68]. إذن: قضى لها معانٍ مُتعدّدة، لكن تجتمع كلها لتدل على الشيء اللازم المؤكّد الذي لا نقصَ فيه. وقوله: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ..} [الإسراء: 23]. العبادة: هي إطاعة آمر في أمره ونهيه، فتنصاع له تنفيذاً للأمر، واجتناباً للنهي، فإنْ ترك لك شيئاً لا أمرَ فيه ولا نهيَ فاعلم أنه ترك لك الاختيار، وأباح لك: تفعل أو لا تفعل. لذلك، فالكفار الذين عبدوا الأصنام والذين أتوا بها حجارةً من الصحراء، وأعملوا فيها المعاول والأدوات لينحتوها، وتكسرت منهم فعالجوها، ووقعت فأقاموها، وهم يرون كم هي مهينة بين أيديهم لدرجة أن أحدهم رأى الثعلب يبول برأس أحد الأصنام فقال مستنكراً حماقة هؤلاء الذين يعبدونها: شعر : أَرَبٌّ يبــولُ الثَّعلَـبانُ برأْسِهِ لَقدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَليْه الثَّعَالِبُ تفسير : فإذا ما تورطوا في السؤال عن آلهتهم هذه قالوا: إنها لا تضر ولا تنفع، وما نعبدها إلا ليقربونا إلى الله زُلْفى، كيف والعبادة طاعة أمر واجتناب نهي. فبأيّ شيء أمرتكم الأصنام؟ وعن أيّ شيء نهتْكُمْ؟! إذن: كلامُكم كذب في كذب. وفي قوله تعالى: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ..} [الإسراء: 23]. أسلوب يسمونه أسلوب قَصْر، يفيد قصر العبادة وإثباتها لله وحده، بحيث لا يشاركه فيها أحد. فلو قالت الآية: وقضى ربك أن تعبدوه .. فلقائل أن يقول: ونعبد غيره لأن باب العطف هنا مفتوح لم يُغْلَق، كما لو قُلْت: ضربتُ فلاناً وفلاناً وفلاناً .. هكذا باستخدام العطف. إنما لو قلت، ما ضربت إلا فلاناً فقد أغلقتَ باب العطف. إذن: جاء التعبير بأسلوب القصر ليقول: اقصروا العبادة عليه سبحانه، وانفوها عن غيره. ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى التكليف والأمر الثاني بعد عبادته: {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..}تفسير : [الإسراء: 23]. وقد قرن الله تعالى بين عبادته وبين الإحسان إلى الوالدين في آيات كثيرة، قال تعالى:{أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..}تفسير : [النساء: 36]. وقال: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..}تفسير : [الأنعام: 151]. وقال: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ..}تفسير : [العنكبوت: 8]. لكن، لماذا قرن الله تعالى بين عبادته وبين الإحسان إلى الوالدين؟ أتريد أن نقرب الأولى بالثانية، أم نقرب الثانية بالأولى؟ نقول: لا مانع أن يكون الأمران معاً؛ لأن الله تعالى غَيْب، والإيمان به يحتاج إلى إعمال عقل وتفكير، لكن الوالدين بالنسبة للإنسان أمر حسيّ، فهما سِرُّ وجوده المباشر، وهما رَبَّياه ووفَّرا له كل متطلبات حياته، وهما مصدر العطف والحنان. إذن: التربية والرعاية في الوالدين مُحسَّة، أما التربية والرعاية من الله فمعقولة، فأمْر الله لك بالإحسان إلى الوالدين دليل على وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، فهو سبحانه الذي خلقك، وهو سبب وجودك الأول، وهو مُربّيك وصاحب رعايتك، وصاحب الفضل عليك قبل الوالدين، وهل رباك الوالدان بما أوجداه هما، أما بما أوجده الله سبحانه؟ إذن: لا بد أن يلتحم حَقُّ الله بحقِّ الوالدين، وأن نأخذ أحدهما دليلاً على الآخر. ونلاحظ أن الحق تبارك وتعالى حين أمرنا بعبادته جاء بأسلوب النفي: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ..} [الإسراء: 23]. يعني نهانا أن نعبد غيره سبحانه، أما حين تكلم عن الوالدين فلم يقل مثلاً: لا تسيئوا للوالدين، فيأتي بأسلوب نفي كسابقه، لماذا؟ قالوا: لأن فضل الوالدين واضح لا يحتاج إلى إثبات، ولا يحتاج إلى دليل عقليّ، وقولك: لا تسيئوا للوالدين يجعلهما مَظنَّة الإساءة، وهذا غير وارد في حَقَّهما، وغير مُتصوَّر منهما، وأنت إذا نفيتَ شيئاً عن مَنْ لا يصح أن ينفي عنه فقد ذَمَمتْه، كأن تنفي عن أحد الصالحين المشهورين بالتقوى والورع، تنفي عنه شرب الخمر مثلاً فهل هذا في حقه مدح أم ذم؟ لأنك ما قلتَ: إن فلاناً لا يشرب الخمر إلا إذا كان الناس تظنّ فيه ذلك. ومن هنا قالوا: نَفْي العيب عَمَّنْ لا يستحق العيب عَيْب. إذن: لم يذكر الإساءة هنا؛ لأنها لا تَرِد على البال، ولا تُتصوّر من المولود لوالديه. وبعد ذلك، ورغم ما للوالدين من فضل وجميل عليك فلا تنسَ أن فضل الله عليك أعظم؛ لأن والديك قد يَلِدانِك ويُسْلِمانك إلى الغير، أما ربك فلن يُسلمك إلى أحد. وقوله تعالى: {إِحْسَاناً ..} [الإسراء: 23]. كأنه قال: أحْسِنوا إليهم إحساناً، فحذف الفعل وأتى بمصدره للتأكيد. وقوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} [الإسراء: 23]. الحق سبحانه وتعالى حينما يوصينا بالوالدين، مرة تأتي الوصية على إطلاقها، كما قال تعالى: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ..}تفسير : [الأحقاف: 14]. ومرّة يُعلِّل لهذه الوصية، فيقول: {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ..}تفسير : [لقمان: 14]. والذي يتأمل الآيتين السابقتين يجد أن الحق سبحانه ذكر العِلّة في بِرِّ الوالدين، والحيثيات التي استوجبت هذا البِرّ، لكنها خاصة بالأم، ولم تتحدث أبداً عن فضل الأب، فقال: {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ..} تفسير : [الأحقاف: 15]. وقال: {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ..}تفسير : [لقمان: 14]. فأين دَوْر الأب؟ وأين مجهوداته طوال سنين تربية الأبناء؟ المتتبع لآيات بر الوالدين يجد حيثية مُجْملة ذكرت دور الأب والأم معاً في قوله تعالى:{أية : كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ..}تفسير : [الإسراء: 24]. لكن قبل أن يُربّي الأب، وقبل أن يبدأ دوره كان للأم الدور الأكبر؛ لذلك حينما تخاصم الأب والأم لدى القاضي على ولد لهما، قالت الأم: لقد حمله خِفّاً وحملتُه ثقلاً، ووضعه شهوة ووضعتُه كرهاً. لذلك ذكر القرآن الحيثيات الخاصة بالأم؛ لأنها تحملتها وحدها لم يشاركها فيها الزوج؛ ولأنها حيثيات سابقة لإدراك الابن فلم يشعر بها، فكأنه سبحانه وتعالى أراد أنْ يُذكّرنا بفضل الأم الذي لم ندركه ولم نُحِسّ به. وذلك على خلاف دور الأب فهو محسوس ومعروف للابن، فأبوه الذي يوفر له كل ما يحتاج إليه، وكلما طلب شيئاً قالوا: حينما يأتي أبوك، فدَوْر الأب - إذن - معلوم لا يحتاج إلى بيان. والآية هنا أوصتْ بالوالدين في حال الكِبَر، فلماذا خَصَّتْ هذه الحال دون غيرها؟ قالوا: لأن الوالدين حال شبابهما وقُوتهما ليسا مظنّة الإهانة والإهمال، ولا مجال للتأفف والتضجُّر منهما، فهما في حال القوة والقدرة على مواجهة الحياة، بل العكس هو الصحيح نرى الأولاد في هذه الحال يتقربون للآباء، ويتمنون رضاهما، لينالوا من خيرهما. لكن حالة الكِبَر، ومظهر الشيخوخة هو مظهر الإعالة والحاجة والضعف، فبعد أنْ كان مُعْطياً أصبح آخذاً، وبعد أنْ كان عائلاً أصبح عالة. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث الآمينات والمراغم، وكان على المنبر، فسمعه الصحابة يقول: آمين. ثم سكت برهة. وقال: آمين وسكت. ثم قال: آمين. فلما نزل قالوا: يا رسول الله سمعناك تقول: آمين ثلاثاً. فقال: حديث : جاءني جبريل فقال: رغم أنف مَنْ ذُكِرْتَ عنده ولم يُصَلّ عليك، قل: آمين. فقلت: آمين، ورغم أنفس مَنْ أدرك رمضان فلم يُغفر له، قل: آمين. فقلت: آمين، ورغم أنف مَنْ أدرك والديه - أو أحدهما - فلم يدخل بهما الجنة، قل: آمين. فقلت: آمين " تفسير : فخصَّ الحق سبحانه حال الكِبَر، لأنه حال الحاجة وحال الضعف؛ لذلك قال أحد الفلاسفة: خَيْر الزواج مبكره، فلما سُئِل قال: لأنه الطريق الوحيد لإنجاب والد يعولك في طفولة شيخوختك، وشبَّه الشيخوخة بالطفولة لأن كليهما في حال ضعف وحاجة للرعاية والاهتمام. وصدق الحق سبحانه حين قال: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ..}تفسير : [الروم: 54]. فَمنْ تزوّج مبكراً فسوف يكون له من أولاده مَنْ يُعينه ويساعده حال كِبَره. والمتأمل في قوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ ..} [الإسراء: 23]. لم تَأتِ صِفَة الكِبَر على إطلاقها، بل قيّدها بقوله: {عِندَكَ} فالمعنى: ليس لهما أحد غَيرك يرعاهما، لا أخ ولا أخت ولا قريب يقوم بهذه المهمة، وما دام لم يَعُدْ لهما غيرك فلتكُنْ على مستوى المسئولية، ولا تتنصَّل منها؛ لأنك أََوْلى الناس بها. ويمتد البِرُّ بالوالدين إلى ما بعد الحياة بالاستغفار لهما، وإنجاز ما أحدثاه من عهد، ولم يتمكّنا من الوفاء به، وكذلك أن نصِلَ الرحم التي لا تُوصَل إلا بهما من قرابة الأب والأم، ونَصِلَ كذلك أصدقاءهما وأحبابهما ونُودَّهم. وقد كان صلى الله عليه وسلم يودّ صاحبات السيدة خديجة - رضي الله عنها - وكان يستقبلهن ويكرمهن. وانظر إلى سُمُوِّ هذا الخلق الإسلامي، حينما يُعدِّي هذه المعاملة حتى إلى الكفار، فقد جاءت السيدة أسماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله في أمها التي أتتْها. وأظهرت حاجة مع أنها كافرة، فقال لها: "حديث : صِلِيِ أمك ". تفسير : بل وأكثر من ذلك، إنْ كان الوالدان كافرين ليس ذلك فحسب بل ويدعوان الابن إلى الكفر، ويجاهدانه عليه، ومع هذا كله يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..}تفسير : [لقمان: 15]. فهذه ارتقاءات ببرّ الوالدين تُوضّح عظمة هذا الدين ورحمة الخالق سبحانه بالوالدين حتى في حال كفرهما ولَدَدهما في الكفر. ويُرْوَى أن خليل الله إبراهيم - عليه السلام - جاءه ضيف بليل، وأراد أن ينزل في ضيافته، فسأله إبراهيم - عليه السلام - عن دينه فقال: مجوسي فأعرض عنه وتركه يذهب. فََسرْعان ما أوحى الحق سبحانه إلى إبراهيم مُعاتباً إياه في أمر هذا الضيف: يا إبراهيم لقد وَسعْتُه في مكي أعواماً عديدة، أطعمه وأسقيه وأكسوه وهو كافر بي، وأنت تُعرض عنه وتريد أنْ تُغيّر دينه من أجل ليلة يبيتها عندك، فأسرع الخليل خلف الضيف حتى لحق به، وحكى له ما حدث، فقال الرجل. نِعْم الرب ربٌّ يعاتب أحبابه في أعدائه، وشهد أن لا إله إلا الله، وأنَ إبراهيم رسول الله. وقد رأى المستشرقون لِضيق أُفُقهم وقِلّة فقْههم لأسلوب القرآن الكريم، رَأَوْا تناقضاً بين قوله تعالى: {أية : وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..}تفسير : [لقمان: 15]. وبين قوله تعالى: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ..}تفسير : [المجادلة: 22]. فكيف يأمر القرآن بمصاحبة الوالدين وتقديم المعروف لهما، في حين ينهى عن مودّة مَنْ حَادّ الله ورسوله؟ ولو فَهِم هؤلاء مُعْطيات الأسلوب العربي الذي جاء به القرآن لعلموا أن المعروف غير الودّ؛ لأن المعروف يصنعه الإنسان مع مَنْ يحب، ومع مَنْ يكره، مع المؤمن ومع الكافر، تُطعمه إذا جاع، وتسقيه إذا عطش، وتستره إنْ كان عرياناً، أما المودة فلا تكون إلا لمَنْ تحب؛ لأنها عمل قلبيّ. وقوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} [الإسراء: 23] وهذا توجيه وأدب إلهيّ يُراعي الحالة النفسية للوالدين حال كِبَرهما، وينصح الأبناء أن يكونوا على قدر من الذكاء والفطْنة والأدب والرِّفْق في التعامل مع الوالدين في مثل هذه السن. الوالد بعد أَنْ كان يعطيك وينفق عليك أصبح الآن مُحتاجاً إليك، بعد أنْ كان قوياً قادراً على السعي والعمل أصبح الآن قعيدَ البيت أو طريحَ الفراش، إذن: هو في وَضْع يحتاج إلى يقظة ولباقة وسياسة عالية، حتى لا نجرح مشاعره وهي مُرْهفة في هذا الحال. وتأمل قول الله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ ..} [الإسراء: 23]. وهي لفظة بسيطة أقلّ ما يقال، وهذه لفظة قَسْرية تخرج من صاحبها قهراً دون أن تمر على العقل والتفكير، وكثيراً ما نقولها عند الضيق والتبرُّم من شيء، فالحق سبحانه يمنعك من هذا التعبير القَسْري، وليس الأمر الاختياري. و{أُفٍّ} اسم فعل مضارع بمعنى: أتضجر، وهذه الكلمة تدل على انفعال طبيعي، ولكن الحق سبحانه يُحذِّرك منه، ويأمرك بأن تتمالكَ مشاعرك، وتتحكّم في عواطفك، ولا تنطق بهذه اللفظة. ومعلوم أنه سبحانه إذا نهاني عن هذه فقد نهاني عن غيرها من باب أَوْلى، وما دامتْ هي أقلّ لفظة يمكن أنْ تُقال. إذن: نهاني عن القول وعن الفعل أيضاً. ثم أكّد هذا التوجيه بقوله: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ..} [الإسراء: 23]. والنهر هو الزَّجْر بقسوة، وهو انفعال تَالٍ للتضجُّر وأشدّ منه قسوة، وكثيراً ما نرى مثل هذه المواقف في الحياة، فلو تصوَّرنا الابن يعطي والده كوباً من الشاي مثلاً فارتعشت يده فأوقع الكوب فوق سجادة ولده الفاخرة، وسريعاً ما يتأفّف الابن لما حدث لسجادته، ثم يقول للوالد من عبارات التأنيب ما يؤلمه ويجرح مشاعره. إذن: كُنْ على حذر من التأفف، ومن أن تنهر والديك، كُنْ على حذر من هذه الألفاظ التي تسبق إلى اللسان دون فِكْر، ودون تعقّل. ثم بعد هذا النهي المؤكد يأتي أمر جديد ليؤكد النهي السابق: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} [الإسراء: 23]. وفي هذا المقام تُرْوَى قصة الشاب الذي أوقع أبوه إناء الطعام على ثيابه، فأخذ الولد يلعق الطعام الذي وقع على ثوبه وهو يقول لوالده: أطعمك الله كما أطعمتني، فحوّل الإساءة إلى جميل يُحمَد عليه. والآخر الذي ذهب يتمرّغ تحت أقدام أمه، فقال له: كفى يا بني، فقال: إنْ كنتِ تُحبِّينني حقاً فلا تمنعيني من عمل يُدخِلني الجنة. والقول الكريم هنا نوع من التصرُّف واللباقة في معاملة الوالدين، خاصة حال الشيخوخة التي قد تُقعِد صاحبها، أو المرض الذي يحتاج إلى مساعدة الغير، والأولاد هم أَوْلَى الناس بإعالة الوالدين في هذه الظروف، حيث سيبدو من الإنسان مَا لا يصح الاطلاع عليه إلا لأولاده وأقرب الناس إليه. وهَبْ أن الوالد المريض أو الذي بلغ من الكِبَر عتياً يريد أنْ يقضي حاجته، ويحتاج لمن يحمله ويُقعِده ويُريحه، وينبغي هنا أن يقول الابن لأبيه: هَوِّن عليك يا والدي، وأعطني فرصة أردّ لك بعض جميلك عليّ، فلكَمْ فعلتَ معي أكثر من هذا. وهو مع ذلك يكون مُحبّاً لوالده، رفيقاً به، حانياً عليه لا يتبرّم به، ولا يتضجر منه، هذا هو القول الكريم الذي ينتقيه الأبناء في المواقف المختلفة. فمثلاً: قد يزورك أبوك في بيتك وقد يحدث منه أنْ يكسر شيئاً من لوازم البيت، فتقول له في هذا الموقف: فِدَاك يا والدي، أو تقول: لا عليك لقد كنت أفكر في شراء واحدة أحدث منها. أو غيره من القول الكريم الذي يحفظ للوالدين كرامتهما، ولا يجرح شعورهما. وكثيراً ما يأتي المرض مع كِبَر السن، فترى الوالد طريحَ الفراش أو مشلولاً - عافانا الله وإياكم - لذلك فهو في أمسِّ الحاجة لمن يُخفّف عنه ويُواسيه، ويفتح له باب الأمل في الشفاء ويُذكّره أن فلاناً كان مثله وشفاه الله، وفلاناً كان مثله وأخذ الله بيده، وهو الآن بخير، وهكذا. ومع هذا، كُنْ على ذِكْر لفضل الوالدين عليك، ولا تَنْسَ ما كان عندهما حال طفولتك من عاطفة الحب لك والحنان عليك، وأن الله تعالى جعل هذه العاطفة الأبوية تقوى مع ضعفك، وتزيد مع مرضك وحاجتك، فترى الابن الفقير محبوباً عن أخيه الغني، والمريض أو صاحب العاهة محبوباً عن الصحيح، والغائب محبوباً عن الحاضر، والصغير محبوباً عن الكبير، وهكذا على قَدْر حاجة المربَّي يكون حنان المربِّي. إذن: نستطيع أن نأخذَ من هذا إشارة دقيقة يجب ألاَّ نغفل عنها، وهي: إنْ كان بر الوالدين واجباً عليك في حال القوة والشباب والقدرة، فهو أوجب حالَ كبرهما وعجزهما، أو حال مرضهما. ثم يرشدنا الحق سبحانه إلى حسن معاملة الوالدين، فيقول: {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح في قوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} [الآية: 23]. قال: أَمر ربك. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا حماد بن سلمة وسليمان بن حبان عن هشام بن عروة، عن أَبيه في قوله: {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} [الآية: 24]. قال: يطيعهما فيما أَمراه ولا يمتنع من شيء أَراداه.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما جعل تعالى الإِيمان والعملَ الصالح أساساً للفوز بالسعادة الأبدية، وبيَّن حال المؤمن الذي أراد بعمله الدار الآخرة، ذكر هنا طائفةً من الأوامر والزواجر التي يقوم عليها بنيان المجتمع الفاضل، ثم ذكر تعالى موقف المشركين المكذبين من هذا القرآن العظيم. اللغَة: {أُفٍّ} كلمة تضجُّر وتبرُّم قال ابن الأعرابي الأفُّ: الضجر، وأصلها أنه إذا سقط تراب أو رماد فنفخ الإِنسان ليزيله، فالصوت الحاصل هو أُفّ ثم توسعوا في الكلمة حتى أصبحت تقال لكل مكروه {تَنْهَرْهُمَا} النهْرُ: الزجرُ والغِلظة {الأَوَّابِينَ} جمع أوَّاب وهو كثير التوبة والإِنابة من الأَوْب بمعنى الرجوع {مَّحْسُوراً} منقطعاً عن النفقة والتصرف قال الفراء: تقول العرب للبعير هو محسور إذا انقطع سيره، وحَسرَت الدابة إذا انقطعت عن المسير لذهاب قوتها، فشُبّه حال من أنفق كلّ ماله بمن انقطع في سفره بسبب انقطاع مطيته {إِمْلاقٍ} فقر وفاقة، أملق الرجل إذا افتقر {خِطْئاً} قال الأزهري: خطِئ يَخْطَأُ خِطْأً إذا تعمَّد الخطأ، وأخطأ إذا لم يتعمد {ٱلقِسْطَاسِ} الميزان مأخوذ من القِسْط وهو العدل {تَقْفُ} تَتَّبعْ مأخوذ من قفوتُ أثر فلان إذا اتبعت أثَره وأصله البهتُ والقذف بالباطل {مَرَحاً} المَرَح: شدة الفرح والمراد به هنا التكبر والخيلاء {صَرَّفْنَا} بيَّنا {أَكِنَّةً} جمع كِنان وهو الغطاء الذي يستر الشيء {وَقْراً} صمماً وثقلاً. التفسِير: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} أي حكم تعالى وأمر بأن لا تعبدوا إلَهاً غيره وقال مجاهد: {وَقَضَىٰ} يعني وصَّى بعبادته وتوحيده {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أي وأمر بأن تحسنوا إلى الوالدين إحساناً قال المفسرون: قرن تعالى بعبادته برَّ الوالدين لبيان حقهما العظيم على الولد لأنهما السبب الظاهر لوجوده وعيشه، ولما كان إحسانهما إلى الولد قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسان الولد إليهما كذلك {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا} أي قد أوصيناك بهما وبخاصة إذا كبرا أو كبر أحدهما، وإنما خصَّ حالة الكِبَر لأنهما حينئذٍ أحوج إلى البر والقيام بحقوقهما لضعفهما ومعنى {عِندَكَ} أي في كنفك وكفالتك {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} أي لا تقل للوالدين أقل كلمة تظهر الضجر ككلمة أفٍّ ولا تسمعهما قولاً سيئاً حتى ولو بكلمة التأفف {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} أي لا تزجرهما بإغلاظٍ فيما لا يعجبك منهما {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} أي قل لهما قولاً حسناً ليناً طيباً بأدبٍ ووقار وتعظيم {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} أي ألنْ جانبك وتواضعْ لهما بتذلّل وخضوع من فرط رحمتك وعطفك عليهما {وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} أي أدع لهما بالرحمة وقل في دعائك يا رب ارحم والديَّ برحمتك الواسعة كما أحسنا إليَّ في تربيتهما حالة الصغر {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} أي ربكم أيها الناس أعلم بما في نفوسكم من إرادة البر أو العقوق {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} أي إن تكونوا قاصدين للبِرّ والصلاح دون العقوق والفساد فإنه جلَّ وعلا يتجاوز عن سيئاتكم ويغفر للأوابين وهم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى ربهم مستغفرين قال الرازي: والمقصود من هذه الآية أن الأولى لما دلَّت على وجوب تعظيم الوالدين ثم إن الولد قد يظهر منه ما يخلُّ بتعظيمهما فإن كانت تلك الهفوة ليست لأجل العقوق بل ظهرت بمقتضى الجبلَّة البشرية كانت في محل الغفران، وبمناسبة الإِحسان إلى الوالدين يأمر تعالى بالإِحسان إلى الأقارب والضعفاء والمساكين {وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} أي أعط كلَّ من له قرابة بك حقَّه من البر والإِحسان {وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} أي وأعط المسكين المحتاج والغريبَ المنقطع في سفره حقَّه أيضاً {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} أي لا تنفق مالكَ في غير طاعة الله فتكون مبذّراً، والتبذير الإِنفاق في غير حق قال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كلَّه في الحق لم يكن مبذّراً، ولو أنفق مُدّاً في غير حق كان مبذّراً وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى وفي غير الحق والفساد {إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ} هذا تعليل للنهي وهو غاية في الذم والتقبيح أي إن المبذرين كانوا أمثال الشياطين وأشباههم في الإِفساد، لأنهم ينفقون في الباطل وينفقون في الشر والمعصية فهم أمثالهم {وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} أي مبالغاً في كفران نعمة الله لا يؤدي حقَّ النعمة كذلك إخوانه المبذرون لا يؤدون حق النعمة، وحقُّها أن ينفقوها في الطاعات والحقوق غير متجاوزين ولا مبذرين {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} أي إن أعرضتَ عن ذوي القربى والمساكين وابن السبيل إذا لم تجد ما تعطيهم فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدْهم وعداً جميلاً {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} تمثيلٌ للبخل اي لا تكنْ بخيلاً منوعاً لا تعطي أحداً شيئاً كمن حبست يده عن الإِنفاق وشدَّت إلى عنقه {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} تمثيل للتبذير أي ولا تتوسع في الإِنفاق توسعاً مفرطاً بحيث لا يبقى في يدك شيء، والغرض من الآية لا تكن بخيلاً ولا مسرفاً {فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً} أي فتصير مذموماً من الخَلْق والخالق، منقطعاً من المال كمن انقطع في سفره بانقطاع مطيته {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي يوسّع الرزق على من يشاء ويضيِّق على من يشاء، وهو القابض، الباسط المتصرف في خلقه، بما يشاء حسب الحكمة {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} أي إنه عالم بمصالح العباد، والتفاوتُ في الأرزاق ليس لأجل البخل بل لأجل رعاية المصالح فهو تعالى يعمل من مصالحهم ما يخفى عليهم {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} أي لا تُقدموا على قتل أولادكم مخافة الفقر {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} أي رزقُهم علينا لا عليكم فنحن نرزقهم ونرزقكم فلا تخافوا الفقر بسببهم {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} أي قتلُهم ذنبٌ عظيم وجرمٌ خطير قال المفسرون: كان أهل الجاهلية يئدون البنات مخافة الفقر أو العار فنهاهم الله عن ذلك وضمن أرزاقهم {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} أي لا تدنوا من الزنى وهو أبلغ من "لا تزنوا" لأنه يفيد النهي عن مقدمات الزنى كاللَّمس، والقُبلة، والنظرة، والغمز وغير ذلك مما يجرُّ إلى الزنى فالنهي عن القرب أبلغ من النهي عن الفعل {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} أي إن الزنى كان فعلة قبيحة متناهية في القبح {وَسَآءَ سَبِيلاً} أي ساء طريقاً موصلاً إلى جهنم {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ} أي لا تقتلوا نفساً حرَّم الله قتلها بغير حقٍ شرعي موجبٍ للقتل كالمرتد، والقاتل عمداً، والزاني المحصن {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} أي ومن قُتل ظلماً بغير حقٍ يوجب قتله فقد جعلنا لوارثه سلطةً على القاتل بالقصاص منه، أو أخذ الدية، أو العفو {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} أي فلا يتجاوز الحدَّ المشروع بأن يقتل غير القاتل أو يُمثّل به أو يقتل اثنين بواحد كما كان أهل الجاهلية يفعلون، فحسبُه أن الله قد نصره على خصمه فليكن عادلاً في قصاصه {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالطريقة التي هي أحسن وهي حفظه واستثماره {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أي حتى يبلغ اليتيم سن الرشد ويحسن التصرف في ماله {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} أي وفّوا بالعهود سواءً كانت مع الله أو مع الناس لأنكم تُسألون عنها يوم القيامة {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ} أي أتموا الكيل إذا كلتم لغيركم من غير تطفيفٍ ولا بَخْس {وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} أي زنوا بالميزان العدل السويّ بلا احتيالٍ ولا خديعة {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي وفاء الكيل وإقامة الوزن خيرٌ في الدنيا وأحسن مآلاً في الآخرة {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي لا تتَّبعْ ما لا تعلم ولا يَعْنيك بل تثبَّتْ من كل خبر، قال قتادة: لا تقل رأيتُ ولم تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} أي إن الإنسان يُسأل يوم القيامة عن حواسه: عن سمعه، وبصره، وقلبه وعما اكتسبته جوارحه {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} أي لا تمش في الأرض مختالاً مشية المعجب المتكبر {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} هذا تعليل للنهي عن التكبر والمعنى أنك أيها الإِنسان ضئيل هزيل لا يليق بك التكبر؟ كيف تتكبر على الأرض ولن تجعل فيها خرقاً أو شقاً؟ وكيف تتطاول وتتعظَّمْ على الجبال ولن تبلغها طولاً؟ فأنت أحقر وأضعف من كل واحدٍ من الجماديْن فكيف تتكبر وتتعالى وتختال وأنت أضعف من الأرض والجبال؟ وفي هذا تهكم وتقريع للمتكبرين {كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} أي كل ذلك المذكور الذي نهى الله عنه كان عمله قبيحاً ومحرماً عند الله تعالى {ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ} أي ذلك الذي تقدم من الآداب والقصص والأحكام بعضُ الذي أوحاه إليك ربك يا محمد من المواعظ البليغة، والحِكَم الفريدة {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً} أي لا تشرك مع الله غيره من وثنٍ أو بشر فتلقى في جهنم ملوماً تلوم نفسك ويلومك اللهُ والخلق مطروداً مبعداً من كل خير قال الصاوي: ختم به الأحكام كما ابتدأها إشارةً إلى أن التوحيد مبدأ الأمور ومنتهاها، وهو رأس الأشياء وأساسُها، والأعمالُ بدونه باطلةٌ لا تفيد شيئاً {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً} خطابٌ على وجه التوبيخ للعرب الذين قالوا إن الملائكة بنات الله والمعنى أفخصكم ربكم وأخلصكم بالذكور واختار لنفسه - على زعمكم - البنات؟ كيف يجعل لكم الأعلى من النسل ويختار لنفسه الأدنى! {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} أي إنكم لتقولون قولاً عظيماً في شناعته وبشاعته حيث تنسبون إليه البنات وتجعلون لله ما تكرهون {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ} أي ولقد بيّنا للناس في هذا القرآن العظيم الأمثال والمواعظ، والوعد والوعيد، ليتذكروا بما فيه من الحجج النيِّرة والبراهين الساطعة، فينزجروا عما هم فيه من الشرك والضلال {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} أي وما يزيدهم هذا البيان والتذكير إلا تباعداً عن الحق، وغفلةً عن النظر والاعتبار {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} أي لو فرضنا أن مع الله آلهة أخرى كما يزعم هؤلاء المشركون إذاً لطلبوا طريقاً إلى مغالبة ذي العزة والجلال ليسلبوا ملكه كما يفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً} أي تنزَّه تعالى وتقدَّس عما يقول أولئك الظالمون، وتعالى ربنا عما نسبوه إليه من الزور والبهتان تعالياً كبيراً، فإن مثل هذه الفِرية مما يتنزّه عنه مقامه الأسمى قال الشهاب: وذكر العلُوَّ بعد عنوانه بـ {ذِي ٱلْعَرْشِ} في أعلى مراتب البلاغة لأنه المناسب للعظمة والجلال {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} أي تسبح له الكائنات، وتنزهه وتقدسه الأرض والسماوات، ومن فيهن من المخلوقات {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} أي وما من شيء في هذا الوجود إلا ناطق بعظمة الله، شاهد بوحدانيته جلَّ وعلا، السماواتُ تسبّح الله في زرقتها، والحقولُ في خضرتها، والبساتينُ في نضرتها، والأشجار في حفيفها، والمياهُ في خريرها، والطيورُ في تغريدها، والشمسُ في شروقها وغروبها، والسحبُ في إمطارها، والكل شاهد بالوحدانية لله. شعر : وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنه واحدُ تفسير : {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} أي ولكنْ لا تفهمون تسبيح هذه الأشياء لأنها ليست بلغاتكم {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} أي إنه تعالى حليم بالعباد لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، غفورٌ لمن تاب وأناب، ولولا حلم الله وغفرانه لأخذ البشر أخذ عزيزٍ مقتدر {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً} أي وإِذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين الذين لا يصدّقون بالآخرة جعلنا بينك وبينهم حجاباً خفياً يحجب عنهم فهم القرآن وإِدراك أسراره وحِكمه {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} أي وجعلنا على قلوب هؤلاء الكفار أغطيةً لئلا يفهموا القرآن {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} أي صمماً يمنعهم من استماعه {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} أي وإذا وحدَّت الله وأنت تتلو القرآن فرَّ المشركون من ذلك هرباً من استماع التوحيد {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ} أي نحن أعلم بالغاية التي يستمعون من أجلها للقرآن وهي الاستهزاء والسخرية قال المفسرون: كان المشركون يجلسون عند النبي صلى الله عليه وسلم مظهرين الاستماع وفي الواقع قاصدين الاستهزاء فنزلت الآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديداً للمشركين {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} أي حين يستمعون إلى قراءتك يا محمد ثم يتناجون ويتحدثون بينهم سراً {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} أي حين يقول أولئك الفجرة ما تتبعون إلا رجلاً سُحر فجُنَّ فاختلط كلامه {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ} أي انظر يا محمد وتعجَّبْ كيف يقولون تارة عنك إنك ساحر، وتارة إنك شاعر، وتارة إنك مجنون! وقد ضلوا بهذا البهتان والزور {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} أي لا يجدون طريقاً إلى الهدى والحق المبين. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- الاستعارة المكنية {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ} شبَّه الذل بطائر له جناح وحذف الطائر ورمز له بشيء من لوازمه وهو الجناح على سبيل الاستعارة المكنية. 2- الاستعارة التمثيلية {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} مثَّل للبخيل بالذي حبست يده عن الإِعطاء وشدت إلى عنقه بحيث لا يقدر على مدها، وشبَّه السرف ببسط الكف بحيث لا تحفظ شيئاً. 3- اللف والنشر المرتب {فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً} عاد لفظ {مَلُوماً} إلى البخل ولفظ {مَّحْسُوراً} إلى الإِسراف أي يلومك الناس إن بخلت، وتصبح مقطوعاً إن أسرفت. 4- الطباق بين {يَبْسُطُ ... وَيَقْدِرُ}. 5- جناس الاشتقاق {قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ}. 6- التوبيخ {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ}؟ 7- الفرض والتقدير {لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ}. لطيفَة: نقف هنا أمام مثلٍ من دقائق التعبير القرآني العجيبة ففي هذه السورة قدَّم تعالى رزق الأبناء على رزق الآباء {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} وفي سورة الأنعام قدَّم رزق الآباء {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}تفسير : [الأنعام: 151] والسرُّ في ذلك أن قتل الأولاد هنا كان خشية وقوع الفقر بسببهم فقدَّم تعالى رزق الأولاد، وفي الأنعام كان قتلهم بسبب فقر الآباء فعلاً فقدم رزق الآباء، فللّه در التنزيل ما أروع أسراره!
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} قالَ الإِمامُ الشهيدُ أبو الحسين زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام معناه: لاَ تَمْنَعُهُما شَيئاً أرادهُ، وإِنْ وَجدتَ مِنهُمَا رِيحاً يُؤذِيكَ فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم شرف أمته بتبعيته بتشريف هذه المرتبة السنية وصرح بخطابهم فقال: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] أي: لا تعبدوا الدنيا والآخرة إلا الله وإنما قال ربك أراد به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مخصوص بالتربية أصالة والأمة تبعاً له في هذا الشأن، وقوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} [الإسراء: 23] أي: وحكم ربك وقدَّر في الأزل ألاّ تعبدوا، المخصوصون بالخطاب، إلا الله، فما عبدوا، وحكم أيضاً كما قال: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الإسراء: 23] يشير بالوالدين إلى والد الروح ووالد البدن، والإحسان بهما أن تراقبهما في العبودية ليعبدوا كأنهما يريان الله فإن لم يكونا يريان الله فإنه يراهما. وبقوله: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} [الإسراء: 23] يخاطب القلب ويوصيه بأن يواسي والد الروح عند كبره وهو بلاغه أعلى مراتب القرب، وعجزه عند سطوات تجلي صفات الألوهية، ويداوي والد البدن عند كبره وهو كبر السن، فلا تنفعهما في الاستعمال عند العجز {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23] عند الاستراحة {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} [الإسراء: 23] أي: رفيقاً عند استعمالهما في العبودية. {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24] أي: تتواضع لهما، ولا تتكبر عليهما فإنك أخذت التربية عنهما {وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 24] وذلك لأن القلب طفل يولد بازدواج الروح والبدن، وقد وجدت التربية عنهما صورة ومعنى إلى أن صار قابلاً لتجلي جمال الربوبية وجلالها وصار خليفة الله في أرضه. ثم قال: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} [الإسراء: 25] من استعداد لأنه دبره فيها {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ} [الإسراء: 25] مستعدين للخلافة {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} [الإسراء: 25] والأوَّاب الراجع من أنانيته إلى هويته بغفوريته يشير إلى أن كل نفس صالحة للخلافة إنما تبلغ محلها بالأنانية، فإن من كان مقيداً بنفسه لا يصلح لخلافة الله. ثم أخبر عن آداب الخلافة بقوله تعالى: {وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} [الإسراء: 26] إشارة إلى أن النفس فإنها من ذوي قربى القلب ولها حق كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لنفسك عليك حقاً" تفسير : والمعنى لا يبالغ في رياضة النفس وجهادها؛ لئلا تسأم وتمل أو تضعف عن حمل أعباء الشريعة وحق رعايتها عن الشرف في المأكل والملبوس والأثاث والمسكن وحفظها عن طرفي الإفراط والتفريط صيانة عن التبذير. كما قال: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} [الإسراء: 26] أي: لا تنفق لهوى النفس وشهواتها والتذاذها بحظوظها {إِنَّ ٱ} [الإسراء: 27] أي: أعوانهم في إهلاك أنفسهم ونظراؤهم في كفران النعمة والعصيان. كما قال: {وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} [الإسراء: 27] أي: لا يشكر نعمه بامتثال أوامره ونواهيه. {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} [الإسراء: 28] أي: تعرض عن نفق النفس وصفاتها بالكسر والتبديل {ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} [الإسراء: 28] فإن دواء النفس داؤها وإن داءها دواؤها ورجاء الرحمة في حقها بألاّ يرحمها عند طلب مرادها {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} [الإسراء: 28] أي: فعد النفس وصفاتها بوعد لها فيه يسر وراحة لتحمل بالمشقة في تزكيتها {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ} [الإسراء: 29] في إعطاء بعض حظوظها {مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا} [الإسراء: 29] في إعطكاء مراداتها واستيفاء لذاتها {كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ} [الإسراء: 29] عن طريق الطلب والمسير إلى الله {مَلُوماً} [الإسراء: 29] تلوم نفسك حين لا تنفع الملامة إذ تلام يوم القيامة {مَّحْسُوراً} [الإسراء: 29] منقطعاً عن سبيل الله حسيراً عن المسير إليه. {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} [الإسراء: 30] يشير به إلى الخروج عن أوطان البشرية والطبيعة الإنسانية إلى فضاء العبودية بقدمي التوكل على الله وتفويض الأمور إليه، فإن كان يبسط النفس في بعض الأوقات ممتناً بها ليغبط أحوالها بمجامع الفيض فالأمور موكولة إلى بساط حكمته البالغة وأحكامه الأزلية {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} [الإسراء: 30] في الأزل فيما حكم وقدر.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما نهى تعالى عن الشرك به أمر بالتوحيد فقال: { وَقَضَى رَبُّكَ } قضاء دينيا وأمر أمرا شرعيا { أَنْ لا تَعْبُدُوا } أحدا من أهل الأرض والسماوات الأحياء والأموات. { إِلا إِيَّاهُ } لأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أعظمها على وجه لا يشبهه أحد من خلقه، وهو المنعم بالنعم الظاهرة والباطنة الدافع لجميع النقم الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور فهو المتفرد بذلك كله وغيره ليس له من ذلك شيء. ثم ذكر بعد حقه القيام بحق الوالدين فقال: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } أي: أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان القولي والفعلي لأنهما سبب وجود العبد ولهما من المحبة للولد والإحسان إليه والقرب ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر. { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا } أي: إذا وصلا إلى هذا السن الذي تضعف فيه قواهما ويحتاجان من اللطف والإحسان ما هو معروف. { فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } وهذا أدنى مراتب الأذى نبه به على ما سواه، والمعنى لا تؤذهما أدنى أذية. { وَلا تَنْهَرْهُمَا } أي: تزجرهما وتتكلم لهما كلاما خشنا، { وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا } بلفظ يحبانه وتأدب وتلطف بكلام لين حسن يلذ على قلوبهما وتطمئن به نفوسهما، وذلك يختلف باختلاف الأحوال والعوائد والأزمان. { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } أي: تواضع لهما ذلا لهما ورحمة واحتسابا للأجر لا لأجل الخوف منهما أو الرجاء لما لهما، ونحو ذلك من المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد. { وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا } أي: ادع لهما بالرحمة أحياء وأمواتا، جزاء على تربيتهما إياك صغيرا. وفهم من هذا أنه كلما ازدادت التربية ازداد الحق، وكذلك من تولى تربية الإنسان في دينه ودنياه تربية صالحة غير الأبوين فإن له على من رباه حق التربية.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 507 : 9 : 11 - سفين عن عيسى عن مجاهد {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} قال، أمر ربك ألا تعبدوا إلا إياه. [الآية 23]. 508 : 10 : 36 - سفين قال، كان أصحاب عبد الله يقرؤونها، {ووصا ربك ألا تعبدوا إلا إياه}. قال، أمر ربك. 509 : 11 : 30 - سفين {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ} قال، إذا بلغا عندكم الكبر - قال، أن يخريا ويبولا، فلا تقذرهما كما كانا لا يقذرانك إذ كنت صبيا. [الآية 23].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):