١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً بعبادته وحده لا شريك له، فإن القضاء ههنا بمعنى الأمر، قال مجاهد: {وَقَضَىٰ} يعني: وصى، وكذا قرأ أبي بن كعب وابن مسعود والضحاك بن مزاحم {ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} ولهذا قرن بعبادته برّ الوالدين، فقال: {وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا} أي: وأمر بالوالدين إحساناً؛ كقوله في الآية الأخرى {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [لقمان: 14]. وقوله: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} أي: لا تسمعهما قولاً سيئاً، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيىء {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} أي: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن رباح في قوله: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} أي: لا تنفض يدك عليهما، ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول والفعل الحسن، فقال: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} أي: ليناً طيباً حسناً بتأدب وتوقير وتعظيم، {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} أي: تواضع لهما بفعلك {وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا} أي: في كبرهما وعند وفاتهما، قال ابن عباس: ثم أنزل الله: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ} تفسير : الآية [التوبة: 113]. وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد المنبر قال: «حديث : آمين آمين آمين» تفسير : قيل: يا رسول الله علام أمنت؟ قال: «حديث : أتاني جبريل فقال: يا محمد رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليك، قل: آمين، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف رجل أدرك والديه، أو أحدهما، فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت: آمين».تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا علي بن زيد أخبرنا زرارة بن أوفى عن مالك بن الحارث، عن رجل منهم: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من ضم يتيماً من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يستغني عنه، وجبت له الجنة ألبتة، ومن أعتق امرأ مسلماً، كان فكاكه من النار، يجزى بكل عضو منه عضواً منه» تفسير : ثم قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد، فذكر معناه، إلا أنه قال: عن رجل من قومه يقال له: مالك، أو ابن مالك، وزاد: «حديث : ومن أدرك والديه، أو أحدهما، فدخل النار، فأبعده الله».تفسير : (حديث آخر) - وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان عن حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد عن زرارة بن أوفى عن مالك بن عمرو القشيري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من أعتق رقبة مسلمة، فهي فداؤه من النار، فإن كل عظم من عظامه محررة بعظم من عظامه، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له، فأبعده الله عز وجل، ومن ضم يتيماً من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله، وجبت له الجنة».تفسير : (حديث آخر) - قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة عن قتادة، سمعت زرارة بن أوفى يحدث عن أبي بن مالك القشيري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من أدرك والديه أو أحدهما، ثم دخل النار من بعد ذلك، فأبعده الله وأسحقه»تفسير : ، ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة به، وفيه زيادات أخر. (حديث آخر) - قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف رجل أدرك أحد أبويه، أو كليهما، عند الكبر، ولم يدخل الجنة» تفسير : صحيح من هذا الوجه، ولم يخرجوه، سوى مسلم من حديث أبي عوانة وجرير وسليمان بن بلال عن سهيل به. (حديث آخر) - قال الإمام أحمد: حدثنا ربعي بن إبراهيم - قال أحمد: وهو أخو إسماعيل بن علية، وكان يفضل على أخيه - عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان، فانسلخ، فلم يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر، فلم يدخلاه الجنة» تفسير : قال ربعي: لا أعلمه إلا قال: «حديث : أو أحدهما»تفسير : . ورواه الترمذي عن أحمد بن إبراهيم الدورقي عن ربعي بن إبراهيم، ثم قال: غريب من هذا الوجه. (حديث آخر) - قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، حدثنا أسيد بن علي عن أبيه علي بن عبيد، عن أبي أسيل، وهو مالك بن ربيعة الساعدي، قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: «حديث : نعم، خصال أربع: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما» تفسير : ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن سليمان، وهو ابن الغسيل، به. (حديث آخر) -قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن عن معاوية بن جاهمة السلمي: أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت الغزو، وجئتك أستشيرك، فقال: «حديث : فهل لك من أم» تفسير : قال: نعم، قال: «حديث : فالزمها؛ فإن الجنة عند رجليها» تفسير : ثم الثانية ثم الثالثة في مقاعد شتى كمثل هذا القول، ورواه النسائي وابن ماجه من حديث ابن جريج به. (حديث آخر) - قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد حدثنا ابن عياش عن يحيــــى بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب» تفسير : وأخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عياش به. (حديث آخر) - قال أحمد: حدثنا يونس، حدثنا أبو عوانة عن أشعث بن سليم عن أبيه، عن رجل من بني يربوع قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته وهو يكلم الناس يقول: «حديث : يد المعطي العليا، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك».تفسير : (حديث آخر) - قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي، حدثنا عمرو بن سفيان، حدثنا الحسن بن أبي جعفر عن ليث بن أبي سليم عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة عن أبيه: أن رجلاً كان في الطواف حاملاً أمه يطوف بها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل أديت حقها؟ قال: «حديث : لا، ولا بزفرة واحدة» تفسير : أو كما قال، ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه. قلت: والحسن بن أبي جعفر ضعيف، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ } ألِن لهما جانبك الذليل {مِنَ ٱلرَّحْمَةِ } أي لرقتك عليهما {وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا } رحماني حين {رَبَّيَانِى صَغِيرًا }.
النسفي
تفسير : {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} أي اخفض لهما جناحك كما قال {أية : واخفض جناحك للمؤمنين}تفسير : [الحجر: 88] فأضافه إلى الذل كما أضيف حاتم إلى الجود والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل {مِنَ الرَّحْمَةِ} من فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس. وقال الزجاج: وألن جانبك متذللاً لهما من مبالغتك في الرحمة لهما {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} ولا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء، لها وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك. والمراد بالخطاب غيره عليه السلام، والدعاء مختص بالأبوين المسلمين، وقيل: إذا كانا كافرين له أن يسترحم لهما بشرط الإيمان وأن يدعو الله لهما بالهداية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما»تفسير : وروي «حديث : يفعل البار ما شاء أن يفعل فلن يدخل النار ويفعل العاق ما شاء أن يفعل فلن يدخل الجنة»تفسير : وعنه عليه السلام: «حديث : إياكم وعقوق الوالدين فإن الجنة يوجد ريحها من مسيرة ألف عام ولا يجد عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جارّ إزاره خيلاء إن الكبرياء لله رب العالمين»تفسير : {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفِوسِكُمْ} بما في ضمائركم من قصد البر إلى الوالدين ومن النشاط والكرامة في خدمتهما {إِن تَكُونُوا صَـالِحِينَ} قاصدين الصلاح والبر ثم فرطت منكم في حال الغضب وعند حرج الصدر هنة تؤدي إلى أذاهما ثم أبتم إلى الله واستغفرتم منها {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً} الأواب الذي إذا أذنب بادر إلى التوبة فجاز أن يكون هذا عاماً لكل من فرطت منه جناية، ثم تاب منها ويندرج تحت الجاني على أبويه التائب من جنايته لوروده على أثره.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} [الآية: 24]. قال بعضهم: لا تخالفهما برأى، وإن كانا على خلاف هواك ذلك خلاف الشريعة. سُئل أبو عثمان عن بر الوالدين فقال: أن لا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر إليهما شذرًا، ولا يريان منك مخالفة فى ظاهر وباطن، وأن تحترم لهما ما عاشا، وتدعو لهما إذا ماتا، وتقوم بخدمة أَودّائهما بعدهما فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ودِّ أبيه" تفسير : وكان النبى صلى الله عليه وسلم: إذا ذبح شاة تتبع بها صدائق خديجة. وسئل الفضل بن عياض عن بر الوالدين؟ قال: أن لا تقوم إلى خدمتهما عن كسل.
القشيري
تفسير : {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ} بحسن المداراة ولين المنطق، والبدار إلى الخدمة، وسرعة الإجابة، وترك البَرَمَ بمطالبهما، والصبر على أمرهما، وألا تَدَّخِرَ عنهما ميسوراً.
اسماعيل حقي
تفسير : {واخفض لهما جناح الذل} جناح الذل استعارة بالكناية جعل الذل والتواضع بمنزله طائر فاثبت له الجناح تخبيلا اى تواضع لهما ولين جانبك وذلك ان الطائر اذا قصد ان ينحط خفض جناحه وكسره واذا قصد ان يطير رفعه فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا فى التواضع ولين الجانب. قال القاضى وامره بخفضه مبالغة فى ايجاب الذل وترشيحا للاستعارة. قال ابن عباس رضى الله عنهما كن مع الوالدين كالعبد المذنب الذليل الضعيف للسيد الفظ الغليظ اى فى التواضع والتملق {من الرحمة} من ابتدائيه او تعليلية اى من فرط رحمتك عليهما لافتقارهما اليوم الى من كان افقر خلق الله اليهما قالوا ينظر اليهما بنظر المحبة والشفقة والترحم وفى الحديث "حديث : ما من ولد ينظر الى الوالد والى والدته نظر مرحمة الا كان له بهاحجه وعمرة" قيل وان نظر فى اليوم الف مرة قال "وان نظر فى اليوم مائة الف"تفسير : كما فى خالصة الحقائق ويقبل رجل امه تواضعا - حكى - ان رجلا جاء الى الاستاذ ابى اسحق فقال رأيت البارحة فى المنام ان لحيتك مرصعة بالجواهر واليواقيت فقال صدقت فانى البارحة مسحت لحيتى تحت قدم والدتى قبل ان نمت فهذا من ذاك ويباشر خدمتهما بيده ولا يفوضها الى غيره لانه ليس بعار للرجل ان يخدم معلمه وابويه وسلطانه وضيفه ولا يؤمه للصلاة وان كان افقه منه اى اعلم بالفقه من الاب ولا يمشى امامهما الا ان يكون لاماطة الاذى عن الطريق ولا يتصدر عليهما فى المجلس ولا يسبق عليهما فى شئ اى فى الا كل والشرب والجلوس والكلام وغير ذلك. قال الفقهاء لا يذهب بابيه الى البيعة واذا بعث اليه منها ليحمله فعل ولا يناوله الخمر ويأخذ الاناء منه اذا شربها. وعن ابى يوسف اذا امره ان يوقد تحت قدره وفيها لحم الخنزير او قد كما فى بحر العلوم ولا ينسب الى غير والديه استنكافا منهما فانه يستوجب اللعنة قال عليه السلام "حديث : فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا"تفسير : اى نافلة وفريضة كما فى الاسرار المحمدية. قال فى القاموس الصرف فى الحديث التوبة والعدل الفدية او هو النافلة والعدل الفريضة او بالعكس او هو الوزن والعدل الكيل او هو الاكتساب والعدل الفدية {وقل رب ارحمهما} وادع الله ان يرحمهما برحمته الباقية ولا تكتف برحمتك الفانية وان كانا كافرين لان من الرحمة ان يهديهما الى الاسلام. قال الكاشفى [حقيقت دعا رحمت ازولد درحق والدين آنست كه اكر مؤمن اند ايشانرا ببهشت رسان واكر كافراند راه نماى باسلام وايمان]. قال ابن عباس ما زال ابراهيم عليه السلام يستغفر لابيه حتى مات فلما تبين له انه عدو لله تبرأ منه يعنى ترك الدعاء ولم يستغفر له بعدما مات على الكفر كذا فى تفسير ابى الليث وفى الحديث "حديث : اذا ترك العبد الدعاء للوالدين ينقطع عنه الرزق فى الدنيا"تفسير : سئل ابن عيينة عن الصدقة عن الميت فقال كل ذلك واصل اليه ولا شيئ انفع له من الاستغفار ولو كان شئ افضل منه لامرت به فى الابوين ويعضده قوله عليه السلام "حديث : ان الله ليرفع درجة العبد فى الجنة فيقول يا رب أنى لى هذا فيقول باستغفار والدك"تفسير : وفى الحديث "حديث : من زار قبر ابويه او احدهما فى كل جمعة كان بارا"تفسير : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : سالها بر تو بكذردكه كذر نكنى سوى تربت بدرت نو بجاى بدرجه كردى خير تاهمان جشم دارى ازبسرت تفسير : {كما ربيانى صغيرا} الكاف فى محل النصب على انه نعت مصدر محذوف اى رحمة مثل رحمتهما علىّ وتربيتهما وارشادهما لى فى حال صغرى وفاء بوعدك للراحمين - حديث : روى - ان رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان ابوى بلغا من الكبر أنى الى منهما ما وليا منى فى الصغر فهل قضيتهما حقهما قال "لا فانهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وانت تفعل ذلك وانت تريد موتهما "
الجنابذي
تفسير : {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ} مستعارٌ من تذلّل الطّيور فانّها تخفض جناحها عند التّذلّل {مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} من رحمتك لهما فانّهما استحقّا بافتقارهما اليك وانت كنت فى نهاية الفقر اليهما رحمة منك ولا تكتف باحسانك والرّحمة لهما بل ادع الله لهما فى حيوتهما ومماتهما {وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} عن النّبىّ (ص) انّه قال من غير سابقة رغم انفه؛ ثلاث مرّات، قالوا من يا رسول الله (ص)؟! قال: من ادرك ابويه عند الكبر احدهما او كليهما ولم يدخل الجنّة.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} أي: لا تمتنع من شيء أحبّاه. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بعض أهل بيته فكان فيما أوصاه: حديث : أطع والديك وإن أمراك أن تخرج من مالك كله فافعل . تفسير : قوله: { وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} هذا إذا كانا مسلمين، وإذا كانا مشركين فلا يقل رب ارحمها، هذا الحرف منسوخ نسخه (أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَّسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) تفسير : [التوبة:113]. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من أصبح باراً بوالديه أصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة، [ومن أمسى مثل ذلك]، وإن واحد فواحد، ومن أصبح عاقاً لوالديه أصبح له بابان مفتوحان إلى النار، وإن واحد فواحد، وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : رضا الرب مع رضا الوالد، وسخط الرب مع سخط الوالد تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن فوق كل بِرّ بِرّاً حتى إن الرجل يهريق دمه في سبيل الله، وإن فوق كل فجور فجوراً حتى إن الرجل ليعق والديه تفسير : قوله: { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ } أي: من برّ الوالدين { إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} الأوّاب التائب الراجع عنه ذنبه.
اطفيش
تفسير : {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} إذا أراد الطائر الكف عن الطيران، خفض جناحيه عن نشرهما وارتفاعهما، فعبَّر بذلك عن التواضع لهما، جعل الإلانة لهما من جنس خفض الجناح من الطائر بجامع العطف، فسماها باسم الخفض واشتق منه اخفض بمعنى أَلِنْ، وجناح ترشيح أو استعارة لجانب الإنسان من بدنه، أو حاله بجناح الطائر فسماه به، وأضافه للذل تلويحاً بأن يذل لهما، ولا يرتفع كأنه قيل: ليكن جنابُك لهما جناب ذل لا جناب ترفع، وذلك من إضافة الشئ إلى صفته، كحاتم الجود، وما در الشح، ولا داعى إلى المصير إلى الوصف النحوى، مثل أن تؤول الجود بذى الجود أو بالجواد، وكذا فى الآية. وإن شئت فقل: شبه المتواضع بالطائر المنحط، ورمز إلى ذلك بذكر الجناح، أو شبه الذل بطائر منحط، ورمز إليه بإثبات الجناح تخييلا، والخفض ترشيحاً، وقيل: المراد بخفض الجناح ما يفعله الطائر إذا ضم فراخه للتربية، وأنه أنسب بالمقام قلت: لا يتضح هذا، وسمى الجناح جناحاً لأنه يميل تقول: جنحت إلى كذا بمعنى ملت إليه. {مِنَ الرَّحْمَةِ} أى لرقتك عليهما، متعلق باخفض، ويجوز أن تكون للابتداء، لأن هذا الخفض ناشئ من الرحمة لمستكنة فى النفس، لافتقارهما إليه بعد أن كان أشد افتقاراً إليهما، واحتياج المرء إلى من كان محتاجاً إليه غاية الذل، فلا بد من مقابلة بأشد رحمة جزاء له قال الشاعر: شعر : ما ذلة السلطان إلا إذا أصبح محتاجاً إلى عامله تفسير : ويضعف كونه حالا من جناح {وَقُلْ} ولو دُبُرُ كل صلاة من الخمس، أو دبر كل صلاة لا تقبل صلاة امرأة لم تدع لزوجها أو إنسان لم يدع لوالديه، قال سفيان: يجب عند كل تشهد التسليم كما أمرنا بالتكبير فى أيام معدودات، فكبرنا أدبار الصلوات، وبالصلاة والسلام على النبى، فعلناهما بعد تشهد التسليم. قلت: لكن كل بما يليق به، فالمتولى بالجنة وغيرها من الدين والدنيا، والموقوف فيه بالهداية على قول مجيز الدعاء بالهداية لغير المتولى، أو بترك كذا من الذنوب أو بالتوفيق إلى فعل كذا من الخير، وكذا فى المتبرأ منه، وقد قال من قال: بولاية الوالدين المستحقين للوقوف، ويعرض لهما بدعائه بالجنة إذا اشتدا عليه بها. {رَبِّ ارْحَمْهُمَا} ولو اقتصرت على رحمة دنيوية إن لم يجد سبيلا للأخروية، وقد أخبرتك بطرق لها، لكن إن ماتا فى البراءة لم يجد سبيلا إلى الأخروية، إلا أن تدعو لهما بزوال عذاب القبر، أو تخفيفه، كما غرز صلى الله عليه وسلم بعض جريدة على قبر مغتاب أو نمام وعلى قبر من لا يستبرئ من البول. {كَمَا} الكاف للتشبيه والتعليل، مستفاد منه فلا حاجة إلى جعلها للتعليل وما مصدرية {رَبَّيَانِى صَغِيراً} برحمة لا بعنف، حين عجزت كل العجز، وحين عجزت بعضه، لا يترفعان عن نتن ما يخرج منى، واللام فى هذا أدخل، قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبواى بلغا من الكِبَر إلى أن ألِى منهما ما وليا منى فى الصغر، فهل قضيت حقهما؟ قال: "حديث : لا إنهما يفعلان ذلك ويحبان حياتك وأنت تفعله وتحب موتهما"تفسير : أمره الله بتذكير حال الصغر، وهو أشد أحواله احتياجاً من حيث الولادة والرضاع، وقد يريد حال الطفولية كلها، وقد يريد ما بعدها أيضاً ما دام لم يؤنس رشده وما لم يستقل بنفسه، ولو بالغًا متزوجًا، والأحوال تختلف فى ذلك، والكاف للتعليل، وإن كانت لتشبيه تربيتهما صغيراً، بمعنى رحمانى صغيراً تعبيراً بالمسبب، عن السبب أو باللازم عن الملزوم. ويبعد أن يقال المراد رب ارحمهما رحمة تشبه فى الظهور تربيتهما إياى صغيراً أو التقدير: رب ارحمهما رحمة مثل تربيتهما، أو مثل رحمتهما لى لأن التربية رحمة، أو رب ارحمهما وربهما كما رحمانى وربيانى، والإنسان فى تربية الله ما دام حيًّا، ولو عمر مائة سنة، أو رب ارحمهما رحمة ظاهرة محققة، كما فعلا بى فى التربية، وذلك كقوله تعالى: "أية : مثل ما أنكم تنطقون" تفسير : [الذاريات: 23].
الالوسي
تفسير : {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ} أي تواضع لهما وتذلل وفيه وجهان. الأول: أن يكون على معنى جناحك الذليل ويكون {جَنَاحَ ٱلذُّلّ} بل خفض الجناح تمثيلاً في التواضع وجاز أن يكون استعارة في المفرد وهو الجناح ويكون الخفض ترشيحاً تبعياً أو مستقلاً، الثاني أن يكون من قبيل قول لبيد:شعر : وغداة ريح قد كشفت وقرة إذ أصبحت بيد الشمال زمامها تفسير : فيكون في الكلام استعارة مكنية وتخييلية بأن يشبه الذل بطائر منحط من علو تشبيهاً مضمراً ويثبت له الجناح تخييلاً والخفض ترشيحاً فإن الطائر إذا أراد الطيران والعلو نشر جناحيه ورفعهما ليرتفع فإذا ترك ذلك خفضهما، وأيضاً هو إذا رأى جارحاً يخافه لصق بالأرض وألصق جناحيه وهي غاية خوفه وتذلـله. وقيل المراد بخفضهما ما يفعله إذا ضم فراخه للتربية وأنه أنسب بالمقام. وفي «الكشف» أن في الكلام استعارة بالكناية ناشئة من جعل الجناح الذل ثم المجموع كما هو مثل في غاية التواضع ولما أثبت لذله جناحا أمره بخفضه تكميلاً وماعسى يختلج في بعض الخواطر من أنه لما أثبت لذله جناحاً فالأمر برفع ذلك الجناح أبلغ في تقوية الذل من خفضه لأن كمال الطائر عند رفعه فهو ظاهر السقوط إذا جعل المجموع تمثيلاً لأن الغرض تصوير الذل كأنه مشاهد محسوس، وأما على الترشيح فهو وهم لأن جعل الجناح المخفوض للذل يدل على التواضع وأما جعل الجناح وحده فليس بشيء ولهذا جعل تمثيلاً فيما سلف. وقرأ سعيد بن جبير {من ٱلذل} بكسر الذال وهو الانقياد وأصله في الدواب والنعت منه ذلول وأما الذل بالضم فأصله في الإنسان وهو ضد العز والنعت منه ذليل. {مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} أي من فرط رحمتك عليهما فمن ابتدائية على سبيل التعليل، قال في «الكشف» ولا يحتمل البيان حتى يقال لو كان كذا لرجعت الاستعارة إلى التشبيه إذ جناح الذل ليس من الرحمة أبداً بل خفض جناح الذل جاز أن يقال إنه رحمة وهذا بين، واستفادة المبالغة من جعل جنس الرحمة مبدأ للتذلل فإنه لا ينشأ إلا من رحمة تامة، وقيل من كون التعريف للاستغراق وليس بذاك، وإنما احتاجا إلى ذلك لافتقارهما إلى من كان أفقر الخلق إليهما واحتياج المرء إلى من كان محتاجاً إليه غاية الضراعة والمسكنة فيحتاج إلى أشد رحمة، ولله تعالى در الخفاجي حيث يقول:شعر : يا من أتى يسأل عن فاقتي ما حال من يسأل من سائله ما ذلة السلطان إلا إذا أصبح محتاجاً إلى عامله تفسير : {وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا} وادع الله تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية وهي رحمة الآخرة ولا تكتف برحمتك الفانية وهي ما تضمنها الأمر والنهي السالفان. وخصت الرحمة الأخروية بالإرادة لأنها الأعظم المناسب طلبه من العظيم ولأن الرحمة الدنيوية حاصلة عموماً لكل أحد؛ وجوز أن يراد ما يعم الرحمتين. وأياً ما كان فهذه الرحمة التي في الدعاء قيل إنها مخصوصة بالأبوين المسلمين، وقيل عامة منسوخة بآية النهي عن الاستغفار، وقيل عامة ولا نسخ لأن تلك الآية بعد الموت وهذه قبله ومن رحمة الله تعالى لهما أن يهديهما للإيمان فالدعاء بها مستلزم للدعاء به ولا ضير فيه. والقول بالنسخ أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» وأبو داود وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. {كَمَا رَبَّيَانِى} الكاف للتشبيه، والجار والمجرور صفة مصدر مقدر أي رحمة مثل تربيتهما لي أو مثل رحمتهما لي على أن التربية رحمة، وجوز أن يكون لهما الرحمة والتربية معاً وقد ذكر أحدهما في أحد الجانبين والآخر في الآخر كما يلوح به التعرض لعنوان الربوبية في مطلع الدعاء كأنه قيل: رب ارحمهما وربهما كما رحماني وربياني {صَغِيرًا} وفيه بعد. وجوز أن تكون الكاف للتعليل أي لأجل تربيتهما لي وتعقب بأنه مخالف لمعناها المشهور مع إفادة التشبيه ما أفاده التعليل. وقال الطيبـي: إن الكاف لتأكيد الوجود كأنه قيل رب ارحمهما رحمة محققة مكشوفة لا ريب فيها كقوله تعالى: {أية : مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} تفسير : [الذاريات: 23] قال في «الكشف» وهو وجه حسن وأما الحمل على أن (ما) المصدرية جعلت حيناً أي ارحمهما في وقت أحوج ما يكونان إلى الرحمة كوقت رحمتهما عليّ في حال الصغر وأنا كلحم على وضم وليس ذلك إلا في القيامة والرحمة هي الجنة والبت بأن هذا هو التحقيق فليت شعري ألاستقامة وجهه في العربية ارتضاه أم لطباقه للمقام وفخامة معناه اهـ وهو كما أشار إليه ليس بشيء يعول عليه. والظاهر أن الأمر للوجوب فيجب على الولد أن يدعو لوالديه بالرحمة، ومقتضى عدم إفادة الأمر التكرار أنه يكفي في الامتثال مرة واحدة، وقد سئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه في اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة؟ فقال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في آخر التشهدات كما أن الله تعالى قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ} تفسير : [الأحزاب: 56] فكانوا يرون التشهد يكفي في الصلاة على النبـي صلى الله عليه وسلم وكما قال سبحانه: {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ} تفسير : [البقرة: 203] ثم يكبرون في أدبار الصلاة. هذا وقد بالغ عز وجل في التوصية بهما من وجوه لا تخفى ولو لم يكن سوى أن شفع الإحسان إليهما بتوحيده سبحانه ونظمهما في سلك القضاء بهما معاً لكفى، وقد روى ابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رضا الله تعالى في رضا الوالدين وسخط الله تعالى في سخط الوالدين» تفسير : وصح حديث : أن رجلاً جاء يستأذن النبـي صلى الله عليه وسلم في الجهاد معه فقال: أحي والداك؟ قال: نعم قال: ففيهما فجاهد تفسير : وجاء أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : لو علم الله تعالى شيئاً أدنى من الأف لنهى عنه فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار»تفسير : . ورأى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رجلاً يطوف بالكعبة حاملاً أمه على رقبته فقال: يا ابن عمر أتراني جزيتها؟ قال: لا ولا بطلقة واحدة ولكنك أحسنت والله تعالى يثيبك على القليل كثيراً. / وروى مسلم وغيره «حديث : لا يجزى ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه» تفسير : وروى البيهقي في «الدلائل». والطبراني في «الأوسط» و«الصغير» بسند فيه من لا يعرف عن جابر قال: حديث : جاء رجل إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أبـي أخذ مالي فقال النبـي عليه الصلاة والسلام: «فاذهب فأتني بأبيك فنزل جبريل عليه السلام على النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول: إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه فلما جاء الشيخ قال له النبـي صلى الله عليه وسلم: «ما بال ابنك يشكوك تريد أن تأخذ ماله؟ قال: سله يا رسول الله هل أنفقته إلا على عماته وخالاته أو على نفسي فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: ايه دعنا من هذا أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما يزال الله تعالى يزيدنا بك يقيناً لقد قلت في نفسي شيئاً ما سمعته أذناي فقال: قل وأنا أسمع فقال: قلت: شعر : غذوتك مولوداً ومنتك يافعاً تعل بما أجني عليك وتنهل إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهراً أتملل كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيني تهمل تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقت مؤجل فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيها أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل تراه معداً للخلاف كأنه برد على أهل الصواب موكل حديث : قال: فحينئذٍ أخذ النبـي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال: «أنت ومالك لأبيك» تفسير : . والأم مقدمة في البر على الأب فقد روى الشيخان حديث : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أبوك»تفسير : ولا يختص البر بالحياة بل يكون بعد الموت أيضاً. فقد روى ابن ماجه «حديث : يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإيفاء عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما» تفسير : ورواه ابن حبان في «صحيحه» بزيادة «قال الرجل: ما أكثر هذا يا رسول الله وأطيبه قال: فاعمل به». وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله تعالى باراًتفسير : . وأخرج عن الأوزاعي قال: بلغني أن من عق والديه في حياتهما ثم قضى ديناً إن كان عليهما واستغفر لهما ولم يستسب لهما كتب باراً ومن بر والديه في حياتهما ثم لم يقض ديناً إن كان عليهما ولم يستغفر لهما واستسب لهما كتب عاقاً» وأخرج هو أيضاً وابن أبـي الدنيا عن محمد بن النعمان يرفعه إلى النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب براً»تفسير : . وروى مسلم أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لقيه رجل بطريق مكة فسلم عليه ابن عمر وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه فقال ابن دينار فقلت له: أصلحك الله تعالى إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير فقال: إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن من أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه»تفسير : . / وأخرج ابن حبان في «صحيحه» عن أبـي بردة رضي الله تعالى عنه قال: قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لم أتيتك؟ قال: قلت لا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده» تفسير : وإنه كان بين أبـي عمر وبين أبيك إخاء وود فأحببت أن أصل ذلك. وقد ورد في فضل البر ما لا يحصى كثرة من الأحاديث، وصح عد العقوق من أكبر الكبائر وكونه منها هو ما اتفقوا عليه وظاهر كلام الأكثرين بل صريحه أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الوالدان كافرين وإن يكونا مسلمين، والتقييد بالمسلمين في الحديث الحسن حديث : أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر فقال: تسع أعظمهن الإشراك وقتل النفس المؤمنة بغير حق والفرار من الزحف وقذف المحصنة والسحر وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين المسلمينتفسير : ، إما لأن عقوقهما أقبح والكلام هناك في ذكر الأعظم على أحد التقديرين في عطف وقتل المؤمن وما بعده وإما لأنهما ذكرا للغالب كما في نظائر أخر. وللحليمي هٰهنا تفصيل مبني على رأي له ضعيف وهو أن العقوق كبيرة فإن كان معه نحو سب ففاحشة وإن كان عقوقه هو استثقاله لأمرهما ونهيهما والعبوس في وجوههما والتبرم بهما مع بذل الطاعة ولزوم الصمت فصغيرة فإن كان ما يأتيه من ذلك يلجئهما إلى أن ينقبضا فيتركا أمره ونهيه ويلحقهما من ذلك ضرر فكبيرة. وبينهم في حد العقوق خلاف ففي «فتاوى البلقيني» مسألة قد ابتلى الناس بها واحتيج إلى بسط الكلام عليها وإلى تفاريعها ليحصل المقصود في ضمن ذلك وهي السؤال عن ضابط الحد الذي يعرف به عقوق الوالدين إذ الإحالة على العرف من غير مثال لا يحصل المقصود إذ الناس تحملهم أغراضهم على أن يجعلوا ما ليس بعرف عرفاً فلا بد من مثال ينسج على منواله وهو أنه مثلاً لو كان له على أبيه حق شرعي فاختار أن يرفعه إلى الحاكم ليأخذ حقه منه ولو حبسه فهل يكون ذلك عقوقاً أَو لا؟ أجاب هذا الموضع قال فيه بعض الأكابر: إنه يعسر ضبطه وقد فتح الله تعالى بضابط أرجو من فضل الفتاح العليم أن يكون حسناً فأقول: العقوق لأحد الوالدين هو أن يؤذيه بما لو فعله مع غيره كان محرماً من جملة الصغائر فينتقل بالنسبة إليه إلى الكبائر أو أن يخالف أمره أو نهيه فيما يدخل منه الخوف على الولد من فوت نفسه أو عضو من أعضائه ما لم يتهم الوالد في ذلك أو أن يخالفه في سفر يشق على الوالد وليس بفرض على الولد أو في غيبة طويلة فيما ليس بعلم نافع ولا كسب فيه أو فيه وقيعة في العرض لها وقع. وبيان هذا الضابط أن قولنا: أن يؤذي الولد أحد والديه بما لو فعله مع غير والديه كان محرماً فمثاله لو شتم غير أحد والديه أو ضربه بحيث لا ينتهي الشتم أو الضرب إلى الكبيرة فإنه يكون المحرم المذكور إذا فعله الولد مع أحد والديه كبيرة، وخرج بقولنا: أن يؤذى ما لو أخذ فلساً أو شيئاً يسيراً من مال أحد والديه فإنه لا يكون كبيرة وإن كان لو أخذه من مال غير والديه بغير طريق معتبراً كان حراما لأن أحد الوالدين لا يتأذى بمثل ذلك لما عنده من الشفقة والحنو فإن أخذ مالاً كثيراً بحيث يتأذى المأخوذ منه من الوالدين بذلك فإنه يكون كبيرة في حق الأجنبـي فكذلك هنا لكن الضابط فيما يكون حراماً صغيرة بالنسبة إلى غير الوالدين، وخرج بقولنا: ما لو فعله مع غير أحد الوالدين كان محرماً نحو ما إذا طالب بدين فإن هذا لا يكون عقوقاً لأنه إذا فعله مع غير الوالدين لا يكون محرماً فافهم ذلك فإنه من النفائس. وأما الحبس فإن فرعناه على جواز حبس الوالد بدين الولد كما صححه جماعة فقد طلب ما هو جائز فلا عقوق وإن فرعنا على منع حبسه المصحح عند آخرين / فالحاكم إذا كان معتقده ذلك لا يجيب إليه ولا يكون الولد بطلب ذلك عاقاً إذا كان معتقداً الوجه الأول فإن اعتقد المنع وأقدم عليه كان كما لو طلب حبس من لا يجوز حبسه من الأجانب لإعسار ونحوه فإذا حبسه الولد واعتقاده المنع كان عاقاً لأنه لو فعله مع غير والده حيث لا يجوز كان حراماً، وأما مجرد الشكوى الجائزة والطلب الجائز فليس من العقوق في شيء، وقد شكا بعض ولد الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينهه عليه الصلاة والسلام وهو الذي لا يقر على باطل. وأما إذا نهر أحد والديه فإنه إذا فعل ذلك مع غير الوالدين وكان محرماً كان في حق أحد الوالدين كبيرة وإن لم يكن محرماً، وكذا أف فإن ذلك يكون صغيرة في حق أحد الوالدين ولا يلزم من النهي عنهما والحال ما ذكر أن يكونا من الكبائر؛ وقولنا أو أن يخالف أمره ونهيه فيما يدخل منه الخوف الخ أردنا به السفر للجهاد ونحوه من الأسفار الخطرة لما يخاف من فوات نفس الولد أو عضو من أعضائه لشدة تفجع الوالدين على ذلك، وقد ثبت حديث : عن النبـي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو في الرجل الذي جاء يستأذن النبـي صلى الله عليه وسلم للجهاد أنه عليه الصلاة والسلام قال له: أحي والداك؟ قال: نعم قال: ففيهما فجاهدتفسير : ، وفي رواية حديث : ارجع إليهما ففيهما المجاهدةتفسير : ، وفي أخرى حديث : جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال: ارجع فاضحكهما كما أبكيتهماتفسير : ، وفي إسناده عطاء بن السائب لكن من رواية سفيان عنه. وروى أبو سعيد الخدري حديث : أن رجلاً هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي قال: أذنا لك قال: لا قال: فارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهماتفسير : . ورواه أبو داود وفي إسناده من اختلف في توثيقه. وقولنا: ما لم يتهم الوالد في ذلك أخرجنا به ما لو كان الوالد كافراً فإنه لا يحتاج الولد إلى إذنه في الجهاد ونحوه. وحيث اعتبرنا إذن الوالد فلا فرق بين أن يكون حراً أو عبداً، وقولنا: أو أن يخالفه في سفر الخ أردنا به السفر لحج التطوع حيث كان فيه مشقة وأخرجنا بذلك حج الفرض وإذا كان فيه ركوب البحر يجب ركوبه عند غلبة السلامة فظاهر الفقه أنه لا يجب الاستئذان ولو قيل بوجوبه لما عند الوالد من الخوف في ركوب البحر وإن غلبت السلامة لم يكن بعيداً، وأما سفره للعلم المتعين أو لفرض الكفاية فلا منع منه وإن كان يمكنه التعلم في بلده خلافاً لمن اشترط ذلك لأنه قد يتوقع في السفر فراغ قلب وإرشاد أستاذ ونحو ذلك فإن لم يتوقع شيئاً من ذلك احتاج إلى الاستئذان وحيث وجبت النفقة للوالد على الولد وكان في سفره تضييع للواجب فللوالد المنع، وأما إذا كان الولد بسفره يحصل وقيعة في العرض لها وقع بأن يكون أمرد ويخاف من سفره تهمة فإنه يمنع من ذلك وذلك في الأنثى أولى، وأما مخالفة أمره ونهيه فيما لا يدخل على الولد فيه ضرر بالكلية وإنما هو مجرد إرشاد للولد فلا تكون عقوقاً وعدم المخالفة أولى اهـ كلام البلقيني. وذكر بعض المحققين: أن العقوق فعل ما يحصل منه لهما أو لأحدهما إيذاء ليس بالهين عرفاً ويحتمل أن العبرة بالمتأذي لكن لو كان الوالد مثلاً في غاية الحمق أو سفاهة العقل فأمر أو نهى ولده بما لا يعد مخالفته فيه في العرف عقوقاً لا يفسق ولده بمخالفته حينئذٍ لعذره وعليه فلو كان متزوجاً بمن يحبها فأمره بطلاقها ولو لعدم عفتها فلم يمتثل لأمره لا إثم عليه، نعم الأفضل طلاقها امتثالاً لأمر والده، فقد روى ابن حبان في «صحيحيه» أن رجلاً أتى أبا الدرداء فقال: إن أبـي لم يزل بـي حتى زوجني امرأة وإنه الآن يأمرني بفراقها قال: ما أنا بالذي آمرك أن تعق والديك ولا بالذي آمرك أن تطلق زوجتك غير أنك إن شئت حدثتك بما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: «حديث : الوالد أوسط أبواب الجنة» تفسير : فحافظ / على ذلك إن شئت أو دع. وروى أصحاب «السنن الأربعة» وابن حبان في «صحيحه» وقال الترمذي حديث حسن صحيح حديث : عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان تحتي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها فقال لي طلقها فأبيت فأَتى عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طلقهاتفسير : ، وكذا سائر أوامره التي لا حامل لها إلا ضعف عقله وسفاهة رأيه ولو عرضت على أرباب العقول لعدوها متساهلاً فيها ولرأوا أنه لا إيذاء بمخالفتها ثم قال: هذا هو الذي يتجه في تقرير الحد. وتعقب ما نقل عن البلقيني بأن تخصيصه العقوق بفعل المحرم الصغيرة بالنسبة للغير فيه وقفة بل ينبغي أن المدار على ما ذكر من أنه لو فعل معه ما يتأذى به تأذياً ليس بالهين عرفاً كان كبيرة وإن لم يكن محرماً لو فعله مع الغير كأن يلقاه فيقطب في وجهه أو يقدم عليه في ملأ فلا يقوم إليه ولا يعبأ به ونحو ذلك مما يقضي أهل العقل والمروءة من أهل العرف بأنه مؤذ إيذاءً عظيماً فتأمل. ثم إن السبب في تعظيم أمر الوالدين أنهما السبب الظاهري في إيجاده وتعيشه ولا يكاد تكون نعمة أحد من الخلق على الولد كنعمة الوالدين عليه. لا يقال عليه: إن الوالدين إنما طلبا تحصيل اللذة لأنفسهما فلزم منه دخول الولد في الوجود ودخوله في عالم الآفات والمخافات فأي إنعام لهما عليه، وقد حكى أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للموت والفقر والعمى والزمانة، وقيل لأبـي العلاء المعري ولم يكن ذا ولد: ما نكتب على قبرك فقال: اكتبوا عليه:شعر : هذا جناه أبـي علي وما جنيت على أحد تفسير : وقال في ترك التزوج وعدم الولد: شعر : وتركت فيهم نعمة العدم التي سبقت وصدت عن نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لنالوا شدة ترمي بهم في موبقات الآجل تفسير : وقال ابن رشيق:شعر : قبح الله لذة لشقانا نالها الأمهات والآباء نحن لولا الوجود لم نألم الفقـ ـد فإيجادنا علينا بلاء تفسير : وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منة عليك أم والدك؟ فقال: الأستاذ أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي حتى أوقفني على نور العلم وأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى عالم الكون والفساد لأنا نقول: هب أنه في أول الأمر كان المطلوب لذة الوقاع إلا أن الاهتمام بإيصال الخيرات ودفع الآفات من أول دخول الولد في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر أعظم من جميع ما يتخيل من جهات الخيرات والمبرات، وقد يقال: لو كان الإدخال في عالم الكون والفساد والتعريض للأكدار والأنكاد دافعاً لحق الوالدين لزم أن يكون دافعاً لحق الله تعالى لأنه سبحانه الفاعل الحقيقي، وأيضاً يعارض ذلك التعريض التعريض للنعيم المقيم والثواب العظيم كما لا يخفى على ذي العقل السليم، ولعمري أن إنكار حقهما إنكار لأجلى الأمور ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
د. أسعد حومد
تفسير : (24) - وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى الأَبْنَاءَ بِالتَّوَاضُعِ لِلأَبَوَيْنِ فِي تَصَرُّفِهِمْ مَعَهَمُا، حَتَّى يَبْدُو الأَبْنَاءُ وَكَأَنَّهُمْ أَذِلاَّءُ مِنْ شِدَّةِ الرَّحْمَةِ، لاَ يَرُدُّونَ لَهُمَا طَلَباً، وَلاَ يَرْفُضُونَ لَهُمَا أَمْراً. ثُمَّ أَمْرَ الأَبْنَاءَ بِالدُّعَاءِ لِلأَبَوَيْنِ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمَا، جَزَاءَ مَا احْتَمَلاَه فِي تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ مِنْ عَنَاءٍ وَمَشَقَّةٍ وَعَنَتٍ. (وَفِي الحَدِيثِ: حديث : مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ دَخَلَ النَّارَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللهُ وَأَسْحَقَهْتفسير : ). (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {وَٱخْفِضْ}: الخفْض ضد الرّفْع. {جَنَاحَ ٱلذُّلِّ}: الطائر معروف أنه يرفع جناحه ويُرفْرِف به، إنْ أراد أن يطير، ويخفضه إنْ أراد أن يحنوَ على صغاره، ويحتضنهم ويغذيهم. وهذه صورة مُحسَّة لنا، يدعونا الحق سبحانه وتعالى أن نقتدي بها، وأن نعامل الوالدين هذه المعاملة، فنحنو عليهم، ونخفض لهم الجناح، كنايةً عن الطاعة والحنان والتواضع لهما، وإياك أن تكون كالطائر الذي يرفع جناحيه ليطير بهما مُتعالياً على غيره. وكثيراً ما يُعطينا الشرع الحكيم أمثلة ونماذج للرأفة والرحمة في الطيور، ويجعلها قدوة لنا بني البشر. والذي يرى الطائر يحتضن صغاره تحت جناحه، ويزقّهم الغذاء يرى عجباً، فالصغار لا يقدرون على مضغ الطعام وتكسيره، وليس لديهم اللعاب الذي يساعدهم على أنْ يزدردوا الطعام فيقوم الوالدان بهذه المهمة، ثم يناولانهم غذاءهم جاهزاً يسهل بَلْعه، وإنْ تيسر لك رؤية هذا المنظر فسوف ترى الطائر وفراخه يتراقصون فرحة وسعادة. إذن: قوله تعالى: {جَنَاحَ ٱلذُّلِّ ..} [الإسراء: 24]. كناية عن الخضوع والتواضع، والذُّل قد يأتي بمعنى القهر والغلبة، وقد يأتي بمعنى العطف والرحمة، يقول تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ..}تفسير : [المائدة: 54]. فلو كانت الذلّة هنا بمعنى القهر لقال: أذلة للمؤمنين، ولكن المعنى: عطوفين على المؤمنين. وفي المقابل {أية : أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ..}تفسير : [المائدة: 54]. أي: أقوياء عليهم قاهرين لهم. وفي آية أخرى يقول تعالى: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ..}تفسير : [الفتح: 29]. لأن الخالق سبحانه لم يخلق الإنسان رحيماً على الإطلاق ولا شديداً على الإطلاق، بل خلق في المؤمن مرونة تمكِّنه أن يتكيف تبعاً للمواقف التي يمر بها، فإنْ كان على الكافر كان عزيزاً، وإنْ كان على المؤمن كان ذليلاً متواضعاً. ونرى وضوحَ هذه القضية في سيرة الصِّديق أبي بكر والفاروق عمر رضي الله عنهما، وقد عُرِف عن الصِّديق اللين ورِقَّة القلب والرحمة، وعُرِف عن عمر الشدة في الحق والشجاعة والقوة، فكان عمر كثيراً ما يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تصادم بأحد المعاندين: "إئذن لي يا رسول الله أضرب عنقه". وعندما حدثت حروب الردة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان لكل منهما موقف مغاير لطبيعته، فكان مِنْ رأي عمر ألاّ يحاربهم في هذه الفترة الحرجة من عمر الدعوة، في حين رأى الصديق محاربتهم والأخْذ على أيديهم بشدة حتى يعودوا إلى ساحة الإسلام، ويُذعنوا لأمر الله تعالى فقال: "والله، لو منعوني عقالاً كانوا يُؤدُّونه لرسول الله لجالدتهم عليه بالسيف، والله لو لم يَبْق إلا الزرع". وقد جاء هذا الموقف من الصِّديق والفاروق لحكمة عالية، فلو قال عمر مقالة أبي بكر لكان شيئاً طبيعياً يُنْسب إلى شدة عمر وجرأته، لكنه أتى من صاحب القلب الرحيم الصِّديق - رضي الله عنه - ليعرف الجميع أن الأمر ليس للشدة لذاتها، ولكن للحفاظ على الدين والدفاع عنه. وكأن الموقف هو الذي صنع أبا بكر، وتطلب منه هذه الشدة التي تغلبت على طابع اللين السائد في أخلاقه. فيقول تعالى: {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ ..} [الإسراء: 24]. إذن: الذلَّة هنا ذِلَّة تواضع ورحمة بالوالدين، ولكن رحمتك أنت لا تكفي، فعليك أن تطلب لهما الرحمة الكبرى من الله تعالى: {وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ..} [الإسراء: 24]. لأن رحمتك بهما لا تَفِيِ بما قدّموه لك، ولا ترد لهما الجميل، وليس البادىء كالمكافىء، فهم أحسنوا إليك بداية وأنت أحسنتَ إليهما ردّاً؛ لذلك ادْعُ الله أنْ يرحمهما، وأنْ يتكفل سبحانه عنك برد الجميل، وأن يرحمهما رحمة تكافىء إحسانهما إليك. وقوله تعالى: {كَمَا رَبَّيَانِي ..} [الإسراء: 24]. كما: قد تفيد التشبيه، فيكون المعنى: ارحمهما رحمة مثل رحمتهما بي حين ربياني صغيراً. أو تفيد التعليل: أي ارحمهما لأنهما ربياني صغيراً، كما قال تعالى: {أية : وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ..}تفسير : [البقرة: 198]. و {رَبَّيَانِي} هذه الكلمة أدخلت كل مُربٍّ للإنسان في هذا الحكم، وإنْ لم يكُنْ من الوالدين، لأن الولد قد يُربّيه غير والديه لأيِّ ظرف من الظروف، والحكم يدور مع العلة وجوداً وعَدماً، فإنْ ربّاك غير والديك فلهما ما للوالدين من البرِّ والإحسان وحُسْن المعاملة والدعاء. وهذه بشرى لمن رَبَّى غير ولده، ولا سيما إنْ كان المربَّى يتيماً، أو في حكم اليتيم. وفي: {رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 24] اعتراف من الابن بما للوالدين من فضل عليه وجميل يستحق الرد. وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه في تذييل هذا الحكم بقضية تشترك فيها معاملة الابن لأبويه مع معاملته لربه عز وجل، فيقول تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 510 : 12 : 24 - سفين عن هشام بن عروة عن أبيه في قوله {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} قال، لا تمتنع من شيء أحبّاه. [الآية 24]. 511 : 13 : 25 - سفين عن معاوية بن إسحاق عن عروة بن الزبير، ما بر والده من شد الطرف اليه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):