Verse. 2054 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

رَبُّكُمْ اَعْلَمُ بِمَا فِيْ نُفُوْسِكُمْ۝۰ۭ اِنْ تَكُوْنُوْا صٰلِحِيْنَ فَاِنَّہٗ كَانَ لِلْاَوَّابِيْنَ غَفُوْرًا۝۲۵
Rabbukum aAAlamu bima fee nufoosikum in takoonoo saliheena fainnahu kana lilawwabeena ghafooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ربكم أعلم بما في نفوسكم» من إضمار البر والعقوق «إن تكونوا صالحين» طائعين لله «فإنه كان للأوابين» الرجّاعين إلى طاعته «غفورا» لما صدر منهم في حق الوالدين من بادرة وهم لا يضمرون عقوقا.

25

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} أي من اعتقاد الرحمة بهما والحنوّ عليهما، أو من غير ذلك من العقوق، أو من جعل ظاهر برّهما رياء. وقال ابن جُبير: يريد البادرة التي تبذر، كالفَلْتة والزَّلة، تكون من الرجل إلى أبويه أو أحدهما، لا يريد بذلك بأساً؛ قال الله تعالى: {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ} أي صادقين في نية البرّ بالوالدين فإن الله يغفر البادرة. وقوله: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} وعد بالغفران مع شرط الصلاح والأَوبة بعد الأوبة إلى طاعة الله سبحانه وتعالى. قال سعيد بن المسيّب: هو العبد يتوب ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب. وقال ابن عباس رضي الله عنه: الأوّاب: الحفيظ الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها. وقال عُبيد بن عُمير: هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء ثم يستغفرون الله عز وجل. وهذه الأقوال متقاربة. وقال عَوْن العُقَيْليّ: الأوّابون هم الذين يصلون صلاة الضحا. وفي الصحيح: «حديث : صلاة الأوّابين حين تَرْمَضُ الفِصال».تفسير : وحقيقة اللفظ أنه من آب يؤوب إذا رجع.

البيضاوي

تفسير : {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ } من قصد البر إليهما واعتقاد ما يجب لهما من التوقير، وكأنه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالاً. {إِن تَكُونُواْ صَـٰلِحِينَ} قاصدين للصلاح. {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ} للتوابين. {غَفُوراً} ما فرط منهم عند حرج الصدر من أذية أو تقصير، وفيه تشديد عظيم، ويجوز أن يكون عاماً لكل تائب، ويندرج فيه الجاني على أبويه التائب من جنايته لوروده على أثره.

ابن كثير

تفسير : قال سعيد بن جبير: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه، وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به، وفي رواية: لا يريد إلا الخير بذلك، فقال: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَـٰلِحِينَ}. وقوله: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} قال قتادة: للمطيعين أهل الصلاة، وعن ابن عباس: المسبحين، وفي رواية عنه: المطيعين المحسنين، وقال بعضهم: هم الذين يصلون بين العشاءين، وقال بعضهم: هم الذين يصلون الضحى. وقال شعبة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في قوله: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} قال: الذين يصيبون الذنب ثم يتوبون، ويصيبون الذنب ثم يتوبون، وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري ومعمر عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب بنحوه، وكذا رواه الليث وابن جرير عن ابن المسيب به. وقال عطاء بن يسار بن جبير ومجاهد: هم الراجعون إلى الخير. وقال مجاهد عن عبيد بن عمير في الآية: هو الذي إذا ذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر الله منها، ووافقه مجاهد في ذلك. وقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير في قوله: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} قال: كنا نعد الأواب الحفيظ أن يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا. وقال ابن جرير: والأولى في ذلك قول من قال: هو التائب من الذنب، الراجع من المعصية إلى الطاعة، مما يكره الله إلى ما يحبه ويرضاه، وهذا الذي قاله هو الصواب، لأن الأواب مشتق من الأوب، وهو الرجوع، يقال: آب فلان إذا رجع، قال تعالى: {أية : إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ } تفسير : [الغاشية: 25] وفي الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رجع من سفر قال: «حديث : آيبون تائبون، عابدون لربنا حامدون».

المحلي و السيوطي

تفسير : {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ } من إضمار البرّ والعقوق {إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ } طائعين لله {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ } الراجعين إلى طاعته {غَفُوراً } لما صدر منهم في حق الوالدين من بادرة وهم لا يضمرون عقوقا.

الشوكاني

تفسير : قوله: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ } أي: بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات، ومن التوبة من الذنب الذي فرط منكم أو الإصرار عليه، ويندرج تحت هذا العموم ما في النفس من البرّ والعقوق اندراجاً أوّلياً؛ وقيل: إن الآية خاصة بما يجب للأبوين من البرّ، ويحرم على الأولاد من العقوق، والأوّل أولى اعتباراً بعموم اللفظ، فلا تخصصه دلالة السياق ولا تقيده {إِن تَكُونُواْ صَـٰلِحِينَ } قاصدين الصلاح، والتوبة من الذنب، والإخلاص للطاعة فلا يضركم ما وقع من الذنب الذي تبتم عنه. {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً } أي: الرجاعين عن الذنوب إلى التوبة، وعن عدم الإخلاص إلى محض الإخلاص. غفوراً لما فرط منهم من قول أو فعل أو اعتقاد، فمن تاب تاب الله عليه، ومن رجع إلى الله رجع الله إليه. ثم ذكر سبحانه التوصية بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال: {وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ } والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم تهييجاً وإلهاباً لغيره من الأمة، أو لكل من هو صالح لذلك من المكلفين كما في قوله: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ } تفسير : [الإسراء: 23] والمراد بذي القربى: ذو القرابة، وحقهم هو صلة الرحم التي أمر الله بها، وكرّر التوصية فيها. والخلاف بين أهل العلم في وجوب النفقة للقرابة، أو لبعضهم كالوالدين على الأولاد. والأولاد على الوالدين معروف، والذي ينبغي الاعتماد عليه وجوب صلتهم بما تبلغ إليه القدرة وحسبما يقتضيه الحال {وَٱلْمَسَـٰكِين} معطوف على {ذا القربى}، وفي هذا العطف دليل على أن المراد بالحق الحق المالي {وَٱبْن ٱلسَّبِيلِ } معطوف على المسكين، والمعنى: وآت من اتصف بالمسكنة، أو بكونه من أبناء السبيل حقه. وقد تقدّم بيان حقيقة المسكين وابن السبيل في البقرة، وفي التوبة، والمراد في هذه الآية التصدّق عليهما بما بلغت إليه القدرة من صدقة النفل، أو مما فرضه الله لهما من صدقة الفرض، فإنهما من الأصناف الثمانية التي هي مصرف الزكاة. ثم لما أمر سبحانه بما أمر به ها هنا، نهى عن التبذير فقال: {وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا } التبذير: تفريق المال كما يفرّق البذر كيفما كان من غير تعمد لمواقعه، وهو الإسراف المذموم لمجاوزته للحدّ المستحسن شرعاً في الإنفاق، أو هو الإنفاق في غير الحق، وإن كان يسيراً. قال الشافعي: التبذير: إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير. قال القرطبيّ بعد حكايته القول الشافعي هذا: وهذا قول الجمهور. قال أشهب عن مالك: التبذير هو أخذ المال من حقه، ووضعه في غير حقه، وهو الإسراف، وهو حرام لقوله: {إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ } فإن هذه الجملة تعليل للنهي عن التبذير، والمراد بالأخوة الممائلة التامة، وتجنب مماثلة الشيطان ولو في خصلة واحدة من خصاله واجب، فكيف فيما هو أعمّ من ذلك كما يدلّ عليه إطلاق المماثلة، والإسراف في الإنفاق من عمل الشيطان، فإذا فعله أحد من بني آدم فقد أطاع الشيطان واقتدى به {وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبّهِ كَفُورًا } أي: كثير الكفران عظيم التمرّد عن الحق، لأنه مع كفره لا يعمل إلاّ شراً، ولا يأمر إلاّ بعمل الشرّ، ولا يوسوس إلاّ بما لا خير فيه. وفي هذه الآية تسجيل على المبذرين بمماثلة الشياطين، ثم التسجيل على جنس الشيطان بأنه كفور، فاقتضى ذلك أن المنذر مماثل للشيطان، وكل مماثل للشيطان له حكم الشيطان، وكل شيطان كفور، فالمبذر كفور. {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ } قد تقدّم قريباً أن أصل «إما» هذه مركب من "إن" الشرطية و"ما" الإبهامية، وأن دخول نون التأكيد على الشرط لمشابهته للنهي؛ أي: إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل لأمر اضطرك إلى ذلك الإعراض {ٱبْتِغَاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ } أي لفقد رزق من ربك، ولكنه أقام المسبب الذي هو ابتغاء رحمة الله مقام السبب الذي هو فقد الرزق، لأن فاقد الرزق مبتغٍ له، والمعنى: وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح الله به عليك {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا } أي: قولاً سهلاً ليناً كالوعد الجميل أو الاعتذار المقبول. قال الكسائي: يسرت له القول أي: لينته. قال الفراء: معنى الآية إن تعرض عن السائل إضاقة وإعساراً {فقل لهم قولاً ميسوراً}: عدهم عدة حسنة. ويجوز أن يكون المعنى: وإن تعرض عنهم ولم تنفعهم لعدم استطاعتك فقل لهم قولاً ميسوراً، وليس المراد هنا الإعراض بالوجه. وفي هذه الآية تأديب من الله سبحانه لعباده إذا سألهم سائل ما ليس عندهم كيف يقولون. ربما يردّون، ولقد أحسن من قال:شعر : إنْ لا يَكُنْ وَرِقٌ يَوْماً أَجُوُد بِها لِلسَائِلين فإنِّي لينّ العُودِ لا يَعْدم السَائِلوُنَ الخْيرَ مِنْ خُلِقي إمَّا نَوالٌ وإمَّا حُسنُ مَرْدُودِ تفسير : لما ذكر سبحانه أدب المنع بعد النهي عن التبذير بيّن أدب الإنفاق فقال: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ } وهذا النهي يتناول كل مكلف، سواء كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تعريضاً لأمته وتعليماً لهم، أو الخطاب لكل من يصلح له من المكلفين. والمراد: النهي للإنسان بأن يمسك إمساكاً يصير به مضيقاً على نفسه وعلى أهله، ولا يوسع في الإنفاق توسيعاً لا حاجة إليه، بحيث يكون به مسرفاً، فهو نهى عن جانبي الإفراط والتفريط. ويتحصل من ذلك مشروعية التوسط، وهو العدل الذي ندب الله إليه:شعر : ولا تك فيها مُفْرِطاً أو مفَرِّطا كلا طرفي قصد الأمور ذميم تفسير : وقد مثّل الله سبحانه في هذه الآية حال الشحيح بحال من كانت يده مغلولة إلى عنقه، بحيث لا يستطيع التصرّف بها، ومثّل حال من يجاوز الحدّ في التصرف بحال من يبسط يده بسطاً لا يتعلق بسببه فيها شيء مما تقبض الأيدي عليه، وفي هذا التصوير مبالغة بليغة. ثم بيّن سبحانه غائلة الطرفين المنهيّ عنهما فقال: {فَتَقْعُدَ مَلُومًا } عند الناس بسبب ما أنت عليه من الشح {مَّحْسُوراً } بسبب ما فعلته من الإسراف، أي: منقطعاً عن المقاصد بسبب الفقر، والمحسور في الأصل: المنقطع عن السير، من حسره السفر إذا بلغ منه، والبعير الحسير: هو الذي ذهبت قوّته فلا انبعاث به، ومنه قوله تعالى: {أية : يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } تفسير : [الملك: 4]. أي: كليل منقطع؛ وقيل: معناه نادماً على ما سلف، فجعله هذا القائل من الحسرة التي هي الندامة، وفيه نظر، لأن الفاعل من الحسرة: حسران. ولا يقال محسور إلاّ للملوم. ثم سلى رسوله والمؤمنين بأن الذين يرهقهم من الإضافة ليس لهوانهم على الله سبحانه، ولكن لمشيئة الخالق الرازق فقال: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ } أي: يوسعه على بعض ويضيقه على بعض لحكمة بالغة لا لكون من وسع له رزقه مكرماً عنده، ومن ضيقه عليه هائناً لديه. قيل: ويجوز أن يراد أن البسط والقبض إنما هما من أمر الله الذي لا تفنى خزائنه. فأما عباده فعليهم أن يقتصدوا. ثم علل ما ذكره من البسط للبعض والتضييق على البعض بقوله: {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } أي: يعلم ما يسرون وما يعلنون، لا يخفى عليه من ذلك خافية، فهو الخبير بأحوالهم، البصير بكيفية تدبيرهم في أرزاقهم، وفي هذه الآية دليل على أنه المتكفل بأرزاق عباده، فلذلك قال بعدها: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ } أملق الرجل: لم يبق له إلاّ الملقات، وهي الحجارة العظام الملس، قال الهذلي يصف صائداً:شعر : أتيح لها أقيدر ذو خشيف إذا سامت على الملقات ساما تفسير : الأقيدر تصغير الأقدر: وهو الرجل القصير، والخشيف من الثياب: الخلق، وسامت: مرّت، ويقال: أملق: إذا افتقر وسلب الدهر ما بيده. قال أوس:شعر : وأملق ما عندي خطوب تنبل تفسير : نهاهم الله سبحانه عن أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر، وقد كانوا يفعلون ذلك، ثم بيّن لهم أن خوفهم من الفقر حتى يبلغوا بسبب ذلك إلى قتل الأولاد لا وجه له، فإن الله سبحانه هو الرازق لعباده، يرزق الأبناء كما يرزق الآباء، فقال: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } ولستم لهم برازقين حتى تصنعوا بهم هذا الصنع، وقد مرّ مثل هذه الآية في الأنعام ثم علل سبحانه النهي عن قتل الأولاد لذلك بقوله: {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا }. قرأ الجمهور بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمز المقصور. وقرأ ابن عامر (خطأ) بفتح الخاء والطاء والقصر في الهمز، يقال: خطىء في دينه خطئاً: إذا أثم، وأخطأ: إذا سلك سبيل خطأً عامداً أو غير عامد. قال الأزهري، خطىء يخطأ خطئاً، مثل: أثم يأثم إثماً، إذا تعمد الخطأ، وأخطأ: إذا لم يتعمد إخطاء وخطأ، قال الشاعر:شعر : دَعِيني إنمَّا خَطْئِي وصَوْبِي عليَّ وأَنَّ مَا أهلكتُ، مالُ تفسير : والخطأ: الاسم يقوم مقام الأخطاء، وفيه لغتان: القصر، وهو الجيد، والمدّ وهو قليل. وقرأ ابن كثير بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمز. قال النحاس: ولا أعرف لهذه القراءة وجهاً، وكذلك جعلها أبو حاتم غلطاً. وقرأ الحسن (خطا) بفتح الخاء والطاء منوّنة من غير همز. ولما نهى سبحانه عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل، ذكر النهي عن الزنا المفضي إلى ذلك لما فيه من اختلاط الأنساب فقال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ } وفي النهي عن قربانه بمباشرة مقدماته نهي عنه بالأولى، فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراماً كان المتوسل إليه حراماً بفحوى الخطاب، والزنى فيه لغتان: المد، والقصر. قال الشاعر:شعر : كَانَتْ فَرِيضةُ مَا تَقُولُ كَمَا كان الزناء فريضةَ الرَّجْمِ تفسير : ثم علل النهي عن الزنا بقوله: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } أي: قبيحاً متبالغاً في القبح، مجاوزاً للحدّ {وَسَاء سَبِيلاً } أي: بئس طريقاً طريقه، وذلك لأنه يؤدي إلى النار، ولا خلاف في كونه من كبائر الذنوب. وقد ورد في تقبيحه والتنفير عنه من الأدلة ما هو معلوم. ولما فرغ من ذكر النهي عن القتل لخصوص الأولاد، وعن النهي عن الزنا الذي يفضي إلى ما يفضي إليه قتل الأولاد، من اختلاط الأنساب، وعدم استقرارها، نهى عن قتل الأنفس المعصومة على العموم فقال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ }. والمراد بالتي حرّم الله: التي جعلها معصومة بعصمة الدين أو عصمة العهد. والمراد بالحق الذي استثناه: هو ما يباح به قتل الأنفس المعصومة في الأصل، وذلك كالردّة، والزنا من المحصن، وكالقصاص من القاتل عمداً عدواناً، وما يلتحق بذلك. والاستثناء مفرّغ، أي: لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلاّ بسبب متلبس بالحق، أو إلاّ متلبسين بالحق، وقد تقدّم الكلام في هذا في الأنعام. ثم بين حكم بعض المقتولين بغير حق فقال: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا } أي: لا بسبب من الأسباب المسوّغة لقتله شرعاً {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } أي: لمن يلي أمره من ورثته إن كانوا موجودين، أو ممن له سلطان إن لم يكونوا موجودين، والسلطان: التسلط على القاتل، إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية. ثم لما بيّن إباحة القصاص، لمن هو مستحق لدم المقتول، أو ما هو عوض عن القصاص نهاه عن مجاوزة الحدّ فقال: {فَلاَ يُسْرِف فّى ٱلْقَتْلِ } أي: لا يجاوز ما أباحه الله له، فيقتل بالواحد اثنين أو جماعة، أو يمثل بالقاتل أو يعذبه. قرأ الجمهور {لا يسرف} بالياء التحتية، أي: الولي، وقرأ حمزة والكسائي (تسرف) بالتاء الفوقية، وهو خطاب للقاتل الأوّل، ونهي له عن القتل أي: فلا تسرف أيها القاتل بالقتل فإن عليك القصاص مع ما عليك من عقوبة الله وسخطه ولعنته. وقال ابن جرير: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللأئمة من بعده، أي: لا تقتل يا محمد غير القاتل، ولا يفعل ذلك الأئمة بعدك. وفي قراءة أبي: ولا تسرفوا، ثم علل النهي عن السرف فقال: {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } أي: مؤيداً معاناً، يعني: الولي، فإن الله سبحانه قد نصره بإثبات القصاص له بما أبرزه من الحجج، وأوضحه من الأدلة، وأمر أهل الولايات بمعونته والقيام بحقه حتى يستوفيه، ويجوز أن يكون الضمير راجعاً إلى المقتول، أي: إن الله نصره بوليّه، قيل: وهذه الآية من أوّل ما نزل من القرآن في شأن القتل لأنها مكية. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {إِن تَكُونُواْ صَـٰلِحِينَ } قال: تكون البادرة من الولد إلى الوالد، فقال الله: {إِن تَكُونُواْ صَـٰلِحِينَ } إن تكن النية صادقة {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً } للبادرة التي بدرت منه، وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب عنه في قوله: {إِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً } قال: الرجاعين إلى الخير. وأخرج سعيد بن منصور، وهناد، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن الضحاك في الآية، قال: الرجاعين من الذنب إلى التوبة، ومن السيئات إلى الحسنات. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لِلأوَّابِينَ } قال: للمطيعين المحسنين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عنه، قال: للتوابين. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ } قال: أمره بأحقّ الحقوق، وعلمه كيف يصنع إذا كان عنده، وكيف يصنع إذا لم يكن عنده، فقال: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا } قال: إذا سألوك وليس عندك شيء انتظرت رزقاً من الله {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا } يكون إن شاء الله يكون شبه العدة. قال سفيان: والعدة من النبي صلى الله عليه وسلم دين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: هو أن تصل ذا القرابة، وتطعم المسكين، وتحسن إلى ابن السبيل. وأخرج ابن جرير عن علي بن الحسين أنه قال لرجل من أهل الشام: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فما قرأت في بني إسرائيل: {وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ }؟ قال: وإنكم للقرابة التي أمر الله أن يؤتي حقهم؟ قال: نعم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في الآية، قال: والقربى: قربى بني عبد المطلب. وأقول: ليس في السياق ما يفيد هذا التخصيص، ولا دلّ على ذلك دليل، ومعنى النظم القرآني واضح، إن كان الخطاب مع كل من يصلح له من الأمة، لأن معناه أمر كل مكلف متمكن من صلة قرابته بأن يعطيهم حقهم وهو الصلة التي أمر الله بها. وإن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان على وجه التعريض لأمته فالأمر فيه كالأوّل، وإن كان خطاباً له من دون تعريض، فأمته أسوته، فالأمر له صلى الله عليه وسلم بإيتاء ذي القربى حقه، أمر لكل فرد من أفراد أمته، والظاهر أن هذا الخطاب ليس خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم بدليل ما قبل هذه الآية، وهي قوله: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ} تفسير : [الأسراء: 23] وما بعدها، وهي قوله: {وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ }. وفي معنى هذه الآية الدالة على وجوب صلة الرحم أحاديث كثيرة. وأخرج أحمد، والحاكم وصححه عن أنس: أن رجلاً قال: يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ قال: "حديث : تخرج الزكاة المفروضة، فإنها طهرة تطهرك وتصل أقاربك وتعرف حقّ السائل والجار والمسكين"تفسير : ، فقال: يا رسول الله أقلل لي؟ قال: "حديث : فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً"تفسير : . قال: حسبي يا رسول الله. وأخرج البزار، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية {وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها فدك. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت {وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ } أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فدك. قال ابن كثير بعد أن ساق حديث أبي سعيد هذا ما لفظه: وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده، لأن الآية مكية، وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ انتهى. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود في قوله: {وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا } قال: التبذير إنفاق المال في غير حقه. وأخرج ابن جرير عنه قال: كنا - أصحاب محمد - نتحدّث أن التبذير: النفقة في غير حقه. وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في الأدب، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ } قال: هم الذين ينفقون المال في غير حقه. وأخرج البيهقي في الشعب عن عليّ قال: ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء وسمعة فذلك حظ الشيطان. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا } قال: العدة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن يسار أبي الحكم قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برّ من العراق، وكان معطاء كريماً، فقسمه بين الناس، فبلغ ذلك قوماً من العرب، فقالوا: إنا نأتي النبي صلى الله عليه وسلم نسأله، فوجدوه وقد فرغ منه، فأنزل الله {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ } قال: محبوسة {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا } يلومك الناس {مَّحْسُوراً } ليس بيدك شيء. أقول: ولا أدري كيف هذا؟ فالآية مكية، ولم يكن إذ ذاك عرب يقصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحمل إليه شيء من العراق ولا مما هو أقرب منه، على أن فتح العراق لم يكن إلاّ بعد موته صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن المنهال بن عمرو: بعثت امرأة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بابنها فقالت: قل له: اكسني ثوباً، فقال: "ما عندي شيء"، فقالت: ارجع إليه فقل له: اكسني قميصك، فرجع إليه، فنزع قميصه فأعطاها إياه، فنزلت {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً } الآية. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة وضرب بيده: "حديث : أنفقي ما على ظهر كفي"»تفسير : ، قالت: إذن لا يبقى شيء. قال ذلك ثلاث مرات، فأنزل الله {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً } الآية، ويقدح في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يتزوّج بعائشة إلاّ بعد الهجرة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً } قال: يعني بذلك: البخل. وأخرجا عنه في الآية قال: هذا في النفقة، يقول: لا تجعلها مغلولة لا تبسطها بخير، ولا تبسطها كل البسط، يعني: التبذير {فَتَقْعُدَ مَلُومًا }، يلوم نفسه على ما فاته من ماله {مَّحْسُوراً } ذهب ماله كله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ } قال: ينظر له، فإن كان الغنى خيراً له، أغناه، وإن كان الفقر خيراً له، أفقره. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ } قال: مخافة الفقر والفاقة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه في قوله: {خطأ} قال: خطيئة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنا} قال: يوم نزلت هذه الآية لم يكن حدود، فجاءت بعد ذلك الحدود في سورة النور. وأخرج أبو يعلى، وابن مردويه عن أبيّ بن كعب أنه قرأ: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنا إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً إِلاَّ مَن تَابَ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } فذكر لعمر، فأتاه فسأله، فقال: أخذتها من فيّ رسول الله، وليس لك عمل إلاّ الصفق بالبقيع. وقد ورد في الترهيب عن فاحشة الزنا أحاديث كثيرة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن الضحاك في قوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ...} الآية، قال: هذا بمكة ونبي الله صلى الله عليه وسلم بها، وهو أوّل شيء نزل من القرآن في شأن القتل، كان المشركون من أهل مكة يغتالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله: من قتلكم من المشركين، فلا يحملنكم قتله إياكم على أن تقتلوا له أباً أو أخاً أو واحداً من عشيرته وإن كانوا مشركين، فلا تقتلوا إلاّ قاتلكم، وهذا قبل أن تنزل براءة، وقبل أن يؤمر بقتال المشركين، فذلك قوله: {فَلاَ يُسْرِف فّى ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } يقول: لا تقتل غير قاتلك، وهي اليوم على ذلك الموضع من المسلمين لا يحل لهم أن يقتلوا إلاّ قاتلهم. وأخرج البيهقي في سننه عن زيد بن أسلم أن الناس في الجاهلية كانوا إذا قتل الرجل من القوم رجلاً لم يرضوا حتى يقتلوا به رجلاً شريفاً، إذا كان قاتلهم غير شريف لم يقتلوا قاتلهم وقتلوا غيره، فوعظوا في ذلك بقول الله سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ...} إلى قوله: {فَلاَ يُسْرِف فّى ٱلْقَتْلِ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } قال: بينة من الله أنزلها، يطلبها وليّ المقتول، القود أو العقل، وذلك السلطان. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عنه {فَلاَ يُسْرِف فّى ٱلْقَتْلِ } قال: لا يكثر في القتل. وأخرج ابن المنذر من طريق أبي صالح عنه أيضاً: لا يقاتل إلاّ قاتل رحمه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {... إنه كان للأوّابين غفوراً} فيهم خمسة أقاويل: أحدها: أنهم المحسنون، وهذا قول قتادة. والثاني: أنهم الذين يصلّون بين المغرب والعشاء، وهذا قول ابن المنكدر يرفعه. الثالث: هم الذي يصلون الضحى، وهذا قول عون العقيلي. والرابع: أنه الراجع عن ذنبه الذي يتوب، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد. والخامس: أنه الذي يتوب مرة بعد مرة، وكلما أذنب بادر بالتوبة وهذا قول سعيد بن المسيب.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِلأَوَّابِينَ} المسبحون "ع"، أو المطيعون، أو مصلو الضحى، أو المصلون بين المغرب والعشاء، أو التائبون من الذنوب، أو التائب مرة بعد أخرى كلما أذنب بادر التوبة.

ابن عادل

تفسير : قال تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} من برِّ الوالدين وعقوقهما {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ}، أي: إنَّا قد أمرناكم في هذه الآية بإخلاص العبادة لله، وبالإحسان بالوالدين، ولا يخفى على الله ما تضمرونه في أنفسكم من الإخلاص وعدم الإخلاص، فالله تعالى مطلع على ما في نفوسكم. {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ} أي: إن كنتم برآء عن جهة الفساد في أحوال قلوبكم، وكنتم أوَّابين، أي: راجعين إلى الله، فإنَّ حكم الله في الأوَّابين أنَّه غفورٌ لهم، يكفِّر عنهم سيئاتهم. والأوَّابُ: على وزن فعَّال، وهو يفيد المداومة والكثرة؛ كقولهم: قتَّال، وضرَّاب. قال سعيد بن المسيِّب - رحمه الله -: الأوَّاب الذي يذنب، ثم يتوب. وقال سعيد بن جبيرٍ: هو الرجَّاع إلى الخير. وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: هو الرجَّاع إلى الله تعالى فيما ينوبه. وعنه أيضاً قال: هم المسبِّحون؛ لقوله تعالى: {أية : يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} تفسير : [سبأ: 10]. وقال قتادة: المصلُّون. وقيل: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه، لا يريد بذلك الخير، فإنَّه لا يؤخذ به. وقال عونٌ العقيلي: هم الذين يصلُّون صلاة الضحى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أهل قباء، وهُم يُصلُّونَ الضحى، فقال: صلاةُ الأوَّابين إذا رمضت الفصال من الضحى. ورُوِيَ عن ابن عبَّاس أنه قال: إنَّ الملائكةَ لتحفُّ بالذين يصلُّون بين المغرب والعشاء، وهي صلاة الأوَّابين.

ابو السعود

تفسير : {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ} من البر والعقوق {إِن تَكُونُواْ صَـٰلِحِينَ} قاصدين للصلاح والبِرِّ دون العقوقِ والفساد {فَإِنَّهُ} تعالى {كَانَ لِلأَوَّابِينَ} أي الرجّاعين إليه تعالى عما فرَط منهم مما لا يكاد يخلو عنه البشر {غَفُوراً} لما وقع منهم من نوعِ تقصير أو أذيةٍ فعليةٍ أو قولية، وفيه ما لا يخفى من التشديد في الأمر بمراعاة حقوقِهما، ويجوز أن يكون عاماً لكل تائبٍ ويدخُل فيه الجاني على أبويه دخولاً أولياً. {وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ} أي ذا القرابةِ {حَقَّهُ} توصيةٌ بالأقارب إثرَ التوصية ببرّ الوالدين، ولعل المرادَ بهم المحارمُ وبحقهم النفقةُ كما ينبىء عنه قوله تعالى: {وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} فإن المأمورَ به في حقهما المواساةُ الماليةُ لا محالة أي وآتِهما حقَّهما مما كان مفترَضاً بمكةَ بمنزلة الزكاة، وكذا النهيُ عن التبذير وعن الإفراط في القبض والبسْطِ فإن الكلَّ من التصرفات المالية {وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا} نهيٌ عن صرف المال إلى من سواهم ممن لا يستحقه فإن التبذيرَ تفريقٌ في غير موضعه مأخوذٌ من تفريق حباتٍ وإلقائِها كيفما كان من غير تعهّدٍ لمواقعه، لا عن الإكثار في صرفه إليهم وإلا لناسبه الإسرافُ الذي هو تجاوزُ الحدِّ في صرفه، وقد نُهي عنه بقوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَبْسُطْهَا} وكلاهما مذموم.

التستري

تفسير : قوله: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ}[25] أي بما في قلوبكم، لأن القلب يجمع العقل والنفس والهوى. قوله: {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً}[25] قال ابن المسيب: الأواب الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، ويموت على توبته. وقال الحسن: الأواب التائب الذي لا يكون معه وقتان، إنما هو مهيئ للتوبة كل لمحة ولحظة. وحكي عن ضمرة بن حبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من فتح له باب خير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه" تفسير : يعني فليعتبر وقته ولا يؤخر.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} [الآية: 25]. قال أبو عثمان: الأوَّاب الدَّعاء. وقال القاسم: الأوَّاب الرَّجاع إلى الله فى كل أمر من أمور دنياه وآخرته لا يكون له أحد ملجأ، ولا استعانة. وقال بعضهم: الأوَّاب المتبرئ من حوله وقوته. والمتعمد على الله فى كل نازلة.

القشيري

تفسير : إذا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ قلبِ عبدٍ أَمَدَّه بحسن الأمجاد، وأكرمه بجميل الامتداد، ويَسَّر عليه العسيرَ من الأمور، وحفظه عن الشرور، وعطف عليه قلوب الجمهور.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ} بما فى نفوسكم من اجلال الله وتعظيم كبريائه وشهود النعمة على بساط قربه ورؤية العقل مشاهد انوار آياته ومشاهدة الروح ضياء صبح صفاته وسكون السر بنعت الانس الى عظيم سبحات ذاته ونية بذل الوجود لرضاه والصبر والتمكين فى قضائه ان يكونوا صالحين مصلحين للخطرات النفسانية بالانفاس الروحانيّة وتقديس الخليقة بقدس المعرفة والفرار منه اليه بنعت الفناء فيه وذلك قوله {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ} راجعين منه اليه بنعت الخجل بين يديه وطلب مزيد القربة منه فانه غفور لمن اتى اليه بنعت التضرع والبكاء والخشوع والتواضع فى جلال قدره وعظيم كبريائه وفيه نكتة انه سبحانه ذكر النفوس لا القلوب ولا الارواح ولا الاسرار ولا العقول اى هو اعلم بما فى نفوسكم من شرتها وسجيتها المايلة الى الاستكبار والانكار والفرار من الطاعة وهواها الى المعصية لذلك قال ان تكونوا صالحين مايلين عن متابعتها راجعين منها الى الله غفور اى غفورا لمن اتى اليه بتلك الصفة بنعت الندم على ما سلمت من الذنوب طلبا لمشاهدة الغيوب قال ابن عطا افيها ايمانلها ام ليس فيها ايمان ايمان جحود ام ايمان قبول ايمان تقليد ام ايمان حقيقة ومشاهدة قال سهل اى لذنوب من رجع اليه من عبيده غافرا ولهم راحما قال ابو عثمان الادب الدعاء قال بعضهم الاواب المتبرى من حوله وقوته المعتمد على الله فى كل نازلة ثم ذكر سبحانه بعد بر الوالدين برّ اقرباء المعرفة بالحقيقة بعدما فى الآية من رسوم الظواهر ومساكين المريدين وابناء السبيل من المتوسلين بقوله {وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} حقوق هؤلاء تربيتهم فى الطريقة بذكر الحقائق من المعاملات والاحوال والمعارف والكواشف والعلوم الغيبية لهم فذو القربى اخوان المعرفة الذين وصلوا معالى المقامات والمسكين المريد الصادق الذى سكته لطف الله عن طلب غير الله وابن السبيل المحب الصادق فحق العارف نشر الاسرار وحق المسكين ذكر الانوار وحق المحب ذكر شمائل المحبوب زيادة لتمكين العارفين وشوق المحبين ورغبة المريدين وايضا ذو القربى الروح والمسكين العقل وابن السبيل المقلب فحق الروح السماع الطيب والجمال الحسن والطيب والريحان وحق العقل الفكر والتفكر وحق القلب الذكر والتذكر وايضا حق الروح الفراغة وحق العقل الطاعة وحق القلب الاستيناس بالخلوة لطلب المشاهدة والروح ذو القربى لانه كان فى بدو الاول فى القربة والمشاهدة قبل خلق الخلق والمسكين العقل لانه فقير من ادراك حقيقة الوحدانية والقلب ابن السبيل لانه ينقلب فى سبيل الصفات لطلب عرفان الذات.

اسماعيل حقي

تفسير : {ربكم اعلم بما فى نفوسكم} بما فى ضمائركم من قصد البر والتقوى وكأنه تهديد على ان يضمر لهما كراهة واستثقالا {ان تكونوا صالحين} قاصدين الصلاح والبر دون العقوق والفساد {فانه} تعالى {كان للاوابين} اى الرجاعين اليه تعالى مهما فرط منهم مما لا يكاد يخلو عنه البشر {غفورا} لما وقع منهم من نوع تقصير او اذية فعليه او قولية. قال الامام العزالى رحمه الله اكثر العلماء على ان طاعة الوالدين واجبة فى الشبهات ولم تجب فى الحرام المحض لان ترك الشبهة ورع ورضى الوالدين حتم اى واجب. قيل اذا تعذر مراعاة حق الوالدين جميعا بان يتأذى احدهما بمراعاة الآخرة يرجح حق الاب فيما يرجع الى التعظيم والاحترام لان النسب منه ويرجح الحق الام فيما يرجع الى الخدمة والانعام حتى لو دخلا عليه يقوم للاب ولو سألا منه شيئا يبدأ فى الاعطاء بالام كما فى منبع الآداب. قال الفقهاء تقدم الام على الاب فى النفقة اذا لم يكن عند الولد الا كفاية احدهما لكثرة تعبهما عليه وشفقتها وخدمتها ومعاناة المشاق فى حمله ثم وضعه ثم ارضاعه ثم تربيته وخدمته ومعالجة اوساخه وتمريضه وغير ذلك كما فى فتح القريب شعر : جنت سراى ما درانست زير قدمات ما درانست روزى بكن اى خدى مارا جيزى كه رضاى مادرانست حديث : - وشكا - رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم اباه وانه يأخذ ماله فدعا به فاذا شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال انه كان ضعيفا وانا قوى وفقيرا وانا غنى فكنت لا امنعه شيئا من مالى واليوم انا ضعيف وهو قوى وانا فقير وهو غنى ويبخل علىّ بماله فبكى عليه السلام فقال "ما من حجر ولا مدر يسمع هذا الا بكى" ثم قال للولد "انت ومالك لابيك"تفسير : وفى الحديث "حديث : رغم انفه" فقيل من يا رسول الله "قال من ادرك والداه عند الكبر احدهما او كلاهما ثم لم يدخل الجنة"تفسير : يعنى بسبب برهما واحسانهما: وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : لولا انى اخاف تغير الاحوال عليكم بعدى لامرتكم ان تشهدو الاربعة اصناف بالجنة. اولهم امرأة وهبت صداقها من زوجها لاجل الله تعالى وزوجها راض. والثانى ذو عيال كثير يجهد فى المعيشة لاجلهم حتى يطعمهم الحلال. والثالث التائب على ان لا يعود اليه ابدا كاللبن لا يعود الى الثدى. والرابع البار بوالديه"تفسير : ويجب على الابوين ان لا يحملا الولد على العقوق بسوء المعاملة والجفاء ويعيناه على البر - وحكى - عن بعض العرفاء انه قال ان لى ابنا منذ ثلاثين سنة ما امرته بامر مخافة ان يعصينى فيحق عليه العذاب. يقول الفقير فسد الزمان وتغير الاخوان ولنبك على انفسنا من سوء الاخلاق وقد كانت الصحابة رضى الله عنهم وهم يبكون دما من اخلاق النفس فما لنا لا نبكى ونحن منغمسون فى بحر الخطايا والذنوب متورطون فى بئر القبائح والعيون لا انصاف لنا فى حق انفسنا ولا فى حق الغير ونعم ما قال الحافظ حكاية لهذا التغير الناشئ من النفس الامارة بالسوء شعر : هيج رحمى نه برادر به برادر دارد هيج شوقى نه بدررا به بسر مى بينم دخترانرا همه جنكست وجدل بامادر بسرانرا همه بدخواه بدر مى بينم جاهلان راهمه شربت ز كلا بست وعسل قوت دانا همه از قوت جكر مى بينم اسب تازى شدة مجروح بزير بالان طوق زرين همه بركردن خر مى بينم.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى مخاطباً للمكلفين من عباده إِنه أعلم بهم، ومعناه إِن معلوماته أكثر من معلوماتكم، وقد يقال: أعلم بمعنى أثبت فيما به يعلم، فيجيء من هذا إِن الله تعالى أعلم بأن الجسم حادث من الانسان العالم به. وكذلك كل شيء يمكن ان يعلم على وجوه متغايرة، فالله تعالى عالم به على تلك الوجوه وإِن خفي على الواحد منا بعضها. ومعنى {بما في نفوسكم} اي بما تضمرونه وتخفونه عن غيركم، فالله أعلم به منكم، وفي ذلك غاية التهديد. ثم قال {إن تكونوا صالحين} اي تفعلون الأفعال الصالحة الحسنة الجميلة، فان الله {كان للأوابين غفوراً} معنى {الأوّابين} التوابين وهم الذين يتوبون مرة بعد مرة - في قول سعيد بن المسيب - كلما أذنب ذنباً بادر بالتوبة. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد: الأواب هو الراجع عن ذنبه بالتوبة. وأصله الرجوع يقال: آب يؤوب أوباً إِذا رجع من سفره، قال عبيد بن الأبرص. شعر : وكل ذي غيبة يؤب وغائب الموت لا يؤب تفسير : ثم قال {وآت ذا القربى حقه} وهو أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ان يعطي ذوي القربي حقوقهم التي جعلها الله لهم، فروي عن ابن عباس والحسن: انهم قرابة الانسان. وقال علي بن الحسين (ع): هم قرابة الرسول، وهو الذي رواه ايضاً اصحابنا. وروي انه لما نزلت هذه الآية استدعى النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة (ع) وأعطاها فدكاً وسلمه اليها، وكان وكلاؤها فيها طول حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مضى النبي صلى الله عليه وسلم أخذها ابو بكر، ودفعها عن النحلة. والقصة في ذلك مشهورة، فلما لم يقبل بيّنتها، ولا قبل دعواها طالبت بالميراث، لأن من له الحق إِذا منع منه من وجه جاز له ان يتوصل اليه بوجه آخر، فقال لها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"تفسير : فمنعها الميراث أيضاً وكلامهما في ذلك مشهور، لا نطول بذكره الكتاب. وقوله {والمسكين وابن السبيل} أي واعطوا هؤلاء أيضاً حقوقهم التي جعلها الله لهم من الزكوات وغير ذلك. ثم نهاهم عن التبذير بقوله {ولا تبذر تبذيراً} والتبذير التفريق بالاسراف. وقال عبد الله: التبذير إِنفاق المال في غير حقه، وهو قول ابن عباس وقتادة. وقال مجاهد لو انفق مدّاً في باطل كان تبذيرا. ثم قال {إِن المبذرين كانوا إِخوان الشياطين} وقيل في معناه قولان. احدهما - إِن الشيطان أخوهم باتباعهم آثاره وجريهم على سنته. والثاني - انهم يقرنون بالشيطان في النار. ثم أخبر عن حال الشيطان بأنه كفور لنعم الله تعالى وجاحد لآلائه.

الجنابذي

تفسير : وعد على الاحسان والرّحمة بالنّسبة الى الوالدين.

اطفيش

تفسير : {رَّبُّكُمْ أعْلَمُ} منكم {بِمَا فىِ نُفُوسِكُمْ} فى قلوبكم من قصد البر إِلى الوالدين واعتقاد ما يجب لهما من التوقير أو بما فى نفوسكم من ذلك أو من العقوق ولعل فى ذلك تلويحا إِلى التهديد على إِضمار كراهتما واستثقالهما {إِن تكُونُوا صَالِحِينَ} قاصدين للصلاح من طاعة الله وبر الوالدين وفرطت منكم خصلة تؤذيهما حال الغضب وضيق الصدر وما لا يخدو منه البشر أو حمية للإِسلام ثم تبتم من ذلك {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ} التوابين إِلى الطاعة وبرهما وهو صفة مبالغة من أب فهو آب كقال يقول فهو قائل يقال آب وتاب ورجع بمعنى واحد وكونه صفة مبالغة قال سعيد بن المسيب الأواب الذى يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب كلما أذنب بادر إِلى التوبة وروى عنه الرجاع إِلى الخير وقيل الأَوابون المسبحون وقيل المصلون مطلقا، وقيل المصلون صلاة الضحى، زعم بعض أنه يدل على هذا ما أخرجه مسلم حديث : عن زيد بن أرقم قال خرج علينا - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أهل قباء وهم يصلون صلاة الضحى فقال صلاة الأَوابين إِذا رمضت الفصال تفسير : أى إِذا احترقت أخفاف أولاد الإِبل بحرارة الرمضاء بالشمس والرمضاء الرمل الحار بالشمس أو النار والمراد هنا الأَول. وكانت إِذا اشتدت عليها الحرارة بركت. وقيل الأَوابون الذين يصلون بين المغرب والعشاء وعن سعيد بن جبير الأَوابون الذين تكون منهم المبادرة إِلى أبويه لا يريد بذلك إِلا الخير {غَفُوراً} أى كثير الغفران وعظيمه للمبالغ فى التوبة عما يصدر منه من أذى أو تقصير فى حق الوالدين فكأَنه قال غفور لفرطات الأَوابين إِذا آبوا منها واستغفروا والآية تحتمل أن تكون فى من أذى أبويه أو قصر فى حقهما وأن تكون فى ذلك وفى كل عاص يتوب ويتبادر ذلك منها لوروده على أثره فهو مندرج فيها اندراجا متبادرا مقصودا بالذات.

اطفيش

تفسير : {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ} منكم {بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ} فقد تتوهمون أنكم بارون بالوالدين، وليس كذلك، بل قد قصرتم أو ملتم إلى كراهتهما، واستثقالهما، ولم تعالجوا أنفسكم عن ذلك، وما نفوسكم للبر إليهما أو الكراهة أو للعقوق، فيجازى كلا على حسبه، والخطاب فى "ما" مفسر للعموم البدلى بالإفراد، وهنا بالجمع للعموم الشمولى كالبيان بأن المراد فيما غير مشخص، والآية وعد للموفى بحقهما، ووعيد وتهديد لمن قصر أو اضمر لهما ما يكرهان. "حديث : قيل: يا رسول الله، هل بقى من بر أبوىَّ شئ أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإيفاء عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما"تفسير : وروى البخارى، عن أنس، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يزال العاق يدعو لوالديه بعد موتهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله باراً " تفسير : وروى الأوزاعى: من قضى دينهما، واستغفر لهما، كتب بارًّا ومَن برهما ولم يقض دينهما فهو عاق. وروى هو وابن أبى الدنيا، عن محمد بن النعمان، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب باراً"تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم أن "حديث : من أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه"تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم أن "حديث : من أحب أن يصل أباه فى قبره فليصل إخوان أبيه من بعده"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة، وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار"تفسير : يعنى أن العقوق يجر إلى الإصرار، والبر يجر إلى التوبة. {إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ} بارين بالوالدين، موفين فى دين الله عز وجل، أو صالحين مطيعين لله عز وجل، فى حق الوالدين وغيره، أو صالحين فى قصد الخير لهما، والوفاء بالدين فلا يضركم ما صدر فى بعض الأحيان مما يسوءهما لقصدكم الخير والتوبة. وهذا فى عموم قوله تعالى: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ} من الذنوب عمومًا {غَفُورًا} والأواب الرجاع إلى التوبة، وإصلاح الفساد من الإساءة إليهما وغيرهما، والأوَّاب الإنسان يذنب، يتوب ويستغفر، ثم يذنب ويتوب كذلك كلما ذكر ذنبًا استغفر منه فى خلوة، أو مع الناس، لكن لا يكشف لهم ما ستر الله عنهم، وقد يقال: أراد بالأوَّابين من كان صالحاً فى بر الوالدين، فالأصل على هذا فإنه كان لكم غفوراً، ولكن لفظ الأوب وهو الرجوع أنسب بمن قد يسئ إليهما، ويتوب، غير أن الإنسان لا يخلو من خطأ فى حقهما أو حق غيرهما.

الالوسي

تفسير : {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ} من قصد البر إليهما وانعقاد ما يجب من التوقير لهما، وهو على ما قيل تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالاً. وفي «الكشف» أنه كالتعليل لما أكد عليهم من الإحسان إلى الوالدين بأن الله تعالى أعلم بما في ضمائرهم من ذلك فمجازيهم على حسبه. والظاهر أنه / وعد لمن أضمر البر ووعيد لغيره لكن غلب ذلك الجانب لأن الكلام بالأصالة فيه {إِن تَكُونُواْ صَـٰلِحِينَ} قاصدين الصلاح والبر دون العقوق والفساد {فَإِنَّهُ} تعالى شأنه {كَانَ لِلأَوَّابِينَ} أي الرجاعين إليه تعالى التائبين عما فرط منهم مما لا يكاد يخلو منه البشر {غَفُوراً} لما وقع منهم من نوع تقصير أو أذية. وهذا كما في «الكشف» تيسير بعد التأكيد والتعسير مع تضييق وتحذير وذلك أنه شرط في البادرة التي تقع على الندرة قصد الصلاح وعبر عنه بنفس الصلاح ولم يصرح بصدورها بل رمز إليه بقوله تعالى: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} لدلالة المغفرة على الذنب والأواب أيضاً فإن التوبة عن ذنب يكون بشرط قصد الصلاح وأن يتوب عنه مع ذلك التوبة البالغة، وهو استئناف ثان يقتضيه مقام التأكيد والتشديد كأنه قيل: كيف نقوم بحقهما وقد يندر بوادر؟ فقيل إذا بنيتم الأمر على الأساس وكان المستمر ذلك ثم اتفق بادرة من غير قصد إلى المساءة فلطف الله تعالى يحجز دون عذابه قائماً بالكلاءة، وكون الآية في البادرة تكون من الرجل إلى والديه مروي عن ابن جبير، وجوز أن تكون عامة لكل تائب ويندرج الجاني على أبويه التائب من جنايته اندراجاً أولياً.

ابن عاشور

تفسير : تذييل لآية الأمر بالإحسان بالوالدين وما فصل به، وما يقتضيه الأمر من اختلاف أحوال المأمورين بهذا الأمر قبل وروده بين موافق لمقتضاه ومفرط فيه، ومن اختلاف أحوالهم بعد وروده من محافظ على الامتثال، ومقصر عن قصد أو عن بادرة غفلة. ولما كان ما ذكر في تضاعيف ذلك وما يقتضيه يعتمد خلوص النية ليجري العمل على ذلك الخلوص كاملاً لا تكلف فيه ولا تكاسل، فلذلك ذيله بأنه المطلع على النفوس والنوايا، فوعد الولد بالمغفرة له إن هو أدى ما أمره الله به لوالديه وافياً كاملاً. وهو مما يشمله الصلاح في قوله: {إن تكونوا صالحين} أي ممتثلين لما أمرتم به. وغير أسلوب الضمير فعاد إلى ضمير جمع المخاطبين لأن هذا يشترك فيه الناس كلهم فضمير الجمع أنسب به. ولما شمل الصلاح الصلاح الكامل والصلاح المشوب بالتقصير ذيله بوصف الأوابين المفيد بعمومه معنى الرجوع إلى الله، أي الرجوع إلى أمره وما يرضيه، ففهم من الكلام معنى احتباك بطريق المقابلة. والتقدير إن تكونوا صالحين أوابين إلى الله فإنه كان للصالحين محسناً وللأوابين غفوراً. وهذا يعم المخاطبين وغيرهم، وبهذا العموم كان تذييلاً. وهذا الأوْب يكون مطرداً، ويكون معرضاً للتقصير والتفريط، فيقتضي طلب الإقلاع عما يخرمه بالرجوع إلى الحالة المرضية، وكل ذلك أوْب وصاحبه آيِب، فصيغ له مثال المبالغة (أواب) لصلوحية المبالغة لقوة كيفية الوصف وقوة كميته. فالملازم للامتثال في سائر الأحوال المراقب لنفسه أواب لشدة محافظته على الأوبة إلى الله، والمغلوب بالتفريط يؤوب كلما راجع نفسه وذكر ربه، فهو أواب لكثرة رجوعه إلى أمر ربه، وكل من الصالحين. وفي قوله: {ربكم أعلم بما في نفوسكم} ما يشمل جميع أحوال النفوس وخاصة حالة التفريط وبوادر المخالفة. وهذا من رحمة الله تعالى بخلقه. وقد جمعت هذه الآية مع إيجازها تيسيراً بعد تعسير مشوباً بتضييق وتحذير ليكون المسلم على نفسه رقيباً.

د. أسعد حومد

تفسير : {صَالِحِينَ} {لِلأَوَّابِينَ} (25) - رَبُّكُمْ أَيُّها النَّاسُ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ مِنْ تَعْظِيمِكُمْ أَمْرَ آبَائِكُمْ وَأُمَّهَاتِكُمْ، وَالبِرِّ بِهِمْ، وَمِنَ الاسْتِخْفَافِ بِحُقُوقِهِمْ، وَالعُقُوقِ لَهُمْ، وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَى حَسَنِ ذلِكَ وَسَيِّئِهِ، فَاحْذَرُوا أَنْ تُضْمِروا لَهُمْ سُوءاً، أَوْ تَجْعَلُوا لَهُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عُقُوقاً، فَأَنْتُمْ إِنْ أَصْلَحْتُمْ نِيَّاتِكُمْ فِيهِمْ، وَأَطَعْتُمْ رَبَّكُمْ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ البِرِّ بِهِمْ، بَعْدَ هَفْوَةٍ كَانَتْ مِنْكُمْ، أَوْ زَلَّةٍ فِي وَاجِبٍ لَهُمْ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَكُمْ مَا فَرَطَ مِنْكُمْ، فَهُوَ غَفَّارٌ لِمَنْ يَتُوبُ مِنْ ذَنْبِهِ، وَيَرْجِعُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ إِلَى طَاعَتِهِ. لِلأَوَّابِينَ - لِلتَّوَابِينَ عَمَّا فَرَطَ مِنْهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد سبق أنْ تكلّمنا عن الإيمان والنفاق، وقلنا: إن المؤمن منطقيّ مع نفسه؛ لأنه آمن بقلبه ولسانه، وأن الكافر كذلك منطقيّ لأنه كفر بقلبه ولسانه، أما المنافق فغير منطقيّ مع نفسه؛ لأنه آمن بلسانه وجحد بقلبه. وهذه الآية تدعونا إلى الحديث عن النفاق؛ لأنه ظاهرة من الظواهر المصاحبة للإيمان بالله، وكما نعلم فإن النفاق لم يظهر في مكة التي صادمتْ الإسلام وعاندته، وضيقتْ عليه، بل ظهر في المدينة التي احتضنتْ الدين، وانساحت به في شتى بقاع الأرض، وقد يتساءل البعض: كيف ذلك؟ نقول: النفاق ظاهرة صحية إلى جانب الإيمان؛ لأنه لا يُنافَق إلا القوي، والإسلام في مكة كان ضعيفاً، فكان الكفار يُجابهونه ولا ينافقونه، فلما تحوّل إلى المدينة اشتد عوده، وقويتْ شوكته وبدأ ضِعَاف النفوس ينافقون المؤمنين. لذلك يقول أحدهم: كيف وقد ذَمَّ الله أهل المدينة، وقال عنهم: {أية : وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ ..}تفسير : [التوبة: 101]. نقول: لقد مدح القرآن أهل المدينة بما لا مزيدَ عليه، فقال تعالى في حقهم: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ ..}تفسير : [الحشر: 9]. وكأنه جعل الإيمان مَحَلاً للنازلين فيه. {أية : يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ..}تفسير : [الحشر: 9]. فإنْ قال بعد ذلك: {أية : وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ ..}تفسير : [التوبة: 101]. فالنفاق في المدينة ظاهرة صحية للإيمان؛ لأن الإيمان لو لم يكن قوياً في المدينة لما نافقه المنافقون. ومن هنا جعل الله المنافقين في الدرْكِ الأسفل من النار، لأنه مُندَسٌّ بين المؤمنين كواحد منهم، يعايشهم ويعرف أسرارهم، ولا يستطيعون الاحتياط له، فهو عدو من الداخل يصعُب تمييزه. على خلاف الكافر، فعداوته واضحة ظاهرة معلنة، فيمكن الاحتياط له وأخذ الحذر منه. ولكن لماذا الحديث عن النفاق ونحن بصدد الحديث عن عبادة الله وحده وبِرِّ الوالدين؟ الحق سبحانه وتعالى أراد أنْ يُعطينا إشارة دقيقة إلى أن النفاق كما يكون في الإيمان بالله، يكون كذلك في برِّ الوالدين، فنرى من الأبناء مَنْ يبرّ أبويْه نفاقاً وسُمْعة ورياءً، لا إخلاصاً لهما، أو اعترافاً بفضلهما، أو حِرْصاً عليهما. ولهؤلاء يقول تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ..} [الإسراء: 25]. لأن من الأبناء مَنْ يبرّ أبويه، وهو يدعو الله في نفسه أنْ يُريحه منهما، فجاء الخطاب بصيغة الجمع: {رَّبُّكُمْ} أي: رب الابن، وربّ الأبوين؛ لأن مصلحتكم عندي سواء، وكما ندافع عن الأب ندافع أيضاً عن الابن، حتى لا يقعَ فيما لا تُحمد عُقباه. وقوله: {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ ..} [الإسراء: 25]. أيْ: إن توفّر فيكم شَرْط الصلاح، فسوف يُجازيكم عليه الجزاء الأوفى. وإنْ كان غَيْر ذلك وكنتم في أنفسكم غير صالحين غَيْر مخلصين، فارجعوا من قريب، ولا تستمروا في عدم الصلاح، بل عودوا إلى الله وتوبوا إليه. {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} [الإسراء: 25]. والأوابون هم الذين اعترفوا بذنوبهم ورجعوا تائبين إلى ربهم. وقد سبق أنْ أوضحنا أن مشروعية التوبة من الله للمذنبين رحمةٌ من الخالق بالخلق؛ لأن العبد إذا ارتكب سيئة في غفلة من دينه أو ضميره، ولم تشرع لها توبة لوجدنا هذه السيئة الواحدة تطارده، ويشقى بها طِوَال حياته، بل وتدعوه إلى سيئة أخرى، وهكذا يشقى به المجتمع. لذلك شرع الخالقُ سبحانه التوبة ليحفظ سلامة المجتمع وأَمْنه، وليُثرِي جوانب الخير فيه. ثم يُوسّع القرآن الكريم دائرة القرابة القريبة وهي "الوالدان" إلى دائرة أوسع منها، فبعد أنْ حنَّنه على والديه لفتَ نظره إلى ما يتصل بهما من قرابة، فقال تعالى: {وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : / 39ظ / أَنا أَبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أَحمد بن محمد بن عبيد الهمذاني، قراءَة عليه قال: حدثنا إِبراهيم بن الحسن بن علي الكسائي الهمذاني، قال: حدثنا آدم ابن أَبي إِياس العسقلاني قال: حدثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} [الآية: 25]. قال: هو الذي يتذكر ذنوبه فيتوب ويراجع. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا المسعودي عن سلمة بن كهيل، عن أَبي العبيدين قال: قلت لابن مسعود: ما التبذير [الآية: 26]. قال: هو انفاق المال في غير حقه. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} [الآية: 28]. قال: انتظار رزق الله، عز وجل.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} قال الإِمامُ الشهيدُ زيد بن علي عليهما السلام: الأَوابُ: الذي يُذنِبُ سِراً ويَتوبُ سِراً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ربكم تعالى مطلع على ما أكنته سرائركم من خير وشر وهو لا ينظر إلى أعمالكم وأبدانكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وما فيها من الخير والشر. { إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ } بأن تكون إرادتكم ومقاصدكم دائرة على مرضاة الله ورغبتكم فيما يقربكم إليه وليس في قلوبكم إرادات مستقرة لغير الله. { فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ } أي: الرجاعين إليه في جميع الأوقات { غَفُورًا } فمن اطلع الله على قلبه وعلم أنه ليس فيه إلا الإنابة إليه ومحبته ومحبة ما يقرب إليه فإنه وإن جرى منه في بعض الأوقات ما هو مقتضى الطبائع البشرية فإن الله يعفو عنه ويغفر له الأمور العارضة غير المستقرة.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 512 : 14 : 3 - سفين عن يحيى بن سعيد بن المسيب في قوله {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} قال، الأواب الذي يذنب الذنب، ثم يتوب، ثم يذنب، ثم يتوب. [الآية 25]. 513 : 15 : 4 - سفين عن منصور عن مجاهد عن عبيد بن عمير أنه قال، الأواب الذي يذكر الذنب وهو في الخلاء، فيندم عليه ويستغفر الله.

همام الصنعاني

تفسير : 1555- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً}: [الآية: 25]، قال: للمطيعين المصلين. 1556- عبد الرزاق، عن الثوري، ومعمر، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، قال: الأوَّاب الذي يُذِنُب ثم يتوبُ، ثم يذنب ثم يتوبُ، ثم يذنُب ثم يتوبُ. 1557- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهِد، قال: الأَوَّاب، الذي يذكر ذنوبَه في الخلاء فيستغفر الله مِنْها. 1558- أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، في قوله تعالى: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً}، قال: كنَّا نُعِدُّ الأوَّاب الحفيظ، أن يقول: اللهم اغفر لي ما أصبتُ في مجلسي هذا.