١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الرابع من أعمال الخير والطاعة المذكورة في هذه الآيات وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَءاتِ } خطاب مع من؟ فيه قولان: القول الأول: أنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم فأمره الله أن يؤتي أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه أيضاً إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضاً من هذين المثالين. والقول الثاني: أنه خطاب للكل والدليل عليه أنه معطوف على قوله: { أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ } تفسير : [الإسراء: 23] والمعنى: أنك بعد فراغك من بر الوالدين، يجب أن تشتغل ببر سائر الأقارب الأقرب فالأقرب، ثم بإصلاح أحوال المساكين وأبناء السبيل. واعلم أن قوله تعالى: {وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ } مجمل وليس فيه بيان أن ذلك الحق ما هو؟ وعند الشافعي رحمه الله أنه لا يجب الإنفاق إلا على الولد والوالدين، وقال قوم: يجب الإنفاق على المحارم بقدر الحاجة واتفقوا على أن من لم يكن من المحارم كأبناء العم فلا حق لهم إلا الموادة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة في السراء والضراء. أما المسكين وابن السبيل فقد تقدم وصفهما في سورة التوبة في تفسير آية الزكاة. ويجب أن يدفع إلى المسكين ما يفي بقوته وقوت عياله، وأن يدفع إلى ابن السبيل ما يكفيه من زاده وراحلته إلى أن يبلغ مقصده. ثم قال تعالى: {وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا } والتبذير في اللغة إفساد المال وإنفاقه في السرف. قال عثمان بن الأسود: كنت أطوف في المساجد مع مجاهد حول الكعبة فرفع رأسه إلى أبي قبيس وقال: لو أن رجلاً أنفق مثل هذا في طاعة الله لم يكن من المسرفين، ولو أنفق درهماً واحداً في معصية الله كان من المسرفين. وأنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر فقيل له لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير، وعن عبد الله بن عمر قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد؟ فقال: أو في الوضوء سرف؟ قال: نعم: وإن كنت على نهر جارٍ ثم نبه تعالى على قبح التبذير بإضافته إياه إلى أفعال الشياطين فقال: {إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ } والمراد من هذه الأخوة التشبه بهم في هذا الفعل القبيح، وذلك لأن العرب يسمون الملازم للشيء أخاً له، فيقولون: فلان أخو الكرم والجود، وأخو السفر إذا كان مواظباً على هذه الأعمال، وقيل قوله: {إِخْوٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ } أي قرناءهم في الدنيا والآخرة كما قال: { أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } تفسير : [الزخرف:36] وقال تعالى: { أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ } تفسير : [الصافات: 22] أي قرناءهم من الشياطين، ثم إنه تعالى بين صفة الشيطان فقال: {وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبّهِ كَفُورًا } ومعنى كون الشيطان كفوراً لربه، هو أنه يستعمل بدنه في المعاصي والإفساد في الأرض، والإضلال للناس. وكذلك كل من رزقه الله تعالى مالاً أو جاهاً فصرفه إلى غير مرضاة الله تعالى كان كفوراً لنعمة الله تعالى، والمقصود: أن المبذرين إخوان الشياطين، بمعنى كونهم موافقين للشياطين في الصفة والفعل، ثم الشيطان كفور لربه فيلزم كون المبذر أيضاً كفوراً لربه، وقال بعض العلماء: خرجت هذه الآية على وفق عادة العرب وذلك لأنهم كانوا يجمعون الأموال بالنهب والغارة ثم كانوا ينفقونها في طلب الخيلاء والتفاخر، وكان المشركون من قريش وغيرهم ينفقون أموالهم ليصدوا الناس عن الإسلام وتوهين أهله، وإعانة أعدائه فنزلت هذه الآية تنبيهاً على قبح أعمالهم في هذا الباب. ثم قال تعالى: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا } والمعنى: أنك إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من التصريح بالرد بسبب الفقر والقلة: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا } أي سهلاً ليناً وقوله: {ٱبْتِغَاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا } كناية عن الفقر، لأن فاقد المال يطلب رحمة الله وإحسانه. فلما كان فقد المال سبباً لهذا الطلب ولهذا الابتغاء أطلق اسم السبب على المسبب فسمى الفقر بابتغاء رحمة الله تعالى، والمعنى: أن عند حصول الفقر والقلة لا تترك تعهدهم بالقول الجميل والكلام الحسن، بل تعدهم بالوعد الجميل وتذكر لهم العذر وهو حصول القلة وعدم المال، أو تقول لهم: الله يسهل، وفي تفسير القول الميسور وجوه: الأول: القول الميسور هو الرد بالطريق الأحسن. والثاني: القول الميسور اللين السهل قال الكسائي: يسرت أيسر له القول أي لينته له. الثالث: قال بعضهم: القول الميسور مثل قوله: { أية : قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى } تفسير : [البقرة: 263] قالوا: والميسور هو المعروف، لأن القول المتعارف لا يحوج إلى تكلف، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} أي كما راعيت حق الوالدَيْن فصِل الرحم، ثم تصدّق على المسكين وابن السبيل. وقال عليّ بن الحسين في قوله تعالى «وآتِ ذا القُرْبَى حَقّه»: هم قرابة النبيّ صلى الله عليه وسلم، أمر صلى الله عليه وسلم بإعطائهم حقوقَهم من بيت المال، أي من سهم ذَوِي القربى من الغَزْوِ والغنيمة، ويكون خطاباً للولاة أو من قام مقامهم. وألحق في هذه الآية ما يتعين من صلة الرحم، وسَدّ الخَلّة، والمواساة عند الحاجة بالمال، والمعونة بكل وجه. الثانية ـ قوله تعالى: {وَلاَ تُبَذِّرْ} أي لا تُسرف في الإنفاق في غير حق. قال الشافعيّ رضي الله عنه: والتبذير إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير. وهذا قول الجمهور. وقال أشهب عن مالك: التبذير هو أخذ المال من حقه ووضعُه في غير حقه، وهو الإِسراف، وهو حرام لقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ} وقوله «إخوان» يعني أنهم في حكمهم؛ إذ المبذِّر ساعٍ في إفساد كالشياطين، أو أنهم يفعلون ما تسوّل لهم أنفسهم، أو أنهم يُقرَنون بهم غدا في النار؛ ثلاثة أقوال. والإخوان هنا جمع أخٍ من غير النسب؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تفسير : [لحجرات: 10]. وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} أي ٱحذروا متابعته والتشبه به في الفساد. والشيطان اسم الجنس. وقرأ الضحاك «إخوان الشيطان» على الانفراد، وكذلك ثبت في مصحف أنس بن مالك رضي الله عنه. الثالثة ـ من أنفق ماله في الشهوات زائداً على قدر الحاجات وعَرّضه بذلك للنفاد فهو مبذّر. ومن أنفق رِبْح ماله في شهواته وحَفِظ الأصل أو الرقبة فليس بمبذّر. ومن أنفق درهماً في حرام فهو مبذّر، ويُحجر عليه في نفقته الدرهم في الحرام، ولا يحجر عليه إن بذله في الشهوات إلا إذا خيف عليه النفاد.
البيضاوي
تفسير : {وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ } من صلة الرحم وحسن المعاشرة والبر عليهم. وقال أبو حنيفة: حقهم إذا كانوا محارم فقراء أن ينفق عليهم. وقيل المراد بذي القربى أقارب الرسول صلى الله عليه وسلم. {وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا } بصرف المال فيما لا ينبغي وإنفاقه على وجه الإِسراف، وأصل التبذير التفريق. «حديث : وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد وهو يتوضأ: ما هذا السرف قال؛ أو في الوضوء سرف قال: نعم وإن كنت على نهر جار».
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى بر الوالدين، عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام، وفي الحديث: «حديث : أمك وأباك، ثم أدناك أدناك» تفسير : وفي رواية: «حديث : ثم الأقرب فالأقرب»تفسير : ، وفي الحديث: «حديث : من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أجله، فليصل رحمه»تفسير : وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا أبو يحيى التميمي، حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد قال: لما نزلت: {وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة، فأعطاها فدك، ثم قال: لا نعلم حدث به عن فضيل بن مرزوق إلا أبو يحيى التميمي وحميد بن حماد بن أبي الخوار، وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده؛ لأن الآية مكية، وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ فهو إذاً حديث منكر، والأشبه أنه من وضع الرافضة، والله أعلم، وقد تقدم الكلام على المساكين وأبناء السبيل في سورة براءة بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} لما أمر بالإنفاق، نهى عن الإسراف فيه، بل يكون وسطاً كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} تفسير : الآية [الفرقان: 67]، ثم قال منفراً عن التبذير والسرف: {إِنَّ ٱلْمُبَذرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ} أي: أشباههم في ذلك. قال ابن مسعود: التبذير: الإنفاق في غير حق، وكذا قال ابن عباس، وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذراً، ولو أنفق مداً في غير حق كان مبذراً. وقال قتادة: التبذير: النفقة في معصية الله تعالى، وفي غير الحق والفساد. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله فقال: يا رسول الله إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق، وكيف أصنع؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : تخرج الزكاة من مالك إن كان، فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين» تفسير : فقال: يا رسول الله أقلل لي؟ قال: {وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك، فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم، إذا أديتها إلى رسولي، فقد برئت منها، ولك أجرها، وإثمها على من بدلها».تفسير : وقوله: {إِنَّ ٱلْمُبَذرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ} أي: في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته، ولهذا قال: {وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} أي: جحوداً؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه، ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته. وقوله: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ} الآية، أي: إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم، وليس عندك شيء، أعرضت عنهم؛ لفقد النفقة، {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا} أي: عدهم وعداً بسهولة ولين؛ إذا جاء رزق الله، فسنصلكم إن شاء الله، هكذا فسر قوله: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا} بالوعد، مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغير واحد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَءَاتِ } أَعْطِ {ذَا ٱلْقُرْبَىٰ } القرابة {حَقَّهُ } من البرّ والصلة {وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا } بالإِنفاق في غير طاعة الله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وإما تعرضَنَّ عنهم ابتغاء رحمةٍ من ربّك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً} فيه تأويلان: أحدهما: معناه إذا أعرضت عمن سألك ممن تقدم ذكره لتعذره عندك {ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} أي انتظاراً للزرق منه {فقل لهم قولاً ميسوراً} أي عِدْهم خيراً ورد عليهم رداً جميلاً، وهذا قول الحسن ومجاهد. الثاني: معناه إذا أعرضت عمن سألك حذراً أن ينفقه في معصية فمنعته ابتغاء رحمة له فقل لهم قولاً ميسوراً، أي ليناً سهلاً، وهذا قول ابن زيد.
ابن عطية
تفسير : اختلف المتأولون في "ذي القربى"، فقال الجمهور: الآية وصية للناس كلهم بصلة قرابتهم، خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد الأمة، وألحق في هذه الآية ما يتعين له من صلة الرحم وسد الخلة والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه، قال بنحو هذا الحسن وعكرمة وابن عباس وغيرهم، وقال علي بن الحسين في هذه: هم قرابة النبي عليه السلام، أمر النبي عليه السلام بإعطائهم حقوقهم من بيت المال. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أبين، ويعضده العطف بـ {المسكين وابن السبيل}. {وابن السبيل} هنا يعم الغني والفقير إذ لكل واحد منهما حق وإن اختلفا، "وابن السبيل" في آية الصدقة أخص، و"التبذير" إنفاق المال في فساد أو في سرف في مباح، وهو من البذر، ويحتمل قوله تعالى: {المبذرين} أن يكون اسم جنس، ويحتمل أن يعني أهل مكة معينين، وذكره النقاش، وقوله تعالى: {إخوان} يعني أنهم في حكمهم، إذ المبذر ساع في فساد والشيطان أبداً ساع في فساد، و {إخوان} جمع أخ من غير النسب، وقد يشذ، ومنه قوله تعالى في سورة النور {أية : أو إخوانهن أو بني إخوانهن} تفسير : [النور: 31] والإخوة جمع أخ في النسب وقد يشذ، ومنه قوله تبارك وتعالى: {أية : إنما المؤمنون إخوة} تفسير : [الحجرات: 10] وقرأ الحسن والضحاك "إخوان الشيطان" على الإفراد، وكذلك في مصحف أنس بن مالك، ثم ذكر تعالى كفر الشيطان ليقع التحذير من التشبه به في الإفساد مستوعباً بيناً، وقوله تعالى: {وإما تعرض}، الضمير في {عنهم} عائد على من تقدم ذكره من المساكين وبني السبيل، فأمر الله تعالى نبيه في هذه الآية إذا سأله منهم أحد، فلم يجد عنده ما يعطيه فقابله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعراض تأدباً منه في أن لا يرده تصريحاً، وانتظار الرزق من الله تعالى يأتي فيعطي منه، أن يكون يؤنسه بالقول الميسور، وهو الذي فيه الترجية بفضل الله تعالى والتأنيس بالميعاد الحسن والدعاء في توسعة الله تبارك وتعالى وعطائه، وروي أنه عليه السلام كان يقول بعد نزول هذه الآية، إذا لم يكن عنده ما يعطي: يرزقنا الله وإياكم من فضله، فـ "الرحمة" على هذا التأويل الرزق المنتظر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وقال ابن زيد "الرحمة" الأجر والثواب، وإنما نزلت الآية في قوم كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأبى أن يعطيهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم منهم نفقة المال في فساد، فكان يعرض عنهم رغبة الأجر في منعهم لئلا يعينهم على فسادهم، فأمره الله تعالى بأن يقول لهم {قولاً ميسوراً} يتضمن الدعاء في الفتح لهم والإصلاح. قال القاضي أبو محمد: وقال بعض أهل التأويل الأول، نزلت الآية في عمار بن ياسر وصنفه، و"الميسور" مفعول من لفظة اليسر، تقول يسرت لك كذا إذا أعدَدته، وقوله {ولا تجعل يدك} الآية، روي عن قالون "كل البصط" بالصاد، ورواه الأعشى عن أبي بكر، واستعير لليد المقبوضة جملة عن الإنفاق المتصفة بالبخل "الغل إلى العنق"، واستعير لليد التي تستنفد جميع ما عندها غاية البسط ضد الغل، وكل هذا في إنفاق الخير، وأما إنفاق الفساد فقليله وكثيره حرام، وهذه الآية ينظر إليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل البخيل والمتصدق"تفسير : ، والحديث بكامله، والعلامة هنا لاحقة ممن يطلب من المستحقين فلا يجد ما يعطي، و"المسحور" المنفه الذي قد استنفدت قوته تقول حسرت البعير إذا أتعبته حتى لم تبق له قوة فهو حسير، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : لهن الوجى لم كن عوناً على السرى ولا زال منها ظالع وحسير تفسير : ومنه البصر الحسير وهو الكال، وقال ابن جريج وغيره في معنى هذه الآية، لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به من الحق، ولا تبسطها كل البسط فيما نهيتك عنه، وقال قتادة: "التبذير" النفقة في معصيه الله، وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في حق لم يكن تبذيراً، ولو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً. قال القاضي أبو محمد: وهذا فيه نظر، ولا بعض البسط لم يبح فيما نهى عنه. ولا يقال في المعصية ولا تبذر، وإنما يقال ولا تنفق ولو باقتصاد وقوام، ولله در ابن عباس وابن مسعود فإنهما قالا: التبذير الإنفاق وفي غير حق، فهذه عبارة تعم المعصية والسرف في المباح، وإنما نهت هذه الآية عن استفراغ الوجد فيما يطرأ أولاً من سؤال المؤمنين لئلا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شيء له أو لئلا يضيع المنفق عيالاً ونحوه، ومن كلام الحكمة: ما رأيت قط سرفاً إلا ومعه حق مضيع، وهذه من آيات فقه الحال، ولا يبين حكمها إلا باعتبار شخص من الناس، وقوله {إن ربك يبسط} الآية، والمعنى كن أنت يا محمد على ما رسم لك من الاقتصاد وإنفاق القوام ولا يهمنك فقر من تراه كذلك فإنه بمرأى من الله ومسمع وبمشيئة، {ويقدر} معناه ويضيف، وقوله تعالى: {إنه كان بعباده خبيراً بصيراً} أي يعلم مصلحة قوم في الفقر ومصلحة آخرين في الغنى، وقال بعض المفسرين وحكاه الطبري: إن الآية إشارة إلى حال العرب التي كانت يصلحها الفقر، وكانت إذا شبعت طغت وقتلت غيرها وأغارت، وإذا كان الجوع والقحط شغلهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْقُرْبَى} قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، أمر الولاة بدفع حصتهم من الفيء والغنيمة، أو قرابة المرء من قبل أبويه يدفع له نفقته الواجبة، أو الوصية لهم عند الوفاة.
النسفي
تفسير : {وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ} منك {حَقَّهُ} أي النفقة إذا كانوا محارم فقراء {وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} أي وآت هؤلاء حقهم من الزكاة {وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً}ولا تسرف إسرافاً. قيل: التبذير تفريق المال في غير الحل والمحل، فعن مجاهد: لو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً. وقد أنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر فقال له صاحبه: لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوآ إِخوَانَ الشَّيَـاطِينِ} أمثالهم في الشرارة وهي غاية المذمة لأنه لا شر من الشيطان، أو هم إخوانهم وأصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف {وَكَانَ الشَّيْطَـانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} فما ينبغي أن يطاع فإنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله. {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ} إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد {ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك ــ فسمى الرزق رحمة ــ فردهم رداً جميلاً، فوضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسبباً عنه، فوضع المسبب موضع السبب، يقال: يسر الأمر وعسر مثل سعد الرجل ونحس فهو مفعول. وقيل: معناه: فقل لهم رزقنا الله وإياكم من فضله على أنه دعاء لهم ييسر عليهم فقرهم كأن معناه قولاً ذا ميسور وهو اليسر أي دعاء فيه يسر. و{ابتغاء} مفعول له أو مصدر في موضع الحال و{ترجوها} حال {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنْقِكَ وَلا تُبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} {كل} نصب على المصدر لإضافته إليه. وهذا تمثيل لمنع الشحيح وإعطاء المسرف أمر باقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير {فَتَقْعُدَ مَلُوماً} فتصير ملوماً عند الله لأن المسرف غير مرضي عنده وعند الناس يقول الفقير: أعطى فلاناً وحرمني، ويقول الغني: ما يحسن تدبير أمر المعيشة، وعند نفسك إذا احتجت فندمت على ما فعلت {مَّحْسُوراً} منقطعاً بك لا شيء عندك من حسرة السفر إذا أثر فيه أثراً بليغاً أو عارياً من حسر رأسه. وقد خاطرت مسلمة ضرتها اليهودية في ــ أنه يعني محمداً عليه السلام ــ أجود من موسى عليه السلام فبعثت ابنتها تسأله قميصه الذي عليه فدفعه وقعد عرياناً فأقيمت الصلاة فلم يخرج للصلاة فنزلت. ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من الإضافة بأَن ذلك ليس لهوان منك عليه ولا لبخل به عليك، ولكن لأن بسط الأرزاق وقدرها مفوض إلى الله تعالى فقال:
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} قيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أمره الله سبحانه وتعالى أن يؤتي أقاربه حقوقهم وقيل: إنه خطاب للكل وهو أنه سبحانه وتعالى، وصى بعد بر الوالدين بالقرابة أن يؤتوا حقهم من صلة الرحم والمودة، والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء والمعاضدة ونحو ذلك وقيل إن كانوا محاويج، وهو موسر لزمه الإنفاق عليهم وهو مذهب أبي حنيفة. وقال الشافعي رضي الله عنه: لا تلزم النفقة إلا لوالد على ولده أو ولد على والديه فحسب وقيل: أراد بالقرابة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم الكلام على المسكين وابن السبيل {ولا تبذر تبذيراً} أي لاتنفق مالك في المعصية. وقيل: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذراً ولو أنفق درهماً أو مداً في باطل كان مبذراً. وسئل ابن مسعود عن التبذير فقال: إنفاق المال في غير حقه. وقيل: هو إنفاق المال في العمارة على وجه السرف وقيل: إن بعضهم أنفق نفقة في خير فأكثر فقال له صاحبه لا خير في السرف فقال لا سرف في الخير {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} يعني أولياءهم وأصدقاءهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف، وقيل: أمثالهم في الشر وهذا غاية المذمة لأنه أشر من الشياطين، والعرب تقول لكل من هو ملازم سنة قوم: هو أخوهم {وكان الشيطان لربه كفوراً} أي جحوداً للنعمة فما ينبغي أن يطاع لأنه يدعو إلى مثل عمله. قوله عز وجل {وإما تعرضن عنهم} نزلت في مهجع وبلال وصهيب وسالم وخباب كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه، ولا يجد فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك عن القول فنزلت هذه الآية. والمعنى: وإن تعرض عن هؤلاء الذي أمرت أن تؤتيهم {ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} أي انتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك {فقل لهم قولاً ميسوراً} أي ليناً جميلاً أي عدهم وعداً طيباً، تطيب به قلوبهم. وقيل: هو أن يقول رزقنا الله وإياكم من فضله. قوله سبحانه وتعالى {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} قال جابر: أتى صبي فقال يا رسول الله إن أمي تستكسيك درعاً ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قميصه فقال للصبي: من ساعة إلى ساعة يظهر كذا فعد إلينا وقتاً آخر فعاد إلى أمه فقالت: قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً فأذن بلال بالصلاة، وانتظره فلم يخرج فشغل قلوب أصحابه فدخل عليه بعضهم فرآه عرياناً فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية، ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك أي لا تمسك يدك عن النفقة في الحق والخير كالمغلولة يده لا يقدر على مدها {ولا تبسطها} أي بالعطاء {كل البسط} أي فتعطي جميع ما عندك. وقيل: هذا تمثيل لمنع الشحيح، وإعطاء المسرف أمر بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير {فتقعد ملوماً} أي عند الله لأن المسرف غير مرضي عنده، وقيل ملوماً عند نفسك وأصحابك أيضاً يلومونك على تضييع المال بالكلية وقيل: يلومك سائلوك على الإمساك إذا لم تعطهم {محسوراً} أي منقطعاً لا شيء عندك تنفقه وقيل: محسوراً أي نادماً على ما فرط منك. ثم سلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من الإضافة بأن ذلك ليس لهوان بك عليه ولا لبخل منه عليك فقال تعالى {إن ربك يبسط} أي يوسع {الرزق لمن يشاء ويقدر} أي يقتر ويضيق، وذلك لمصلحة العباد {إنه كان بعباده خبيراً بصيراً} يعني أنه سبحانه وتعالى عالم بأحوال جميع عباده، وما يصلحهم فالتفاوت في أرزاق العباد ليس لأجل البخل بل لأجل رعاية مصالح العباد. قوله عز وجل {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} أي فاقة وفقر {نحن نرزقهم وإياكم} وذلك أن أهل الجاهلية، كانوا يئدون بناتهم خشية الفاقة أو يخافون عليهم من النهب والغارات، أو أن ينكحوهن لغير أكفاء لشدة الحاجة وذلك عار شديد عندهم فنهاهم الله عن قتلهن وقال نحن نرزقهم وإياكم، يعني أن الأرزاق بيد الله فكما أنه فتح أبواب الرزق على الرجال فكذلك يفتحه على النساء {إن قتلهم كان خطئاً كبيراً} أي إثماً كبيراً {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} أي قبيحة زائدة على حد القبح {وساء سبيلاً} أي بئس طريقاً طريقه، وهو أن تغصب امرأة غيرك أو أخته أو بنته من غير سبب والسبب ممكن وهو الصهر الذي شرعه الله تعالى قيل: إن الزنا يشتمل على أنواع من المفاسد منه المعصية وإيجاب الحد على نفسه, ومنها اختلاط الأنساب فلا يعرف الرجل ولد من هو ولا يقوم أحد بتربيته وذلك يوجب ضياع الأولاد، وانقطاع النسل وذلك يوجب خراب العالم. قوله عز وجل {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} الأصل في القتل هو الحرمة المغلظة، وحل القتل إنما ثبت بسبب عارض، فلما كان كذلك نهى الله عن القتل على حكم الأصل ثم استثنى الحالة التي يحصل فيها حل القتل، وهي الأسباب العرضية فقال إلا بالحق أي إلا بإحدى ثلاث كما روي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"تفسير : . أخرجاه في الصحيحين {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سطاناً} أي قوة وولاية على القاتل بالقتل وقيل: سطانه هو أنه يتخير فإن شاء استقاد منه وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا {فلا يسرف في القتل} أي الولي قال ابن عباس: لا يقتل غير القاتل وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا قتل منهم قتيل لا يرضون بقتل قاتله حتى يقتل أشرف منه. وقيل معناه إذا كان القتيل واحداً فلا يقتل به جماعة بل بواحد وكان أهل الجاهلية إذا كان المقتول شريفاً فلا يرضون بقتل القاتل وحده حتى يقتلوا معه جماعة من أقربائه، وقيل معناه أن لا يمثل بالقاتل {إنه كان منصوراً} قيل الضمير راجع للمقتول ظلماً يعني أنه منصور في الدنيا بإيجاب القود على قاتله وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله، وقيل: الضمير راجع إلى ولي المقتول معناه: إنه كان منصوراً على القاتل باستيفاء القصاص منه أو الدية وقيل في قوله: فلا يسرف في القتل أراد به القاتل المعتدي بالقتل بغير الحق فإنه إن فعل ذلك فولي القتيل منصور عليه باستيفاء القصاص منه. قوله سبحانه وتعالى {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} أي الطريقة التي هي أحسن، وهي تنميته وحفظه عليه {حتى يبلغ أشده} وهو بلوغ النكاح والمراد ببلوغ الأشد كمال عقله ورشده بحيث يمكنه القيام بمصالح ماله، وإلا لم ينفك عنه الحجر {وأوفوا بالعهد} أي الإتيان بما أمر الله والانتهاء عما نهي عنه وقيل: أراد بالعهد ما يلتزمه الإنسان على نفسه {إن العهد كان مسؤولاً} أي عنه وقيل مطلوباً وقيل: العهد يسأل فيقال فيم نقضت كالموؤدة تسأل فيم قتلت. قوله عز وجل {وأفوا الكيل إذا كلتم} المراد منه إتمام الكيل {وزنوا بالقسطاس المستقيم} قيل هو ميزان صغيراً كان أو كبيراً، من ميزان الدراهم إلى ما هو أكبر منه وقيل: هو القبان قيل هو رومي وقيل: سرياني والأصح أنه عربي مأخوذ من القسط وهو العدل, أي وزنوا بالعدل المستقيم، واعلم أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد الحاصل عليه شديد عظيم، فوجب على العاقل الاحتراز عنه وإنما الوعيد فيه لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء، فالشارع بالغ في المنع من التطفيف والنقصان، سعياً في إبقاء الأموال على أربابها {ذلك خير وأحسن تأويلاً} أي أحسن عاقبة من آل إذا رجع، وهو ما يؤول إليه أمره. قوله سبحانه وتعالى {ولا تقفُ} أي ولا تتبع {ما ليس لك به علم} أي لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمع وعلمت ولم تعلم. وقيل: معناه لا ترم أحداً بما ليس لك به علم وقيل لا يتبعه بالحدس والظن وقيل: هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور، ويتتبعها ويتعرفها والمراد أنه لا يتكلم في أحد بالظن {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً} معناه يسأل المرء عن سمعه وبصره وفؤاده، وقيل يسأل السمع البصر والفؤاد، عما فعله المرء فعلى هذا ترجع الإشارة في أولئك إلى الأعضاء، وعلى القول الأول ترجع إلى أربابها. "حديث : عن شكل بن حميد قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله علمني تعويذاً أتعوذ به قال: فأخذ بيدي ثم قال: "قل أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر فؤادي وشر لساني وشر قلبي وشر منيي قال فحفظتها""تفسير : أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي. وقال حديث حسن غريب. قوله: وشر منيي يعني ماءه وذكره. قوله عز وجل {ولا تمش في الأرض مرحاً} أي بطراً وكبراً وخيلاء {إنك لن تخرق الأرض} أي لن تقطها بكبرك حتى تبلغ آخرها {ولن تبلغ الجبال طولاً} أي لا تقدر أن تطاول الجبال، وتساويها بكبرك والمعنى أن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئاً كمن يريد خرق الأرض ومطاولة الجبال، لا يحصل على شيء. وقيل: إن الذي يمشي مختالاً يمشي مرة على عقبيه، ومرة على صدور قدميه فقيل له: إنك لن تنقب الأرض إن مشيت على عقبيك ولن تبلغ الجبال طولاً إن مشيت على صدور قدميك. عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤاً كأنما ينحط من صبب. أخرجه الترمذي في الشمائل. قوله تكفؤاً: التكفؤ التمايل في المشي إلى قدام، وقوله كأنما ينحط من صبب هو قريب من التكفؤ أي كأنه ينحدر من موضع عال، عن أبي هريرة قال: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع من مشيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له إنا لنجهد أنفسنا. وإنه لغير مكترث. أخرجه الترمذي. قوله: لغير مكترث أي شاق والاكتراث الأمر الذي يشق على الإنسان {كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروهاً} أي ما ذكر من الأمور التي نهى الله عنها فيما تقدم. فإن قلت: كيف قيل: سيئة مع قوله مكروهاً؟ قلت: قيل فيه تقديم وتأخير تقديره كل ذلك كان مكروهاً سيئة عند ربك وقوله: مكروهاً على التكرير لا على الصفة أي كل ذلك كان سيئة وكان مكروهاً وقيل إنه يرجع إلى المعنى دون اللفظ، لأن السيئة الذنب وهو مذكر.
ابن عادل
تفسير : قيل: هذا خطاب للرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بأن يؤتي أقاربهُ الحقوق التي وجبت لهم في الفيءِ والغنيمة، وإخراج حقِّ المساكين وأبناء السَّبيل من هذين المثالين. وقال الأكثرون: إنه عامٌّ، لأنه عطفه على قوله تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}تفسير : [الإسراء: 23] والمعنى أنَّك بعد فراغك من برِّ الوالدين يجب عليك أن تشتغل ببرِّ سائر الأقاربِ، الأقرب فالأقرب، ثم بإصلاح أحوال المساكين، وأبناء السَّبيل، واعلم أنَّ قوله تعالى: {وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} مجملٌ، ليس فيه بيان أنَّ ذلك الحقَّ ما هو، فذهب الشافعيُّ - رضي الله عنه - إلى أنَّه لا يجب الإنفاقُ إلاَّ على الولدِ والوالدين، وقال غيره: يجب الإنفاق على المحارم بقدر الحاجة، واتفقوا على أنَّ من لم يكن من المحارم كأبناء العمِّ، فلا حقَّ لهم إلاَّ الموادَّة والمؤالفة في السَّراء والضَّراء، وأما المسكين وابن السَّبيل، فتقدَّم وصفهما في سورة التوبة في آية الزَّكاة. قوله تعالى: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً}: التَّبذِيرُ: التفريق ومنه "البَذْرُ" لأنه يفرقُ في الأرض للزِّراعة، قال: [الوافر] شعر : 3408- تَرائِبُ يَسْتَضِيءُ الحليُ فِيهَا كجَمْرِ النَّار بُذِّرَ بالظَّلامِ تفسير : ثم غلب في الإسراف في النَّفقة. قال مجاهد: لو أنفق الإنسان ماله كلَّه في الحقِّ، ما كان تبذيراً. وسئل ابن مسعود عن التبذير، فقال: إنفاقُ المالِ في غير حقِّه وأنشد بعضهم: [الوافر] شعر : 3409- ذَهابُ المَالِ في حَمْدٍ وأجْرٍ ذَهابٌ لا يُقَالُ لهُ ذَهابُ تفسير : وقال عثمان بن الأسود: كنت أطوفُ مع مجاهد حول الكعبة، فرفع رأسه إلى أبي قبيسٍ، وقال: لو أنَّ رجلاً أنفق مثل هذا في طاعة الله، لم يكن من المسرفين، ولو أنفق درهماً واحداً في معصية الله، كان من المسرفين. وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعدٍ - رضي الله عنه - وهو يتَوضَّأ، فقال: مَا هَذَا السَّرف يا سعدُ؟ فقال: أفِي الوَضُوءِ سرفٌ؟ قال: "نعم، وإنْ كُنْتَ على نَهْرٍ جارٍ". ثم نبه تعالى على قبح التبذير بإضافته إيَّاه إلى أفعال الشياطين، فقال - جلَّ ذكره -: {إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَٰطِينِ} والمراد من هذه الأخوة التشبيه بهم في هذا الفعل القبيح؛ لأنَّ العرب يسمُّون الملازم للشيء أخاً له، فيقولون: فلانٌ أخو الكرم والجود، وأخو السَّفر، إذا كان مواظباً على هذه الأفعال. وقيل: قوله: {إِخْوَانَ ٱلشَّيَٰطِينِ} أي: قرناءهم في الدنيا والآخرة كقوله تعالى {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَٰناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} تفسير : [الزخرف: 36]. وقال تعالى: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} تفسير : [الصافات: 22] أي: قرناءهم من الشياطين، ثم قال تعالى: {وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} أي: جحوداً للنِّعمة؛ لأنه يستعمل بدنه في المعاصي والإفساد في الأرض، والإضلال للنَّاس، وكذلك من رزقه الله مالاً أو جاهاً، فصرفه إلى غير مرضاة الله، كان كفوراً لنعمة الله؛ لأنَّه موافق للشياطين في الصِّفة والفعل، ثم إن الشياطين كَفُورُونَ بربهم، فكذلك المبذِّر أيضاً كفورٌ بربه. قال بعض العلماء: خرجت هذه الآية على وفقِ عادة العرب؛ لأنَّهم كانوا يجمعون الأموال بالنَّهب والغارة، ثم ينفقونها في طلب الخيلاء والتفاخر، وكان المشركون من قريشٍ وغيرهم ينفقون أموالهم ليصدُّوا عن الإسلام وتوهين أهله وإعانة أعدائه، فنزلت هذه الآية تنبيهاً على قبح أفعالهم.
البقاعي
تفسير : ولما حث على الإحسان إليهما بالخصوص، عم بالأمر به لكل ذي رحم وغيره، فقال تعالى: {وءات ذا القربى} من جهة الأب أو الأم وإن بعد {حقه و} آت {المسكين} وإن لم يكن قريباً {وابن السبيل} وهو المسافر المنقطع عن ماله لتكون متقياً محسناً. ولما رغب في البذل، وكانت النفس قلما يكون فعلها قواماً بين الإفراط والتفريط، أتبع ذلك قوله تعالى: {ولا تبذر} بتفريق المال سرفاً، وهو بذله فيما لا ينبغي، وفي قوله {تبذيراً *} تنبيه على أن الارتقاء نحو ساحة التبذير أولى من الهبوط إلى مضيق الشح والتقتير؛ والتبذير: بسط اليد في المال على حسب الهوى جزافاً، وأما الجود فبمقدار معلوم، لأنه اتباع أمر الله في الحقوق المالية، ومنها معلوم بحسب القدر، ومنها معلوم بحسب الوصف كمعاضدة أهل الملة وشكر أهل الإحسان إليك ونحو ذلك، وقد سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن التبذير فقال: إنفاق المال من غير حقه، وعن مجاهد رضي الله عنه: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيراً، ولو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً. ثم علل ذلك بقوله: {إن المبذرين} أي جبلة وطبعاً {كانوا} أي كوناً هم راسخون فيه {إخوان الشياطين} أي كلهم، البعيدين من الرحمة، المحترقين في اللعنة، فإن فعلهم فعل النار التي هي أغلب أجزائهم، وهو إحراق ما وصلت إليه لنفع وغير نفع، فإذا لم يجدوا أخذوا ما ليس لهم، والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم وتابع أمرهم: هو أخوهم. ولما كان الاقتصاد أدعى إلى الشكر، والتبذير أقود إلى الكفر، قال تعالى: {وكان الشيطان} أي هذا الجنس البعيد من كل خير، المحترق من كل شر {لربه} أي الذي أحسن إليه بإيجاده وتربيته {كفوراً *} أي ستوراً لما يقدر على ستره من آياته الظاهرة، ونعمه الباهرة، مع الحجة. ولما أمر بما هو الأولى في حالة الوجدان، أمر بمثل ذلك حالة العدم، فقال مؤكداً تنبيهاً على أنه ينبغي أن يكون الإعراض عنهم في حيز الاستبعاد والاستنكار: {وإما تعرضن عنهم} أي عن جميع من تقدم ممن أمرت بالبذل له، لأمر اضطرك إلى ذلك لا بد لك منه، لكونك لا تجد ما تعطيه، فأعرضت حياء لا لإرادة المنع، بل {ابتغاء} أي طلب {رحمة} أي إكرام وسعة {من ربك} الكثير الإحسان {ترجوها} فإذا أتتك واسيتهم فيها {فقل لهم} في حالة الإعراض {قولاً ميسوراً *} أي ذا يسر يشرح صدورهم، ويبسط رجاءهم، لأن ذلك أقرب إلى طريق المتقين المحسنين الذين أنا معهم؛ قال أبو حيان: وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان بعد نزول هذه الآية إذا لم يكن عنده ما يعطي وسئل قال: يرزقنا الله وإياكم من فضله - انتهى. وقد وضع هنا الابتغاء موضع الفقر لأنه سببه، فوضع المسبب موضع السبب. ولما أمر بالجود الذي هو لازم الكرم، نهى عن البخل الذي هو لازم اللوم، في سياق ينفر منه ومن الإسراف، فقال ممثلاً بادئاً بمثال الشح: {ولا تجعل يدك} بالبخل {مغلولة} أي كأنها بالمنع مشدودة بالغل {إلى عنقك} لا تستطيع مدها {ولا تبسطها} بالبذل {كل البسط} فتبذر {فتقعد} أي توجد كالمقعد، بالقبض {ملوماً} أي بليغ الرسوخ فيما تلام بسببه عند الله، لأن ذلك مما نهى عنه، وعند الناس، وبالبسط {محسوراً *} منقطعاً بك لذهاب ما تقوى به وانحساره عنك، وكل من الحالتين مجاوز لحد الاعتدال.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وآت ذا القربى حقه} قال: أمره بأحق الحقوق، وعلمه كيف يصنع إذا كان عنده، وكيف يصنع إذا لم يكن، فقال: {وإما تعرضن عنهم إبتغاء رحمة من ربك} قال: إذا سألوك وليس عندك شيء انتظرت رزقاً من الله {فقل لهم قولاً ميسوراً} يقول: إن شاء الله يكون شبه العدة. قال: سفيان رحمه الله والعدة من النبي صلى الله عليه وسلم دين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وآت ذا القربى حقه} الآية. قال: هو أن تصل ذا القرابة، وتطعم المسكين، وتحسن إلى ابن السبيل. وأخرج ابن جرير، عن علي بن الحسين رضي الله عنه أنه قال لرجل من أهل الشام: أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: أفما قرأت في بني إسرائيل؟ {وآت ذا القربى حقه} قال: وإنكم للقرابة الذي أمر الله أن يؤتى حقه؟ قال: نعم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في الآية. قال: كان ناس من بني عبد المطلب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه، فإذا صادفوا عنده شيئاً أعطاهم، وإن لم يصادفوا عنده شيئاً سكت لم يقل لهم نعم، ولا، لا. والقربى، قربى بني عبد المطلب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل} قال: هو أن توفيهم حقهم إن كان يسيراً، وإن لم يكن عندك {فقل لهم قولاً ميسوراً} وقل لهم الخير. وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وآت ذى القربى حقه} الآية. قال: بدأ فأمره بأوجب الحقوق، ودله على أفضل الأعمال إذا كان عنده شيء. فقال: {وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل} وعلمه إذا لم يكن عنده شيء كيف يقول. فقال: {وإما تعرضن عنهم إبتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً} عدة حسنة كأنه قد كان، ولعله أن يكون إن شاء الله {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} لا تعطي شيئاً {ولا تبسطها كل البسط} تعطي ما عندك {فتقعد ملوماً} يلومك من يأتيك بعد، ولا يجد عندك شيئاً {محسوراً} قال: قد حسرك من قد أعطيته. وأخرج البخاري في الأدب، حديث : عن كليب بن منفعة رضي الله عنه قال: قال جدي يا رسول الله، من أبر؟ قال: "أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري والبخاري في الأدب وابن ماجة والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان، عن المقدام بن معديكرب - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما أنفق الرجل نفقة على نفسه وأهله يحتسبها، إلا آجره الله فيها، وابدأ بمن تعول، فإن كان فضل فالأقرب الأقرب، وإن كان فضل فناول. وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي في شعب الإيمان واللفظ له، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : احفظوا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فإنه لا بعد للرحم إذا قربت، وإن كانت بعيدة، ولا قرب لها إذا بعدت، وإن كانت قريبة، وكل رحم آتية يوم القيامة امام صاحبها تشهد له بصلته إن كان وصلها، وعليه بقطيعته إن كان قطعها ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه حديث : أن أعرابياً قال: "يا رسول الله، إني رجل موسر، وإن لي أماً وأباً وأختاً وأخاً وعماً وعمة وخالاً وخالة، فأيهم أولى بصلتي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك"". تفسير : وأخرج أحمد والحاكم والبيهقي، عن أبي رمثة التيمي تيم الرباب قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ويقول: "حديث : يد المعطي العليا أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك ". تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم والشيرازي في الألقاب والبيهقي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله عز وجل ليَعْمر للقوم الديار ويُكثر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضاً قيل يا رسول الله، وبم ذلك: قال: بصلتهم أرحامهم ". تفسير : وأخرج البيهقي وابن عدي وابن لال في مكارم الأخلاق وابن عساكر، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أهل البيت إذا تواصلوا أجرى الله عليهم الرزق، وكانوا في كنف الرحمن عز وجل ". تفسير : وأخرج البيهقي وابن جرير والخرائطي في مكارم الأخلاق من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونون فجاراً، فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا الرحم، وإن أعجل المعصية عقاباً، البغي، واليمين الفاجرة، تذهب المال، وتعقم الرحم، وتدع الديار بلاقع ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن ثعلبة بن زهدم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب: "حديث : يد المعطي العليا، ويد السائل السفلى، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك ". تفسير : وأخرج البزار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية {وآت ذي القربى حقه} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها فدك. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت {وآت ذي القربى حقه} أقطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطمة فدكا. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعطي وكيف يعطي وبمن يبدأ فأنزل الله {وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل} فأمر الله أن يبدأ بذي القربى، ثم بالمسكين وابن السبيل ومن بعدهم. قال: {ولا تبذر تبذيراً} يقول الله عز وجل: ولا تعط مالك كله فتقعد بغير شيء. قال: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} فتمنع ما عندك، فلا تعطي أحداً {ولا تبسطها كل البسط} فنهاه أن يعطي إلا ما بين له. وقال له: {وأما تعرضن عنهم} يقول: تمسك عن عطائهم {فقل لهم قولاً ميسوراً} يعني قولاً معروفاً، لعله أن يكون، عسى أن يكون. وأخرج أحمد والحاكم وصححه، حديث : عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ قال: "تخرج الزكاة المفروضة، فإنها مطهرة تطهرك، وتصل أقاربك، وتعرف حق السائل، والجار والمسكين" فقال: يا رسول الله، أقلل لي؟ قال: {فآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً} قال: حسبي رسول الله . تفسير : وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري في الأدب وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: {ولا تبذر تبذيراً} قال: التبذير، إنفاق المال في غير حقه. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - نتحدث أن التبذير النفقة في غير حقه. وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إن المبذرين} قال: هم الذين ينفقون المال في غير حقه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: {ولا تبذر تبذيراً} يقول: لا تعط مالك كله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: من السرف، أن يكتسي الإنسان ويأكل ويشرب مما ليس عنده، وما جاوز الكفاف فهو التبذير. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير، وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء وسمعة، فذلك حظ الشيطان. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: حديث : جاء ناس من مزينة يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"لا أجد ما أحملكم عليه" {أية : تولوا وأعينهم تفيض من الدمع} تفسير : [التوبة: 92] حزناً ظنوا ذلك، من غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى {وإما تعرضن عنهم إبتغاء رحمة من ربك} الآية. قال: الرحمة، الفيء. وأخرج ابن جرير من طريق الخراساني، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إبتغاء رحمة} قال: رزق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {وإما تعرضن عنهم إبتغاء رحمة من ربك ترجوها} قال: انتظار رزق الله. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: {وإما تعرضن عنهم} يقول: لا تجد شيئاً تعطيهم {ابتغاء رحمة من ربك} يقول: انتظار رزق الله من ربك، نزلت فيمن كان يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - من المساكين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {فقل لهم قولاً ميسوراً} قال: ليناً سهلاً، سيكون إن شاء الله تعالى فأفعل، سنصيب إن شاء الله فأفعل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: {فقل لهم قولاً ميسوراً} يقول: قل لهم نعم وكرامة، وليس عندنا اليوم، فإن يأتنا شيء نعرف حقكم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: {قولاً ميسوراً} قال: قولاً جميلاً، رزقنا الله وإياك بارك الله فيك. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فقل لهم قولاً ميسوراً} قال: العدة. قال سفيان: والعدة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دين، والله أعلم.
القشيري
تفسير : إيتاءُ الحقِّ يكون من المال ومن النَّفْس ومن القول ومن الفعل، ومَنْ نَزَل على اقتضاء حقِّه، وبذل الكُلَّ لأجل ما طالبه به من حقوق. فهو القائم بما ألزمه الحقُّ سبحانه بأمره. والتبذيرُ مجاوزةُ الحدِّ عمَّا قدَّره الأمرُ والإذنُ. وما يكون لحظِّ النَّفْسِ- وإن كان سمسمة - فهو تبذيرٌ، وما كان له - وإن كان الوفاءَ بالنَّفْس - فهو تقصيرٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {وآت} يا افضل المخلوق ويدخل فيه كل واحد من امته {ذا القربى} اى القرابة وهم المحارم مطلقا عند ابى حنيفة رحمه الله سواء كانت قرابتهم ولادية كالولد والوالدين او غير ولادية كالاخوة والاخوات {حقه} وهى النفقة اى اذا كانوا فقراء. اعلم انه لا يجب على الفقير الا نفقة اولاده الصغار الفقراء ونفقة زوجته غنية او فقيرة مسلمة او كافرة واما الغنى وهو صاحب النصاب الفاضل عن الحوائج الاصلية ذكراً كان أوانثى فيجب عليه نفقة الابوين ومن فى حكمهما من الاجداد والجدات اذا كانوا فقراء سواء كانوا مسلمين او كافرين وهذا اذا كانوا ذمة فان كانوا حربا لا يجب وان كانوا مستأمنين. ويجب نفقة كل ذى رحم محرم مما سوى الوالدين ان كان فقيرا صغيرا او انثى او زمنا او اعمى ولا يحسن الكسب لخرقه فان كان قادرا عليه لا يجب اتفاقا ولكونه من الشرفاء والعظماء. وتجب نفقة الابوين مع القدرة على الكسب ترجيحا لهما على سائر المحارم وطالب العلم اذا لم يقدر على الكسب لا تسقط نفقته على الاب كالزمن فان نفقة البنت بالغة والابن زمنا بالغا الى الاب واذا كان للفقير اب غنى وابن غنى فالنفقة على الابوين ولا نفقة مع اختلاف الدين الا بالزوجية كما سبق والولاد فنفقة الاصول الفقراء مسلمين اولا على الفروع الاغنياء ونفقة الفروع الفقراء مسلمين اولا على الاصول الغنياء فلا تجب على النصرانى نفقة اخيه المسلم ولا على المسلم نفقة اخيه النصرانى لعدم الولاء بينهما ويعتبر فى نفقة قرابة الولاد اصولا وفروعا الاقرب فالاقرب وفى نفقة ذى الرحم يعتبر كونه اهلا للارث ولا يجب النفقة لرحم بمحرم اتفاقا كأبناء العم بل حقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة والموافقة والتفصيل فى باب النفقة فى الفروع فارجع اليه وفى الحديث "حديث : البر والصلة يطيلان الاعمار ويعمران الديار ويكثران الاموال"تفسير : وان كان القوم فجارا وان البر والصلة ليخففان الحساب يوم القيامة. وفى الآية اشارة الى النفس فانها من ذوى قربى القلب ولها حق كما قال عليه الصلاة والسلام "حديث : ان لنفسك عليك حقا"تفسير : المعنى لا تبالغ فى رياضة النفس وجهادها لئلا تسأم وتمل وتضعف عن حمل اعباء الشريعة وحقها رعايتها عن السرف فى المأكول والملبوس والاناث والمسكن وحفظها عن طرفى الافراط والتفريط كما فى التأويلات النجمية {والمسكين وابن السبيل} اى وآتهما حقهما مما كان مفترضا بمكة بمنزلة الزكاة المسكين من لا شئ له والفقير من له شئ دون نصاب وقيل بالعكس. وابن السبيل اى الملازم لها هو من له مال لا معه وهو المسافر المنقطع عن ماله {ولا تبذر تبذيرا} بصرف المال الى من سواهم ممن لا يستحقه فان التبذير تفريق فى غير موضعه واما الاسراف الذى هو تجاوز الحد فى صرفه فقد نهى عنه بقوله {أية : ولا تبسطها كل البسط}تفسير : سعدى شعر : نه هر كس سزاوار باشد بمال يكى مال خواهد يكى كوشمال
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وآتِ ذا القُربى حقه} أي: أعط ذا القربة حقه؛ من البر، وصلة الرحم، وحسن المعاشرة. وقال أبو حنيفة: إذا كانوا محاويج فقراء: أن ينفق عليهم. وقيل: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أن يُؤتى قرابته من بيت المال، {و} آت {المسكينَ} حقه {وابنَ السبيل}؛ الغريب، من برهما والإحسان إليهما، {ولا تبذرْ تبذيرًا}؛ بصرف المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه السرف. قال ابن عزيز: التبذير في النفقة: الإسراف فيها، وتفريقها في غير ما أحل الله. هـ. وأصل التبذير: التفريق. "حديث : رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد، وهو يتوضأ: مَا هذَا السَّرَفُ؟ فقال: أَو فِي الوُضُوءِ سَرَفٌ؟ فقال: "نَعَمْ، وإِنْ كنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ ". تفسير : {إِنَّ المبذّرين كانوا إِخوانَ الشياطين} أي: أمثالهم في الشر؛ فإن التضييع والإتلاف شر. أو: على طريقتهم، أو: أصدقاؤهم وأتباعهم؛ لأنهم يطيعونهم في الإسراف، رُوي أنهم كانوا ينحرون الإبل ويتياسرون عليها - أي: يتقامرون - من الميسر، وهو القمار - ويُبذرون أموالهم - في السمعة، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم بالإنفاق في القرابات. {وكان الشيطانُ لربِّه كفورًا}؛ مبالغاً في الكفر، فينبغي ألا يطاع. {وإِما تُعْرِضنَّ عنهم } أي: وإن أعرضت عما ذكر من ذوي القربى والمسكين وابن السبيل؛ حياء من الرد، حيث لم تجد ما تُعطيهم، {ابتغاءَ رحمةٍ من ربك ترجوها} أي: لطلب رزق تنتظره يأتيك لتعطيهم منه، {فقلْ لهم قولاً ميسورًا}؛ فقل لهم قولاً لينًا سهلاً، بأن تعدهم بالعطاء عند مجيء الرزق، وكان صلى الله عليه وسلم إذا سأله أحد، ولم يجد ما يعطيه، أعرض عنه، حياء منه. فَأُمِرَ بحسن القول مع ذلك، مثل: رزقنا الله وإياكم، والله يُغنيكم من فضله، وشبه ذلك ثم أمره بالتوسط في العطاء، فقال: {ولا تجعل يدكَ مغلولةً إِلى عُنقك} أي: لا تمسكها عن الإنفاق كل الإمساك، {ولا تبسطها كل البسط}، وهو استعارة لغاية الجود، فنهى الحقُّ تعالى عن الطرفين، وأمر بالتوسط فيهما، كقوله: {أية : إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ...} تفسير : [الفُرقان: 67] الآية. {فتقعُدَ ملومًا محسورًا} أي: فتصير، إذا أسرفت، ملومًا عند الله وعند الناس؛ بالإسراف وسوء التبذير، محسورًا: منقطعًا بك، لا شيء عندك. وهو من قولهم: حسر السفر بالبعير: إذا أتعبه، ولم يُبْقِ له قوة. وعن جابر رضي الله عنه: بينا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ، أتاهُ صبي، فقال له: إن أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ الدِّرْعَ الذي عَليْكَ، فَدَخَلَ دَارَهُ ونَزَعَ قَمِيصَهُ وأعْطَاهُ، وقَعَدَ عُرْيَانًا، وأذَّن بلالٌ، وانتظره للصلاة، فلم يخرُجْ، فأنزل الله: {ولا تجعل يدك} الآية. ثم سلاَّه بقوله: {إِنَّ ربك يبسط الرزق}؛ يوسعه {لمن يشاءُ ويَقْدِرُ}؛ يضيقه على من يشاء. فكل ما يصيبك من الضيق فإنما هو لمصلحة باطنية، {إِنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا}؛ يعلم سرهم وعلانيتهم، فيعلم مِنْ مصالحهم ما يخفى عليهم؛ فيرزقهم على حسب مصالحهم، ويضيق عليهم على قدر صبرهم. والحاصل: أنه يُعطي كل واحد ما يَصلح به، والله أعلم. الإشارة: أمر الحق - جلّ جلاله - رسوله صلى الله عليه وسلم، وخلفاءه ممن كان على قدمه، أن يعطوا حق الواردين عليهم من قرابة الدين والنسب، والمساكين والغرباء، من البر والإحسان حسًا ومعنى؛ كتعظيم ملاقاته، وإرشادهم إلى ما ينفع بواطنهم، والإنفاق عليهم، من أحسن ما يجد، حسًا ومعنى، وخصوصًا الإخوان في الله. فكل ما يُنفق عليهم فهو قليل في حقهم، ولا يُعد سرفًا، ولو أنفق ملء الأرض ذهبًا. قال في القوت: دعا إبراهيمُ بن أدهم الثوريَّ وأصحابَه إلى طعام، فأكثر منه، فقال له سفيانُ: يا أبا إسحاق؛ أما تخاف أن يكون هذا سرفًا؟ فقال إبراهيم: ليس في الطعام سرف. هـ. قلت: هذا إن قدَّمه إلى الإخوان الذاكرين الله؛ قاصدًا وجه الله، وأما إن قدمه؛ مفاخرة ومباهاة دخله السرف. قاله في الحاشية الفاسية، ومثله في تفسير القشيري، وأنه لا سَرف فيما كان لله، ولو أنفق ما أنفق. بخلاف ما كان لدواعي النفس ولو فلسًا. هـ. وأما الخروج عن المال كله فمذموم، إلا من قوي يقينه، كالصدِّيق، ومن كان على قدمه. وكذلك الاستقراض على الله، واشتراؤه بالدَّين من غير مادة معلومة، إن كان قوي اليقين، وجرّب معاملته مع الحق، فلا بأس بفعل ذلك؛ وإلاَّ فليكف؛ لئلا يتعرض لإتلاف أموال الناس فيتلفه الله. وبالله التوفيق. ولما أمر بما يقربها إليه نهى عما يبعدنا عنه
الجنابذي
تفسير : {وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} خصّه بالتّخاطب بعد تعميم الخطاب اشعاراً بانّه (ص) اصل فى هذا الحكم وانّ اصل الحقوق بيده وانّ اصل ذوى القربى هو القريب الرّوحانىّ له (ص). اعلم، انّ الانسان ذو مراتب عديدة بحسب بدنه ونفسه وقلبه وروحه وعقله وسرّه وله فى كلّ من المراتب قرابات وقراباته بحسب مراتب القرب متفاوتة بعضها اقرب وبعضها قريب ولكلٍّ بحسب مرتبته حقّ، هذا فى العالم الكبير وله ايضاً فى عالمه الصّغير قرابات من نفسه وقواها المدركة والمحرّكة وبدنه واعضائه ولكلٍّ ايضاً حقّ كالقرابات الجسمانيّة كالعمودين وفروع الاصول حقوقهم ما فرض لهم، وبيّن من الاموال فى المواريث ومن تعهّد الاحوال وبشر الوجه وقضاء الحاجات ممّا قرّر فى صلة الارحام الصّوريّة والقرابات الصّدريّة النّفسيّة، كالدّاخلين فى الاسلام حقوقهم النّصح وتعليم الاحكام وبشر الوجه وتعهّد الحال وقضاء الحاجات وستر العيوب وحفظ الغيب وغير ذلك ممّا قرّر فى حسن المعاشرة مع المسلمين، والقرابات القلبيّة الايمانيّة كالمبتاعين بالبيعة الخاصّة الولويّة حقوقهم مع ذلك بذل الوسع فى خدمتهم والمواساة بالمال والايثار فيما يقتضى الايثار والتّرحّم والدّعاء لهم بظهر الغيب وغير ذلك ممّا قرّر فى حقّ المؤمنين؛ هذا للمسلمين والمؤمنين الّذين هو بمنزلة الاخوة فى القرابات الجسمانيّة. وامّا المسلمون بالنّسبة الى النّبىّ (ص) والمؤمنون بالنّسبة الى الامام (ع) الّذى هو كالاب وهم كالاولاد حقوقهم عليه وحقوقه عليهم مع تلك الحقوق امر آخر، وكذلك النّبىّ (ص) بالنّسبة الى خليفته والامام بالنّسبة الى امام بعده حقوقهم غير ذلك، فاذا عرفت ذلك عرفت انّ تفسير ذى القربى بالقرابات الصّوريّة وبالقرابات الاسلاميّة وبالقرابات الايمانيّة وبالامام وباقرباء محمّد وبآل محمّد (ص) كلّها صحيح، وكذا تفسير الحقّ المالىّ بالحقّ الميراثىّ وبفدك لفاطمة (ع) وبالتّصدّق من اصل المال على الاقرباء وبالمواساة وقضاء الحاجات والخدمة للاخوان الاسلاميّة والايمانيّة وبتعظيم النّبىّ والامام وبحقّ الامامة للامام كلّها صحيح فاختلاف الاخبار فى تفسير الآية لكثرة مراتبها وسعة وجوهها والكلّ صحيح من غير خللٍ {وَٱلْمِسْكِينَ} الّذى اسكنه العجز عن الكسب للقوت وحقّه من الزّكاة والتّصدقّات او اعجزه الشّيطان والنّفس عن الوصول الى الامام (ع) بعد الوصول الى النّبىّ (ص) او عن السّلوك الى الله بعد الوصول الى الامام {وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} المنقطع عن بلاده السّائر اليها ولم يكن له زاد بالفعل او بالقوّة لو بالاستدانة، او المنقطع عن الامام (ع) السّائر اليه ظاهراً او باطناً {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} باعطاء غير المستحقّ او اعطاء المستحقّ زائداً عن حقّه، ولمّا امر بايتاء الحقوق للمستحقّين نهى عن التّبذير الّذى هو ايتاء غير المستحق وايتاء المستحقّ زائداً عن الحقّ الّذى هو السّرف فانّ الايتاء من غير تبذير هو الاقتصاد فالتّبذير ههنا اعمّ من الاسراف وان كان قد يقابله، ولمّا كان الامر بايتاء الحقوق مستلزماً للنّهى عن التّقتير بمفهوم المخالفة اكتفى عنه به ونهى صريحاً عن السرّف، ولمّا لم يختصّ ايتاء الحقّ بالمال الصّورىّ ولا بالقرابات الصّوريّة بل يعمّ سائر الحقوق وجميع القرابات فى العالم الكبير والصّغير "حديث : ورد عن النّبىّ (ص) انّه مرّ بسعدٍ وهو يتوضّأ فقال: ما هذا السّرف يا سعد؟ - قال: أفى الوضوء سرف؟ - قال: نعم وان كنت على عينٍ جاريةٍ"تفسير : ، وورد عن الصّادق (ع): انّه سئل أفيكون تبذيرٌ فى حلالٍ؟ - قال: نعم، والسّرّ فيه انّ من كان على عينٍ جاريةٍ وزاد فى تحريك القوى على ما يؤدّى به الفرض والنّدب كان ذلك منه استعمالاً للقوى وتوجّهاً الى القوى المحرّكة من غير استحقاقٍ وان لم يكن سرف وتبذير هناك للماء، وخلاصة ما يستفاد من الاخبار باختلافها انّ انفاق المال او الكلام او العلم او الحكمة او العرض والجاه او قوّة القوى او الانفاق على النّفس وقواها بمشتهياتها من غير التفات الى امر الله وامتثالٍ له تبذير كائناً ما كان، وكلّ ذلك اذا كان بأمرٍ من الله والتفات اليه وامتثالٍ له اقتصاد كائناً ما كان ولذلك ذكروا انّه لو جعلت الدّنيا كلّها لقمةً واطعمتها مؤمناً ما كان سرفاً.
فرات الكوفي
تفسير : {وآت ذا القربى حقه 26= فآت ذا القربى حقه38 الروم} فرات قال: حدّثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي معنعناً: عن أبي مريم قال: سمعت جعفر عليه السلام يقول: لما نزلت [هذه. ب، أ] الآية: {وآت ذا القربى حقه} حديث : أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة فدك . تفسير : فقال أبان بن تغلب: رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ب] أعطاها؟ قال: فغضب جعفر [عليه السلام. ب] ثم قال: الله أعطاها. فرات قال: حدّثنا جعفر معنعناً: عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت {وآت ذا القربى حقه} قال:حديث : دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة فأعطاها فدك .
الأعقم
تفسير : {وآت ذا القربى حقه} يعني أقارب الانسان من صلة رحمه، وقيل: أراد قرابة الرسول، وقيل: أراد أيها الانسان أو أيها السامع وهو ما يجب في القرابة من النفقة وصلة الرحم {والمسكين} هو الفقير الذي لا شيء له {وابن السبيل} المنقطع عن ماله {ولا تبذر تبذيراً} قال مجاهد: لو انفق مُداً في باطل كان مبذراً، ولو أنفق جميع ماله في حق ما كان مبذراً، وقيل: إنفاق المال في غير حقه {إن المبذرين} المسرفين المنفقين أموالهم في المعاصي {كانوا إخوان الشياطين}، قيل: إنهم إخوانهم باتباعهم على آثارهم، وقيل: يقرن بينهم وبين الشياطين في النار {وكان الشيطان لربه كفوراً} {وإما تعرضنّ عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} الآية نزلت في بلال وصهيب وسالم وخباب، وكانوا يسألون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يحتاجون اليه ولم يجد شيئاً فيعرض عنهم حياء، وروي أنه كان يسكت فلما نزلت الآية كان يقول: "حديث : يرزقنا الله وإياكم"تفسير : ، وهو قول ميسور، وعن جابر قال: حديث : بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قاعداً ذات يوم إذ جاء صبي فقال: يا رسول الله ان أمي تستكسيك درعاً، ولم يكن عنده غير قميصه الذي هو لابسه فقال للصبي: "من ساعة إلى ساعة نظر" فقعد فعاد إلى أمه، فقالت أمه: اذهب وقل له، فعاد إليه فدفعه إليه، وأذَّن بلال للصلاة وانتظر ولم يخرج، فدخل إليه بعضهم فرآه عرياناًتفسير : ، فنزل قوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط}، وقوله: {ابتغاء رحمة من ربك} يعني انتظار رزق يأتيك من ربك، قيل: هو الغنيمة، وقيل: سائر ما يرجو الله تعالى {فقل لهم قولاً ميسوراً} أي اصرفهم بقول لين، ومعنى {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} هذا كناية عن قبض اليد عن الانفاق، وتقديره لا تمسك يدك من النفقة كالمشدود يده إلى عنقه {ولا تبسطها كل البسط} أي لا تنفق جميع ما عندك وتذر نفسك وعيالك {فتقعد ملوماً محسوراً} المحسور الذي داخله الحسرة، وقيل: منقطعاً بك لا شيء عندك {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي يوسع ويضيق بحسب المصلحة ويوسع مرة ويضيق أخرى {إنه كان بعباده خبيراً بصيراً} {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} خوف فقر عن ابن عباس فكانوا يأدون البنات فيدفنوهن أحياء، والآية نزلت في الجاهلية، وقيل: مخافة العار {نحن نرزقهم وإياكم} يعني هو المتكفل برزقهم ورزقكم، وقوله: {خطئاًً كبيراً} الخطء والخطّاء لغتان، وقيل: الكسر ما كان عمداً والفتح ما كان خطأ سهواً، يعني إثماً كبيراً {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} أي معصية عظيمة قبيحة {وساء سبيلاً} أي بئس الطريق الزنا {ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً} بغير حق {فقد جعلنا لوليّه سلطاناً} ولي من يرث امرأة كانت أو رجلاً {فلا يسرف في القتل} والاسراف هو أن يقتل وليّه غير قاتله، وكانوا يتعدون إلى غير القاتل من الحميم والقريب، وقيل: لا يقتل اثنين بواحد {إنه كان منصوراً}، قيل: الكناية ترجع إلى الولي، يعني أن الولي كان منصوراً.
الهواري
تفسير : قوله: { وَءَاتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ} يعني ما أمر الله به من صلة القرابة. يقال: إن كان لك مال فصله بمالك، وإن لم يكن لك مال فامشِ إليه برجلك. قال الحسن: حقُّ الرحم ألا تحرمها ولا تهجرها. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إنَّ الرّحم معلّقة بالعرش. وليس الواصل بالمكافىء، ولكن الذي إذا انقطعت رحمه وصلها تفسير : قوله: {وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} وهما صنفان من أهل الزكاة الواجبة. وكانت نزلت قبل أن يُسمّى أهل الزكاة. {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} أي: لا تنفق في غير حقّ. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما أنفقتم في سبيل الله فلكم، وما أنفقتم على أنفسكم فلكم، وما أنفقتم على عيالكم فلكم، وما تركتم فللوارث تفسير : ذكروا عن علي قال: ما أنفقت على نفسك فلك، وما أنفقت على عيالك فلك، وما أنفقت رياء وسمعة فهو للشيطان. قوله: { إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} يعني المشركين ينفقون في معاصي الله، فهو للشيطان. وما أنفق المؤمن لغير الله لا يقبله الله. وإنما هو للشيطان. قال: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً}. قوله: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} أي ابتغاء الرزق { فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً}. ذكروا عن الحسن أن سائلاً قام فقال: يا رسول الله، لقد بتنا البارحة بغير عَشاء، وما أحسبنا الليلة نرجوه. فقال: حديث : يرزقنا الله وإياك من فضله، اجلس. فجلس. ثم قام آخر فقال: مثل ذلك. فردّ عليه رسول الله مثل ذلك. فأُتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع أواق من ذهب، فقال: أين السائلان؟ فقام الرجلان فأعطى كل واحد منهما أوقية، ولم يسأله أحد، فرجع بأوقيتين، فجعلهما تحت فراشه. فسهر ليلته بين فراشه ومسجده، فقالت أم المؤمنين: يا رسول الله ما أسهرك؟ أوَجَع أم أمر نزل؟ فقال: يا عائشة، أُتِيت بأربع أواق فأمضيت وقيتين وبقيت وقيتان، فخشيت أن يحدث بي حدث ولم أوجّههما . تفسير : قال بعضهم: بلغنا أن قوله: { فَقُلْ لَّهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً} أن يقول لهم: يرزقنا الله وإياك. ذكر عن عائشة أنها قالت: لا تقولوا للسائل: بارك الله فيك، فإنه قد يسأل البَرُّ والفاجرُ، ولكن قولوا: يرزقنا الله وإياك. قوله: {ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} يعني انتظار رزق من ربك. ذكر الحسن قال: كان السائل يسأل فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : والله ما أصبح في بيوت آل محمد صاع من طعام، وهي يومئذ تسعة أبيات. ولم يكن به شكوى، ولكن والله اعتذار منه عليه السلام .
اطفيش
تفسير : {وآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} أعط صاحب القرابة من أب وأُم أو أحدهما إِن لم تكن قرابة الآخر حقه من البر والصلة وحسن العشرة والود والزيارة والمؤالفة والنصر فى الحق سواء كانوا أغنياء أو فقراء أذلاء أو أعزاء، يقال إِن كان لك مال فصلهم به وإِلا فبالزيارة برجليك، وعن الحسن: حق الرحم أن لا يحرمنها ويعجزها. وعنه - صلى الله عليه وسلم - حديث : الرحم متعلقة بالعرش وليس الواصل المكافئ ولكن الذى إِذا انقطعت رحمه وصلهاتفسير : . وعن الحسن وابن عباس وعكرمة المراد مواساة الرحم بالمال والإِعانة عند احتياجها، وذلك توصية من الله جل جلاله بالقرابة بعد التوصية بالوالدين، وعن أبى حنيفة: المراد حق الوالدين والولد ونحوهم من المحارم إِذا عجزوا عن الكسب وكانوا فقراء وأنت موسر، أنفقت عليهم، وكان الشافعى لا يرى النفقة إلا على الولد والوالدين، وقيل المراد قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بإِعطاء حقهم من الغنيمة، والجمهور على الأَول. {وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ الْسَّبِيلِ} حقهما نصيبهما من الزكاة ويتبادر من ذكرهما أن حق ذى القرى مواساتهم بالمال فيتفق أن الحق فى جانب كل ما ذكر هو المال لظهور أنه المال فى جانب المسكين وابن السبيل، وفى الكلام حذف المفعول الثانى أى والمسكين وابن السبيل حقهما أو وابن السبيل حقه والمسكين حقه؛ والأَول أولى لأَنه ينبغى تقليل المحذوف ما أمكن وذلك من العطف على معمولى عامل واحد. {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} لا تسرف إِسرافاً، وأصل التبذير التفريق، والمراد إنفاق المال فيما لا ينبغى، وإِنفاقه فيما لا ينبغى كالإِنفاق رياء أو سمعة، والإِنفاق فى المزامير والنياحة والكهانة ونحو ذلك من المعاصى، وكتضييع المال أو كالمبالغة فى المأْكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن وكإِعطاء الزكاة لغير أهلها. وقال ابن مسعود لسائله عن التبذير: إِنه إِنفاق المال فى غير حقه. قال عبد الله بن عمر: حديث : مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسعد وهو يتوضأَ. فقال: ما هذا السرف يا سعد؟ فقال: أفى الوضوء سرف. قال: نعم. وإِن كنت على نهر جارتفسير : . وفى رواية شط نهر جار. قال مجاهد وغيره: لو أنفق الإنسان ماله كله فى الحق لم يكن مبذراً، ولو أنفق درهماً أو مدا فى باطل كان مبذراً. روى أن بعضاً أنفق نفقة فى خير فأكثر فقال له صاحبه: لا خير فى السرف. فقال: لا سرف فى الخير وإِنما يصرف الإِنسان ماله فى واجب أو مندوب متقرباً به إِلى الله سبحانه وتعالى أو فى مباح لا يصرفه بنيته أو كلامه إِلى معصية بل ينبغى صرف المباح إِلى الطاعة بالنية. وعن الحسن، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : ما أنفقتم فى سبيل الله فلكم وما أنفقتم على عيالكم فلكم، وما تركتم فللوارثتفسير : . وعن على ما أنفقت على نفسك فهو لك، وما أنفقت على عيالك فلك، وما أنفقت رياء وسمعة فهو للشيطان.
اطفيش
تفسير : وذكر حق القرابة بعد الوالدين بقوله: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} أى اجعل حق ذى القرابة منك آتيا إياه، وواصلا إِليه، فكأنه قيل أعط ذا القربى حقه من جهة الأب أو الأم أو جهتهما احتاج أو لم يحتج، من مال أو نفع أو سلام، وإن احتاجوا ولا مكسب لهم، وجب عليه الإنفاق عليهم بقدر الإرث فيما بين العصبة، والبسط فى النفقة، ويجب عليه حق قرابة الأم إن احتاجوا أولا عصبة لهم أو لهم عصبة امتنعوا، أعنى يجب عليه أن لا يتركهم فيموتوا، وأنه قبل غيره من الأباعد، ولا يحكم عليه بذلك. وعن أبى حنيفة: يجب على الموسر مواساة أقاربه إذا كانوا محارم كالأخ والأخت. وقال الشافعى: لا يجب الإنفاق إلا علىالولد والوالدين، ومن حق القرابة الزيارة وحسن العشرة. وذكر ذى القربى تعميم بعد تخصيص بأن ذا القربى يتناول الوالدين لغة، ولو لم يتناولهما عرفا، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن قال لأبيه قريبى فقد عقّه"تفسير : فلو أوصى لقرابته لم يدخل الوالدان، والوصية تجرى على العرف إذا كان وإلا فعلى اللغة. ويبحث فيما ذكر أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآية نادى فاطمة رضى الله عنها، فأعطاها فدكَ فإنه إذا كانت البنت قريبة لأبيها، فالأب قريب لها إِلا أنا لا نسلم عطاء فدك لأن الآية مكية، وفدك ملكت فى المدينة إلا أن يقال علم أنه سيملكها فوهبها لفاطمة رضى الله عنها. وقيل: ذا القربى قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجب علينا الإنفاق عليهم إن احتاجوا، وتوقيرهم وحقهم من الخمس ولا دليل لهذا التخصيص، قال على ابن الحسين بن علىّ بن أبى طالب الشامى: أقرأت {آت ذا القربى حقه} قال: فأقم للقربى فى الآية؟ قال نعم. {وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} عطف على ذا القربى، والمعطوف على حقه محذوف، أى والمسكين وابن السبيل حقهما. {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} لا تفرق المال، والتبذير التفريق مأخوذ من التبذير وهو إلقاء البذر فى الأرض كيف ما كان من غير تعهد لمواقعه، قال ابن مسعود رضى الله عنه: التبذير إنفاق المال فى غير حقه، وذلك هو صرفة إلى من لا يستحقه، وقيل: الإسراف تجاوز فى الكمية، والتبذير: تجاوز فى موضع الحق، والظاهر أنهما سواء وعدو منهما تشييد الدار، واستدل بعض على أن المراد الإنفاق فى المعصية بقوله تعالى: {إن الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} وما أنفق فى معصية، لو فيما لا نفع فيه ولو حبة، فإنفاقه تبذير، "حديث : روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لسعد، وهو يتوضأ: ما هذا السَّرَف؟ قال: أفى الوضوء سَرَف؟ قال: وإن كنتَ على نهر" تفسير : رواه أحمد بن عبد الله بن عمر صحيحا، ومعنى إخوان الشياطين أشباه الشياطين، كما يشبه الرجل أخاه من النسب، فهم كالشياطين فى المعصية، جمعتهم المعصية، كما يجمع الإخوان أبوهم، أو أحباء الشياطين، كأنهم أحبوهم لاتباعهم فى المعصية وذلك تشبيه، ولا محبة، لكن شهرا بمن أحب أحداً فاتبعه، ومن ذلك ما يصرفون فى الأزلام والمياسر والمفاخر، ينحرون الإبل فى ذلك، ولا يحل لكل ذلك، لأنه ميتة. وكذلك فعل الفرزدق أو أبوه فى الإسلام، فأفتى علىّ بأنها حرام لا تؤكل وكل ما فعل للرياء إسراف. {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ} أى لنعم ربه {كَفُورًا} مبالغة فى الكفر، فلا يقتدى بأحد فى الكفر ولو قلّ بل الكفر وإن قل عظيم، والكافر خبيث، ومن خبث لا ينهى اتباعه ولو فيما أقل من كفره، وصرف المال فى المعصية ضد الشكر به، وهو صرفه فى الطاعة.
الالوسي
تفسير : {وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ} أي ذا القرابة منك {حَقَّهُ} الثابت له. قيل ولعل المراد بذي القربـى المحارم وبحقهم النفقة عليهم إذا كانوا فقراء عاجزين عن الكسب عما ينبـىء عنه قوله تعالى: {وَٱلْمِسْـٰكِيْنَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} فإن المأمور به في حقهما المواساة المالية أي وآتهما حقهما مما كان مفترضاً بمكة بمنزلة الزكاة وكذا النهي عن التبذير وعن الإفراط في القبض والبسط فإن الكل من التصرفات المالية. واستدل بعضهم بالآية على إيجاب نفقة المحارم المحتاجين وإن لم يكونوا أصلاً كالوالدين ولا فرعاً كالولد، والكلام من باب التعميم بعد التخصيص فإن ذا القربـى يتناول الوالدين لغة وإن لم يتناوله عرفاً فلذا قالوا في باب الوصية المبنية على العرف: لو أوصى لذوي قرابته لا يدخلان. وفي «المعراج» عن النبـي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قال لأبيه قربى فقد عقه»تفسير : ، والغرض من ذلك تناول غيرهما من الأقارب والتوصية بشأنه. وفي «الكشف» أن الحق أن إيتاء الحق عام والمقام يقتضي الشمول فيتناول الحق المالي وغيره من الصلة وحسن المعاشرة فلا تنتهض الآية دليلاً على إيجاب نفقة المحارم. وتعقب أن قوله تعالى: {حَقَّهُ} يشعر باستحقاق ذلك لاحتياجه مع أنه إذا عم دخل فيه المالي وغيره فكيف لا تنتهض الآية دليلاً وأنا ممن يقول بالعموم وعدم اختصاص ذي القربـى بذي القرابة الولادية، والعطف وكذا ما بعده لا يدل على تخصيص قطعاً فتدبر. وقيل: المراد بذي القربـى أقارب الرسول صلى الله عليه وسلم وروي ذلك عن السدي، وأخرج ابن جرير عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أنه قال لرجل من أهل الشام: أقرأت القرآن؟ قال: نعم قال: أفما قرأت في بني إسرائيل {وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ}؟ قال: وإنكم القرابة الذي أمر الله تعالى أن يؤتى حقه؟ قال: نعم، ورواه الشيعة عن الصادق رضي الله تعالى عنه وحقهم توقيرهم وإعطاؤهم الخمس. وضعف بأنه لا قرينة على التخصيص، وأجيب بأن الخطاب قرينة وفيه نظر. وما أخرجه البزار وأبو يعلى وابن أبـي حاتم وابن مردويه عن أبـي سعيد الخدري من أنه لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها فدكاً لا يدل على تخصيص الخطاب به عليه الصلاة والسلام على أن في القلب من صحة الخبر شيء بناءً على أن السورة مكية وليست هذه الآية من المستثنيات وفدك لم تكن إذ ذاك تحت تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بل طلبها رضي الله تعالى عنها ذلك إرثاً بعد وفاته عليه الصلاة والسلام كما هو المشهور يأبـى القول / بالصحة كما لا يخفى. {وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا} نهي عن صرف المال إلى من لا يستحقه فإن التبذير إنفاق في غير موضعه مأخوذ من تفريق البذر وإلقائه في الأرض كيفما كان من غير تعهد لمواقعه. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في «الشعب» عن ابن مسعود أنه قال: التبذير إنفاق المال في غير حقه. وفي «مفردات الراغب» وغيره أن أصله إلقاء البذر وطرحه ثم استعير لتضييع المال، وعد من ذلك بعضهم تشييد الدار ونحوه، وفرق الماوردي بينه وبين الإسراف بأن الإسراف تجاوز في الكمية وهو جهل بمقادير الحقوق والتبذير تجاوز في موقع الحق وهو جهل بالكيفية وبمواقعها وكلاهما مذموم والثاني أدخل في الذم. وفسر الزمخشري التبذير هنا بتفريق المال فيما لا ينبغي وإنفاقه على وجه الإسراف، وذكر أن فيه إشارة إلى أن التبذير شامل للإسراف في عرف اللغة ويراد منه حقيقة وإن فرق بينهما بما فرق. وفي «الكشف» بعد نقل الفرق والنص على أن الثاني أدخل في الذم أن الزمخشري لم يغب ذلك عليه لأن الاشتقاق يرشد إليه وإنما أراد أنه في الآية يتناول الإسراف أيضاً بطريق الدلالة إذ لا يفترقان في الأحكام لا سيما وقد عقبه سبحانه بالحث على الاقتصاد المناسب لاعتبار الكمية المرشد إلى إرادته من النص. وتعقب بأنه إذا كان التبذير أدخل في الذم من الإسراف كيف يتناوله بطريق الدلالة والنهي عن الإسراف فيما بعد يبعد إرادته هٰهنا فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : {وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} القرابة كلها متشعبة عن الأبوة فلا جرم انتقل من الكلام على حقوق الأبوين إلى الكلام على حقوق القرابة. وللقرابة حقّان: حق الصلة، وحق المواساة. وقد جمعهما جنس الحق في قوله؛ {حقه}. والحوالة فيه على ما هو معروف وعلى أدلة أخرى. والخطاب لغير معين مثل قوله: {أية : إما يبلغن عندك الكبر}تفسير : [الإسراء: 23]. والعدول عن الخطاب بالجمع في قوله: {أية : ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين}تفسير : [الإسراء: 25] الآية إلى الخطاب بالإفراد بقوله: {وآت ذا القربى} تفنن لتجنب كراهة إعادة الصيغة الواحدة عدة مرات، والمخاطب غير معين فهو في معنى الجمع. والجملة معطوفة على جملة {أية : ألا تعبدوا إلا إياه}تفسير : [الإسراء: 23] لأنها من جملة ما قضى الله به. والإيتاء: الإعطاء. وهو حقيقة في إعطاء الأشياء، ومجاز شائع في التمكين من الأمور المعنوية كحسن المعاملة والنصرة. ومنه قول النبي: ورجل آتاه الله الحِكمة فهو يقضي بها الحديث. وإطلاق الإيتاء هنا صالح للمعنيين كما هي طريقة القرآن في توفير المعاني وإيجاز الألفاظ. وقد بينت أدلّة شرعية حقوق ذي القربى ومراتبها: من واجبة مثل بعض النفقة على بعض القرابة مبينة شروطها عند الفقهاء، ومن غير واجبة مثل الإحسان. وليس لهاته تعلق بحقوق قرابة النبي لأن حقوقهم في المال تقررت بعد الهجرة لما فرضت الزكاة وشرعت المغانم والأفياء وقسمتها. ولذلك حمل جمهور العلماء هذه الآية على حقوق قرابة النسب بين الناس. وعن علي زين العابدين أنها تشمل قرابة النبي. والتعريف في {القربى} تعريف الجنس، أي القربى منك، وهو الذي يعبر عنه بأن (ال) عوض عن المضاف إليه. وبمناسبة ذكر إيتاء ذي القربى عطف عليه من يماثله في استحقاق المواساة. وحق المسكين هو الصدقة. قال تعالى: {أية : ولا تحاضون على طعام المسكين}تفسير : [الفجر: 18] وقوله: {أية : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة}تفسير : [البلد: 14-16]. وقد بينت آيات وأحاديث كثيرة حقوق المساكين وأعظمها آية الزكاة ومراتب الصدقات الواجبة وغيرها. {وابن السبيل} هو المسافر يمر بحي من الأحياء، فله على الحي الذي يمر به حق ضيافته. وحقوق الأضياف جاءت في كلام النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: «حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة»تفسير : . وكانت ضيافة ابن السبيل من أصول الحنيفية مما سنّه إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ قال الحريري: «وحُرمة الشيخ الذي سَن القِرى». وقد جعل لابن السبيل نصيب من الزكاة. وقد جمعت هذه الآية ثلاث وصايا مما أوصى الله به بقوله: {أية : وقضى ربك}تفسير : الآيات [الإسراء: 23]. فأما إيتاء ذي القربى فالمقصد منه مقارب للمقصد من الإحسان للوالدين رعياً لاتحاد المنبت القريب وشدًّا لآصرة العشيرة التي تتكون منها القبيلة. وفي ذلك صلاح عظيم لنظام القبيلة وأمنها وذبها عن حوزتها. وأما إيتاء المسكين فلمقصد انتظام المجتمع بأن لا يكون من أفراده من هو في بؤس وشقاء، على أن ذلك المسكين لا يعدو أن يكون من القبيلة في الغالب أقعده العجز عن العمل والفقر عن الكفاية. وأما إيتاء ابن السبيل فلإكمال نظام المجتمع، لأن المارّ به من غير بنيه بحاجة عظيمة إلى الإيواء ليلاً ليقيه من عوادي الوحوش واللصوص، وإلى الطعام والدفء أو التظلل وقاية من إضرار الجوع والقر أو الحر. {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} لما ذكر البذل المحمود وكان ضده معروفاً عند العرب أعقبه بذكره للمناسبة. ولأن في الانكفاف عن البذل غير المحمود الذي هو التبذير استبقاء للمال الذي يفي بالبذل المأمور به، فالانكفاف عن هذا تيسير لذاك وعون عليه، فهذا وإن كان غرضاً مهماً من التشريع المسوق في هذه الآيات قد وقع موقع الاستطراد في أثناء الوصايا المتعلقة بإيتاء المال ليظهر كونه وسيلة لإيتاء المال لمستحقيه، وكونه مقصوداً بالوصاية أيضاً لذاته. ولذلك سيعود الكلام إلى إيتاء المال لمستحقيه بعد الفراغ من النهي عن التبذير بقوله: {أية : وإما تعرضن عنهم}تفسير : الآية، [الإسراء: 28] ثم يعود الكلام إلى ما يبين أحكام التبذير بقوله:{أية : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} تفسير : [الإسراء: 29]. وليس قوله: {ولا تبذر تبذيراً} متعلقاً بقوله: {وآت ذا القربى حقه} الخ.. لأنّ التبذير لا يوصف به بذل المال في حقّه ولو كان أكثر من حاجة المعطى (بالفتح). فجملة {ولا تبذر تبذيرا} معطوفة على جملة {أية : ألا تعبدوا إلا إياه} تفسير : [الإسراء: 23] لأنها من جملة ما قضى الله به، وهي معترضة بين جملة {وآت ذا القربى حقه} الآية وجملة {أية : وإما تعرضن عنهم}تفسير : الآية [الإسراء: 28]، فتضمنت هذه الجملة وصية سادسة مما قضى الله به. والتبذير: تفريق المال في غير وجهه، وهو مرادف الإسراف، فإنفاقه في الفساد تبذير، ولو كان المقدار قليلاً، وإنفاقه في المباح إذا بلغ حد السرف تبذير، وإنفاقه في وجوه البر والصلاح ليس بتبذير. وقد قال بعضهم لمن رآه ينفق في وجوه الخير: لا خير في السرف، فأجابه المنفق: لا سرف في الخير، فكان فيه من بديع الفصاحة محسن العكس. ووجه النهي عن التبذير هو أن المال جُعل عوضاً لاقتناء ما يحتاج إليه المرء في حياته من ضروريات وحاجيات وتحسينات. وكان نظام القصد في إنفاقه ضَامِنَ كفايته في غالب الأحوال بحيث إذا أنفق في وجهه على ذلك الترتيب بين الضروري والحاجي والتحسيني أمِن صاحبه من الخصاصة فيما هو إليه أشد احتياجاً، فتجاوز هذا الحد فيه يسمى تبذيراً بالنسبة إلى أصحاب الأموال ذات الكفاف، وأما أهل الوفر والثروة فلأن ذلك الوفر ءَاتٍ من أبواب اتسعت لأحد فضاقت على آخر لا محالة لأن الأموال محدودة، فذلك الوفر يجب أن يكون محفوظاً لإقامة أود المعوزين وأهل الحاجة الذين يزداد عددهم بمقدار وفرة الأموال التي بأيدي أهل الوفر والجدة، فهو مرصود لإقامة مصالح العائلة والقبيلة وبالتالي مصالح الأمة. فأحسن ما يبذل فيه وفر المال هو اكتساب الزلفى عند الله، قال تعالى: {أية : وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله }تفسير : [التوبة: 41]، واكتساب المحمدة بين قومه. وقديماً قال المثل العربي نعم العون على المروءة الجِدة. وقال... اللهم هب لي حمداً، وهب لي مجداً، فإنه لا حَمد إلا بِفعال، ولا فِعال إلا بمال. والمقصد الشرعي أن تكون أموال الأمة عُدة لها وقوة لابتناء أساس مجدها والحفاظ على مكانتها حتى تكون مرهوبة الجانب مرموقة بعين الاعتبار غير محتاجة إلى من قد يستغل حاجتها فيبتز منافعها ويدخلها تحت نِير سلطانه. ولهذا أضاف الله تعالى الأموال إلى ضمير المخاطبين في قوله: {أية : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً}تفسير : [النساء: 5] ولم يقل أموالهم مع أنها أموال السفهاء، لقوله بعده: {أية : فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم }تفسير : [النساء: 6] فأضافها إليهم حين صاروا رشداء. وما مُنع السفهاء من التصرف في أموالهم إلا خشية التبذير. ولذلك لو تصرف السفيه في شيء من ماله تصرف السداد والصلاح لمضى. وذكر المفعول المطلق {تبذيراً} بعد {ولا تبذر} لتأكيد النهي كأنه قيل: لا تبذر، لا تبذر، مع ما في المصدر من استحضار جنس المنهي عنه استحضاراً لما تُتصور عليه تلك الحقيقة بما فيها من المفاسد. وجملة {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} تعليل للمبالغة في النهي عن التبذير. والتعريف في {المبذرين} تعريف الجنس، أي الذين عرفوا بهذه الحقيقة كالتعريف في قوله: {أية : هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2]. والإخوان جمع أخ، وهو هنا مستعار للملازم غير المفارق لأن ذلك شأن الأخ، كقولهم: أخو العلم، أي مُلازمه والمتصف به، وأخو السفَر لمن يُكثر الأسفار. وقول عدي بن زيد: شعر : وأخو الحَضْر إذ بناه وإذ دجْ لةُ تَجبِي إليه والخابُور تفسير : يريد صاحب قَصر الحَضْر، وهو مَلك بلد الحَضْر المسمى الضَيْزنَ بنَ معاوية القضاعي الملقّب السيْطرون. والمعنى: أنهم من أتباع الشياطين وحُلفائهم كما يتابع الأخُ أخاه. وقد زيد تأكيد ذلك بلفظ {كانوا} المفيد أن تلك الأخوة صفة راسخة فيهم، وكفى بحقيقة الشيطان كراهة في النفوس واستقباحاً. ومعنى ذلك: أن التبذير يدعو إليه الشيطان لأنه إما إنفاق في الفساد وإما إسراف يستنزف المال في السفاسف واللذات فيعطل الإنفاق في الخير وكل ذلك يرضي الشيطان، فلا جرم أن كان المتصفون بالتبذير من جند الشيطان وإخوانه. وهذا تحذير من التبذير، فإن التبذير إذا فعله المرء اعتاده فأدمن عليه فصار له خلقاً لا يفارقه شأن الأخلاق الذميمة أن يسهل تعلقها بالنفوس كما ورد في الحديث «حديث : إن المرء لا يزال يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً»تفسير : ، فإذا بذر المرء لم يلبث أن يصير من المبذرين، أي المعروفين بهذا الوصف، والمبذرون إخوان الشياطين، فليحذر المرء من عمل هو من شأن إخوان الشياطين، وليحذر أن ينقلب من إخوان الشياطين. وبهذا يتبين أن في الكلام إيجازَ حذف تقديره: ولا تبذر تبذيراً فتصير من المبذرين إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين. والذي يدل على المحذوف أن المرء يصدق عليه أنه من المبذرين عندما يبذر تبذيرة أو تبذيرتين. ثم أكد التحذير بجملة {وكان الشيطان لربه كفورا}. وهذا تحذير شديد من أن يفضي التبذير بصاحبه إلى الكفر تدريجاً بسبب التخلق بالطبائع الشيطانية، فيذهب يتدهور في مهاوي الضلالة حتى يبلغ به إلى الكفر، كما قال تعالى: {أية : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} تفسير : [الأنعام: 121]. ويجوز حمل الكفر هنا على كفر النعمة فيكون أقرب درجات إلى حال التخلق بالتبذير، لأن التبذير صرف المال في غير ما أمر الله به فهو كفر لنعمة الله بالمال. فالتخلق به يفضي إلى التخلق والاعتياد لكفران النعم. وعلى الوجهين فالكلام جار على ما يعرف في المنطق بقياس المساواة، إذ كان المبذر مؤاخياً للشيطان وكان الشيطانُ كفوراً، فكانَ المبذّر كفوراً بالمآل أو بالدرجة القريبة. وقد كان التبذير من خُلق أهل الجاهلية، ولذلك يتمدحون بصفة المتلاف والمُهلك المال، فكان عندهم الميسر من أسْباب الإتلاف، فحذر الله المؤمنين من التلبس بصفات أهل الكفر، وهي من المذام، وأدبهم بآداب الحكمة والكمال.
القطان
تفسير : التبذير: انفاق المال في غير موضعه. اخوان الشياطين: كل من خرج على الدين وسلك سلوكا مشينا. ميسورا: لينا. مغلولة: مقيدة، كناية عن البخل. ولا تبسطها كل البسط: لا تنفق بدون عقل، لا تبذر. محسورا: منقطعا. خشية املاق: خوفا من الفقر. خطئا: اثما. فاحشة: كل عمل قبيح فهو فاحشة. فلا يسرف: فلا يتجاوز الحد المشروع فيه والعفُو افضل واحسن. بالقسطاس المستقيم. بالميزان العادل. ولا تقفُ ما ليس لك به علم: لا تتدخل بما لا يعنيك. ولا تمش في الأرض مرحا: لا تتكبر في مشيك ولا تتعال. لن تخرق الارض: لن تؤثر فيها شيئا. لن تبلغ الجبال طولا: لن تطاول الجبال. الحكمة: المعرفة والتعقل والتخلق بهذه الاخلاق الواردة في هذه الآيات الكريمة. في هذه الآيات الكريمة وصايا بالاقرباء والمساكين وبالغرباء الذين انقطعوا عن السفر بسبب نفاد المال منهم، ثم تعاليم خلقية قيمة بأن ننفق ولا نبذر، لأن التبذير من الامور المكروهة وهي سبل الشيطان، ثم يقول الله تعالى: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ..} الآية. يعني اذا سألك احد الاقرباء او المساكين او ابن السبيل شيئا من المال ولم تجد ما تعطيه، الا الدعاء له، فقل لهم قولا سهلا حسنا، وعِدْه عدة حسنة، والكلمة الطيبة صدقة، وفي الحديث: حديث : انكم لا تسَعون الناس باموالكم، فسعوهم باخلاقكم . تفسير : ثم يأمرنا بالتوسط في الامور بان لا نبخل باموالنا كأننا مقيدون بالاغلال، ولا نسرف بالعطاء فنقعد فقراء محرومين، فالاعتدال والتوازن أساس كل شيء في الاسلام. والله تعالى يَعدنا اذا اعتدلنا بأن يبسط الرزق ويوسعه لمن يشاءَ من عباده، {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} فهو خبير بطبائعم، بصير بحوائجهم. ثم ينص على عادة قبيحة كانت عند العرب في الجاهلية وهي قتل الاولاد خشية الفقر فيقول هنا: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم..}. فينص على تحريم قتل الاولاد خوفا من الفقر، يعني ان الرجل يكون عنده المال ويكثر عنده الاولاد فيخاف من الفقر فيقتلهم. وهذا ذنب كبير، والله تعالى قد تكفل بالرزق للجميع. وفي سوة الانعام يقول: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}. وهذه لها معنى غير الآية التي في سورة الاسراء، فهنا يقول تعالى لا تقتلوا اولادكم لانكم فقراء لا مال عندكم نحن نرزقكم واياهم، ففي آية الاسراء قدم رزق الابناء على رزق الآباء، {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم}، فلا تخافوا على اموالكم. وفي سورة الانعام قدم رزق الآباء على رزق الابناء {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} فهنا قتل الاولاد خوفا من وقوع الفقر بسببهم، فقدَّم رزق الاولاد، وفي الانعام لان الفقر حاصل وموجود بسبب فقر الآباء فقدم رزق الآباء، فلا يظن من لا معرفة له بان الآيتين فيهما تكرار. {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ..}. ثم يؤكد على موضوع كان متفشيا في الجاهلية وهو الزنا، ولذلك سماه فاحشة وساء سبيلا. وقد اكد على تحريم هذه الفاحشة عدة مرات في القرآن الكريم، ذلك لما فيها من مفاسد واختلاط الانساب، والتعدي على حرمة الغير. ثم نص على صيانة النفس، وانه لا يجوز بحال من الاحوال قتل الانسان بدون جناية جناها وبغير حق، وقد تقدم ايضا في سورة المائدة وغيرها النص على حرمة قتل النفس الا بالحق.. ثم بين هنا القصاص فقال: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً}. فمن قُتل مظلوما بغير حق، فقد جعلنا لمن يلي امره من اقربائه الحقَّ بالقصاص، ولا يجوز لأقربائه ان يسرفوا في القتل بان يقتلوا احدا غير القاتل كما يفعل كثير من الناس، يأخذ الثأر من اي واحد من اقرباء القاتل إن هذا حرام لا يجوز في شرع الاسلام. والله سبحانه يقول: انه كان منصورا، فالله ناصره بان اوجب له القصاص من القاتل. وقد خير الاسلام اولياء القتيل بين اخذ ديته والعفو عنه او قتله، وفي الحديث الشريف: حديث : من قتل فتيلا فأهله بين خيرتين: ان احبوا قتلوا، وان احبوا اخذوا الدية . تفسير : ثم اكد وكرر بالوصية على رعاية مال اليتيم. وقد تقدم في سورة الانعام الآية 152، وتقدم الكلام عليها مستوفى، وكذلك في اول سورة النساء. {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} ان كل ما امر الله به ونهى عنه عهد الوفاء به واجب، وقد تكرر الأمر بالوفاء بالعهد في عدد من الآيات. ثم حض على إيفاء الكيل والوزن، وان نكون امناء في المكيال والميزان وجاء ذلك في عدد من الآيات. فالأمانة والاستقامة والعدل من قواعد الاسلام {... ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} اجمل عاقبةً واحسن مآلا في الآخرة، لما يترتب على ذلك من حفظ الحقوق، وعدم الغش والتحلي بالامانة. والرسول الكريم يقول: "حديث : لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه، ليس به الا مخافة الله، الا ابدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير من ذلك ". تفسير : ثم ينص على امر هام لا يزال الى الآن موجودا في مجتمعنا، وهوالفضول، والتدخل في امر الغير، والكلام على الناس، والغيبة، ونقل الكلام بدون تثبت، فيقول: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} ولا تتبع ايها المرء ما لا علم لك به، فلا تكن فضوليا تتدخل في شئون غيرك، ولا تنقل خبرا ما لم تتأكد منه وتتثبت من صحته من قول يقال، او رواية تروى، ومن حكم شرعي او قضية اعتقادية، ولا تشهد الا بما رأت عيناك، وسمعته اذناك، ووعاه قلبك، ففي الحديث الشريف: "حديث : اياكم والظن، فان الظن اكذب الحديث" تفسير : وفي سنن ابي داود: "حديث : بئس مطية الرجُلِ زعموا" تفسير : ان الله يسأل الانسان عما فعلت جوارحه، وستسأل الجوارح نفسها عما اجترمت {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 88-89]. وانها لقواعد اخلاقية عظيمة، تؤمن سلامة المجتمع، وتجعل الناس يعيشون بامن وسلام. وهذا هو الاسلام، وهذا هو القرآن الكريم {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. ثم ينهى عن خلة سيِّئُه، وصفة بغيضة يختم بها هذه الوصايا والأوامر فيقول: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً}. التكبر صفة ممقوتة، والخيلاء الكاذبة من الأدلة على نقص العقل، ولماذا يزهو الانسان وعلى من يتكبر؛ انه من طين وسيعود الى التراب، والله تعالى يبين له بانه ضئيل ضعيف ازاء ما في هذا الكون من مخلوقات اعظم واكبر، فلو تواضع لرفعه الله كما جاء في الحديث الشريف "حديث : من تواضع لله رفعه"تفسير : فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر وضَعه الله، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير. كل هذه الصفات التي نهى الله عنها سيئة مكروهة عند الله. {ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً}. ان كل ما قدمنا اليك ايها الانسان هو من الحكمة التي تشتمل على التعقل والاتزان وحب المعرفة. ثم يختمها بالتحذير من الشرك، والحفاظ على عقيدة التوحيد، وهذه بعض الحكمة التي يهدي اليها القرآن الكريم الذي اوحاه الى الرسول عليه الصلاة والسلام. قراءات: قرأ ابن كثير: "كان خِطَاءً كبيرا" بكسرا لخاء وفتح الطاء والمد. وقرأ ابن عامر: "خطأ" بفتح الخاء والطاء. والباقون: "خطئا" بكسر الخاء وسكون الطاء. وقرأ حمزة والكسائي: "فلا تسرف في القتل" بالتاء. والباقون: "فلا يسرف" بالياء. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: "القسطاس" بكسر القاف كما هو في المصحف، والباقون: "القسطاس" بضم القاف، وهما لغتان. وقرأ ابو بكر عن عاصم: "بالقصطاس" بالصاد. وقرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع: "كان سيئةً" والباقون: "كان سيئهُ" مضافا الى الهاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَآتِ} (26) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى بِرَّ الوَالِدَيْنِ، عَطَفَ عَلَى ذِكْرِ الإِحْسَانِ إِلَى الأَقَارِبِ، وَإِلَى صِلَةِ الأَرْحَامِ، وَالتَّصَدُّقِ عَلَى الفُقَرَاءِ، وَالمَسَاكِينِ، وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ العَابِرِينَ، الذِينَ انْقَطَعَتْ نَفَقَتُهُمْ. (وَفِي الحَدِيثِ: حديث : أُمُّكَ وَأَبُوكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَتفسير : ). (وَفِي الحَدِيثِ أَيْضاً: حديث : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَجَلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُتفسير : ). وَبَعْدَ أَنْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالإِنْفَاقِ نَهَى عَنِ الإِسْرَافِ فِيهِ، وَحَثَّ عَلَى الاعْتِدَالِ (وَلاَ تُبْذِّرْ تَبْذِيراً). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: التَّبْذِيرُ هُوَ الإِنْفَاقُ فِي غَيْرِ حَقٍّ، فَلَوْ أَنْفَقَ الإِنْسَانُ مَالَهُ كُلَّهُ فِي أَوْجِهِ الحَقِّ لَمْ يَكُنْ مُبَذِراً، وَإِذَا أَنْفَقَ مُدّاً فِي غَيْرِ حَقٍّ كَانَ مُبَذِراً.
الثعلبي
تفسير : {وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} يعني صلة الرحم. وقال بعضهم: عني بذلك قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم روى السدي عن ابن الديلمي قال: قال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام أقرأت القرآن؟ قال نعم؟ قال: أفما قرأت في بني إسرائيل {وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} قال: انكم القرابة الذين أمر الله أن يوتى حقه؟ قال: نعم. {وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} يعني مار الطريق، وقيل: الضيف {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} ولا تنفق مالك في المعصية. وروى سلمة بن كهيل عن أبي [عبيدة] عن ابن الضرير أنه سأل ابن مسعود ما التبذير؟ فقال: إنفاق المال في غير حقه. وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في [الحق ما كان] تبذيراً، فلو أنفق يدا في باطل كان تبذيراً به. وقال شعيب: كنت أمشي مع أبي إسحاق في طريق الكوفة، فأتى على دار تبنى بجص وآجر فقال: هذا التبذير في قول عبد الله: إنفاق المال في غير حقه. {إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ} أولياؤهم وأعوانهم، والعرب تقول: لكل [من يلزم] سنّة قوم وتابع أمرهم هو أخوهم {وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} جحود النعمة. {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} الآية نزلت في منجع وبلال وصهيب وسالم وخباب، كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه ولا يجد لهم متسعاً، فيعرض عنهم حياءً منهم فأنزل الله عزّ وجلّ {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} يعني وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم حقوقهم عند مسألتهم إياك مالا يجد إليه سبيلاً حياءً منهم. {ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ} ابتغاء رزق من الله {تَرْجُوهَا} أن يأتيك {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} ليّناً وعدهم وعداً جميلاً {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً} الآية. قال جابر بن عبد الله: حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد فيما بين الصحابة أتاه صبي فقال: يا رسول الله إن أمي تستكسيك درعاً، ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ قميصه، فقال الصبي: من ساعة إلى ساعة يظهر يعد وقتاً آخر، فعاد إلى أمه فقالت: قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً، فأذن بلال للصلاة فأنتظروا فلم يخرج فشغل قلوب الصحابة فدخل عليه [بعضهم فرآه] عارياً فأنزل الله تعالى {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} تفسير : يعني ولا تمسك يدك عن النفقة في الحق، كالمشدودة يده على عنقه فلا يقدر على مدها والإعطاء. {وَلاَ تَبْسُطْهَا} بالعطاء {كُلَّ ٱلْبَسْطِ} فتعطي جميع ما تملك {فَتَقْعُدَ مَلُوماً} يلومك سائلوك إذا لم تعطيهم {مَّحْسُوراً} منقطعاً بك لا شيء عندك تنفقه، فقال: حسرته بالمسألة إذا [أكلّته] ودابة حسيرة إذا كانت كالة [رازحة] وحسير البصر إذا كل، قال الله {أية : يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} تفسير : [الملك: 4] وقال قتادة: نادماً على ما سلف منك. {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ} يوسع {ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} يقتر ويضيق {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} نظيرها قوله: {[ولو وسع] أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الشورى: 27] الآية {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} ضيق وإقتار {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يأدون بناتهم خشية الفاقة فنهاهم الله تعالى عن ذلك وأخبرهم أن رزقهم ورزق بناتهم على الله تعالى {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} إختلف القراء فيه: فقرأ أبو جعفر وابن عامر: بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة. وقرأ ابن كثير: بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة. وقرأ الآخرون: بكسر الخاء وجزم الطاء، وكلها لغات بمعنى واحد، ويكون اسماً ومصدراً. {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً * وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ} وبحقها بما روى حميد عن أنس قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها [عصموا] في دمائهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله" قيل: وما حقها؟ قال: زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس فيقتل بها . تفسير : {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} قوة وولاية على قاتل وليه فإن لما استفاد منه فقتله وأن الله أخل الدية وإن شاء عفا عنه {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ} قرأ حمزة والكسائي وخلف: تسرف بالتاء أي فلا تسرف أيها القاتل، ويجوز أن يكون الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد منه الأيمة والأُمة من بعده، ومن قرأ بالياء رجع إلى المولى. واختلفوا في الاسراف ماهو: فقال ابن عبّاس: لا يقتل غير قاتله. قال الحسن وابن زيد: كانت العرب في الجاهلية إذا قتل منهم قتيل، لم يرضوا أن يقتلوا قاتل صاحبهم حتّى يقتلوا أشرف من الذي قتله، فيعمد ولي المقتول إلى الشريف من قبيلة القاتل فيقتله بوليه ويترك القاتل، فنهى الله عن ذلك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن من أعتى الناس على الله جل ثناؤه قتل غير قاتله أو قتل بدخن الجاهلية أو قتل في حرم الله ". تفسير : وقال الضحاك: كان هذا بمكة ونبي الله صلى الله عليه وسلم بها، وهو أول شيء نزل من القرآن في شأن القتل وكان المشركون من أهل مكة يقتلون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله: من قتلكم من المشركين فلا يحملنكم قتله إياكم على أن لا تقتلوا إلا قاتلكم، فلا يقتلوا له أباً أو أخاً أو أحداً فإن كانوا من المشركين فلا يحملنكم ذلك [.................] على فلا تقتلوا إلا قاتلكم. وهذا قبل أن تنزل سورة براءة وقبل أن يؤمروا بقتال المشركين. وقال سعيد بن جبير: لا يقبل [.........] على العدة. قتادة وطارق بن حبيب وابن كيسان: [لا يمثل به]. {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} اختلفوا في هذه الكناية [إلى من ترجع فقيل: ترجع] على ولي المقتول، هو المنصور على القاتل [فيدفع الامام] إليه القاتل، فإن شاء قتل وإن شاء عفا عنه وإن شاء أخذ الدية، وهذا قول قتادة. وقال الآخرون: (من) راجعة إلى المقتول في قوله {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً} يعنى أن المقتول [منصور] في الدنيا بالقصاص وفي الآخرة [بالتوبة] وهو قول مجاهد. {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} إلى قوله {مَسْؤُولاً} عنه، وقيل معناه: كان مظلوماً {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ}. قرأ أهل الكوفة: القِسطاس بكسر القاف. الباقون: بفتحه وهو الميزان مثل القرطاس، والقسطاس معناه الميزان صغيراً كان أو كبيراً. مجاهد: هو العدل بالرومية. وقال الحسن: هو القبان. {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي عاقبة. [قال الحسن]: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يقدر رجل على حرام ثمّ يدعه ليس لديه إلا مخافة الله إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ماهو خير له من ذلك ". تفسير : {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} قال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمعه وعلمت ولم تعلمه وهذه رواية علي عن ابن عبّاس. قال مجاهد: ولا ترم أحداً بما ليس لك به علم، وهي رواية عطية عن ابن عبّاس. وقال ابن الحنفية: هو شهادة الزور. قال [القتيبي]: لا تتبع الحدس والظنون، وكلها متقاربة، وأصل القفو البهت والقذف بالباطل. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا ". تفسير : وقال النابغة: شعر : ومثل الدمى شم العرانين ساكن بهن الحياء لا يشعن التقافيا تفسير : وقال الكميت: شعر : فلا أرمي البرىء بغير ذنب ولا أقفوا الحواصين أن [قفينا] تفسير : وقال [القتيبي]: فهو مأخوذ من القفاء كأنه يقفوا الأمور ويكون في أقفائها يعقبها [ويتتبعها] ويتعرفها. يقال: قفوت أثره على وزن دعوت والنهي منه لا يقف، كقولك: لا تدع. وحكى الفراء عن بعضهم: أن أصله من القيافة، وهو اتباع الأثر وإذا كان كذلك وجب أن يكون [ولا تقف] بضم القاف وسكون الفاء مثل: ولا تقل، قال: والعرب تقول: قفوت أثرها وقفت مثل قولهم: قاع الجمل الناقة إذا ركبها وقعا، وعاث وعاثا واعتام واعتمى واحتاج ماله واحتجا. قال الشاعر: شعر : ولو إني رميتك من قريب لعاقك من دعاء الذئب عاق تفسير : أي عانق. {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ} أي كل هذه الجوارح والأعضاء ما يقل تلك. كقول الشاعر، وهو جرير: شعر : ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام تفسير : ويجوز أن يكون راجع إلى أصحابها وأربابها. {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} بطراً وفخراً وخيلاء، وهو تفسير المشي لا نعته فإن ذلك أخرجه على المصدر {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} أي لن تقطعها بكعبيك حتّى تبلغ آخرها، يقال فلان أخرق الأرض من فلان إذا كان أكثر سفراً وعزة. وقال روبة: شعر : وقائم [الأعماق] خاوي المخترق تفسير : أي المقطع {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} أي [لن تساويها بطولك ولا تطاولك] وأخبر أن صاحبه لاينال به شيئاً [......] عنه غيره {كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً}. قرأ الحسن ويحيى بن يعمر وابن عمر وأهل الكوفة: سيئة على الاضافة، بمعنى كل هذا الذي ذكرنا من قوله {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}. [كان سيئة] أي سيء بما ذكرنا ووعدنا عليك عند ربك مكروها، قالوا: لأن فيما ذكره الله من قوله {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} إلى هذا الموضع أموراً مأمورات بها ومنهيات عنها، واختار أبو عبيد هذه القراءة لما ذكرنا من المعنى، ولأن في قراءة أُبي حجة لها، وهي ماروى أبو عبيد عن حجاج عن هارون في قراءة [أُبي بن كعب] (كان سيئاته) قال: فهذه تكون باضافة سيئة منونّة منصوبة، بمعنى كل ذلك الذي ذكرنا ووعدنا من قوله {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} إلى هذا الموضع كان سيئة لا حسنة في فجعلوا «كلا» محيطاً بالمنهي عنه دون غيره. فإن قيل: هلا جعلت مكروهاً خبر ثان، قلنا: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: كل ذلك كان مكروهاً سيئة، وقيل هو فعل [......] كالبدل لا على الصفة، مجازة: كل ذلك كان سيئة وكان مكروهاً. وقال أهل الكوفة: رجع إلى المعنى، لأن السيئة الذنب وهو [غير حقيقي] {ذَلِكَ} الذي ذكرنا [ووعدنا] {مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ} إلى قوله {مَّدْحُوراً} مطروداً مبعداً من كل نصير والمراد به غيره. قال الكلبي: [الثمان عشرة] آية كانت في ألواح موسى وهي عشر آيات في التوراة. {أَفَأَصْفَاكُمْ} اختاركم واختصكم {رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً} بنات {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} يخاطب مشركي العرب حيث قالوا: الملائكة بنات الله. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} قرأه العامّة: بالتشديد على التكثير. وقرأ الحسن: صرفنا بالتخفيف. {فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} يعني العبر والحكم والأمثال والأحكام والحجج والأعلام. سمعت أبا القاسم الحسين يقول: بحضره الإمام أبي الطيب لقوله تعالى {صَرَّفْنَا} معنيان أحدهما: لم يجعله نوعاً واحداً، بل وعداً ووعيداً وأمراً ونهياً ومحكماً ومتشابهاً وناسخاً ومنسوخاً وأخباراً وأمثالاً، مثل تصريف الرياح من صبا ودبور وجنوب وشمال، وتصريف الأفعال من الماضي إلى المستقبل ومن الفاعل إلى المفعول ونحوها. والثاني: لم ينزله مرة واحدة بل [نجوماً] مثل قوله {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ} ومعناه أكثرنا صرف جبرئيل اليك. {لِيَذَّكَّرُواْ} . قرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي {لِيَذَّكَّرُواْ} مخففاً. وقرأ الباقون: بالتشديد وإختيار أبو عبيد أي ليتذكروا {وَمَا يَزِيدُهُمْ} أي التصريف والتذكير {إِلاَّ نُفُوراً} ذهاباً وتباعداً عن الحق {قُلْ} يا محمّد لهؤلاء المشركين {لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ}. قرأ ابن كثير وحفص: يقولون بالياء. الباقون: بالتاء. {إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ} لطلبوا يعني الآلهة القربة {إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} فالتمست الزلفة عنده. قال قتادة: يقول لو كان [الأمر] كما يقولون إذا لعرفوا الله فضله ومقربته عليهم، فامضوا ما يقربهم إليه. وقال الآخرون: إذا لطلبوا مع الله منازعة وقتالاً، كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض، ثم نزه نفسه، فقال {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ }. الأعمش وحمزة والكسائي، وإختاره أبو عبيد عنهم بالتاء {عُلُوّاً كَبِيراً} ولم يقل تعالياً كقوله {[وجعل] إليه سبيلاً}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه بعد أنْ حنَّن الإنسان على والديْه صعَّد المسألة فحنَّنه على قرابة أبيه وقرابة أمه، فقال: {وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ..} [الإسراء: 26]. {حَقَّهُ} لأن الله تعالى جعله حَقّاً للأقارب إنْ كانوا في حاجة، وإلا فلو كانا غير محتاجين، فالعطاء بينهما هدية متبادلة، فكل قريب يُهادي أقرباءه ويهادونه. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يُشيعَ في المجتمع روح التكافل الاجتماعي. لذلك كان بعض فقهاء الأندلس إذا منع الرجل زكاةً تقرُب من النِّصاب أمر بقطع يده، كأنه سرقه؛ لأن الله تعالى أسماه (حقاً) فمَنْ منع صاحب الحق من حقه، فكأنه سرقه منه. وقد سلك فقهاء الأندلس هذا المسلك، لأنهم في بلاد ترف وغنى، فتشدّدوا في هذه المسألة؛ لأنه لا عُذْر لأحد فيها. لذلك، لما جاء أحد خلفائهم إلى المنذر بن سعيد، وقال: لقد حلفتُ يميناً، وأرى أن أُكفِّر عنه فأفتاه بأن يصوم ثلاثة أيام، فقال أحدهم: لقد ضيّقتَ واسعاً فقد شرع الله للكفارة أيضاً إطعامَ عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فرد عليه المنذر قائلاً: أو مثلُ أمير المؤمنين يُزْجَر بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم؟ إنه يفعل ذلك في اليوم لألْف وأكثر، وإنما يزجره الصوم، وهكذا أخذوا الحكم بالروح لا بالنص؛ ليتناسب مع مقدرة الخليفة، ويُؤثِّر في رَدْعه وزَجْره. وكلمة (حق) وردت في القرآن على معنيين: الأول: في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ}تفسير : [المعارج: 24]. والحق المعلوم هو الزكاة. أما الحق الآخر فحقٌّ غير معلوم وغير موصوف، وهو التطوع والإحسان، حيث تتطوَّع لله بجنس ما فرضه عليك، كما قال تعالى: {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}تفسير : [الذاريات: 16-19]. ولم يقل: "معلوم": لأنه إحسان وزيادة عَمَّا فرضه الله علينا. ويجب على من يُؤْتِى هذا الحق أن يكون سعيداً به، وأن يعتبره مَغْنماً لا مَغْرماً؛ لأن الدنيا كما نعلم أغيار تتحول وتتقلب بأهلها، فالصحيح قد يصير سقيماً، والغني قد يصير فقيراً وهكذا، فإعطاؤك اليوم ضمانٌ لك في المستقبل، وضمان لأولادك من بعدك، والحق الذي تعطيه اليوم هو نفسه الذي قد تحتاجه غداً، إنْ دارتْ عليك الدائرة. إذن: فالحق الذي تدفعه اليوم لأصحابه تأمين لك في المستقبل يجعلك تجابه الحياة بقوة، وتجابه الحياة بغير خور وبغير ضعف، وتعلم أن حقك محفوظ في المجتمع، وكذلك إنْ تركتَ أولادك في عوزٍ وحاجة، فالمجتمع مُتكفِّل بهم. وصدق الله تعالى حين قال: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً}تفسير : [النساء: 9]. ولذلك، فالناس أصحاب الارتقاء والإثراء لورعهم لا يعطون الأقارب من أموال الزكاة، بل يخصُّون بها الفقراء الأباعد عنهم، ويُعْطون الأقارب من مالهم الخاص مساعدة وإحساناً. و {ٱلْمِسْكِينَ} هو الذي يملك وله مال، لكن لا يكفيه، بدليل قول الحق سبحانه: {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ ..}تفسير : [الكهف: 79]. أما الفقير فهو الذي لا يملك شيئاً، وقد يعكس البعض في تعريف المسكين والفقير، وهذا فهم خاطئ. و {وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ..} [الإسراء: 26]. السبيل هو الطريق، والإنسان عادةً يُنْسَب إلى بلده، فنقول: ابن القاهرة، ابن بورسعيد، فإنْ كان منقطعاً في الطريق وطرأتْ عليه من الظروف ما أحوجه للعون والمساعدة، وإن كان في الحقيقة صاحب يسارٍ وَغِنىً، كأن يُضيع ماله فله حَقٌّ في مال المسلمين بقدر ما يُوصّله إلى بلده. وابن السبيل إذا طلب المساعدة لا تسأله عن حقيقة حاله، لأن له حقاً واجباً فلا تجعله في وضع مذلّة أو حرج. {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} [الإسراء: 26]. كما قال تعالى في آية أخرى: {أية : وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ}تفسير : [الأنعام: 141]. فالتبذير هو الإسراف، مأخوذ من البذر، وهو عملية يقوم بها الفلاح فيأخذ البذور التي يريد زراعتها، وينثرها بيده في أرضه، فإذا كان متقناً لهذه العملية تجده يبذر البذور بنسب متساوية، بحيث يوزع البذور على المساحة المراد زراعتها، وتكون المسافة بين البذور متساوية. وبذلك يفلح الزرع ويعطي المحصول المرجو منه، أما إنْ بذرَ البذور بطريقة عشوائية وبدون نظام نجد البذور على مسافات غير متناسبة، فهي كثيرة في مكان، وقليلة في مكان آخر، وهذا ما نُسمِّيه تبذيراً، لأنه يضع الحبوب في موضع غير مناسب؛ فهي قليلة في مكان مزدحمة في آخر فَيُعاق نموّها. لذلك، فالحق سبحانه آثر التعبير عن الإسراف بلفظ (التبذير)؛ لأنه يضع المال في غير موضعه المناسب، وينفق هكذا كلما اتفق دون نظام، فقد يعطي بسخاء في غير ما يلزم، في حين يمسك في الشيء الضروري. إذن: التبذير: صَرْف المال في غير حِلِّه، أو في غير حاجة، أو ضرورة. والنهي عن التبذير هنا قد يُراد منه النهي عن التبذير في الإيتاء، يعني حينما تعطي حَقّ الزكاة، فلا تأخذك الأريحية الإيمانية فتعطي أكثر مما يجب عليك، وربما سمعتَ ثناء الناس وشكرهم فتزيد في عطائك، ثم بعد ذلك وبعد أن تخلوَ إلى نفسك ربما ندمتَ على ما فعلتَ، ولُمْتَ نفسك على هذا الإسراف. وقد يكون المعنى: أعْطِ ذا القربى والمساكين وابن السبيل، ولكن لا تُبذِّر في الأمور الأخرى، فالنهي هنا لا يعود إلى الإيتاء، بل إلى الأمور التافهة التي يُنفَق فيها المال في غير ضرورة. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} قالَ الإِمامُ الشهيدُ أبو الحسين زيد بن علي عليهما السلام: التّبذِيرُ: إِنْفاقُ المَالِ فِي غَيرِ حَقّهِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ } من البر والإكرام الواجب والمسنون وذلك الحق يتفاوت بتفاوت الأحوال والأقارب والحاجة وعدمها والأزمنة. { وَالْمِسْكِينَ } آته حقه من الزكاة ومن غيرها لتزول مسكنته { وَابْنَ السَّبِيلِ } وهو الغريب المنقطع به عن بلده، فيعطي الجميع من المال على وجه لا يضر المعطي ولا يكون زائدا على المقدار اللائق فإن ذلك تبذير قد نهى الله عنه وأخبر: { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ } لأن الشيطان لا يدعو إلا إلى كل خصلة ذميمة فيدعو الإنسان إلى البخل والإمساك فإذا عصاه، دعاه إلى الإسراف والتبذير. والله تعالى إنما يأمر بأعدل الأمور وأقسطها ويمدح عليه، كما في قوله عن عباد الرحمن الأبرار {أية : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما }. تفسير : وقال هنا: { وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ } كناية عن شدة الإمساك والبخل. { وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ } فتنفق فيما لا ينبغي، أو زيادة على ما ينبغي. { فَتَقْعُدَ } إن فعلت ذلك { مَلُومًا } أي: تلام على ما فعلت { مَحْسُورًا } أي: حاسر اليد فارغها فلا بقي ما في يدك من المال ولا خلفه مدح وثناء. وهذا الأمر بإيتاء ذي القربى مع القدرة والغنى، فأما مع العدم أو تعسر النفقة الحاضرة فأمر تعالى أن يردوا ردا جميلا فقال: { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا } أي: تعرض عن إعطائهم إلى وقت آخر ترجو فيه من الله تيسير الأمر. { فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا } أي: لطيفا برفق ووعد بالجميل عند سنوح الفرصة واعتذار بعدم الإمكان في الوقت الحاضر لينقلبوا عنك مطمئنة خواطرهم كما قال تعالى: {أية : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى }. تفسير : وهذا أيضا من لطف الله تعالى بالعباد أمرهم بانتظار الرحمة والرزق منه لأن انتظار ذلك عبادة، وكذلك وعدهم بالصدقة والمعروف عند التيسر عبادة حاضرة لأن الهم بفعل الحسنة حسنة، ولهذا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يقدر عليه من الخير وينوي فعل ما لم يقدر عليه ليثاب على ذلك ولعل الله ييسر له [بسبب رجائه]. ثم أخبر تعالى أنه يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدره ويضيقه على من يشاء حكمة منه، { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } فيجزيهم على ما يعلمه صالحا لهم ويدبرهم بلطفه وكرمه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):