١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: وهو أنه سبحانه وتعالى خصّ نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا}. وهو تأديب عجيب وقول لطيف بديع؛ أي لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر الغنى والقدرة فتَحْرِمهم. وإنما يجوز أن تُعرض عنهم عند عجزٍ يَعْرِض وعائق يعوق، وأنت عند ذلك ترجو من الله سبحانه وتعالى فتح باب الخير لتتوصل به إلى مواساة السائل، فإن قعد بك الحال فقُلْ لهم قولاً ميسوراً. الثانية: في سبب نزولها؛ قال ابن زيد: نزلت الآية في قوم كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأبَى أن يعطيَهم؛ لأنه كان يعلم منهم نفقة المال في فساد، فكان يُعرض عنهم رغبة في الأجر في منعهم لئلا يعينهم على فسادهم. وقال عطاء الخراسانِيّ في قوله تعالى {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} قال: ليس هذا في ذكر الوالدين، جاء ناسٌ من مُزَيْنَة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يستحملونه؛ فقال: «حديث : لا أجد ما أحملكم عليه» تفسير : فتوَلَّوْا وأعينُهم تَفِيض من الدمع حَزَناً؛ فأنزل الله تعالى: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا}. والرحمة الفَيْءُ. الثالثة: قوله تعالى: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} أمره بالدعاء لهم، أي يَسِّر فقرهم عليهم بدعائك لهم. وقيل: ٱدْعُ لهم دعاءً يتضمّن الفتح لهم والإصلاح. وقيل: المعنى «وإما تعرضن» أي إن أعرضت يا محمد عن إعطائهم لضيق يدٍ فقل لهم قولاً ميسوراً؛ أي أحسن القول وابسط العذر، وٱدع لهم بسعَة الرزق، وقل إذا وجدتُ فعلتُ وأكرمتُ؛ فإن ذلك يعمل في مَسَرّة نفسه عمل المواساة. وكان عليه الصلاة والسلام إذا سئل وليس عنده ما يُعطِي سكت انتظاراً لرزق يأتي من الله سبحانه وتعالى كراهة الردّ، فنزلت هذه الآية، حديث : فكان صلى الله عليه وسلم إذا سئل وليس عنده ما يعطي قال: يرزقنا الله وإياكم من فضله»تفسير : . فالرحمة على هذا التأويل الرزق المنتظر. وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة. والضمير في «عنهم» عائد على من تقدّم ذكرهم من الآباء والقرابة والمساكين وأبناء السبيل. و«قولا ميسورا» أي ليّناً لطيفاً طيباً، مفعول بمعنى الفاعل، من لفظ اليسر كالميمون، أي وعداً جميلاً، على ما بيناه. ولقد أحسن من قال:شعر : إلاّ تكن وَرِقٌ يوما أجود بها للسائلين فإني ليّن العُودِ لا يَعْدَم السائلون الخيرَ من خلقي إمّا نَوالِي وإمّا حسنُ مردودي تفسير : تقول: يَسّرت لك كذا إذا أعددته.
البيضاوي
تفسير : {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ } وإن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد، ويجوز أن يراد بالإِعراض عنهم أن لا ينفعهم على سبيل الكناية. {ٱبْتِغَاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا } لانتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك فتعطيه، أو منتظرين له وقيل معناه لفقد رزق من ربك ترجوه أن يفتح لك فوضع الابتغاء موضعه لأنه مسبب عنه، ويجوز أن يتعلق بالجواب الذي هو قوله: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا } أي فقل لهم قولاً ليناً ابتغاء رحمة الله برحمتك عليهم بإجمال القول لهم، والميسور من يسر الأمر مثل سَعُدَ الرَّجل ونحس، وقيل القول الميسور الدعاء لهم بالميسور وهو اليسر مثل أغناكم الله تعالى ورزقنا الله وإياكم. {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ } تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر، نهى عنهما آمراً بالاقتصاد بينهما الذي هو الكرم. {فَتَقْعُدَ مَلُومًا } فتصير ملوماً عند الله وعند الناس بالإِسراف وسوء التدبير. {مَّحْسُوراً } نادماً أو منقطعاً بك لا شيء عندك من حسرة السفر إذا بلغ منه. وعن جابر (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس أتاه صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعاً، فقال صلى الله عليه وسلم من ساعة إلى ساعة فعد إلينا، فذهب إلى أمه فقالت: قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل صلى الله عليه وسلم داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظروه للصلاة فلم يخرج فأنزل الله ذلك) ثم سلاه بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ } يوسعه ويضيقه بمشيئته التابعة للحكمة البالغة فليس ما يرهقك من الإِضافة إلا لمصلحتك. {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} يعلم سرهم وعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم، ويجوز أن يراد أن البسط والقبض من أمر الله تعالى العالم بالسرائر والظواهر، فأما العباد فعليهم أن يقتصدوا، أو أنه تعالى يبسط تارة ويقبض أخرى فاستنوا بسنته ولا تقبضوا كل القبض ولا تبسطوا كل البسط، وأن يكون تمهيداً لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ } مخافة الفاقة، وقتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم مخافة الفقر فنهاهم عنه وضمن لهم أرزاقهم فقال: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ حُوباً كَبِيراً} ذنباً كبيراً لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع، والـ {خطأ} الاثم يقال خطىء خطأ كأثم إثماً، وقرأ ابن عامر «خطأ»وهو اسم من اخطأ يضاد الصواب، وقيل لغة فيه كمثل ومثل وحذر وحذر. وقرأ ابن كثير «خطاء» بالمد والكسر وهو إما لغة فيه أو مصدر خاطأ وهو وإن لم يسمع لكنه جاء تخاطأ في قوله:شعر : تَخَاطَأَهُ القَناصُ حَتَّى وَجَدْتُه وَخَرْطُومُهُ فِي مَنْقعِ المَاءِ رَاسِب تفسير : وهو مبني عليه وقرىء «خطاء» بالفتح والمد وخطا بحذف الهمزة مفتوحاً ومكسوراً. {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَا} بالعزم والإِتيان بالمقدمات فضلاً عن أن تباشروه. {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} فعلة ظاهرة القبح زائدته. {وَسَاء سَبِيلاً } وبئس طريقاً طريقه، وهو الغصب على الابضاع المؤدي إلى قطع الأنساب وهيج الفتن. {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان: وزنا بعد إحصان، وقتل مؤمن معصوم عمداً. {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا } غير مستوجب للقتل. {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ } للذي يلي أمره بعد وفاته وهو الوارث. {سُلْطَـٰناً } تسلطاً بالمؤاخذة بمقتضى القتل على من عليه، أو بالقصاص على القاتل فإن قوله تعالى {مَظْلُومًا} بدل على أن القتل عمد عدوان فإن الخطأ لا يسمى ظلماً. {فَلاَ يُسْرِف} أي القاتل. {فّى ٱلْقَتْلِ} بأن يقتل من لا يستحق قتله، فإن العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك أو الولي بالمثلة، أو قتل غير القاتل ويؤيد الأول قراءة أبي «فلا تسرفوا». وقرأ حمزة والكسائي «فلا تسرف» على خطاب أحدهما. {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} علة النهي على الاستئناف والضمير إما للمقتول فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله وفي الآخرة بالثواب، وإما لوليه فإن الله تعالى نصره حيث أوجب القصاص له وأمر الولاة بمعونته، وإما للذي يقتله الولي إسرافاً بإيجاب القصاص أو التعزير والوزر على المسرف. {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} فضلاً أن تتصرفوا فيه. {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} إلا بالطريقة التي هي أحسن. {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } غاية لجواز التصرف الذي دل عليه الاستثناء. {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} بما عاهدكم الله من تكاليفه، أو ما عاهدتموه وغيره. {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَّسْئُولاً} مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو مسؤولاً عنه يسأل الناكث ويعاتب عليه لم نكثت، أو يسأل العهد تبكيتاً للناكث كما يقال للموءودة {أية : بِأَىّ ذَنبٍ قُتِلَتْ }تفسير : [التكوير: 9] فيكون تخييلاً ويجوز أن يراد أن صاحب العهد كان مسؤولاً. {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ } ولا تبخسوا فيه {وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} بالميزان السوي، وهو رومي عرب ولا يقدح ذلك في عربية القرآن، لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الإِعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربياً. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف هنا وفي «الشعراء». {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } وأحسن عاقبة تفعيل من آل إذا رجع. {وَلاَ تَقْفُ } ولا تتبع وقرىء {وَلاَ تَقْفُ } من قاف أثره إذا قفاه ومنه القافة. {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } ما لم يتعلق به علمك تقليداً أو رجماً بالغيب، واحتج به من منع اتباع الظن وجوابه أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند، سواء كان قطعاً أو ظناً واستعماله بهذا المعنى سائغ وشائع. وقيل إنه مخصوص بالعقائد. وقيل بالرمي وشهادة الزور ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج»تفسير : وقول الكميت:شعر : وَلاَ أَرْمِي البَرِيء بِغَيْرِ ذَنْب وَلاَ أَقْفُو الحَواصِنَ إِنْ قفينا تفسير : {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ } أي كل هذه الأعضاء فأجراها مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها، هذا وإن أولاء وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لذا وهو يعم القبيلين جاء لغيرهم كقوله:شعر : وَالعَيْـشُ بَعْـدَ أُولَئِـكَ الأَيَـامِ تفسير : {كَانَ عَنْهُ مَّسْئُولاً} في ثلاثتها ضمير كل أي كان كل واحد منها مسؤولاً عن نفسه، يعني عما فعل به صاحبه، ويجوز أن يكون الضمير في عنه لمصدر {لا تَقْفُ} أو لصاحب السمع والبصر. وقيل {مَسْؤُولاً } مسند إلى {عَنْهُ} كقوله تعالى: {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } تفسير : [الفاتحة: 7] والمعنى يسأل صاحبه عنه، وهو خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم، وفيه دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية. وقرىء {وَٱلْفُؤَادَ } بقلب الهمزة واواً بعد الضمة ثم إبدالها بالفتح. {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا} أي ذا مرح وهو الاختيال. وقرىء {مَرَحاً} وهو باعتبار الحكم أبلغ وإن كان المصدر آكد من صريح النعت. {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} لن تجعل فيها خرقاً بشدة وطأتك. {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً } بتطاولك وهو تهكم بالمختال، وتعليل للنهي بأن الاختيال حماقة مجردة لا تعود بجدوى ليس في التذلل. {كُلُّ ذٰلِكَ } إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين المذكورة. من قوله تعالى: {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ } وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنها المكتوبة في ألواح موسى عليه السلام. {كَانَ سَيّئُهُ} يعني المنهي عنه فإن المذكورات مأمورات ومناه. وقرأ الحجازيان والبصريان {سَيّئُهُ } على أنها خبر {كَانَ} والاسم ضمير {كُلٌّ}، و {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما نهى عنه خاصة وعلى هذا قوله: {عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا } بدل من {سَيّئُهُ} أو صفة لها محمولة على المعنى، فإنه بمعنى سيئاً وقد قرىء به، ويجوز أن ينتصب مكروهاً على الحال من المستكن في {كَانَ } أو في الظرف على أنه صفة {سَيّئُهُ }، والمراد به المبغوض المقابل للمرضى لا ما يقابل المراد لقيام القاطع على أن الحوادث كلها واقعة بإرادته تعالى. {ذٰلِكَ } إشارة إلى الأحكام المتقدمة. {مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ } التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به. {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ } كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، فإن من لا قصد له بطل عمله ومن قصد يفعله أو تركه غيره ضاع سعيه، وأنه رأس الحكمة وملاكها، ورتب عليه أولاً ما هو عائده الشرك في الدنيا وثانياً ما هو نتيجته في العقبى فقال تعالى: {فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا } تلوم نفسك. {مَّدْحُورًا } مبعدًا من رحمة الله تعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ } أي المذكورين من ذي القربى وما بعدهم فلم تعطهم {ٱبْتِغآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا } أي لطلب رزق تنتظره يأتيك فتعطيهم منه {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا } ليّناً سهلاً بأن تعدهم بالإِعطاء عند مجيء الرزق.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ} عمن سألك من هؤلاء {ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ} طلباً لرزق الله {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} عِدْهم خيراً ورد عليهم جميلاً، أو إن أعرضت حذراً أن ينفقوا ذلك في المعصية فمنعته {ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ} له {مَّيْسُوراً} ليناً سهلاً قاله ابن زيد.
ابن عادل
تفسير : نزلت في مهجع، وبلال، وصهيب، وسالم، وخبَّاب، وكانوا يسألون النبيَّ صلى الله عليه وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه، ولا يجد، فيعرض عنهم حياء منهم، ويمسك ن القول، فنزلت: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} أي: وإن أعرضت عنهم عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم {ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} انتظار رزق من الله ترجوه، أي: يأتيك {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} ليِّناً، وهو العدةُ، أي: عدهم وعداً جميلاً. قوله تعالى: {ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ}: يجوز أن يكون مفعولاً من أجله، ناصبه "تُعرضنَّ" وهو من وضع المسبَّب موضع السبب، وذلك أنَّ الأصل: وإمَّا تعرضنَّ عنهم لإعسارك، وجعله الزمخشريُّ منصوباً بجواب الشرط، أي: فقل لهم قولاً سهلاً؛ ابتغاء رحمة، وردَّ عليه أبو حيَّان: بأنَّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها؛ نحو: "إن يقُم زيدٌ عمراً فاضْرِبْ" فإن حذفت الفاء جاز عند سيبويه والكسائيِّ؛ نحو: "إنْ يقُمْ زيدٌ عمراً يَضْرِبْ" فإن كان الاسمُ مرفوعاً؛ نحو "إنْ تَقُمْ زيدٌ يَقُمْ" جاز ذلك عند سيبويه على أنَّه مرفوع بفعلٍ مقدَّرٍ يفسِّره الظاهر بعده، أي: إن تقم، يَقُم زيدٌ يَقُمْ. ومنع من ذلك الفراء وشيخه. وفي الردِّ نظر؛ لأنَّه قد ثبت ذلك؛ لقوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} تفسير : [الضحى: 9] الآية؛ لأنَّ "اليتيمَ" وما بعده منصوبان بما بعد فاءِ الجوابِ. وقيل: إنه في موضع الحالِ من فاعل "تُعرِضنَّ". قوله تعالى: {مِّن رَّبِّكُمْ} يجوز أن يكون صفة لـ "رحمةٍ"، وأن يكون متعلقاً بـ "تَرْجُوها" أي: ترجُوها من جهة ربِّك، على المجاز. وقوله: "تَرجُوهَا" يجوز أن يكون حالاً من فاعل "تُعرِضنَّ"، وأن يكون صفة لـ "رَحمةٍ".
القشيري
تفسير : إن لم يُسَاعِدْكَ الإمكانُ على ما طالبوكَ من الإحسان فاصْرِفْهم عنكَ بوعدٍ جميلٍ إن لم تُسْعِفهم بنقدٍ جزيل.. وإنَّ وَعْدَ الكرام أَهْنأُ من نقد اللئام.
اسماعيل حقي
تفسير : {واما}[واكر}{تعرضن}[اعراض كنى]{عنهم} اى ان اعتراك امر اضطر الى ان تعرض عن اولئك المستحقين من ذوى القربى وغيرهم {ابتغاء رحمة من ربك} اى لفقد رزق من ربك اقامة للمسبب مقام السبب فان الفقد سبب للابتغاء {ترجوها} من الله تعالى لتعطيهم والجملة صفة رحمة وكان عليه السلم اذا سئل شيئا وليس عنده سكت حياء وامر بالقول الجميل لئلا يعتريهم الوحشة بسكوته فقيل {فقل لهم قولا ميسورا} سهلا لينا وعدهم بوعد فيه يسر وراحة لهم وقيل القول الميسور الدعا لهم بالميسور اى اليسر فهو مصدر على مفعول اى قل لهم اغناكم الله من فضله رزقنا الله واياكم - روى - ان عيسى عليه السلام قال من رد سائلا خائبا عن بابه لم تعبر الملائكة بيته سبعة ايام ومن مات فقيرا راضيا من الله بفقره لا يدخل الجنة احد اغنى منه كذا فى الخالصة.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى {وإِمّا تعرضنّ} وتقديره، وإِن تعرض و (ما) زايدة. والمعنى: ومتى ما صرفت وجهك عنهم، يعني عن الذين أمروا بإِعطائهم حقوقهم ممن تقدم ذكره، لأنه قد يعرض عند عوز ما طلبوه، ليبتغي الفضل من الله، والسعة التي يمكنه معها البذل، والتقدير وإِذا أتتك قرابتك أو سواهم من المحتاجين يسألونك فأعرضت عنهم, لأنه لا شيء عندك، فقل لهم قولا حسناً، اي عدهم عدة جميلة. والاعراض صرْف الوجه عن الشيء، وقد يكون عن قلى, وقد يكون للاشتغال بما هو الاولى، وقد يكون لاذلال الجاهل مع صرف الوجه عنه، كما قال {أية : وأعرض عن الجاهلين}تفسير : وقوله {ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} والابتغاء الطلب. وقوله {ترجوها} معناه تأملها، والرجاء تعلق النفس بطلب الخير ممن يجوز منه، ومن يقدرعلى كل خير وصرف كل شر، فهو أحق بأن يرجا، ولذلك قال أمير المؤمنين (ع) (ألا لا يرجون احدكم إِلا ربه، ولا يخافن إِلا ذنبه). وقوله: {وقل لهم قولاً ميسوراً} المعنى إِذا أعرضت ابتغاء رزق من ربك، فقل لهم قولا ليناً سهلا، مثل: زقنا الله تعالى، وهو قول الحسن ومجاهد وابراهيم وغيرهم. وقال ابن زيد: تعرض عنهم إِذا خشيت أن ينفقوا بالعطية على معاصي الله، فيكون تبتغي رحمة من الله لهم بالتوبة، وأصل التيسير التسهيل، واليسر خلاف العسر، وقد يكون التيسير بالتقليل، فيسهل عليه لقلته، ويكون بمنزلة المعونة على عمله. ثم قال تعالى {ولا تجعل يدك مغلولة إِلى عنقك} أي لا تكن ممن لا يعطي شيئاً ولا يهب، فتكون بمنزلة من يده مغلولة إِلى عنقه، لا يقدر على الاعطاء وذلك مبالغة في النهي عن الشحّ والامساك {ولا تبسطها كل البسط} أي ولا تعط ايضاً جميع ما عندك، فتكون بمنزلة من بسط يده حتى لا يستقر فيها شيء وذلك كناية عن الاسراف. وقوله {فتقعد ملوماً محسوراً} معناه إِن امسكت قعدت ملوماً عند العقلاء مذموماً، وإِن اسرفت بقيت محسوراً، أي مغموماً متحسراً، وأصل الحسر الكشف من قولهم، حسر عن ذراعيه يحسر حسراً، إِذا كشف عنهما. والحسرة الغم لانحسار ما فات، ودابة حسير إِذا كلت لشدة السير، لانحسار قوتها بالكلال. وكذلك قوله {أية : ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير}تفسير : والمحسور المنقطع به لذهاب ما في يده، وانحساره انقطاعه عنه، قال الهذلي: شعر : إِن العسير بها داء مخامرها فشطرها نظر العينين محسور تفسير : ثم قال {إِن ربك} يا محمد {يبسط الرزق لمن يشاء} فيوسعه عليه على حسب ما يعلم له من المصلحة فيه {ويقدر} أي يضيق عليه لعلمه بما فيه من الصلاح، كما قال {أية : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} تفسير : وقوله {إنه كان بعباده خبيراً بصيراً} أي وهو عالم بأحوالهم، لا يخفى عليه ما يصلحهم، وما يفسدهم، فيفعل معهم بحسب ذلك.
الجنابذي
تفسير : {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ} ان تعرض {عَنْهُمُ} عمّن أمرت بايتاء حقوقهم بترك اعطاء مسؤلهم لعدم استعدادهم للمسؤل او عدم وجدان مسؤلهم حين سؤالهم {ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ} بها يستعدّون للمسؤل او بها تجد المسؤل ويتيسّر لك الاعطاء واكتفى بابتغاء الرّحمة عن عدم الاستعداد وعدم الوجدان لاستلزام عدمها لابتغاء الرّحمة من حيث انّهما رحمة والفاقد لهما اذا كان له شأنيّة الوجدان يطلبها واكتفى بذكر الرّحمة عن الاستعداد والسّعة لكونهما مصداقاً لها {تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} سماعه لا معسوراً سماعه وهو القول الّذى به يطيب قلوبهم، روى انّ النّبىّ (ص) لمّا نزلت هذه الآية كان اذا سئل ولم يكن عنده ما يعطى قال: يرزقنا الله وايّاكم من فضله.
اطفيش
تفسير : {وَإمَّا} إن الشرطية وما زائدة. {تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} أى عن ذى القربى والمسكين وابن السبيل كناية بإِعراضك عنهم عن الرد لاستحيائك من التصريح بالرد إِذا لم تجد ما تعطيهم أو الإِعراض فى الآية كناية عن عدم الإِعطاء. {ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} أى انتظار رزق من ربك ترجوه أن يأْتيك فتعطيهم، وابتغاء مفعول لأَجله أى أعرضت عنهم للانتظار حتى يفتح لك لتعطيهم لا لشح أو بغض أو لم تعطهم لعدم الاستطاعة أو حال بمعنى مبتغياً أو ذا ابتغاء أى منتظراً أو ذا انتظار وقيل ابتغاء بمعنى الفقد ووجهه أن الفقد سبب للابتغاء الذى هو الانتظار والطلب والابتغاء مسبب عن الفقد، فعبر بلفظ المسبب عن السبب أى لفقد رزق من ربك ترجوه أن يفتح لك ولا يجوز أن يكون مفعولا لأجله لقل أو حالا من الضمير فى قل لن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها إلا فى اسم الشرط نفسه وإلا إذا كانت الأداة إِما خلافاً للزمخشرى والقاضى إِذا جاز أن يكون معمولا لقل. {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} مليناً مجعولا فيه سهولة فهو اسم مفعول من يسر بالتخفيف على أنه يستعمل متعدياً كما يستعمل لازما أو الأَصل ميسوراً فيه أو به على الحذف والإِيصال على أنه من يسر المخفف اللازم وقيل هو مصدر جاء على وزن اسم مفعول فيقدر مضاف أى قولا ذا يسير وعلى الأَوجه كلها فالمراد القول الذى فيه دعاء بالخير وترجية لهم بالإِعطاء عند مجئِ الرزق وعد يطيب قلوبهم مثل أن يقول: رزقنا الله وإِياكم من فضله. وروى أنه كان يقول بعد نزول هذه الآية يرزقنا الله وإِياكم من فضله. وبهذا فسر ابن عباس القول الميسور، وفسر الرحمة بالرزق، وقال الحسن: كان السائل يسأَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول والله ما أصبح فى بيوت آل محمد صاع من طعام وهى يومئذ تسعة أبيات ولم يكن شكوى ولكن اعتذار، وذكر الحسن عن عائشة رضى الله عنها قالت: لا تقول للسائل بارك الله فيك فإِنه قد يسأَل البار والفاجر، ولكن قولوا: يرزقنا الله وإِياك وفيه دليل لمن منع من أصحابنا أن يقول لغير المتولى بارك الله فيك ولكن لا بأْس به إِذا أريدت بركة الدنيا التى لا يضر بها الإِسلام أو أهله، وذكر الحسن حديث : أن سائلا قال: يا رسول الله بت البارحة بلا عشاء وما أحسبنا الليلة نجده. فقال: يرزقنا الله وإياك من فضله اجلس، فجلس ثم قام آخر فقال مثل ذلك، فرد عليه رسول الله مثل ذلك فأَتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأَربع أواق من ذهب فقال: أين السائلان؟ فقال الرجلان فأَعطى كل منهما أوقية ولم يسأَله أحد فرجع بأوقيتين فجلعهما تحت فراشه فسهر، فقال عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها ما أسهرك يا رسول الله، أوجع أو أمر نزل بك. فقال: يا عائشة أتيت بأَربع أواق فأَمضيت اثنتين وبقيت اثنتان فخشيت أن يحدث بى حدث ولم أمضهما .
اطفيش
تفسير : {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا} إن الشرطية أدغمت نونها فى ميم ما للصلة أن تعرض عن ذى القربى والمسكين وابن السبيل، وعن أصحابك المحتاجين الطالبين منك المعروف، لأجل طلب رحمة ترجوها من ربك لتعطيهم منها، ولم تكن لك فى الحال، وسكتَّ مستحييا أن تقابلهم بالرد وكان صلى الله عليه وسلم إذا سئل وليس عنده ما يعطى أعرض بجانبه وسكت، وربما روى أنه غضب، أو اشتد عليه طلبهم، وليس كذلك فنزلت الآية. {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُورًا} مثل رزقكم الله، ومثل إذا فتح الله أعطيكم وارجع وقت كذا، ومثل ليس عندى ما أعطيكم الآن، وكره مالك الاقتصار على رزقك الله، لأنه لا أعظم على السائل من قطع طمعه فلا يقابله مع ذكر اسم الله بما يضره، وكان يستحب أن يقول له: إذا فتح الله إلى أخر ما مر! ولا يعارض بأنه صلى الله عليه وسلم يقول: رزقك الله لأن دعاء النبى مجاب قطعا، ولا تقتصر على السكوت والإعراض، وأحواله صلى الله عليه وسلم متعددة تارة يعطى، وتارة يسكت، وتارة يرد بالجميل مثل رزقك الله، علة الإعراض الإعسار، لكن عبَّر عنه بالمسبب، وهو الابتغاء. ويجوز أن يكون الإعراض كناية عن عدم النفع بدفع ما يحتاجون إليه إذ لم يوجد عنده، والإعراض بالوجه لازم عدم النفع، وأن يكون ابتغاء بمعنى انتظار، فإن الانتظار علة حاصلة على الإعراض، ولا ينصب ابغاء بقل، لأن لقال الجواب المصدر، ولا داعى إلى إخراجها عنه، وتعرض بمعنى الماضى أى لا تعد فى المستقبل إلى الإعراض بعد، بل ضم إليه قولا ميسوراً أى ليِّنا ودعه إِلى قول اليسر، ويجوز أن يكون المعنى إن أردت الإعراض، وهو مما و زنه مفعول ومعناه فاعل كمن كوم، ومثله من الرباعى أولع فهو مولع بالبناء للمفعول وجاء من ذلك مسعود ومنحوس. ويجوز أن يكون مصدراً بوزن مفعول كمجلود بمعنى الجلادة، ومعقول ومخلوف، ومجرود ومعقود، ومعسور، والأصل لهم قول يسر بالإضافة، فهو بدل من قولا أو نعتًا على معنى قولا يذكر فيه اليسر، نزلت الآية فى مهجع، وبلال وصهيب وسالم وخباب رضى الله عنهم يسألونه صلى الله عليه وسلم أحياناً، فيعرض عنهم حياء من الرد، ويتضررون من الإعراض.
الالوسي
تفسير : {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} أي عن ذي القربـى والمسكين وابن السبيل على ما هو الظاهر، وقيل عن السائلين مطلقاً. والإعراض في الأصل إظهار العرض أي الناحية فمعنى أعرض عنه ولى مبدياً عرضه، والمراد به هنا حقيقته على ما قيل بناءً على ما روي من أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل شيئاً ليس عنده صرف وجهه الشريف وسكت فنزلت {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} {ٱبْتِغَاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا} والخطاب عام له صلى الله عليه وسلم ولغيره، والمراد بالرحمة على ما أخرج ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد والضحاك الرزق. ونصب {ٱبْتِغَاء} على أنه مفعول له. قال في «الكشف» قد أقيم ابتغاء الرزق مقام فقدانه وفيه لطف فكان ذلك الإعراض لأجل السعي لهم وهو / من وضع المسبب موضع السبب كما أوضحه في «الكشاف»، وقد يفسر الابتغاء بالانتظار ويجوز جعله في موضع الحال من ضمير {تُعْرِضَنَّ} أي مبتغياً، وجعله حالاً من الضمير المجرور بعيد. وجوز أن يكون الإعراض كناية عن عدم النفع وترك الإعطاء لأنه لازمه عرفاً والابتغاء مجازاً عن عدم الاستطاعة والتعلق أيضاً بالشرط وأيد ذلك بما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر عن عطاء الخراساني قال: جاء ناس من مزينة يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً» تفسير : ظنوا ذلك من غضب رسول الله عليه الصلاة والسلام عليهم فأنزل الله سبحانه: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} الآية وفسر الرحمة بالفيء لكن أنت تعلم إن هذا غير ظاهر بناءً على ما سمعت من أن هذه السورة مكية والآية المذكورة ليست من المستثنيات، وكأنه لهذا قيل: إن المعنى إن ثبت وتحقق في المستقبل أنك أعرضت عنهم في الماضي ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل الخ والمراد سببية الثبوت للأمر بالقول فتأمل. وجوز أن يتعلق {ٱبْتِغَاء} بجواب الشرط أعني قوله تعالى: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا} أي إما تعرضن عنهم فقل لهم ذلك ابتغاء رحمة من ربك، وقدم هذا الوجه على سائر الأوجه الزمخشري. واعترض بأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها في غير باب إما وما يلحق بها. وأجيب بأنه ذكره على المذهب الكوفي المجوز للعمل مطلقاً أراد التعلق المعنوي فيضمر ما ينصبه ويجعل المذكور جارياً مجرى التفسير، والإعراض على هذا على حقيقته، واحتمال كونه كناية مختص بتعلقه بالشرط على ما زعمه الطيبـي والحق عدم الاختصاص كما لا يخفى. وجملة {تَرْجُوهَا} على سائر الأوجه يحتمل أن تكون وصفاً لرحمة وأن تكون حالاً من الفاعل و {مِن رَبّكَ} متعلق بترجوها. وجوز أن يكون صفة لرحمة. والميسور اسم مفعول من يسر الأمر بالبناء للمجهول مثل سعد الرجل ومعناه السهل أي فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً، قال الحسن: أمر أن يقول لهم نعم وكرامة وليس عندنا اليوم فإن يأتنا شيء نعرف حقكم، وقيل الميسور مصدر وجعل صفة مبالغة أو بتقدير مضاف أي قولاً ذا ميسور أي يسر والمراد به القول المشتمل على الدعاء باليسر مثل أغناكم الله تعالى ويسر لكم، وفسره ابن زيد برزقنا الله تعالى وإياكم بارك الله تعالى فيكم. وتعقب ذلك بأن الميسور معناه ذا يسر ولهذا وقع صفة لقول فأي ضرورة في أن يجعل مصدراً ثم يؤول بذا ميسور، ودفع بأنه إذا أريد القول المشتمل على الدعاء لا يكون القول حينئذٍ ميسوراً بل ميسر لما أرادوه. وميسور مصدراً مما ثبت في اللغة من غير تكلف فجعله صفة مبالغة أو بتقدير مضاف له وجه وجيه وفيه تأمل. والحق أن اعتباره مصدراً خلاف الظاهر. وفي الآية على القول الأخير دلالة على أن الدعاء للسائل مما لا بأس به، وعن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه كان لا يرى أن يقال للسائل إذا لم يعط شيئاً: رزقك الله تعالى ونحوه قائلاً إن ذلك مما يثقل عليه ويكره سماعه، ولا ينبغي أن يذكر اسم الله تعالى لمن لا يهش له، ولعمري إنه مغزى بعيد. وأفاد بعضهم أن في الآية دليلاً على النهي عن الإعراض بالمعنى الأول فإن المعنى إن أردت الإعراض عنهم فقل لهم قولاً ميسوراً ولا تعرض، وله وجه وجيه لا يخفى على من له بصر حديد. واستشكل العز بن عبد السلام جعل {ٱبْتِغَاء} من متعلقات الشرط بأنا مأمورون بالرد الجميل إن انتظرنا شيئاً يحصل لنا أو لم ننتظر. وأجاب بأن / المراد بالقول الميسور الوعد بالعطاء فيكون مفاد الآية لا تعدوا إلا إذا كنتم على رجاء من حصول ما تعدون به فالتقييد بالابتغاء في غاية المناسبة للشرط لأنه لا يحسن الوعد عند عدم الرجاء لما أنه يؤدي إلى الإخلاف وهو كما ترى.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {أية : وآت ذا القربى والمسكين}تفسير : [الإسراء: 26] لأنه من تمامه. والخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب. والمقصود بالخطاب النبي لأنه على وزان نظم قوله: {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}تفسير : [الإسراء: 23] فإن المواجهة بـ {ربك} في القرآن جاءت غالباً لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم ويعدله ما روي أن النبي كان إذا سأله أحد مالاً ولم يكن عنده ما يعطيه يعرض عنه حياء فنبهه الله إلى أدب أكمل من الذي تعهده من قبل ويحصل من ذلك تعليم لسائر الأمة. وضمير {عنهم} عائد إلى ذي القُربى والمسكين وابن السبيل. والإعراض: أصله ضد الإقبال مشتق من العُرض ــــ بضم العين ــــ أي الجانب، فأعرض بمعنى أعطى جانبه {أية : وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه}تفسير : [الإسراء: 83]، وهو هنا مجاز في عدم الإيتاء أو كناية عنه لأن الإمساك يلازمه الإعراض، أي إن سألك أحدهم عطاءً فلم تجبه إليه أو إن لم تفتقدهم بالعطاء المعروف فتباعدتَ عن لقائهم حياءً منهم أن تلاقيهم بيد فارغة فقل لهم قولاً ميسوراً. والميسور: مفعول من اليُسر، وهو السهولة، وفعله مبني للمجهول. يقال: يُسِر الأمرُ بضم الياء وكسر السين كما يقال: سُعِد الرجل ونُحِس، والمعنى: جُعِل يسيراً غير عسير، وكذلك يقال: عُسِر. والقول الميسور: اللين الحسن المقبول عندهم؛ شبه المقبول بالميسور في قبول النفس إياه لأن غير المقبول عسير. أمر الله بإرفاق عدم الإعطاء لعدم الموجدة بقول لين حسن بالاعتذار والوعد عند الموجدة، لئلا يُحمل الإعراض على قلة الاكتراث والشح. وقد شرط الإعراض بشرطين: أن يكون إعراضاً لابتغاء رزق من الله، أي إعراضاً لعدم الجدة لا اعتراضاً لبخل عنهم، وأن يكون معه قول لين في الاعتذار. وعلم من قوله: {ابتغاء رحمة من ربك} أنه اعتذار صادق وليس تعللاً كما قال بشار: شعر : وللبخيل على أمواله علل زرق العيون عليها أوجه سود تفسير : فقوله: {ابتغاء رحمة من ربك} حال من ضمير {تعرضن} مصدر بالوصف، أي مبتغياً رحمة من ربك. و {ترجوها} صفة لــــ {رحمة}. والرحمة هنا هي الرزق الذي يتأتى منه العطاء بقرينة السياق. وفيه إشارة إلى أن الرزق سبب للرحمة لأنه إذا أعطاه مستحقه أثيب عليه، وهذا إدماج. وفي ضمن هذا الشرط تأديب للمؤمن إن كان فاقداً ما يبلغ به إلى فعل الخير أن يرجوَ من الله تيسير أسبابه، وأن لا يحمله الشح على السرور بفقد الرزق للراحة من البذل بحيث لا يَعدِم البذلَ الآن إلا وهو راج أن يسهل له في المستقبل حرصاً على فضيلته، وأنه لا ينبغي أن يعرض عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل إلا في حال رجاء حصول نعمة فإن حصلت أعطاهم.
الشنقيطي
تفسير : الضمير في قوله {عَنْهُمُ} راجع إلى المذكورين قبله في قوله: {أية : وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ}تفسير : [الإسراء:26]الآية. ومعنى الآية: إن تعرض عن هؤلاء المذكورين فلم تعطهم شيئاً لأنه ليس عندك. وإعراضك المذكور عنهم {ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَاً} أي رزق حلال. كالفيء يرزقكه الله فتعطيهم منه {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورا} أي ليناً لطيفاً طيباً. كالدعاء لهم بالغنى وسعة الرزق، ووعدهم بأن الله إذا يسر من فضله رزقاَ أنك تعطيهم منه. وهذا تعليم عظيم من الله لنبيه لمكارم الأخلاق، وأنه إن لم يقدر على الإعطاء الجميل فليتجمل في عدم الإعطاء. لأن الرد الجميل خير من الإعطاء القبيح. وهذا الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، صرح به الله جل وعلا في سورة "البقرة" في قوله: {أية : قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى}تفسير : [البقرة:236] الآية، ولقد أجاد من قال: شعر : إلا تكن ورق يوماً أجود بها للسائلين فإني لين العود لا يعدم السائلون الخير من خلقي إما نوالى وإما حسن مردودي تفسير : والآية الكريمة تشير إلى أنه صلى الله عليه وسلم لا يعرض عن الإعطاء إلا عند عدم ما يعطى منه، وأن الرزق المنتظر إذا يسره الله فإنه يعطيهم منه، ولا يعرض عنهم. وهذا هو غاية الجود وكرم الأخلاق. وقال القرطبي: قولاً {مَّيْسُوراً} مفعول بمعنى الفاعل من لفظ اليسر كالميمون. وقد علمت مما قررنا أن قوله: {ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ} متعلق بفعل الشرط الذي هو {تُعْرِضَنَّ} لا بجزاء الشرط. وأجاز الزمخشري في الكشاف تعلقه بالجزاء وتقديمه عليه. ومعنى ذلك: فقل لهم قولاً ميسوراً {ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ}. اي يسر عليهم والطف بهم. لابتغائك بذلك رحمة الله. ورد ذلك عليه ابو حيان في "البحر المحيط" بأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبله. قال: لا يجوز في قولك إن يقم فاضرب خالداً - أن تقول: إن يقم خالداً فاضرب. وهذا منصوص عليه - انتهى. عن سعيد بن جبير رحمه الله: أن الضمير في قوله {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُم} [الإسراء:28] راجع للكفار. اي إن تعرض عن الكفار ابتغاء رحمة من ربك، أي نصر لك عليهم، أو هداية من الله لهم. وعلى هذا فالقول الميسور: المداراة باللسان. قاله أبو سليمان الدمشقي، انتهى من البحر. ويسر بالتخفيف يكون لازماً ومتعدياً، وميسور من المتعدي. تقول: يسرت لك كذا إذا أعددته. قاله أبو حيان أيضاً.
الواحدي
تفسير : {وإمَّا تعرضنَّ عنهم...} الآية. كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا سأله فقراء الصَّحابة ولم يكن عنده ما يعطيهم أعرض عنهم حياءً منهم، وسكت، وهو قوله: {وإمَّا تعرضنَّ عنهم ابتغاء رحمة من ربك} انتظار الرِّزق من الله تعالى يأتيك {فقل لهم قولاَ ميسوراً} ليِّناً سهلاً، وكان إذا سُئل ولم يكن عنده ما يُعطي قال: يرزقنا الله وإيَّاكم من فضله. {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} لا تُمسكها عن البذل كلَّ الإِمساك حتى كأنَّها مقبوضة إلى عنقك لا تنبسط بخيرٍ {ولا تبسطها كلَّ البسط} في النَّققة والعطيَّة {فتقعد ملوماً} تلوم نفسك وتُلام {محسوراً} ليس عندك شيء، من قولهم: حسرتُ الرَّجل بالمسألة: إذا أفنيتَ جميع ما عنده. نزلت هذه الآية حين وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه، ولم يجد ما يلبسه للخروج، فبقي في البيت. {إنَّ ربك يبسط الرزق لمَنْ يشاء ويقدر} يُوسِّع على مَنْ يشاء، ويُضيِّق على مَنْ يشاء {إنَّه كان بعباده خبيراً بصيراً} حيث أجرى رزقهم على ما علم فيه صلاحهم. {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم} سبق تفسيره في سورة الأنعام وقوله: {خِطْئاً} أَيْ: إثماً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإما تعرضن عنهم: أي عن المذكورين من ذي القربى والمساكين وابن السبيل فلم تعطهم شيئاً. ابتغاء رحمة من ربك ترجوها: أي طلباً لرزق ترجوه من الله تعالى. قولاً ميسوراً: أي ليناً سهلاً بأن تعدهم بالعطاء عند وجود الرزق. مغلولة إلى عنقك: أي لا تمسك عن النفقة كأن يدك مربوطة إلى عنقك فلا تستطيع أن تعطي شيئاً. ولا تبسطها كل البسط: أي ولا تنفق كل ما بيدك ولم تبق شيئاً. فتقعد ملوماً: أي يلومك من حرمتهم من الإِنفاق. محسوراً: أي منقطعاً عن سيرك في الحياة إذ لم تبق لك شيئاً. يبسط الرزق ويقدر: أي يوسعه، ويقدر أي يضيقه امتحانا وابتلاء. خشية إملاق: أي خوف الفقر وشدته. خطئاً كبيراً: أي إثماً عظيماً. فاحشة وساء سبيلاً: أي خصلة قبيحة شديدة القبح، وسبيلا بئس السبيل. لوليه سلطان: أي لوارثه تسلطاً على القاتل. فلا يسرف في القتل: أي لا يقتل غير القاتل. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في وصايا الرب تبارك وتعالى والتي هي حكم أوحاها الله تعالى إلى رسوله للاهتداء بها، والكمال والإِسعاد عليها. فقوله تعالى: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} أي إن أعرضت عن قرابتك أو عن مسكين سألك أو ابن سبيل احتاج اليك ولم تجد ما تعطيهم فأعرضت عنهم بوجهك أيها الرسول {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} أي سهلاً ليناً وهو العدة الحسنة كقولك إن رزقي الله سأعطيك أو عما قريب سيحصل لي كذا وأعطيك وما أشبه ذلك من الوعد الحسن، فيكون ذلك عطاء منك عاجلاً لهم يسرون به، ولا يحزنون. وقوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} أي لا تبخل بما آتاك الله فتمنع ذوي الحقوق حقوقهم كأن يدك مشدودة إلى عنقك فلا تستطيع أن تنفق، وقوله: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} أي تفتح يديك بالعطاء فتخرج كل ما بجيبك أو خزانتك فلا تبق شيئاً لك ولأهلك. وقوله: {فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً} أي إن أنت أمسكت ولم تنفق لامك سائلوك إذ لم تعطهم، وإن أنت أنفقت كل شيء عندك انقطعت بك الحياة ولم تجد ما تواصل به سيرك في بقية عمرك فتكون كالبعير الذي أعياه السير فانقطع عنه وترك محسوراً في الطريق لا يستطيع صاحبه رده إلى أهله، ولا مواصلة السير عليه إلى وجهته. وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ} أي يوسع على من يشاء امتحاناً له أيشكر أم يكفر ويقدر لمن يشاء أي يضيق على من يشاء ابتلاء له أيصبر أم يضجر ويسخط، {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} فلذا هو يوسع ويضيق بحسب علمه وحكمته، إذ من عباده من لا يصلحه إلا السعة، ومنهم من لا يصلحه إلا الضيق، وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} أي ومما حكم به وقضى ووصى {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ} أي أطفالكم {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} أي مخافة الفاقة والفقر، إذ كان العرب يئدون البنات خشية العار ويقتلون الأولاد الذكور كالإناث مخافة الفاقة فأوصى تعالى بمنع ذلك وقال متعهداً متكفلاً برزق الأولاد وآبائهم فقال: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} وأخبر تعالى أن قتل الأولاد {كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} أي إثما عظيماً فكيف يقدم عليه المؤمن؟. وقوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} أي ومن جملة ما حكم به ووصى أن لا تقربوا أيها المؤمنون الزنا مجرد قرب منه قبل فعله، لأن الزنا كان في حكم الله فاحشة أي خصلة قبيحة شديدة القبح ممجوجة طبعاً وعقلاً وشرعاً، وساء طريق هذه الفاحشة سبيلاً أي بئس الطريق الموصل إلى الزنا طريقاً للآثار السيئة والنتائج المدمرة التي تترتب عليه أولها أذية المؤمنين في أعراضهم وآخرها جهنم والاصطلاء بحرها والبقاء فيها أحقاباً طويلة. وقوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ} أي ومما حكم تعالى به وأوصى أن لا تقتلوا أيها الؤمنون النفس التي حرم الله أي قتلها إلا بالحق، وقد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحق الذي تقتل به نفس المؤمن وهو واحدة من ثلاث: القتل العمد العدوان، الزنا بعد الإحصان، الكفر بعد الإِيمان. وقوله {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} أي من قتل له قتيل ظلماً وعدواناً أي غير خطأ فقد أعطاه تعالى سلطة كاملة على قاتل وليه إن شاء قتله وإن شاء أخذ دية منه، وإن شاء عفا عنه لوجه الله تعالى: وقوله: {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} أي لا يحل لولي الدم أي لمن قتل له قتيل أن يسرف في القتل فيقتل بدل الواحد أكثر من واحد أو بدل المرأة رجلا. أو يقتل غير القاتل، وذلك أن الله تعالى أعطاه سلطة تمكنه من قتل قاتله فلا يجوز أن يقتل غير قاتله كما كانوا في الجاهلية يفعلون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- العدة الحسنة تقوم مقام الصدقة لمن لم يجد ما يتصدق به على من سأله. 2- حرمة البخل، والإِسراف معاً وفضيلة الاعتدال والقصد. 3- تجلي حكمة الله تعالى في التوسعة على أناس، والتضيق على آخرين. 4- حرمة قتل الأولاد بعد الولادة أو إجهاضاً قبلها خوفاً من الفقر أو العار. 5- حرمة مقدمات الزنا كالنظر بشهوة والكلام مع الأجنبية ومسها وحرمة الزنا وهو أشد. 6- حرمة قتل النفس التي حرّم الله قتلها إلا بالحق والحق قتل عمد عدواناً، وزناً بعد إحصان، وكفر بعد إيمان.
د. أسعد حومد
تفسير : (28) - فَإِذَا سَأَلَكَ أَقَارِبُكَ، وَمَنْ أَمَرَكَ اللهُ بِإِعْطَائِهِمْ، وَلَيْسَ لَدَيْكَ شَيءٌ تُعْطِيهِم إِيَّاهُ، وَأَعْرَضْتَ عَنْهُمْ لِضِيقِ اليَدِ، وَفُقْدَانِ مَا تُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، فَعِدْهُمْ وَعْداً لَيِّناً جَمِيلاً، تَطِيبُ بِهِ قُلُوبُهُمْ، وَقُلْ لَهُمْ إِذا جَاءَكَ رِزْقٌ فَسَتَصِلُهُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولنا أنْ نسأل: عَمَّنْ يكون الإعراض؟ فقد سبق الحديث عن الوالدين والأقارب والمسكين وابن السبيل، والإعراض عن هؤلاء لا يتناسب مع سياق الآية لأنه إعراض عن طاعة الله، بدليل قوله: {ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا ..} [الإسراء: 28]. فالله تعالى في ذهنك، وتبتغي من وراء هذا الإعراض رحمة الله ورزقه وسِعَته. إذن: الإعراض هنا ليس معصية أو مخالفة. فماذا إذن الغرض من الإعراض هنا؟ نقول: قد يأتيك قريب أو مسكين أو عابر سبيل ويسألك حاجة وأنت لا تملكها في هذا الوقت فتخجل أنْ تواجهه بالمنع، وتستحي منه، فما يكون منك إلا أنْ تتوجه إلى ربّك عز وجل وتطلب منه ما يسدُّ حاجتك وحاجة سائلك، وأن يجعل لك من هذا الموقف مَخْرجاً. فالمعنى: إما تُعرضنّ عنهم خجلاً وحياءً أنْ تواجههم، وليس عندك ما يسدُّ حاجتهم، وأنت في هذا الحال تلجأ إلى الله أنْ يرحمك رحمةً تسعك وتسعهم. وقوله تعالى: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} [الإسراء: 28]. كما قال في موضع آخر في مثل هذا الموقف: {أية : قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ..}تفسير : [البقرة: 263]. فحتى في حال المنع يجب على المسلم أن يلتزم الأدب، ولا يجرح مشاعر السائل، وأنْ يردّه بلين ورِفْق، وأنْ يُظهر له الحياء والخجل، وألاّ يتكبر أو يتعالى عليه، وأن يتذكر نعمة الله عليه بأنْ جعله مسئولاً لا سائلاً. إذن: فالعبارات والأعمال الصالحة في مثل هذا الموقف لا يكفي فيها أن تقول: ما عندي، فقد يتهمك السائل بالتعالي عليه، أو بعدم الاهتمام به، والاستغناء عنه، وهنا يأتي دور الارتقاءات الإيمانية والأريحية للنفس البشرية التي تسمو بصاحبها إلى أعلى المراتب. وتأمل هذا الارتقاء الإيماني في قوله تعالى عن أصحاب الأعذار في الجهاد:{أية : وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ}تفسير : [التوبة: 92]. هذه حكاية بعض الصحابة الذين أتوا رسول الله ليخرجوا معه إلى الجهاد، ويضعوا أنفسهم تحت أمره وتصرّفه، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذر لهم، فليس لديه من الركائب ما يحملهم عليه إلى الجهاد. فماذا كان من هؤلاء النفر المؤمنين؟ هل انصرفوا ولسان حالهم يقول: لقد فعلنا ما علينا ويفرحون بما انتهوا إليه؟ لا، بل: {أية : تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ}تفسير : [التوبة: 92]. وهكذا يرتقي الإيمان بأهله، ويسمو بأصحابه، فإذا لم يقدروا على الأعمال النزوعية، فالأعمال القولية، فإذا لم يقدروا على هذه أيضاً فلا أقلّ من الانفعال العاطفي المعبِّر عن حقيقة الإيمان الذي يفيض دمع الحزْن لضيق ذات اليد. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} يعني معروفاً. ويقال: لَيناً. ويقالُ: حَسناً.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} أي: إن تحقق إعراضك ومنعك عن هؤلاء المستحقين المذكورين، سيما بعدما سألوا عنك العطاء {ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ} أي: طلب رحمة وشفقة مرجوة {مِّن رَّبِّكَ} حال كونك {تَرْجُوهَا} أي: الرحمة لهم؛ لعلمك بأنهم صرفوها إلى القبائح والمعصية، فعليك أن تمنعهم وتردهم هيناً ليناً، بلا تشدد وغلظة {فَقُل لَّهُمْ} حين دفعهم: {قَوْلاً مَّيْسُوراً} [الإسراء: 28] سهلا ً إلى حيث لا ييأسوا ولا يحزنوا، مثل أن تقول: سَّل الله علينا وعليكم، ويسَّر لنا ولكم من فضله وجوده. وبعدما نهى سبحانه عن التبذير صريحاً، والإعراض عن صرف النعمة إلى المعصية، نهى عن مطلق البخل والتبذير المذمومين تأكيداً ومبالغةً، فقال: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً} معقودة {إِلَىٰ عُنُقِكَ} بحيث لا يسع لك إعطاء شيء مما رزق الله لك على مستحقه شُحّاً وبخلاً؛ إذ هو إفراطٌ وتقترٌ {وَ} أيضاً {لاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} بحيث لا قرار لك عندها أصلاً، فهذا تفريطٌ وتبذيرٌ، وكلاهما مذمومان شرعاً وعقلاً، فعليك بالاقتصاد الذي هو عبارة عن الكرم والجود، وهو صراط الله الأعدل الأقوم {فَتَقْعُدَ} بعد اتصافك بالبخل والتقتير {مَلُوماً} عند الله، وعند الملائكة والناس أجمعين، واتصفت بالتبذير والإسراف، تقعد {مَّحْسُوراً} [الإسراء: 29] نادماً متحسراً، قلقاً حائزاً في نظم معاشك. {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ} الصوري والمعنوي، ويوسعه {لِمَن يَشَآءُ} من عباده على مقتضى علمه بحالهم، وسعة استعدادهم، وقابلية حوصلتهم {وَيَقْدِرُ} أي: يقبض ويضيّق لمن يشاء منهم على مقتضى علمه يضيق صدرهم، وقلة تمكنهم ووقارهم؛ إذ الله الحكيم المتقن في أفعاله لا يتجاوز عن مقتضى حكمته {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ} عليماً {خَبِيراً} عن بواطنهم وصمائرهم، وما يؤول إليهم أمورهم {بَصِيراً} [الإسراء: 30] بظواهر أحوالهم، وتقلباتهم في شئونهم وتطوراتههم. {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ} أيها البالغون لرتبة التكليف الإلهي {أَوْلادَكُمْ} الحاصلة من أصلابكم، سواء كانوا بنين أو بنات بلا رخصة شرعية، سيما {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} أي: فقر وفاقة؛ إذ {نَّحْنُ} من سعةً جودنا، ووفور رحمتنا {نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} إذ لا رازق لكم ولهم سوانا {إنَّ قَتْلَهُمْ} إن صدر عنكم {كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} [الإسراء: 31] أي: ذنباً عظيماً. {وَ} عليكم أيها المؤمنون المتدرجون في مسالك التحقيق أن {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} بترتيب مقدمات تترتب عليها تلك الفعلة القبيحة، فكيف الإتيان بها. العياذ بالله {إِنَّهُ} إي: الزنا {كَانَ فَاحِشَةً} مسقطة للعدالة، مزيلة للمروءة، مبطلة لحكمة التناسل التي هي المعرفة الإلهية؛ إذ ولد الزنا لا يبلغ مرتبة الولاية والعرفان أصلاً {وَسَآءَ سَبِيلاً} [الإسراء: 32] لقضاء الشهوة المعدَّة لسر الظهور والإظهار من لدن حكيم عليم. {وَ} عليكم أيضاً أيها الموحدون القاصدون إلى معارج التوحيد أن {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ} قتلها؛ إذ هي بيت الله، وتخريب بيته من أعظم الكبائر {إِلاَّ بِٱلحَقِّ} أي: إلاَّ برخصة شرعية من قصاص وحدٌ وردَّة، إلى غير ذلك من الأمور التي عيّنها الشرع {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً} بلا رخصة شرعية {فَقَدْ جَعَلْنَا} بمقتضى عدلنا {لِوَلِيِّهِ} أي: لمن يلي أمر المقتول بعده {سُلْطَاناً} سطوة وغلبة على القائتل الظالم مع معاونة الحكام له {فَلاَ يُسْرِف} أي: الولي المنتقم {فِّي ٱلْقَتْلِ} لقصاص المقتول المظلوم بأن يقتل غير القاتل بدله، أو يُقتل هو مع غيره، وكيف لا يُقتل الظالم بدل المقتول المظلوم {إِنَّهُ كَانَ} أي: المظلوم {مَنْصُوراً} [الإسراء: 33] عند الله، وعند جميع الخلائق؟!. {وَ} عليكم أيضاً أيها المتوجهون نحو الحق بالعزيمة الصحيحة، والقصد الخالص أن {لاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} الذي لا متعهد له من الأبوين {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} بحالهم من ازدياد أموالهم وتنميته، وحفظه وتعميره على وجه العدالة والمروءة {حَتَّىٰ يَبْلُغَ} اليتيم {أَشُدَّهُ} أي: رشده، وبلغ إلى سن التمييز والتصرف، فلكم أيها المتعهدون المتحفظون لأموال اليتامى ردها إليهم بعد اختيارهم وامتحانهم مراراً، وبالجملة: لكم أيها الموحدون الإيفاء والوفاء بالعهود والمواثيق مطلقاً، سواء كانت مما بينكم وبين الله، أو بين المؤمنين من عباده {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ} والميثاق {كَانَ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 34] في النشأة الأخرى، وناقضة مؤاخذاً، وموفيه مأجوراً. {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ} أي: عليكم أيفاء الكيل {إِذا كِلْتُمْ} لغيركم {وَزِنُواْ} أيضاً، إذا زنتم {بِٱلقِسْطَاسِ} أي: الميزان. وهو لفظ سرياني: {ٱلْمُسْتَقِيمِ} الذي لا ميل له إلى جانبٍ، بل صار كفتاه على السوية بلا ميل {ذٰلِكَ} أي: إيفاؤكم واستقامتكم في المكيال والميزان {خَيْرٌ} جالب لأنواع الخيرات في الدنيا {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [الإسراء: 35] أي: عاقبةً ومآلاً في العقبى. {وَلاَ تَقْفُ} أي: لا تتبع أيها المؤمن الموقن، الطالب للوصول إلى مرتبة التوحيد {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي: ما لم يتعلق علمك به تقليداً أو تخميناً؛ إذ أنت يوم الجزاء مسئول عما رُمته بلا علمٍ، وأقدمتَ عليه بأي عضو وجارحة، وقلتَهُ رجماً بالغيب {إِنَّ ٱلسَّمْعَ} قدمه، لأنه نُسبتُ إليه أكثر المفتريات والكواذب {وَٱلْبَصَرَ} لأن النفس تقع في أكثر الفتن والمهالك برؤية البصر {وَٱلْفُؤَادَ} الذي هو أصل في إنشاء الكواذب والمزروّرات {كُلُّ أُولـٰئِكَ} أي: كل واحد من القوى الثلاثة {كَانَ} يوم القيامة {عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36] فتقرُّ أولئك القوى بدما سُئل عمَّا صدرت منها من المعاصي، فيفتضح صاحبها على رءوس الأشهاد. {وَلاَ تَمْشِ} أيها الطالب لعدالة التوحيد والعرفان {فِي ٱلأَرْضِ} التي أعدت للتذلل والانسكار، والتواضع والخشوع {مَرَحاً} ذا كبرٍ وخيلاٍ، فكيف تختال وتتكبر أيها لمهان المخلوق من المهين {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} بشدة قولتك ووطأتك {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ} باستعلائك واستكبارك {طُولاً} [الإسراء: 37] أي: مدة متطاولة حتى تستعلي بها على من دونك؟! وبالجملة: لا تتكبر ولا تتجبر أيها العاجز الضعيف مع ضعفك، وقصير عمرك. {كُلُّ ذٰلِكَ} من النواهي المذكورة، مِنْ {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ}تفسير : [الإسراء: 22] إلى هنا {كَانَ سَيِّئُهُ} أي: ثبت وتحقق كونه سيئة، وإنما {عِنْدَ رَبِّكَ} لذلك كان {مَكْرُوهاً} [الإسراء: 38] منهياً عنه، مبغوضاً عليه.
همام الصنعاني
تفسير : 1559- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً}: [الآية: 28]، قال: عِدْهُمْ خَيْراً. عبد الرزاق، قال معمر، وقال الحسن: قُلْ لهم قولاً سَهْلاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):