١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قد مضى الكلام في هذه الآية في الأنعام، والحمد لله. والإملاق: الفقر وعدم الملك. أملق الرجل أي لم يبق له إلا الملَقات؛ وهي الحجارة العظام المُلْس. قال الهُذَلِي يصف صائداً:شعر : أتِيحَ لها أقَيْدِرُ ذو حَشِيف إذا سامَتْ على الملَقَات سامَا تفسير : الواحدة مَلَقة. والأقَيْدر تصغير الأقدر، وهو الرجل القصير. والحَشِيف من الثياب: الخَلَق. وسامت مرّت. وقال شَمِر: أملق لازمٌ ومتعدٍّ، أملق إذا افتقر، وأملق الدهر ما بيده. قال أوْس:شعر : وأَمْلـق ما عندي خطـوب تَنَبَّـلُ تفسير : الثانية: قوله تعالى: {خِطْئاً} «خطأ» قراءة الجمهور بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمزة والقصر. وقرأ ابن عامر «خَطَأً» بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة، وهي قراءة أبي جعفر يزيد. وهاتان قراءتان مأخوذتان من «خطىء» إذا أتى الذنب على عمد. قال ابن عرفة: يقال خَطِىء في ذنبه خَطَأ إذا أثِم فيه، وأخطأ إذا سلك سبيلَ خطأ عامداً أو غير عامد. قال: ويقال خَطِىء في معنى أخطأ. وقال الأزهري: يقال خَطِىء يخطأ خِطْئاً إذا تعمّد الخطأ؛ مثلُ أثِم يَأثم إثماً. وأخطأ إذا لم يتعمّد، إخطاء وخطأ. قال الشاعر:شعر : دَعِيني إنما خطَئي وصَوْبِي عليّ وإنّ ما أهلكتُ مالُ تفسير : والخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء، وهو ضدّ الصواب. وفيه لغتان: القصر وهو الجيد، والمدّ هو قليل. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «خَطْأً» بفتح الخاء وسكون الطاء وهمزة. وقرأ ابن كَثير بكسر الخاء وفتح الطاء ومدّ الهمزة. قال النحاس: ولا أعرف لهذه القراءة وجهاً، ولذلك جعلها أبو حاتم غلطاً. قال أبو عليّ: هي مصدر من خاطأ يخاطىء، وإن كنا لا نجد خاطأ، ولكن وجدنا تخاطأ، وهو مطاوع خاطأ، فدلنا عليه؛ ومنه قول الشاعر:شعر : تَخَاطَأت النَّبْلُ أحشاءَه وأَخَّر يومِي فلم أَعْجَلِ تفسير : وقول الآخر في وصف مَهاة: شعر : تخاطأه القَنّاص حتى وجدتُه وخرطومُه في مَنْقع الماء راسبُ تفسير : الجوهري: تخاطأه أي أخطأه؛ وقال أوْفَى بن مطر المازني:شعر : ألاَ أبلغا خُلّتي جابراً بأنّ خليلك لم يُقتَل تخاطأت النّبل أحشاءه وأخَّرَ يومي فلم يَعْجَل تفسير : وقرأ الحسن «خَطَاء» بفتح الخاء والطاء والمد في الهمزة. قال أبو حاتم: لا يعرف هذا في اللغة وهي غلط غير جائز. وقال أبو الفتح: الخطأ من أخطأت بمنزلة العطاء من أعطيت، هو اسم بمعنى المصدر، وعن الحسن أيضاً «خَطًى» بفتح الخاء والطاء مُنوّنة من غير همزة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ } يوسِّعه {لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ } يضيّقه لمن يشآءُ {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } عالماً ببواطنهم وظواهرهم فيرزقهم على حسب مصالحهم.
النسفي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءَ} فليس البسط إليك {وَيَقْدِرُ} أي هو يضيق فلا لوم عليك {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً} بمصالحهم فيمضيها {بَصِيراً} بحوائجهم فيقضيها. {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} قتلهم أولادهم وأدهم بناتهم {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} فقر {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} نهاهم عن ذلك وضمن أرزاقهم {إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} إثماً عظيماً. يقال: خطىء خطأ كأثم إثماً. {خطأ} شامي وهو ضد الصواب اسم من أخطأ. وقيل: والخطء كالحذر والحذر {خطاء} بالمد والكسر: مكي {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ} القصر فيه أكثر والمدلغة وقد قرئ به وهو نهي عن دواعي الزنا كالمس والقبلة ونحوهما، ولو أريد النهي عن نفس الزنا لقال «ولا تزنوا» {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} معصية مجاوزة حد الشرع والعقل {وَسَآءَ سَبِيلاً} وبئس طريقاً طريقه {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي بارتكاب ما يبيح الدم {وَمَن قُتِلَ مَظْلوماً} غير مرتكب ما يبيح الدم {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} تسلطاً على القاتل في الاقتصاص منه {فَلا يسْرِف فِّي الْقَتْلِ} الضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة أهل الجاهلية، أو الإسراف المثلة، أو الضمير للقاتل الأول {فلا تسرف} حمزة وعلي على خطاب الولي أو قاتل المظلوم {إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً} الضمير للولي أي حسبه أن الله قد نصره بأن أوجب له القصاص فلا يستزد على ذلك، أو للمظلوم أي الله ناصره حيث أوجب القصاص بقتله وينصره في الآخرة بالثواب، أو للذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله فإنه كان منصوراً بإيجاب القصاص على المسرف. وظاهر الآية يدل على أن القصاص يجري بين الحر والعبد وبين المسلم والذمي لأن أنفس أهل الذمة والعبيد داخلة في الآية لكونها محرمة.
البقاعي
تفسير : ولما كان سبب البخل خوف الفقر، وسبب البسط محبة إغناء المعطي، قال مسلياً لرسوله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من الإضافة عن التوسعة على من يسأله بأن ذلك إنما هو لتربية العباد بما يصلحهم، لا لهوان بالمضيق عليه، ولا لإكرام للمسوع عليه: {إن ربك} أي المحسن إليك {يبسط الرزق لمن يشاء} البسط له دون غيره {ويقدر} أي يضيق كذلك سواء قبض يده أو بسطها {أية : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} تفسير : [ الشورى: 27] ولكنه تعالى لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده، ولا بالمقبوض عنه أقصى مكروهه، فاستنوا في إنفاقكم على عباده بسنته في الاقتصاد {إنه كان} أي كوناً هو في غاية المكنة {بعباده خبيراً} أي بالغ الخبر {بصيراً *} أي بالغ البصر بما يكون من كل القبض والبسط لهم مصلحة أو مفسدة. ولما أتم سبحانه ما أراد من الوصية بالأصول وما تبع ذلك، وختمه بما قرر من أن قبض الرزق وبسطه منه من غير أن ينفع في ذلك حيلة، أوصاهم بالفروع، لكونهم في غاية الضعف وكانوا يقتلون بناتهم خوف الفقر، وكان اسم البنت قد صار عندهم لطول ما استهجنوه موجباً للقسوة، فقال في النهي عن ذلك مواجهاً لهم، إعلاماً ببعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن هذا الخلق قبل الإسلام وبعده: {ولا تقتلوا أولادكم} معبراً بلفظ الولد هو داعية إلى الحنو والعطف {خشية إملاق} أي فقر متوقع لم يقع بعد؛ ثم وصل بذلك استئنافاً قوله: {نحن نرزقهم وإياكم} مقدماً ضمير الأولاد لكون الإملاق مترقباً من الإنفاق عليهم غير حاصل في حال القتل، بخلاف آية الأنعام فإن سياقها يدل على أن الإملاق حاصل عند القتل، والقتل للعجز عن الإنفاق، ثم علل ذلك بما هو أعم منه فقال تعالى: {إن قتلهم} أي مطلقاً لهذا أو غيره {كان خطأً} أي إثماً {كبيراً *} قال الرماني: والخطأ - أي بكسر ثم سكون - لا يكون إلا تعمداً إلى خلاف الصواب، والخطأ - أي محركاً - قد يكون من غير تعمد. ولما كان في قتل الأولاد حظ من البخل، وفي فعل الزنا داعٍ من الإسراف، أتبعه به فقال تعالى: {ولا تقربوا} أي أدنى قرب بفعل شيء من مقدماته ولو بإخطاره بالخاطر {الزنى} مع أن السبب الغالب في فعل النساء له الحاجة وطلب التزيد، وفيه معنى قتل الولد بتضييع نسبه، وفيه تسبب في إيجاد نفس الباطل، كما أن القتل تسبب في إعدامها بالباطل، وعبر بالقربان تعظيماً له لما فيه من المفاسد الجارّة إلى الفتن بالقتل وغيره؛ ثم علله بقوله مؤكداً إبلاغاً في التنفير عنه لما للنفس من شدة الداعية إليه: {إنه كان} أي كوناً لا ينفك عنه {فاحشة} أي زائدة القبح، وقد نهاكم عن الفحشاء في آية العدل والإحسان {وساء} الزنا {سبيلاً *} أي ما أسوأه من طريق! والتعبير عنه بالسبيل يدل على كثرة متعاطيه بالدلالة على سعة منهجه. ولما أتم النهي عن هذين الأمرين المتحدين في وصف الفحش وفي السبب على تقدير، وفي إهلاك الولد بالقتل وما في معناه، أتبعهما مطلق القتل الذي من أسبابه تحصيل المال فقال تعالى: {ولا تقتلوا النفس} أي بسبب ما جعل خالقها لها من النفاسة {التي حرم الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله بالإسلام أو العهد {إلا بالحق} أي بأمر يحل الله به تلك الحرمة التي كانت، فصارت الأسباب المنهي عنها بتحريم مسبباتها منع الموجود بخلاً ثم بذله إسرافاً ثم تحصيل المفقود بغياً؛ ثم عطف على ما أفهم السياق تقديره وهو: فمن قتل نفساً بغير حق فقد عصى الله ورسوله {ومن قتل} أي وقع قتله من أيّ قاتل كان {مظلوماً} أي بأيّ ظلم كان، من غير أن يرتكب إحدى ثلاث: الكفر، والزنا بعد الإحصان، وقتل المؤمن عمداً، عدواناً {فقد جعلنا} أي بما لنا من العظمة {لوليه} أي سواء كان قريباً أو سلطاناً {سلطاناً} أي أمراً متسلطاً {فلا يسرف} الولي، أو فلا تسرف أيها الولي {في القتل} بقتل غير القاتل، ولا يزد على حقه بوجه {إنه} أي القتيل {كان منصوراً *} في الدنيا بما جبل الله في الطباع من فحش القتل، وكراهة كل أحد له، وبغض القاتل والنفرة منه، والأخذ على يده، وفي الآخرة بأخذ حقه منه من غير ظلم ولا غفلة، فمن وثق بذلك ترك الإسراف، فإنه لخوف الفوت أو للتخويف من العود.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} [الآية: 30]. قال ابن عطاء رحمه الله: ولك بهذه الآية على التوكل والثقة فإن الله يبسط الرزق لمن يشاء فاسكن أنت من اضطرابك ودع جبلتك واسأل: من بيده البسط أن يوسع عليك الرزق.
القشيري
تفسير : إذا بَسَطَ لا تَبْقَى فاقة، وإذا قبض استنفد كلَّ طاقة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} يوسعه على بعض ويضيقه على بعض آخرين بمشيئته التابعة للحكمة وبالفارسية [بدرستى كه بروردكار توكشاده مى كرداند روزى را برى هركه خواهد وتنك مى سازد براى هركه ارادت او اقتضا كند واين يبسط وقبض از محض حكمت است وكس زهرة اعتراض ندارد]. وفى التأويلات النجمية يشير به الى الخروج عن أوطان البشرية والطبيعية الانسانية الى فضاء العبودية بقدمى التوكل على الله وتفويض الامور اليه فان كان يبسط للنفس فى بعض الاوقات ببعض المرادات ليفرش لها بساط البسط ويقدر عليها فى بضع الاوقات متمناها ليضبط احوالها بمجامع القبض فالامور موكولة الى حكمه البالغة واحكامه الازلية {انه كان بعباده خبيرا بصيرا} اى يعلم سرهم وعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم قال الله تعالى "حديث : وان من عبادى المؤمنين من لا يصلح ايمانه الا الغنى لو افقرته لافسده ذلك وان من عبادى المؤمنين من لا يصلح ايمانه الا الفقر لو اغنيته لافسده ذلك وان من عبادى المؤمنين من لا يصلح ايمانه الا الصحة لو اسقمته لافسده ذلك وان من عبادى المؤمنين من لا يصلح ايمانه الا السقم لو اصححته لافسده ذلك انى ادبر امر عبادى بعلمى بقلوبهم انى عليم خبير"تفسير : رواه انس رضى الله عنه كما فى بحر العلوم فيغنى الله ويفقر ويبسط ويقبض لو اغناهم جميعا لطغوا لو افقرهم لنسوا فهلكوا وفى الحديث "حديث : بادروا بالاعمال خمسا غنى مطغيا وفقرا منسيا وهرما مفندا ومرضا مفسدا وموتا مجهزا"تفسير : فاذا كان الغنى لبعض مطغيا صرفه الله تعالى عمن علم ذلك منه وافقره لان الفقر علم منه انه لا ينسيه بل يشغل لسانه بذكره وحمده وقلبه بالتوكل عليه والالتجاء اليه واذا كان الفقر لبعضهم منسيا صرفه عمن علم ذلك منه: وفى المثنوى شعر : فقر ازين رو فخر آمد جودان كه بتقوى ماند دست نارسان زان غنا وزان مردود شد كه ز قدرت صبرها بدرود شد آدمى را عجز وفقر آمد امان از بلاى نفس بر حرص وغمان تفسير : فعلى العاقل التسليم لامر الله تعالى والرضى بقضائه والصبر فى موارد القبض والشكر فى مواقع البسط والانفاق مهما امكن. قال فى اسرار المحمدية كان اويس القرنى رحمه الله اذا اصبح او امسى تصدق بما فى بيته من الفضل من الطعام والثياب ثم يقول اللهم من مات جوعا فلا تؤاخذنى به ومن مات عريانا فلا تؤاخذنى به. وكان الخلاج رحمه الله يقول مخبرا عن حاله اذا قعد الرجل عشرين يوما جائعا ثم فتح له طعام فعرف ان فى البلد من هو احوج الى ذلك منه فاكله ولم يؤثر به ذلك المحتاج فقد سقط عن رتبته وهذا مقام عال بالنسبة الى حال اويس ظاهرا ولكن قال الشيخ الكامل محمد بن على العربى قدس سره اعلم ان قول اويس ينبه على مقامه الاعلى وطبيعته المثلى لان ذلك القول معرب عن حال امام الوقت فيطعى ما ملك ويتضرع هذا التضرع لمن استخلفه على عبيده بالرحمة لهم والشفقة عليهم والمكمل من سبقت رحمته غضبه كما اخبر الله سبحانه عن اكمل الخلفاء وسيد الاقطاب بقوله {أية : وما ارسلناك الا رحمة للعالمين}تفسير : ولكن العارف اذا كان صاحب حال مثل الحلاج فرق بين نفسه ونفس غيره فعامل نفسه بالشدة والقهر والعذاب ونفس غيره بالايثار والرحمة والشفقة. واما اذا كان صاحب مقام وتمكين وقوة بان عرف الفرق بين الحال والمقام صارت نفسه عنه اجنبية وارتفع هو علويا وبقيت مع ابناء جنسها سفلية فلزمه العطف عليها كما لزمه العطف على غيرها لان ادب العارف من ذى الولاية انه اذا خرج بصدقة ولقى اول مسكين يليق لدفع الصدقة اليه يدفعها اليه البتة فاذا تركه الى مسكين آخر ولم يدفع للاول فقد انتقل من ربه الى هوى نفسه فانها مثل الرسالة لا يختص بالدعوة شخصا دون شخص فاول من يلقاه بقوله قل لا اله الا الله فالولى الكامل خليفة الرسول فاذا وهب البارى للولى رزقا يعلم انه مرسل به الى عالم النفوس الحيوانية فينزل من سماء عقله الى ارض النفوس ليؤدى اليهم ذلك القدر الذى وجه به فاول نفس تستقبله نفسه لا نفس غيره لان النفوس الغير ليست متعلقة به فلا تعرفه. واما نفسه فمتعلقة به ملازمة بابه فلا يفتحه الا عليها فتطلب امانتها فيقدمها على غيرها بالاعطاء لانها اول سائل والى هذا السر اشار الشارع صلى الله عليه وسلم بقوله "حديث : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول"تفسير : والاقربون اولى بالمعروف لتعلقهم بك ولزومهم بابك ولا تعلق للغير بك ولا له ملازمة نفسك واهلك فلما تأخروا اخروا كسائر اسرار الله تعالى متى خرج من عند الحق على باب الرحمة فأى قلب وجد سائلا متعرضا دفع اليه حظه من الاسرار والحكم على قدر ما يراقبه من التعطش والجوع والذلة والافتقار وهم خاصة الله وعلى هذا المقام حرض الشارع بقوله (تعرضوا لنفحات الله سبحانه) وهذا سر الحديث ومراد الشرع فمن تأخر اخر ومن نسى نسى فانظر الآن كم بين المنزلتين والمقامين ثم انظر ايضا الى هذا المقام على علوه وسموه كيف اشترك فى الظاهر مع احوال العامة فانهم اول ما يجودون فعلى نفوسهم ثم الى غيرها وانما تصرفهم تحت حكم هذه الحقيقة وهم لا يشعرون وبعماهم عن هذه الاسرار ونزولهم الى حضيض البهائم بحيث لا يعرفون مواقع اسرار العالم مع الله حرصوا على الايثار ومدحوا به وهو مقام الحلاج الذى ذكر عنه وظننت انه غاية فى الترقى والعلو وهكذا فلتعزل الحقائق وتحاك حلل الدقائق اهم كلام الشيخ الا كبر والكبريت الاحمر والمسك الا ذفر قدس سره الاطهر.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} فلا تقدر انت على بسط الرّزق على نفسك بالامساك ولا على غيرك باعطاء جميع ما عندك فهو تعليل للنّهى عن القبض والبسط {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} فيعلم احوالهم الباطنة ويبصر احوالهم الظّاهرة فيعلم مصالحهم ويعطى ما يصلحهم ويمنع ما يفسدهم.
الهواري
تفسير : قوله: { إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} أي: ويقتر. وتقتيره على المؤمن نظرٌ له. {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً}. قوله: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ} يعني الموءودة { خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ} أي: خشية الفاقة. كان أحدهم يقتل ابنته، يدفنها وهي حية حتى تموت مخافة الفاقة، ويغذو كلبه. {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} أي: ذنباً كبيراً. أي: قتل النفس التي حرّم الله من الكبائر. قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} أي: وبئس الطريق. قوله: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: إلا بالقوَد؛ أن يقتل قتيلاً فيُقتل بمن قتل. قوله: { وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} أي: القَوَد، إلا أن يعفو الولي أو يرضى بالدية إن أُعطِيهَا. قوله: { فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْلِ} أي: لا يقتل غير قاتله. { إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} أي: ينصره السلطان حتى يُقيدَه منه. وقال بعضهم: {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} أي: في الآخرة، يعني الذي يُعتَدى عليه فقُتِل، وليس هو قاتل الأول، أي: يُنصر على الذي اعتدى عليه فقتله.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ} يا كل من يصلح للخطاب {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ} البسط له {وَيَقْدِرُ} يضيّقه لمن يشاء التضييق له أو عليه، وذلك مشكل لأن الآية مكية، ولفظ ابن مردويه، عن ابن مسعود: جاء غلام إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي تسألك كذا وكذا، فقال:"حديث : ما عندنا اليوم شئ" تفسير : قال فتقول: اكسنى قميصك فخلع صلى الله عليه وسلم قميصه فدفعه إليه، فجلس فى البيت حاسراً فنزلت الآية، وليس فيه ذكر أذان بلال، فلا يشكل أنه مكى، وكذلك لا يصح ما قيل: إنها نزلت حين أعطى الأقرع مائة من الإبل وعيينة مائة، فقال عباس ابن مرداس. اتجعل نهبى... لأبيات المشهورة، فقال الصديق رضى الله عنه: اقطع عنى لسانه، فأعطاه مائة فنزلت لأن الآية مكية والعطاء مدنى. وقد يقال الآية مدنية، جعلت فى سورة مكية، لتجتمع فيها خصال مخصوصة، وحينئذ يصح الحديث الأول الذى فيه أذان بلال، وحديث سعيد بن منصور وابن المنذر، أنه صلى الله عليه وسلم قسم ما لا فقال قوم من العرب: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعطينا فوجدوه قد فرغ فنزلت الآية. {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا} بسرهم {بَصِيرًا} بلعنهم، فهو يرزقهم على ما علم من ظواهرهم وبواطنهم، ومعنى الحديث أمل من ساعة أو أخر سؤالك من ساعة لم يظهر لنا فيها درع إلى ساعة يظهر لنا فيها درع، وفى رواية من ساعة إلى ساعة فعد إلينا، وقد يقال: الخطاب من قوله: وآت ذا القربى حقه إلى هنا النبى صلى الله عليه وسلم: فيكون التسلية له هنا بالذات، وغيره تبع له، والمراد أنه يبسط ويضيق بحسب مشيئة تابعة للحكمة، والمصلحة، ولا يجب أن تكون مصلحة العبد فى مشيئة الله خلافاً للمعتزلة، وقليل من الأشعرية كالشيخ زادة، ولكن نسبة للأشعرية كلهم، والبسط والإعسار لحكمة لا لعظم المرزوق، أو هوان المرزوق، وليست أفعاله معللة بالحكمة والمصلحة، ولا المصلحة فى حق العبد واجبة عليه عندنا وعندهم، خلافاً للمعتزلة. ويجوز أن يكون المعنى أَن القبض والبسط الشديدين مختصان بالله فاقتصد أنت ودع ما يختص بالله سبحانه، وأن يكون المعنى أنه يقبض تارة ويبسط أخرى، وهذا اقتصاد، فاعتنوا به، وعلى الوجهين الآية تعليل للآية قبلها الناهية عن القبض والبسط الشديدين. قيل: ويجوز أن تكون تمهيداً لقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوا} وفيه أنه لو كان كذلك لقال فلا تقتلوا إِلخ بالفاء. ويجاب بأنه جئ بالواو ليفيد زجراً عن قتل الأولاد وعامًّا مطلقاً مستقلا، فيدخل فيه كل ما أريد دخوله. {أَوْلاَدَكمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ}، لأنه تعالى متكفل بأَرزاق العباد بحسب مشيئته، فكيف تقتلونهن الرزق، وهو مضمون عند الله، وكانت العرب يقتلون بناتهم لعجزهن عن الكسب، ولئلا يتزوجن بغير أكفائهن وهو عار، وقد يقتلونهن لعدم جمالهنّ ولخوف زناهن، والإملاق: الفقر والقتل: هو دفنهن. وعلل النهى عنه بقوله: {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} وبأن قتلهن ظلم عظيم، ويقطع التناسل، وذلك فى قوله: {إِنّ قَتْلَهُمْ} قتل الأولاد التى هى هنا البنات، أفاد أن الاسم الصادق بالمذكر والمؤنث، كالإنسان والولد يذكر أصالة، ولو أريد به المؤنث. {كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} خطئ يخطأ خطئا بوزن علم يعلم علما، وهو الإثم، وقدم رزق الأولاد لأن المخاطبين هنا الأغنياء، وفى سورة الأنعام الفقراء، فقدم رزقهم فيها، وللإشعار بأن الأولاد هم الأصل فى إفاضة الرزق، وفى سورة الأنعام ذكر ما يستدعى تقديم ذكر المخاطبين، ولأن الباعث على القتل فى سورة الأنعام نفس الإملاق الناجز كما قال فيها: "أية : من إملاق"تفسير : [الأنعام: 151] والباعث هنا خشية الإملاق، كما قال خشية إملاق، فهو متوقع لا ناجز، فكأنه قيل: نرزقهم بلا نقص من رزقكم، فلا تتوقعوا الإملاق فتقتلوهم، ومر كلام فى سورة الأنعام.
ابن عاشور
تفسير : موقع هذه الجملة موقع اعتراض بالتعليل لما تقدم من الأمر بإيتاء ذي القربى والمساكين، والنهي عن التبذير، وعن الإمساك المفيد الأمرَ بالقصد، بأن هذا واجب الناس في أموالهم وواجبهم نحو قرابتهم وضعفاء عشائرهم، فعليهم أن يمتثلوا ما أمرهم الله من ذلك. وليس الشح بمبق مال الشحيح لنفسه، ولا التبذير بمغنٍ من يبذر فيهم المال فإن الله قدر لكل نفس رزقها. فيجوز أن يكون الكلام جارياً على سنن الخطاب السابق لغير معين. ويجوز أن يكون قد حُول الكلام إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم فَوُجّه بالخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه الأولى بعلم هذه الحقائق العالية، وإن كانت أمته مقصودة بالخطاب تبعاً له، فتكون هذه الوصايا مخللة بالإقبال على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم. {ويقدر} ضد {يبسط}. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}تفسير : في سورة [الرعد: 26]. وجملة {إنه كان بعباده خبيرا بصيرا} تعليل لجملة {إن ربك يبسط الرزق} إلى آخرها، أي هو يفعل ذلك لأنه عليم بأحوال عباده وما يليق بكل منهم بحسب ما جبلت عليه نفوسهم، وما يحف بهم من أحوال النظم العالمية التي اقتضتها الحكمة الإلهية المودعة في هذا العالم. والخبير: العالم بالأخبار. والبصير: العالم بالمبصرات. وهذان الاسمان الجليلان يرجعان إلى معنى بعض تعلق العلم الإلهي.
د. أسعد حومد
تفسير : (30) - إِنَّ رَبَّكَ أَيُّها الرَّسُولُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ، وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ، وَيُقَتِّرُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ، لِمَا لَهُ مِنَ الحِكْمَةِ فِي ذلِكَ، وَهُوَ خَبِيرٌ بِعِبَادِهِ، فَيَعْرِفُ مَنْ يُصْلِحُهُ الغِنَى فَيُغْنِيهِ، وَمَنْ يُصْلِحُهُ الفَقْرُ .. وَهُوَ بَصِيرٌ بِتَدْبِيرِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ. (وَفِي الحَدِيثِ: حديث : إِنَّ مِنْ عِبَادِي لَمَنْ لاَ يُصْلِحُهُ إِلاَّ الفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لأَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دِينَهُ، وَإٍِنَّ مِنْ عِبَادِي لَمَنْ لاَ يُصْلِحُهُ إِلاَّ الغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدْتُ عَلَيْهِ دِينَهُتفسير : ). يَقْدِرُ - يُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ لِحِكْمَةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الله الذي لا تنفد خزائنه يعطي خلْقه بقدَرٍ، فلا يبسط لهم الرزق كل البَسْط، ولا يقبضه عنهم كُلَّ القَبْض، بل يبسط على قوم، ويقبض على آخرين لتسير حركة الحياة؛ لأنه سبحانه لو بسط الرزق ووسَّعه على جميع الناس لاستغنى الناس عن الناس، وحدثت بينهم مقاطعة تُفسد عليهم حياتهم. إنما حركة الحياة تتطلب أنْ يحتاج صاحب المال إلى عمل، وصاحب العمل إلى مال، فتلتقي حاجات الناس بعضهم لبعض، وبذلك يتكامل الناس، ويشعر كل عضو في المجتمع بأهميته ودوره في الحياة. وسبق أن ذكرنا أن الحق سبحانه لم يجعل إنساناً مَجْمعاً للمواهب، بل المواهب مُوزَّعة بين الخَلْق جميعهم، فأنت صاحب موهبة في مجال، وأنا صاحب موهبة في مجال آخر وهكذا، ليظل الناس يحتاج بعضهم لبعض. فالغني صاحب المال الذي ربما تعالى بماله وتكبَّر به على الناس يُحوِجه الله لأقل المهن التي يستنكف أن يصنعها، ولا بُدّ له منها لكي يزاول حركة الحياة. والحق سبحانه لا يريد في حركة الحياة أن يتفضّل الناس على الناس، بل لا بُدَّ أن ترتبط مصالح الناس عند الناس بحاجة بعضهم لبعض. فإذا كان الحق تبارك وتعالى لا يبسط لعباده كل البَسْط، ولا يقبض عنهم كل القَبْض، بل يقبض ويبسط، فوراء ذلك حكمة لله تعالى بالغة؛ لذلك ارتضى هذا الاعتدال منهجاً لعباده ينظم حياتهم، وعلى العبد أن يرضى بما قُسِم له في الحالتين، وأن يسير في حركة حياته سَيْراً يناسب ما قدَّره الله له من الرزق. يقول تعالى: {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الطلاق: 7]. أي: مَنْ ضُيّق عليه الرزق فلينفق على قَدْره، ولا يتطلع إلى ما هو فوق قدرته وإمكاناته، وهذه نظرية اقتصادية تضمن للإنسان الراحة في الدنيا، وتوفر له سلامة العيش. ورحم الله امرءاً عرف قَدْر نفسه؛ لأن الذي يُتْعِب الناس في الحياة ويُشقيهم أن ترى الفقير الذي ضُيِّق عليه في الرزق يريد أنْ يعيشَ عيشة الموسَّع عليه رزقه، ويتطلّع إلى ما فضّل الله به غيره عليه. فلو تصورنا مثلاً زميلين في عمل واحد يتقاضيان نفس الراتب: الأول: غنيٌّ وفي سَعَةٍ من العيش قد يأخذ من أبيه فوق راتبه. والآخر: فقير ربما يساعد أباه في نفقات الأسرة. فإذا دخلا محلاً لشراء شيء ما، فعلى الفقير ألاَّ ينظر إلى وَضْعه الوظيفي، بل إلى وَضْعه ومستواه المادي، فيشتري بما يتناسب معه، ولا يطمع أن يكون مثل زميله؛ لأن لكل منهما قدرةً وإمكانية يجب ألاَّ يخرج عنها. هذه هي النظرة الاقتصادية الدقيقة، والتصرُّف الإيماني المتزن؛ لذلك فالذي يحترم قضاء الله ويَرْضَى بما قَسَمه له ويعيش في نطاقه غير متمرد عليه، يقول له الحق سبحانه: لقد رضيت بقدري فيك فسوف أرفعك إلى قدري عندك، ثم يعطيه ويُوسِّع عليه بعد الضيق. وهذا مُشَاهَد لنا في الحياة، والأمثلة عليه واضحة، فكم من أُناس كانوا في فقر وضيق عيش، فلما رَضُوا بما قَسَمه الله ارتقتْ حياتهم وتبدّل حالهم إلى سَعَة وتَرَف. فالحق سبحانه يبسط الرزق لمَنْ يشاء ويقدر؛ لأنه سبحانه يريد أن يضع الإنسانُ نفسه دائماً في مقام الخلافة في الأرض، ولا ينسى هذه الحقيقة، فيظن أنه أصيل فيها. والخيبة كل الخيبة أن ينسى الإنسان أنه خليفة لله في الأرض، ويسير في حركة الحياة على أنه أصيل في الكون، فأنت فقط خليفة لمن استخلفك، مَمْدود مِمَّنْ أمدّك، فإياك أنْ تغتر، وإياك أنْ تعيش في مستوى فوق المستوى الذي قدّره الله لك. فإن اعتبرتَ نفسك أصيلاً ضَلَّ الكون كله؛ لأن الله تعالى جعل الدنيا أغياراً وجعلها دُوَلاً، فالذي وُسِّع عليه اليوم قد يُضيَّق عليه غداً، والذي ضُيِّق عليه اليوم قد يُوسَّع عليه غداً. وهذه سُنة من سُنَن الله في خَلْقه لِيَدكّ في الإنسان غرور الاستغناء عن الله. فلو متَّع اللهُ الإنسانَ بالغنى دائماً لما استمتع الكون بلذة: يا رب ارزقني، ولو متَّعة بالصحة دائماً لما استمتع الكون بلذة: يا رب اشفني. لذلك يظل الإنسان موصولاً بالمنعِم سبحانه محتاجاً إليه داعياً إياه. وقد قال تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق: 6-7]. فالحاجة هي التي تربط الإنسان بربه، وتُوصله به سبحانه. فالبَسْط والتضييق من الله تعالى له حكمة، فلا يبسط لهم الرزق كل البسط، فيعطيهم كُلَّ ما يريدون، ولا يقبض عنهم كل القبض فيحرمهم ويُريهم ما يكرهون، بل يعطي بحساب وبقدر؛ لتستقيم حركة الحياة، كما قال تعالى في آية أخرى: {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ ..}تفسير : [الشورى: 27]. وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} [الإسراء: 30]. لأن الحق سبحانه لو لم يُوزّع الرزق هذا التوزيع الحكيم لاختلَّ ميزان العالم، فَمنْ بُسِط له يستغني عن غيره فيما بُسِط له فيه، ومَنْ ضُيّق عليه يتمرد على الكون ويحقد على الناس، ويحسدهم ويعاديهم. إنما إذا علم الجميع أن هذا بقدر الله وحكمته فسوف يظل الكون المخلوق موصولاً بالمُكوِّن الخالق سبحانه. وفي قوله: {إِنَّ رَبَّكَ ..} [الإسراء: 30]. ملمح لطيف: أي ربك يا محمد وأنت أكرم الخلق عليه، ومع ذلك بَسَط لك حتى صِرْت تعطي عطاء مَنْ لا يخشى الفقر، وقبض عنك حتى تربط الحجر على بطنك من الجوع. فإن كانت هذه حاله صلى الله عليه وسلم فلا يستنكف أحد منا إنْ ضيّق الله عليه الرزق، ومَنْ منّا ربط الحجر على بطنه من الجوع؟! وبعد أنْ حدَّثنا الحق سبحانه عن فرع من فروع الحياة وهو المال، ورسم لنا المنهج الذي تستقيم الحياة به ويسير الإنسان به سَيْراً يُحقّق له العيش الكريم والحياة السعيدة، ويضمن له الارتقاءات والطموحات التي يتطلع إليها. أراد سبحانه أن يُحدّثنا عن الحياة في أصلها، فأمر باستبقاء النسل، ونهى عن قتله فقال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):