١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : هذا هو النوع الخامس من الطاعات المذكورة في هذه الآيات وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في تقرير النظم وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه هو المتكفل بأرزاق العباد حيث قال: { أية : إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ } تفسير : [الإسراء: 30] أتبعه بقوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم }. الوجه الثاني: أنه تعالى لما علم كيفية البر بالوالدين في الآية المتقدمة علم في هذه الآية كيفية البر بالأولاد، ولهذا قال بعضهم: إن الذين يسمون بالأبرار إنما سموا بذلك لأنهم بروا الآباء والأبناء وإنما وجب بر الآباء مكافأة على ما صدر منهما من أنواع البر بالأولاد. وإنما وجب البر بالأولاد لأنهم في غاية الضعف ولا كافل لهم غير الوالدين. الوجه الثالث: أن امتناع الأولاد من البر بالآباء يوجب خراب العالم، لأن الآباء إذا علموا ذلك قلت رغبتهم في تربية الأولاد، فيلزم خراب العالم من الوجه الذي قررناه، فثبت أن عمارة العالم إنما تحصل إذا حصلت المبرة بين الآباء والأولاد من الجانبين. الوجه الرابع: أن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو سوء ظن بالله، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم، فالأول ضد التعظيم لأمر الله تعالى، والثاني: ضد الشفقة على خلق الله تعالى وكلاهما مذموم، والله أعلم. الوجه الخامس: أن قرابة الأولاد قرابة الجزئية والبعضية، وهي من أعظم الموجبات للمحبة. فلو لم تحصل المحبة دل ذلك على غلظ شديد في الروح، وقسوة في القلب، وذلك من أعظم الأخلاق الذميمة، فرغب الله في الإحسان إلى الأولاد إزالة لهذه الخصلة الذميمة. المسألة الثانية: العرب كانوا يقتلون البنات لعجز البنات عن الكسب، وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على النهب والغارة، وأيضاً كانوا يخافون أن فقرها ينفر كفأها عن الرغبة فيها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء، وفي ذلك عار شديد فقال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ } وهذا لفظ عام للذكور والإناث، والمعنى: أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولداً، وهذا المعنى وصف مشترك بين الذكور وبين الإناث. وأما ما يخاف من الفقر من البنات فقد يخاف مثله في الذكور في حال الصغر، وقد يخاف أيضاً في العاجزين من البنين. ثم قال تعالى: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } يعني الأرزاق بيد الله تعالى فكما أنه تعالى فتح أبواب الرزق على الرجال، فكذلك يفتح أبواب الرزق على النساء. المسألة الثالثة: الجمهور قرؤا {إن قتلهم كان خطأ كبيراً}، أي إثماً كبيراً يقال خطىء يخطأ خطأ مثل أثم يأثم إثماً قال تعالى: { أية : إِنَّا كُنَّا خَـٰطِئِينَ } تفسير : [يوسف: 97] أي آثمين، وقرأ ابن عامر (خطأ) بالفتح يقال: أخطأ يخطىء إخطاء وخطأ إذا أتى بما لا ينبغي من غير قصد، ويكون الخطأ اسماً للمصدر، والمعنى: على هذه القراءة أن قتلهم ليس بصواب. قال القفال رحمه الله، وقرأ ابن كثير: {خطاء} بكسر الخاء ممدودة ولعلهما لغتان مثل دفع ودفاع ولبس ولباس.
ابن كثير
تفسير : هذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده، لأنه نهى عن قتل الأولاد كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث، وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقال: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ} أي: خوف أن تفتقروا في ثاني الحال، ولهذا قدم الاهتمام برزقهم، فقال: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} وفي الأنعام: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلَـٰدَكُمْ مِّنْ إمْلَـٰقٍ} تفسير : [الأنعام: 151] أي: من فقر {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} تفسير : [الأنعام: 151]. وقوله: {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} أي: ذنباً عظيماً، وقرأ بعضهم: كان خطأ كبيراً، وهو بمعناه، وفي "الصحيحين" عن عبد الله بن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «حديث : أن تجعل لله نداً، وهو خلقك - قلت: ثم أي؟ - قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك - قلت: ثم أي؟ - قال: أن تزاني بحليلة جارك».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَٰدَكُمْ } بالوأد {خَشْيَةَ } مخافة {إمْلَٰقٍ } فقر {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا } إثماً {كَبِيراً } عظيماً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ} يعني وأد البنات أحياء خيفة الفقر. {نحن نرزقهم وإياكُم إنّ قتلهم كان خطئاً كبيراً} والخِطءُ العدول عن الصواب بعمد، والخطأ العدول عنه بسهو، فهذا الفرق بين الخِطْءِ والخطأ، وقد قال الشاعر: شعر : الخِطْءُ فاحشةٌ والبِرُّ نافِلةٌ كعَجْوةٍ غرسَتْ في الأرض تؤتَبرُ تفسير : الثاني: أن الخطء ما كان إثماً، والخطأ ما لا إثم فيه، وقرأ الحسن خطاء بالمد.
ابن عطية
تفسير : قرا الأعمش وابن وثاب "ولا تقتّلوا" بتضعيف الفعل، وهذه الآية نهي عن الوأد الذي كانت العرب تفعله، وهو قوله تعالى: {أية : وإذا الموءودة سئلت} تفسير : [التكوير: 8]، ويقال كان جهلهم يبلغ أن يغدو أحدهم كلبه ويقتل ولده، و {خشية} نصب على المفعول من أجله، و"الإملاق" الفقر وعدم الملك، أملق الرجل لم يبق له إلا الملقات وهي الحجارة العظام الملس السود، وقرأ الجمهور "خِطْئاً" بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمز والقصر، وقرأ ابن عامر "خطئاً" بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة، وهي قراءة أبي جعفر، وهاتان قراءتان مأخوذتان من خطىء إذا أتى الذنب على عمد، فهي كحذر وحذر ومثل ومثل وشبه وشبه اسم ومصدر، ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : الخطء فاحشة والبر نافلة كعجوة غرست في الأرض تؤتبر تفسير : قال الزجاج يقال خطىء الرجل يخطأ خطأً مثل أثم إثماً فهذا هو المصدر وخطأ اسم منه، وقال بعض العلماء خطىء معناه واقع الذنب عامداً، ومنه قوله تعالى: {أية : لا يأكله إلا الخاطئون} تفسير : [الحاقة: 37]، وأخطأ واقع الذنب عن غير تعمد، ومنه قوله تعالى: {أية : إن نسينا أو أخطأنا} تفسير : [البقرة: 286]، وقال أبو علي الفارسي: وقد يقع هذا موضع هذا، وهذا موضع هذا، فأخطأ بمعنى تعمد في قول الشاعر: [الوافر] شعر : عبادك يخطئون وأنت رب كريم لا يليق بك الذموم تفسير : وخطىء بمعنى لم يتعمد في قول الآخر: [الكامل] شعر : والناس يلحون الأمير إذا همُ خطئوا الصواب ولا يلام المرشد تفسير : وقد روي عن ابن عامر "خَطأً" بفتح الخاء وسكون الطاء وهمزة، وقرأ ابن كثير "خِطَاء" بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة، وهي قراءة الأعرج بخلاف، وطلحة وشبل والأعمش وعيسى وخالد بن إياس وقتادة والحسن بخلاف عنه، قال النحاس ولا أعرف لهذه القراءة وجهاً، وكذلك جعلها أبو حاتم غلطاً. قال أبو علي الفارسي: هي مصدر من خاطأ يخاطىء وإن كنا لم نجد خاطَأ ولا كنا وجدنا تخاطأ وهو مطاوع خاطأ، فدلنا عليه، فمنه قول الشاعر: [المتقارب] شعر : تخاطأت النبْل احشاءه وخر يومي فلم أعجل تفسير : وقول الآخر في صفة كماة: [الطويل] شعر : تَخَاطَأَه القنّاصُ حتى وجدته وخرطومه في مَنْقَع الماء راسب تفسير : فكأن هؤلاء الذين يقتلون أولادهم يخاطئون الحق والعدل، وقرأ الحسن فيما روي عنه "خَطَاء" بفتح الخاء والطاء والمد في الهمزة قال أبو حاتم: لا يعرف هذا في اللغة، وهو غلط غير جائز وليس كما قال أبو حاتم، قال أبو الفتح: الخطاء من اخْطَأت بمنزلة العطاء من أعطيت، هو اسم يعني المصدر، وقرأ الحسن بخلاف "خَطاً" بفتح الخاء والطاء منونة من غير همز، وقرأ أبو رجاء والزهري "خِطاً" بكسر الخاء وفتح الطاء كالتي قبلها، وهاتان مخففتان من خطأ وخطاء، وقوله {ولا تقربوا الزنى} تحريم. و {الزنى} يمد ويقصر فمن قصره الآية، وهي لغة جميع كتاب الله، ومن مده قول الفرزدق: [الطويل] شعر : أبا حَاضر من يزن يعرف زناؤه ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا تفسير : ويروى أبا خالد، و"الفاحشة" ما يستتر به من المعاصي لقبحه، و {سبيلا} نصب على التمييز، التقدير وساء سبيله سبيلاً، أي لأنه يؤدي إلى النار، وقوله {ولا تقتلوا} وما قبله من الأفعال جزم بالنهي، وذهب الطبري إلى أنها عطف على قوله {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا} تفسير : [الإسراء: 23] والأول أصوب وأبرع للمعنى، والألف واللام التي في {النفس} هي للجنس، و {الحق} الذي تقتل به النفس هو ما فسره النبي صلى الله عليه سلم في قوله: حديث : لا يُحل دمَ المسلم إلا إحدى ثلاث خصال، كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس أخرى . تفسير : قال القاضي أبو محمد: وتتصل بهذه الأشياء هي راجعة إليها، فمنها قطع الطريق، لأنه في معنى قتل النفس وهي الحرابة، ومن ذلك الزندقة، ومسألة ترك الصَّلاة لأنها في معنى الكفر بعد الإيمان، ومنه قتل أبي بكر رضي الله عنه منعة الزكاة، وقتل من امتنع في المدن من فروض الكفاية، وقوله تعالى: {مظلوماً} نصب على الحال، ومعناه بغير هذه الوجوه المذكورة، و"الولي" القائم بالدم وهو من ولد الميت أو ولده الميت أو جمعه وأباه أب، ولا مدخل للنساء في ولاية الدم عند جماعة من العلماء، ولهن ذلك عند أخرى، و"السلطان" الحجة والملك الذي جعل إليه من التخير في قبول الدية أو العفو، قاله ابن عباس والضحاك. وقال قتادة: "السلطان" القود، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم "فلا يسرف" بالياء، وهي قراءة الجمهور، أي الولي لا يتعدى أمر الله، والتعدي هو أن يقتل غير قاتل وليه من سائر القبيل، أو يقتل اثنين بواحد، وغير وذلك من وجوه التعدي، وهذا كله كانت العرب تفعله، فلذلك وقع التحذير منه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من أعتى الناس على الله ثلاثة، رجل قتل غير قاتل وليه، أو قتل بدحل الجاهلية، أو قتل في حرم الله"تفسير : ، وقالت فرقة: المراد بقوله {فلا يسرف} القاتل الذي يتضمنه الكلام، والمعنى فلا يكن أحد من المسرفين بأن يقتل نفساً فإنه يحصل في ثقاف هذا الحكم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي "فلا تسرف في القتل" بالتاء من فوق، وهو قراءة حذيفة ويحيى بن وثاب ومجاهد بخلاف والأعمش وجماعة، قال الطبري: على معنى الخطاب للنبي عليه السلام والأئمة بعده، أي فلا تقتلوا غير القاتل. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يراد به الولي أي فلا تسرف أيها الولي في قتل أحد يتحصل في هذا الحكم، وقرأ أبو مسلم السراج صاحب الدعوة العباسية، "فلا يسرفُ" بالياء بضم الفاء على معنى الخبر لا على معنى النهي، والمراد هذا التأويل فقط. قال القاضي أبو محمد: وفي الاحتجاج بأبي مسلم في القراءة نظر، وفي قراءة أبي بن كعب: "فلا تسرفوا في القتل إن ولي المقتول كان منصوراً"، والضمير في قوله {إنه} عائد على الولي، وقيل على المقتول، وهو عندي أرجح الأقوال، لأنه المظلوم، ولفظة النصر تقارن أبداً الظلم كقوله عليه السلام: "حديث : ونصر المظلوم وإبرار القسم"تفسير : ، وكقوله "حديث : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"تفسير : ، إلى كثير من الأمثلة: وقيل على القتل، وقال أبو عبيد على القاتل لأنه إذا قتل في الدنيا وخلص بذلك من عذاب الآخرة فقد نصر، وهذا ضعيف بعيد المقصد، وقال الضحاك هذه أول ما نزل من القرآن في شأن القتل وهي مكية.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا تَقْتُلُواْ} يريد وأد البنات خوف الفقر {خِطْئاً}: العدول عن الصواب تعمداً والخطأ: العدول عنه سهواً، أو الخطء: ما فيه إثم والخطأ: ما لا إثم فيه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ...} الآية: نَهْيٌ عن الوأْدِ الذي كانت العرب تفعله، «والإِملاق». الفقر وعَدَم المال، وروى أبو داود عن ابن عباس، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَلمْ يَئِدْهَا، ولَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا - قال: يَعْني الذُّكُورَ - أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنة » تفسير : انتهى. والحق الذي تُقْتَلُ به النفس: قد فسَّره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « حديث : لاَ يُحِلُّ دَمَ المُسْلِمِ إلاَّ إحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: كُفْرُ بَعْدَ إِيمَانٍ، أو زناً بَعْدَ إِحْصَانٍ، أوْ قَتْلُ نَفْسٍ » تفسير : أي: وما في هذا المعنى مِنْ حرابةٍ أو زندقةً ونحو ذلك. {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا} أي: بغير الوجوه المذكورة، {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـٰناً}، ولا مدخل للنساء في ولاية الدَّمِ؛ عند جماعة من العلماءِ، ولهنَّ ذلك عند آخرين، «والسلطان»: الحجة والملك الذي جُعِلَ إِليه من التخيير في قبول الدية أو العفو؛ قاله ابن عبَّاس. قال البخاريُّ: قال ابن عباس: كلُّ سلطانٍ في القرآن فهو حُجَّة. انتهى، وقال قتادةُ: «السلطان» القود. وقوله سبحانه: {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ } المعنى: فلا يَتَعَدَّ الوليُّ أمْرَ اللَّه بأنْ يقتل غير قاتِلِ وليِّه، أو يقتل ٱثنَيْن بواحدٍ إلى غير ذلك من وجوه التعدِّي، وقرأ حمزة والكسائيُّ، وابن عامر: «فَلاَ تُسْرِفْ» - بالتاء من فوق -، قال الطبري: على الخطاب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده. قال * ع *: ويصحَّ أنْ يراد به الوليُّ، أي: فلا تسرفْ أيُّها الولي، والضميرُ في «إِنه» عائدٌ على «الوليِّ»، وقيل: على المقتول، وفي قراءة أبي بن كعب: «فَلاَ تُسْرُفوا في القِتَال إِنَّ وليَّ المَقْتُول كانَ مَنْصُوراً»، وباقي الآية تقدَّم بيانه، قال الحسن: {القِسْطَاسِ} هو القَبَّان، وهو القرسطون، وقيل: {القِسْطَاسِ}: هو الميزانُ، صغيراً كان أو كبيراً. قال * ع *: وسمعت أبي رحمه الله تعالى يَقُولُ: رأيْتُ الواعِظَ أبا الفضْلِ الجَوْهَرِيَّ رحمه الله في جامعِ عمرو بن العاص يعظُ النَّاسَ في الوزْن، فقال في جملة كلامه: إِن في هيئة اليَدِ بالميزانِ عِظَةً، وذلك أنَّ الأصابعَ يجيءُ منها صُوَرةُ المكتوبة ألف ولامَانِ وهاء، فكأنَّ الميزان يقولُ: اللَّه، اللَّه. قال * ع *: وهذا وعظٌ جميلٌ، «والتأويل»، في هذه الآية المآلُ؛ قاله قتادة، ويحتمل أنْ يكون التأويلُ مصدر تأولَّ، أي: يتأول عليكم الخَيْر في جميع أموركم، إِذا أحسنتم الكيلَ والوَزْن. وقال * ص *: {تَأْوِيلاً } أي: عاقبةً انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ} الآية في تقرير النظم وجوه: الأول: أنه لما بيَّن في الآية الأولى: أنَّه المتكفِّل بأرزاق العباد؛ حيث قال: {أية : إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} تفسير : [الإسراء: 30] قال عزَّ وجلَّ: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم}. الثاني: أنه تعالى، لمَّا علم كيفية البرِّ بالوالدين في الآية المتقدمة، علم في هذه الآية كيفية البرِّ بالأولاد، ولهذا قيل: إنَّ الأبرار إنما سمُّوا بذلك؛ لأنهم برُّوا الآباء والأبناء؛ فوجب برُّ الآباء مكافأة على ما صدر منهم من أنواع البرِّ؛ ووجب برُّ الأولاد، لأنَّهم في غاية الضعف والاحتياج ولا كافل لهم غير الوالدين. الثالث: أنَّ امتناع الأولاد من برِّ الآباء يوجب خراب العالم؛ لأنَّ الآباء، إذا علموا ذلك، قلت رغبتهم في تربية الأولاد؛ فيلزم خراب العالم، وامتناع الآباء من البرِّ أيضاً كذلك. الرابع: أنَّ قتل الأولادِ، إن كان لخوفِ الفقر، فهو سوء الظنِّ بالله تعالى، وإن كان لأجل الغيرة على البناتِ فهو سعيٌ في تخريب العالم، فالأوَّل ضدُّ التعظيم لأمر الله تعالى، والثاني ضدُّ الشفقةِ على خلق الله، وكلاهما مذمومان. الخامس: أنَّ قرابة الأولاد قرابةُ الجزئيَّة والبعضيَّة، وهي من أعظم الموجبات للمحبَّة، فلو لم تحصل المحبَّة دلَّ ذلك على غلظٍ شديد في الرُّوح، وقسوة في القلب، وذلك من أعظم الأخلاق الذميمة، فرغَّب الله في الإحسان إلى الأولاد؛ إزالة لهذه الخصلة الذميمة. فصل قرأ العامة "تَقْتلُوا" بالتخفيف، وقرأ ابن وثاب والأعمش "تُقتِّلُوا" بالتشديد و "خِشْيَة" بكسر الخاء. قال المفسِّرون: إنَّ العرب كانوا يقتلون البنات؛ لعجز البنات عن الكسب، وقدرة البنين عليه؛ بسبب إقدامهم على النَّهب والغارة، وأيضاً: كانوا يخافون أن ينفر الأكفاء عنها، وعن الرغبة فيها، فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء، وفي ذلك عارٌ شديدٌ. واعلم أن قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ} عامٌّ في الذكور والإناث، أي: أنَّ الموجب للشَّفقة والرحمة هو كونه ولداً، وهذا الوصف يشترك فيه الذكور والإناث، وأما ما يخاف من الفقر في البنات، فقد يخاف أيضاً في العاجز من البنين، ثم قال تعالى: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} أي أنَّ الأرزاق بيد الله، فكما يفتحُ أبواب الرِّزق على الرِّجال، فكذلك يفتح أبواب الرزق على النِّساء. قوله تعالى: {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً}. قرأ ابن ذكوان: "خَطَأ" بفتح الخاء والطاء من غير مدٍّ، وابن كثيرٍ بكسرِ الخاءِ والمدِّ، ويلزم منه فتح الطاء، والباقون بكسر الخاء وسكون الطاء. فأمَّا قراءة ابن ذكوان، فخرَّجها الزجاج على وجهين: أحدهما: أن يكون اسم مصدر؛ من أخطأ يخطىء خطأً، أي: إخطاءً، إذا لم يصبْ. والثاني: أن يكون مصدر خطىء يَخطأ خطأ، إذا لم يصب أيضاً، وأنشد: [الكامل] شعر : 3412- والنَّاسُ يَلحَوْنَ الأميرَ إذَا هُمُ خَطِئُوا الصَّوابَ ولا يُلامُ المُرشِدُ تفسير : والمعنى على هذين الوجهين: أنَّ قتلهم كان غير صوابٍ، واستبعد قوم هذه القراءة قالوا: لأنَّ الخطأ ما لم يتعمَّد، فلا يصحُّ معناه. وخفي عنهم: أنه يكون بمعنى أخطأ، أو أنه يقال: "خَطِىءَ" إذا لم يصب. وأمَّا قراءة ابن كثير، فهي مصدر: خَاطَأ يُخاطِىءُ خطاءً؛ مثل: قاتل يُقاتلُ قتالاً، قال أبو عليٍّ: "هي مصدر خَاطَأ يُخاطِىءُ، وإن كنَّا لم نجد "خَاطَأ" ولكن وجدنا تخاطأ، وهو مطاوع "خَاطَأ" فدلَّنا عليه، ومنه قول الشاعر: [المتقارب] شعر : 3413- تَخاطَأتِ النَّبلُ أحْشاءَهُ وأخَّرَ يَومِي فَلمْ يَعْجلِ تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 3414- تَخاطَأهُ القنَّاصُ حتَّى وجَدتُهُ وخُرطُومهُ في مَنْقعِ المَاءِ رَاسِبُ تفسير : فكأنَّ هؤلاء الذين يقتلون أولادهم يخاطئون الحقَّ و العدل". وقد طعن قومٌ على هذه القراءة حتَّى قال أبو جعفرٍ - رحمه الله -: "لا أعرفُ لهذه القراءة وجهاً" ولذلك جعلها أبو حاتمٍ غلطاً. قال شهاب الدين: قد عرفهُ غيرهما، ولله الحمد. وأما قراءة الباقين فواضحة؛ لأنَّها من قولهم: خَطِىءَ يَخطَأ خِطئاً، كأثِمَ يَأثمُ إثماً، إذا تعمَّد الكذب. وقرأ الحسن: "خَطَاء" بفتح الخاء والمدِّ، وهو اسم مصدر "أخْطَأ" كالعطاءِ اسم للإعطاء. وقرأ أيضاً "خطَا" بالقصر، وأصله "خَطَأ" كقراءةِ ابن ذكوان، إلاَّ أنه سهَّل الهمزة بإبدالها ألفاً، فحذفت كعصا. وأبو رجاءٍ والزهريُّ كذلك، إلاَّ أنهما كسرا الخاء كـ "زِنَى" وكلاهما من خَطِىء في الدين، وأخطأ في الرَّأي، وقد يقام كلٌّ منهما مقام الآخر. وقرأ ابن عامرٍ في رواية "خَطْئاً" بالفتح والسكون والهمز، مصدر "خَطِىء" بالكسر. قال المفسِّرون: معنى الكلِّ واحدٌ، أي: إثماً كبيراً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} أي خشية الفاقة. وكان أهل الجاهلية يقتلون البنات خشية الفاقة، فوعظهم الله في ذلك وأخبرهم أن رزقهم ورزق أولادهم على الله فقال: {نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيراً} أي إثماً كبيراً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {خشية إملاق} قال: مخافة الفاقة والفقر. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {خشية إملاق} قال: مخافة الفقر. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت الشاعر وهو يقول: شعر : وإني على الإملاق يا قوم ماجد اعدّ لأضيافي الشواء المطهيا تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {خطأ} قال: خطيئة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ {خطأ كبيراً} مهموزة من قبل الخطا والصواب. وأخرج أحمد وأبو يعلى، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كانت له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات اتقى الله وقام عليهن كان معي في الجنة هكذا وأشار بأصابعه الأربع ". تفسير : وأخرج أحمد وابن منيع، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كن له ثلاث بنات يمونهن ويرحمهن ويكفلهن وجبت له الجنة ألبتة" قيل: يا رسول الله، فإن كن اثنتين؟ قال: وإن كن اثنتين . تفسير : وأخرج أحمد والترمذي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يكون لأحد ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان فيتقي الله فيهن ويحسن إليهن إلا دخل الجنة ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني والحاكم، عن سراقة بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "حديث : "يا سراقة ألا أدلك على أعظم الصدقة؟" قال: بلى يا رسول الله. قال: "إن ابنتك مردودة إليك ليس لها كاسب غيرك" ".
القشيري
تفسير : مَنْ عَرَفَ أَنَّ الرازقَ هو الله خفَّ عن قلبه همُّ العيال - وإنْ كَثُروا، ومن خفي عليه أنه قَسَّمَ - قبل الخَلْقِ - أرزاقَهم تطوح في متاهات مغاليطه، فيقع فيها بالقلب والبَدَنِ ثم لا يكون غير ما سبق به التقدير.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تقتلوا} يا معشر العرب {اولادكم} [فرزندان شما] {خشية املاق} مخافة الفقر ولا لغير مخافته الا ان الحال اقتضت ذلك يقال املق افتقر وقتلهم اولادهم وادهم بناتهم مخافة الفقر اى دفنها حية فنهاهم الله تعالى عنه وضمن لهم ارزاقهم فقال {نحن نرزقهم واياكم} لا غيرنا [بس غم روزى ايشان مخوريدكه هركرا اوجان دهد نان دهد]: سعدى شعر : خداوند كارى كه عبدى خريد بدارد فكيف آنكه عبد آفريد ترا نيست اين تكيه بر كردكار كه مملوك را بر خداوند كار تفسير : قال هرم لاويس القرنى اين تأمرنى ان اكون فاومأ الى الشام فقال الهرم كيف المعيشة بها قال اويس اف لهذه القلوب قد خالطها الشك فما تنفعها العظة {ان قتلهم كان خطأ كبير} ذنبا عظيما لما فيه من هدم بنيان الله وقطع النسل. والخطئ كالاثم وزنا ومعنى من خطئ وقرئ خطا بفتحتين بالقصر والمد. اعلم ان من اول هذه الآية الى قوله تعالى {ملوما مدحورا} عشر آيات وهو اشارة الى تبديل عشر خصال مذمومة بعشر خصال محمودة. اما المذمومات. فاولها البخل وثانيها الامل وهما فى قوله تعالى {ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق} فان البخل وطول الامل حملهم على قتل اولادهم فدلهم على تبديلهما بالسخاء والتوكل بقوله {نحن نرزقهم واياكم} - يحكى - ان يحيى بن زكريا عليهما السلام لقى ابليس فى صورته فقال له يا ابليس اخبرنى باحب الناس اليك وابغض الناس اليك فقال احب الناس الى المؤمن البخيل وابغضهم الى الفاسق السخى قال يحيى وكيف ذلك قال لان البخيل قد كفانى بخله والفاسق السخى اتخوف ان يطلع الله عليه فى سخاه فيقبله ثم ولى وهو يقول لولا انك يحيى لم اخبرك. قالوا ولا ينبغى ان يلجئ اهل بيته على الزهد بل يدعوهم اليه فان اجابوا والا تركهم ووسع عليهم فى دنياهم من غير خروج عن حد الاعتدال وفعل بنفسه ما شاء.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {خشية}: مفعول من أجله؛ لأن الخشية قلبية، بخلاف الإملاق، فإنه حسي؛ فَجُرَّ بمن في سورة الأنعام. وهذه الآية في أغنياء العرب، الذين كانوا يخشون وقوع الفقر، وما في "الأنعام" نزلت في فقرائهم، الذين كان الفقر واقعًا بهم، ولذلك قدَّم هناك كاف الخطاب، وأخَّره هنا، فتأمله. و "خِطًا" يقال: خطئ خطأ، كأثم إثمًا. وقرأ ابن عامر: "خَطأً"، بفتحتين، فهو إما اسم مصدر أخطأ، أو لغة في خطئ، كمِثل ومَثل، وحِذر وحَذر. وقرأ ابن كثير: "خِطاء"؛ بالمد، إما لغة، أو مصدر خاطأ. انظر البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولا تقتلوا أولادكم} مخافة الفاقة المستقبلة، وقد كانوا يقتلون البنات - وهو الوأد - مخافة الفقر، فنهاهم، عن ذلك، وضمن لهم أرزاقهم، فقال: {نحن نرزقهم وإِياكم إِنَّ قتلهم كان خِطأً}؛ إثمًا {كبيرًا}؛ لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع وإيلام الروح. {ولا تقربوا الزنا}، نهى عن مقاربته بالمقدمات. كالعزم والنظر وشبهه، فأحرى مباشرته، {إِنه كان فاحشةً} أي: فعلة ظاهرًا فُحشها وقُبحها، {وساء سبيلاً}؛ قبح طريقًا طريقُهُ، وهو غصب الأبْضاع؛ لما فيه من اختلاط الأنساب وهتك محارم الناس، وتهييج الفتن. {ولا تقتلوا النفسَ التي حرَّم اللهُ إِلا بالحق}؛ إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل مؤمن معصوم؛ عمدًا، كما في الحديث. ويلحق بها أشياء في معناها: كالحِرَابَةِ، وترك الصلاة، ومنع الزكاة. {ومن قُتل مظلومًا} أي: غير مستوجب للقتل {فقد جعلنا لوَليِّه} أي: الذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث، {سُلطانًا}؛ تسلطًا بالمؤاخذة بمقتضى القتل بأخذ الدية، أو القصاص، وقوله: {مظلومًا}: يدل على أن القتل عمد؛ لأن الخطأ لا يُسمى ظلمًا. أو: جعلنا له حجة غالبة، {فلا يُسرفْ في القتل}؛ بأن يقتل من لا يحق قتله، أو بالمثلة، أو قتل غير القاتل، {إِنه} أي: الولي {كان منصورًا}؛ حيث وجب القصاص له، وأمر الولاة بمعونته. أو: إنه، أي: المقتول، كان منصورًا في الدنيا؛ بثبوت القصاص ممن قتله، وفي الآخرة بالثواب. {ولا تقربُوا مالَ اليتيم} فضلاً عن أن تتصرفوا فيه {إِلا بالتي هي أحسنُ}؛ إلا بالطريقة التي هي أحسن، كالحفظ والتنمية، {حتى يبلغ أشُدَّه}؛ حتى يتم رشده، ثم يدفع له، فإن دفعه لمن يتصرف فيه بالمصلحة فلا بأس، {وأوفُوا بالعهد} إذا عاهدتم الله أو الناس، {إِن العهد كان مسؤولاً} أي: مطلوبًا الوفاء به، فيطلب من المعاهد ألا يُضيعه، أو: مسؤولاً عنه، فيُسأل عنه الناكث ويُعاتب عليه، أو: يُسأل العهد نفسُه لِمَ نكثْتَ، تبكيتًا للناكث، {وأوفوا الكيل إِذا كِلْتُم} ولا تبخسوا فيه، {وزِنُوا بالقسطاس المستقيم}؛ بالميزان السّوي. والقسطاس: لغة رومية، ولا يقدح ذلك في عربية القرآن؛ لأن غير العربي، إذا استعملته العرب، فأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير، صار عربيًا. قاله البيضاوي. {ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً} أي: أحسن عاقبة ومآلاً. والله تعالى أعلم. الإشارة: ولا تقتلوا ما أنتجته الأفكار الصافية من العلوم؛ بإهمال القلوب في طلب رزق الأشباح، خشية لحوق الفقر، فإنَّ الله ضامن لرزق الأشباح والأرواح. ولا تميلوا إلى الحظوظ، التي تُخرجكم عن حضرة الحق؛ فإن ذلك من أقبح الفواحش. ولا تقتلوا النفس بتوالي الغفلة والجهل، التي حرَّم الله قتلها وإهمالها، وأمر بإحيائها بالذكر والعلم، ومن قُتل بذلك مظلومًا؛ بحيث غلبته نفسه، ولم تساعده الأقدار، فقد جعلنا لعقله سلطانًا، أي: تسلطًا عليها؛ بمجاهدتها وقتلها وردها إلى مولاها، فلا يُسرف في قتلها، بل بسياسة وحيلة، كما قال القائل: شعر : واحْتَلْ عَلَى النَّفْسِ فرُبَّ حِيلَهْ أَنْفَعُ فِي النُّصْرِ منْ قَبِيلهْ تفسير : إنه كان منصورًا، إن انتصر بمولاه، وآوى بها إلى شيخ كامل، قد فرغ من تأديب نفسه وهواه. وقد تقدم باقي الإشارة في سورة الأنعام وغيرها. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير "خطاء" بكسر الخاء وبألف بعد الطاء ممدوداً. وقرأ ابو جعفر وابن ذكوان - بفتح الخاء والطاء - من غير ألف بعدها وبغير مد. الباقون بكسر الخاء من غير مد، إِلا ان الداجوني عن هشام روى وجهين: أحدهما - مثل أبي عمرو، والآخر - مثل أبي جعفر. وقرأ أهل الكوفة إِلا عاصماً {فلا تسرف} بالتاء. الباقون بالياء. قال ابو علي الفارسي: قول ابن كثير (خِطاء) يجوز ان يكون مصدر خاطأ، وان لم يسمع (خاطأ) ولكن قد جاء ما يدل عليه، لأن ابا عبيدة انشد: شعر : تخاطأت النبل أحشأه تفسير : وانشدنا محمد بن السدي في وصف كمأة: شعر : وأشعث قد ناولته أحرس القرى أدرَّت عليه المدجنات الهواضب تخاطاءه القناص حتى وجدته وخرطومه من منقع الماء راسب تفسير : فتخاطأت مما يدل على خاطأ، لأن (تفاعل) مطاوع (فاعل) كما ان (تفعّل) مطاوع فعل، وقول ابن عامر (خطأ)، فان الخطأ ما لم يتعمد، وما كان المأثم فيه موضوعاً عن فاعله، وقد قالوا: اخطأ في معنى خطىء، كما ان خطىء في معنى اخطأ، قال الشاعر: شعر : عبادك يخطئون وأَنت ربٌّ كريم لا تليق بك الذُّموم تفسير : ففحوى الكلام أنهم خاطئون، وفي التنزيل {لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} فالمؤاخذة من المخطىء موضوعة، فهذا يدل على ان اخطأ في قوله: شعر : يا لهف هند إِذ خطئن كاهلاً تفسير : وفي قول آخر: شعر : والناس يلحون الأمير اذا هم خطئوا الصواب ولا يلام المرشد تفسير : اي اخطؤه، وكذلك قول ابن عامر (خطأ) في معنى أخطأ، وجاء الخطأ في معنى الخطاء، كما جاء خطىء في معنى اخطأ. وقال ابو الحسن: هذا خطاء من رايك؛ فيمكن أن يكون خطأ لغة فيه أيضاً. ومن قرأ "خطأ" فلانه يقال خطىء يخطأ خطأ إِذا تعمد الشيء حكاه الاصمعي، والفاعل منه خاطىء، وقد جاء الوعيد فيه في قوله {أية : لا يأكله إِلا الخاطئون}تفسير : ويجوز أن يكون الخِطأ لغة في الخطأ مثل المثل والمثل، والشبه والشبهه، والبدل والبدل، قال الفراء: لغتان مثل قتب وقتب، وبدل وبدل، وحكى ابن دريد عن أبي حاتم، قال تقول: مكان مخطؤ فيه من خطئت ومكان مخطأ فيه من اخطأ يخطىء، ومكان مخطوّ بغير همزة من تخطى الناس فيخطَّى، ومن همزه تخطيت الناس، فقد غلط وقال المبرد: خطَّأه وخطاه بمعنى، عند ابي عبيدة والفراء والكسائي، إِلاّ ان (الخطأ) بكسر الخاء أكثر في القرآن (والخطأ) بالفتح افشى في كلام الناس ولم يسمع الكثير في شيء من اشعارهم الا في بيت قاله الشاعر: شعر : الخِطأ فاحشة والبرّ فاضلة كعجوة غرست في الأرض توبير تفسير : قال ابو عبيد: وفيه لغتان، خطئت وأخطأت، فمن قال: خطئت قال خطأ الرجل يخطأ خطأ، وخطاء، يكون الخطأ بفتح الخاء هو المصدر، وبكسرها الاسم. ومن قال اخطأت كان الخطأ بالفتح والكسر، جميعاً اسمين والمصدر الإخطاء. وقال أبو علي: قوله {فلا يسرف في القتل} فاعل يسرف يجوز أن يكون أحد شيئين: أحدهما - أن يكون القاتل الأول، فيكون التقدير فلا يسرف القاتل في القتل وجاز أن يضمر، وإِن لم يجر له ذكر، لأن الحال تدل عليه، ويكون تقديره بالاسراف جارياً مجرى قوله في أكل مال اليتيم {أية : ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا}تفسير : وإِن لم يجز أن تأكل منه لا على الاقتصاد ولا على غيره، لقوله {أية : إِن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إِنما يأكلون في بطونهم ناراً}تفسير : فحظر أكل مال اليتيم حظراً عامّاً وعلى كل حال، فكذلك لا يمتنع أن يقال للقاتل الأول لا تسرف في القتل، لأنه يكون بقتله مسرفاً، ويؤكد ذلك قوله {أية : يا عبادي الذين أسرفواعلى أنفسهم}تفسير : فالقاتل داخل في هذا الخطاب - بلا خلاف - مع جميع مرتكبي الكبائر، ويكون الضمير على هذا في قوله {إنه كان منصوراً} على قوله {ومن قتل مظلوماً} [وتقديره، فلا يسرف القاتل الأول بقتله في القتل، لأن من قتل مظلوماً كان منصوراً] بأن يقتص له وليّه أو السلطان إِن لم يكن له وليّ غيره، فيكون هذا ردعاً للقاتل عن القتل، كما أن قوله {أية : ولكم في القصاص حياة}تفسير : كذلك، فالولي إِذا اقتص، فإِنما يقتص للمقتول، ومنه انتقل إِلى الولي بدلالة أن المقتول يبرىء من السبب المؤدي إِلى القتل، ولم يكن للولي أن يقتص، ولو صالح الولي من العمد - على مال كان - للمقتول أن يؤديه منه ديناً عليه أن يقتص منه دون المقتول، ولا يمتنع أن يقال في المقتول منصور، لانه قد جاء قوله {ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا}. والآخر - أن يكون في يسرف ضمير الولي، وتقديره فلا يسرف الولي في القتل، وإِسرافه فيه أن يقتل غير من قتل او يقتل اكثر من قاتل وليه، لان مشركي العرب كانوا يفعلون ذلك، والتقدير فلا يسرف في القتل ان الولي كان منصوراً بقتل قاتل وليّه. والاقتصاص منه. ومن قرا بالتاء احتمل ايضاً وجهين: احدهما - ان يكون المستثنى القاتل ظلماً، فقيل له لا تسرف ايها الإنسان فقتل ظلماً من ليس لك قتله، اذ من قتل مظلوماً كان منصوراً بأخذ القصاص له. والآخر - ان يكون الخطاب للولي، والتقدير لا تسرف في القتل ايها الولي فتتعدى قاتل وليّك الى من لم يقتله، لان المقتول ظلماً كان منصوراً، وكل واحد من المقتول ظلماً ومن وليّ المقتول قد تقدم في قوله {ومن قتل مظلوماً} الآية. وقوله {ولا تقتلوا} يحتمل موضعه شيئين من الاعراب: احدهما - ان يكون نصباً بـ {قضى ربك أن لا تعبدوا إِلا إِياه... ولا تقتلوا} ويحتمل ان يكون جزماً على النهي، فيكون الله تعالى نهى الخلق عن قتل اولادهم خشية الاملاق. و (الاملاق) الفقر، وهو قول ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وانما نهاهم عن ذلك لانهم كانوا يئدون البنات بدفنهم احياء فنهاهم الله عن ذلك. وقوله {نحن نرزقهم وإِياكم} إِخبار منه تعالى انه الذي يرزق الاولاد و الآباء فلا ينبغي قتلهم خوف الفقر، واخبر ان قتلهم في الجاهلية {كان خطأ كبيراً} وهو الآن خطأ وإِثم كبير، ثم قال {ولا تقربوا الزنى} ومعناه لا تزنوا، والزنا هو وطؤ المراة حراماً بلا عقد ولا شبهة عقد مختاراً، ثم اخبر ان الزنا فاحشة اي معصية كبيرة {وساء سبيلاً} اي بئس الطريق ذلك. وفي الناس من قال: الزنا قبيح بالعقل لما في ذلك من ابطال حق الولد على الوالد، وفساد الانساب. وقوله {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله} نهي من الله تعالى عن قتل النفوس المحرم قتلها، واستثنى من ذلك من يجب عليه القتل إِمّا لكفره، او ردّته، او قتله قصاصاً، فان قتله كذلك حق، وليس بظلم، وقد فسرنا تمام الآية. والسلطان الذي جعله الله للولي، قال ابن عباس، والضحاك: هو القَود أو الدّية او العفو. وقال قتادة الهاء في قوله {إنه كان منصوراً} عائدة على الولي. وقال مجاهد عائدة على المقتول. ونصرة الله له بذلك حكمه له بذلك. وقيل نصرة النبي والمؤمنين، ان يعينوه. وقيل الولي هم الوراث من الرجال من الاولاد الذكور ومن الاقارب من كان من قبل الاب.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ} صرف الخطاب عنه (ص) الى القوم لأنّهم المقصودون بالخطاب اصالة {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} افلاس من املق اذا افتقر كانوا يقتلون اولادهم بوأد البنات خوف الفقر {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} بالغة فى القبح {وَسَآءَ سَبِيلاً} لانّه سبيل الى النّار وقد عُدّ الزّنا من اكبر الكبائر وعن النّبىّ (ص) فى وصيّته لعلىّ (ع): يا علىّ فى الزّنا ستّ خصالٍ ثلاث منها فى الدّنيا وثلاث فى الآخرة: فامّا الّتى فى الدّنيا فيذهب بالبهاء ويعجّل بالفناء ويقطع الرّزق، وامّا الّتى فى الآخرة فسوء الحساب وسخط الرّحمن والخلود فى النّار.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَقْتُلُوا أوْلاَدَكُمْ} أراد البنات لأَنه كانت قبائل من العرب تقتل بناتها فى الجاهلية لخوف الفقر كما قال. {خَشْيَةَ} أى خوف {إِمْلاَقٍ} أى فقر يخافون أن يفتقروا بمشاركتهن لهم فى المأْكول والمشروب والملبوس، وبما يحتجن إِليه، وكانوا أيضاً يعدون تزويجهن بغير الأكفاء عاراً عظيماً فيقتلونهن لئلا يقعوا فى ذلك، وربما زوجوهن بغير الأَكفاء لشدة الحاجة، وربما قتلوهن لعدم جمالهن أو لخوف الغارة والنهب فيكون قد مهد أولا للنهى عن قتلهم إِياهن لخشية الفقر أنه يبسط ويقدر للمصلحة والحكمة لذى البنات وغيره، وأخبرهم بضمان الرزق ثانياً فقال: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ} أى الأَولاد الذين هم البنات وذكر الضمير باعتبار لفظ أولاد أو باعتبار الأَشخاص ويجوز رجوع الضمير للأَولاد كلهم ذكور وإِناث. {وَإِيَّاكُمْ} عطف على الهاء {إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً} بكسر الخاء وإِسكان الطاء أى إِثماً، يقال: خطئ خطأ كأثم إِثماً، وزنا ومعنى بكسر عين الفعل وفاء المصدر، وقرأ ابن عامر فى رواية ابن ذكوان بفتح الخاء والطاء وهو اسم مصدر أخطاء وهو ضد الصواب، وقيل لغة فى الخطئ بكسر فإِسكان كمثل ومِثْل، وحذر وحِذْر، فهو بمعنى الإِثم، وقرأ ابن كثير خطاء بكسر الخاء وفتح الطاء بعدها ألف وبعدها الأَلف همزة، وهو إِمام مصدر خاطأ بوزن قاتل بفتح التاء لأَنه وإن لم سمع تخاطأ والتفاعل وما تصرف منه إِذا سمع من كلمة جاز حمل الكلام على الفعال منها أو ما تصرف منه واستعمال الفعال منها أو ما تصرف منه ولو لم يسمع منها لأَن معنى الفعال والتفاعل واحد أو متقارب كضاربوا وتضاربوا وقد يكون التفاعل مطاوع الفعال، ومن روى التفاعل من الخطئ قوله: شعر : تخاطئه القناص حتى وجدته وخرطومه فى منقع الماء راسب تفسير : وقرأ الحسن خطا بفتح الخاء والطاء وإِسقاط الهمزة وقرأ أُبى خطا بكسر الخاء وفتح الطاء وإِسقاط الهمزة وقرأ خطا بفتح الخاء والطاء بعدها ألف وبعد الأَلف همزة، والجملة مستأْنفة أو تعليل المنهى لأَن قتلهم كان خطئا. {كبِيراً} عظيماً إِذ فيه قطع التناسل وانقطاع نوع الإِنسان والظلم للمقتولة وأقاربها الذين يكرهون قتلها كأُمها. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : من كان له ابنة فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثره ولده أى ابنه عليها ادخله الله الجنةتفسير : ، رواه أبو داود عن ابن عباس.
الالوسي
تفسير : وجوز أيضاً كونه تمهيداً لقوله سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ} واستبعد بأن الظاهر حينئذ فلا. والإملاق الفقر كما روي عن ابن عباس وأنشد له قول الشاعر:شعر : وإني على الإملاق يا قوم ماجد أعد لأضيافي الشواء المصهبا تفسير : وظاهر اللفظ النهي عن جميع أنواع قتل الأولاد ذكوراً كانوا أو إناثاً مخافة الفقر والفاقة لكن روي أن من أهل الجاهلية من كان يئد البنات مخافة العجز عن النفقة عليهن فنهى في الآية عن ذلك فيكون المراد بالأولاد البنات وبالقتل الوأد. والخشية في الأصل خوف يشوبه تعظيم، قال الراغب: وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه. وقرئ بكسر الخاء. والظاهر أن هذا النهي معطوف على ما تقدم من نظيره، وجوز الطبرسي أن يكون عطفه على قوله سبحانه: {أية : أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 23] وحينئذ فيحتمل أن يكون الفعل منصوباً بأن كما في الفعل السابق. {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} ضمان لرزقهم وتعليل للنهي المذكور بإبطال موجبه في زعمهم أي نحن نرزقهم لا أنتم فلا تخافوا الفقر بناء على علمكم بعجزهم عن تحصيل رزقهم. وتقديم ضمير الأولاد على ضمير المخاطبين على عكس ما وقع في سورة الأنعام للإشعار بأصالتهم في إفاضة الرزق، وعارض هذه النكتة هناك تقدم ما يستدعي الاعتناء بشأن المخاطبين من الآيات كذا قيل. وجوز المولى شيخ الإسلام كون ذلك «لأن الباعث على القتل هناك الإملاق الناجز ولذلك قيل {أية : مِّنْ إمْلاَقٍ} تفسير : [الأنعام: 151] وهٰهنا الإملاق المتوقع ولذلك قيل: {خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ} فكأنه قيل: نرزقهم من غير أن ينقص من رزقكم شيء فيعتريكم ما تخشونه وإياكم أيضاً رزقاً إلى رزقكم». / {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} تعليل آخر ببيان أن المنهي عنه في نفسه منكر عظيم لما فيه من قطع التناسل وقطع النوع. والخطء كالإثم لفظاً ومعنى وفعلهما من باب علم. وقرأ أبو جعفر وابن ذكوان عن عامر {خطأ} بفتح الخاء والطاء من غير مد، وخرج ذلك الزجاج على وجهين، الأول: أن يكون اسم مصدر من أخطأ يخطىء إذا لم يصب أي إن قتلهم كان غير صواب، والثاني: أن يكون لغة في الخطأ بمعنى الإثم مثل: مِثْل ومَثَل وحِذْر وحَذَر فمن استشكل هذه القراءة بأن الخطأ ما لم يتعمد وليس هذا محله فقد نادى على نفسه بقلة الاطلاع. وقرأ ابن كثير (خِطَاء) بكسر الخاء وفتح الطاء والمد وخرج على وجهين أيضاً. الأول: أن يكون لغة في الخطء بمعنى الإثم مثل دبغ ودباغ ولبس ولباس. والثاني: أن يكون مصدر خاطأ يخاطىء خطاء مثل قاتل يقاتل قتالاً. قال أبو علي الفارسي وإن كنا لم نجد خاطأ لكن وجد تخطأ مطاوعه فدلنا عليه وذلك في قولهم: تخطأت النبل أحشاءه، وأنشد محمد بن السوي في وصف كماءة كما في «مجمع البيان»:شعر : وأشعث قد ناولته أحرش الفرى أدرت عليه المدجنات الهواضب تخطأه القناص حتى وجدته وخرطومه في منقع الماء راسب تفسير : والمعنى على هذا إن قتلهم كان عدولاً عن الحق والصواب فقول أبـي حاتم إن هذه القراءة غلط غلط. وقرأ الحسن {خطاء} بفتح الخاء والطاء مع المد وهو اسم مصدر أخطى كالعطاء اسم مصدر أعطى، وقرأ الزهري وأبو رجاء {خطا} بكسر الخاء وفتح الطاء وألف في آخره مبدلة من الهمزة وليس من قصر الممدود لأنه ضرورة لا داعي إليه، وفي رواية عن ابن عامر أنه قرأ {خطا} كعصا.
ابن عاشور
تفسير : عطف جملة حكم على جملة حكم للنهي عن فعل ينشأ عن اليأس من رزق الله. وهذه الوصية السابعة من الأحكام المذكورة في آية {أية : وقضى ربك}تفسير : الآية [الإسراء: 23]. وغُيّر أسلوب الإضمار من الإفراد إلى الجمع لأن المنهي عنه هنا من أحوال الجاهلية زجراً لهم عن هذه الخطيئة الذميمة، وتقدم الكلام على نظير هذه الآية في سورة الأنعام؛ ولكن بين الآيتين فرقاً في النظم من وجهين: الأول: أنه قيل هنا {خشية إملاق} وقيل في آية الأنعام {أية : من إملاق}تفسير : [الأنعام: 151]. ويقتضي ذلك أن الذين كانوا يئدون بناتهم يئدونهن لغرضين: إما لأنهم فقراء لا يستطيعون إنفاق البنت ولا يرجون منها إن كبرت إعانة على الكسب فهم يئدونها لذلك، فذلك مورد قوله في الأنعام {من إملاق}، فإن (من) التعليلية تقتضي أن الإملاق سبب قتلهن فيقتضي أن الإملاق موجود حين القتل. وإما أن يكون الحامل على ذلك ليس فقر الأب ولكن خشية عروض الفقر له أو عروض الفقر للبنت بموت أبيها، إذ كانوا في جاهليتهم لا يورثون البنات، فيكون الدافع للوأد هو توقع الإملاق، كما قال إسحاق بن خلف، شاعر إسلامي قديم: شعر : إذا تذكرت بنتي حين تندبني فاضت لعبرة بنتي عبرتي بدم أحاذر الفقر يوماً أن يلم بها فيَهتك السترَ عن لحم على وضم تهوَى حياتي وأهوَى موتها شفقا والموتُ أكرم نزّال على الحُرم أخشى فظاظة عمّ أو جفاء أخ وكنتُ أخشى عليها من أذى الكلم تفسير : فلتحذير المسلمين من آثار هذه الخواطر ذكروا بتحريم الوأد وما في معناه. وقد كان ذلك في جملة ما تؤخذ عليه بيعة النساء المؤمنات كما في آية سورة الممتحنة. ومن فقرات أهل الجاهلية: دفن البنات. من المكرمَات. وكلتا الحالتين من أسباب قتل الأولاد تستلزم الأخرى وإنما التوجيه للمنظور إليه بادىء ذي بدء. الوجه الثاني: فمن أجل هذا الاعتبار في الفَرْق للوجه الأول قيل هنالك {نحن نرزقكم وإياهم} بتقديم ضمير الآباء على ضمير الأولاد، لأن الإملاق الدافع للوأد المحكي به في آية الأنعام هو إملاق الآباء فقدم الإخبار بأن الله هو رازقهم وكمل بأنه رازق بناتهم. وأما الإملاق المحكي في هذه الآية فهو الإملاق المخشي وقوعه. والأكثر أنه توقع إملاق البنات كما رأيت في الأبيات، فلذلك قُدم الإعلام بأن الله رازق الأبناء وكُمل بأنه رازق آبائهم. وهذا من نكت القرآن. والإملاق: الافتقار. وتقدم الكلام على الوأد عند قوله تعالى: {أية : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم}تفسير : في سورة [الأنعام: 137]. وجملة {نحن نرزقهم} معترضة بين المتعاطفات. وجملة {إن قتلهم كان خطأ كبيراً} تأكيد للنهي وتحذير من الوقوع في المنهي، وفعل {كان} تأكيد للجملة. والمراد بالأولاد خصوص البنات لأنهن اللاتي كانوا يقتلونهن وأداً، ولكن عبر عنهن بلفظ الأولاد في هذه الآية ونظائرها لأن البنت يقال لها: ولد. وجرى الضمير على اعتبار اللفظ في قوله {نرزقهم}. و (الخِطء) ــــ بكسر الخاء وسكون الطاء ــــ مصدر خطىء بوزن فرح، إذا أصاب إثماً، ولا يكون الإثم إلا عن عمد، قال تعالى: {أية : إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين}تفسير : [القصص: 8] وقال: {أية : ناصية كاذبة خاطئة}تفسير : [العلق: 16]. وأما الخَطَأ بفتح الخاء والطاء فهو ضد العمد. وفعله: أخطأ. واسم الفاعل مُخطىء، قال تعالى: {أية : وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم}تفسير : [الأحزاب: 5]. وهذه التفرقة هي سر العربية وعليها المحققون من أيمتها. وقرأ الجمهور {خطأ} ــــ بكسر الخاء وسكون الطاء بعدها همزة ــــ، أي إثماً. وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو جعفر {خَطَأ} ــــ بفتح الخاء وفتح الطاء ــــ. والخطأ ضد الصواب، أي أن قتلهم محض خَطأ ليس فيه ما يعذر عليه فاعله. وقرأه ابن كثير {خِطَاءً} ــــ بكسر الخاء وفتح الطاء وألف بعد الطاء بعده همزة ممدوداً ــــ. وهو فعال من خَطِىء إذا أجرم، وهو لغة في خِطْء، وكأن الفعال فيها للمبالغة. وأكد بــــ (إن) لتحقيقه رداً على أهل الجاهلية إذ كانوا يزعمون أن وأد البنات من السداد، ويقولون: دفن البنات من المَكرمات. وأكد أيضاً بفعل (كان) لإشعار (كان) بأن كونه إثماً أمراً استقر.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَوْلادَكُمْ} {إِمْلاقٍ} (31) - وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَوْفَ أَنْ تَفْتَقِرُوا إِذَا أَنْفَقْتُمْ عَلَيْهِمْ، كَمَا كَانَ يَفْعَل بَعْضُ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ، إِذْ كَانُوا يَئِدُونَ بَنَاتِهِمْ وَهُنَّ أَحْيَاءٌ. فَاللهُ تَعَالَى مُتَكَفِّلٌ بِرِزْقِهِمْ وَرِزْقِكُمْ مَعاً، وَقَتْلُهُمْ فِيهِ ذَنْبٌ عَظِيمٌ، وَخَطِيئَةٌ كَبِيرَةٌ. خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ - خَوْفَ فَقْرٍ وَفَاقَةٍ. خِطْئاً كَبِيراً - إِثْماً عَظِيماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وواضحٌ الصلة بين هذه الآية وسابقتها؛ لأن الكلام هنا ما يزال في الرزق، والخالق سبحانه يُحذِّرنا: إياكم أنْ تُدخِلوا مسألة الرزق في حسابكم؛ لأنكم لم تخلقوا أنفسكم، ولم تخلقوا أولادكم ولا ذريتكم. بل الخالق سبحانه هو الذي خلقكم وخلقهم، وهو الذي استدعاكم واستدعاهم إلى الوجود، وما دام هو سبحانه الذي خلق، وهو الذي استدعى إلى الوجود فهو المتكفّل برزق الجميع، فإياك أنْ تتعدَّى اختصاصك، وتُدخِل أنفك في هذه المسألة، وخاصة إذا كانت تتعلق بالأولاد. وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ ..} [الإسراء: 31]. القتل: إزهاق الحياة، وكذلك الموت. ولكن بينهما فَرْق يجب ملاحظته: فالقتل: إزهاق الحياة بنَقْض البِنْية؛ لأن الإنسان يتكوّن من بنية بناها الخالق سبحانه وتعالى، وهي أجهزة الجسم، ثم يعطيها الروح فتنشأ فيها الحياة. فإذا ضرب إنسانٌ إنساناً آخر على رأسه مثلاً، فقد يتلف مخه فتنتهي حياته، لكن تنتهي بنقْض البنية التي بها الحياة، لأن الروح لا تبقى إلا في جسم له مواصفات خاصة، فإذا ما تغيرت هذه الصفات فارقتْه الروح. أما الموت: فيبدأ بمفارقة الروح للجسد، ثم تُنقَض بنيته بعد ذلك. وتتلَفُ أعضاؤه، فالموت يتم في سلامة الأعضاء. وما أشبه هذه المسألة بلمبة الكهرباء التي لا تُضيء، إلا إذا توافرتْ لها مواصفات خاصة: من مُولّد أو مصدر للكهرباء، وسلك مُوصّل ولمبة كهرباء، فإذا كُسرَتْ هذه اللمبة يذهب النور، لماذا؟ لأنك نقضتَ شيئاً أساسياً في عملية الإنارة هذه. وكذلك إذا صَوَّب واحد رصاصة مثلاً في قلب الآخر فإنه يموت وتفارقه الروح؛ لأنك نقضْتَ عنصراً أساسياً من بنية الإنسان، ولا تستمر الروح في جسده بدونها. لذلك ليس في الشرع عقوبة على الموت - ونقصد به هنا الموت الطبيعي الذي يبدأ بخروج الروح من الجسد - لكن توجد عقوبة على القتل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ملعون من هدم بنيان الله ". تفسير : لأن حياة كل منا هي بناء أقامه الخالق تبارك وتعالى، وهو مِلْك لخالقه لا يجوز حتى لصاحبه أن ينقضه، وإلا فلماذا حرَّم الإسلامُ الانتحار، وجعله كفراً بالله؟! إذن: المنهي عنه في الآية القتل؛ لأنه من عمل البشر، وليس الموت. وقد أوضح القرآن الكريم هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ..}تفسير : [آل عمران: 144]. فالقتل غير الموت، القتل اعتداء على بِنْية إنسان آخر وهَدْم لها. وقوله تعالى: {أَوْلادَكُمْ ..} [الإسراء: 31]. الأولاد تُطلق على الذكَر والأنثى، ولكن المشهور في استقصاء التاريخ أنهم كانوا يَئدون البنات خاصة دون الذكور، وفي القرآن الكريم: {أية : وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}تفسير : [التكوير: 8-9]. لأنهم في هذه العصور كانوا يعتبرون الذكور عَوْناً وعُدّةً في مُعْترك الحياة، وما يملؤها من هجمات بعضهم على بعض، كما يَروْن فيهم العِزْوة والامتداد. في حين يعتبرون البنات مصدراً للعار، خاصة في ظِلّ الفقر والعَوَزِ والحاجة، فلربما يستميل البنت ذو غِنىً إلى شيء من المكروه في عِرْضها، وبهذا الفهم يؤول المعنى إلى الرزق أيضاً. وقوله: {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ..} [الإسراء: 31]. أي: خَوْفاً من الفقر، والإملاق: مأخوذة من مَلَق وتملّق، وكلها تعود إلى الافتقار؛ لأن الإنسان لا يتملَّق إنساناً إلا إذا كان فقيراً لما عنده محتاجاً إليه، فيتملَّقه ليأخذ منه حاجته. وقوله: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ..} [الإسراء: 31]. وفي هذه الآية مَلْمح لطيف يجب التنّبه إليه وفَهْمه لنتمكن من الردِّ على أعداء القرآن الذين يتهمونه بالتناقض. الحق سبحانه وتعالى يقول هنا: {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ..} [الإسراء: 31]. أي: خَوْفاً من الفقر، فالفقر - إذن - لم يَأْتِ بعد، بل هو مُحْتمل الحدوث في مستقبل الأيام، فالرزق موجود وميسور، فالذي يقتل أولاده في هذه الحالة غير مشغول برزقه، بل مشغول برزق أولاده في المستقبل؛ لذلك جاء الترتيب هكذا: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ ..} [الإسراء: 31]. أولاً: لأن المولود يُولَد ويُولَد معه رزقه، فلا تنشغلوا بهذه المسألة؛ لأنها ليستْ من اختصاصكم. ثم: {وَإِيَّاكُم ..} [الإسراء: 31]. أي: أن رِزْق هؤلاء الأبناء مُقدَّم على رزقكم أنتم. ويمكن أن يُفْهَم المعنى على أنه: لا تقتلوا أولادكم خَوْفاً من الفقر، فنحن نرزقكم من خلالهم، ومن أجلهم. ونهتمّ بتوضيح هذه المسألة؛ لأن أعداء الدين الذين يُنقِّبون في القرآن عن مَأْخذ يروْنَ تعارضاً أو تكراراً بين هذه الآية التي معنا وبين آية أخرى تقول: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 151]. ونقول لهؤلاء: لقد استقبلتم الأسلوب القرآني بغير الملَكَة العربية في فَهْمه، فأسلوب القرآن ليس صناعة جامدة، بل هو أسلوب بليغ يحتاج في فَهْمه وتدبُّره إلى ذَوْق وحِسٍّ لُغويٍّ. وإذا استقبلتم كلام الله استقبالاً سليماً فلن تجدوا فيه تعارضاً ولا تكراراً، فليست الأولى أبلغَ من الثانية، ولا الثانية أبلغَ من الأولى، بل كل آية بليغة في موضوعها؛ لأن الآيتين وإنْ تشابهتَا في النظرة العَجْلَى لكنْ بينهما فَرْق في المعنى كبير، فآية الإسراء تقول: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ..} [الإسراء: 31]. وقد أوضحنا الحكمة من هذا الترتيب: نرزقهم وإياكم. أما في آية الأنعام: {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 151]. فلا بُدَّ أن نلاحظَ أن للآية صدراً وعَجُزاً، ولا يصح أن تفهم أحدهما دون الآخر، بل لا بُدَّ أن تجمع في فَهْم الآية بين صدرها وعجزها، وسوف يستقيم لك المعنى ويُخرجك من أي إشكال. وما حدث من هؤلاء أنهم نظروا إلى عَجُزَيْ الآيتين، وأغفلوا صَدريهما، ولو كان الصدر واحداً في الآيتين لكان لهم حق فيما ذهبوا إليه، ولكنّ صَدْري الآيتين مختلفان: الأولى: {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ..} [الإسراء: 31]. والأخرى: {أية : مِّنْ إمْلاَقٍ ..}تفسير : [الأنعام: 151]. والفرْق واضح بين التعبيرين: فالأول: الفقر غير موجود؛ لأن الخشية من الشيء دليل أنه لم يحدث، ولكنه مُتوقَّع في المستقبل، وصاحبه ليس مشغولاً برزقه هو، بل برزق مَنْ يأتي من أولاده. أما التعبير الثاني: {أية : مِّنْ إمْلاَقٍ ..}تفسير : [الأنعام: 151]. فالفقر موجود وحاصل فعلاً، والإنسان هنا مشغول برزقه هو لا برزق المستقبل، فناسب هنا أنْ يُقدِّم الآباء في الرزق عن الأبناء. وما دام الصَّدْر مختلفاً، فلا بُدَّ أن يختلف العَجُز، فأيْنَ التعارضُ إذن؟ وهناك مَلْحَظٌ آخر في الآية الكريمة، وهو أن النهي مُخَاطَبٌ به الجمع: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ ..} [الإسراء: 31]. فالفاعل جمع، والمفعول به جمع، وسبق أن قلنا: إن الجمع إذا قُوبل بالجمع تقتضي القسمة آحاداً، فالمعنى: لا يقتل كل واحد منكم ولده. كما يقول المعلم للتلاميذ: أخرجوا كُتبكم، والمقصود أنْ يُخرج كل تلميذ كتابه. فإنْ قال قائل: إن الآية تنهى أنْ يقتلَ الأب ولده خَوْفاً من الفقر، لكنها لا تمنع أنْ يقتل الأبُ ولد غيره مجاملةً له، وهو الآخر يقتل ولد غيره مجاملة له. نقول: لا .. لأن معنى الآية ألاَّ يقتل كل الآباء كل الأولاد، فينسحب المعنى على أولادي وأولاد غيري، وهذا هو المراد بمقابلة الجمع بالجمع. أما لو قُلْنا: إن المعنى: تجاملني وتقتل لي ابني، وأجاملك وأقتل لك ابنك، فهذا لا يستقيم؛ لأن المقابلة هنا ليست مقابلة جمع بجمع. وقوله تعالى: {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} [الإسراء: 31]. خِطْئاً مثل خطأ، وهو الإثم والذنب العظيم. وتأتي بالكسر وبالفتح كما نقول: خُذوا حِذْركم، وخذوا حَذرَكم. وكلمة: {خِطْئاً ..} [الإسراء: 31]. الخاء والطاء والهمزة تدل على عدم موافقة الصواب، لكن مرة يكون عدم موافقة الصواب لأنك لم تعرف الصواب، ومرة أخرى لم توافق الصواب لأنك عرفتَ الصواب، ولكنك تجاوزْتَه. فالمعلِّم حينما يُصوِّب للتلاميذ أخطاءهم أثناء العام الدراسي نجده يُوضِّح للتلميذ ما أخطأ فيه، ثم يُصوّب له هذا الخطأ، وهو لم يفعل ذلك إلا بعد أن أعلمَ تلميذه بالقاعدة التي يسير عليها، ولكن التلميذ قد يغفل عن هذه القاعدة فيقع في الخطأ. وهنا لا مانع أنْ نُصوِّب له خَطَأه ونُرشده؛ لأنه ما يزال في زمن الدرس والتعلُّم والترويض والتدريب. لكن الأمر يختلف إنْ كانت هذه الأسئلة في امتحان آخر العام، فالمعلِّم يُبيِّن الخطأ، ولكنه لا يُصحِّحه، بل يُقدِّره بالدرجات التي تُحسَب على التلميذ، وتنتهي المسألة بالنجاح لِمَنْ أصاب، وبالفشل لمن أخطأ؛ لأن آخر العام أصبح لديه قواعد مُلْزمة، عليه أنْ يسيرَ عليها. وكلمة (خطْئاً أو خطأ) مأخوذة من خطا خطوة، وتعني الانتقال بالحركة، فإذا كان الصواب هو الشيء الثابت الذي استُقِرَّ عليه وتعارف الناس عليه، ثم تجاوزتَه وانتقلتَ عنه إلى غيره، فهذا هو الخطأ أي: الخطوة التي جعلتك تتجاوز الصواب. ومنه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ ..}تفسير : [البقرة: 168]. لأنه ينقلكم عن الشيء الثابت المستقر في شريعة الله. والشيء الثابت هنا هو أن الخالق سبحانه خلق الإنسان وكرَّمه ليكون خليفةً له في الأرض ليعمرها، ويقيم فيها بمنهج الخالق سبحانه، فكيف يستخلفك الخالق سبحانه، وتأتي أنت لتقطع هذا الاستخلاف بما تُحدِثه من قَتْل الأولاد، وهم بذُور الحياة في المستقبل؟ حتى لو أخذنا بقول مَنْ ذهب إلى أن {أَوْلادَكُمْ} المراد بها البنون دون البنات، وسَلَّمنا معه جدلاً أنك تُميت البنات، وتُبقي على الذكور، فما الحال إذا كَبِر هؤلاء الذكور وطلبوا الزواج؟! وكيف يستمر النسل بذكر دون أنثى؟! إذن: هذا فََهْمٌ لا يستقيم مع الآية الكريمة، لأن النهي هنا عن قتل الأولاد، وهم البنون والبنات معاً. وقد وصف الحق سبحانه الخطأ هنا بأنه كبير، فقال: {خِطْئاً كَبِيراً} [الإسراء: 31]. ذلك لأنه خطأ من جوانب مُتعدِّدة: أولهما: أنك بالقتل هدمتَ بنيان الله، ولا يهدم بنيان الله إلا الله. ثانيها: أنك قطعت سلسلة التناسل في الأرض، وقضيتَ على الخلافة التي استخلفها الله في الأرض. ثالثها: أنك تعديتَ على غريزة العطف والحنان؛ لأن ولدك بعض مِنْك، وقتله يُجرِّدك من كل معاني الأُبُوة والرحمة، بل والإنسانية. وهكذا وضع الحق سبحانه لنا ما يضمن بقاء النسل واستمرار خلافة الإنسان لله في أرضه، بأنْ نهى كل والد أن يقتلَ ولده، ونهى كل الآباء أنْ يقتلوا كل الأولاد. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الآية: 31] قال: خشية الفقر. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {خِطْئاً} [الآية: 31] قال: يعني خطيئة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد قال: {بِٱلقِسْطَاسِ} [الآية: 35]. هو الميزان: العدل بالرومية. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} [الآية: 47]. قال: هو مثل قول الوليد بن المغيرة ومن معه في دار الندوة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} [الآية: 48]. يقول: لا يستطيعون مخرجاً مما قالوا. يعني الوليد بن المغيرة وأَصحابه. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَلاَ تَقْفُ} [الآية: 36] يقول: لا ترم. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَقَالُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً} [الآية: 49]. قال: الرفات التراب. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} [الآية: 51]. يقول: ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله، عز وجل، كما كنتم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا أبو شيبة عن عطاءٍ: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} [الآية: 51]. قال: يحركون رؤوسهم مستهزئين. أَنا عبد الرحمن، / 40و / قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد مثله.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} معناه فَقرٌ وَفاقةٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن آداب العبودية على وفق أوامر الربوبية بقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء: 31] إلى هذا الموضع وهو عشر آيات إشارة إلى تبديل عشر خصال مذمومة بعشر خصال محمودة. أما المذمومات: فأولها: البخل، وثانيها: الأمل، وهما في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء: 31] فإن البخل وطول الأمل حملهما على قتل أولادهم فدلهم على تبديلهما بالسخاء والتوكل بقوله تعالى: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} [الإسراء: 31]. وثالثهما: الشهوة، وهي في قوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} [الإسراء: 32] فإن غلبة الشهوة يورث الزنا بدلهما بالعفة حين نهاهم عن الزنا. ورابعها: الغضب، وهو في قوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ} [الإسراء: 33] فإن استيلاء الغضب يورث القتل بغير الحق فبدله بالحلم في قوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} [الإسراء: 33]. وخامسها: الإسراف، وهو في قوله: {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} [الإسراء: 33] فإن الإفراط في كل شيء يورث الإسراف فبدله بالقوام. وسادسها: الحرص، وهو في قوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} [الإسراء: 34] فإن التصرف في مال اليتيم من الحرص فبدله بالقناعة بقوله: {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الإسراء: 34]. وسابعها: نقض العهد فبدله بالوفاء بقوله: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 34]. وثامنها: الخيانة، فبدلها بالأمانة {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [الإسراء: 35]. وتاسعها: الظلم وهو وضع الشيء في غير موضعه باستعمال الجوارح والأعضاء على خلاف ما أمره وذلك في قوله: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] فبدله بالعدل بقوله: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36] فظلم السمع، باستعماله في استماع الغيبة واللغو، والرفث والبهتان والقذف والملاهي والفواحش، وعدله استعماله في استماع القرآن والأخبار والعلوم والحكم والمواعظ والنصيحة والمعروف وقول الحق، وظلم البصر، النظر إلى المحرمات والشهوات وإلى من فوقه في دنياه وإلى متاع الدنيا وزينتها وزخارفها، وعدله النظر في القرآن والعلوم وإلى وجه العلماء والصلحاء، {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} تفسير : [الروم: 50] وإلى الأشياء بنظر الاعتبار، وإلى من دونه في دنياه، وإلى من فوقه في دينه، وظلم الفؤاد قبول الحقد والحسد والعداوة وحب الدنيا والتعلق بما سوى الله، وعدله تصفيته عن هذه الأوصاف الذميمة وتحليته بالأوصاف الحميدة وتبديل هذه الصفات والتخلق بأخلاق الله. وعاشرها: الكبر وهو في قوله: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} [الإسراء: 37] فإن المشية بالخيلاء من الكبر فبدله بالتواضع بقوله: {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} [الإسراء: 37] أي: من الكبر فألزمه التواضع. ثم قال: {كُلُّ ذٰلِكَ} [الإسراء: 38] أي: الخطاب الخصال العشر التي ذكرنا في هذه الآيات العشر {كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} [الإسراء: 38] أي: مانعاً من العباد أن يصلوا إلى مقام العندية {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 55].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا من رحمته بعباده حيث كان أرحم بهم من والديهم، فنهى الوالدين أن يقتلوا أولادهم خوفا من الفقر والإملاق وتكفل برزق الجميع. وأخبر أن قتلهم كان خطأ كبيرا أي: من أعظم كبائر الذنوب لزوال الرحمة من القلب والعقوق العظيم والتجرؤ على قتل الأطفال الذين لم يجر منهم ذنب ولا معصية.
همام الصنعاني
تفسير : 1561- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ}: [الآية: 31]، قال: كانوا يقتلون البنات خشية الفاقة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):