١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر بالأشياء الخمسة التي تقدم ذكرها، وحاصلها يرجع إلى شيئين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، أتبعها بذكر النهي عن أشياء. أولها: أنه تعالى نهى عن الزنا فقال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنا} قال القفال: إذا قيل للإنسان لا تقربوا هذا فهذا آكد من أن يقول له لا تفعله ثم إنه تعالى علل هذا النهي بكونه: {فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً }. واعلم أن الناس قد اختلفوا في أنه تعالى إذا أمر بشيء أو نهى عن شيء فهل يصح أن يقال إنه تعالى إنما أمر بذلك الشيء أو نهى عنه لوجه عائد إليه أم لا؟ فقال القائلون بتحسين العقل وتقبيحه الأمر كذلك. وقال المنكرون: لتحسين العقل وتقبيحه ليس الأمر كذلك، احتج القائلون بتحسين العقل وتقبيحه على صحة قولهم بهذه الآية قالوا إنه تعالى نهى عن الزنا، وعلل ذلك النهي بكونه فاحشة فيمتنع أن يكون كونه فاحشة عبارة عن كونه منهياً عنه. وإلا لزم تعليل الشيء بنفسه وهو محال، فوجب أن يقال: كونه فاحشة وصف حاصل له باعتبار كونه زنا، وذلك يدل على أن الأشياء تحسن وتقبح لوجوه عائدة إليها في أنفسها، ويدل أيضاً على أن نهي الله تعالى عنها معلل بوقوعها في أنفسها على تلك الوجوه، وهذا الاستدلال قريب، والأولى أن يقال: إن كون الشيء في نفسه مصلحة أو مفسدة أمر ثابت لذاته لا بالشرع، فإن تناول الغذاء الموافق مصلحة، والضرب المؤلم مفسدة، وكونه كذلك أمر ثابت بالعقل لا بالشرع. وإذا ثبت هذا فنقول: تكاليف الله تعالى واقعة على وفق مصالح العالم في المعاش والمعاد فهذا هو الكلام الظاهري، وفيه مشكلات هائلة ومباحث عميقة نسأل الله التوفيق لبلوغ الغاية فيها. إذا عرفت هذا فنقول: الزنا اشتمل على أنواع من المفاسد: أولها: اختلاط الأنساب واشتباهها فلا يعرف الإنسان أن الولد الذي أتت به الزانية أهو منه أو من غيره، فلا يقوم بتربيته ولا يستمر في تعهده، وذلك يوجب ضياع الأولاد، وذلك يوجب انقطاع النسل وخراب العالم. وثانيها: أنه إذا لم يوجد سبب شرعي لأجله يكون هذا الرجل أولى بهذه المرأة من غيره لم يبق في حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل، وذلك يفضي إلى فتح باب الهرج والمرج والمقاتلة، وكم سمعنا وقوع القتل الذريع بسبب إقدام المرأة الواحدة على الزنا. وثالثها: أن المرأة إذا باشرت الزنا وتمرنت عليه يستقذرها كل طبع سليم، وكل خاطر مستقيم، وحينئذ لا تحصل الألفة والمحبة ولا يتم السكن والإزدواج، ولذلك فإن المرأة إذا اشتهرت بالزنا تنفر عن مقارنتها طباع أكثر الخلق. ورابعها: أنه إذا انفتح باب الزنا فحينئذ لا يبقى لرجل اختصاص بامرأة، وكل رجل يمكنه التواثب على كل امرأة شاءت وأرادت. وحينئذ لا يبقى بين نوع الإنسان وبين سائر البهائم فرق في هذا الباب. وخامسها: أنه ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة بل أن تصير شريكة للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهماته من المطعوم والمشروب والملبوس، وأن تكون ربة البيت وحافظة للباب وأن تكون قائمة بأمور الأولاد والعبيد، وهذه المهمات لا تتم إلا إذا كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد منقطعة الطمع عن سائر الرجال، وذلك لا يحصل إلا بتحريم الزنا وسد هذا الباب بالكلية. وسادسها: أن الوطء يوجب الذل الشديد، والدليل عليه أن أعظم أنواع الشتم عند الناس ذكر ألفاظ الوقاع، ولولا أن الوطء يوجب الذل، وإلا لما كان الأمر كذلك، وأيضاً فإن جميع العقلاء لا يقدمون على الوطء إلا في المواضع المستورة، وفي الأوقات التي لا يطلع عليهم أحد، وأن جميع العقلاء يستنكفون عن ذكر أزواج بناتهم وأخواتهم وأمهاتهم لما يقدمون على وطئهن، ولولا أن الوطء ذل، وإلا لما كان كذلك. وإذا ثبت هذا فنقول: لما كان الوطء ذلاً كان السعي في تقليله موافقاً للعقول، فاقتصار المرأة الواحدة على الرجل الواحد سعى في تقليل ذلك العمل، وأيضاً ما فيه من الذل يصير مجبوراً بالمنافع الحاصلة في النكاح، أما الزنا فإنه فتح باب لذلك العمل القبيح ولم يصر مجبوراً بشيء من المنافع فوجب بقاؤه على أصل المنع والحجر، فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة تقضي على الزنا بالقبح. وإذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى وصف الزنا بصفات ثلاثة كونه فاحشة، ومقتاً في آية أخرى: {وَسَاء سَبِيلاً } أما كونه فاحشة فهو إشارة إلى اشتماله على فساد الأنساب الموجبة لخراب العالم وإلى اشتماله على التقاتل والتواثب على الفروج وهو أيضاً يوجب خراب العالم. وأما المقت: فقد ذكرنا أن الزانية تصير ممقوتة مكروهة، وذلك يوجب عدم حصول السكن والازدواج وأن لا يعتمد الإنسان عليها في شيء من مهماته ومصالحه. وأما أنه ساء سبيلاً، فهو ما ذكرنا أنه لا يبقى فرق بين الإنسان وبين البهائم في عدم اختصاص الذكران بالإناث، وأيضاً يبقى ذل هذا العمل وعيبه وعاره على المرأة من غير أن يصير مجبوراً بشيء من المنافع، فقد ذكرنا في قبح الزنا ستة أوجه؛ والله تعالى ذكر ألفاظاً ثلاثة، فحملنا كل واحد من هذه الألفاظ الثلاثة على وجهين من تلك الوجوه الستة، والله أعلم بمراده.
القرطبي
تفسير : فيه مسألة واحدة: قال العلماء: قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} أبلغ من أن يقول: ولا تزنوا؛ فإن معناه لا تدنوا من الزنى. والزنى يمد ويقصر، لغتان. قال الشاعر:شعر : كانت فريضة ما تقول كما كان الزِّناء فريضةَ الرَّجْمِ تفسير : و {سَبِيلاً} نصب على التمييز؛ التقدير: وساء سبيله سبيلاً. أي لأنه يؤدّي إلى النار. والزنى من الكبائر، ولا خلاف فيه وفي قبحه لا سيما بحليلة الجار. وينشأ عنه استخدام ولد الغير واتخاذه ٱبناً وغير ذلك من الميراث وفساد الأنساب باختلاط المياه. وفي الصحيح حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أتَى بٱمرأة مُجِحٍّ على باب فسطاط فقال: «لعله يريد أن يُلِمّ بها» فقالوا: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد هَمَمْتُ أن ألْعَنه لَعْناً يدخل معه قبرَه كيف يُوَرِّثه وهو لا يَحِلّ له كيف يستخدمه وهو لا يَحِلّ له».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى ناهياً عباده عن الزنى وعن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} أي: ذنباً عظيماً {وَسَآءَ سَبِيلاً} أي: بئس طريقاً ومسلكاً. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سليم بن عامر عن أبي أمامة أن فتى شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنى، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: «حديث : ادنه» تفسير : فدنا منه قريباً، فقال: «حديث : اجلس» تفسير : فجلس، فقال: «حديث : أتحبه لأمك»تفسير : ؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: حديث : ولا الناس يحبونه لأمهاتهمتفسير : ، قال: «حديث : أفتحبه لابنتك؟» تفسير : قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك، قال: «حديث : ولا الناس يحبونه لبناتهم»تفسير : . قال: «حديث : أفتحبه لأختك؟» تفسير : قال: لا والله، جعلني الله فداك، قال: «حديث : ولا الناس يحبونه لأخواتهم»تفسير : ، قال: «حديث : أفتحبه لعمتك؟» تفسير : قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: «حديث : ولا الناس يحبونه لعماتهم»تفسير : ، قال: «حديث : أفتحبه لخالتك؟» تفسير : قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: «حديث : ولا الناس يحبونه لخالاتهم» تفسير : قال: فوضع يده عليه، وقال «حديث : اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وأحصن فرجه» تفسير : قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء، وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} أبلغ من لا تأتوه {ٰ إِنَّهُ كَانَ فَٰحِشَةً } قبيحاً {وَسَآءَ } بئس {سَبِيلاً } طريقاً هو.
ابن عادل
تفسير : لمَّا أمره بالأشياء الخمسة المتقدِّم ذكرها، وحاصلها يرجع إلى شيئين: التعظيم لأمر الله تعالى، والشَّفقة على خلق الله سبحانه - جلَّ ذكره - لا إله إلاَّ هو، أتبعها بالنَّهي عن أشياء أخر. أولها: أنه تعالى نهى عن الزّنا. والعامة على قصره، وهي اللغة الفاشية، وقرىء بالمدِّ، وفيه وجهان: أحدهما: أنه لغة في المقصور. والثاني: أنه مصدر زانى يُزانِي؛ كقاتل يقاتل قتالاً؛ لأنه يكون بين اثنين، وعلى المدِّ قول الفرزدق: [الطويل] شعر : 3415- أبَا خَالدٍ من يَزْنِ يُعرَفْ زِنَاؤهُ ومَنْ يَشرَبِ الخُرطُومَ يُصبِحْ مُسَكَّرا تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 3416- كَانَتْ فَريضَةُ ما تَقُولُ كَمَا كَانَ الزِّناءُ فَريضةَ الرَّجْمِ تفسير : وليس ذلك على باب الضرورة، لثبوته قراءة في الجملة. وقوله تعالى: {وَسَآءَ سَبِيلاً}. قال ابن عطيَّة: "وسبيلاً: نصبٌ على التمييز، أي: وسَاءَ سَبِيلاً سَبِيلهُ". وردَّ أبو حيَّان هذا: بأنَّ قوله نصبٌ على التَّمييز يقتضي أن يكون الفاعل ضميراً مفسَّراً بما بعده من التمييز، فلا يصح تقديره: سَاءَ سبيلهُ سَبِيلاً؛ لأنه ليس بمضمرٍ لاسم الجنسِ. فصل قال القفال: إذا قيل للإنسان: لا تقرب هذا، فهو آكد من أن تقول: لا تفعله، ثم علَّل هذا النَّهي بكنه {فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً}. واعلم أنَّ الزِّنا اشتمل على أنواع من المفاسد. أولها: اختلاط الأنساب واشتباهها، فلا يعرف الإنسان أنَّ الولد الذي أتت به الزانية منه أو من غيره، فلا يقوم بتربيته، وذلك يوجب ضياع الأولاد، وانقطاع النَّسل، وخراب العالم. وثانيها: أنه إذا لم يوجد سبب شرعيٌّ يوجب اختصاص هذا الرجل بهذه المرأة، لم يبق إلاَّ التواثب والتقاتل، وقد وجد وقوع القتل الذَّريع بسبب زنا المرأة الواحدة. وثالثها: أنَّ المرأة، إذا زنت وتمرَّنت عليه، يستقذرها كل ذي عقل سليمٍ، وحينئذٍ: لا تحصل الألفة والمحبَّة، ولا يتم السَّكن والازدواج، وينفر طباعُ أكثر الخلق عن مقاربتها. ورابعها: أنَّه إذا انفتح باب الزِّنا، لا يبقى لرجلٍ اختصاص بامرأةٍ، بل كل رجل يمكنه التواثب على أيِّ امرأة أرادت، وحينئذ: لا يبقى بين نوع الإنسان وسائر البهائم فرقٌ في هذا. وخامسها: أنه ليس المقصود من المرأة مجرَّد قضاء الشهوة، بل أن تصير شريكة للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهمَّاته من المطعوم والمشروب والملبوس، وحفظ البيت، والقيام بأمُور الأولاد والخدم، وهذه المهماتُ لا تتم إلاَّ إذا كانت المرأة مقصورة الهمَّة على هذا الرجل الواحد، منقطعة الطَّمع عن سائر الرِّجال، وذلك لا يحصل إلاَّ بتحريم الزِّنا، وسدّ هذا الباب. وسادسها: أنَّ الوطء يوجب الذلَّ الشديد، ويدلُّ على ذلك وجوهٌ: الأول: أن أعظم أنواع الشَّتم عند النَّاس ذكر ألفاظ الوقاع، ولولا أن الوطء يوجبُ الذلَّ وإلاَّ لما كان الأمر كذلك. الثاني: أنَّ جميع العقلاء يستنكفُون من ذكر أزواج بناتهم وأخواتهم وأمهاتهم، ولولا أن الوطء ذلٌّ، وإلاَّ لما كان كذلك. الثالث: أن جميع العقلاء لا يقدمون على الوطء إلا خفية في الأوقات التي لا يطَّلع عليهم أحدٌ، ولولا أنه موجبٌ للذلِّ، وإلا لما كان الأمر كذلك، فلما كان الوطء ذلاًّ، كان السَّعي في تقليله موافقاً للعقول، فاقتصار المرأة الواحدة على الرجل الواحد سعيٌ في تقليل ذلك العمل، وما فيه ن الذلِّ يجبر بالمنافع الحاصلة. وأمَّا الزِّنا، فإنه فتح لباب العمل القبيح، ولا يجبر بشيءٍ من المنافع، فيبقى على أصل المنع. وإذا ثبت ذلك، فنقول: إنه تعالى وصف الزِّنا بصفاتٍ ثلاثة: كونه {أية : فَاحِشَةً وَمَقْتاً} تفسير : [النساء: 22] في آية أخرى {وَسَآءَ سَبِيلاً} أما كونه فاحشة؛ فلاشتماله على الأمور المذكورة، وأمَّا المقت فلأنَّ الزانية تصير ممقوتة مكروهة؛ لما ذكرنا. وأما كونه ساء سبيلاً: فهو ما ذكرنا من أنَّه لا يبقى فرقٌ بين الإنسان وبين البهائم في عدم اختصاص الذكران بالإناث، وبقاء الذلِّ والعيب والعارِ على المرأة من غير أن يجبر بشيءٍ من المنافع.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: {ولا تقربوا الزنا} قال: يوم نزلت هذه الآية لم تكن حدود، فجاءت بعد ذلك الحدود في سورة النور. وأخرج أبو يعلى وابن مردويه، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قرأ "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً إلا من تاب فإن الله كان غفاراً رحيماً" فذكر لعمر رضي الله عنه فأتاه فسأله فقال: أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لك عمل، إلا الصفق بالبقيع. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} قال قتادة، عن الحسن - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : "لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا ينتهب حين ينتهب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يغل حين يغل وهو مؤمن" قيل: يا رسول الله، والله إن كنا لنرى أنه يأتي ذلك وهو مؤمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا فعل شيئاً من ذلك نزع الإيمان من قلبه فإن تاب تاب الله عليه" ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع المؤمنون إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن ". تفسير : وأخرج أبو داود والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه: "حديث : إذا زنى المؤمن خرج منه الإيمان فكان عليه كالظلة، فإذا انقلع منها رجع إليه الإيمان ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: الإيمان نور فمن زنى فارقه الإيمان فمن لام نفسه فراجع راجعه الإيمان. وأخرج البيهقي وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء، فإذا زنى العبد نزع منه سربال الإيمان، فإن تاب رد عليه ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن أبي صالح رضي الله عنه، عن أبي هريرة رضي الله عنه وسأله عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" تفسير : فأين يكون الإيمان منه؟ قال أبو هريرة - رضي الله عنه - يكون هكذا عليه، وقال: بكفه فوق رأسه، فإن تاب ونزع رجع إليه. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما - أنه كان يسمي عبيده بأسماء العرب: عكرمة وسميع وكريب وقال لهم: تزوّجوا، فإن العبد إذا زنى نزع منه نور الإيمان رد الله عليه بعد أو أمسكه. وأخرج البيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا شباب قريش، احفظوا فروجكم لا تزنوا، ألا من حفظ الله له فرجه دخل الجنة ". تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم كتاب الله ". تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم وابن عدي والبيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الزنا يورث الفقر ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه، عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت فاحشة في قوم قط إلا سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر ". تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا عن الهيثم بن مالك الطائي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له ". تفسير : وأخرج أحمد، عن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أُخذوا بالرعب ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يزن عبد قط إلا نزع الله نور الإيمان منه: إن شاء رده وإن شاء منعه. وأخرج الحكيم الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يقتل وهو مؤمن، فإذا فعل ذلك نزع منه نور الإيمان كما ينزع منه قميصه، فإن تاب تاب الله عليه ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن أسامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما تركت على أمتي بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يكن كفر من مضى إلا من قبل النساء، وهو كائن كفر من بقي من قبل النساء. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبان بن عثمان رضي الله عنه قال: تعرف الزناة بنتن فروجهن يوم القيامة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي صالح رضي الله عنه قال: بلغني أن أكثر ذنوب أهل النار النساء.
القشيري
تفسير : ترَّجحَ الزنا على غيره من الفواحش لأن فيه تضييعَ حُرْمَةِ الحقِّ، وهتكَ حُرْمَةِ الخلْق، ثم لِمَا فيه من الإخلال بالنَّسَبِ، وإفسادِ ذات البين من مقتضى الأَنَفَةِ والغضب.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تقربوا الزنى} بالقصر واتيان المقدمات من القبلة والغمزة والنظر بالشهوة فضلا عن ان تباشروه. وقرئ بالمد لغتان او مصدر زانى زناء كقاتل قتلا كما فى الكواشى {انه} اى الزنى {كان فاحشة} فعلة ظاهرة القبح متجاوزة الحد وهو كالقتل فان فيه تضييع الانساب فان من لم يثبت نسبه ميت حكما {وساء سبيلا} اى بئس طريق الزنى لانه يجر صاحبه الى النار وهو طريق ايضا الى قطع الانساب وتهيج الفتن وفى الحديث "حديث : اذا زنى العبد خرج منه الايمان فكان على رأسه كالظلة فاذا انقطع رجع اليه الايمان"تفسير : - روى - عن بعض الصحابة رضى الله عنه انه قال اياكم والزنى فان فيه ست خصال ثلاث فى الدنيا وثلاث فى الآخرة. فاما التى فى الدنيا فنقصان الرزق يعنى تذهب البركة من الرزق ويصير محروما من الخير ونقصان العمر والبغض فى قلوب الناس فانه يذهب بالهباء واما الثلاث التى فى الآخرة فغضب الرب وشدة الحساب والدخول فى النار وفى الخبر (العينان تزنيان واليدان تزنيان): وفى المثنوى شعر : مرغ زان دانه نظر خوش ميكند دانه هم از دور راهش مى زند اين نظر ازدورجون تيرست وسم عشقت افزون مى شود صبرتوكم تفسير : واعلم ان غلبة الشهوة. تورث الزنى فالشهوة هى الثالثة من العشر المذمومة فتبدلها الله تعالى بالعفة حين نهاهم عن الزنية - حكى - انه كان بالبصرة رجل معروف بالمسكى لانه كان يفوح منه رائحة المسك فسئل عنه فقال كنت من احسن الناس وجها وكان لى حياء فقيل لابى لو اجلسته فى السوق لانبسط مع الناس فاجلسنى فى حانوت بزاز فجاءت عجوز فطلبت متاعا فاخرجت لها ما طلبت فقالت لو توجهت معى لثمنه فمضيت معها حتى ادخلتنى فى قصر عظيم فيه قبة عظيمة عليها سرير فاذا فيه جارية على فرش مذهبة فجذبتنى الى صدرها فقلت الله فقال لا بأس فقلت انى حاقب ودخلت الخلاء وتغوطت ومسحت به وجهى وبدنى فقيل انه مجنون فخلصت ورأيت الليلة رجلا قال لى اين انت من يوسف بن يعقوب ثم قال أتعرفنى قلت لا قال انا جبريل ثم مسح يده على وجهى وبدنى فمن ذلك الوقت يفوح المسك على من رائحة جبريل عليه السلام وذلك ببركة العفة والتقوى. ولقى ابليس موسى عليه السلام فقال يا موسى اذكرنى حين تغضب فان وجهى فى قلبك وعينى فى عينك واجرى منك مجرى الدم واذكرنى حين تلقى الزحف فانى آتى ابن آدم حين يلقى الزحف فاذكره ولده وزوجته واهله حتى يولى واياك ان تجالس امرأة ليست بذات محرم فانى رسولها اليك ورسولك اليها كما فى آكام المرجان.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُوا الْزِّنَى} النهى عن القرب من فعل الشئ أبلغ من النهى عن فعله ولذلك لم يقل لا تزنوا بل قال: لا تقربوه ليشتمل القرب إِليه بتمنيه والرضى به والعزم عليه واستحضاره بتشبه ونظر الشهوة ومسها واستمتاعها ومشيها ونحو ذلك كالكلام بها من مقدمات الزنى، فإِذا كان النهى عن مقدماته كان النهى عنه بالأَولى. {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} خصلة أو فعلة زائدة القبح وظاهرته. {وَسَاءَ} أى بئس هو أى الزنى. {سَبِيلاً} فلا يقدر مخصص بالذم وإِن رجعت الضمير فى ساء إِلى مبهم مفسر بالتمييز وهو سبيلا قدر المخصوص أى ساء سبيلا سبيل الزنى، أو ساء سبيلا هو أى الزنى، ووجه كونه فاحشة وكونه مبالغا فى السوء أن طريقه غصب فرج امرأة أو غيرها، ولا يخرجه رضاها أو رضى غيرها عن الغصب، لأَن حرمة الزنى حق لله فإِن كانت امرأة ولم ترض كان أيضاً غصباً عن مخلوق كما فى حق الله وإِن كانت ذات زوج كان غصب ثالث أيضاً إن لم يرض ورضاه لا يبيح الزنى وكذا أمة إن لم ترض ولا مالكها فثلاث غصبات، وإِن كانت ذات زوج ولم يرض فأَربع، وإِن كان طفلا أو طفلة ولم يرض فغصبان بل ثلاث غصب عنه عن قائمه إن لم يرض وغصب فى حق الله، وكذا فى الدابة إن تضررت بالزنى ولم يرض مولاها وكذا العبد فإِن تزوج فحق رابع وهو حق زوجته، مع ما فى الزنى فى ذلك كله من إِيجاب الحد على نفسه وعلى المزنى به البالغ غير المكره وخلط الأَنساب، فلا يعرف الإِنسان ولد من هو ولا يقوم أب بتربيته وذلك يوجب خراب العالم، عافانا الله وحفظنا، وإِن كان على فراش زوج فإِن الولد له بحكم الشرع وبحقوقه يؤخذ فيكون الزانى ظالماً له فى التعدى على فراشه وفى الحقوق التى يؤخذ بها على الولد، مع أن سبب حل الجماع ممكن وهو العقد بولى مثلا وشهود ورضى الأنثى إِن كانت خالية عن زوج مانع نسب أو رضاع أو حرمة أو نحو ذلك.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى} بتمنِّيه أو تكييفه، أو العزم عليه، أو التلويح إليه بكلام أو عين، أو يد أو إشارة، أو بنظر الشهوات، أو المس، أو القبلة فضلا عن أن تزنوا بالفرج؛ والزنى كبيرة فى ذلك كله، ولو مع صخرة أو مع نفسه أو بهيمة، ولا تصح توبة الزانى إلا باستحلال من زنى به إلا إن زنى ببالغ أو بالغة، عاقل أو عاقلة، راض أو راضية، حر أو حرة؛ إلا إن كان لها زوج فلا بد من استحلاله أيضاً، وإن كانت أمه فلا بد من استحلال سيدها، وزوجها إن تزوجت أيضا معا. {إِنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا} خصلة قبيحة قبحا ظاهراً {وَسَاءَ سَبِيلاً} بئس الزنى طريقا إلى هتك الحرم، ولو برضا المرأة، وإلى قطع الأنساب، بأن نسب للفراش إن كان لها زوج، وهو فى الحقيقة من ساء غيره، وإلى تهييج الفتن من أولياء المرأة، ولو رضيت، ومنها أيضاً إن قهرت.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ} بمباشرة مباديه القريبة أو البعيدة فضلاً عن مباشرته. والنهي عن قربانه على خلاف ما سبق ولحق للمبالغة في النهي عن نفسه ولأن قربانه داع إلى مباشرته. وفسره الراغب بوطء المرأة من غير عقد شرعي. وجاء في المد والقصر وإذا مد يصح أن يكون مصدر المفاعلة «وتوسيط النهي عنه بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس المحرمة مطلقاً كما قال شيخ الإسلام باعتبار أنه قتل للأولاد لما أنه تضييع للأنساب فإن من لم يثبت نسبه ميت حكماً». {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} فعلة ظاهرة القبح زائدته {وَسَاء سَبِيلاً} أي وبئس السبيل سبيلاً لما فيه من اختلال أمر الأنساب وهيجان الفتن، وقد روى الشيخان وغيرهما عن أبـي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» تفسير : وجاء في غير رواية أنه حديث : إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإن تاب ونزع رجع إليه تفسير : وهو من الكبائر وفاحشة مطلقاً على ما أجمع عليه المحققون بل في الحديث الصحيح أنه بحليلة الجار من أكبر الكبائر، وزعم الحليمي أنه فاحشة إن كان بحليلة الجار أو بذات الرحم أو بأجنبية في شهر رمضان أو في البلد الحرام وكبيرة إن كان مع امرأة الأب أو حليلة الابن أو مع أجنبية على سبيل القهر والإكراه وإذا لم يوجب حداً يكون صغيرة، ولا يخفى رده وضعف مبناه، والآية ظاهرة في أنه فاحشة مطلقاً نعم أفحش أنواعه الزنا بحليلة الجار، وقال بعضهم: أعظم الزنا على الإطلاق الزنا بالمحارم فقد صحح الحاكم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من وقع على ذات محرم فاقتلوه»تفسير : وزنا الثيب أقبح من زنا البكر بدليل اختلاف حديهما، وزنا الشيخ لكمال عقله أقبح من زنا الشاب، وزنا الحر والعالم لكمالهما أقبح من زنا القن والجاهل. وهل هو أكبر من اللواط أم لا؟ فيه خلاف وفي «الإِحياء» أنه أكبر منه لأن الشهوة داعية إليه من / الجانبين فيكثر وقوعه ويعظم الضرر، ومنه اختلاط الأنساب بكثرته. وقد يعارض بأن حده أغلظ بدليل قول مالك وآخرين برجم اللوطي ولو غير محصن بخلاف الزاني. وقد يجاب بأن المفضول قد يكون فيه مزية، وفيه ما فيه، وبالغ بعضهم فقال: إنه مطلقاً يلي الشرك في الكبر، والأصح أن الذي يلي الشرك هو القتل ثم الزنا، وخبر «الغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام» الظاهر كما قال ابن حجر الهيتمي أنه لا أصل له، نعم روى الطبراني والبيهقي وغيرهما «الغيبة أشد من الزنا» إلا أن له ما يبين معناه وهو ما رواه ابن أبـي الدنيا وأبو الشيخ عن جابر وأبـي سعيد رضي الله تعالى عنهما «إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا أن الرجل ليزني فيتوب الله تعالى عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه» فعلم منه أن أشدية الغيبة من الزنا ليست على الإطلاق بل من جهة أن التوبة الباطنة المستوفية لجميع شروطها من الندم من حيث المعصية والإقلاع وعزم أن لا يعود مع عدم الغرغرة وطلوع الشمس من مغربها مكفرة لإثم الزنا بمجردها بخلاف الغيبة فإن التوبة وإن وجدت فيها هذه الشروط لا تكفرها بل لا بد وأن ينضم إليها استحلال صاحبها مع عفوه فكانت الغيبة أشد من هذه الحيثية لا مطلقاً فلا يعكر الحديث على الأصح، وعلم منه أيضاً أن الزنا لا يحتاج في التوبة منه إلى استحلال وهو ما صرح به غير واحد من المحققين وهو مع ذلك من الحقوق المتعلقة بالآدمي كيف لا وهو من الجناية على الأعراض والأنساب، ومعنى قولهم إن الزنا لا يتعلق به حق آدمي أي من المال ونحوه وعدم اشتراط الاستحلال لا يدل على أنه ليس من الحقوق المتعلقة بالآدمي مطلقاً، وإنما لم يشترط الاستحلال لما يترتب على ذكره من زيادة العار والظن الغالب بأن نحو الزوج أو القريب إذا ذكر له ذلك يبادر إلى قتل الزاني أو المزني بها أو إلى قتلهما معاً ومع ما ذكر كيف يمكن القول باشتراطه، وقد صرح بنحو ذلك حجة الإسلام الغزالي في «منهاج العابدين» فقال في ضمن تفصيل: قال الأذرعي: إنه في غاية الحسن والتحقيق أما الذنب في الحرم فإن خنته في أهله وولده فلا وجه للاستحلال والإظهار لأنه يولد فتنة وغيظاً بل تتضرع إلى الله سبحانه ليرضيه عنك ويجعل له خيراً كثيراً في مقابلته فإن أمنت الفتنة والهيج وهو نادر فتستحل منه، وقد قال الأذرعي في مواضع في الحسد والتوبة منه: ويشبه أن يحرم الإخبار به إذا غلب على ظنه أن لا يحلله وأنه يتولد منه عداوة وحقد وأذى للمخبر، ثم قال: ويجوز أن ينظر إلى المحسود فإن كان حسن الخلق بحيث يظن أنه يحلله تعين إخباره ليخرج من ظلامته بيقين وإن غلب على ظنه أن إخباره يجر شراً وعداوة حرم إخباره قطعاً وإن تردد فالظاهر ما ذكره النووي من عدم الوجوب والاستحباب فإن النفس الزكية نادرة وربما جر ذلك شراً وعداوة وإن حلله بلسانه اهـ، فإذا كان هذا في الحسد مع سهولته عند أكثر الناس وعدم مبالاتهم به ومن ثم أطلق النووي عدم الإخبار فقال: المختار بل الصواب أنه لا يجب إخبار المحسود بل لا يستحب ولو قيل يكره لم يبعد - فما بالك في الزنا المستلزم أن الزوج والقريب يقتل فيه بمجرد التوهم فكيف مع التحقق. ويعلم من الأخبار أن ثمرات الزنا قبيحة منها أنه يورد النار والعذاب الشديد وأنه يورث الفقر وذهاب البهاء وقصد العمر وأنه يؤخذ بمثله من ذرية الزاني، ولما قيل لبعض الملوك ذلك أراد تجربته بابنة له وكانت غاية في الحسن فأنزلها مع امرأة وأمرها أن لا تمنع أحداً أراد التعرض لها بأي شيء شاء وأمرها بكشف وجهها فطافت بها في الأسواق فما مرت على أحد إلا وأطرق حياء وخجلاً منها فلما طافت بها المدينة كلها ولم يمد أحد نظره إليها رجعت بها إلى دار الملك فلما أرادت الدخول أمسكها إنسان وقبلها ثم ذهب عنها فأدخلتها على الملك وذكرت له القصة / فسجد شكراً وقال: الحمد لله تعالى ما وقع مني في عمري قط إلا قبلة وقد قوصصت بها نسأل الله سبحانه أن يعصمنا وذرارينا ومن ينسب إلينا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن بحرمة النبـي صلى الله عليه وسلم. وقرأ أبـي بن كعب كما أخرجه عنه ابن مردويه (ولا تقربوا الزنى أنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إلا من تاب فإن الله كان غفورا رحيماً) فذكر لعمر رضي الله تعالى عنه فأتاه فسأله فقال أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لك عمل إلا الصفق بالنقيع وهذا إن صح كان قبل العرضة الأخيرة.
ابن عاشور
تفسير : عطف هذا النهي على النهي عن وأد البنات إيماء إلى أنهم كانوا يعدون من أعذارهم في وأد البنات الخشية من العار الذي قد يلحق من جراء إهمال البنات الناشىء عن الفقر الرامي بهن في مهاوي العهر، ولأن في الزنى إضاعة نسب النسل بحيث لا يعرف للنسل مرجع يأوي إليه وهو يشبه الوأد في الإضاعة. وجرى الإضمار فيه بصيغة الجمع كما جرى في قوله: {أية : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق}تفسير : [الإسراء: 31] لمثل ما وجه به تغيير الأسلوب هنالك فإن المنهي عنه هنا كان من غالب أحوال أهل الجاهلية. وهذه الوصية الثامنة من الوصايا الإلهية بقوله تعالى: {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}تفسير : [الإسراء: 23]. والقرب المنهي عنه هو أقل الملابسة، وهو كناية عن شدة النهي عن ملابسة الزنا، وقريب من هذا المعنى قولهم: ما كاد يفعل. والزنى في اصطلاح الإسلام مجامعة الرجل امرأة غير زوجة له ولا مملوكةٍ غير ذات الزوج. وفي الجاهية الزنى: مجامعة الرجل امرأة حرة غير زوج له وأما مجامعة الأمة غير المملوكة للرجل فهو البغاء. وجملة {إنه كان فاحشة} تعليل للنهي عن ملابسته تعليلاً مبالغاً فيه من جهات بوصفه بالفاحشة الدال على فَعلة بالغة الحد الأقصى في القبح، وبتأكيد ذلك بحرف التوكيد، وبإقحام فعل (كان) المؤذن بأن خبره وصف راسخ مستقر، كما تقدم في قوله: {أية : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين}تفسير : [الإسراء: 27]. والمراد: أن ذلك وصف ثابت له في نفسه سواء علمه الناس من قبل أم لم يعلموه إلا بعد نزول الآية. وأتبع ذلك بفعل الذم وهو {ساء سبيلا}، والسبيل: الطريق. وهو مستعار هنا للفعل الذي يلازمه المرء ويكون له دأباً استعارة مبنية على استعارة السير للعمل كقوله تعالى: {أية : سنعيدها سيرتها الأولى}تفسير : [طه: 21]، فبني على استعارة السير للعمل استعارة السبيل له بعلاقة الملازمة. وقد تقدم نظيرها في قوله: {أية : إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا}تفسير : في سورة [النساء: 22]. وعناية الإسلام بتحريم الزنى لأن فيه إضاعة النسب وتعريض النسل للإهمال إن كان الزنى بغير متزوجة وهو خلل عظيم في المجتمع، ولأن فيه إفساد النساء على أزواجهن والأبكار على أوليائهن، ولأن فيه تعريضَ المرأة إلى الإهمال بإعراض الناس عن تزوجها، وطلاق زوجها إياها، ولما ينشأ عن الغيرة من الهرج والتقاتل، قال امرؤ القيس: شعر : عليّ حراصا لو يسرون مقتلي تفسير : فالزنى مئنة لإضاعة الأنساب ومَظنّةٌ للتقاتل والتهارج فكان جديراً بتغليظ التحريم قصداً وتوسلاً. ومن تأمل ونظر جزم بما يشتمل عليه الزنى من المفاسد ولو كان المتأمل ممن يفعله في الجاهلية فقبحه ثابت لذاته، ولكن العقلاء متفاوتون في إدراكه وفي مقدار إدراكه، فلما أيقظهم التحريم لم يبق للناس عذر. وقد زعم بعض المفسرين أن هذه الآية مدنية كما تقدم في صدر السورة ولا وجه لذلك الزعم. وقد أشرنا إلى إبطال ذلك في أول السورة.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَاحِشَةً} (32) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنْ مُقَارَفَةِ الزِّنَى، وَمُبَاشَرَةِ أَسْبَابِهِ وَدَوَاعِيهِ، فَهُوَ فَعْلَةٌ ظَاهِرَةُ القُبْحِ (فَاحِشَةً)، وَبِئْسَ طَرِيقاً وَمَسْلَكاً (سَاءَ سَبِيلاً)، لِمَا فِيهِ مِنِ اخْتِلاَطِ الأَنْسَابِ، وَفَسَادِ العَلاَقَةِ بَيْنَ الأَزْوَاجِ، لِضَيَاعِ الثِّقَةِ الوَاجِبِ تَوَفُّرُها لاطْمِئْنَانِ الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ. (وَفِي الحَدِيثِ: حديث : مَا مِنْ ذَنْبٍ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ نُطْفَةٍ يَضَعُهَا رَجُلٌ فِي رَحْمٍ لاَ يَحِلُّ لَهُتفسير : ). (أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيا عَنِ الهَيْثَمِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ مَرْفُوعاً).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تحدّث الحق سبحانه عما يحفظ النسل ويستبقي خلافة الله في الأرض، أراد سبحانه أن يحمي هذا النسل من الضياع، ويوفر له الحياة الكريمة. والإنسان مِنّا حينما يُرزَق بالولد أو البنت يطير به فَرحاً، ويُؤثِره على نفسه، ويُخرج اللقمة من فيه ليضعها في فم ولده، ويسعى جاهداً ليُوفّر له رفاهية العيش، ويُؤمِّن له المستقبل المُرْضِي، وصدق الشاعر حين قال: شعر : إنما أَوْلاَدُنَا أكبادُناَ تمشي عَلَى الأَرْضِ إنْ هَبَّتْ الريحُ على بَعْضــهِم امتنعَتْ عَيْني عَنِ الغُمْضِ تفسير : لكن هذا النظام التكافليّ الذي جعله الحق سبحانه عماداً تقوم عليه الحياة الأسرية سرعان ما ينهار من أساسه إذا ما دَبَّ الشكُّ إلى قلب الأب في نسبة هذا الولد إليه، فتتحوّل حياته إلى جحيم لا يُطَاق، وصراع داخلي مرير لا يستطيع مواجهته أو النطق به؛ لأنه طَعْن في ذاته هو. لذلك يُحذِّرنا الحق - تبارك وتعالى - من هذه الجريمة النكْراء؛ ليحفظ على الناس أنسابهم، ويطمئن كل أب إلى نسبة أبنائه إليه، فيحنو عليهم ويرعاهم، ويستعذب ألم الحياة ومتاعبها في سبيل راحتهم. فيقول تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ ..} [الإسراء: 32]. والمتأمل في آي القرآن الكريم يجد أن الحق سبحانه حينما يُكلِّمنا عن الأوامر يُذيِّل الأمر بقوله تعالى: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 229]. والحديث هنا عن أحكام الطلاق، فقد وضع له الحق سبحانه حدوداً، وأمرنا أن نقف عندها لا نتعداها، فكأنه سبحانه أوصلنا إلى هذا الحد، والممنوع أن نتعداه. وأما في النواهي، فيُذيلها بقوله: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 187]. والنهي هنا عن مباشرة النساء حال الاعتكاف، وكأن الحق سبحانه يريد ألاّ نصلَ إلى الحدِّ المنهي عنه، وأنْ يكون بيننا وبينه مسافة، فقال {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} لنظلّ على بُعْدٍ من النواهي، وهذا احتياط واجب حتى لا نقتربَ من المحظور فنقع فيه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ". تفسير : فالحق سبحانه خالق الإنسان، وهو أعلم به لا يريد له أنْ يقتربَ من المحظور؛ لأن له بريقاً وجاذبية كثيراً ما يضعف الإنسان أمامها؛ لذلك نهاه عن مجرد الاقتراب، وفَرْقٌ بين الفعل وقُرْبان الفعل، فالمحرّم المحظور هنا هو الفِعْل نفسه، فلماذا إذن حرَّم الله الاقتراب أيضاً، وحذّر منه؟ نقول: لأن الله تعالى يريد أنْ يرحَم عواطفك في هذه المسألة بالذات، مسألة الغريزة الجنسية، وهي أقوى غرائز الإنسان، فإنْ حُمْتَ حولها توشك أن تقعَ فيها، فالابتعاد عنها وعن أسبابها أسلَمُ لك. وحينما تكلَّم العلماء عن مظاهر الشعور والعلم قسَّموها إلى ثلاث مراحل: الإدراك، ثم الوجدان، ثم النزوع. فلو فرضنا أنك تسير في بستان فرأيتَ به وردة جميلة، فلحظة أنْ نظرتَ إليها هذا يُسمَّى "الإدراك"؛ لأنك أدركتَ وجودها بحاسة البصر، ولم يمنعك أحد من النظر إليها والتمتُّع بجمالها. فإذا ما أعجبتك وراقك منظرها واستقر في نفسك حُبُّها فهذا يسمى "الوجدان" أي: الانفعال الداخلي لما رأيتَ، فإذا مددتَ يدك لتقطفها فهذا "نزوع" أي: عمل فعلي. ففي أي مرحلة من هذه الثلاث يتحكَّم الشرع؟ الشرع يتحكم في مرحلة النزوع، ولا يمنعك من الإدراك، أو من الوجدان، إلا في هذه المسألة "مسألة الغريزة الجنسية" فلا يمكن فيها فَصْل النزوع عن الوجدان، ولا الوجدان عن الإدراك، فهي مراحل ملتحمة ومتشابكة، بحيث لا تقوى النفس البشرية على الفَصْل بينها. فإذا رأى الرجل امرأة جميلة، فإن هذه الرؤية سرعان ما تُولِّد إعجاباً وميلاً، ثم عِشْقاً وغريزة عنيفة تدعوه أنْ تمتدَّ يده، ويتولد النزوع الذي نخافه، وهنا إما أنْ ينزعَ ويُلبي نداء غريزته، فيقع المحرم، وإما أنْ يعف ويظل يعاني مرارة الحرمان. والخالق سبحانه أعلم بطبيعة خَلْقه، وبما يدور ويختلج داخلهم من أحاسيس ومشاعر؛ لذلك لم يُحرِّم الزنا فحسب، بل حرَّم كل ما يؤدي إليه بداية من النظر، فقال تعالى: {أية : قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ ..}تفسير : [النور: 30]. لأنك لو أدركتَ لوجدتَ، ولو وجدتَ لنزعتَ، فإنْ أخذتََ حظَّك من النزوع أفسدتَ أعراض الناس، وإنْ عففتَ عِشْتَ مكبوتاً تعاني عِشْقاً لن تناله، وليس لك صبر عنه. إذن: الأسلم لك وللمجتمع، والأحفظ للأعراض وللحرمات أنْ تغُضَّ بصرك عن محارم الناس فترحم أعراضهم وترحم نفسك. لكن هذه الحقيقة كثيراً ما تغيب عن الأذهان، فيغشّ الإنسانُ نفسه بالاختلاط المحرم، وإذا ما سُئل ادَّعى البراءة وحُسْن النية وأخذ من صلة الزمالة أو القرابة أو الجوار ذريعة للمخالطة والمعاشرة وهو لا يدري أنه واهم في هذا كله، وأن خالقه سبحانه أدرى به وأعلم بحاله، وما أمره بغضِّ بصره إلا لما يترتب عليه من مفاسد ومضار، إما تعود على المجتمع، أو عليه نفسه. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : النظرة سَهْم مسموم من سهام إبليس، مَنْ تركها من مخافتي أبدلتُه إيماناً يجد حلاوته في قلبه ". تفسير : ومن هنا نفهم مراده سبحانه من قوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ ..} [الإسراء: 32]. ولم يقل: لا تزنوا. لأن لهذه الجريمة مقدمات تؤدي إليها، فاحذر أنْ تجعلَ نفسك على مقربة منها؛ لأن مَنْ حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ودَعْكَ ممَّنْ يُنادون بالاختلاط والإباحية؛ لأن الباطل مهما عَلاَ ومهما كَثُر أتباعه فلن يكون حقاً في يوم من الأيام. واحذر ما يشيع على الألسنة من قولهم هي بنت عمه، وهو ابن خالها، وهما تربَّيا في بيت واحد، إلى آخر هذه المقولات الباطلة التي لا تُغيّر من وجه الحرام شيئاً، فطالما أن الفتاة تحل لك فلا يجوز لك الخلوة بها. وفي الحديث النبوي: "حديث : لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ". تفسير : إذن: ما حرَّم الإسلام النظر لمجرد النظر، وما حرّم الخُلْوة في ذاتها ولكن حَرَّمهما؛ لأنهما من دوافع الزنا وأسبابه. فيقول تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ ..} [الإسراء: 32] أبلغ في التحريم وأحوط وأسلم من: لا تزنوا. ومثال ذلك أيضاً قوله تعالى في تحريم الخمر: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [المائدة: 90]. ومع ذلك يخرج علينا مَنْ يقول: ليس في القرآن آية واحدة تحرم شرب الخمر .. سبحان الله، فأيُّهما أبلغ وأشدّ في التحريم أن نقول لك: لا تشرب الخمر، أم اجتنب الخمر؟ لا تشرب الخمر: نَهْي عن الشُّرْب فقط. إذن: يُبَاحُ لك شراؤها وبيعُها وصناعتها ونقلها .. الخ. أما الاجتناب فيعني: البعد عنها كُلية، وعدم الالتقاء بها في أي مكان، وعلى أية صورة. فالاجتناب - إذن - أشدّ من مجرد التحريم. وكيف نقول بأن الاجتناب أقل من التحريم، وقد قال تعالى في مسألة هامة من مسائل العقيدة: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا ..}تفسير : [الزمر: 17]. فهل تقول في هذه: إن الاجتناب أقلّ من التحريم؟ وهل عبادة الطاغوت ليست محرمة؟! ثم يقول تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ..} [الإسراء: 32]. الفاحشة: هي الشيء الذي اشتدّ قبْحه. وقد جعل الحق سبحانه الزنا فاحشة؛ لأنه سبحانه وتعالى حينما خلق الزوجين: الذكر والأنثى، وقدَّر أن يكون منهما التناسل والتكاثر قدَّر لهما أصولاً يلتقيان عليها، ومظلّة لا يتم الزواج إلا تحتها، ولم يترك هذه المسألة مشَاعاً يأتيها مَنْ يأتيها؛ ليحفظ للناس الأنساب، ويحمي طهارة النسل، فيطمئن كل إنسان إلى سلامة نسبه ونسب أولاده. والمراد من الأصول التي يلتقي عليها الزوجان عقد القِران الذي يجمعهما بكلمة الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهَبْ أن لك بنتاً بلغت سنَّ الزواج، وعلمتَ أن شاباً ينظر إليها، أو يحاول الاقتراب منها، أو ما شابه ذلك، ماذا سيكون موقفك؟ لا شكَّ أن نار الغيرة ستشتعل بداخلك، وربما تعرَّضْتَ لهذا الشاب، وأقمْتَ الدنيا ولم تُقعِدْها. لكن إذا ما طرق هذا الشاب بابَك، وتقدَّم لخطبة ابنتك فسوف تقابله بالترْحَاب وتسعد به، وتدعو الأهل، وتقيم الزينات والأفراح. إذن: فما الذي حدث؟ وما الذي تغيَّر؟ وما الفرق بين الأولى والثانية؟ الفرق بينهما هو الفرق بين الحلال والحرام؛ لذلك قيل: "جدع الحلال أنف الغيرة". فالذي يغَارُ على بناته من لمسة الهواء تراه عند الزواج يُجَهِّز ابنته، ويُسلمها بيده إلى زوجها؛ لأنهما التقيا على كلمة الله، هذه الكلمة المقدسة التي تفعل في النفوس الأعاجيب. مجرد أن يقول وليُّ الزوجة: زوجتُكَ، ويقول الزوج: وأنا قبلتُ. تنزل هذه الكلمة على القلوب بَرْداً وسلاماً، وتُحدِث فيها انبساطاً وانشراحاً؛ لأن لهذه الكلمة المقدسة عملاً في التكوين الذاتي للإنسان، ولها أثر في انسجام ذراته، وفي كل قطرة من دمه. ومن آثار كلمة الله التي يلتقي عليها الزوجان، أنها تُحدِث سيالاً بينهما، هو سِيَال الاستقبال الحسن، وعدم الضَّجَر، وعدم الغيرة والشراسة، فيلتقيان على خير ما يكون اللقاء. ولذلك حينما يُشرِّع لنا الحق تبارك وتعالى العِدَّة، نجد عدة المطلقة غير عِدَّة المتوفَّى عنها زوجها، وفي هذا الاختلاف حكمة؛ لأن الحق سبحانه يعلم طبيعة النفس البشرية وما يُؤثّر فيها. ولو كانت الحكمة من العدة مجرد استبراء الرحم لكفى شهر واحد وحَيْضة واحدة، إنما الأمر أبعد من ذلك، فعند المرأة اعتبارات أخرى وما زالت تحت تأثير الزواج السابق؛ لأن سيال الحال فيه التقاء الإيجاب والسلب من الرجل والمرأة، وقد تعودتْ المرأة على الإيجاب الحلال والسلب الحلال. فإذا طُلِّقَت المرأة فلا يحلّ لها الزواج قبل انقضاء العدة التي حددها الشرع بثلاثة أشهر، وهي المدة التي يهدأ فيها سِيَال الحلال في نفسها ويجمد، وبذلك تكون صالحة للالتقاء بزوج آخر. أما في حالة المتوفّى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرة، والحكمة من الفارق بين العِدَّتين أن المطلقة غالباً ما يكون بين الزوجين كُرْه، هذا الكُرْه بينهما يساعد على موت السِّيال؛ لأنها بطبيعة الحال نافرة عنه غير راغبة فيه. أما المتوفَّى عنها زوجها فقد فارقها دون كُرْه، فرغبتها فيه أشدّ؛ لذلك تحتاج إلى وقت أطول للتخلُّص من هذا السيال. والحق سبحانه هنا يُراعِي طبيعة المرأة ومشاعرها، وعواطف الميل والرغبة في زوجها، ويعلم سبحانه أن هذا الميلَ وهذه الرغبة تحتاج إلى وقت ليهدأ هذه العواطف لدى المرأة، وتستعد نفسياً للالتقاء بزوج آخر؛ لأن لقاء الزوج بزوجته مسألة لا يحدث الانسجام فيها بالتكوين العقلي، بل الانسجام فيها بالتكوين العاطفي الغريزي الذي يعتمد بالدرجة الأولى على توافق الذرات بين الذكر والأنثى. هذا التوافق هو الذي يُولّد ذرات موجبة، وذرات سالبة، فيحدث التوافق، ويحدث الحب والعِشْق الذي يجمعهما ويمتزجان من خلاله. وهذا - كما قلنا - أثر من آثار كلمة الله التي اجتمعا عليها وتحت ظلها. وهكذا يلتقي الزوجان في راحة وهدوء نفسي، ويسكن كل منهما للآخر؛ لأن ذراتهما انسجمت وتآلفت؛ ويفرح الأهل ويسعد الجميع، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال في وصيته بالنساء: "حديث : إنما استحللتم فروجهن بكلمة الله " تفسير : وهذه الكلمة من الله تعالى الذي خلق الإنسان ويعلم ما يُصلحه ولك أنْ تتصورَ الحال إنْ تَمَّ هذا اللقاء فيما حَرَّم الله، وبدون هذه الكلمة وما يحدث فيه من تنافر الذرات وعدم انسجام ونكَدٍ ومرارة لا تنتهي، ما بقيتْ فيهما أنفاس الحياة. لذلك سمَّاه القرآن فاحشةً، والدليل على فُحْشه أن الموصوم به يحب ألاَّ يُعرف، وأن تظل جرائمه خِلْسة من المجتمع، وأن الذي يقترف هذه الفاحشة يكره أن تُفعلَ في محارمه، ويكفيها فُحْشاً أن الله تعالى سماها فاحشة، وشرع لها حداً يُقام على مرتكبها علانية أمام أعين الجميع. وقد عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الداء، حينما أتاه شاب يشتكي ضعفه أمام غريزته الجنسية، ويقول له: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، والنبي صلى الله عليه وسلم أتى بقضايا دينيه عامة للجميع، ولكن حين يعالج داءات المجتمع يعالج كل إنسان بما يناسبه، وعلى حَسْب ما فيه من داءات الضعف أمام شهوات نفسه. ويتضح لنا هذا المنهج النبوي في جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سُئِلَ كثيراً عن أفضل الأعمال، فقال لأحدهم: "حديث : الصلاة لوقتها ". تفسير : وقال لآخر: "حديث : أنْ تَلْقى أخاك بوجه طَلْق ". تفسير : وقال لآخر: "حديث : أنْ تَبرَّ أخاك ". تفسير : وهكذا تعددتْ الإجابات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصف مزيجاً عاماً يعطيه للجميع، بل يعطي لكل سائل الجرعة التي تُصلِح خللاً في إيمانه، كالطبيب الذي يهتم بعلاج مريضه، فيُجرى له التحاليل والفحوصات اللازمة؛ ليقف على موضع المرض ويصِف العلاج المناسب. فكيف استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشاب الذي جاءه يقول: يا رسول الله إنني أصلي وأصوم، وأفعل كل أوامر الدين إلا أنني لا أقدر على مقاومة هذه الغريزة؟ هل نهره واعتبره شاذاً، وأغلق الباب في وجهه؟ لا والله، بل اعتبره مريضاً جاء يطلب العلاج بعد أن اعترف بمرضه، والاعتراف بالمرض أولى خطوات الشفاء والعافية. وهذا الشاب ما جاء لرسول الله إلا وهو كاره لمرضه، وأول ظاهرة في العافية أن تعترف بمرضك، ولا تتكبر عليه، فإنْ تكبَّرتَ عليه استفحلَ واستعصى على العلاج. وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم شكوى هذا الشاب ظاهرة صحية في إيمانه؛ لأنه ما جاء يشكو إلا وهو كاره لهذه الجريمة، ويجد لها شيئاً في نفسه، وانظر كيف عالجه النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : أجلسه، ثم قال له: "يا أخا العرب أتحب هذا لأمك؟" فانتفض الشاب، وتغيَّر وجهه وقال: لا يا رسول الله جُعِلْتُ فِدَاك، فقال: "أتحبه لأختك؟ أتحبه لزوجتك؟ أتحبه لبناتك؟" والشاب يقول في كل مرة: لا يا رسول الله جُعِلْتُ فِدَاك. ثم قال صلى الله عليه وسلم: "وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم ولا لأخواتهم ولا لزوجاتهم ولا لبناتهم" ثم وضع يده الشريفة على صدر هذا الشاب ودعا له: "اللهم نَقِّ صدره، وحَصِّن فَرْجه" . تفسير : وانصرف الشاب وهو يقول: لقد خرجتُ من عند رسول الله وليس أكرَه عندي من الزنا، ووالله ما همَمْتُ بشيء من ذلك إلا وذكرْتُ أمي وأختي وزوجتي وبناتي. وما أشبه طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في علاج هذا الشاب بما يفعله أهل الصيدلة، فعندهم مصطلح يسمونه "برشمة المر"، فإن كان الدواء مُرّاً لا يستسيغه المريض غَلَّفوه بمادة سكرية حتى يمرَّ من منطقة التذوق، فلا يشعر المريض بمرارته. وقد جعل الخالق سبحانه منطقة التذوق في اللسان فحسب، دون غيره من الأعضاء التي يمرُّ بها الطعام، واللسان آية من آيات الله في خَلْق الإنسان، ومظهر من مظاهر قدرته سبحانه، حيث جعل فيه حلمات دقيقة يختصُّ كل منها بتذوُّق نوع من الطعام: فهذه للحلو، وهذه للمر، وهذه للحرِّيف، وهكذا، مع أنها مُتراصّة ومُلْتصقة بعضها ببعض. وكما تحدث برشمة الدواء الحسيِّ المر، كذلك يحدث في العلاجات الأدبية المعنوية، فيُغلِّف الناصح نصيحته ليقبلها المتلقي ويتأثر بها؛ لذلك قالوا: النصح ثقيل، فاستعيروا له خِفَّة البيان. وقالوا: الحقائق مُرّة، فلا ترسلوها جبلاً، ولا تجعلوها جدلاً. وعلى الناصح أن يراعي حال المنصوح، وأنْ يرفقَ به، فلا يجمع عليه قسوة الحرمان مما أَلِف مع قسوة النصيحة. وقد وضع لنا الحق سبحانه المنهج الدعوي الذي يجب أن نسير عليه في قوله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ..}تفسير : [النحل: 125]. ومن أدب النصيحة أيضاً الذي تعلَّمناه من النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون سِرَّاً، فليس من مصلحة أحد أنْ تُذاعَ الأسرار؛ لأن لها أثراً سلبياً في حياة المجتمع كله وفي المنصوح نفسه، فإنْ سترْتَ عليه في نصيحتك له كان أدعى إلى قبوله لما تقوله، وقديماً قالوا: مَنْ نصح أخاه سراً فقد ستره وَزَانَه، ومَنْ نصحه جَهْراً فقد فضحه وشَانَهُ. ثم يقول تعالى: {وَسَآءَ سَبِيلاً} [الإسراء: 32]. والسبيل هو الطريق الموصل لغاية، وغاية الحياة أننا مُسْتخلفون في الأرض، خلقنا الله لعمارتها والسعي فيها بما يُسعدنا جميعاً، ويعود علينا بالخير والصلاح، فإذا ضَلَّ الإنسانُ وانحرف عَمّا رسمه له ربه أفسد هذه الخلافة، وأشقى الدنيا كلها بدل أنْ يُسعدها. وأعتقد أن ما نشاهده الآن في بيئات الانحلال والانحراف، وما امتدَّ منهم إلى بلاد الإسلام من التفزيع والرعب يجعلنا نؤمن بأن الزنا فعلاً ساء سبيلاً، وساء طريقاً ومسلكاً، يقضي على سلامة المجتمع وأَمْنه وسعادته. ويكفي أنك إذا خرجتَ من بيتك في مهمة تستلزم المبيت تأخذ جميع لوازمك وأدواتك الشخصية، وتخاف من شبح العدوى الذي يطاردك في كل مكان، في الحجرة التي تدخلها، وفي السرير الذي تنام عليه، وفي دورة المياه التي تستعملها، الجميع في رُعْب وفي هلع، والإيدز ينتشر انتشار النار في الهشيم، وأصبح لا يسلَم منه حتى الأسوياء الأطهار. وما حدث هذا الفزع إلا نتيجة لخروج الإنسان عن منهج الله خروجاً جعل هذه المسألة فوضى لا ضابطَ لها، فأحدث الله لهم من الأمراض والبلايا بقدْر فجورهم وعصيانهم، وما داموا لم يأتُوا بالحسنى فليأتوا راغمين مُفزَّعين. لذلك العالم كله الآن يباشر مشروعات عِفَّة وطهارة، لا عن إيمان بشرع الله، ولكن عن خَوْف وهَلَع من أمراض شتَّى لا ترحم ولا تُفرِّق بين واحد وآخر. إذن: الزنا فاحشة وساء سبيلاً، وها هي الأحداث والوقائع تُثبت صِدْق هذه الآية، وتثبت أن أيّ خروج من الخَلْق عن منهج الخالق لن يكون وراءه إلا نَكَدُ الدنيا قبل أن ينتظرهم في الآخرة. والآن وقد ضمنَّا سلامة الأعراض، وضمنَّا طهارة النسل، وأصبح لدينا مجتمع طاهر سليم، يأْمَنُ فيه الإنسان على هذا الجانب، فلا بُدَّ إذن أن نحافظَ فيه على الأرواح، فلا يعتدي أحد على أحد، فيقول تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقّ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن: " من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه " خصوصا هذا الأمر الذي في كثير من النفوس أقوى داع إليه. ووصف الله الزنى وقبحه بأنه { كَانَ فَاحِشَةً } أي: إثما يستفحش في الشرع والعقل والفطر لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله وحق المرأة وحق أهلها أو زوجها وإفساد الفراش واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد. وقوله: { وَسَاءَ سَبِيلا } أي: بئس السبيل سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):