Verse. 2062 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِيْ حَرَّمَ اللہُ اِلَّا بِالْحَقِّ۝۰ۭ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّہٖ سُلْطٰنًا فَلَا يُسْرِفْ فِّي الْقَتْلِ۝۰ۭ اِنَّہٗ كَانَ مَنْصُوْرًا۝۳۳
Wala taqtuloo alnnafsa allatee harrama Allahu illa bialhaqqi waman qutila mathlooman faqad jaAAalna liwaliyyihi sultanan fala yusrif fee alqatli innahu kana mansooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه» لوارثه «سلطانا» تسلطا على القاتل «فلا يسرف» يتجاوز الحد «في القتل» بأن يقتل غير قاتله أو بغير ما قتل به «إنه كان منصورا».

33

Tafseer

الرازي

تفسير : هذا هو النوع الثاني مما نهى الله عنه في هذه الآية، وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إن أكبر الكبائر بعد الكفر بالله القتل، فما السبب في أن الله تعالى بدأ أولاً بذكر النهي عن الزنا وثانياً بذكر النهي عن القتل. وجوابه: أنا بينا أن فتح باب الزنا يمنع من دخول الإنسان في الوجود، والقتل عبارة عن إبطال الإنسان بعد دخوله في الوجود. ودخوله في الوجود مقدم على إبطاله وإعدامه بعد وجوده، فلهذا السبب ذكر الله تعالى الزنا أولاً ثم ذكر القتل ثانياً. المسألة الثانية: اعلم أن الأصل في القتل هو الحرمة المغلظة، والحل إنما يثبت بسبب عارضي، فلما كان الأمر كذلك لا جرم نهى الله عن القتل مطلقاً بناء على حكم الأصل، ثم استثنى عنه الحالة التي يحصل فيها حل القتل وهو عند حصول الأسباب العرضية فقال: {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } / فنفتقر ههنا إلى بيان أن الأصل في القتل التحريم، والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن القتل ضرر والأصل في المضار الحرمة لقوله: { أية : مَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78] {أية : ولا يريد بكم العسر}.تفسير : [البقرة:185] "حديث : ولا ضرر ولا ضرار".تفسير : الثاني: قوله عليه السلام: « حديث : الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب » تفسير : . الثالث: أن الآدمي خلق للاشتغال بالعبادة لقوله: { أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] ولقوله عليه السلام: « حديث : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً » تفسير : والاشتغال بالعبادة لا يتم إلا عند عدم القتل. الرابع: أن القتل إفساد فوجب أن يحرم لقوله تعالى: { أية : وَلاَ تُفْسِدُواْ } تفسير : [الأعراف: 85]. الخامس: أنه إذا تعارض دليل تحريم القتل ودليل إباحته فقد أجمعوا على أن جانب الحرمة راجح، ولولا أن مقتضى الأصل هو التحريم وإلا لكان ذلك ترجيحاً لا لمرجح وهو محال. السادس: أنا إذا لم نعرف في الإنسان صفة من الصفات إلا مجرد كونه إنساناً عاقلاً حكمنا فيه بتحريم قتله، وما لم نعرف شيئاً زائداً على كونه إنساناً لم نحكم فيه بحل دمه، ولولا أن أصل الإنسانية يقتضي حرمة القتل، وإلا لما كان كذلك فثبت بهذه الوجوه أن الأصل في القتل هو التحريم. وأن حله لا يثبت إلا بأسباب عرضية. وإذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكم بأن الأصل في القتل هو التحريم فقال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } فقوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ } نهي وتحريم، وقوله: {حَرَّمَ ٱللَّهُ } إعادة لذكر التحريم على سبيل التأكيد، ثم استثنى عنه الأسباب العرضية الاتفاقية فقال: {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } ثم ههنا طريقان: الطريق الأول: أن مجرد قوله: {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } مجمل لأنه ليس فيه بيان أن ذلك الحق ما هو وكيف هو؟ ثم إنه تعالى قال: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } أي في استيفاء القصاص من القاتل، وهذا الكلام يصلح جعله بياناً لذلك المجمل، وتقريره كأنه تعالى قال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } وذلك الحق هو أن من قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً في استيفاء القصاص. وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من الحق هذه الصورة فقط، فصار تقدير الآية: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا عند القصاص، وعلى هذا التقدير فتكون الآية نصاً صريحاً في تحريم القتل إلا بهذا السبب الواحد، فوجب أن يبقى على الحرمة فيما سوى هذه الصورة الواحدة. والطريق الثاني: أن نقول: دلت السنة على أن ذلك الحق هو أحد أمور ثلاثة: وهو قوله عليه السلام: « حديث : لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق » تفسير : . واعلم أن هذا الخبر من باب الآحاد. فإن قلنا: إن قوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } تفسير لقوله: {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } كانت الآية صريحة في أنه لا يحل القتل إلا بهذا السبب الواحد، فحينئذ يصير هذا الخبر مخصصاً لهذه الآية ويصير ذلك فرعاً لقولنا: إنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وأما إن قلنا: إن قوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } ليس تفسيراً لقوله: {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } فحينئذ يصير هذا الخبر مفسراً للحق المذكور في الآية، وعلى هذا التقدير لا يصير هذا فرعاً على مسألة جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. فلتكن هذه الدقيقة معلومة، والله أعلم. المسألة الثالثة: ظاهر هذه الآية أنه لا سبب لحل القتل إلا قتل المظلوم، وظاهر الخبر يقتضي ضم شيئين آخرين إليه: وهو الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، ودلت آية أخرى على حصول سبب رابع وهو قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ } تفسير : [المائدة: 33] ودلت آية أخرى على حصول سبب خامس وهو الكفر. قال تعالى: { أية : قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } تفسير : [التوبة: 29] وقال: { أية : وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [النساء: 89] والفقهاء تكلموا واختلفوا في أشياء أخرى فمنها: أن تارك الصلاة هل يقتل أم لا؟ فعند الشافعي رحمه الله يقتل، وعن أبي حنيفة رحمه الله لا يقتل. وثانيها: أن فعل اللواط هل يوجب القتل؟ فعند الشافعي يوجب، وعند أبي حنيفة لا يوجب. وثالثها: أن الساحر إذا قال: قتلت بسحري فلاناً فعند الشافعي يوجب القتل، وعند أبي حنيفة لا يوجب. ورابعها: أن القتل بالمثقل هل يوجب القصاص؟ فعند الشافعي يوجب. وعند أبي حنيفة لا يوجب. وخامسها: أن الامتناع من أداء الزكاة هل يوجب القتل أم لا؟ اختلفوا فيه في زمان أبي بكر. وسادسها: أن إتيان البهيمة هل يوجب القتل، فعند أكثر الفقهاء لا يوجب، وعند قوم يوجب، حجة القائلين بأنه لا يجوز القتل في هذه الصور هو أن الآية صريحة في منع القتل على الإطلاق، إلا لسبب واحد وهو قتل المظلوم، ففيما عدا هذا السببب الواحد، وجب البقاء على أصل الحرمة، ثم قالوا: وهذا النص قد تأكد بالدلائل الكثيرة الموجبة لحرمة الدم على الإطلاق، فترك العمل بهذه الدلائل لا يكون إلا لمعارض، وذلك المعارض إما أن يكون نصاً متواتراً أو نصاً من باب الآحاد أو يكون قياساً، أما النص المتواتر فمفقود، وإلا لما بقي الخلاف، وأما النص من باب الآحاد فهو مرجوح بالنسبة إلى هذه النصوص المتواترة الكثيرة، وأما القياس فلا يعارض النص. فثبت بمقتضى هذا الأصل القوي القاهر أن الأصل في الدماء الحرمة إلا في الصور المعدودة، والله أعلم. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً فَلاَ يُسْرِف } فيه بحثان: البحث الأول: أن هذه الآية تدل على أنه أثبت لولي الدم سلطاناً، فأما بيان أن هذه السلطنة تحصل فيما ذا فليس في قوله: {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } دلالة عليه ثم ههنا طريقان: الأول: أنه تعالى لما قال بعده: {فَلاَ يُسْرِف في ٱلْقَتْلِ } عرف أن تلك السلطنة إنما حصلت في استيفاء القتل، وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } فلا ينبغي أن يسرف الظالم في ذلك القتل، لأن ذلك المقتول منصور بواسطة إثبات هذه السلطنة لوليه. والثاني: أن تلك السلطنة مجملة ثم صارت مفسرة بالآية والخبر، أما الآية فقوله تعالى في سورة البقرة: {أية : يـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } تفسير : إلى قوله: { أية : فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء فَٱتِبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ } تفسير : [البقرة: 178] وقد بينا في تفسير هذه الآية أنها تدل على أن الواجب هو كون المكلف مخيراً بين القصاص وبين الدية. وأما الخبر فهو قوله عليه السلام يوم الفتح: « حديث : من قتل قتيلاً فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية » تفسير : وعلى هذا الطريق فقوله: {فَلاَ يُسْرِف في ٱلْقَتْلِ } معناه: أنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص إن شاء، وسلطنة استيفاء الدية إن شاء. قال بعده: {فَلاَ يُسْرِف في ٱلْقَتْلِ } معناه أن الأولى أن لا يقدم على استيفاء القتل وأن يكتفي بأخذ الدية أو يميل إلى العفو وبالجملة فلفظة «في» محمولة على الباء، والمعنى: فلا يصير مسرفاً بسبب إقدامه على القتل ويصير معناه الترغيب في العفو والاكتفاء بالدية كما قال: { أية : وَأَن تَعْفُو أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [البقرة: 237]. البحث الثاني: أن في قوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا } ذكر كونه مظلوماً بصيغة التنكير، وصيغة التنكير على ما عرف تدل على الكمال، فالإنسان المقتول ما لم يكن كاملاً في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص. قال الشافعي رحمه الله: قد دللنا على أن المسلم إذا قتل الذمي لم يدخل تحت هذه الآية، بدليل أن الذمي مشرك والمشرك يحل دمه، إنما قلنا: إنه مشرك لقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 116] حكم بأن ما سوى الشرك مغفور في حق البعض، فلو كان كفر اليهودي والنصراني شيئاً مغايراً للشرك لوجب أن يصير مغفوراً في حق بعض الناس بمقتضى هذه الآية، فلما لم يصر مغفوراً في حق أحد دل على أن كفرهم شرك، ولأنه تعالى قال: { أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ } تفسير : [البقرة: 73] فهذا التثليث الذي قال به هؤلاء، إما أن يكون تثليثاً في الصفات وهو باطل، لأن ذلك هو الحق وهو مذهب أهل السنة والجماعة فلا يمكن جعله تثليثاً للكفر، وإما أن يكون تثليثاً في الذوات، وذلك هو الحق ولا شك أن القائل به مشرك، فثبت أن الذمي مشرك، وإنما قلنا: إن المشرك يجب قتله لقوله تعالى: { أية : فٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 5] ومقتضى هذا الدليل إباحة دم الذمي فإن لم تثبت الإباحة فلا أقل من حصول شبهة الإباحة. وإذا ثبت هذا فنقول: ثبت أنه ليس كاملاً في المظلومية فلم يندرج تحت قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } وأما الحر إذا قتل عبداً فهو داخل تحت هذه الآية إلا أنا بينا أن قوله: { أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ } تفسير : [البقرة: 178] يدل على المنع من قتل الحر بالعبد من وجوه كثيرة وتلك الآية أخص من قوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } والخاص مقدم على العام، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص ولا في مسألة أنه يجب قتل المسلم بالذمي، ولا في مسألة أنه يجب قتل الحر بالعبد، والله أعلم. أما قوله تعالى: {فَلاَ يُسْرِف في ٱلْقَتْلِ } ففيه مباحث: البحث الأول: فيه وجوه: الأول: المراد هو أن يقتل القاتل وغير القاتل، وذلك لأن الواحد منهم إذا قتل واحداً من قبيلة شريفة فأولياء ذلك المقتول كانوا يقتلون خلقاً من القبيلة الدنيئة فنهى الله تعالى عنه وأمر بالاقتصار على قتل القاتل وحده. الثاني: هو أن لا يرضى بقتل القاتل فإن أهل الجاهلية كانوا يقصدون أشراف قبيلة القاتل ثم كانوا يقتلون منهم قوماً معينين ويتركون القاتل. والثالث: هو أن لا يكتفي بقتل القاتل بل يمثل به ويقطع أعضاؤه. قال القفال: ولا يبعد حمله على الكل، لأن جملة هذه المعاني مشتركة في كونها إسرافاً. البحث الثاني: قرأ الأكثرون: {فَلاَ يُسْرِف } بالياء وفيه وجهان: الأول: التقدير: فلا ينبغي أن يسرف الولي في القتل. الثاني: أن الضمير للقاتل الظالم ابتداء، أي فلا ينبغي أن يسرف ذلك الظالم وإسرافه عبارة عن إقدامه على ذلك القتل الظلم، وقرأ حمزة والكسائي: {فَلا تسرف} بالتاء على الخطاب، وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الخطاب للمبتدىء القاتل ظلماً كأنه قيل له: لا تسرف أيها الإنسان، وذلك الإسراف هو إقدامه على ذلك القتل الذي هو ظلم محض، والمعنى: لا تفعل فإنك إن قتلته مظلوماً استوفى القصاص منك. والآخر: أن يكون الخطاب للولي فيكون التقدير: لا تسرف في القتل أيها الولي، أي اكتف باستيفاء القصاص ولا تطلب الزيادة. وأما قوله: {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } ففيه ثلاثة أوجه: الأول: كأنه قيل للظالم المبتدىء بذلك القتل على سبيل الظلم لا تفعل ذلك، فإن ذلك المقتول يكون منصوراً في الدنيا والآخرة، أما نصرته في الدنيا فبقتل قاتله، وأما في الآخرة فبكثرة الثواب له وكثرة العقاب لقاتله. والقول الثاني: أن هذا الولي يكون منصوراً في قتل ذلك القاتل الظالم فليكتف بهذا القدر فإنه يكون منصوراً فيه ولا ينبغي أن يطمع في الزيادة منه، لأن من يكون منصوراً من عند الله يحرم عليه طلب الزيادة. والقول الثالث: أن هذا القاتل الظالم ينبغي أن يكتفي باستيفاء القصاص وأن لا يطلب الزيادة. واعلم أن على القول الأول والثاني ظهر أن المقتول وولي دمه يكونان منصورين من عند الله تعالى وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قلت لعلي بن أبي طالب عليه السلام وأيم الله ليظهرن عليكم ابن أبي سفيان، لأن الله تعالى يقول: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } وقال الحسن: والله ما نصر معاوية على علي عليه السلام إلا بقول الله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً }، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ} قد مضى الكلام فيه في الأنعام. قوله تعالى:{وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً}. فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً} أي بغير سبب يوجب القتل. {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ} أي لمستحِق دمه. قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: الولِيّ يجب أن يكون ذكراً؛ لأنه أفرده بالولاية بلفظ التذكير. وذكر إسماعيل بن إسحاق في قوله تعالى: «فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ» ما يدل على خروج المرأة عن مطلق لفظ الوليّ، فلا جَرَم، ليس للنساء حق في القصاص لذلك ولا أثر لعَفْوِها، وليس لها الاستيفاء. وقال المخالف: إن المراد ها هنا بالولي الوارث؛ وقد قال تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 71]، وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الأنفال: 72]، وقال: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنفال: 75] فاقتضى ذلك إثبات القود لسائر الورثة؛ وأمّا ما ذكروه من أن الولي في ظاهره على التذكير وهو واحد، كأن ما كان بمعنى الجنس يستوي المذكر والمؤنث فيه، وتتمته في كتب الخلاف. {سُلْطَاناً} أي تسليطاً إن شاءَ قتل وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدِّية؛ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك وأشهب والشافعي. وقال ابن وهب قال مالك: السلطانُ أمر الله. ابن عباس: السلطان الحجة. وقيل: السلطان طلبه حتى يدفع إليه. قال ابن العربي: وهذه الأقوال متقاربة، وأوضحها قول مالك: إنه أمر الله. ثم إن أمر الله عز وجل لم يقع نَصًّا فاختلف العلماء فيه؛ فقال ابن القاسم عن مالك وأبي حنيفة: القتل خاصّةً. وقال أشهب: الخيرة؛ كما ذكرنا آنفاً، وبه قال الشافعيّ. وقد مضى في سورة «البقرة» هذا المعنى. الثانية: قوله تعالى: {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ} فيه ثلاثة أقوال: لا يقتل غير قاتله؛ قاله الحسن والضحاك ومجاهد وسعيد بن جبير. الثاني: لا يقتل بدل وَلِيّه اثنين كما كانت العرب تفعله. الثالث: لا يمثّل بالقاتل؛ قاله طَلْق بن حبيب، وكله مراد لأنه إسراف منهيٌّ عنه. وقد مضى في «البقرة» القول في هذا مستوفًى. وقرأ الجمهور «يُسْرِف» بالياء، يريد الولي، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «تسرف» بالتاء من فوق، وهي قراءة حُذيفة. وروى العلاء بن عبد الكريم عن مجاهد قال: هو للقاتل الأوّل، والمعنى عندنا فلا تسرف أيها القاتل. وقال الطبريّ: هو على معنى الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والأئمة من بعده. أي لا تقتلوا غير القاتل. وفي حرف أُبَيٍّ «فلا تسرِفوا فِي القتلِ». الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} أي مُعاناً، يعني الوليّ. فإن قيل: وكم من وَلِيّ مخذول لا يصل إلى حقّه. قلنا: المعونة تكون بظهور الحجة تارة وباستيفائها أخرى، وبمجموعهما ثالثة، فأيّها كان فهو نصر من الله سبحانه وتعالى. وروى ابن كثير عن مجاهد قال: إن المقتول كان منصوراً. النحاس: ومعنى قوله إن الله نصره بوليّه. وروي أنه في قراءة أبَيٍّ «فلا تسرِفوا فِي القتلِ إِن وَلِيّ المقتولِ كان منصوراً». قال النحاس: الأبْيَنُ بالياء ويكون للوليّ؛ لأنه إنما يقال: لا يسرف إن كان له أن يقتل، فهذا للوليّ. وقد يجوز بالتاء ويكون للوليّ أيضاً، إلا أنه يحتاج فيه إلى تحويل المخاطبة. قال الضحاك: هذا أوّل ما نزل من القرآن في شأن القتل، وهي مكية.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ناهياً عن قتل النفس بغير حق شرعي، كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة»تفسير : . وفي السنن: «حديث : لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم»تفسير : . وقوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـٰناً} أي: سلطة على القاتل، فإنه بالخيار فيه، إن شاء قتله قوداً، وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه مجاناً، كما ثبتت السنة بذلك، وقد أخذ بالخيار الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة ولاية معاوية السلطنة أنه سيملك؛ لأنه كان ولي عثمان، وقد قتل مظلوماً رضي الله عنه، وكان معاوية يطالب علياً رضي الله عنه أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم؛ لأنه أموي، وكان علي رضي الله عنه يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطلب علي من معاوية أن يسلمه الشام، فيأبى معاوية ذلك، حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع علياً هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة، تمكن معاوية وصار الأمر إليه، كما قاله ابن عباس واستنبطه من هذه الآية الكريمة، وهذا من الأمر العجب. وقد روى ذلك الطبراني في معجمه حيث قال: حدثنا يحيى بن عبد الباقي، حدثنا أبو عمير بن النحاس، حدثنا ضمرة بن ربيعة عن ابن شودب عن مطر الوراق، عن زهدم الجرمي قال: كنا في سمر ابن عباس، فقال: إني محدثكم بحديث ليس بسر ولا علانية: إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان [يعني: عثمان]، قلت لعلي: اعتزل، فلو كنت في جحر، طلبت حتى تستخرج، فعصاني، وايم الله ليتأمرن عليكم معاوية، وذلك أن الله يقول: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـٰناً فَلاَ يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ} الآية، وليحملنكم قريش على سنة فارس والروم، وليقيمن عليكم النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذ بما يعرف نجا، ومن ترك - وأنتم تاركون - كنتم كقرن من القرون، هلك فيمن هلك. وقوله: {فَلاَ يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ} قالوا: معناه فلا يسرف الولي في قتل القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل. وقوله: {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} أي: إن الولي منصور على القاتل شرعاً، وغالباً قدراً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ } لوارثه {سُلْطَٰناً } تسلّطاً على القاتل {فَلاَ يُسْرِف } يتجاوز الحدّ {فِّى ٱلْقَتْلِ } بأن يقتل غير قاتله أو بغير ما قتل به {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ولا تقتلوا النفس التي حَرَّم الله إلاَّ بالحق} يعني إلا بما تستحق به القتل. {ومَن قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه القود، قاله قتادة. الثاني: أنه الخيار بين القود أو الدية أو العفو، وهذا قول ابن عباس والضحاك. الثالث: فقد جعلنا لوليه سلطاناً ينصره وينصفه في حقه. {فلا يُسْرِف في القَتل} فيه قولان: أحدهما: فلا يسرف القاتل الأول في القتل تعدياً وظلماً، إن وليّ المقتول كان منصوراً، قاله مجاهد. الثاني: فلا يسرف وليّ المقتول في القتل. وفي إسرافه أربعة أوجه: أحدها: أن يقتل غير قاتله، وهذا قول طلق بن حبيب. الثاني: أن يمثل إذا اقتص، قاله ابن عباس. الثالث: أن يقتل بعد أخذ الدية، قاله يحيى. الرابع: أن يقتل جماعة بواحد، قاله سعيد بن جبير وداود. {إنه كان منصوراً} فيه وجهان: أحدهما: أن الولي كان منصوراً بتمكينة من القود، قاله قتادة. الثاني: أن المقتول كان منصوراً بقتل قاتله، قاله مجاهد.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْحَقِّ} بما يستحق به القتل. {سُلْطَاناً} بالقود، أو بالتخيير بين القود والدية والعفو {فَلا يُسْرِف} يقتل غير القاتل، أو يقتل الجماعة بالواحد {إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً} إن الولي، أو القتيل كان منصوراً بقتل قاتله.

ابن عادل

تفسير : فقوله جلَّ ذكره: {إِلاَّ بِٱلحَقِّ} أي: إلا بسبب الحقِّ، فيتعلق بـ "لا تَقْتلُوا" ويجوز أن يكون حالاً من فاعل "لا تَقْتلُوا" أو من مفعوله، أي: لا تقتلوا إلا ملتبسين بالحقِّ أو إلاَّ ملتبسة بالحقِّ، ويجوز أن يكون نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إلاَّ قتلاً ملتبساً بالحقِّ. فصل والحقُّ المبيح للقتل هو قوله - صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : لا يحلُّ دمُ امرىء مسلم إلاَّ بإحدى ثلاثٍ: رجُلٌ كفر باللهِ بعد إيمانه، أو زنى بعد أحصانهِ، أو قَتلَ نفْساً بِغيْرِ نَفْسٍ ". تفسير : فإن قيل: إنَّ أكبر الكبائر بعد الكفر بالله سبحانه وتعالى هو القتل، فما السبب في أنه تعالى بدأ بالنَّهي عن الزنا، ثم نهى بعده عن القتل. فالجواب: أنَّا بيَّنا أنَّ فتح باب الزِّنا يمنعُ دخول الإنسان في الوجود، والقتل يدلُّ على إعدامه، ودخوله في الوجود مقدَّم على إعدامه بعد وجوده؛ فلهذا ذكر الزِّنا أولاً، ثم ذكر بعده القتل. واعلم أنَّ الأصل في القتل هو التحريم، والحلُّ إنما ثبت بسببٍ عارضٍ؛ فذلك نهى عن القتل بناء على حكم الأصل، ثم استثنى منه الحالة التي يباح فيها القتل، وهو عند حصول الأسباب العرضيَّة، فقال: {إِلاَّ بِٱلحَقِّ} ويدل على أنَّ الأصل في القتل التحريم وجوهٌ: أحدها: أن القتل ضررٌ، والأصل في المضارِّ الحرمة، قال - صلوات الله وسلم عليه -: "حديث : لا ضَررَ، ولا ضِرارَ ". تفسير : وثانيها: قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الآدَمِيُّ بُنيَانُ الربِّ، مَلعُونٌ من هَدمَ بُنْيانَ الربِّ ". تفسير : وثالثها: أن الآدميَّ خلق للعبادة، لقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] والعبادة لا تتمُّ إلاَّ بعدم القتل. ورابعها: أنَّ القتل إفساد، فحرم؛ لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُفْسِدُواْ} تفسير : [الأعراف: 56]. وخامسها: إذا تعارض دليل تحريم القتل، ودليل إباحته، فالإجماع على أنَّ جانب الحرمة راجح، ولولا أنَّ مقتضى الأصل هو التحريمُ، وإلاَّ لكان ذلك ترجيحاً لا لمرجحٍ، وهو محالٌ. وإذا علم أنَّ الأصل في القتل هو التحريم، فقوله: "ولا تَقْتلُوا" نهيٌ وتحريمٌ. وقوله: "حَرَّمَ الله" إعادة لذكر التحريم على سبيل التاكيد، ثم استثنى عنه الأسباب العرضيَّة، فقال: إلاَّ بالحقِّ، وها هنا طريقان: الطريق الأول: أن قوله "إلاَّ بالحقِّ" مجمل ليس فيه بيان أن ذلك الحقَّ ما هو، ثم قال تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} أي: في حقِّ استيفاء القصاص؛ فوجب أن يكون المراد من الحقِّ هذه الصورة فقط، فتكون الآية نصًّا صريحاً في تحريم القتل، إلا بهذا السبب الواحد. الطريق الثاني: أن نقول: دلَّت السنة على أنَّ ذلك الحقَّ هو أحد الأمور الثلاثة المتقدَّمة في الخبر. واعلم أن الخبر من باب الآحادِ، فإن قلنا: إنَّ قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} بيان لذلك الحقِّ، كانت الآية صريحة في أنه لا يحلُّ القتل إلاَّ بهذا السبب الواحد، وحينئذٍ: يصير الخبر مخصِّصاً للآية، ويصير فرعاً لقولنا بصحَّة تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وإن قلنا بأن قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} ليس بياناً لذلك الحقِّ، فحينئذ يصير الخبر مفسِّراً للحقِّ المذكور في الآية، وعلى هذا لا يصير فرعاً على جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وهو تنبيهٌ حسنٌ. فصل في ظاهر الآية ظاهر الآية يقتضي أنَّه لا سبيل لحلِّ القتل إلاَّ قتلُ المظلوم، وظاهر الخبر يقتضي ضمَّ شيئين آخرين إليه، وهو الكفر بعد الإيمان، والزِّنا بعد الإحصان، ودلَّت آية أخرى على حصول سبب رابع، وهو قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ} تفسير : [المائدة: 33] ودلَّت آية أخرى على سبب خامسٍ، وهو الكفر الأصلي، قال الله تعالى: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تفسير : [التوبة: 29]. وقال تعالى: {أية : وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [النساء: 89]. واختلف الفقهاء في أشياء أخرى: منها: تاركُ الصلاة، فعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - لا يقتل، وعند الشافعي وأحمد - رضي الله عنهما -: يقتل. وثانيها: اللاَّئط: فعند الشافعيِّ: يقتل، وعند بعضهم: لا يقتل. وثالثها: السَّاحر، إذا قال: قتلتُ بسحري فلاناً، فعند أبي حنيفة: لا يقتل، وعند بعضهم: يقتل. ورابعها: القتل بالمثقَّل عند الشافعيِّ: يوجب القصاص، وعند أبي حنيفة: لا يوجب. وخامسها: الانتماع من أداء الزَّكاة، اختلفوا فيه في زمان أبي بكر - رضي الله عنه -. وسادسها: إتيانُ البهيمة أوجب فيه بعضهم القتل، ولم يوجبه الباقون، وحجَّة القائلين بعدم وجوب القتل في هذه الصورة هو أنَّ هذه الآية صريحة في تحريم القتل على الإطلاق إلاَّ لسببٍ واحدٍ، وهو قتل المظلوم، ففيما عداه يجب البقاء على أصل التحريم. وأيضاً: فالخبر المذكور يوجب حصر أسباب الحلِّ في تلك الثلاثة، ففيما عداها يجبُ البقاء على أصل الحرمة، ثم قالوا: وبهذا النصِّ قد تأكَّد بالدلائل الكثيرة الموجبة لحرمة الدَّم على الإطلاق، فترك العمل بهذه الدلائل لا يكون إلا لمعارضٍ، وذلك المعارض: إمَّا أن يكون نصّاً متواتراً أو نصّاً من باب الآحادِ، أو قياساً، والنص المتواترُ مفقودٌ، وإلاَّ لما بقي الخلافُ. وأما النصُّ من باب الآحادِ، فهو مرجوحٌ بالنسبة إلى هذه النصوص الكثيرة؛ لأنَّ الظنَّ المستفاد من النصوصِ الكثيرة أعظم من الظنِّ المستفاد من خبرٍ واحدٍ. وأما القياسُ: فلا يعارض النصَّ، فثبت بمقتضى هذا الأصل القويِّ: أنَّ الأصل في الدماءِ الحرمةُ إلاَّ في الصور المعدودة. قوله سبحانه وتعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} فيه بحثان: البحث الأول: هذه الآية تدلُّ على أنَّه أثبت لوليِّ الدم سلطاناً. فأمَّا بيان هذه السلطنة فيماذا، فليس في قوله: {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} دلالة عنه، ثم ها هنا طريقان: الأول: أنَّ قوله تعالى يعده: {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ} يدل على أن تلك السلطنة هس فس استيفاء القتل، وهذا ضعيفٌ؛ لاحتمال أن سكون المراد: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} فلا ينبغي أن يسرف ذلك القاتل الظالمُ في ذلك القتل؛ لأنَّ ذلك المقتول منصورٌ؛ لثبوت السَّلطنة لوليه. والطريق الثاني: أن تلك السلطنة مجملة، ثم فسِّرت بالآية والخبر. أما الآية: فقوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى}تفسير : [البقرة: 178] إلى قوله: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} تفسير : [البقرة: 178]. وقد بينَّا على أنَّها تدل على أن الواجب تخيير الوليِّ بين القصاص والدية. وأمَّا الخبر: فقوله - صلوات الله وسلامه عليه - يوم الفتح "حديث : مَن قُتِلَ لَهُ قَتيلٌ، فهو بِخَيْرِ النَّظرينِ: إمَّا أن يُقتلَ، وإمَّا أن يُفْدَى ". تفسير : فعلى هذا: فمعنى قوله: {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ} أنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص، وسلطنة استيفاء الدِّية، إن شاء، قال بعده {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ} أي أنَّ الأولى ألاَّ يقتصّ، ويكتفي بأخذ الدية أو يعفو، كقوله تعالى: {أية : وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [البقرة: 237]. والبحث الثاني: ذكر كونه مظلوماً بصيغة التنكير، والتنكير يدلُّ على الكمالِ، فما لم يكن المقتول كاملاً في وصف المظلوميَّة لم يدخل تحت هذا النصِّ، فالمسلمُ إذا قتل الذميَّ، لم يدخل تحت هذه الآية؛ لأنَّ الذميَّ مشركٌ، والمشرك يحلُّ دمه. ويدلُّ على أن الذمِّي مشركٌ قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} تفسير : [النساء: 116]. حكم بأنَّ ما سوى الشِّرك يغفر في حقِّ البعض، فلو كان كفر اليهوديِّ والنصرانيِّ مغايراً للشِّرك، وجب أن يغفر في حقِّ بعض الناس لهذه الآية، فلما لم يغفر في حقِّ أحد، دلَّ على أنّ كفرهم شركٌ، ولأنه تعالى قال: {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} تفسير : [المائدة: 73] فهذا التثليثُ الذي قال به هؤلاء: إمَّا أن يكون تثليثاً في الصفات، وهو باطلٌ؛ لأنَّ ذلك هو الحق، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، فلا يمكنُ جعله سبباً للكفر، وإمَّا أن يكون تثليثاً في الذَّوات، وذلك هو الشرك، فثبت أن الذميَّ مشركٌ، والمشرك يجب قتله؛ لقوله تعالى: {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 36] فاقتضى هذا الدليل إباحة دمِ الذميِّ، فإن لم تثبت الإباحة، فلا أقلَّ من حصول شبهة الإباحة. وإذا ثبت هذا، ثبت أنه ليس كاملاً في المظلوميَّة، فلم يندرج تحت قوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً}. وأما الحرُّ، إذا قتل عبداً، فيدخل تحت هذا، إلاَّ أنَّا بيَّنا أن قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ} تفسير : [البقرة: 178] يدلُّ على المنع من قتل الحرِّ بالعبد، وتلك الآية أخص من قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} والخاصُّ مقدَّم على العام؛ فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسُّك بها في مسألة أنَّ موجب العمد هو القصاص، ولا في وجوب قتل المسلم بالذميِّ، ولا في وجوب قتل الحرِّ بالعبد. فصل في المراد بالإسراف في معنى الإسراف وجوهٌ: الأول: أن يقتل القاتل وغير القاتل، وذلك أنَّ أولياء المقتول كانوا إذا قتل واحدٌ من قبيلة شريفةٍ، قتلوا خلقاً من القبيلة الدنيئة، فنهى الله عنه وحكم بقتل القاتل وحده. الثاني: أنَّ الإسراف هو ألا يرضى بقتل القاتل؛ فإنَّ أهل الجاهلية كانوا يقصدون أشرف القبائل، ثمَّ يقتلون منه قوماً معيَّنين، ويتركون القاتل. والثالث: الإسرافُ هو ألاَّ يكتفي بقتل القاتل، بل يقتله ثم يمثِّل به، ويقطع أعضاءه. قال القفَّال - رحمه الله -: ولا يبعد حمله على الكلِّ، لأنَّ جملة هذه المعاني مشتركة في كونها إسرافاً. فصل قرأ حمزة والكسائي: "تُسْرِفْ" بالخطاب، وهي تحتمل وجهين: أحدهما: الخطاب للوليِّ، أي: لا تقتل الجماعة بالواحدِ، أو السلطان، رجع إلى مخاطبته بعد أن أتى به عامًّا. والثاني: أن يكون الخطابُ للمبتدىء القتل، أي: لا تسرف أيُّها الإنسان؛ لأنَّ إقدامه على ذلك القتلِ ظلمٌ محضٌ، وهو إسرافٌ. والباقون بالغيبة، وهي تحتمل ما تقدم في قراءةِ الخطاب. وقرأ أبو مسلم برفع الفعل على أنَّه خبر في معنى النهي؛ كقوله تعالى: {أية : فَلاَ رَفَثَ} تفسير : [البقرة: 197]. وقيل: "في" بمعنى الباء، أي: بسبب القتلِ. قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً}. قال مجاهدٌ: الهاءُ راجعةٌ إلى المقتول في قوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً} أي: أنَّ المقتول منصور في الدنيا بإيجاب القودِ على قاتله، وفي الآخرة بتكفير خطاياه، وإيجاب النَّار لقاتله. وقال قتادة: الهاء راجعةٌ إلى وليِّ المقتول، أو إلى السلطان، أي أنَّه منصورٌ على القاتل باستيفاء القصاص، أو الدِّية، فليكتفِ بهذا القدر، ولا يطمع في الزيادة. وقيل: الهاءُ راجعة إلى القاتل الظالم، أي أنَّ القاتل يكتفى منه باستيفاء القصاص، ولا يطلب منه زيادة؛ لأنَّه منصورٌ من الله تعالى في تحريم طلب الزيادة منه، أو أنَّه إذا عوقب في الدنيا، نُصِرَ في الآخرةِ. وقيل: الهاء راجعةٌ إلى الذَّم، أو قيل: إلى الحقِّ، روى ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قلت لعليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -: وايْمُ الله ليَظْهرنَّ عَليْكُم ابنُ أبي سفيان؛ لأنّ الله تعالى يقول: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} فقال الحسنُ: والله، ما نُصِرَ معاوية على عليٍّ إلاَّ بقولِ الله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ كان هذا بمكة والنبي صلى الله عليه وسلم بها، وهو أول شيء نزل من القرآن في شأن القتل‏. ‏‏حديث : كان المشركون من أهل مكة يغتالون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏: ‏"من قتلكم من المشركين، فلا يحملنكم قتله إياكم على أن تقتلوا له أباً، أو أخاً، وأحداً من عشيرته، وإن كانوا مشركين فلا تقتلوا إلا قاتلكم‏"‏ تفسير : وهذا قبل أن تنزل براءة، وقبل أن يؤمروا بقتال المشركين‏.‏ فذلك قوله‏:‏ ‏ {‏فلا يسرف في القتل‏} ‏ يقول‏:‏ لا تقتل غير قاتلك، وهي اليوم على ذلك الموضع من المسلمين، لا يحل لهم أن يقتلوا إلا قاتلهم‏. وأخرج البيهقي في سننه، عن زيد بن أسلم رضي الله عنه‏:‏ أن الناس في الجاهلية كانوا إذا قتل الرجل من القوم رجلاً، لم يرضوا حتى يقتلوا به رجلاً شريفاً، إذا كان قاتلهم غير شريف، لم يقتلوا قاتلهم وقتلوا غيره، فوعظوا في ذلك بقول الله‏:‏ ‏ {‏ولا تقتلوا النفس‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏فلا يسرف في القتل‏}‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا‏ً} ‏ قال‏:‏ بينة من الله أنزلها يطلبها ولي المقتول القود أو العقل، وذلك السلطان‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏فلا يسرف في القتل‏} ‏ قال‏:‏ لا يكثر من القتل‏. وأخرج ابن المنذر من طريق أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏فلا يسرف في القتل‏} ‏ قال‏:‏ لا يقتل إلا قاتل رحمه‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه، عن طلق بن حبيب في قوله‏:‏ ‏{‏فلا يسرف في القتل‏}‏ قال‏:‏ لا يقتل غير قاتله، ولا يمثل به‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فلا يسرف في القتل‏} ‏ قال‏:‏ لا يقتل اثنين بواحد‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فلا يسرف في القتل‏}‏ قال‏:‏ لا يقتل غير قاتله‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏فلا يسرف في القتل‏} ‏ قال‏:‏ من قَتَلَ بحديدة قُتِلَ بحديدة، ومن قَتَلَ بخشبة قُتِلَ بخشبة، ومن قَتَلَ بحجر قُتِلَ بحجر، ولا يقتل غير قاتله‏. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : أعق الناس قتلة أهل الإيمان‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود، عن سمرة بن جندب وعمران بن حصين قالا‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة‏. وأخرج ابن أبي شيبة، عن يعلى بن مرة - رضي الله عنه - قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ قال الله‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تمثلوا بعبادي ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا‏ً}‏ يقول‏:‏ ينصره السلطان حتى ينصفه من ظالمه‏.‏ ومن انتصر لنفسه دون السلطان، فهو عاص مسرف قد عمل بحمية أهل الجاهلية، ولم يرض بحكم الله تعالى‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏إنه كان منصورا‏ً}‏ قال‏:‏ إن المقتول كان منصورا‏ً. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن الكسائي قال‏:‏ هي قراءة أبي بن كعب ‏"‏فلا تسرفوا في القتل ان وليه كان منصورا‏ً"‏‏. وأخرج الطبراني وابن عساكر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ إنه لما كان من أمر هذا الرجل، ما كان، يعني عثمان، قلت لعلي رضي الله عنه اعتزل، فلو كنت في جحر طلبت حتى تستخرج، فعصاني، وايم الله ليتأمرن عليكم معاوية، وذكر أن الله تعالى يقول‏:‏ ‏ {‏ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً‏}‏‏. وأخرج ابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن‏} ‏ قال‏:‏ كانوا لا يخالطونهم في مال، ولا مأكل، ولا مركب، حتى نزلت {أية : ‏وإن تخالطوهم فإخوانكم‏}‏ ‏تفسير : [‏البقرة: 220‏]‏‏.

ابو السعود

تفسير : {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ} قتْلَها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد {إِلاَّ بِٱلْحَقّ} إلا بإحدى ثلاث: كفرٍ بعد إيمان، وزِناً بعد إحصان، وقتلِ نفسٍ معصومةٍ عمداً، فالاستثناءُ مفرَّغٌ أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحقِّ أو ملتبسين أو ملتبسةً بشيء من الأشياء، ويجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوفٍ أي لا تقتُلوها قتلاً ما إلا قتلاً متلبساً بالحق {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا} بغير حق يوجب قتلَها أو يُبـيحه للقاتل حتى إنه لا يُعتبر إباحتُه لغير القاتل فإن من عليه القصاصُ إذا قتله غيرُ من له القِصاصُ يُقتصّ له، ولا يفيده قولُ الوليِّ: أنا أمرتُه بذلك ما لم يكن الأمرُ ظاهراً {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ} لمن يلي أمرَه من الوارث أو السلطانِ عند عدم الوارث {سُلْطَـٰناً} تسلّطاً واستيلاءً على القاتل يؤاخذه بالقصاص أو بالدية حسبما تقتضيه جنايتُه، أو حجةً غالبة {فَلاَ يُسْرِف} وقرىء لا تسرفْ {فّى ٱلْقَتْلِ} أي لا يُسرف الوليُّ في أمر القتل بأن يتجاوز الحدَّ المشروعَ بأن يزيد عليه المُثْلة أو بأن يقتُل غيرَ القاتل من أقاربه، أو بأن يقتلَ الاثنين مكانَ الواحد كما يفعله أهلُ الجاهلية أو بأن يقتل القاتلَ في مادة الدّية وقرىء بصيغة النفي مبالغةً في إفادة معنى النهي {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} تعليلٌ للنهي والضميرُ للولي على معنى أنه تعالى نصره بأن أوجب له القِصاصَ أو الديةَ وأمَر الحكامَ بمعونته في استيفاء حقِّه فلا يبْغِ ما وارء حقِّه ولا يستزِدْ عليه ولا يخرُجْ من دائرة أمرِ الناصر. أو للمقتول ظلماً على معنى أنه تعالى نصره بما ذُكر فلا يسرف وليُّه في شأنه أو للذي يقتله الوليُّ ظلماً وإسرافاً، ووجهُ التعليل ظاهرٌ، وعن مجاهد أن الضميرَ في لا يسرفْ للقاتل الأول ويعضده قراءةُ فلا تسرفوا والضميران في التعليل عائدان إلى الولي أو المقتول، فالمرادُ بالإسراف حينئذ إسرافُ القاتل على نفسه بتعريضه لها للهلاك العاجل والآجلِ لا الإسرافُ وتجاوزُ الحد في القتل أي لا يسرف على نفسه في شأن القتل كما في قوله تعالى: { أية : قُلْ يٰعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الزمر، الآية 53]. {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} نهيٌ عن قربانه لما ذكر من المبالغة في النهي عن التعرض له ومن إفضاء ذلك إليه وللتوسل إلى الاستثناء بقوله تعالى: {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} أي إلا بالخَصلة والطريقة التي هي أحسنُ الخِصال والطرائق وهي حفظُه واستثماره {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} غايةٌ لجواز التصرفِ على الوجه الأحسن المدلولِ عليه بالاستثناء لا للوجه المذكور فقط {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} سواءٌ جرى بـينكم وبـين ربِّكم أو بـينكم وبـين غيرِكم من الناس، والإيفاءُ بالعهد والوفاءُ به هو القيامُ بمقتضاه والمحافظةُ عليه ولا يكاد يُستعمل إلا بالباء فرقاً بـينه وبـين الإيفاء الحسيِّ كإيفاء الكيل والوزن {إِنَّ ٱلْعَهْدَ} أُظهر في مقام الإضمارِ إظهاراً لكم والعنايةِ بشأنه، أو لأن المرادَ مطلقُ العهد المنتظمِ للعهد المعهود {كَانَ مَسْؤُولاً} أي مسؤولاً عنه على حذف الجارِّ وجعْلِ الضمير بعد انقلابه مرفوعاً مستكناً في اسم المفعولِ كقوله تعالى: { أية : وَذٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} تفسير : [هود، الآية 103] أي مشهودٌ فيه، ونظيرُه ما في قوله تعالى: { أية : تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [يونس، الآية 1] على أن أصلَه الحكيمُ قائلُه فحذف المضافُ وجُعل الضمير مستكناً في الحكيم بعد انقلابه مرفوعاً، ويجوز أن يكون تخيـيلاً كأنه يقال للعهد: لم نكثتَ وهلاّ وفَّى بك تبكيتاً للناكث كما يقال للموؤدة: بأي ذنبٍ قُتلت.

القشيري

تفسير : لا يجوز قَتْلُ نَفْسِ الغير بغير الحق، ولا للمرء أن يقتل نَفْسَه أيضاً بغير الحق. وكما أنَّ قتلَ النَّفْس بالحديد وما يقوم مقامه من الآلات مُحَرَّمٌ فكذلك القَصْدُ إلى هلاكِ المرءِ مُحَرَّمٌ. ومن انهمك في مخالفة ربه فقد سعى في هلاك نفسه. {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً}: أي تسلطاً على القاتل في الاقتصاص منه، وعلى معنى الإشارة: إلى النصرة مِنْ قِبَلِ الله: ومنصورُ الحقِّ لا تنكسر سِنَانُه، ولا تطيشُ سِهَامُه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تقتلوا النفس التى حرم الله} قتلها بان عصمها بالاسلام او بالعهد فدخل فيه الذمى والمعاهد {الا بالحق} استثناء مفرغ اى لا تقتلوها بسبب من الاسباب الا سببب الحق اى باحدى ثلاث كفر بعد ايمان وزنى بعد احصان وقتل نفس معصومة عمد {ومن} [هركه] {قتل مظلوما} غير مرتكب واحدة من هذه الثلاث {فقد جعلنا لوليه} لمن يلى امره بعد وفاته من الوارث او السلطان عند عدمه اذ هو ولى من لا ولى له {سلطانا} تسلطا واستيلاء على القاتل ان شاء قتل وان شاء اخذ الدية {فلا يسرف} اى الولى {فى القتل} اى فى امر القتل بان يجاوز الحد المشروع بان يزيد عليه المثلة او بان يقتل غير القاتل من اقاربه وكانوا يقتلون غير القاتل اذا لم يكن القتل بواء اى سواء يقال فلان بواء لدم فلان اى سواء. قال الكاشفى [درجاهليت جون كسى كشته سدى وارث قاتل اورا نكشتى بلكه قصد مهتر قبيله قاتل كردى] او بان يقتل الاثنين مكان الواحد كعادة الجاهلية كان اذا قتل منهم شريف لا يرضون بالقاتل بل بان يقتلوا معه جماعة من اقاربه او بان يقتل القاتل فى مادة الدية {انه} اى الولى {كان منصورا} ينصره الشرع والسلطان يعنى ان الله ينصره بان اوجب له القصاص او الدية وامر الحكام باعانته فى الاستيفاء او الهاء للمقتول ونصره قتل قاتله وحصول الاجر له. فان قلت ما توبة القاتل عمدا. قلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : توبة القاتل عمدا فى ثلاث اما ان يقتل واما ان يعفى عنه واما ان يؤخذ منه الدية فأى هذه الخصال فعل به فهى توبته" تفسير : رواه انس رضى الله عنه.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ} باسبابه المقرّرة فى الشّرع من الارتداد بعد الايمان وتكرار بعض المعاصى الّتى لها حدّ بعد مراتب الحّد وقتل النّفس والزّنا بعد الاحصان واللّواط، ولمّا كان الحقّ هو الولاية كما مرّ مراراً، والولاية ظهور الحقّ الاوّل تعالى شأنه فالمعنى على هذا ولا تقتلوا النّفس الاّ بفاعليّة الحقّ لا بفاعليّة انفسكم كما قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : آنكه ازحق يا بد اووحى وخطاب هرجه فرمايد بود عين صواب آنكه جان بخشد اكر بكشد رواست نايب است ودست اودست خداست تفسير : فما لم يخرج الانسان من حكم نفسه ولم يدخل فى حكم الله او حكم من دخل فى حكم الله لا يجو له قتل النّفس او الحكم بالقتل كائناً من كان القاتل وكائناً من كان المقتول كما قال المولوىّ قدّس سرّه من لسان علىّ (ع): شعر : من جوتيغم وان زننده آفتاب ما رميت اذ رميت در حراب رخت خودرا من زره برداشتم غير حق را من عدم انكاشتم زاجتهاد واز تحرّى رسته ام آستين برد امن حق بسته ام تفسير : {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً} غير متستحقٍ للقتل {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ} لمن يلى امره ممّن هو اولى بميراثه وهم جميع الورثة {سُلْطَاناً} تسلّطاً على القاتل بالقصاص او الرّجوع الى الدّية واذا جعلنا لولىّ المقتول سلطاناً على القاتل {فَلاَ يُسْرِف} مريد قتل النّفس {فِّي ٱلْقَتْلِ} بان يقتل من غير استحقاقٍ فانّه اسراف لانّه حرّك اعضائه وقتل من غير امرٍ من الله، وقرئ فلا تسرفوا خطاباً لمريدى القتل، او المعنى فلا يسرف الولىّ فى القتل بان يقتل اكثر من واحدٍ بواحدٍ او يمثل المقتصّ منه، او الآية كما ورد نزلت فى قتل الحسين (ع) والمعنى فلا يكن اسراف فى القتل ولو قتل جميع اهل الارض بالحسين (ع) كما فسّرت فى الاخبار به {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} انّ المقتول او الولىّ كان منصوراً بتسليط الله وليّه ونصرة الحكّام وليّه والمعنى على التّفسيرين الاوّل والثّالث ظاهر، وعلى الثّانى يكون تعليلاً للنّهى اى نهينا عن الاسراف لانّ ولىّ المقتول كان منصوراً وقادراً على الاسراف.

فرات الكوفي

تفسير : {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إِنه كان منصوراً33} فرات قال: حدّثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله [تعالى. ر]: {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً} قال: الحسين [عليه السلام. أ] {فلا يسرف في القتل إِنه كان منصوراً} قال: سمى الله المهدي منصوراً [ر، أ: المنصور] كما سمى أحمد ومحمد محموداً وكما سمى عيسى المسيح [عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام ورحمة الله وبركاته. ر: عليه السلام].

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ} وهى المقرة بالله ورسوله والذمية والمعاهدة {إِلاَّ بِالْحَقِّ} كفر بعد إِيمان أو زنى بعد إِحصان، وقتل حر موحد عمداً غير قاتل لمن يقتل به. روى البخارى ومسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - حديث : لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإِحدى ثلاث: رجل كفر بعد إِيمان، ورجل زنى بعد إِحصان، وقاتل نفس محرمة عمداًتفسير : ، ورويا من طريق ابن مسعود عنه - صلى الله عليه وسلم -حديث : لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إِله إلا الله وأنى رسول الله إلا باِحدى ثلاث: الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعةتفسير : ، وذلك مجمع عليه واختلف فى اللائط والساحر وتارك الصلاة والصحيح قتلهم، وقيل المراد بالحق فى الآية، القود يقتل نفساً محرمة فيقتل بها والواضح عموم الحق فى كل ما يحل به الدم حتى الثلاث المختلف فيها لورود السنة بها، وهى وتفسير القرآن وحيل الدم بالسعى فى الأَرض فساداً وقيل إن قتل الساعى نفساً وعلى هذا يدخل فى النفس بالنفس وذكروا فى كتب الفقه وجوهاً كثيرة يحل بها الدم تدخل فيم ذكرناه كالدلالة على عورات المسلمين فإِنها من جملة السعى فساداً أو كالطعن فى الدين فإِنه ملحق بالارتداد. {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً} غير مستوجب للقتل. {فَقَدْ جَعَلْنَا لِولِيِّهِ} الذى يلى أمره بعد موته وهو الوارث. {سُلْطَاناً} مصدر سلط بتخفيف اللام أو اسم مصدر تسلط أو سلطه بتشديدها أى جعلنا له تسلطاً وقوة على القاتل فإِن شاء قتله فلا مانع له، وإِن شاء أخذ الدية، أخذها بلا مانع وإِن عفى عن كل ذلك فحسن جميل ويجوز أن يكون سلطان بمعنى الحجة على القاتل بقتله بوليه. قال البخارى قال ابن عباس: كل سلطان فى القرآن فهو حجة. وقال قتادة السلطان هنا القود، وروى عن ابن عباس السلطان التخيير بين القتل وأخذ الدية والعفو وخصت السنة أن الحر لا يقتل بالعبد وأن الموحد لا يقتل بالمشرك، واختلف فى المرأة أن يقتل بها الرجل ويعطى أولياءه نصف الدية قبل أن يقتل أو بعد أو لوليها ديتها أو يقتل بها بلا رد نصف الدية، والصحيح القتل مع الرد ولا مدخل للمرأة فى القتل إِذا قتل وليها بل لها الدية، وقيل لها وخرج قتل الخطأ بقوله مظلوماً فإِن المقتول خطأ ليس مظلوما، وقاتله ليس ظالما وتجب الدية على عاقلته، واختلف فى الدية العمدية هل يأْخذ فيها الورثة مطلقاً أو لا يأْخذها إلا من له القتل وعليه فلا تأْخذ الأُم والزوجة والأُخت للأُم، قولان ذكرتهما فى شرح النيل بأَدلتهما. {فَلاَ يُسْرِف} أى الولى. {فِّى الْقَتْلِ} بقتل غير القاتل ولا بقتل القاتل وغيره ولا بالمثلة مع القتل كقطع الذكر أو فقأ العين وصلم الأُذن ونحو ذلك، إِلا إِن فعل المقتول ذلك ولا بالتعذيب بالقتل فإِن إِحسان القتلة واجب على من أراد القتل، إِلا إِن قتل المقتول بمعذب ونحو ذلك والعموم المذكور أولى مما قيل. عن ابن عباس: أن الإِسراف فى القتل قتل غير القاتل وكانوا فى الجاهلية إِذا قتل منهم قتيل لا يرضون بقتل قاتله حتى يقتل أشرف منه وكانوا يقتلون غير القاتل إِذا لم يكن كفؤاً للمقتول وأولى من قول بعض أن الإِسراف فى القتل قتل أكثر من واحد، وكانوا فى الجاهلية إِذا قتل منهم شريف لم يرضوا بقتل قاتله حتى يقتلوا معه جماعة من أقاربه أو من عشيرته أو حيه وقد يفعلون ذلك ولو كان المقتول غير شريف وأولى من قول بعض إن الإِسراف فى القتل المثلة وإِذا فعلوا شيئاً من ذلك فقد فعلوا أمراً عظيماً لا تقوم له السماوات والأَرض وفعلوا ما يعود عليهم بالهلاك لإِثارة الفتنة وللظلم وإِن لم يكن للمقتول ولى فليقتل القاتل إِمام العدل، وإِن لم يكن فالإِمام الجائر وإِن لم يكن ممن يلى أمر الجماعة ويطيق وإِن لم يكن فالجماعة، وقيل إِن لم يكن إِمام العدل كف عن قتله وللولى أن يستعين بغيره على قتل قاتل وليه وتوكيله وأمره بالقتل، وقيل معنى لا يسرف فى القتل لا يبتدئ بالقتل فيقتل من لا يحق قتله فيعود عليه بالهلاك دنيا وأخرى واختاره القاضى مؤيداً له بقراءة أبى فلا تسرفوا بالخطاب واو الجماعة رد للكلام إِلى قوله جل وعلا: {ولا تقتلوا النفس التى حرم الله}، وقرأ حمزة والكسائى: فلا تسرف بالخطاب وإِسكان الفاء على خطاب ولى المقتول أو خطاب مريد القتل ظلماً. وقرأ أبو مسلم صاحب الدولة فلا يسرف بالغيبة وضم الفاء وعدم الواو وهو نفى فى معنى النهى، وفيه مبالغة ليست فى الأَمر، وقال مجاهد فى قراءة يسرف بالغيبة مطلقاً أن الضمير للقاتل الأَول. {إِنَّهُ} أى الولى. {كَانَ مَنصُوراً} حيث أثبت الله سبحانه وتعالى له القصاص أو الدية وأمر الولاة بمعونته على ما أراد منهما وحيث يظهره الله على استيفاء حقه أو الضمير للمقتول ظلماً فإِن الله جل جلاله نصره فى الدنيا بثبوت القصاص أو الدية لوليه وفى الآخرة بالثواب وتكفير الخطايا وإِيجاب النار لقاتله أو الضمير للذى قتله الولى وأسرف فى قتله بمثله أو تعذيب فإِنه منصور بأَن له الثواب فى الآخرة على ما زيد عليه إن مات تائباً وأن له تكفير السيئات على ما زيد عليه وبأن لوليه القصاص بالزيادة أو أخذ الإِرش وأن للمسرف وزراً.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الّتِى حَرَّمَ اللهُ} أى حرم الله قتلها {إِلاّ بِالْحَقِّ} كقتل لردة، ورجم لإحصان، وقتل من وجدته فى دار حرمك بالغاً عاقلا غير مضطر، غير محرم لهن، مختفياً، منهما بالزنى بلا معاهدة منهن أو بالمعاهدة، وكقتل للقصاص من متعمد مكافى، وكقتل للإشراك بالردة، وقتل الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا، وكقتل لترك الصلاة أو الزكاة إذ منعها، وقيل: تؤخذ منه قهراً بلا قتل وغير ذلك، مما يحل به الدم، وجمعت منه نحو ثلاثين مسألة، وبالحق متعلق بتقتلوا أى بسبب إلا بسبب الحق أو المحذوف جوازاً حال من الواو، أو من النفس، أى متلبسين بالحق، أو ملتبسة بالحق أو يقدر قتلا ما إلا قتلا ملتبسا بالحق. {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} تسلطا أو قوة، فإن شاء قتل، وإن شاء أخذ الدية، وذلك فى قتل العمد، لأن قتل الخطأ لا يسمى ظلما، ودخل فى الآية من أمرك أن تقتله، فإنك تقتل به إذا كان ممن يقتل قائله وإباحته لك قتله لا تبيحه، وقد منعه الشرع، وإن قتله غير ولىّ الدم قتل به، إلا إن أمره ولىّ الدم أن يقتله. {فَلا يُسْرِفْ فِى الْقَتْلِ} بأن يقتل بما عذب القتل به، أو يقتل غير القاتل وحده، أو مع القاتل، أو يمثّل بالقاتل، وكانوا فى الجاهلية إذا قتل غير الشريف شريفاً تركوا القاتل، وقتلوا شريف قومه، وأما عدم تكافؤ الدّمَين فلا تشمله الآية، لأنه لم يجعل الله سلطاناً لولى المقتول الذى لا يكافئ دم القاتل، ولا يقتل الأب فى ولده، أو ولد ولده، وإن قال الساحر قتلت فلاناً بسحرى قتل به. {إِنّهُ} أى الولى {كَانَ مَنْصُورًا} بإثبات الله له القتل، أو بإعانة الحكام له، ويجوز عود الهاء إلى من قتل فإِنه منصور فى الدنيا باستحقاق قاتله القتل، وبدخول الجنة ودرجاتها إن كان متقيًّا لله عز وجل، بالثواب مطلقا ولو شقيًّا بنص بعض العذاب، ومنصوراً أيضا باستحقاقه دية ما مثل به القاتل، أو عذابه به، واستحقاق القاتل التعزير به، أو النكال أو القصاص، وقيل: ضمير بصرف القاتل ابتداء، وفيه تفكيك الضمائر، لأن الإضمار فى أنه كان منصوراً لغيره ووجهه أنه من بدأ القتل فقد أسرف على نفسه بتعريضها لأن يقتص منه.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ} أي حرمها الله تعالى، والمراد حرم قتلها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } متعلق بلا تقتلوا والباء للسببية والاستثناء مفرغ أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، ويجوز أن يكون حالاً من الفاعل أو المفعول أي لا تقتلوا إلا ملتبسين بالحق أو لا تقتلوها إلا ملتبسة بالحق، وجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف أي لا تقتلوها قتلاً ما إلا قتلاً ملتبساً بالحق والأول أظهر، وأما تعلقه بحرم فبعيد وإن صح، وفسر الحق بما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود حديث : لا يحل دم امرىء يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعةتفسير : ، ونقض الحصر بدفع الصائل فإن ذلك ربما أدى إلى القتل، ودفع بأن المراد ما يكون بنفسه مقصوداً به القتل وما ذكر المقصود به الدفع وقد يفضي إليه في الجملة، والحق عدم انحصار الحق فيما ذكر وهو في الخبر ليس بحقيقي، وقد ذهب الشافعية إلى أن ترك الصلاة كسلاً مبيح للقتل وكذا اللواطة عند جمع من الأجلة. {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا} بغير حق يوجب قتله أو يبيحه للقاتل حتى أنه لا يعتبر إباحته لغير القاتل فقد نص علماؤنا أن من عليه القصاص إذا قتله غير من له القصاص يقتص له ولا يفيد قول الولي أنا أمرته بذلك إلا أن يكون الأمر ظاهراً {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ} لمن يلي أمره من الوارث أو السلطان عند عدم الوارث، واقتصار البعض على الأول رعاية للأغلب {سُلْطَـٰناً} أي تسلطاً واستيلاء على القاتل بمؤاخذته بأحد أمرين القصاص أو الدية، وقد تتعين الدية كما في القتل الخطأ والمقتول خطأ مقتول ظلماً بالمعنى الذي أشير إليه وإن قلنا لا إثم في الخطأ لحديث «حديث : رفع عن أمتي الخطأ» تفسير : وشرع الكفارة فيه لعدم التثبت واجتناب ما يؤدي إليه فليتأمل. واستدل بتفسير الولي بالوارث على أن للمرأة دخلاً في القصاص. وقال القاضي إسماعيل: لا تدخل لأن لفظه مذكر {فَلاَ يُسْرِف} أي الولي {فّي ٱلْقَتْلِ} أي فلا يتجاوز الحد المشروع فيه بأن يقتل اثنين مثلاً والقاتل واحد كعادة الجاهلية فإنهم كانوا إذا قتل منهم واحد قتلوا قاتله وقتلوا معه غيره، ومن هنا قال مهلهل:شعر : كل قتيل في كليب غُره حتى ينال القتل آل مُره تفسير : وإلى هذا ذهب ابن جبير وأخرجه المنذر من طريق أبـي صالح عن ابن عباس، أو بأن يقتل غير القاتل ويترك القاتل، وروي هذا عن زيد بن أسلم؛ فقد أخرج البيهقي في «سننه» عنه أن الناس في الجاهلية إذا قتل من ليس شريفاً شريفاً لم يقتلوه به وقتلوا شريفاً من قومه فنهي عن ذلك أو بأن يزيد على القتل المثلة كما قيل. وأخرج ابن جرير وغيره عن طلق بن حبيب أنه قال: لا يقتل غير قاتله ولا يمثل به، وقيل بأن يقتل القاتل / والمشروع عليه الدية. وأخرج ابن أبـي حاتم وغيره عن قتادة أنه قال في الآية: من قتل بحديدة قتل بحديدة ومن قتل بخشبة قتل بخشبة ومن قتل بحجر قتل بحجر ولا يقتل غير القاتل. وفيه القول بأن القتل بالمثقل يوجب القصاص وهو خلاف مذهبنا. وقرأ حمزة والكسائي {فلا يسرف} بالخطاب للولي التفاتاً، وقرأ أبو مسلم صاحب الدولة {فَلاَ يُسْرِف} بالرفع على أنه خبر في معنى الأمر وفيه مبالغة ليست في الأمر. {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} تعليل للنهي، والضمير للولي أيضاً على معنى أنه تعالى نصره بأن أوجب القصاص أو الدية وأمر الحكام بمعونته في استيفاء حقه فلا يبغ ما وراء حقه ولا يخرج من دائرة إمرة الناصر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد أن الضمير للمقتول على معنى أن الله تعالى نصره في الدنيا بأخذ القصاص أو الدية وفي الأخرى بالثواب فلا يسرف وليه في شأنه، وجوز أن يعود على الذي أسرف به الولي أي أنه تعالى نصره بإيجاب القصاص والتعزير والوزر على من أسرف في شأنه، وقيل ضمير (يسرف) للقاتل أي مريد القتل ومباشره ابتداء ونسبه في «الكشاف» إلى مجاهد، والضميران في التعليل عائدان على الولي أو المقتول، وأيد بقراءة أبـي {فلا تسْرِفُواْ} لأن القاتل متعدد في النظم في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ} والأصل توافق القراءتين، ولم تعينه لأن الولي عام في الآية فهو في معنى الأولياء فيجوز جمع ضميره بهذا الاعتبار ويكون التفاتاً، وتوافق القراءتين ليس بلازم، والمعنى فلا يسرف على نفسه في شأن القتل بتعريضها للهلاك العاجل والآجل. وفي «الكشف» أنه ردع للقاتل على أسلوب {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ} تفسير : [البقرة: 179] والنهي عن الإسراف لتصوير أن القتل بغير حق كيف ما قدر إسراف، ومعناه فلا يقتل بغير حق. وأنت تعلم أن هذا الوجه غير وجيه فلا ينبغي التعويل عليه. وهذه الآية كما أخرج غير واحد عن الضحاك أول آية نزلت في شأن القتل وقد علمت أن الأصح أنه أكبر الكبائر بعد الشرك، وكون القتل العمد العدوان من الكبائر مجمع عليه، وعد شبه العمد منها هو ما صرح به الهروي وشريح الروياني، وأما الخطأ فالصواب أنه ليس بمعصية فضلاً عن كونه ليس بكبيرة فليحفظ.

ابن عاشور

تفسير : معلومة حالة العرب في الجاهلية من التسرع إلى قتل النفوس فكان حفظ النفوس من أعظم القواعد الكلية للشريعة الإسلامية. ولذلك كان النهي عن قتل النفس من أهم الوصايا التي أوصى بها الإسلام أتباعه في هذه الآيات الجامعة. وهذه هي الوصية التاسعة. والنفس هنا الذات كقوله تعالى: {أية : ولا تقتلوا أنفسكم} تفسير : [النساء: 29] وقوله: {أية : أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً}تفسير : [المائدة: 32] وقوله:{أية : وما تدري نفس بأي أرض تموت}تفسير : [لقمان: 34]. وتطلق النفس على الروح الإنساني وهي النفس الناطقة. والقتل: الإماتة بفعل فاعل، أي إزالة الحياة عن الذات. وقوله: {حرم الله} حُذف العائد من الصلة إلى الموصول لأنه ضمير منصوب بفعل الصلة وحذفه كثير. والتقدير: حرمها الله. وعلق التحريم بعين النفس، والمقصود تحريم قتلها. ووصفت النفس بالموصول والصلة بمقتضى كون تحريم قتلها مشهوراً من قبللِ هذا النهي، إما لأنه تقرر من قبلُ بآيات أخرى نَزلت قبل هذه الآية وقبلَ آية الأنعام حكماً مفرقاً وجمعت الأحكام في هذه الآية وآية الأنعام، وإما لتنزيل الصلة منزلة المعلوم لأنها مما لا ينبغي جهله فيكون تعريضاً بأهل الجاهلية الذين كانوا يستخفون بقتل النفس بأنهم جهلوا ما كان عليهم أن يعلموه، تنويهاً بهذا الحكم. وذلك أن النظر في خلق هذا العالم يهدي العقول إلى أن الله أوجد الإنسان ليعمرُ به الأرض، كما قال تعالى: {أية : هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} تفسير : [هود: 61]، فالإقدام على إتلاف نفس هدم لما أراد الله بناءه، على أنه قد تواتر وشاع بين الأمم في سائر العصور والشرائع من عهد آدم صون النفوس من الاعتداء عليها بالإعدام، فبذلك وصفت بأنها التي حرم الله، أي عُرفت بمضمون هذه الصلة. واستثني من عموم النهي القتل المصاحب للحق، أي الذي يشهد الحق أن نفساً معينة استحقت الإعدام من المجتمع، وهذا مجمل يفسره في وقت النزول ما هو معروف من أحكام القَود على وجه الإجمال. ولما كانت هذه الآيات سيقت مساق التشريع للأمة وإشعاراً بأن سيَكون في الأمة قضاء وحُكم فيما يستقبل أبقي مجملاً حتى تفسره الأحكام المستأنفة من بعد، مثل آية {أية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ} تفسير : [النساء: 92] إلى قوله: {أية : وأعد له عذاباً عظيماً }تفسير : [النساء: 93]. فالباء في قوله: {بالحق} للمصاحبة، وهي متعلّقة بمعنى الاستثناء، أي إلا قتلاً ملابساً للحق. والحق بمعنى العدل، أو بمعنى الاستحقاق، أي حَق القتل، كما في الحديث: حديث : فإذا قالوها (أي لا إله إلا الله) عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»تفسير : . ولما كان الخطاب بالنهي لجميع الأمة كما دل عليه الفعل في سياق النهي كان تعيين الحق المبيح لقتل النفس موكولاً إلى من لهم تعيين الحقوق. ولما كانت هذه الآية نازلة قبل الهجرة فتعيين الحق يجري على ما هو متعارف بين القبائل، وهو ما سيذكر في قوله تعالى عقب هذا: {ومن قتل مظلوماً} الآية. وحين كان المسلمون وقت نزول هذه الآية مختلطين في مكة بالمشركين ولم يكن المشركون أهلاً للثقة بهم في الطاعة للشرائع العادلة، وكان قد يعرض أن يعتدي أحد المشركين على أحد المسلمين بالقتل ظلماً أمر الله المسلمين بأن المظلوم لا يظلِم، فقال: {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا} أي قد جَعل لولي المقتول تصرفاً في القاتل بالقود أو الدية. والسلطان: مصدر من السلطة كالغُفران، والمراد به ما استقر في عوائدهم من حكم القود. وكونه حقاً لولي القتيل يأخذ به أو يعفو أوْ يأخذ الدية ألهمهم الله إليه لئلا ينزوا أولياء القتيل على القاتل أو ذويه ليقتلوا منهم من لم تجْن يداه قتلاً. وهكذا تستمر الترات بين أخذ ورد، فقد كان ذلك من عوائدهم أيضاً. فالمراد بالجعل ما أرشد الله إليه أهلَ الجاهلية من عادة القود. والقود من جملة المستثنى بقوله: {إلا بالحق}، لأن القود من القاتل الظالم هو قتل للنفس بالحق. وهذه حالة خصها الله بالذكر لكثرة وقوع العدوان في بقية أيام الجاهلية، فأمر الله المسلمين بقبول القود. وهذا مبدأ صلاح عظيم في المجتمع الإسلامي، وهو حمل أهله على اتباع الحق والعدل حتى لا يكون الفساد من طرفين فيتفاقم أمره، وتلك عادة جاهلية. قال الشميذر الحارثي: شعر : فلسنا كمن كنتم تصيبون سَلّة فنقبَلَ ضيماً أو نحكم قاضيا ولكن حكم السيف فينا مسلط فنرضَى إذا ما أصبح السيف راضيا تفسير : فنهى الله المسلمين عن أن يكونوا مثالاً سيئاً يقابلوا الظلم بالظلم كعادة الجاهلية بل عليهم أن يتبعوا سبيل الإنصاف فيقبلوا القود، ولذلك قال: {فلا يسرف في القتل}. والسرف: الزيادة على ما يقتضيه الحق، وليس خاصاً بالمال كما يفهم من كلام أهل اللغة. فالسرف في القتل هو أن يقتل غير القاتل، أما مع القاتل وهو واضح كما قال المُهلهل في الأخذ بثأر أخيه كليب: شعر : كل قتيل في كليب غُرّة حتى يعُمّ القتلُ آلَ مُرّة تفسير : وأما قتل غير القاتل عند العجز عن قتل القاتل فقد كانوا يقتنعون عن العجز عن القاتل بقتل رجل من قبيلة القاتل. وكانوا يتكايلون الدماء، أي يجعلون كيلها متفاوتاً بحسب شرف القتيل، كما قالت كبشة بنتُ معديكرب: شعر : فيقتلَ جَبْرا بامرىءٍ لم يكن له بَواءً ولكن لا تكايُل بالدم تفسير : البواء: الكفء في الدم. تريد فيقتلَ القاتلَ وهو المسمّى جبراً، وإن لم يكن كفؤاً لعبد الله أخيها، ولكن الإسلام أبطل التكايل بالدم. وضمير {يسرف} بياء الغيبة، في قراءة الجمهور، يعود إلى الولي مظنة السرف في القتل بحسب ما تعودوه. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف ــــ بتاء الخطاب ــــ أي خطاب للولي. وجملة {إنه كان منصوراً} استئناف، أي أن ولي المقتول كان منصوراً بحكم القود فلماذا يتجاوز الحد من النصر إلى الاعتداء والظلم بالسرف في القتل. حذرهم الله من السرف في القتل وذكرهم بأنه جعل للولي سلطاناً على القاتل. وقد أكد ذلك بحرف التوكيد وبإقحام (كانَ) الدال على أن الخبر مستقر الثبوت. وفيه إيماء إلى أن من تجاوز حد العدل إلى السرف في القتل لا ينصر. ومن نكت القرآن وبلاغته وإعجازه الخفي الإتيان بلفظ (سلطان) هنا الظاهر في معنى المصدر، أي السلطة والحق والصالح لإرادة إقامة السلطان، وهو الإمام الذي يأخذ الحقوق من المعتدين إلى المعتدَى عليهم حين تنتظم جامعة المسلمين بعد الهجرة. ففيه إيماء إلى أن الله سيجعل للمسلمين دولة دائمة، ولم يكن للمسلمين يوم نزول الآية سلطان. وهذا الحكم منوط بالقتل الحادث بين الأشخاص وهو قتل العدوان، فأما القتل الذي هو لحماية البيضة والذب عن الحوزة، وهو الجهاد، فله أحكام أخرى. وبهذا تعلم التوجيه للإتيان بضمير جماعة المخاطبين على ما تقدم في قوله تعالى {أية : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق}تفسير : [الإسراء: 31] وما عطف عليه من الضمائر. واعلم أن جملة {ومن قتل مظلوماً} معطوفة على جملة {ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق} عطف قصة على قصة اهتماماً بهذا الحكم بحيث جعل مستقلاً، فعُطف على حكم آخر، وإلا فمقتضى الظاهر أن تكون مفصولة، إما استئنافاً لبيان حكم حالة تكثر، وإما بدل بعضٍ من جملة {إلا بالحق}. و (مَن) موصولة مبتدأ مراد بها العموم، أي وكل الذي يقتل مظلوماً. وأُدخلت الفاء في جملة خبر المبتدأ لأن الموصول يعامل معاملة الشرط إذا قصد به العموم والربط بينه وبين خبره. وقوله تعالى: {فقد جعلنا لوليه سلطانا} هو في المعنى مقدمة للخبر بتعجيل ما يُطمئِن نفسَ ولي المقتول. والمقصود من الخبر التفريع بقوله تعالى: {فلا يسرف في القتل}، فكان تقديم قوله تعالى: {فقد جعلنا لوليه سلطانا} تمهيداً لقبول النهي عن السرف في القتل، لأنه إذا كان قد جُعل له سلطان فقد صار الحكم بيده وكفاه ذلك شفاءً لغليله. ومن دلالة الإشارة أن قوله: {فقد جعلنا لوليه سلطانا} إشارة إلى إبطال تولي ولي المقتول قتلَ القاتل دون حكم من السلطان، لأن ذلك مظنة للخطأ في تحقيق القاتل، وذريعة لحدوث قتل آخر بالتدافع بين أولياء المقتول وأهل القاتل، ويجر إلى الإسراف في القتل الذي ما حدث في زمان الجاهلية إلا بمثل هذه الذريعة، فضمير {فلا يسرف} عائد إلى «وليه». وجملة {إنه كان منصوراً} تعليل للكف عن الإسراف في القتل، والضمير عائد إلى «وليه». و (في) من قوله: {في القتل} للظرفية المجازية، لأن الإسراف يجول في كسب ومال ونحوه، فكأنه مظروف في جملة ما جال فيه. ولما رأى بعض المفسرين أن الحكم الذي تضمنته هذه الآية لا يناسب إلا أحوال المسلمين الخالصين استبعد أن تكون الآية نازلة بمكة فزعم أنها مدنية، وقد بينا وجه مناسبتها وأبطلنا أن تكون مكية في صدر هذه السورة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من قتل مظلوماً فقد جعل الله لوليه سلطاناً، ونهاه عن الإسراف في القتل، ووعده بأنه منصور. والنهي عن الإسراف في القتل هنا شامل ثلاث صور: الأولى - أن يقتل اثنين أو أكثر بواحد، كما كانت العرب تفعله في الجاهليه. كقول مهلهل بن ربيعة لما قتل بجير بن الحارث بن عباد في حرب البسوس المشهورة: بؤبشسع نعل كليب. فغضب الحارث بن عباد، وقال قصيدته المشهورة: شعر : قربا مربط النعامة مني لقحت حرب وائل عن حيال قربا مربط النعامة مني إن بيع الكرام بالشسع غالي -إلخ تفسير : وقال مهلهل ايضاً: شعر : كل قتيل في كليب غره حتى ينال القتل آل مره تفسير : ومعلوم أن قتل الجماعة بواحد لم يشتركوا في قتله: إسراف في القتل داخل في النهي المذكور في الآية الكريمة. الثانية - أن يقتل بالقتيل واحداً فقط ولكنه غير القاتل. لأن قتل البريء بذنب غيره إسراف في القتل، منهي عنه في الآية أيضاً. الثالثة - أن يقتل نفس القاتل ويمثل به. فإن زيادة المثلة إسراف في القتل أيضاً. وهذا هو التحقيق في معنى الآية الكريمة - فما ذكره بعض أهل العلم، ومال إليه الرازي في تفسيره بعض الميل، من أن معنى الآية: فلا يسرف الظالم الجاني في القتل. تخويفاً له من السلطان. والنصر الذي جعله الله لولي المقتول لا يخفى ضعفه، وأنه لا يلتئم مع قوله بعده {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً}. وهذا السلطان الذي جعله الله لولي المقتول لم يبينه هنا بياناً مفصلاً، ولكنه أشار في موضعين إلى أن هذا السلطان: هو ما جعله الله من السلطة لولي المقتول على القاتل، من تمكينه من قتله إن أحب. ولا ينافي ذلك أنه إن شاء عفا على الدية أو مجاناً. الأول - قوله هنا {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ} بعد ذكر السلطان المذكور، لأن النهي عن الإسراف في القتل مقترناً بذكر السلطان المذكور يدل على أن السلطان المذكور هو ذلك القتل المنهي عن الإسراف فيه. الموضع الثاني - قوله تعالى {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى}تفسير : إلى قوله {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [البقرة:178-179] الآية. فهو يدل على أن السلطان المذكور هو ما تضمنته آية القصاص هذه، وخير ما يبين به القرآن القرآن. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة. المسألة الأولى - يفهم من قوله {مّظْلُوماً} أن من قتل غير مظلوم ليس لوليه سلطان على قاتله، وهو كذلك، لأن من قتل بحق فدمه حلال، ولا سلطان لوليه في قتله. كما قدمنا بذلك حديث ابن مسعود المتفق عليه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول لله - صلى الله عليه وسلم - إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"تفسير : كما تقدم إيضاحه في سورة "المائدة". وبينا هذا المفهوم في قوله {مَظْلُوماً} يظهر به بيان المفهوم في قوله أيضاً: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الأنعام:151]. واعلم - أنه قد ورد في بعض الأدلة أسباب أخر لإباحة قتل المسلم غير الثلاث المذكورة، على اختلاف ذلك بين العلماء. من ذلك: المحاربون إذا لم يقتلوا أحداً. عند من يقول بأن الإمام مخير بين الأمور الأربعة المذكورة في قوله {أية : أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ}تفسير : [المائدة:33] الآية. كما تقدم إيضاحه مستوفى في سورة "المائدة". ومن ذلك قتل الفاعل والمفعول به في فاحشة اللواط، وقد قدمنا الأقوال في ذلك وأدلتها بإيضاح في سورة "هود". و أما قتل الساحر فلا يبعد دخوله في قتل الكافر المذكور في قوله "التارك لدينه المفارق للجماعة" لدلالة القرآن على كفر الساحر في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ}تفسير : [البقرة:102] الآية، وقوله: {أية : وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ}تفسير : [البقرة:102] لآية. وقوله: {أية : وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ }تفسير : [البقرة:102]. وأما قتل مانع الزكاة - فإنه إن أنكر وجوبها فهو كافر مرتد داخل في "التارك لدينه المفارق للجماعة". وأما إن منعها وهو مقر بوجوبها فالذي يجوز فيه: القتال لا القتل، وبين القتال والقتل فرق واضح معروف. وأما ما ذكره بعض أهل العلم من: أن من أتى بهيمة يقتل هو وتقتل البهيمة معه لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه"تفسير : قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. ورواه ابن ماجه من طريق داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً. وأكثر أهل العلم على أنه لا يقتل. لأن حصر ما يباح به دم المسلم في الثلاث المذكورة في حديث ابن مسعود المتفق عليه أولى بالتقديم من هذا الحديث، مع التشديد العظيم في الكتاب والسنة في قتل المسلم بغير حق، إلى غير ذلك من المسائل المذكورة في الفروع. قال مقيده عفا الله عنه: هذا الحصر في الثلاث المذكورة في حديث ابن مسعود الثابت في الصحيح لا ينبغي أن يزاد عليه، إلا ما ثبت بوحي ثبوتاً لا مطعن فيه، لقوته. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثانية - قد جاءت آيات أخر تدل على أن المقتول خطأ لا يدخل في هذا الحكم. كقوله: {أية : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}تفسير : [الأحزاب:5] الآية. وقوله: {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}تفسير : [البقرة:286] لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قرأها، قال الله نعم قد فعلت. وقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً}تفسير : [النساء:92]، ثم بين ما يلزم القاتل خطأ بقوله: {أية : وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ}تفسير : [النساء:92] الآية. وقد بين صلى الله عليه وسلم الدية قدراً وجنساً كما هو معلوم في كتب الحديث والفقه كما سياتي إيضاحه. المسألة الثالثة - يفهم من إطلاق قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً} أن حكم الآية يستوي فيه القتل بمحدد كالسلاح، وبغير محدد كرضخ الراس بحجر ونحو ذلك. لأن الجميع يصدق عليه اسم القتل ظلماً فيجب القصاص. وهذا قول جمهور العلماء، منهم مالك، والشافعي، وأحمد في اصح الروايتين. وقال النووي في "شرح مسلم": هو مذهب جماهير العلماء. وخالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى فقال: لا يجب القصاص إلا في القتل بالمحدد خاصة، سواء كان من حديد، أو حجر، أو خشب، أو فيما كان معروفاً بقتل الناس كالمنجنيق، والإلقاء في النار. واحتج الجمهور على أن القاتل عمداً بغير المحدد يقتص منه بأدلة: الأول - ما ذكرنا من إطلاق النصوص في ذلك. الثاني - حديث انس بن مالك المشهور الذي أخرجه الشيخان، وباقي الجماعة: أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها، فرضخ رأسها بالحجارة، فاعترف بذلك فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين، رض رأسه بهما. وهذا الحديث المتفق عليه نص صريح في محل النزاع تقوم به الحجة على الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ولا سيما على قوله: باستواء دم المسلم والكافر المعصوم الدم كالذمي. الثالث - ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه وغيرهما، عن حمل بن مالك من القصاص في القتل بالمسطح. قال النسائي: أخبرنا يوسف بن سعيد، قال حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال أخبرني عمرو بن دينار: أنه سمع طاوساً يحدث عن ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه: أنه نشد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. فقام حمل بن مالك فقال: كنت بين حجرتي امرأتين. فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها. فقضى النَّبي صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة، وأن تقتل بها. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن مسعود المصيصي، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار: أنه سمع طاوساً عن ابن عباس، عن عمر: أنه سأل في قضية النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة، وأن تقتل. قال أبو داود: قال النضر بن شميل: المسطح هو الصولج. قال أبو داود: وقال أبو عبيدة: المسطح عود من أعواد الخباء. وقال ابن ماجه: حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، ثنا أبو عاصم، أخبرني ابن جريج، حدثني عمرو بن دينار: أنه سمع طاوساً، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب أنه نّشَدَ الناس قضاء النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك (يعني في الجنين) فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وقتلت جنينها. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد، وأن تقتل بها. انتهى من السنن الثلاث بألفاظها. ولا يخفى أن هذا الإسناد صحيح. فرواية أبي داود، عن محمد بن مسعود المصيصي وهو ابن مسعود بن يوسف النيسابوري، ويقال له المصيصي أبو جعفر العجمي نزيل طرسوس والمصيصة، وهو ثقة عارف. ورواية ابن ماجه عن أحمد بن سعيد الدارمي، وهو ابن سعيد بن صخر الدارمي أبو جعفر وهو ثقة حافظ، وكلاهما (أعني محمد بن مسعود المذكور عند أبي داود، وأحمد بن سعيد المذكور عند ابن ماجه) روي هذا الحديث عن أبي عاصم وهو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني، وهو أبو عاصم النَّبيل، وهو ثقة ثبت. والضحاك رواه عن ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وهو ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل. إلا أن هذا الحديث صرح فيه بالتحديث والاخبار عن عمرو بن دينار وهو ثقة ثبت، عن طاوس وهو ثقة فقيه فاضل، عن ابن عباس، عن حمل، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وأما رواية النسائي فهي عن يوسف بن سعيد، وهو ابن سعيد بن مسلم المصيصي ثقة حافظ، عن حجاج ابن محمد، وهو ابن محمد المصيصي الأعور أبو محمد الترمذي الأصل نزيل بغداد ثم المصيصة ثقة ثبت. لكنه اختلط في أخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، عن ابن جريج، إلى آخر السند المذكور عند أبي داود وابن ماجه. وهذا الحديث لم يخلط فيه حجاج المذكور في روايته له عن ابن جريج. بدليل رواية أبي عاصم له عند داود وابن ماجه، عن ابن جريج كرواية حجاج المذكور عند النسائي. وأبو عاصم ثقة ثبت. ورواه البيهقي عن عبد الرزاق، عن ابن جريج. وجزم بصحة هذا الإسناد ابن حجر في الإصابه في ترجمة حمل المذكور. وقال البيهقي في "السنن الكبرى" في هذا الحديث: وهذا إسناد صحيح وفيما ذكر أبو عيسى الترمذي في كتاب "العلل" قال: سالت محمداً (يعني البخاري) عن هذا الحديث فقال: هذا حديث صحيح، رواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس وابن جريج حافظ اهـ. فهذا الحديث نص قوي في القصاص في القتل بغير المحدد، لأن المسطح عمود. قال الجوهري في صحاحه: والمسطح أيضاً عمود الخباء. قال الشاعر هو مالك بن عوف النصري: شعر : تعرض ضيطار وخزاعة دوننا وما خير ضيطار يقلب مسطحا تفسير : يقول: تعرض لناهؤلاء القوم ليقاتلونا وليسوا بشيء. لأنهم لا سلاح معهم سوى المسطح والضيطار، هو الرجل الضخم الذي لا غناء عنده. الرابع - ظواهر آيات من كتاب الله تدل على القصاص في القتل بغير المحدد. كقوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة:194] الآية، وقوله: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}تفسير : [النحل:126]، وقوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى:40]، وقوله: {أية : ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ}تفسير : [الحج:60] الآية، وقوله: {أية : وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ}تفسير : [الشورى:41-42] الآية. وفي الموطأ ما نصه: وحدثني يحيى عن مالك، عن عمر بن حسين مولى عائشة بنت قدامة: أن عبد الملك بن مروان أقاد ولي رجل على رجل قتله بعصاً, فقتله وليه بعصاً. قال مالك: والأمر المجتمع عليه الذي لا اختلاف فيه عندنا: أن الرجل إذا ضرب الرجل أو رماه بحجر، أو ضربه عمداً فمات من ذلك. فإن هذا هو العمد وفيه القصاص. قال مالك: فقتل العمد عندنا أن يعمد الرجل إلى الرجل فيضربه حتى تفيض نفسه اهـ محل الغرض عنه. وقد قدمنا أن هذا القول بالقصاص في القتل بالمثقل هو الذي عليه جمهور العلماء. منهم الأئمة الثلاثة، والنخعي، والزهري، وابن سيرين، وحماد، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، نقله عنهم ابن قدامة في المغني. وخالف في ذلك أبو حنيفة، والحسن، والشعبي، وابن المسيب، وعطاء، وطاوس رحمهم الله فقالوا: لا قصاص في القتل بالمثقل. واحتج لهم بأدلة: منها - أن القصاص يشترط له العمد، والعمد من أفعال القلوب، ولا يعلم إلا بالقرائن الجازمة الدالة عليه. فإن كان القتل بآلة القتل كالمحدد، علم أنه عامد قتله. وإن كان بغير ذلك لم يعلم عمده للقتل. لاحتمال قصده أن يشجه أو يؤلمه من غير قصد قتله فيؤول إلى شبه العمد. ومنها - ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة عبد أو أمة. ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها. وأن العقل على عصبتها". وفي رواية "اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها". قالوا: فهذا حديث متفق عليه يدل على عدم القصاص في القتل بغير المحدد. لأن روايات هذا الحديث تدل على القتل بغير محدد، لأن في بعضها أنها قتلتها بعمود، وفي بعضها أنها قتلتها بحجر. ومنها - ما روي عن النعمان بن بشير، وأبي هريرة، وعلي، وأبي بكرة رضي الله عنهم مرفوعاً: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا قود إلا بحديدة"تفسير : . وفي بعض رواياته"حديث : كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش ". تفسير : وقد حاول بعض من نصر هذا القول من الحنفية رد حجج مخالفيهم. فزعم أن رض النَّبي صلى الله عليه وسلم رأس اليهودي بين حجرين إنما وقع بمجرد دعوى الجارية التي قتلها. وأن ذلك دليل على أنه كان معروفاً بالإفساد في الأرض. ولذلك فعل به صلى الله عليه وسلم ما فعل. ورد رواية ابن جريج عن طاوس عن ابن عباس المتقدمة - بأنها مخالفة للروايات الثابتة في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على عاقلة المرأة لا بالقصاص. قال البيهقي في (السنن الكبرى) بعد أن ذكر صحة إسناد الحديث عن ابن عباس بالقصاص من المرأة التي قتلت الأخرى بمسطح كما تقدم ما نصه: إلا أن في لفظ الحديث زيادة لم أرها في شيء من طرق هذا الحديث، وهي قتل المرأة بالمرأة. وفي حديث عكرمة عن ابن عباس موصولاً، وحديث ابن طاوس عن أبيه مرسلاً، وحديث جابر وأبي هريرة موصولاً ثابتاً - أنه قضى بديتها على العاقلة. انتهى محل الغرض من كلام البيهقي بلفظه. وذكر البيهقي أيضاً: أن عمرو بن دينار روجع في هذا الحديث بأن ابن طاوس رواه عن أبيه على خلاف رواية عمرو، فقال للذي راجعه: شككتني. وأجيب من قبل الجمهور عن هذه الاحتجاجات: بأن رضه رأسه اليهودي قصاص. ففي رواية ثابتة في الصحيحين وغيرهما: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يقتله حتى اعترف بأنه قتل الجارية. فهو قتل قصاص باعتراف القاتل، وهو نص متفق عليه، صريح في محل النزاع، ولا سيما عند من يقول باستواء دم المسلم والكافر كالذمي - كأبي حنيفة رحمه الله. وأجابوا عن كون العمد من أفعال القلوب، وأنه لا يعلم كونه عامداً إلا إذا ضرب بالآلة المعهودة للقتل - بأن المثقل كالعمود والصخرة الكبيرة من آلات القتل كالسيف. لأن المشدوخ رأسه بعمود أو صخرة كبيرة يموت من ذلك حالاً عادة كما يموت المضروب بالسيف. وذلك يكفي من القرينة على قصد القتل. وأجابوا عما ثبت من قضاء النَّبي صلى الله عليه وسلم على عاقلة المرأة القاتلة بعمود أو حجر بالدية - من ثلاثة أوجه: الأول: أنه معارض بالرواية الصحيحة التي قدمناها عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث حمل ابن مالك وهو كصاحب القصة. لأن القاتلة والمقتولة زوجتاه - من كونه صلى الله عليه وسلم قضى فيها بالقصاص لا بالدية. الثاني: ما ذكره النووي في شرح مسلم وغيره قال: وهذا محمول على حجر صغير وعمود صغير لا يقصد به القتل غالباً. فيكون شبه عمد تجب فيه الدية على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص ولا دية على الجاني. وهذا مذهب الشافعي والجماهير اهـ كلام النووي رحمه الله. قال مقيده عفا الله عنه: وهذا الجواب غير وجيه عندي: لأن في بعض الروايات الثابتة في الصحيح: أنها قتلت بعمود فسطاط، وحمله على الصغير الذي لا يقتل غالباً بعيد. الثالث: هو ما ذكره ابن حجر في "فتح الباري" من أن مثل هذه المرأة لا تقصد غالباً قتل الأخرى. قال ما نصه: وأجاب من قال به - يعني القصاص في القتل بالمثقل - بأن عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصغر، بحيث يقتل بعضه غالباً ولا يقتل بعضه غالباً. وطرد المماثلة في القصاص إنما يشرع فيما إذا وقعت الجناية بما يقتل غالباً. وفي هذا الجواب نظر، فإن الذي يظهر أنه إنما لم يجب فيه القود لأنها لم يقصد مثلها وشرط القود العمد، وهذا إنما هو شبه العمد، فلا حجة فيه للقتل بالمثقل ولا عكسه. انتهى كلام ابن حجر بلفظه. قال مقيده عفا الله عنه: والدليل القاطع على أن قتل هذه المرأة لضرتها خطأ في القتل شبه عمد. لقصد الضرب دن القتل بما لا يقتل غالباً - تصريح الروايات المتفق عليها: بأنه صلى الله عليه وسلم جعل الدية على العاقلة، والعاقلة لا تحمل العمد بإجماع المسلمين. وأجابوا عن حديث "حديث : لا قود إلا بحديدة"تفسير : بأنه لم يثبت. قال البيهقي في "السنن الكبرى" بعد أن ساق طرقه عن النعمان بن بشير، وأبي بكرة، وأبي هريرة، وعلي رضي الله عنهم ما نصه: وهذا الحديث لم يثبت له إسناده، معلى بن هلال الطحان متروك، وسليمان بن أرقم ضعيف، ومبارك بن فضالة لا يحتج به، وجابر بن يزيد الجعفي مطعون فيه اهـ. وقال ابن حجر "في فتح الباري في باب إذا قتل بحجر أو عصا" ما نصه: وخالف الكوفيون فاحتجوا بحديث "حديث : لا قود إلا بالسيف" تفسير : وهو حديث ضعيف أخرجه البزار، وابن عدي من حديث أبي بكرة. وذكر البزار الاختلاف فيه مع ضعف إسناده: وقال ابن عدي: طرقه كلها ضعيفة. وعلى تقدير ثبوته فإنه على خلاف قاعدتهم في: أن السنة لا تنسخ الكتاب ولا تخصصه. واحتجوا أيضاً بالنهي عن المثلة، وهو صحيح ولكنه محمول عند الجمهور على غير المثلة في القصاص جمعاً بين الدليلين - انتهى الغرض من كلام ابن حجر بلفظه. وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في "نيل الأوطار" ما نصه: وذهبت العترة والكوفيون، ومنهم أبو حنيفة وأصحابه - إلى أن الاقتصاص لا يكون إلا بالسيف. واستدلوا بحديث النعمان بن بشير عند ابن ماجه، والبزار، والطحاوي، والطبراني والبيهقي، بألفاظ مختلفة منها "لا قود إلا بالسيف". وأخرجه ابن ماجه أيضاً، والبزار، والبيهقي من حديث أبي بكرة. وأخرجه الدارقطني، والبيهقي، من حديث أبي هريرة. وأخرجه الدار قطني من حديث علي. وأخرجه البيهقي، والطبراني من حديث ابن مسعود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن مرسلاً. وهذه الطرق كلها لا تخلو واحدة منها من ضعيف أو متروك. حتى قال أبو حاتم: حديث منكر. وقال عبد الحق وابن الجوزي: طرقه كلها ضعيفة. وقال البيهقي: لم يثبت له إسناد. انتهى محل الغرض من كلام الشوكاني رحمه الله تعالى ولا شك في ضعف هذا الحديث عند أهل العلم بالحديث. وقد حاول الشيخ ابن التركماني تقويته في "حاشيته على سنن البيهقي" بدعوى تقوية جابر بن يزيد الجعفي، ومبارك بن فضالة. مع أن جابراً ضعيف رافضي، ومبارك يدلس تدليس التسوية. قال مقيدة عفا الله عنه: الذي يقتضي الدليل رجحانه عندي: هو القصاص مطلقاً في القتل عمداً بمثقل كان أو بمحدد. لما ذكرنا من الأدلة، ولقوله جل وعلا: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ}تفسير : [البقرة:179] الآية. لأن القاتل بعمود أو صخرة كبيرة إذا علم أنه لا يقتص منه جرأه ذلك على القتل. فتنتفي بذلك الحكمة المذكورة في قوله تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاة}تفسير : [البقرة:179] الآية. والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة - جمهور العلماء على أن السلطان الذي جعله الله في هذه الآية لولي المقتول ظلماً يستلزم الخيار بين ثلاثة أشياء: وهي القصاص، والعفو على الدية جبراً على الجاني، والعفو مجاناً في غير مقابل - وهو أحد قولي الشافعي. قال النووي في شرح مسلم: وبه قال سعيد بن المسيب، وابن سيرين وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وعزاه ابن حجر في الفتح إلى الجمهور. وخالف في ذلك مالك، وأبو حنيفة، والثوري رحمهم الله فقالوا: ليس للولي إلا القصاص، أو العفو مجاناً. فلو عفا على الدية وقال الجاني: لا أرضى إلا القتل، أو العفو مجاناً، ولا أرضى الدية. فليس لولي المقتول إلزامه الدية جبراً. واعلم أن الذين قالوا: إن الخيار للولي بين القصاص والدية اختلفوا في عين ما يوجبه القتل عمداً إلى قولين: أحدهما - أنه القود فقط. وعليه فالدية بدل منه. والثاني - أنه أحد شيئين: هما القصاص والدية. وتظهر ثمرة هذا الخلاف فيما لو عفا عن الجاني عفواً مطلقاً، لم يصرح فيه بإرادة الدية ولا العفو عنها. فعلى أن الواجب عينا القصاص فإن الدية تسقط بالعفو المطلق. وعلى أن الواجب أحد الأمرين فإن الدية تلزم مع العفو المطلق. أما لو عفا على الدية فهي لازمة، ولو لم يرض الجاني عند أهل هذا القول. الخلاف المذكور روايتان عن الشافعي، وأحمد رحمهما الله. واحتج من قال: بأن الخيار بين القصاص والدية لولي المقتول بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدى، وإما أن يقتل"تفسير : أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. لكن لفظ الترمذي: "حديث : إما أن تعفوا وإما أن يقتل"تفسير : . ومعنى "يفدى" في بعض الروايات، "ويودى" في بعضها: يأخذ الفداء بمعنى الدية. وقوله "يقتل" بالبناء للفاعل: أي يقتل قاتل وليه. قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه نص في محل النزاع، مصرح بأن ولي المقتول مخير بين القصاص وأخذ الدية. وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء. وهذا الدليل قوي دلالة ومتناً كما ترى. واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}تفسير : [البقرة:178]. قالوا: إن الله جل وعلا رتب الاتباع بالدية بالفاء على العفو في قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوف} الآية. وذلك دليل واضح على أنه بمجرد العفو تلزم الدية، وهو دليل قرآني قوي أيضاً. واحتج بعض العلماء للمخالفين في هذا. كمالك وأبي حنيفة رحمهما الله بأدلة. منها ما قاله الطحاوي: وهو أن الحجة لهم حديث أنس في قصة الربيع عمته فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم. "حديث : كتاب الله قصاص"تفسير : فإنه حكم بالقصاص ولم يخير. ولو كان الخيار للولي لأعلمهم النَّبي صلى الله عليه وسلم. إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما. فلما حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله "حديث : فهو بخير النظرين"تفسير : أي ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية اهـ. وتعقب ابن حجر في "فتح الباري" احتجاج الطحاوي هذا بما نصه: وتعقب بأنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كتاب الله القصاص"تفسير : إنما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القود. فأعلم أن كتاب الله نزل على أن المجني إذا طلب القود أجيب إليه. وليس فيما ادعاه من تأخير البيان. الثاني - ما ذكره الطحاوي أيضاً: من أنهم أجمعوا على أن الولي لو قال للقاتل: رضيت أن تعطيني كذا على ألا أقتلك - أن القاتل لا يجبر على ذلك. ولا يؤخذ منه كرهاً، وإن كان يجب عليه أن يحقن دم نفسه. الثالث - أن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور "حديث : فهو بخير النظرين.."تفسير : الحديث جار مجرى الغالب فلا مفهوم مخالفة له. وقد تقرر في الأصول: أن النص إذا جرى علىالغالب لا يكون له مفهوم مخالفة لاحتمال قصد نفس الأغلبية دون قصد إخراج المفهوم عن حكم المنطوق. ولذا لم يعتبر جمهور العلماء مفهوم المخالفة في قوله تعالى: {أية : وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ}تفسير : [النساء:23] الآية. لجريه على الغالب، وقد ذكرنا هذه المسألة في هذا الكتاب المبارك مراراً. وإيضاح ذلك في الحديث - أن مفهوم قوله "حديث : فهو بخير النظرين" تفسير : أن الجاني لو امتنع من قبول الدية وقدم نفسه للقتل ممتنعاً من إعطاء الدية - أنه يجبر على إعطائها. لأن هذا أحد النظرين اللذين خير الشارع ولي المقتول بينهما. والغالب أن الإنسان يقدم نفسه على ماله فيفتدى بماله من القتل. وجريان الحديث على هذا الأمر الغالب يمنع من اعتبار مفهوم مخالفته كما ذكره أهل الأصول، وعقده في "مراقي السعود" بقوله في موانع اعتبار دليل الخطاب، أعني مفهوم المخالفة: شعر : أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جري على الذي غلب تفسير : ومحل الشاهد قوله "أو جري على الذي غلب" إلى غير ذلك من الأدلة التي احتجوا بها. قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة: أنّ ولي المقتول هوالمخير بين الأمرين، فلو أراد الدية وامتنع الجاني فله إجباره على دفعها. لدلالة الحديث المتفق عليه على ذلك، ودلالة الآية المتقدمة عليه، ولأن الله يقول: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [النساء:29] الآية، ويقول: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}تفسير : [البقرة:195]. ومن الأمر الواضح أنه إذا أراد إهلاك نفسه صوناً لماله للوارث - أن الشارع يمنعه من هذا التصرف الزائغ عن طريق الصواب، ويجبره على صون دمه بماله. وما احتج به الطحاوي من الإجماع على أنه لو قال له: أعطني كذا على ألا أقتلك لا يجبر على ذلك - يجاب عنه بأنه لو قال: أعطني الدية المقررة في قتل العمد فإنه يجبر على ذلك. لنص الحديث، والآية المذكورين. ولو قال له: أعطني كذا غير الدية لم يجبر. لأنه طلب غير الشيء الذي أوجبه الشارع، والعلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة - جمهور العلماء على أن القتل له ثلاث حالات: الأولى: العمد، وهو الذي فيه السلطان المذكور في الآية كما قدمنا. والثانية: شبه العمد، والثالثة: الخطأ. وممن قال بهذا: الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، وأحمد، والشافعي. ونقله في المغني عن عمر، وعلي رضي الله عنهما، والشعبي والنخعي، وقتادة، وحماد، وأهل العراق، والثوري، وغيرهم. وخالف الجمهورمالك رحمه الله فقال: القتل له حالتان فقط. الأولى - العمد والثانية - الخطأ. وما يسميه غيره شبه العمد جعله من العمد. واستدل رحمه الله بأن الله لم يجعل في كتابه العزيز واسطة بين العمد والخطأ. بل ظاهر القرآن أنه لا واسطة بينهما. كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ}تفسير : [النساء:92] الآية. ثم قال في العمد: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ}تفسير : [النساء:93] الآية، فلم يجعل بين الخطأ والعمد واسطة، وكقوله تعالى: {أية : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}تفسير : [الأحزاب:5] الآية. فلم يجعل فيها بين الخطأ والعمد واسطة وإن كانت في غير القتل. واحتج الجمهور على أن هناك واسطة بين الخطأ المحض، والعمد المحض، تسمى خطأ شبه عمد بأمرين: الأول - أن هذا هو عين الواقع في نفس الأمر, لأن من ضرب بعصا صغيرة أو حجر صغير لا يحصل به القتل غالباً وهو قاصد للضرب معتقداً أن المضروب لا يقتله ذلك الضرب. ففعله هذا شبه العمد من جهة قصده أصل الضرب وهو خطأ في القتل. لأنه ما كان يقصد القتل، بل وقع القتل من غير قصده إياه. والثاني - حديث دل على ذلك، وهو ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا سليمان بن حرب، ومسدد المعنى قالا: حدثنا حماد، عن خالد، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال مسدد: خطب يوم الفتح بمكة، فكبر ثلاثاً ثم قال: "حديث : لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده تفسير : [إلى ها هنا حفظته عن مسدد، ثم اتفقا]: حديث : ألا أن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعى من دم أو مال تحت قدميَّ، إلا ما كان من سقاية الحاج أو سدانة البيت تفسير : - ثم قال -حديث : ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادهاتفسير : ، وحديث مسدد أتم. حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب، عن خالد بهذا الإسناد نحو معناه. حدثنا مسدد، ثنا عبد الوارث، عن علي بن زيد، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بمعناه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح - أو فتح مكة - على درجة البيت أو الكعبة. قال أبو داود: كذا رواه ابن عيينة أيضاَ عن علي بن زيد، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. رواه أيوب السختياني، عن القاسم بن ربيعة، عن عبد الله بن عمرو مثل حديث خالد ورواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يعقوب الدّوسي، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم اهـ محل الغرض من سنن أبي داود. وأخرج النسائي نحوه، وذكر الاختلاف على أيوب في حديث القاسم بن ربيعة فيه، وذكر الاختلاف على خالد الحذاء فيه وأطال الكلام في ذلك. وقد تركنا لفظ كلامه لطوله. وقال ابن ماجه رحمه الله في سننه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة، عن أيوب: سمعت القاسم بن ربيعة، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل: أربعون منها خلفة في بطونها أولادها ". تفسير : حدثنا محمد بن يحيى، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن خالد الحذَّاء عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم نحوه. حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جدعان، سمعه من القاسم بن ربيعة عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم فتح مكة وهو على درج الكعبة، فحمد الله وأثنى عليه فقال: "حديث : الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. إلا إنّ قتيل الخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل: منها أربعون خلفة في بطونها أولادها"تفسير : . اهـ. وساق البيهقي رحمه الله طرق هذا الحديث، وقال بعد أن ذكر الرواية عن ابن عمر التي في إسنادها علي بن زيد بن جدعان: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت محمد بن إسماعيل السكري يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: حضرت مجلس المزني يوماً وسأله سائل من العراقيين عن شبه العمد. فقال السائل: إن الله تبارك وتعالى وصف القتل في كتابه صفتين: عمداً وخطأ. فلم قلتم إنه على ثلاثة أصناف؟ ولم قلتم شبه العمد؟ فاحتج المزني بهذا الحديث فقال له مناظره: أتحتج بعلي بن زيد بن جدعان؟ فسكت المزني. فقلت لمناظره: قد روى هذا الخبر غير علي بن زيد. فقال: ومن رواه غير علي؟ قلت: رواه أيوب السختياني وخالد الحذَّاء. قال لي: فمن عقبة بن أوس؟ فقلت: عقبة بن أوس رجل من أهل البصرة، وقد رواه عنه محمد بن سيرين مع جلالته. فقال للمزني: أنت تناظر! أو هذا؟ فقال: إذا جاء الحديث فهو يناظر. لأنه أعلم بالحديث مني، ثم أتكلم أنا أهـ ثم شرع البيهقي يسوق طرق الحديث المذكور. قال مقيدة عفا الله عنه: لا يخفى على من له أدنى معرفة بالأسانيد. أن الحديث ثابت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأن الرواية عن ابن عمر وهم، وآفتها من علي بن زيد بن جدعان. لأنه ضعيف. والمعروف في علوم الحديث: أن الحديث إذا جاء صحيحاً من وجه لا يعل بإتيانه من وجه آخر غير صحيح. والقصة التي ذكرها البيهقي في مناظرة محمد بن إسحاق بن خزيمة للعراقي الذي ناظر المزني، تدل على صحة الاحتجاج بالحديث المذكور عند ابن خزيمة. قال مقيده عفا الله عنه: إذا عرفت الاختلاف بين العلماء في حالات القتل: هل هي ثلاث، أو اثنتان؟ وعرفت حجج الفريقين - فاعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه ما ذهب إليه الجمهور من أنها ثلاث حالات: عمد محض، وخطأ محض، وشبه عمد. لدلالة الحديث الذي ذكرنا على ذلك، ولأنه ذهب إليه الجمهور من علماء المسلمين. والحديث إنما أثبت شيئاً سكت عنه القرآن، فغاية ما في الباب زيادة أمر سكت عنه القرآن بالسنة، وذلك لا إشكال فيه على الجاري على أصول الأئمة إلا أبا حنيفة رحمه الله. لأن المقرر في أصوله أن الزيادة على النص نسخ، وأن المتواتر لا ينسخ بالآحاد. كما تقدم إيضاحه في سورة "الأنعام". ولكن الإمام أبا حنيفة رحمه الله وافق الجمهور في هذه المسألة، خلافاً لمالك كما تقدم. فإذا تقرر ما ذكرنا من أن حالات القتل ثلاث - فاعلم أن العمد المحض فيه القصاص. وقد قدمنا حكم العفو فيه. والخطأ شبه العمد. والخطأ المحض فيهما الدية على العاقلة. واختلف العلماء في أسنان الدية فيهما. وسنبين إن شاء الله تعالى مقادير الدية في العمد المحض إذا وقع العفو على الدية، وفي شبه العمد. وفي الخطأ المحض. اعلم أن الجمهور على أن الدية في العمد المحض وشبه العمد سواء. واختلفوا في أسنانها فيهما. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تكون أرباعاً: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة. وهذا هو مذهب مالك وأبي حنيفة، والرواية المشهورة عن أحمد، وهو قول الزهري، وربيعة، وسليمان ابن يسار، ويروى عن ابن مسعود. كما نقله عنهم ابن قدامى في المغني. وذهبت جماعة أخرى إلى أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون في بطونها أولادها. وهذا مذهب الشافعي، وبه قال عطاء، ومحمد بن الحسن، وروي عن عمر، وزيد، وأبي موسى، والمغيرة. ورواه جماعة عن الإمام أحمد. قال مقيدة عفا الله عنه: وهذا القول هو الذي يقتضي الدليل رجحانه لما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه: من أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : منها أربعون خلفة في بطونها أولادها"تفسير : وبعض طرقه صحيح كما تقدم. وقال البيهقي في بيان الستين التي لم يتعرض لها هذا الحديث: (باب صفة الستين التي مع الأربعين) ثم ساق أسانيده عن عمر، وزيد بن ثابت، والمغيرة بن شعبة، وأبي موسى الأشعري، وعثمان بن عفان، وعلي في إحدى روايتيه عنه أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة. وقال ابن قدامة في المغني مستدلاً لهذا القول: ودليله هو ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قتل مؤمناً متعمداً دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا فهو لهم"تفسير : وذلك لتشديد القتل. رواه الترمذي وقال: هو حديث حسن غريب اهـ محل الغرض منه بلفظه، ثم ساق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي قدمنا. ثم قال مستدلاً للقول الأول: ووجه الأول ما روى الزهري عن السائب بن يزيد قال: "كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباعاً: خمساً وعشرين جذعة، وخمساً وعشرين بنت لبون، وخمساً وعشرين بنت مخاض" وهو قول ابن مسعود اهـ منه. وفي الموطأ عن مالك: أن ابن شهاب كان يقول في دية العمد إذا قبلت: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقه، وخمس وعشرون جذعة. وقد قدمنا: أن دية العمد، ودية شبه العمد سواء عند الجمهور. وفي دية شبه العمد للعلماء أقوال غير ما ذكرنا. منها ما رواه البيهقي، وأبو داود عن علي رضي الله عنه أنه قال: الدية في شبه العمد أثلاث: ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها، وكلها خلفة. ومنها ما رواه البيهقي وغيره عن ابن مسعود أيضاً: أنها أرباع: ربع بنات لبون، وربع حقاق وربع جذع" وربع ثنية إلى بازل عامها. هذا حاصل أقوال أهل العلم في دية العمد، وشبه العمد. وأولى الأقوال وأرجحها: ما دلت عليه السنة، وهو ما قدمنا من كونها ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة في بطونها أولادها. وقد قال البيهقي رحمه الله في السنن الكبرى بعد أن ساق الأقوال المذكورة ما نصه: قد اختلفوا هذا الاختلاف، وقول من يوافق سنة النَّبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في الباب قبله أولى بالاتباع، وبالله التوفيق. تنبيه اعلم أن الدية في العمد المحض إذا عفا أولياء المقتول: إنما هي في مال الجاني، ولا تحملها العاقلة إجماعاً. وأظهر القولين: أنها حالة غير منجمة في سنين. وهو قول جمهور أهل العلم. وقيل بتنجيمها. وعند أبي حنيفة أن العمد ليس فيه دية مقررة أصلاً. بل الواجب فيه ما اتفق عليه الجاني وأولياء المقتول، قليلاً كان أو كثيراً، وهو حال عنده. أما الدية في شبه العمد فهي منجمة في ثلاث سنين، يدفع ثلثها في آخر كل سنة من السنين الثلاث، ويعتبر ابتداء السنة من حين وجوب الدية. وقال بعض أهل العلم: ابتداؤها من حين حكم الحاكم بالدية، وهي على العاقلة لما قدمناه في حديث أبي هريرة المتفق عليه من كونها على العاقلة. وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد رحمهم الله. وبه قال الشعبي والنخعي، والحكم، والثوري، وابن المنذر وغيرهم. كما نقله عنهم صاحب المغني - وهذا القول هو الحق. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الدية في شبة العمد في مال الجاني لا على العاقلة. لقصده الضرب وإن لم يقصد القتل. وبهذا قال ابن سيرين، والزهري، والحارث العكلي، وابن شبرمة، وقتادة، وأبو ثور، واختاره أبو بكر عبد العزيز اهـ من "المغني" لابن قدامة. وقد علمت أن الصواب خلافه. لدلالة الحديث المتفق عليه على ذلك. أما مالك رحمه الله فلا يقول بشبه العمد أصلاً. فهي عنده عمد محض كما تقدم. وأما الدية في الخطأ المحض فهو أخماس في قول أكثر أهل العلم. واتفق أكثرهم على السن والصنف في أربع منها، واختلفوا في الخامس. أما الأربع التي هي محل اتفاق الأكثر فهي عشرون جذعة، وعشرون حقة، وعشرون بنت لبون، وعشرون بنت مخاض. وأما الخامس الذي هو محل الخلاف فبعض أهل العلم يقول: هو عشرون ابن مخاض ذكراً. وهو مذهب أحمد، وأبي حنيفة، وبه قال ابن مسعود، والنخعي وابن المنذر. واستدل أهل هذا القول بحديث ابن مسعود الوارد بذلك. قال أبو داود في سننه: حدثنا مسدد، حدثنا عبد الواحد، ثنا الحجاج عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك الطائي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن مخاض ذكراً"تفسير : . وهو قول عبد الله - انتهى منه بلفظه. وقال النسائي في سننه: أخبرنا علي بن سعيد بن مسروق قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن حجاج، عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك الطائي قال: سمعت ابن مسعود يقول: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين ابن مخاض ذكوراً، وعشرين بنت لبون، وعشرين جَذَعة، وعشرين حِقَّة. وقال ابن ماجة في سننه: حدثنا عبد السلام بن عاصم، ثنا الصبَّاح بن محارب، ثنا حجاج بن أرطاة، ثنا زيد بن جبير، عن خشف بن مالك الطائي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، و عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض ذكوراً"تفسير : ونحو هذا أخرجه الترمذي أيضاً عن ابن مسعود. وأخرج الدارقطني عنه نحوه. إلا أن فيه: وعشرون بني لبون بدل بني مخاض. وقال الحافظ في "بلوغ المرام": إن إسناده أقوى من إسناد الأربعة. قال: وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر موقوفاً، وهو أصح من المرفوع. وأما القول الثاني في هذا الخامس المختلف فيه - فهو أنه عشرون ابن لبون ذكراً، مع عشرين جذعة، وعشرين حقة، وعشرين بنت لبون، وعشرين بنت مخاض. وهذا هو مذهب مالك والشافعي. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري، والليث، وربيعة. كما نقله عنهم ابن قدامة في "المغني" وقال: هكذا رواه سعيد في سننه عن النخعي، عن ابن مسعود. وقال الخطابي: روي أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "ودى الذي قتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة" وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض. وقال البيهقي في السنن الكبرى: وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الرفاء البغدادي، أنبأ أبو عمرو عثمان بن محمد بن بشر، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس وعيسى بن مينا قالا: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، أن أباه قال: كان من أدركت من فقهائنا الذين ينتهي إلى قولهم. منهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، في مشيخة جلة سواهم من نظرائهم، وربما اختلفوا في الشيء فأخذنا بقول أكثرهم وأفضلهم رأياً، وكانوا يقولون: العقل في الخطأ خمسة أخماس: فخمس جذاع، وخمس حقاق، وخمس بنات لبون، وخمس بنات مخاض، وخمس بنو لبون ذكور، والسن في كل جرح قل أو كثر خمسة أخماس على هذه الصفة - انتهى كلام البيهقي رحمه الله. قال مقيدة عفا الله عنه: جعل بعضهم أقرب القولين دليلاً قول من قال: إن الصنف الخامس من أبناء المخاض الذكور لا من أبناء اللبون. لحديث عبد الله بن مسعود المرفوع المصرح بقضاء النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك. قال: والحديث المذكور وإن كان فيه ما فيه أولى من الأخذ بغيره من الرأي. وسند أبي داود، والنسائي رجاله كلهم صالحون للاحتجاج. إلا الحجاج بن أرطاة فإن فيه كلاماً كثيراً واختلافاً بين العلماء. فمنهم من يوثقه، ومنهم من يضعفه. وقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك تضعيف بعض أهل العلم له. وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق كثير الخطأ والتدليس. قال مقيدة عفا الله عنه: حجاج المذكور من رجال مسلم. وأعل أبو داود والبيهقي وغيرهما الحديث بالوقف على ابن مسعود، قالوا: رفعه إلى النًّبي صلى الله عليه وسلم خطأ، وقد أشرنا إلى ذلك قريباً. أما وجه صلاحية بقية رجال السنن - فالطبقة الأولى من سنده عند أبي داود مسدد وهو ثقة حافظ. وعند النسائي سعيد بن علي بن سعيد بن مسروق الكندي الكوفي وهو صدوق. والطبقة الثانية عند أبي داود عبد الواحد وهو ابن زياد العبدي مولاهم البصري ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال. وعند النسائي يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وهو ثقة متقن. والطبقة الثالثة عندهما حجاج بن أرطاة المذكور. والطبقة الرابعة عندهما زيد بن جبير وهو ثقة. والطبقة الخامسة عندهما خشف بن مالك الطائي وثقة النسائي. والطبقة السادسة عندهما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النًّبي صلى الله عليه وسلم. والطبقة الأولى عند ابن ماجه عبد السلام بن عاصم الجعفي الهسنجاني الرازي وهو مقبول. والطبقة الثانية عنده الصباح بن محارب التيمي الكوفي نزيل الري وهو صدوق، ربما خالف. والطبقة الثالثة عنده حجاج بن أرطاة إلى آخر السند المذكور. والحاصل - أن الحديث متكلم فيه من جهتين: الأولى من قبل حجاج بن أرطاة، وقد ضعفه الأكثر، ووثقه بعضهم، وهو من رجال مسلم. والثانية إعلاله بالوقف، وما احتج به الخطابي من أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "ودى الذي قتل بخيبر من إبل الصدقة" وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض. يقال فيه: إن الذي قتل في خيبر قتل عمداً، وكلامنا في الخطأ. وحجة من قال يجعل أبناء اللبون بدل أبناء المخاض رواية الدارقطني المرفوعة التي قال ابن حجر: إن سندها أصح من رواية أبناء المخاض، وكثرة من قال بذلك من العلماء. وفي دية الخطأ للعلماء أقوال أخر غير ما ذكرنا. واستدلوا لها بأحاديث أخرى انظرها في "سنن النسائي، وأبي داود، والبيهقي" وغيرهم. واعلم أن الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم عند الجمهور. وقال أبو حنيفة: عشرة آلاف درهم. وعلى أهل البقر مائتا بقرة. وعلى أهل الشاء ألفا شاة. وعلى أهل الحلل مائتا حلة. قال أبو داود في سننه: حدثنا يحيى بن حكيم، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، ثنا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم. ودية أهل الكتاب يؤمئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك كذلك، حتى استخلف عمر رحمه الله تعالى فقام خطيباً فقال: ألا إن الإبل قد غلت، قال: ففرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. وترك دية أهل الكتاب لم يرفعها فيما رفع من الدية. حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح شيئاً لم يحفظه محمد". قال أبو داود: قرأت على سعيد بن يعقوب الطالقاني قال: ثنا أبو تميلة، ثنا محمد بن إسحاق قال: ذكر عطاء عن جابر بن عبد الله قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فذكر مثل حديث موسى - وقال: وعلى أهل الطعام شيئاً لم أحفظه اهـ. وقال النسائي في سننه: أخبرنا أحمد بن سليمان قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا محمد بن راشد عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكور ". تفسير : قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقومها على أهل القرى أربعمائة دينار، أو عدلها من الورق. ويقومها على أهل الإبل إذا غلت رفع قيمتها وإذا هانت نقص من قيمتها - على نحو الزمان ما كان. فبلغ قيمتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الأربعمائة دينار، إلى ثمانمائة دينار أو عدلها من الورق. قال: وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من كان عقله في البقر: على أهل البقر مائتي بقرة. ومن كان عقله في الشاء: ألفي شاة. وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم، فما فضل فللعصبة" وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن يعقل على المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها. وإن قتلت فعقلها بين ورثتها وهم يقتلون قاتلها". وقال النسائي في سننه: أخبرنا محمد بن المثنى، عن معاذ بن هانىء قال: حدثني محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار (ح) وأخبرنا أبو داود قال: حدثنا معاذ بن هانىء قال: حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قتل رجل رجلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعل النَّبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفاً - وذكر قوله: {أية : إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [التوبة:74] في أخذهم الدية واللفظ لأبي داود: أخبرنا محمد بن ميمون قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، حديث : عن ابن عباس: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "قضى باثني عشر ألفاً" تفسير : يعني في الدية - انتهى كلام النسائي رحمه الله. وقال أبو داود في سننه أيضاً: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، ثنا زيد بن الحباب، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلاً من بني عدي قتل. فجعل النَّبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفاً. قال أبو داود: رواه ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر ابن عباس. وقال ابن ماجه في سننه: حدثنا العباس بن جعفر، ثنا محمد بن سنان، ثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، حديث : عن ابن عباس، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: "جعل الدية اثني عشر ألفاً" تفسير : قال: وذلك قوله: {أية : وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [التوبة:74] قال: بأخذهم الدية. وفي الموطأ عن مالك: أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. قال مالك: فأهل الذهب أهل الشام وأهل مصر، وأهل الورق أهل العراق. وعن مالك في الموطأ أيضاً: أنه سمع أن الدية تقطع في ثلاث سنين أو أربع سنين. قال مالك: والثلاث أحب ما سمعت إلي في ذلك. قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا يقبل من أهل القرى في الدية الإبل، ولا من أهل العمود الذهب ولا الورق، ولا من أهل الذهب الورق، ولا من أهل الورق الذهب. فروع تتعلق بهذه المسألة. الأول - جمهور أهل العلم على أن الدية في الخطأ وشبه العمد مؤجلة في ثلاث سنين، يدفع ثلثها في كل واحد من السنين الثلاث. قال ابن قدامة في "المغني": ولا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين. فإن عمر وعلياً رضي الله عنهما جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين، ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفاً. فاتبعهم على ذلك أهل العلم اهـ. قال مقيده عفا الله عنه: ومثل هذا يسمى إجماعاً سكوتياً، وهو حجة ظنية عند جماعة من أهل الأصول، وأشار إلى ذلك صاحب "مراقي السعود" مع بيان شرط الاحتجاج به عند من يقول بذلك بقوله: شعر : وجعل من سكت مثل من أقر فيه خلاف بينهم قد اشتهر فالاحتجاج بالسكوتي نما تفريعه عليه من تقدما وهو بفقد السخط والضد حرى مع مضي مهلة للنظر تفسير : وتأجليها في ثلاث سنين هو قول أكثر أهل العلم. الفرع الثاني - اختلف العلماء في نفس الجاني. هل يلزمه قسط من دية الخطأ كواحد من العاقلة، أو لا. فمذهب أبي حنيفة، ومشهور مذهب مالك: أن الجاني يلزمه قسط من الدية كواحد من العاقلة. وذهب الإمام أحمد والشافعي: إلى أنه لا يلزمه من الدية شيء، لظاهر حديث أبي هريرة المتفق عليه المتقدم: حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "قضى بالدية على عاقلة المرأة" تفسير : وظاهره قضاؤه بجميع الدية على العاقلة. وحجة القول الآخر: أن أصل الجناية عليه وهم معينون له. فيتحمل عن نفسه مثل ما يتحمل رجل من عاقلته. الفرع الثالث - اختلف العلماء في تعيين العاقلة التي تحمل عن الجاني دية الخطأ. فمذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله: أن العاقلة هم أهل ديوان القاتل إن كان القاتل من أهل ديوان، وأهل الديوان أهل الرايات، وهم الجيش الذين كتبت أسماؤهم في الديوان لمناصرة بعضهم بعضاً، تؤخذ الدية من عطاياهم في ثلاث سنين. وإن لم من يكن من أهل ديوان فعاقلته قبيلته، وتقسم عليهم في ثلاث سنين. فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل نسباً على ترتيب العصبات. ومذهب مالك رحمه الله - البداءة بأهل الديوان أيضاً. فتؤخذ الدية من عطاياهم في ثلاث سنين. فإن لم يكن عطاءهم قائماً فعاقلته عصبته الأقرب فالأقرب. ولا يحمل النساء ولا الصبيان شيئاً من العقل. وليس لأموال العاقلة حد إذا بلغته عقلوا، ولا لما يؤخذ منهم حد. ولا يكلف أغنياؤهم الأداء عن فقرائهم. ومن لم تكن له عصبة فعقله في بيت مال المسلمين. والموالي بمنزلة العصبة من القرابة. ويدخل في القرابة الابن والأب. قال سحنون: إن كانت العاقلة ألفاً فهم قليل، يضم إليهم أقرب القبائل إليهم. ومذهب أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يؤخذ من واحد من أفراد العصبة من الدية أكثر من درهم وثلث في كل سنة من السنين الثلاث. فالمجموع أربعة دراهم. ومذهب أحمد والشافعي: أن أهل الديوان لا مدخل لهم في العقل إلا إذا كانوا عصبة. ومذهبهما رحمهما الله: أن العاقلة هي العصبة، إلا أنهم اختلفوا هل يدخل في ذلك الأبناء والآباء؟ فعن أحمد في إحدى الروايتين: أنهم داخلون في العصبة. لأنهم أقرب العصبة. وعن أحمد رواية أخرى والشافعي: أنهم لا يدخلون في العاقلة. لظاهر حديث أبي هريرة المتفق عليه المتقدم: "حديث : أن ميراث المرأة لولدها، والدية على عاقلتها"تفسير : وظاهره عدم دخول أولادها. فقيس الآباء على الأولاد. وقال ابن قدامة في "المغني": واختلف أهل العلم فيما يحمله كل واحد منهم. فقال أحمد. يحملون على قدر ما يطيقون. هذا لا يتقدر شرعاً. وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم. فيفرض على كل واحد قدراً يسهل ولا يؤذي، وهذا مذهب مالك. لأن التقدير لا يثبت إلا بتوقيف. ولا يثبت بالرأي والتحكم. ولا نص في هذه المسألة فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم كمقادير النفقات. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يفرض على الموسر نصف مثقال. لأنه أقل مال يتقدر في الزكاة فكان معبراً بها. ويجب على المتوسط ربع مثقال، لأن ما دون ذلك تافه لكون اليد لا تقطع فيه. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: لا تقطع اليد في الشيء التافه، وما دون ربع دينار لا تقطع فيه. وهذا اختيار أبي بكر، ومذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: أكثر ما يحمل على الواحد أربعة دراهم، وليس لأقله حد اهـ كلام صاحب "المغني". وهو الذي نقل عن أبي حنيفة هو معنى ما قدّمناه عنه لأنّ درهماً وثلثا في كل سنة من السنين الثلاث أربعة دراهم. الفرع الرابع - لا تحمل العاقلة شيئاً من الكفارة المنصوص عليها في قوله {أية : وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً}تفسير : [النساء:92] بل هي في مال الجاني إجماعاً. وشذ من قال: هي في بيت المال. والكفارة في قتل الخطأ واجبة إجماعاً بنص الآية الكريمة الصريحة في ذلك. واختلفوا في العمد، واختلافهم فيه مشهور، وأجرى القولين على القياس عندي قول من قال: لا كفارة في العمد، لأن العمد في القتل أعظم من أن يكفره العتق. لقوله تعالى في القاتل عمداً: {أية : فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}تفسير : [النساء:93] فهذا الأمر أعلى وأفخم من أن يكفر بعتق رقبة. والعلم عند الله تعالى. والدية لا تحملها العاقلة إن كان القتل خطأ ثابتاً بإقرار الجاني ولم يصدقوه، بل إنما تحملها إن ثبت القتل ببينة، كما ذهب إلى هذا عامة أهل العلم، منهم ابن عباس، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والزهري، وسليمان بن موسى، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق. وبه قال الشافعي، وأحمد، ومالك، وأبو حنيفة وغيرهم. والعلم عند الله تعالى. الفرع الخامس - جمهور العلماء على أن دية المرأة الحرة المسلمة نصف دية الرجل الحر المسلم على ما بينا. قال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل. وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أنهما قالا: ديتها كدية الرجل. وهذا قول شاذ، مخالف لإجماع الصحابة كما قاله صاحب المغني. وجراح المرأة تساوي جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإن بلغت الثلث فعلى النصف. قال ابن قدامة في "المغني": وروي هذا عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت. وبه قال سعيد بن المسيب. وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير، والزهري وقتادة، والأعرج، وربيعة، ومالك. قال ابن عبد البر: وهو قول فقهاء المدينة السبعة. وجمهور أهل المدينة وحكي عن الشافعي في القديم. وقال الحسن: يستويان إلى النصف. وروي عن علي رضي الله عنه: أنها على النصف فيما قل أو أكثر. وروي ذلك عن ابن سيرين. وبه قال الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو حنيفة وأصحابه. وأبو ثور، والشافعي في ظاهر مذهبه، واختاره ابن المنذر. لأنهما شخصان تختلف ديتهما فاختلف أرش أطرافهما اهـ وهذا القول أقيس. قال مقيدة عفا الله عنه: كلام ابن قدامة والخرقي صريح في أن ما بلغ ثلث الدية يستويان فيه وأن، تفضيله عليها بنصف الدية إنما هو فيما زاد على الثلث. فمقتضى كلامهما أن دية جائفة المرأة ومأمومتها كدية جائفة الرجل ومأمومته. لأن في كل من الجائفة والمأمومة ثلث الدية، وأن عقلها لا يكون على النصف من عقله إلا فيما زاد على الثلث، كديه أربعة أصابع من اليد، فإن فيها أربعين من الإبل، إذ في كل إصبع عشر، والأربعون أكثر من ثلث المائة. وكلام مالك في الموطأ وغيره صريح في أن ما بلغ الثلث كالجائفة والمأمومة تكون دية المرأة فيه على النصف من دية الرجل، وأن محل استوائها إنما هو فيما دون الثلث خاصة كالموضحة والمنقلة، والإصبع والإصبعين والثلاثة. وهما قولان معروفان لأهل العلم. وأصحهما هو ما ذكرناه عن مالك، ورجحه ابن قدامه في آخر كلامه بالحديث الآتي إن شاء الله تعالى. قال مقيدة عفا الله عنه: وهذا القول مشكل جداً لأنه يقتضي أن المرأة إن قطعت من يدها ثلاثة أصابع كانت ديتها ثلاثين من الإبل كأصابع الرجل لأنها دون الثلث. وإن قطعت من يدها أربعة أصابع كانت ديتها عشرين من الإبل، لأنها زادت على الثلث فصارت على النصف من دية الرجل. وكون دية الأصابع الثلاثة ثلاثين من الإبل، ودية الأصابع الأربعة عشرين في غاية الإشكال كما ترى. وقد استشكل هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، على سعيد بن المسيب، فأجابه بأن هذا هو السنة. ففي موطأ مالك رحمه الله عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سألت سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل. فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل. فقلت كم في ثلاث؟ فقال: ثلاثون من الإبل. فقلت: كم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل. فقلت: حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ فقال سعيد: أعراقي أنت؟ فقلت. بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم. فقال سعيد: هي السنة يا بن أخي! وظاهر كلام سعيد هذا: أن هذا من سنة النَّبي صلى الله عليه وسلم. ولو قلنا: أن هذا له حكم الرفع فإنه مرسل، لأن سعيداً لم يدرك زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم. ومراسيل سعيد بن المسيب قد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة "الأنعام" مع أن بعض أهل العلم قال: إن مراده بالسنة هنا سنة أهل المدينة. وقال النسائي رحمه الله في سننه: أخبرنا عيسى بن يونس قال: حدثنا حمزة، عن إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها"تفسير : اهـ وهذا يعضد قول سعيد. إن هذا هو السنة. قال مقيده عفا الله عنه: إسناد النسائي هذا ضعيف فيما يظهر من جهتين. إحداهما - أن إسماعيل بن عياش رواه عن ابن جريج، ورواية إسماعيل المذكور عن غير الشاميين ضعيفة كما قدمنا إيضاحه. وابن جريج ليس بشامي، بل هو حجازي مكي. الثانية - أن ابن جريج عنعنه عن عمر بن شعيب، وابن جريج رحمه الله مدلس، وعنعنة المدلس لا يحتج بها ما لم يثبت السماع من طريق أخرى كما تقرر في علوم الحديث. ويؤيد هذا الإعلال ما قاله الترمذي رحمه الله: من أن محمد بن إسماعيل يعني البخاري قال. إن ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب، كما نقله عنه ابن حجر في "تهذيب التهذيب" في ترجمة ابن جريج المذكور. وبما ذكرنا تعلم أن تصحيح ابن خزيمة لهذا الحديث غير صحيح. وإن نقله عنه ابن حجر في "بلوغ المرام" وسكت عليه. والله أعلم. وهذا مع ما تقدم من كون ما تضمنه هذا الحديث يلزمه أن يكون في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثون، وفي أربعة أصابع عشرون. وهذا مخالف لما عهد من حكمة هذا الشرع الكريم كما ترى. اللهم إلا أن يقال: إن جعل المرأة على النصف من الرجل فيما بلغ الثالث فصاعداً أنه في الزائد فقط. فيكون في أربعة أصابع من أصابعها خمس وثلاثون، فيكون النقص في العشرة الرابعة فقط. وهذا معقول وظاهر، والحديث محتمل له، والله أعلم. ومن الأدلة على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل - ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من وجهين عن عبادة بن نُسي، عن ابن غنم، عن معاذ بن جبل قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : دية المرأة على النصف من دية الرجل" تفسير : ثم قال البيهقي رحمه الله: وروي من وجه آخر عن عبادة بن نسي وفيه ضعف. ومعلوم أن عبادة بن نُسَي ثقة فاضل. فالضعف الذي يعنيه البيهقي من غيره. وأخرج البيهقي أيضاً عن علي مرفوعاً "حديث : دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل"تفسير : وهو من رواية إبراهيم النخعي عنه وفيه انقطاع. وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه، وأخرجه أيضاً من وجه آخر عنه وعن عمر- قاله الشوكاني رحمه الله. الفرع السادس - اعلم أن أصح الأقوال وأظهرها دليلاً: أن دية الكافر الذمي على النصف من دية المسلم. كما قدمنا عن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن دية أهل الكتاب كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف من دية المسلمين، وأن عمر لم يرفعها فيما رفع عند تقويمه الدية لما غلت الإبل. وقال أبو داود أيضاً في سننه: حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي، ثنا عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : دية المعاهد نصف دية الحر"تفسير : قال أبو داود: ورواه أسامة بن زيد الليثي، وعبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب مثله اهـ. وقال النسائي في سننه: أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى.. - وذكر كلمة معناها - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين - وهم اليهود والنصارى" تفسير : أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: أنبأنا ابن وهب قال: أخبرني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : عقل الكافر نصف عقل المؤمن "تفسير : . وقال ابن ماجه رحمه الله في سننه: حدثنا هشام بن عمار، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عياش، حديث : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى". تفسير : وأخرج نحوه الإمام أحمد، والترمذي، عن عمرو عن أبيه عن جده. قال الشوكاني في "نيل الأوطار". وحديث عمرو بن شعيب هذا حسنه الترمذي، وصححه ابن الجارود. وبهذا تعلم أن هذا القول أولى من قول من قال: دية أهل الذمة كدية المسلمين. كأبي حنيفة ومن وافقه. ومن قال: إنها قدر ثلث دية المسلم. كالشافعي ومن وافقه. والعلم عند الله تعالى. واعلم أن الروايات التي جاءت بأن دية الذمي والمعاهد كدية المسلم ضعيفة لايحتج بها. وقد بين البيهقي رحمه الله تعالى ضعفها في "السنن الكبرى" وقد حاول ابن التركماني رحمه الله في حاشيته على سنن البيهقي أن يجعل تلك الروايات صالحة للاحتجاج، وهي ليس فيها شيء صحيح. أما الاستدلال بظاهر قوله تعالى: {أية : وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ}تفسير : [النساء:92] فيقال فيه: هذه دلالة اقتران، وهي غير معتبرة عند الجمهور. وغاية ما في الباب: أن الآية لم تبين قدر دية المسلم ولا الكافر، والسنة بينت أن دية الكافر على النصف من دية المسلم. وهذا لا إشكال فيه. أما استواؤهما في قدر الكفارة فلا دليل فيه على الدية. لأنها مسألة أخرى. والأدلة التي ذكرنا دلالتها أنها على النصف من دية المسلم أقوى، ويؤيدها: أن في الكتاب الذي كتبه النَّبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم:"حديث : وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل"تفسير : فمفهوم قوله "المؤمنة" أن النفس الكافرة ليست كذلك. على أن المخالف في هذا الإمام أبو حنيفة رحمه الله، والمقرر في أصوله: أنه لا يعتبر دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة كما معلوم هو عنه. ولا يقول بحمل المطلق على المقيد. فيستدل بإطلاق النفس عن قيد الإيمان في الأدلة الأخرى على شمولها للكافر. والقول بالفرق بين الكافر المقتول عمداً فتكون ديته كدية المسلم، وبين المقتول خطأ فتكون على النصف من دية المسلم - لا نعلم له مستنداً من كتاب ولا سنة. والعلم عند الله تعالى. وأما دية المجوسي - فأكثر أهل العلم على أنها ثلث خمس دية المسلم. فهي ثمانمائة درهم. ونساؤهم على النصف من ذلك. وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر أهل العلم. منهم عمر وعثمان، وابن مسعود رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وإسحاق. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ديته نصف دية المسلم كدية الكتابي. وقال النخعي، والشعبي: ديته كدية المسلم. وهذا هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله. "حديث : والاستدلال على أن دية المجوسي كدية الكتابي بحديث "سنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب"تفسير : لا يتجه. لأنا لو فرضنا صلاحية الحديث للاحتجاج، فالمراد به أخذ الجزية منهم فقط. بدليل أن نساءهم لا تحل، وذبائحهم لا تؤكل اهـ. وقال ابن قدامة في "المغني": إن قول من ذكرنا من الصحابة: إن دية المجوسي ثلث خمس دية المسلم، لم يخالفهم فيه أحد من الصحابة فصار إجماعاً سكوتياً. وقد قدمنا قول من قال: إنه حجة. وقال بعض أهل العلم: دية المرتد إن قتل قبل الاستتابة كدية المجوسي. وهو مذهب مالك. وأما الحربيون فلا دية لهم مطلقاً. والعلم عند الله تعالى. الفرع السابع - اعلم أن العلماء اختلفوا في موجب التغليظ في الدية. وبم تغلظ. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تغلظ بثلاثة أشياء: وهي القتل في الحرم، وكون المقتول محرماً بحج أو عمرة، أو في الأشهر الحرم. فتغلظ الدية في كل واحد منها بزيادة ثلثها. فمن قتل محرماً فعليه دية وثلث. ومن قتل محرماً في الحرم فدية وثلثان. ومن قتل محرماً في الحرم في الشهر الحرام فديتان. وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله. وروي نحوه عن عمر، وعثمان، وابن عباس رضي الله عنهم. نقله عنهم البيهقي وغيره. وممن روى عنه هذا القول: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، والشعبي، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد. وقتادة، والأوزاعي، وإسحاق، وغيرهم. كما نقله عنهم صاحب المغني. وقال أصحاب الشافعي رحمه الله: تغلظ الدية بالحرم، والأشهر الحرم، وذي الرحم المحرم، وفي تغليظها بالإحرام عنهم وجهان. وصفة التغليظ عند الشافعي: هي أن تجعل دية العمد في الخطأ. ولا تغلظ الدية عند مالك رحمه الله في قتل الوالد ولده قتلاً شبه عمد. كما فعل المدلجي بأبيه. والجد والأم عنده كالأب. وتغليظها عنده: هو تثليثها بكونها ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة في بطونها أولادها، لا يبالي من أي الأسنان كانت. ولا يرث الأب عنده في هذه الصورة من دية الولد ولا من ماله شيئاً. وظاهر الأدلة أن القاتل لا يرث مطلقاً من دية ولا غيرها، سواء كان القاتل عمداً أو خطأ. وفرق المالكية في الخطأ بين الدية وغيرها. فمنعوا ميراثه من الدية دون غيرها من مال التركة. والإطلاق أظهر من هذا التفصيل، والله أعلم. وقصة المدلجي: هي ما رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب: ان رجلاً من بني مدلج يقال له "قتادة" حذف ابنه بالسيف. فأصاب ساقه فنزى في جرحه فمات. فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له. فقال له عمر: أعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك. فلما قدم إليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، وقال: أين أخو المقتول؟ قال: ها أنذا. قال: خذها. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس لقاتل شيء ". تفسير : الفرع الثامن - اعلم أن دية المقتول ميراث بين ورثته. كسائر ما خلفه من تركته. ومن الأدلة الدالة على ذلك، ما روي عن سعيد بن المسيب: أن عمر رضي الله عنه قال: الدية للعاقلة، لا ترث المرأة من دية زوجها. حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه. ورواه مالك في الموطأ من رواية ابن شهاب عن عمر وزاد: قال ابن شهاب: وكان قتلهم أشيم خطأ: وما روي عن الضحاك بن سفيان رضي الله عنه. روي نحوه عن الغيرة بن شعبة وزرارة بن جري. كما ذكره الزرقاني في شرح الموطأ. ومنها ما رواه حديث : عمر بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم" قضى أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم" تفسير : رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وقد قدمنا نص هذا الحديث عند النسائي في حديث طويل. وهذا الحديث قواه ابن عبد البر، وأعله النسائي. قاله الشوكاني. وهو معتضد بما تقدم وبما يأتي، وبإجماع الحجة من أهل العلم على مقتضاه. ومنها ما رواه البخاري في تاريخه حديث : عن قرة بن دعموص النميري قال: أتيت النًّبي صلى الله عليه وسلم أنا وعمي، فقلت: يا رسول الله، عند هذا دية أبي فمره يعطنيها وكان قتل في الجاهلية. فقال: "أعطه دية أبيه" فقلت: هل لأمي فيها حق؟ قال: "نعم"تفسير : وكانت ديته مائة من الإبل. وقد ساقه البخاري في التاريخ هكذا: قال قيس بن حفص: أنا الفضيل بن سليمان النميري قال: أنا عائذ بن ربيعة بن قيس النميري قال: حدثني قرة بن دعموص قال: أتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم أنا وعمي - إلى آخر الحديث باللفظ الذي ذكرنا. وسكت عليه البخاري رحمه الله. ورجال إسناده صالحون للاحتجاج. إلا عائذ بن ربيعة بن قيس النميري فلم نر من جرحه ولا من عدله. وذكر له البخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ترجمة، وذكر أنه سمع قرة بن دعموص - ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً. وظاهر هذه الأدلة يقتضي أن دية المقتول تقسم كسائر تركته على فرائض الله، وهو الظاهر. سواء كان القتل عمداً أو خطأ. ولا يخلو ذلك من خلاف. وروي عن علي رضي الله عنه أنها ميراث كقول الجمهور، وعنه رواية أخرى: أن الدية لا يرثها إلا العصبة الذين يعقلون عنه، وكان هذا هو رأي عمر، وقد رجع عنه لما أخبره الضحاك بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم إياه: أن يورث زوجة أشيم المذكور من دية زوجها. وقال أبو ثور: هي ميراث، ولكنها لا تقضى منها ديونه. ولا تنفذ منها وصاياه. وعن أحمد رواية بذلك. قال ابن قدامة في "المغني": وقد ذكر الخرقي فيمن أوصى بثلث ماله لرجل فقتل وأخذت ديته. فللموصى له بالثلث ثلث الدية - في إحدى الروايتين. والأخرى: ليس لمن أوصى له بالثلث من الدية شيء. ومبنى هذا: على أن الدية ملك للميت، أو على ملك الورثة ابتداء. وفيه روايتان: إحداهما أنها تحدث على ملك الميت. لأنها بدل نفسه، فيكون بدلها له كدية أطرافه المقطوعة منه في الحياة، ولأنه لو أسقطها عن القاتل بعد جرحه إياه كان صحيحاً وليس له إسقاط حق الورثة، ولأنها مال موروث فاشبهت سائر أمواله. والأخرى أنها تحدث على ملك الورثة ابتداء. لأنها إنما تستحق بعد الموت وبالموت تزول أملاك الميت الثابتة له، ويخرج عن أن يكون أهلاً لذلك، وإنما يثبت الملك لورثته ابتداء. ولا أعلم خلافاً في أن الميت يجهز منها اهـ محل الغرض من كلام ابن قدامة رحمه الله. قال مقيدة عفا الله عنه: أظهر القولين عندي: أنه يقرر ملك الميت لديته عند موته فتورث كسائر أملاكه. لتصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم للضحاك في الحديث المذكور بتوريث امرأة أشيم الضبابي من ديته. والميراث لا يطلق شرعاً إلا على ما كان مملوكاً للميت، والله تعالى أعلم. المسألة السادسة - اختلف العلماء في تعيين ولي المقتول الذي جعل الله له هذا السلطان المذكور في هذه الآية الكريمة في قوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} [الإسراء:33] الآية. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بالولي في الآية: الورثة من ذوي الأنساب والأسباب، والرجال والنساء، والصغار والكبائر. فإن عفا من له ذلك منهم صح عفوه وسقط به القصاص، وتعينت الدية لمن لم يعف. وهذا مذهب الإمام أحمد بن حنبل، والإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي رحمهم الله تعالى. وقال ابن قدامة في "المغني": هذا قول أكثر أهل العلم. منهم عطاء، والنخعي، والحكم، وحماد والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي. وروي معنى ذلك عن عمر، وطاوس، والشعبي، وقال الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي: ليس للنساء عفو. أي فهن لا يدخلن عندهم في اسم الولي الذي له السلطان في الآية. ثم قال ابن قدامة: والمشهور عن مالك أنه موروث للعصبات خاصة. وهو وجه لأصحاب الشافعي. قال مقيدة عفا الله عنه: مذهب مالك في هذه المسألة فيه تفصيل: فالولي الذي له السلطان المذكور في الآية الذي هو استيفاء القصاص أو العفو - عنده هو أقرب الورثة العصبة الذكور، والجد والإخوة في ذلك سواء. وهذا هومعنى قول خليل في مختصره والاستيفاء للعاصب كالولاء، إلا الجد والإخوة فسيان اهـ. وليس للزوجين عنده حق في القصاص ولا العفو، وكذلك النساء غير الوارثات: كالعمات، وبنات الإخوة، وبنات العم. أما النساء الوارثات: كالبنات. والأخوات، والأمهات فلهن القصاص. وهذا فيما إذا لم يوجد عاصب مساو لهن في الدرجة. وهذا هو معنى قول خليل في مختصره: وللنساء إن ورثن ولم يساوهن عاصب. فمفهوم قوله "إن ورثن" أن غير الوارثات لا حق لهن، وهو كذلك. ومفهوم قوله: "ولم يساوهن عاصب" أنهن إن ساواهن عاصب: كبنين، وبنات، وإخوة وأخوات، فلا كلام للإناث مع الذكور. وأما إن كان معهن عاصب غير مساو لهن: كبنات، وإخوة. فثالث الأقوال هو مذهب المدونة: أن لكل منهما القصاص ولا يصح العفو عنه لا باجتماع الجميع. أعني ولو عفا بعض هؤلاء، وبعض هؤلاء. وهذا هو معنى قول خليل في مختصره: ولكل القتل ولا عفو إلا باجتماعهم. يعني ولو بعض هؤلاء وبعض هؤلاء. قال مقيدة عفا الله عنه: الذي يقتضي الدليل رجحانه عندي في هذه المسألة: أن الولي في هذه الآية هم الورثة ذكوراً كانوا أو إناثاً. ولا مانع من إطلاق الولي على الأنثى. لأن المراد جنس الولي الشامل لكل من انعقد بينه وبين غيره سبب يجعل كلاً منهما يوالي الآخر. كقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}تفسير : [التوبة:71]، وقوله: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ}تفسير : [الأنفال:75] الآية. والدليل على شمول الولي في الآية للوارثات من النساء ولو بالزوجية - الحديث الوارد بذلك، قال أبو داود في سننه: (باب عفو النساء عن الدم) حدثنا داود بن رشيد، ثنا الوليد عن الأوزاعي: أنه سمع حصنا، أنه سمع أبا سلمة يخبر عن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة ". تفسير : قال أبو داود: بلغني أن عفو النساء في القتل جائز إذا كانت إحدى الأولياء. وبلغني عن أبي عبيدة في قوله "ينحجزوا" يكفوا عن القود. وقال النسائي رحمه الله في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا الوليد عن الأوزاعي قال: حدثني حصن قال: حدثني أبو سلمة (ح) وأنبأنا الحسين بن حريث قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثني حصن: أنه سمع أبا سلمة يحدث عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة" تفسير : اهـ. وهذا الإسناد مقارب. لأن رجاله صالحون للاحتجاج، إلا حصناً المذكور فيه ففيه كلام. فطبقته الأولى عند أبي داود: هي داود بن رشيد الهاشمي مولاهم الخوارزمي نزيل بغداد وهو ثقة. وعند النسائي حسين بن حريث، وإسحاق بن إبراهيم. وحسين بن حريث الخزاعي مولاه أبو عمار المروزي ثقة. والطبقة الثانية عندهما: هي الوليد بن مسلم القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، وهو من رجال البخاري ومسلم وباقي الجماعة. والطبقة الثالثة عندهما: هي الإمام الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو أبو عمر الأوزاعي، وهو الإمام الفقيه المشهور، ثقة جليل. والطبقة الرابعة عندهما: هي حصن المذكور وهو ابن عبد الرحمن، أو ابن محصن التراغمي أبو حذيفة الدمشقي، قال فيه ابن حجر في "التقريب": مقبول. وقال فيه في "تهذيب التهذيب": قال الدارقطني شيخ يعتبر به، له عند أبي داود والنسائي حديث واحد "حديث : على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة" تفسير : (قلت): وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن القطان لا يعرف حاله (اهـ) وتوثيق ابن حبان له لم يعارضه شيء مانع من قبوله. لأن من اطلع على أنه ثقة حفظ ما لم يحفظه مدعي أنه مجهول لا يعرف حاله. وذكر ابن حجر في "تهذيب التهذيب" عن أبي حاتم ويعقوب بن سفيان أنهما قالا: لا نعلم أحداً روى عنه غير الأوزاعي. والطبقة الخامسة عندهما: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وهو ثقة مشهور. والطبقة السادسة عندهما: عائشة رضي الله عنها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. فقد رأيت أن ابن حبان رحمه الله ذكر حصنا المذكور في الثقات. وأن بقية طبقات السند كلها صالح للاحتجاج. والعلم عند الله تعالى. تنبيه إذا كان بعض أولياء الدم صغيراً أو مجنوناً، أو غائباً، فهل للبالغ الحاضر العاقل: القصاص قبل قدوم الغائب، وبلوغ الصغير، وإفاقة المجنون؟ أو يجب انتظار قدوم الغائب، وبلوغ الصغير..! الخ. فإن عفا الغائب بعد قدومه، أو الصغير بعد بلوغه مثلاً سقط القصاص ووجبت الدية. في ذلك خلاف مشهور بين أهل العلم. فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنه لا بد من انتظار بلوغ الصغير، وقدوم الغائب، وإفاقة المجنون. وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد. قال ابن قدامة: وبهذا قال ابن شبرمة، والشافعي، وأبو يوسف، وإسحاق، ويروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله. وعن أحمد رواية أخرى للكبار العقلاء استيفاؤه. وبه قال حماد، ومالك، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة اهـ محل الغرض من كلام صاحب المغني. وذكر صاحب المغني أيضاً: أنه لا يعلم خلافاً في وجوب انتظار قدوم الغائب. ومنع استبداد الحاضر دونه. قال مقيدة عفا الله عنه: إن كانت الغيبة قريبة فهو كما قال. وإن كانت بعيدة ففيه خلاف معروف عند المالكية. وظاهر المدونة الانتظار ولو بعدت غيبته. وقال بعض علماء المالكية منهم سحنون: لا ينتظر بعيد الغيبة. وعليه درج خليل بن إسحاق في مختصره في مذهب مالك، الذي قال في ترجمته مبيناً لما به الفتوى بقوله: (وانتظر غائب لم تبعد غيبته. لا مطبق وصغير لم يتوقف الثبوت عليه). وقال ابن قدامة في "المغني" ما نصه: والدليل على أن للصغير والمجنون فيه حقاً أربعة أمور: أحدها - أنه لو كان منفرداً لاستحقه. ولو نافاه الصغر مع غيره لنافاه منفرداً كولاية النكاح. والثاني - أنه لو بلغ لاستحق. ولو لم يكن مستحقاً عند الموت لم يكن مستحقاً بعده. كالرقيق إذا عتق بعد موت أبيه. والثالث - أنه لو صار الأمر إلى المال لاستحق، ولو لم يكن مستحقاً للقصاص لما استحق بدله كالأجنبي. والرابع - أنه لو مات الصغير لاستحقه ورثته، ولو لم يكن حقاً لم يرثه كسائر ما لم يستحقه. واحتج من قال: إنه لا يلزم انتظار بلوغ الصبي ولا إفاقة المجنون المطبق بأمرين: أحدهما - أن القصاص حق من حقوق القاصر، إلا أنه لما كان عاجزاً عن النظر لنفسه كان غيره يتولى النظر في ذلك كسائر حقوقه فإن النظر فيها لغيره، ولا ينتظر بلوغه في جميع التصرف بالمصلحة في جميع حقوقه. وأولى من ينوب عنه في القصاص الورثة المشاركون له فيه. وهذا لا يرد عليه شيء من الأمور الأربعة التي ذكرها صاحب المغني. لأنه يقال فيه بموجبها فيقال فيه: هو مستحق لكنه قاصر في الحال، فيعمل غيره بالمصلحة في حقه في القصاص كسائر حقوقه. ولا سيما شريكه الذي يتضرر بتعطيل حقه في القصاص إلى زمن بعيد. الأمر الثاني - أن الحسن بن علي رضي الله عنه قتل عبد الرحمن بن ملجم المرادي قصاصاً بقتله علياً رضي الله عنه، وبعض أولاد علي إذ ذاك صغار، ولم ينتظر بقتله بلوغهم، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة ولا غيرهم. وقد فعل ذلك بأمر علي رضي الله عنه كما هو مشهور في كتب التاريخ. ولو كان انتظار بلوغ الصغير واجباً لانتظره. وأجيب عن هذا من قبل المخالفين بجوابين: أحدهما - أن ابن ملجم كافر. لأنه مستحل دم علي، ومن استحل دم مثل علي رضي الله عنه فهو كافر. وإذا كان كافراً فلا حجة في قتله. الثاني - أنه ساع في الأرض بالفساد، فهو محارب، والمحارب إذا قتل وجب قتله على كل حال ولو عفا أولياء الدم, كما قدمناه في سورة "المائدة" وإذن فلا داعي للانتظار. قال: البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: قال بعض أصحابنا: إنما استبد الحسن بن علي رضي الله عنهما بقتله قبل بلوغ الصغار من ولد علي رضي الله عنه. لأنه قتله حداً لكفره لا قصاصاً. وقال ابن قدامة في "المغني": فأما ابن ملجم فقد قيل إنه قتله بكفره. لأنه قتل علياً مستحلاً لدمه، معتقداً كفره، متقرباً بذلك إلى الله تعالى. وقيل: قتله لسعيه في الأرض بالفساد وإظهار السلاح، فيكون كقاطع الطريق إذا قتل، وقتله متحتم، و هو إلى الإمام. والحسن هو الإمام، ولذلك لم ينتظر الغائبين من الورثة. ولا خلاف بيننا في وجوب انتظارهم, وإن قدر أنه قتله قصاصاً فقد اتفقنا على خلافه. فكيف يحتج به بعضنا على بعض. انتهى كلام صاحب المغني. وقال ابن كثير في تاريخه ما نصه: قال العلماء: ولم ينتظر بقتله بلوغ العباس بن علي. فإنه كان صغيراً يوم قتل أبوه. قالوا: لأنه كان قتل محاربة لا قصاصاً. والله أعلم اهـ. حديث : واستدل القائلون بأن ابن ملجم كافر بالحديث الذي رواه علي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أشقى الأولين؟" قلت: عاقر الناقة. قال: "صدقت. فمن أشقى الآخرين؟" قلت: لا علم لي يا رسول الله. قال: "الذي يضربك على هذا - وأشار بيده على يافوخه - فيخضب هذه من هذه - يعني لحيته - من دم رأسه"تفسير : قال: فكان يقول: وددت أنه قد انبعث أشقاكم" وقد ساق طرق هذا الحديث ابن كثير رحمه الله في تاريخه، وابن عبد البر في "الاستيعاب" وغيرهما. قال مقيدة عفا الله عنه: الذي عليه أهل التاريخ والأخبار - والله تعالى أعلم - أن قتل ابن ملجم كان قصاصاً لقتله علياً رضي لله عنه. لا لكفر ولا حرابة. وعلي رضي الله عنه لم يحكم بكفر الخوارج. ولما سئل عنهم قال: من الكفر فروا. فقد ذكر المؤرخون أن علياً رضي الله عنه أمرهم أن يحبسوا ابن ملجم ويحسنوا إساره، وأنه إن مات قتلوه به قصاصاً، وإن حيي فهو ولي دمه. كما ذكره ابن جرير، وابن الأثير، وابن كثير وغيرهم في تواريخهم. وذكره البيهقي في سننه، وهو المعروف عند الإخباريين. ولا شك أن ابن ملجم متأول - قبحه الله - ولكنه تأويل بعيد فاسد، مورد صاحبه النار، ولما ضرب علياً رضي الله عنه قال: الحكم لله يا علي، لا لك ولا لأصحابك! ومراده أن رضاه بتحكيم الحكمين: أبي موسى، وعمرو بن العاص - كفر بالله لأن الحكم لله وحده. لقوله: {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ}تفسير : [الأنعام:57]. ولما أراد أولاد علي رضي الله عنه أن يتشفوا منه فقطعت يداه ورجلاه لم يجزع، ولا فتر عن الذكر. ثم كحلت عيناه وهو في ذلك يذكر الله، وقرأ سورة {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ}تفسير : [العلق:1] إلى آخرها، وإن عينيه لتسيلان على خديه. ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعاً شديداً. فقيل له في ذلك؟ فقال: إني أخاف أن أمكث فواقاً لا أذكر الله (اهـ) ذكره ابن كثير وغيره. ولأجل هذا قال عمران بن حطان السدوسي يمدح ابن ملجم - قبحه الله - في قتله أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه: شعر : يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوماً فأحسبه أو في البرية عند الله ميزانا تفسير : وجزى الله خيراً الشاعر الذي يقول في الرد عليه: شعر : قل لابن ملجم والأقدار غالبة هدمت ويلك للإسلام أركانا قتلت أفضل من يمشي على قدم وأول الناس إسلاماً وإيماناً وأعلم الناس بالقرآن ثم بما سن الرسول لنا شرعاً وتبياناً صهر النَّبي ومولاه وناصره أضحت مناقبه نوراً وبرهانا وكان منه على رغم الحسود له مكان هارون من موسى بن عمرانا ذكرت قاتله والدمع منحدر فقلت: سبحان رب العرش سبحانا إني لأحسبه ما كان من بشر يخشى المعاد ولكن كان شيطانا أشقى مراد إذا عدت قبائلها وأخسر الناس عند الله ميزانا كعاقر الناقة الأولى التي جلبت على ثمود بأرض الحجر خسرانا قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها قبل المنية أزمانا فأزمانا فلا عفا الله عنه ما تحمله ولا سقى قبر عمران بن حطانا لقوله في شقي ظل مجترما ونال ما ناله ظلماً وعدواناً "يا ضربة من تقى ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا" بل ضربة من غوى أوردته لظى فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا كأنه لم يرد قصداً بضربته إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا تفسير : وبما ذكرنا - تعلم أن قتل الحسن بن علي رضي الله عنه لابن ملجم قبل بلوغ الصَّغار من أولاد علي يقوي حجة من قال بعدم انتظار بلوغ الصغير. وحجة من قال أيضاً بكفره قوية: للحديث الدال على أنه أشقى الآخرين. مقروناً بقاتل ناقة صالح المذكور في قوله: {أية : إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا}تفسير : [الشمس:12] وذلك يدل على كفره. والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة - اعلم أن هذا القتل ظلماً، الذي جعل الله بسببه هذا السلطان والنصر المذكورين في هذه الآية الكريمة، التي هي قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} [الإسراء:33] الآية، يثبت بواحد من ثلاثة أشياء: اثنان منها متفق عليهما، وواحد مختلف فيه. أما الاثنان المتفق على ثبوته بهما: فهما الإقرار بالقتل، والبينة الشاهدة عليه. وأما الثالث المختلف فيه: فهو أيمان القسامة مع وجود اللوث، وهذه أدلة ذلك كله. أما الإقرار بالقتل - فقد دلت أدلة على لزوم السلطان المذكور في الآية الكريمة به. قال البخاري في صحيحه: "باب إذا أقر بالقتل مرة قتل به" حدثني إسحاق، أخبرنا حبان، حدثنا همام، حدثنا قتادة حدثنا أنس بن مالك: أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين. فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان. أفلان؟ حتى سمي اليهودي. فأومأت براسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم فرضَّ رأسه بالحجارة. وقد قال همام: بحجرين. وقد قال البخاري أيضاً: (باب سؤال القاتل حتى يقر) ثم ساق حديث أنس هذا وقال فيه: فلم يزل به حتى أقر فرض رأسه بالحجارة. وهو دليل صحيح واضح على لزوم السلطان المذكور في الآية الكريمة بإقرار القاتل. وحديث أنس هذا أخرجه أيضاً مسلم، وأصحاب السنن، والإمام أحمد. ومن الأدلة الدالة على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا أبو يونس عن سماك بن حرب: حديث : أن علقمة بن وائل حدثه أن أباه حدثه قال: إني لقاعدٌ مع النَّبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال: يا رسول الله، هذا قتل أخي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقتلته؟" فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة. قال نعم قتلته. قال: "كيف قتلته؟" قال كنت: أنا وهو نختبط من شجرة. فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته. فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم: "هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟" قال: ما لي مال إلا كسائي وفأسي. قال: "فترى قومك يشترونك" قال: أنا أهون عليهم من ذاك! فرمى إليه بنسعته وقال: "دونك صاحبك.."تفسير : الحديث. وفيه الدلالة الواضحة على ثبوت السلطان المذكور في الآية الكريمة بالإقرار. ومن الأدلة على ذلك إجماع المسلمين عليه. وسيأتي إن شاء الله إيضاح إلزام الإنسان ما أقر به على نفسه في سورة "القيامة". وأما البينة الشاهدة بالقتل عمداً عدواناً - فقد دل الدليل أيضاً على ثبوت السلطان المذكور في الآية الكريمة بها. قال أبو داود في سننه حدثنا الحسن بن علي بن راشد، أخبرنا هشيم، عن أبي حيان التيمي، ثنا عباية بن رفاعة، حديث : عن رافع بن خديج قال: أصبح رجل من الأنصار مقتولا بخيبر. فانطلق أولياؤه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقال: "لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟" قالوا: يا رسول الله، لم يكن ثمَّ أحد من المسلمين، وإنما هم يهود، وقد يجترؤون على أعظم من هذا، قال: "فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم فأبوا"تفسير : . فوداه النَّبي صلى الله عليه وسلم من عنده اهـ. فقول النَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "حديث : لكم شاهدان على قتل صاحبكم"تفسير : . فيه دليل واضح على ثبوت السلطان المذكور في الآية بشهادة شاهدين على القتل. وهذا الحديث سكت عليه أبو داود، والمنذري. ومعلوم أن رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. إلا الحسن بن علي بن راشد وقد وثق. وقال فيه ابن حجر في "التقريب":صدوق رمي بشيء من التدليس. وقال النسائي في سننه: أخبرنا محمد بن معمر قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا عبيد الله بن الأخنس، "حديث : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن ابن محيصةَ الأصغر أصبح قتيلاً على أبواب خيبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته" قال: يا رسول الله، ومن أين أصيب شاهدين، وإما أصبح قتيلاً على أبوابهم. قال: "فتحلف خمسين قسامة" قال: يا رسول الله، وكيف أحلف على ما لا أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فتستحلف منهم خمسين قسامةً"تفسير : فقال: يا رسول الله، كيف نستحلفهم وهم اليهود فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته عليهم وأعانهم بنصفها اهـ. فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "حديث : أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته"تفسير : - دليل واضح على ثبوت السلطان المذكور في الآية الكريمة بشهادة شاهدين. وأقل درجات هذا الحديث الحسن. وقال فيه ابن حجر في "الفتح": هذا السند صحيح حسن. ومن الأدلة الدالة على ذلك - إجماع المسلمين على ثبوت القصاص بشهادة عدلين على القتل عمداً عدواناً. وقد قدمنا قول من قال من العلماء: إن أخبار الآحاد تعتضد بموافقة الإجماع لها حتى تصير قطعية كالمتواتر، لا عتضادها بالمعصوم وهو إجماع المسلمين. وأكثر أهل الأصول يقولون: إن اعتضاد خبر الآحاد بالإجماع لا يصيره قطعياً. وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود في مبحث أخبار الآحاد: شعر : ولا يفيد القطع ما يوافق الـ إجماع والبعض بقطع ينطق وبعضهم يفيد حيث عولا عليه وانفه إذا ما قد خلا مع دواعي رده من مبطل كما يدل لخلافة علي تفسير : وقوله: وانفه إذا ما قد خلا..الخ - مسألة أخرى غير التي نحن بصددها. وإنما ذكرناها لارتباط بعض الأبيات ببعض. وأما أيمان القسامة مع وجود اللوث فقد قال بعض أهل العلم بوجوب القصاص بها وخالف في ذلك بعضهم. فممن قال بوجوب القود بالقسامة: مالك وأصحابه، وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي، وروي عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز. والظاهر أن عمر بن عبد العزيز رجع عنه. وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، وهو قول الزهري، وربيعة، وأبي الزناد، والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وداود. وقضى بالقتل بالقسامة عبد الملك بن مروان، وأبوه مروان، وقال أبو الزناد: قلنا بها وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان. وقال ابن حجر (في فتح الباري). إنما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت. كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من رواية علد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وإلا فأبوا الزناد لا يثبت أنه رأى عشرين من الصحابة فضلاً عن ألف. وممن قال بأن القسامة تجب بها الدية ولا يجب بها القود: الشافعي في أصح قوليه، وهو مذهب أبي حنيفة، وروى عن أبي بكر وعمر وابن عباس ومعاوية رضي الله عنهم. وهو مروي عن الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان البتي، والحسن بن صالح، وغيرهم. وعن معاوية: القتل بها أيضاً. وذهبت جماعة أخرى إلى أن القسامة لا يثبت بها حكم من قصاص ولا دية. وهذا مذهب الحكم بن عتيبة، وأبي قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومسلم بن خالد، وإبراهيم بن علية. وإليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه. وروي عن عبد الملك بن مروان أنه ندم على قتله رجلاً بالقسامة، ومحا أسماء الذين حلفوا أيمانهم من الديوان، وسيرهم إلى الشام. قاله البخاري في صحيحه. فإذا عرفت أقوال لهم أهل العلم في القسامة فدونك أدلتهم على أقوالهم في هذه المسألة: أما الذين قالوا بالقصاص بالقسامة فاستدلوا على ذلك بما ثبت في بعض روايات حديث سهل بن أبي حثمة في صحيح مسلم وغيره: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قتل عبد الله بن سهل الأنصاري بخيبر، مخاطباً لأولياء المقتول: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته.."تفسير : الحديث. فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الثابت في صحيح مسلم وغيره "فيدفع برمته" معناه: أنه يسلم لهم ليقتلوه بصاحبهم. وهو نص صحيح صريح في القود بالقسامة. ومن أدلتهم على ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند النسائي الذي قدمناه قريباً. وقد قدمنا عن ابن حجر أنه قال فيه: صحيح حسن. فقول النَّبي صلى الله عليه وسلم فيه:"حديث : أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته" تفسير : صريح أيضاً في القود بالقسامة. وادعاء أن معنى دفعه إليهم برمته: أي ليأخذوا منه الدية - بعيد جداً كما ترى. ومن أدلتهم ما ثبت في رواية متفق عليها في حديث سهل المذكور: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأولياء المقتول: "تحلفون خمسين يميناً وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم.."تفسير : الحديث. قالوا: فعلى أن الرواية "قاتلكم" فهي صريح في القود بالقسامة. وعلى أنها "صاحبكم" فهي محتملة لذلك احتمالاً قوياً. وأجيب من جهة المخالف بأن هذه الرواية لا يصح الاحتجاج بها للشك في اللفظ الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو فرضنا أن لفظ الحديث في نفس الأمر "صاحبكم" لا حتمل أن يكون المراد به المقتول، وأن المعنى: تستحقون ديته. والاحتمال المساوي يبطل الاستدلال كما هو معروف في الأصول. لأن مساواة الاحتمالين يصير بها اللفظ مجملاً، والمجمل يجب التوقف عنه حتى يرد دليل مبين للمراد منه. ومن أدلتهم ما جاء في رواية عند الإمام أحمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : "تسمون قاتلكم تحلفون عليه خمسين يمينا ثم نسلمه" . تفسير : ومن أدلتهم ما جاء في رواية عند مسلم وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم"تفسير : قالوا: معنى "دم صاحبكم" قتل القاتل. وأجيب من جهة المخالف باحتمال أن المراد "بدم صاحبكم" الدية، وهو احتمال قوي أيضاً. لأن العرب تطلق الدم علىالدية. ومنه قوله: شعر : أكلت دماً إن لم أرعك بضرة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر تفسير : ومن أدلتهم ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا محمود بن خالد وكثير بن عبيد قالا: حدثنا الوليد (ح) وحدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا الوليد عن أبي عمرو، عن عمرو بن شعيب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه قتل بالقسامة رجلاُ من بني نصر بن مالك ببحرة الرغاء على شط لِيَّة البحرة قال القاتل والمقتول منهم. وهذا لفظ محمود ببحرة أقامه محمود وحده على شط لية اهـ وانقطاع سند هذا الحديث واضح في قوله: "عن عمرو بن شعيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" كما ترى. وقد ساق البيهقي في السنن الكبرى حديث أبي داود هذا وقال: هذا منقطع، ثم قال: وروى أبو داود أيضاً في المراسيل عن موسى بن إسماعيل، عن حماد عن قتادة، وعامر الأحول عن أبي المغيرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أقاد بالقسامة الطائف" وهو أيضاً منقطع وروى البيهقي في سننه عن أبي الزناد قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، أن رجلاً من الأنصار قتل وهو سكران رجلاً ضربه بشويق، ولم يكن على ذلك بينة قاطعة إلا لطخ أو شبيه ذلك، وفي الناس يومئذ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن فقهاء الناس ما لا يحصى، وما اختلف اثنان منهم أن يحلف ولاة المقتول ويقتلوا أو يستحيوا. فحلفوا خمسين يميناً وقتلوا، وكانوا يخبرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالقسامة، ويرونها للذي يأتي به من اللطخ أو الشبهة أقوى مما يأتي به خصمه، ورأوا ذلك في الصهيبي حين قتله الحاطبيون وفي غيره. ورواه ابن وهب عن أبي الزناد وزاد فيه: أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص: إن كان ما ذكرنا له حقاً أن يحلفنا على القاتل ثم يسلمه إلينا. وقال البيهقي في سننه أيضاً: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا بحر بن نصر، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد: أن هشام بن عروة أخبره: أن رجلاً من آل حاطب بن أبي بلتعة كانت بينه وبين رجل من آل صهيب منازعة.. فذكر الحديث في قتله قال: فركب يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب إلى عبد الملك بن مروان في ذلك. فقضى بالقسامة على ستة نفر من آل حاطب، فثنى عليهم الأيمان، فطلب أل حاطب أن يحلفوا على اثنين ويقتلوهما. فأبى عبد الملك إلا أن يحلفوا على واحد فيقتلوه. فحلفوا على الصهيبي فقتلوه. قال هشام: فلم ينكر ذلك عروة، ورأى أن قد أصيب فيه الحق، وروينا فيه عن الزهري وربيعة. ويذكر عن ابن أبي مليكة عن عمر بن عبد العزيز وابن الزبير: أنهما أقادا بالقسامة. ويذكر عن عمر بن عبد العزيز أنه رجع عن ذلك وقال: إن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس. فإن هذا لا يقضى فيه إلى يوم القيامة انتهى كلام البيهقي رحمه الله. هذه هي أدلة من أوجب القود بالقسامة. وأما حجج من قال: لا يجب بها إلا الدية - فمنها ما ثبت في بعض روايات حديث سهل المذكور عند مسلم وغيره: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب ". تفسير : قال النووي في شرح مسلم: معناه إن ثبت القتل عليهم بقسامتكم فإما أن يدوا صاحبكم - أي يدفعوا إليكم ديته - وإما أن يعلمونا أنهم ممتنعون من التزام أحكامنا. فينتقض عهدهم، ويصيرون حرباً لنا. وفيه دليل لمن يقول: الواجب بالقسامة الدية دون القصاص اهـ كلام النووي، رحمه الله. ومنها ما ثبت في بعض روايات الحديث المذكور في صحيح البخاري وغيره: حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفتسحقون الدية بأيمان خمسين منكم" تفسير : قالوا: هذه الرواية الثابتة في صحيح البخاري صريحة في أن المستحق بأيمان القسامة إنما هو الدية لا القصاص. ومن أدلتهم أيضاً ما ذكره الحافظ (في فتح الباري) قال: وتمسك من قال: لا يجب فيها إلا الدية بما أخرجه الثوري في جامعه، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بسند صحيح إلى الشعبي قال: وجد قتيل بين حيين من العرب فقال عمر: قيسوا ما بينهما فأيهما وجدتموه إليه أقرب فأحلفوهم خمسين يميناً، وأغرموهم الدية. وأخرجه الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن منصور، عن الشعبي: أن عمر كتب في قتيل وجد بين خيران ووادعة أن يقاس ما بين القريتين. فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منها خمسون رجلاً حتى يوافوه في مكة، فأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم الدية. فقال: "حقنتم بأيمانكم دماءكم، ولا يطل دم رجل مسلم". قال الشافعي: إنما أخذه الشعبي عن الحارث الأعور، والحارث غير مقبول. انتهى. وله شاهد مرفوع من حديث أبي سعيد عند أحمد: أن قتيلاً وجد بين حيين فأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم "أن يقاس إلى أيهما أقرب فألقى ديته على الأقرب" ولكن سنده ضعيف. وقال عبد الرزاق في مصنفه: قلت لعبد الله بن عمر العمري: أعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاد بالقسامة؟ قال: لا قلت: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال لا. قلت: فلم تجترؤون عليها؟ فسكت. وأخرج البيهقي من طريق القاسم بن عبد الرحمن: أن عمر قال: في القسامة: توجب العقل ولا تسقط الدم. انتهى كلام ابن حجر رحمه الله. فهذه هي أدلّة من قال: إنّ القسامة توجب الدية ولا توجب القصاص. وأما حجة من قال: إن القسامة لا يلزم بها حكم - فهي أن الذين يحلفون أيمان القسامة إنما يحلفون على شيء لم يحضروه، ولم يعلموا أحق هو أم باطل، وحلف الإنسان على شيء لم يره دليل على أنه كاذب. قال البخاري في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، حدثنا الحجاج بن أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء من آل أبي قلابة، حدثني أبو قلابة: أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوماً للناس، ثم أذن لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القسامة؟ قال: نقول القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء. قال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس. فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب! أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى لم يروه، أكنت ترجمه؟ قال لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق، أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال لا. قلت: فو الله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً قط إلا في إحدى ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل أو رجل زنى بعد إحصان. أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام..إلى آخر حديثه. ومراد أبي قلابة واضح، وهو أنه كيف يقتل بأيمان قوم يحلفون على شيء لم يروه ولم يحضروه! هذا هو حاصل كلام أهل العلم في القود بالقسامة، وهذه حججهم. قال مقيدة عفا الله عنه: أظهر الأقوال عندي دليلاً - القود بالقسامة. لأن الرواية الصحيحة التي قدمنا فيها أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنهم إن حلفوا أيمان القسامة دفع القاتل برمته إليهم"تفسير : وهذا معناه القتل بالقسامة كما لا يخفى. ولم يثبت ما يعارض هذا. والقسامة أصل وردت به السنة، فلا يصح قياسه على غيره من رجم أو قطع. كما ذهب إليه أبو قلابة في كلامه المار آنفاً. لأن القسامة أصل من أصول الشرع مستقل بنفسه. شرع لحياة الناس وردع المعتدين، ولم تمكن فيه أولياء المقتول من أيمان القسامة إلا مع حصول لوث يغلب على الظن به صدقهم في ذلك. تنبيه اعلم - أن رواية سعيد بن عبيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة التي فيها: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "لما سأل أولياء المقتول هل لهم بينة" وأخبروه بأنهم ليس لهم بينه قال: "يحلفون" يعني اليهود المدعى عليهم، وليس فيها ذكر حلف أولياء المقتول أصلاً - لا دليل فيها لمن نفى القود بالقسامة. لأن سعيد بن عبيد وهم فيها، فأسقط من السياق تبدئة المدعين باليمين. لكونه لم يذكر في روايته رد اليمين. ورواه يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار فذكر أن النَّبي صلى الله عليه وسلم عرض الأيمان أولاً على أولياء المقتول، فلما أبوا عرض عليهم رد الأيمان على المدعى عليهم. فاشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ فوجب قبولها. وقد ذكر البخاري رحمه الله رواية سعيد بن عبيد (في باب القسامة)، وذكر رواية يحيى بن سعيد (في باب الموادعة والمصالحة مع المشركين) وفيها: "تحلفون وتستحقون قاتلكم" أو صاحبكم الحديث. والخطاب في قوله "تحلفون وتستحقون، لأولياء المقتول". وجزم بما ذكرنا من تقديم رواية يحيى بن سعيد المذكورة على رواية سعيد بن عبيد - ابن حجر في الفتح وغير واحد. لأنها زيادة من ثقة حافظ لم يعارضها غيرها فيجب قبولها. كما هو مقرر في علم الحديث وعلم الأصول. وقال القرطبي في تفسيره في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}تفسير : [البقرة:73] الآية: وقد أسند حديث سهل أن النَّبي صلى الله عليه وسلم بدأ المدعين: يحيى بن سعيد، وابن عيينة، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفي، وعيسى بن حماد، وبشر بن المفضل. فهؤلاء سبعة. وإن كان أرسله مالك فقد وصله جماعة الحفاظ، وهو أصح من حديث سعيد بن عبيد. وقال مالك رحمه الله (في الموطأ) بعدأن ساق رواية يحيى بن سعيد المذكورة: الأمر المجتمع عليه عندنا، والذي سمعته ممن أرضى في القسامة، والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث: أن يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون اهـ محل الغرض منه. واعلم أن العلماء أجمعوا على أن القسامة يشترط لها لوث، ولكنهم اختلفوا في تعيين اللوث الذي تحلف معه أيمان القسامة. فذهب مالك رحمه الله إلى أنه أحد الأمرين: الأول - أن يقول المقتول: دمي عند فلان. وهل يكفي شاهد واحد على قوله ذلك، أو لا بد من اثنين؟ خلاف عندهم. والثاني - أن تشهد بذلك بينة لا يثبت بها القتل كاثنين غير عدلين. قال مالك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا والذي سمعته ممن أَرْضَى في القسامة والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث - أن يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون، وأن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين: إما أن يقول المقتول دمي عند فلان، أو يأتي ولاة الدم بلوث من بينة وإن لم تكن قاطعة على الذي يدعى عليه الدم. فهذا يوجب القسامة لمدعي الدم على من ادعوه عليه. ولا تجب القسامة عندنا إلا بأحد هذين الوجهين - اهـ محل الغرض منه، هكذا قال في الموطأ، وستأتي زيادة عليه إن شاء الله. واعلم أن كثيراً من أهل العلم أنكروا على مالك رحمه الله إيجابه القسامة بقول المقتول قتلني فلان. قالوا: هذا قتل مؤمن بالأيمان على دعوى مجردة. واحتج مالك رحمه الله بأمرين: الأول - أن المعروف من طبع الناس عند حضور الموت: الإنابة والتوبة والندم على ما سلف من العمل السيء. وقد دلت على ذلك آيات قرآنية. كقوله {أية : وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [المنافقون:10]، وقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ}تفسير : [النساء:18]، وقوله: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ}تفسير : [غافر:84] إلى غير ذلك من الآيات. فهذا معهود من طبع الإنسان، ولا يعلم من عادته أن يدع قاتله ويعدل إلى غيره، وما خرج عن هذا نادر في الناس لا حكم له. الأمر الثاني - أن قصة قتيل بني إسرائيل تدل على اعتبار قول المقتول دمي عند فلان. فقد استدل مالك بقصة القتيل المذكور على صحة القول بالقسامة بقوله قتلني فلان، أو دمي عند فلان - في رواية ابن وهب وابن القاسم. ورد المخالفون هذا الاستدلال بأن إحياء معجزة لنبي الله موسى، وقد أخبر الله تعالى أنه يحييه، وذلك يتضمن الإخبار بقاتله خبراً جزماً لايدخله احتمال - فافترقا. ورد ابن العربي المالكي هذا الاعتراض بأن المعجزة إنما كانت في إحياء المقتول، فلما صار حياً كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد. قال: وهذا فن دقيق من العلم لم يتفطن له إلا مالك، وليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه. فلعله أمرهم بالقسامة معه اهـ كلام ابن العربي. وهو غير ظاهر عندي. لأن سياق القرآن يقتضي أن القتيل إذا ضرب ببعض البقرة وحيي أخبرهم بقاتله، فانقطع بذلك النزاع المذكور في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا}تفسير : [البقرة:72]. فالغرض الأساسي من ذبح البقرة قطع النزاع بمعرفة القاتل بإخبار المقتول إذا ضرب ببعضها فحيي والله تعالى أعلم. والشاهد العدل لوث عند مالك في رواية ابن القاسم. وروى أشهب عن مالك: أنه يقسم مع الشاهد غير العدل مع المرأة وروى ابن وهب: أن شهادة النساء لوث. وذكر محمد عن ابن القاسم: أن شهادة المرأتين لوث. دون شهادة المرأة الواحدة. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: اختلف في اللوث اختلافاً كثيراً. ومشهور مذهب مالك: أنه الشاهد العدل. وقال محمد: هو أحب إلي، قال: وأخذ به ابن القاسم وابن عبد الحكم. وممن أوجب القسامة بقوله دمي عند فلان: الليث بن سعد وروي عن عبد الملك بن مروان. والذين قالوا بالقسامة بقول المقتول دمي عند فلان، منهم من يقول: يشترط في ذلك أن يكون به جراح. ومنهم من أطلق. والذي به الحكم وعليه العمل عند المالكية: أنه لا بد في ذلك من أثر جرح أو ضرب بالمقتول، ولا يقبل قوله بدون وجود أثر الضرب. واعلم أنه بقيت صورتان من صور القسامة عند مالك. الأولى - أن يشهد عدلان بالضرب، ثم يعيش المضروب بعده أياماً ثم يموت منه من غير تخلل إفاقة. وبه قال الليث أيضاً. وقال الشافعي: يجب في هذه الصورة القصاص بتلك الشهادة على الضرب. وهو مروي أيضاً عن أبي حنيفة. الثانية - أن يوجد مقتول وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل، وعليه أثر الدم مثلاً، ولا يوجد غيره فتشرع القسامة عند مالك. وبه قال الشافعي. ويلحق بهذا أن تفترق جماعة عن قتيل. وفي رواية عن مالك في القتيل يوجد بين طائفتين مقتتلتين: أن القسامة على الطائفة التي ليس منها القتيل إن كان من إحدى الطائفتين. إما إن كان من غيرهما فالقسامة عليهما. والجمهور على أن القسامة عليهما معاً مطلقاً. قاله ابن حجر في الفتح. وأما اللوث الذي تجب به القسامة عند الإمام أبي حنيفة فهو أن يوجد قتيل في محله أو قبيلة لم يدر قاتله، فيحلف خمسون، رجلاً من أهل تلك المحلة التي وجد بها القتيل يتخيرهم الولي - ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً. ثم إذا حلفوا غرم أهل المحلة الدية ولا يحلف الولي، وليس في مذهب أبي حنيفة رحمه الله قسامة إلا بهذه الصورة. وممن قال بأن وجود القتيل بمحلة لوث يوجب القسامة: الثوري والأوزاعي. وشرط هذا عند القائلين به إلا الحنفية: أن يوجد بالقتل أثر. وجمهور أهل العلم على أن وجود القتيل بمحلة لا يوجب القسامة، بل يكون هدراً لأنه قد يقتل ويلقى في المحلة لتلصق بهم التهمة. وهذا ما لم يكونوا أعداء للمقتول ولم يخالطهم غيرهم وإلا وجبت القسامة. كقصة اليهود مع الأنصاري. وأما الشافعي رحمه الله فإن القسامة تجب عنده بشهادة من لا يثبت القتل بشهادته. كالواحد أو جماعة غير عدول. وكذلك تجب عنده بوجود المقتول يتشحط في دمه، وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل وعيله أثر الدم مثلاً ولا يوجد غيره، ويلحق به افتراق الجماعة عن قتيل. وقد قدمنا قول الجمهور في القتيل يوجد بين الطائفتين المقتتلتين. والذي يظهر لي أنه إن كان من إحدى الطائفتين المقتتلتين: أن القسامة فيه تكون على الطائفة الأخرى دون طائفته التي هو منها وكذلك تجب عنده فيما كقصة اليهودي مع الأنصاري. وأما الإمام أحمد فاللوث الذي تجب به القسامة عنده فيه روايتان. الأولى - أن اللوث هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعي عليه، كنحو ما بين الأنصار واليهود، وما بين القبائل والأحياء وأهل القرىالذين بينهم الدماء والحروب وما جرى مجرى ذلك. ولا يشترط عنده على الصحيح ألا يخالطهم غيرهم - نص على ذلك الإمام أحمد في رواية مهنأ. واشترط القاضي ألا يخالطهم غيرهم كمذهب الشافعي. قاله في المغني. والرواية الثانية عن أحمد رحمه الله - أن اللوث هو ما يغلب به على ا لظن صدق المدعي، وذلك من وجوه. أحدها: العداوة المذكورة. والثاني: أن يتفرق جماعة عن قتيل فيكون ذلك لوثاً في حق كل واحد منهم. فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع الجماعة فالقول قوله مع يمينه - ذكره القاضي، وهو مذهب الشافعي. والثالث: أن يوجد المقتول ويوجد بقربه رجل معه سكين أو سيف ملطخ بالدم، ولا يوجد غيره. الرابع: أن تقتتل فئتان فيفترقون عن قتيل من إحداهما، فاللوث على الأخرى. ذكره القاضي. فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضاً فاللوث على طائفة القتيل. وهذا قول الشافعي. وروي عن أحمد: أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه. وهذا قول مالك. وقال ابن أبي ليلى: على الفريقين جميعاً، لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه فاستوى الجميع فيه. وقد قدمنا عن ابن حجر أن هذا قول الجمهور. الخامس: أن يشهد بالقتل عبيد ونساء. فعن أحمد هو لوث لأنه يغلب على الظن صدق المدعي. وعنه ليس بلوث، لأنها شهادة مردودة فلم يكن لها أثر. فأما القتيل الذي يوجد في الزحام كالذي يموت من الزحام يوم الجمعة أو عند الجمرة - فظاهر كلام أحمد أن ذلك ليس بلوث، فإنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة: ديته في بيت المال. وهذا قول إسحاق، وروي عن عمر وعلي، فإن سعيداً روى في سننه عن إبراهيم قال: قتل رجل في زحام الناس بعرفة. فجاء أهله إلى عمر فقال بينتكم على من قتله؟ فقال علي: يا أمير المؤمنين، لا يطل دم امرىء مسلم إن علمت قاتله، وإلا فأعطهم ديته من بيت المال. انتهى من المغني. وقد قال ابن حجر في الفتح (في باب إذا مات في الزحام أو قتل به) في الكلام على قتل المسلمين يوم أحد اليمان والد حذيفة رضي الله عنهما ما نصه: وحجته (يعني إعطاء ديته من بيت مال المسلمين) ما ورد في بعض طرق قصة حذيفة، وهو ما أخرجه أبو العباس السراج في تاريخه من طريق عكرمة: أن والد حذيفة قتل يوم أحد قتله بعض المسلمين وهو يظن أنه من المشركين، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم له شاهد مرسل أيضاً (في باب العفو عن الخطأ) وروى مسدد في مسنده من طريق يزيد بن مذكور: أن رجلاً زحم يوم الجمعة فمات فوداه علي من بيت المال. وفي المسألة مذاهب أخرى (منها) قول الحسن البصري: أن ديته تجب على جميع من حضر، وهو أخص من الذي قبله. وتوجيهه: أنه مات بفعلهم فلا يتعداهم إلى غيرهم. (ومنها) قول الشافعي ومن تبعه: أنه يقال لوليه ادَّعِ على من شئت واحلف. فإن حلفت استحققت الدية، وإن نكلت حلف المدعى عليه على النفي وسقطت المطالبة. وتوجيهه: أن الدم لا يجب إلا بالطلب. (ومنها) قول مالك: دمه هدر. وتوجيهه: أنه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد. وقد تقدمت الإشارة إلى الراجح من هذه المذاهب (في باب العفو عن الخطأ) - انتهى كلام ابن حجر رحمه الله. والترجيح السابق الذي أشار له هو قوله في قول حذيفة رضي الله عنه مخاطباً للمسلمين الذين قتلوا أباه خطأ: "غفر الله لكم" استدل به من قال: إن ديته وجبت على من حضر. لأن معنى قوله "غفر الله لكم" عفوت عنكم، وهو لا يعفو إلا عن شيء استحق أن يطالب به. انتهى محل الغرض منه. فكأن ابن حجر يميل إلى ترجيح قول الحسن البصري رحمه الله. قال مقيدة عفا الله عنه: أظهر الأقوال عندي في اللوث الذي تجب القسامة به: أنه كل ما يغلب به على الظن صدق أولياء المقتول في دعواهم. لأن جانبهم يترجح بذلك فيحلفون معه. وقد تقرر في الأصول "أن المعتبر في الروايات والشهادات ما تحصل به غلبة الظن" وعقده صاحب مراقي السعود بقوله في شروط الراوي: شعر : بغالب الظن يدور المعتبر فاعتبر الإسلام كل من غبر -الخ تفسير : فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول - لا يحلف النساء ولا الصبيان في القسامة، وإنما يحلف فيها الرجال. وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، والثوري والأوزاعي وربيعة والليث، ووافقهم مالك في قسامة العمد، وأجاز حلف النساء الوارثات في قسامة الخطإ خاصة. وأما الصبي فلا خلاف بين العلماء في أنه لا يحلف أيمان القسامة. وقال الشافعي: يحلف في القسامة كل وارث بالغ ذكراً كان أو أنثى، عمداً كان أو خطأ. واحتج القائلون بأنه لا يحلف إلا الرجال بأن في بعض روايات الحديث في القسامة يقسم خمسون رجلاً منكم. قالوا: ويفهم منه أن غير الرجال لا يقسم. واحتج الشافعي ومن وافقه حديث : بقوله صلى الله عليه وسلم "تحلفون خمسين يميناً فتستحقون دم صاحبكم"تفسير : فجعل الحالف هو المستحق للدية والقصاص. ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئاً - فدل على أن المراد حلف من يستحق الدية. وأجاب الشافعية عن حجة الأولين بما قاله النووي في شرح مسلم. فإنه قال في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : "يقسم خمسون منكم على رجل منهم" تفسير : ما نصه: هذا مما يجب تأويله. لأن اليمين إنما تكون على الوارث خاصة لا على غيره من القبيلة. وتأويله عند أصحابنا: أن معناه يؤخذ منكم خمسون يميناً والحالف هم الورثة، فلا يحلف أحد من الأقارب غير الورثة، يحلف كل الورثة ذكوراً كانوا أو إناثاً، سواء كان القتل عمداً أو خطأ - هذا مذهب الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر. ووافقنا مالك فيما إذا كان القتل خطأ، وأما في العمد فقال: يحلف الأقارب خمسين يميناً. ولا تحلف النساء ولا الصبيان. ووافقه ربيعة والليث، والأوزاعي وأحمد وداود وأهل الظاهر - انتهى الغرض من كلام النووي رحمه الله. ومعلوم أن هذا التأويل الذي أولوا به الحديث بعيد من ظاهر اللفظ. ولا سيما على الرواية التي تصرح بتمييز الخمسين بالرجل عند أبي داود وغيره. الفرع الثاني -قد علمت أن المبدأ بأيمان القسامة أولياء الدم على التحقيق كما تقدم إيضاحه. فإن حلفوا استحقوا القود أو الدية على الخلاف المتقدم. وإن نكلوا ردت الأيمان على المدعى عليهم. فإن حلفوها برؤوا عند الجمهور، وهوالظاهر لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم" تفسير : أي يبرؤون منكم بذلك. وهذا قول مالك والشافعي، والرواية المشهورة عن أحمد، وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة وأبو الزناد والليث وأبو ثور، كما نقله عنهم صاحب المغني. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنهم إن حلفوا لزم أهل المحلة التي وجد بها القتيل أن يغرموا الدية. وذكر نحوه أبو الخطاب. رواية عن أحمد. وقد قدمنا أن عمر ألزمهم الدية بعد أن حلفوا. ومعلوم أن المبدأ بالأيمان عند أبي حنيفة المدعى عليهم، ولا حلف على الأولياء عنده كما تقدم. الفرع الثالث - إن امتنع المدعون من الحلف ولم يرضوا بأيمان المدعى عليهم - فالظاهر أن الإمام يعطي ديته من بيت المال. لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك، والله تعالى يقول: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}تفسير : [الأحزاب:21]. الفرع الرابع - إن ردت الأيمان على المدعى عليهم فقد قال بعض أهل العلم: لا يبرأ أحد منهم حتى يحلف بانفراده خمسين يميناً، ولا توزع الأيمان عليهم بقدر عددهم. قال مالك في الموطأ: وهذا أحسن ما سمعت في ذلك. وهو مذهب الإمام أحمد. وقال بعض علماء الحنابلة: تقسم الأيمان بينهم على عددهم بالسوية. لأن المدعى عليهم متساوون. وللشافعي قولان كالمذهبين اللذين ذكرنا. فإن امتنع المدعى عليهم من اليمين فقيل يحبسون حتى يحلفوا. وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو مذهب مالك أيضاً. إلا أن المالكية يقولون: إن طال حبسهم ولم يحلفوا تركوا، وعلى كل واحد منهم جلد مائة وحبس سنة. ولا أعلم لهذا دليلاً. وأظهر الأقوال عندي: أنهم تلزمهم الدية بنكولهم عن الأيمان، ورواه حرب بن إسماعيل عن أحمد، وهو اختيار أبي بكر. لأنه حكم ثبت بالنكول فثبت في حقهم ها هنا كسائر الدعاوى. قال في المغني: وهذا القول هو الصحيح، والله تعالى أعلم. الفرع الخامس - اختلف العلماء في أقل العدد الذي يصح أن يحلف أيمان القسامة. فذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا يصح أن يحلف أيمان القسامة في العمد أقل من رجلين من العصبة. فلو كان للمقتول ابن واحد مثلاً استعان برجل آخر من عصبة المقتول ولو غير وارث يحلف معه أيمانها. وأظهر الأقوال دليلاً هو صحة استعانة الوارث بالعصبة غير الوارثين في أيمان القسامة. حديث : لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لحويصة ومحيصة: "يحلف خمسون منكم.." تفسير : الحديث. وهم ابنا عم المقتول، ولا يرثان فيه لوجود أخيه. وقد قال لهم "يحلف خمسون منكم" وهو يعلم أنه لم يكن لعبد الله بن سهل المقتول عشرون رجلاً وارثون. لأنه لا يرثه إلا أخوه ومن هو في درجته أو أقرب منه نسباً. وأجاب المخالفون: بأن الخطاب للمجموع مراداً به بعضهم، وهو الوارثون منهم دون غيرهم ولا يخفى بعده. فإن كانوا خمسين حلف كل واحد منهم يميناً. وإن كانوا أقل من ذلك وزعت عليهم بحسب استحقاقهم في الميراث. فإن نكل بعضهم رد نصيبه على الباقين إن كان الناكل معيناً لا وارثاً. فإن كان وارثاً يصح عفوه عن الدم سقط القود بنكوله، وردت الأيمان على المدعى عليهم على نحو ما قدمنا. هذا مذهب مالك رحمه الله. وأما القسامة في الخطأ عند مالك رحمه الله - فيحلف أيمانها الوارثون على قدر أنصبائهم. فإن لم يوجد إلا واحد ولو امرأة حلف الخمسين يميناً كلها واستحق نصيبه من الدية. وأما الشافعي رحمه الله فقال: لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خاصة خمسين يميناً سواء قلوا أم كثروا. فإن كان الورثة خمسين حلف كل واحد منهم يميناً وإن كانوا أقل أو نكل بعضهم ردت الأيمان على الباقين. فإن لم يكن إلا واحد حلف خمسين يمينا واستحق حتى لو كان من يرث بالفرض والتعصيب أو بالنسب والولاء حلف واستحق. وقد قدمنا - أن الصحيح في مذهب الشافعي رحمه الله: أن القسامة إنما تستحق بها الدية لا القصاص. وأما الإمام أحمد فعنه في هذه المسألة روايتان: الأولى - أنه يحلف خمسون رجلاً من العصبة خمسين يميناً، كل رجل يحلف يميناً واحدة. فإن وجدت الخمسون من ورثة المقتول فذلك، وإلا كملت الخمسون من العصبة الذين لا يرثون، الأقرب منهم فالأقرب حتى تتم الخمسون. وهذا قول لمالك أيضاً، وهذا هو ظاهر بعض روايات حديث سهل الثابتة في الصحيح. والرواية الأخرى عن الإمام أحمد - أنه لا يحلف أيمان القسامة إلا الورثة خاصة، وتوزع عليهم على قدر ميراث كل واحد منهم. فإن لم يكن إلا واحد حلف الخمسين واستحق. إلا أن النساء لا يحلفن أيمان القسامة عند أحمد. فالمراد بالورثة عنده الذكور خاصة. وهذه الرواية هي ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي حامد. وأما الإمام أبو حنيفة رحمه الله - فقد قدمنا أن أيمان القسامة عنده لا يحلفها إلا خمسون رجلاً من أهل المحلة التي وجد بها القتيل. فيقسمون أنهم ما قتلوه ولا علموا له قاتلاً. تنبيه قد علمت كلام العلماء فيمن يحلف أيمان القسامة. فإذا وزعت على عدد أقل من الخمسين ووقع فيها انكسار فإن تساووا جبر الكسر عليهم. كما لو خلف المقتول ثلاثة بنين. فإن على كل واحد منهم ثلث الخمسين يميناً وهو ست عشرة وثلثان، فيتمم الكسر على كل واحد منهم. فيحلف كل واحد منهم سبع عشرة يميناً. فإن قيل: يلزم على ذلك خلاف الشرع في زيادة الأيمان على خمسين يميناً. لأنها تصير بذلك إحدى وخمسين يميناً. فالجواب - أن نقص الأيمان عن خمسين لا يجوز، وتحميل بعض الورثة زيادة على الآخرين لا يجوز. فعلم استواؤهم في جبر الكسر. فإذا كانت اليمين المنكسرة لم يستوِ في قدر كسرها الحالفون، كأن كان على أحدهم نصفها، وعلى آخر ثلثها، وعلى آخر سدسها، حلفها من عليه نصفها تغليباً للأكثر، ولا تجبر على صاحب الثلث والسدس. وهذا هو مذهب مالك وجماعة من أهل العلم. وقال غيرهم: تجبر على الجميع. والله تعالى أعلم. وقال بعض أهل العلم: يحلف كل واحد من المدعين خمسين يميناً، سواء تساووا في الميراث أو اختلفوا فيه. واحتج من قال بهذا بأن الواحد منهم لو انفرد لحلف الخمسين يميناً كلها. قال: وما يحلفه منفرداً يحلفه مع غيره كاليمين الواحدة في سائر الدعاوى. قال مقيدة عفا الله عنه: وهذا القول بعيد فيما يظهر. لأن الأحاديث الواردة في القسامة تصرح بأن عدد أيمانها خمسون فقط، وهذا القول قد تصير به مئات كما ترى. والعلم عند الله تعالى. الفرع السادس - لا يقتل بالقسامة عند من يوجب القود بها إلا واحد. وهذا قول أكثر القائلين بالقود بها، منهم مالك وأحمد والزهري، وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم. وهذا القول هو الصواب، وتدل عليه الرواية الصحيحة التي قدمناها عند مسلم وغيره:"حديث : يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته.."تفسير : الحديث. فقوله صلى الله عليه وسلم في معرض بيان حكم الواقعة: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم" يدل على أنهم ليس لهم أن يقسموا على غير واحد. وقيل: يستحق بالقسامة قتل الجماعة.لأنها بينة موجبة للقود، فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينه. وممن قال بهذا أبو ثور: قاله ابن قدامة في المغني. وهل تسمع الدعوى في القسامة على غير معين أو لا؟ وهل تسمع على أكثر من واحد أو لا. فقال بعض أهل العلم: تسمع على غير معين. وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله مستدلاً بقصة الأنصاري المقتول بخيبر. لأن أولياءه ادعوا على يهود خيبر. وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن الدعوى فيها لا تسمع إلا على معين، قالوا: ولا دليل في قصة اليهود والأنصاري. لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال فيها "حديث : يقسم خمسون منكم على رجل منهم"تفسير : فبين أن المدعى عليه لا بد أن يعين. وقال بعض من اشترط كونها على معين: لا بد أن تكون على واحد، وهو قول أحمد ومالك. وقال بعض من يشترط كونها على معين: يجوز الحلف على جماعة معينين، وقد قدمنا اختلافهم: هل يجوز قتل الجماعة أو لا يقتل إلا واحد، وهو ظاهر الحديث، وهو الحق إن شاء الله. وقال أشهب صاحب مالك: لهم أن يحلفوا على جماعة ويختاروا واحداً للقتل، ويسجن الباقون عاماً، ويضربون مائة. قال ابن حجر في الفتح. وهو قول لم يسبق إليه. والعلم عند الله تعالى. الفرع السابع - اعلم أن أيمان القسامة تحلف على البت، ودعوى القتل أيضاً على البت. فإن قيل: كيف يحلف الغائب على أمر لم يحضره، وكيف يأذن الشارع في هذه اليمين التي هي من الأيمان على غير معلوم؟ فالجواب - أن غلبة الظن تكفي في مثل هذا، فإن غلب على ظنه غلبة قوية أنه قتله حلف على ذلك. وإن لم يغلب على ظنه غلبة قوية فلا يجوز له الإقدام على الحلف. الفرع الثامن - إن مات مستحق الأيمان قبل أن يحلفها انتقل إلى وارثه ما كان عليه من الأيمان، وكانت بينهم على حسب مواريثهم، ويجبر الكسر فيها عليهم كما يجبر في حق ورثة القتيل على نحو ما تقدم. لأن من مات عن حق انتقل إلى وارثه. ولنكتف بما ذكرنا من أحكام القسامة خوف الإطالة المملة، ولأن أحكامها كثيرة متشعبة جداً، وقد بسط العلماء عليها الكلام في كتب الفروع. غريبة تتعلق بهذه الآية الكريمة وهي أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما استنبط من هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها: أيام النزاع بين علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عنه - أن السلطنة والملك سيكونان لمعاوية، لأن من أولياء عثمان رضي الله عنه وهو مقتول ظلماً، والله تعالى يقول: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} الآية. وكان الأمر كما قال ابن عباس. وهذا الاستنباط عنه ذكره ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة، وساق الحديث في ذلك بسنده عند الطبراني في معجمه. وهو استنباط غريب عجيب. ولنكتف بما ذكرنا من الأحكام المتعلقة بهذه الآية الكريمة خوف الإطالة المملة. والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحق} بكفرٍ بعد إسلام، أو زنا بعد إحصانٍ، أو قتل نفسٍ بتعمُّدٍ {ومَنْ قتل مظلوماً} أَيْ: بغير إحدى هذه الخصال {فقد جعلنا لوليه} وارثه {سلطاناً} حجَّةً في قتل القاتل إن شاء، أو أخذ الدِّية، أو العفو {فلا يسرف في القتل} فلا يتجاوز ما حدَّ له، وهو أن يقتل بالواحد اثنين، أو غير القاتل ممَّنْ هو من قبيلة القاتل، كفعل العرب في الجاهليَّة. {إنَّه} إنَّ الوليَّ {كان منصوراً} بقتل قاتل وليِّه والاقتصاص منه. وقيل: {إنَّه} إنَّ المقتول ظلماً {كان منصوراً} في الدُّنيا بقتل قاتله، وفي الآخرة بالثَّواب. {ولا تقربوا مال اليتيم إلاَّ بالتي هي أحسن} يعني: الأكل بالمعروف، وذكرنا هذا في سورة الأنعام. {وأوفوا بالعهد} وهو كلُّ ما أمر به ونهى عنه {إنَّ العهد كان مسؤولاً} عنه. {وأوفوا الكيل} أتمُّوه {إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم} بأقوم الموازين {ذلك خيرٌ} أقرب إلى الله تعالى {وأحسن تأويلاً} عاقبةً. {ولا تقف ما ليس لك به علم} لا تقولنَّ في شيءٍ بما لا تعلم {إنَّ السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤولاً} أَيْ: يسأل الله العباد فيم استعملوا هذه الحواس.

د. أسعد حومد

تفسير : {سُلْطَاناً} (33) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ شَرِعِيٍّ. (وَفِي الحَدِيثِ: حديث : لَزَوَالُ الدُّنْيا أَهْوَنُ عِنْدَ اللهِ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍتفسير : ). (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، وَفِي الحَدِيثِ أَيْضاً (حديث : لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرىءٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسِ بِالنَّفْسِ وَالزَّانِي المُحْصنِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ، المُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ)تفسير : . (وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ). ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ يُوجِبُ قَتْلَهُ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً وَسَلَّطَهُ عَلَى القَاتِلِ، إِنْ شَاءَ قَتْلَهُ قوَداً، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَأَخَذَ الدِّيةَ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ بِغَيْرِ دِيَةٍ. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى وَلِيَّ المَقْتُولِ بِأَلاَّ يَتَجَاوَزَ الحَدَّ المَشْرُوعَ بِأَنْ يَقْتُلَ اثْنَيْنِ مُقَابِلَ وَاحِدٍ، أَوْ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ غَيْرِ القَاتِلِ، كَإِخْوَتِهِ وَأَقْرِبَائِهِ. وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ وَلِيَّ المَقْتُولِ مَنْصُورٌ عَلَى القَاتِلِ، بِأَنْ أَوْجَبَ لَهُ القِصَاصَ أَوِ الدِّيَةَ وَأَمَرَ الحُكَّامَ بِأَنْ يُعِينُوهُ فِي اسْتِيفَائِهِ حَقَّهُ. سُلْطَاناً - تَسَلُّطاً عَلَى القَاتِلِ بِالقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ..} [الإسراء: 33]. كان القياس أنْ يُقابل الجمع بالجمع، فيقول: لا تقتلوا النفوس التي حرَّم الله، لكن الحق سبحانه وتعالى يريد أن قَتْل النفس الواحدة مسئوليةُ الجميع، لا أنْ يسأل القاتل عن النفس التي قتلها، بل المجتمع كله مسئول عن هذه الجريمة. {ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ ..} [الإسراء: 33] أي: جعلها محرّمة لا يجوز التعدي عليها؛ لأنها بنيان الله وخلْقته وصناعته، وبنيان الله لا يهدمه أحد غيره. أو نقول: {ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ ..} [الإسراء: 33] أي: حرَّم الله قتلها. {إِلاَّ بِٱلحَقِّ ..} [الإسراء: 33] هذا استثناء من الحكم السابق الذي قال: لا تقتلوا النفس التي حرم الله {إِلاَّ بِٱلحَقِّ} أي: ولكن اقتلوها بالحق، والحق هنا المراد به ثلاثة أشياء: - القصَاص من القاتل. - الردَّة عن الإسلام. - زِنَا المحصَن أو المحصَنة. وهذه أسباب ثلاثة تُوجِب قَتْل الإنسان، والقتْل هنا يكون بالحق أي: بسبب يستوجب القتل. وقد أثار أعداء الإسلام ضَجَّة كبيرة حول هذه الحدود وغيرها، واتهموا الإسلام بالقسوة والوحشية، وحُجَّتهم أن هذه الحدود تتنافى وإنسانية الإنسان وآدميته، وتتعارض مع الحرية الدينية التي يقول بها الإسلام في قوله تعالى: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ..}تفسير : [البقرة: 256]. ففي القصاص قالوا: لقد خَسِر المجتمع واحداً بالقتل، فكيف نُزِيد من خسارته بقتْل الآخر؟ نقول: لا بُدَّ أن نستقبلَ أحكام الله بفْهمٍ وَاع ونظرة متأمّلة، فليس الهدف من تشريع الله للقصاص كثرة القتل، إنما الهدف ألاّ يقع القتل، وألاَّ تحدثَ هذه الجريمة من البداية. فحين يُخبرك الحق سبحانه أنك إنْ قتلتَ فسوف تُقتَلُ، فهو يحمي حياتك وحياة الآخرين. وليس لدى الإنسان أغلى من حياته، حتى القاتل لم يقتل إلا لأنه يحب الحياة، وقتل من أجلها مَنْ قتل؛ لأنه ربما خدش عِزَّته أو كرامته، وربما لأنه عدو له أقوى منه. ولا شكَّ أن حياته أغلى من هذا كله، فحين نقول له: إنْ قتلتَ ستُقتل، فنحن نمنعه أنْ يُقدِم على هذه الجريمة، ونُلوّح له بأقسى ما يمكن من العقوبة. ولذلك قالوا: القتْلُ أنْفَى للقتل. وقال تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ ..}تفسير : [البقرة: 179]. وهذا نداء لأصحاب الأفهام والعقول الواعية، ليس القصاص كما يظنُّ البعض، بل فيه الحياة وفيه سلامة المجتمع وحَقْن الدماء. ويجب أن يكون عندنا يقظةُ استقبال لأحكام الله؛ لأن القاتل ما قتل إلا حينما غفل عن الحكم، ويجب أيضاً أن ننظر إلى حكم القصاص نظرة موضوعية، لأنه كما حَمى غيري من قَتْلِي له حماني أيضاً من قَتْل غيري لي، وما دامت المسألة: لك مثل ما عليك، وحظك منها كحظِّ الناس جميعاً، فلماذا الاعتراض؟ وكذلك في السرقة، حينما يقول لك: لا تسرق، فأنت ترى أن هذا الأمر قد قيَّد حريتك أنت، لكن الحقيقة أنه أيضاً قيَّد حرية الآخرين بالنسبة للسرقة منك. والذي يتأمل هذه الحدود يجدها في صالح الفرد؛ لأنها تُقيِّد حريته وهو فرد واحد، وتُقيَّد من أجله حرية المجتمع كله. وفي الزكاة، حينما يُوجِب عليك الشارع الحكيم أنْ تُخرِج قَدْراً معلوماً من مالك للفقراء، فلا تَقُلْ: هذا مالي جمعتُه بجَهْدي وعَرقي. ونقول لك: نعم هو مالك، ولكن لا تنسَ أن الأيام دُوَلٌ وأغيار، والغنيّ اليوم قد يفتقر غداً، فحين تعضّك الأيام فسوف تجد مَنْ يعطيك، ويَكيل لك بنفس الكَيْل الذي كِلْتَ به للناس. إذن: يجب أن نكون على وَعْي في استقبال الأحكام عن الله تعالى، وأن ننظر إليها نظرة شمولية، فنرى ما لنا فيها وما علينا، وما دامت هذه الأحكام تعطينا بقدر ما تأخذ مِنّا فهي أحكام عادلة. وحُكْم القصاص يجعل الإنسان حريصاً على نفسه، ويمنعه أنْ يُقدِم على القَتْل، فإنْ غفل عن هذا الحكم وارتكب هذه الجريمة فلا بُدَّ أن يقتصَّ منه؛ فإن أخذتنا الشهامة وتشدَّقْنا بالإنسانية والكرامة والرحمة الزائفة، وعارضنا إقامة الحدود فليكُنْ معلوماً لدينا أن مَنْ يعارض في إعدام قاتل فسوف يتسبب في إعدام الملايين، وسوف يفتح الباب لفوضى الخلافات والمنازعات، فكلّ من اختلف مع إنسان سارع إلى قَتْله؛ لأنه لا يوجد رادع يُردِعه عن القتل. إذن: لكي نمنع القتل لا بُدَّ أن نُنفِّذَ حكم الله ونُقيم شَرعه ولو على أقرب الناس؛ لأن هذه الأحكام ما نزلتْ لتكون كلاماً يُتلَى وفقط؛ بل لتكون منهجاً عملياً يُنظِّم حياتنا، ويحمي سلامة مجتمعنا. لذلك جعل الحق سبحانه وتعالى تنفيذ هذه الأحكام علانية أمام الجميع، وعلى مَرْأى ومَسْمع المجتمع كله؛ ليعلموا أن أحكام الله ليست شفوية، بل ها هي تُطبِّق أمامهم، وصدق الله تعالى حين قال: {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النور: 2]. والذين اعترضوا على القصاص اعترضوا أيضاً على إقامة حَدّ الردَّة، ورأوا فيه وحشية وكَبْتاً للحرية الدينية التي كفَلها الإسلام في قوله تعالى:{أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ..}تفسير : [البقرة: 256]. والحقيقة أن الإسلام حينما شرع حَدَّ الردة، وقال بقتل المرتد عن الدين أراد أن يُصعِّب على غير المسلمين الدخول في الإسلام، وأن يُضيِّق عليهم هذا الباب حتى لا يدخل في الإسلام إلا مَنْ أخلص له، واطمأنَّ قلبه إليه، وهو يعلم تماماً أنه إنْ تراجع عن الإسلام بعد أن دخل فيه فجزاؤه القتل. فهذه تُحسَب للإسلام لا عليه؛ لأنه اشترط عليك أولاً، وأوضح لك عاقبة ما أنت مُقدِم عليه. أما حرية الدين والعقيدة فهي لك قبل أن تدخل الإسلام دخولاً أولياً، لا يجبرك أحد عليه، فلك أنْ تظلَّ على دينك كما تحب، فإنْ أردتَ الإسلام فتفكّر جيداً وتدبّر الأمر وابحثه بكل طاقات البحث لديك. فليس في دين الله مجالٌ للتجربة، إنْ أعجبكَ تظلّ في ساحته، وإنْ لم يَرُق لك تخرج منه، فإنْ علمتَ هذه الشروط فليس لك أنْ تعترضَ على حدِّ الردّة بعد ذلك. ولتعلم أن دين الله أعزّ وأكرم من أنْ يستجدي أحداً للدخول فيه. ثم يقول تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً ..} [الإسراء: 33]. وهذا حكم نفي، المفروض ألاَّ يحدث. ومعنى {مَظْلُوماً} أي: قُتِل دون سبب من الأسباب الثلاثة السابقة أي: دون حق، فعلى فَرْض أن هذا القتل وقع بالفعل، فما الحكم؟ يقول تعالى: {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ..} [الإسراء: 33]. وليه: أي وليّ المقتول، وهو مَنْ يتولّى أمره من قرابته: الأب أو الأخ أو الابن أو العم .. الخ فهو الذي يتولّى أمر المطالبة بدمه. {سُلْطَاناً ..} [الإسراء: 33] أي: شرعنا له، وأعطيناه الحقَّ والقوة في أنْ يقتل القاتل، والسلطان يكون في خدمة التنفيذ، ويُمكّنه منه، وكذلك المؤمنون أيضاً يقفون إلى جواره، ويساعدونه في تنفيذ هذا الحكم؛ لأن الأمر من الله قد يكون رادعه في ذات النفس، لكن إنْ ضعُفَتْ النفس فلا بُدَّ لرادع من الخارج، وهنا يأتي دور السلطان ودور المجتمع الإيماني الذي يُعين على إقامة هذا الحكم. إذن: جعل الحق سبحانه وتعالى سلطان القصاص لوليّ الدم، فإنْ لم يكن له وليّ فإن السلطان ينتقل للحاكم العام ليتولى إقامة هذا الحكم، لكن ما يُتعِب الدنيا - حينما ينتقل حَقُّ القصاص إلى الحاكم العام - طُول الإجراءات التي تُخرج الحكم عن المراد منه، وتُذْكِي نار الحقد والغِلِّ والتِّرَة في نفسِ وليَّ الدم. فوليّ الدم وحده الذي يُعاني طول فترة التقاضي مع أناس لا يعنيهم أن تطولَ هذه الفترة أو تقصُر؛ لأن طول فترة التقاضي تأتي في صالح القاتل، حيث بمرور الأيام - بل والسنين - تبْرُد شراسة الجريمة في نفوس الناس، وتأخذ طريقاً إلى طيّات النسيان. وبهذا تبهت الجريمة وتُنسَى بشاعتها، وبدلَ أن يقف المجتمع ويفكر في القاتل وفي القصاص منه، تتحول الأنظار والعواطف إلى النفس الجديدة التي ستُقتل، وبذلك يتعاطف الناس معه بدل أن يتعاطفوا في إقامة القصاص عليه. لكن يجب أنْ يُقامَ القصاص قبل أنْ تبرُدَ شراسة الجريمة في النفوس، وتبهت وتفقد حرارتها. والحق سبحانه وتعالى كما شرع القصاص، وجعله في يد وليّ الدم، أراد في الوقت نفسه ألاَّ يحرم المجتمع من طموحات العفو الذي يُنهِي أصول الخلاف، فيقول تعالى:{أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ..}تفسير : [البقرة: 178]. ففي جَوِّ القتل وثورة الدماء التي تغلي بالثأر يتكلم الحق سبحانه عن العفو والأخوة والمعروف والإحسان، فمهما كان الأمر فالمؤمنون إخوة، وباب العفو والإحسان مفتوح. ولوليّ الدم بعد أن أعطيناه حَقَّ القصاص ندعوه إلى العفو، وله أن يأخذ الدية وتنتهي المسألة، وله أن يعفوَ عن بعضها أو عنها كلها. إذن: فإعطاء الحق مَنع عن المقتول له ذِلّة التسلُّط من القاتل؛ لأن الله تعالى أعطاه حَقَّ القصاص منه، فإذا ما عفا عنه عَلِم القاتل أن حياته أصبحت هبة من وليّ الدم، وما دام الأمر كذلك فسوف تتلاشى بينهما الضغائن والأحقاد، ويحل محلها الوفاق والمحبة والسلام، ونُنهي تسلسل الثارات الذي لا ينتهي. وقد اشتهر في صعيد مصر - وكان مثالاً للأخْذ بالثأر - أن القاتل يأخذ كفنه في يده، ويذهب به إلى وليّ الدم ويُسلِّم نفسه إليه معترفاً بجريمته، معطياً لولي الدم حرية التصرف فيه. فما يكون من ولي الدم أمام هذا الاستسلام إلاّ أن يعفوَ ويصفح، وبذلك تُقتلَع الضغائن من جذورها. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ..} [الإسراء: 33]. أي: طالما أن الله أعطاك حَقَّ القصاص فليكُنْ القصاص بقَدْره دون زيادة أو تعدٍّ أو مجاوزة للحدِّ، والإسراف في القتل يكون بأوجه عدة: فقد يكون القاتل غير ذي شأن في قومه، فلا يرضى وليّ الدم بقتْله، بل يتطلع إلى قتل إنسان آخر ذي مكانة وذي شأن، فيقتل إنساناً بريئاً لا ذنبَ له، وهذا من الإسراف في القتل، وهو إسرافٌ في ذات المقتول. وقد يكون الإسراف في الكَمِّ، فإنْ قُتِل واحد فلا يكتفي وليّ الدم بأن يقتل القاتل، بل يحمله الغِلّ وثورة الدم إلى أنْ يقتل به أكثر من واحد. وقد يكون الإسراف بأنْ يُمثّل بجثة المقتول، ولا يكفيه قتله، والمفروض ألاَّ يحملك الغضب على تجاوز الحدِّ المشروع لك. وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعلها في قاتل حمزة، فنهاه الله عن ذلك. ثم يقول تعالى: {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} [الإسراء: 33]. أي: لا يجوز له أنْ يُسرف في القتل؛ لأننا لم نتخلّ عنه، بل وقفنا بجانبه وأعطيناه حقّ القصاص ومكنَّاه منه، إذن: فهو منصور ليس متروكاً، فيجب أن يقف عند حَدِّ النُّصْرة لا يتجاوزها؛ لأنه إن تجاوزها بقتل غير القاتل، فسوف يُقتل هو الآخر قصاصاً. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} معناهُ حُجةٌ. وكُلُّ سُلطانٍ فِي القُرآنِ فَهو الحُجةٌ. تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ} وهو أَنْ تَقْتُلَ غَيرَ قَاتِلكَ، أَو تَقتُلَ اثنين بِوَاحدٍ، أَوْ تُمثِّلَ بِقاتِلِكَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا شامل لكل نفس { حَرَّمَ اللَّهُ } قتلها من صغير وكبير وذكر وأنثى وحر وعبد ومسلم وكافر له عهد. { إِلا بِالْحَقِّ } كالنفس بالنفس والزاني المحصن والتارك لدينه المفارق للجماعة والباغي في حال بغيه إذا لم يندفع إلا بالقتل. { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا } أي: بغير حق { فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ } وهو أقرب عصباته وورثته إليه { سُلْطَانًا } أي: حجة ظاهرة على القصاص من القاتل، وجعلنا له أيضا تسلطا قدريا على ذلك، وذلك حين تجتمع الشروط الموجبة للقصاص كالعمد العدوان والمكافأة. { فَلا يُسْرِفْ } الولي { فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } والإسراف مجاوزة الحد إما أن يمثل بالقاتل أو يقتله بغير ما قتل به أو يقتل غير القاتل. وفي هذه الآية دليل إلى أن الحق في القتل للولي فلا يقتص إلا بإذنه وإن عفا سقط القصاص. وأن ولي المقتول يعينه الله على القاتل ومن أعانه حتى يتمكن من قتله.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 516 : 18 : 9 - سفين عن العلآء بن عبد الكريم عن مجاهد في قوله {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ} قال فلا تسرف أنت ولا هذا. و{كَانَ مَنْصُوراً} قال، المقتول. [الآية 33]. 517 : 19 : 10 - سفين عن منصور عن إبراهيم عن أبي معمر عن حذيفة أنه كان يقرأ {فلا تسرف في القتل إنه كان منصورا}. 518 : 20 : 12 - سفين عن خصيف عن طلق بن حبيب قال، أن تقتل غير قاتلك أو تمثل به.

همام الصنعاني

تفسير : 1562- عبد الرزاق، قال أنبأنا الثَّوريّ، عن خصيف، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ}: [الآية: 33]، قال: لا يُقْتَل رجلان بِرَجُلٍ. 1563- عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ}: [الآية: 33]، يقول: لا تقتل غير قاتلك، ولا تُمثِّل به، {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً}: [الآية: 33].