١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأشياء التي نهى الله عنها في هذه الآيات. اعلم أنا ذكرنا أن الزنا يوجب اختلاط الأنساب. وذلك يوجب منع الاهتمام بتربية الأولاد وذلك يوجب انقطاع النسل، وذلك يوجب المنع من دخول الناس في الوجود، وأما القتل فهو عبارة عن إعدام الناس بعد دخولهم في الوجود، فثبت أن النهي عن الزنا والنهي عن القتل يرجع حاصله إلى النهي عن إتلاف النفوس، فلما ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بالنهي عن إتلاف الأموال، لأن أعز الأشياء بعد النفوس الأموال، وأحق الناس بالنهي عن إتلاف أموالهم هو اليتيم، لأنه لصغره وضعفه وكمال عجزه يعظم ضرره بإتلاف ماله، فلهذا السبب خصهم الله تعالى بالنهي عن إتلاف أموالهم فقال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ونظيره قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } تفسير : [النساء: 6] وفي تفسير قوله: {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } وجهان: الأول: إلا بالتصرف الذي ينميه ويكثره. الثاني: المراد هو أن تأكل معه إذا احتجت إليه، وروى مجاهد عن ابن عباس قال: إذا احتاج أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه، فإن لم يوسر فلا شيء عليه. واعلم أن الولي إنما تبقى ولايته على اليتيم إلى أن يبلغ أشده وهو بلوغ النكاح، كما بينه الله تعالى في آية أخرى وهو قوله: { أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ ءانَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ } تفسير : [النساء: 6] والمراد بالأشد بلوغه إلى حيث يمكنه بسبب عقله ورشده القيام بمصالح ماله، وعند ذلك تزول ولاية غيره عنه وذلك حد البلوغ، فأما إذا بلغ غير كامل العقل لم تزل الولاية عنه، والله أعلم. وبلوغ العقل هو أن يكمل عقله وقواه الحسية والحركية، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} قد مضى الكلام فيه في الأنعام. الثانية: قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} قد مضى الكلام فيه في غير موضع. قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونَهَى عنه فهو من العهد. {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} عنه، فحذف؛ كقوله: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } به وقيل: إن العهد يسأل تبكيتاً لناقضه فيقال: نقضت، كما تسأل المَوْءُودة تبكيتاً لوائدها.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أي: لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالغبطة {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} وقد جاء في "صحيح مسلم": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: «حديث : يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي؛ لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال اليتيم» تفسير : وقوله: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} أي: الذي تعاهدون عليه الناس، والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} أي: عنه. وقوله: {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ} أي: من غير تطفيف، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، {وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ} قرىء بضم القاف وكسرها، كالقرطاس، وهو الميزان. وقال مجاهد: هو العدل بالرومية. وقوله: {ٱلْمُسْتَقِيمِ} أي: الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا اضطراب {ذٰلِكَ خَيْرٌ} أي: لكم في معاشكم ومعادكم، ولهذا قال: {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي: مآلاً ومنقلباً في آخرتكم، قال سعيد عن قتادة: {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي: خير ثواباً وأحسن عاقبة. وابن عباس كان يقول: يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم، هذا المكيال، وهذا الميزان، قال: وذكر لنا أن نبي الله عليه الصلاة والسلام كان يقول: «حديث : لا يقدر رجل على حرام، ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله، إلا أبدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ } إذا عاهدتم الله أو الناس {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً } عنه.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه النهي عن إتلاف النفوس، أتبعه بالنهي عن إتلاف الأموال، وكان أهمها بالحفظ والرعايا مال اليتيم فقال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ }. والنهي عن قربانه مبالغة في النهي عن المباشرة له وإتلافه. ثم بيّن سبحانه أن النهي عن قربانه، ليس المراد منه النهي عن مباشرته فيما يصلحه ويفسده، بل يجوز لوليّ اليتيم أن يفعل في مال اليتيم ما يصلحه، وذلك يسلتزم مباشرته، فقال: {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } أي: إلاّ بالخصلة التي هي أحسن الخصال، وهي حفظه وطلب الربح فيه والسعي فيما يزيد به. ثم ذكر الغاية التي للنهي عن قربان مال اليتيم فقال: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } أي: لا تقربوه إلاّ بالتي هي أحسن حتى يبلغ اليتيم أشدّه، فإذا بلغ أشدّه كان لكم أن تدفعوه إليه، أو تتصرفوا فيه بإذنه. وقد تقدّم الكلام على هذا مستوفى في الأنعام {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ } قد مضى الكلام فيه في غير موضع. قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه، فهو من العهد، فيدخل في ذلك ما بين العبد وربه، وما بين العباد بعضهم البعض. والوفاء بالعهد: هو القيام بحفظه على الوجه الشرعي والقانون المرضي، إلاّ إذا دلّ دليل خاص على جواز النقض {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَّسْئُولاً} أي: مسئولاً عنه، فالمسئول هنا: هو صاحبه، وقيل: إن العهد يسأل تبكيتاً لناقضه. {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ} أي: أتموا الكيل ولا تخسروه وقت كيلكم للناس. {وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ }. قال الزجاج: هو ميزان العدل أيّ: ميزان كان من موازين الدراهم وغيرها، وفيه لغتان: ضم القاف، وكسرها، وقيل هو القبّان المسمى بالقرسطون؛ وقيل هو العدل نفسه، وهي لغة الروم، وقيل: لغة سريانية. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر (القُسطاس) بضم القاف، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بكسر القاف، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى إيفاء الكيل والوزن، وهو مبتدأ، وخبره {خَيْرٌ } أي: خير لكم عند الله وعند الناس، يتأثر عنه حسن الذكر وترغيب الناس في معاملة من كان كذلك {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } أي: أحسن عاقبة، من آل إذا رجع. ثم أمر سبحانه بإصلاح اللسان والقلب فقال: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أي: لا تتبع ما لا تعلم، من قولك: قفوت فلاناً: إذا اتبعت أثره، ومنه قافية الشعر، لأنها تقفو كل بيت، ومنه القبيلة المشهورة بالقافة، لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس. وحكى ابن جرير عن فرقة أنها قالت: قفا وقاف، مثل عثا وعاث. قال منذر بن سعيد البلوطي: قفا وقاف، مثل جذب وجبذ. وحكى الكسائي عن بعض القراء أنه قرأ (تَقُفْ) بضم القاف وسكون الفاء. وقرأ الفراء بفتح القاف وهي لغة لبعض العرب، وأنكرها أبو حاتم وغيره. ومعنى الآية: النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم، أو يعمل بما لا علم له به، وهذه قضية كلية، وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور: فقيل: لا تذم أحداً بما ليس لك به علم؛ وقيل: هي في شهادة الزور؛ وقيل: هي في القذف. وقال القتيبي: معنى الآية: لا تتبع الحدس والظنون، وهذا صواب، فإن ما عدا ذلك هو العلم؛ وقيل: المراد بالعلم هنا: هو الاعتقاد الراجح المستفاد من مستند قطعياً كان أو ظنياً. قال أبو السعود في تفسيره: واستعماله بهذا المعنى مما لا ينكر شيوعه. وأقول: إن هذه الآية قد دلت على عدم جواز العمل بما ليس بعلم، ولكنها عامة مخصصة بالأدلة الواردة بجواز العمل بالظنّ كالعمل بالعامّ، وبخبر الواحد، والعمل بالشهادة، والاجتهاد في القبلة وفي جزاء الصيد ونحو ذلك، فلا تخرج من عمومها ومن عموم {أية : إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئًا } تفسير : [يونس: 36]. إلاّ ما قام دليل جواز العمل به، فالعمل بالرأي في مسائل الشرع إن كان لعدم وجود الدليل في الكتاب والسنّة، فقد رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم كما في قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه قاضياً: «بم تقضي؟ قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: فبسنّة رسول الله، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي». وهو حديث صالح للاحتجاج به كما أوضحنا ذلك في بحث مفرد. وأما التوثب على الرأي مع وجود الدليل في الكتاب أو السنّة، ولكنه قصر صاحب الرأي عن البحث فجاء برأيه فهو داخل تحت هذا النهي دخولاً أوّلياً، لأنه محض رأي في شرع الله، وبالناس عنه غنىً بكتاب الله سبحانه وبسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم تدع إليه حاجة، على أن الترخيص في الرأي عند عدم وجود الدليل إنما هو رخصة للمجتهد يجوز له أن يعمل به، ولم يدل دليل على أنه يجوز لغيره العمل به، وينزله منزلة مسائل الشرع، وبهذا يتضح لك أتمّ اتضاح، ويظهر لك أكمل ظهور أن هذه الآراء المدوّنة في الكتب الفروعية ليست من الشرع في شيء، والعامل بها على شفا جرف هار، فالمجتهد المستكثر من الرأي قد قفا ما ليس له به علم، والمقلد المسكين العامل برأي ذلك المجتهد قد عمل بما ليس له به علم ولا لمن قلده {أية : ظُلُمَـٰتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } تفسير : [النور: 40]. وقد قيل: إن هذه الآية خاصة بالعقائد ولا دليل على ذلك أصلاً. ثم علل سبحانه النهي عن العمل بما ليس بعلم بقوله: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَّسْئُولاً } إشارة إلى الأعضاء الثلاثة، وأجريت مجرى العقلاء لما كانت مسئولة عن أحوالها شاهدة على أصحابها. وقال الزجاج: إن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل بـ: أولئك، وأنشد ابن جرير مستدلاً على جواز هذا قول الشاعر:شعر : ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام تفسير : واعترض بأن الرواية بعد أولئك الأقوام، وتبعه غيره على هذا الخطأ كصاحب الكشاف. والضمير في {كان} من قوله: {كَانَ عَنْهُ مَّسْئُولاً } يرجع إلى "كل"، وكذا الضمير في "عنه"، وقيل: الضمير في {كان} يعود إلى القافي المدلول عليه بقوله: {وَلاَ تَقْفُ }. وقوله: «عنه» في محل رفع لإسناد {مسئولاً} إليه، ورد بما حكاه النحاس من الإجماع على عدم جواز تقديم القائم مقام الفاعل إذا كان جاراً أو مجروراً. قيل: والأولى أن يقال: إنه فاعل {مسئولاً} المحذوف، والمذكور مفسر له. ومعنى سؤال هذه الجوارح: أنه يسأل صاحبها عما استعملها فيه لأنها آلات، والمستعمل لها: هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخير استحق الثواب، وإن استعملها في الشرّ استحق العقاب؛ وقيل: إن الله سبحانه ينطق الأعضاء هذه عند سؤالها فتخبر عما فعله صاحبها. {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا } المرح: قيل: هو شدّة الفرح، وقيل: التكبر في المشي؛ وقيل: تجاوز الإنسان قدره؛ وقيل: الخيلاء في المشي؛ وقيل: البطر والأشر، وقيل: النشاط. والظاهر أن المراد به هنا: الخيلاء والفخر، قال الزجاج في تفسير الآية: لا تمش في الأرض مختالاً فخوراً، وذكر الأرض مع أن المشي لا يكون إلاّ عليها، أو على ما هو معتمد عليها تأكيداً وتقريراً، ولقد أحسن من قال:شعر : ولا تمش فوق الأرض إلاّ تواضعا فكم تحتها قوم هم منك أرفع وإن كنت في عزّ وحرز ومنعة فكم مات من قوم هم منك أمنع تفسير : والمرح مصدر وقع حالاً، أي: ذا مرح. وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع تأكيد. وقرأ الجمهور {مرحاً} بفتح الراء على المصدر. وحكى يعقوب عن جماعة كسرها على أنه اسم فاعل ثم علل سبحانه هذا النهي فقال: {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ } يقال: خرق الثوب أي: شقه، وخرق الأرض: قطعها، والخرق: الواسع من الأرض، والمعنى: أنك لن تخرق الأرض بمشيك عليها تكبراً، وفيه تهكم بالمختال المتكبر {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً } أي: ولن تبلغ قدرتك إلى أن تطاول الجبال حتى يكون عظم جثتك حاملاً لك على الكبر والاختيال، فلا قوّة لك حتى تخرق الأرض بالمشي عليها، ولا عظم في بدنك حتى تطاول الجبال، فما الحامل لك على ما أنت فيه؟. و{طولاً} مصدر في موضع الحال، أو تمييز، أو مفعول له؛ وقيل: المراد بخرق الأرض نقبها، لا قطعها بالمسافة. وقال الأزهري: خرقها: قطعها، قال النحاس: وهذا أبين كأنه مأخوذ من الخرق، وهو: الفتحة الواسعة، ويقال: فلان أخرق من فلان: أي أكثر سفراً، والإشارة بقوله: {كُلُّ ذٰلِكَ } إلى جميع ما تقدّم ذكره من الأوامر والنواهي، أو إلى ما نهى عنه فقط من قوله: {وَلاَ تَقْفُ } {وَلاَ تَمْشِ }. قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، ومسروق (سيئه) على إضافة سيء إلى الضمير، ويؤيد هذه القراءة قوله: {مَكْرُوهًا } فإن السيء هو المكروه. ويؤيدها أيضاً قراءة أبيّ: (كان سيئاته)، واختار هذه القراءة أبو عبيد. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو (سيئة) على أنها واحدة السيئات، وانتصابها على خبرية كان، ويكون {مكروهاً} صفة لـ"سيئة" على المعنى، فإنها بمعنى "سيئاً"، أو هو بدل من "سيئة"؛ وقيل: هو خبر ثانٍ لـ"كان" حملاً على لفظ {كل}، ورجح أبو علي الفارسي البدل، وقد قيل في توجيهه بغير هذا مما فيه تعسف لا يخفى. قال الزجاج: والإضافة أحسن، لأن ما تقدّم من الآيات فيها سيء وحسن، فسيئه المكروه. ويقوّي ذلك التذكير في المكروه، قال: ومن قرأ بالتنوين جعل {كل ذلك} إحاطة بالمنهيّ عنه دون الحسن. المعنى: كل ما نهى الله عنه كان سيئة وكان مكروهاً. قال: والمكروه على هذه القراءة بدل من السيئة، وليس بنعت. والمراد بالمكروه عند الله: هو الذي يبغضه ولا يرضاه، لا أنه غير مراد مطلقاً، لقيام الأدلة القاطعة على أن الأشياء واقعة بإرادته سبحانه، وذكر مطلق الكراهة مع أن في الأشياء المتقدّمة ما هو من الكبائر إشعاراً بأن مجرّد الكراهة عنده تعالى يوجب انزجار السامع واجتنابه لذلك. والحاصل: أن في الخصال المتقدّمة ما هو حسن وهو المأمور به، وما هو مكروه وهو المنهيّ عنه، فعلى قراءة الإضافة تكون الإشارة بقوله: {كُلُّ ذٰلِكَ } إلى جميع الخصال حسنها ومكروهها، ثم الإخبار بأن ما هو سيء من هذه الأشياء وهو المنهي عنه مكروه عند الله، وعلى قراءة الإفراد من دون إضافة تكون الإشارة إلى المنهيات، ثم الإخبار عن هذه المنهيات بأنها سيئة مكروهة عند الله. {ذٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ } الإشارة إلى ما تقدّم ذكره من قوله: {لاَّ تَجْعَل } إلى هذه الغاية، وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفاً، {مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ } أي: من جنسه أو بعض منه، وسمي حكمة لأنه كلام محكم، وهو ما علمه من الشرائع، أو من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها الفساد، وعند الحكماء: أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته، و {من الحكمة} متعلق بمحذوف وقع حالاً، أي: كائناً من الحكمة، أو بدل من الموصول بإعادة الجار، أو متعلق بـ {أوحى}. {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ } كرر سبحانه النهي عن الشرك تأكيداً وتقريراً وتنبيهاً عن أنه رأس خصال الدين وعمدته. قيل: وقد راعى سبحانه في هذا التأكيد دقيقة، فرتب على الأوّل كونه مذموماً مخذولاً، وذلك إشارة إلى حال الشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى {فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا } وذلك إشارة إلى حاله في الآخرة، وفي القعود هناك، والإلقاء هنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة، وقد تقدّم تفسير الملوم والمدحور. {أَفَأَصْفَـٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ إِنَاثًا } قال أبو عبيدة: {أصفاكم}: خصكم، وقال الفضل: أخلصكم، وهو خطاب للكفار القائلين بأن الملائكة بنات الله، وفيه توبيخ شديد، وتقريع بالغ لما كان يقوله هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضل، والفاء للعطف على مقدّر، كنظائره مما قد كررناه. {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ } يعني: القائلين بأن لهم الذكر ولله الإناث {قَوْلاً عَظِيمًا } بالغاً في العظم والجراءة على الله إلى مكان لا يقادر قدره. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ } أي: بينا ضروب القول فيه من الأمثال وغيرها، أو كررنا فيه؛ وقيل. «في» زائدة، والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن. والتصريف في الأصل: صرف الشيء من جهة إلى جهة؛ وقيل: معنى التصريف: المغايرة، أي: غايرنا بين المواعظ ليتذكروا ويعتبروا، وقراءة الجمهور {صرّفنا} بالتشديد، وقرأ الحسن بالتخفيف، ثم علل تعالى ذلك فقال: {لّيَذْكُرُواْ } أي: ليتعظوا ويتدبروا بعقولهم ويتفكروا فيه حتى يقفوا على بطلان ما يقولونه. قرأ يحيـى بن وثاب، والأعمش، وحمزة، والكسائي (ليذكروا) مخففاً، والباقون بالتشديد، واختارها أبو عبيد لما تفيده من معنى التكثير، وجملة {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا } في محل نصب على الحال، أي: والحال أن هذا التصريف والتذكير ما يزيدهم إلاّ تباعداً عن الحق وغفلة عن النظر في الصواب، لأنهم قد اعتقدوا في القرآن أنه حيلة وسحر وكهانة وشعر، وهم لا ينزعون عن هذه الغواية ولا وازع لهم يزعهم إلى الهداية. وقد أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ } قال: كانوا لا يخالطونهم في مال ولا مأكل ولا مركب حتى نزلت {أية : وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوٰنُكُمْ } تفسير : [البقرة: 220]. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَّسْئُولاً } قال: يسأل الله ناقض العهد عن نقضه. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية، قال: يسأل عهده من أعطاه إياه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ } يعني: لغيركم {وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ } يعني: الميزان، وبلغة الروم: الميزان: القسطاس: {ذٰلِكَ خَيْرٌ } يعني: وفاء الكليل والميزان خير من النقصان {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } عاقبة. وأخرج ابن أبي شيبة، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: القسطاس: العدل بالرومية. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: القسطاس: القبّان. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: الحديد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَقْفُ } قال: لا تقل. وأخرج ابن جرير عنه قال: لا ترم أحداً بما ليس لك به علم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن الحنفية في الآية قال: شهادة الزور. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَّسْئُولاً } يقول: سمعه وبصره وفؤاده تشهد عليه. وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله: {كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَّسْئُولاً } قال: يوم القيامة أكذلك كان أم لا؟. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلاْرْضِ مَرَحًا } قال: لا تمش فخراً وكبراً، فإن ذلك لا يبلغ بك الجبال ولا أن تخرق الأرض بفخرك وكبرك. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن التوارة في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلا {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {مَّدْحُورًا } قال: مطروداً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ولا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن} وإنما خص اليتيم بالذكر لأنه إلى ذلك أحوج، والطمع في ماله أكثر. وفي قوله {إلاّ بالتي هي أحسن} قولان: أحدهما: حفظ أصوله وتثمير فروعه، وهو محتمل. الثاني: أن التي هي أحسن التجارة له بماله. {حتى يَبْلُغَ أَشدَّه} وفي الأشد وجهان: أحدهما: أنه القوة. الثاني: المنتهى. وفي زمانه ها هنا قولان: أحدهما: ثماني عشرة سنة. والثاني: الاحتلام مع سلامة العقل وإيناس الرشد. {وأوفوا بالعهد} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنها العقود التي تنعقد بين متعاقدين يلزمهم الوفاء بها، وهذا قول أبي جعفر الطبري. الثاني: أنه العهد في الوصية بمال اليتيم يلزم الوفاء به. الثالث: أنه كل ما أمر الله تعالى به أو نهى فهو من العهد الذي يلزم الوفاء به. {إن العهد كان مسئولاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن العهد كان مطلوباً، قاله السدي. الثاني: أن العهد كان مسئولا عنه الذي عهد به، فيكون ناقض العهد هو المسئول. الثالث: أن العهد نفسه هو المسئول بم نقِضت، كما تُسأل الموءُودة بأي ذنب قتلت. قوله عز وجل: {... وزنُوا بالقسطاس المستقيم} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه القبان. قاله الحسن. الثاني: أنه الميزان صغر أو كبر، وهذا قول الزجاج. الثالث: هو العدل. واختلف من قال بهذا على قولين: أحدهما: أنه رومي، قاله مجاهد. الثاني: أنه عربي مشتق من القسط، قاله ابن درستويه. {ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً} فيه وجهان: أحدهما: أحسن باطناً فيكون الخير ما ظهر، وحسن التأويل ما بطن. الثاني: أحسن عقابة، تأويل الشيء عاقبته.
ابن عطية
تفسير : الخطاب في هذه الآية للأوصياء الذين هم معدون لقرب مال اليتامى، ثم لمن تلبس بشيء من أمر يتيم من غير وصي، و {اليتيم} الفرد من الأبناء، واليتم الانفراد، يقال يتم الصبي يتيم إذا فقد أباه، قال ابن السكيت: اليتم في البشر من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، وفي كتاب الماوردي، أن اليتم في البشر من قبل الأم أيضاً، وجمعه أيتام كشريف وأشراف وشهيد وأشهاد، ويجمع يتامى كأسير وأسارى كأنهما الأمور المكروهة التي تدخل على المرء غلبة، قال ابن سيده: وحكى ابن الأعرابي يتمان في يتيم، وأنشد في ذلك:[الطويل] شعر : فبت أشوي ظبيتي وحليلتي طربا وجرو الذيب يتمان جائع تفسير : ويجوز أن يكون يتامى جمع يتمان، وفي الحديث "حديث : لا يتم بعد حلم" تفسير : وقوله {إلا بالتي هي أحسن} يريد إلا بأحسن الحالات. قال القاضي أبو محمد: وذلك في الوصي الغني، أن يثمر المال ويحوطه ولا يمسّ منه شيئاً على جهة الانتفاع به، هذا هو الورع والأولى الا أن يكون يشتغل في مال اليتيم ويشح فله بالفقه أن تفرض له أجرة، وأما الوصي الفقير الذي يشغله مال اليتيم عن معاشه، فاختلف الناس في أكله منه بالمعروف كيف هو؟ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يتسلف منه، فإذا أيسر رد فيه، وقال ابن المسيب، لا يشرب الماء من مال اليتيم، قيل له فما معنى {أية : فليأكل بالمعروف} تفسير : [النساء: 6]؟ قال: إنما ذلك لخدمته وغسل ثوبه، وقال مجاهد: لا يقرب إلا التجارة ولا يستقرض منه، قال: قوله {فليأكل بالمعروف} [ذاته] معناه من مال نفسه، وقال أبو يوسف: لعل قوله {فليأكل بالمعروف} [ذاته] منسوخ بقوله {أية : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} تفسير : [البقرة: 188] [النساء: 29] وقال ابن عباس: يأكل منه الشربة من اللبن والطرفة من الفاكهة ونحو هذا مما يخدمه، ويلط الحوض ويجد النخل، وينشد الضالة فليأكل غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب، وقال زيد بن أسلم: يأكل منه بأطراف أصابعه بلغة من العيش بتعبه. قال القاضي أبو محمد: وهذه استعارة للتقلل، وقال مالك رحمه الله وغيره: يأخذ منه أجره بقدر تعبه، فهذه كلها تدخل فيما هو أحسن، وكمال تفسير هذه المعاني في سورة النساء بحسب ألفاظ تلك الآيات، وفي الخبر عن قتادة أن هذه الآية لما نزلت شقت على المسلمين وتجنبوا الأكل معهم في صحفة ونحوه، فنزلت {أية : وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح} تفسير : [البقرة: 220] وقوله {حتى يبلغ أشده} غاية الإمساك عن مال اليتيم، ثم ما بعد الغاية قد بينته آية أخرى، وما بعد هذه الغايات أبداً موقوف حتى يقوم فيه دليل شرعي أو يقتضي ذلك الاتفاق في النازلة، ومثل هذا قول عائشة رضي الله عنها أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، وبعث بها، فلم يحرم علي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي، و"الأشد" جمع شد عند سيبويه، وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه، ومعناها قواه في العقل والتجربة والنظر لنفسه، وذلك لا يكون إلا مع البلوغ، فـ "الأشد" في مذهب مالك أمران، البلوغ بالاحتلام أو ما يقوم مقامه حسب الخلاف في ذلك، والرشد في المال، واختلف هل من شروط ذلك الرشد في الدين على قولين، فابن القاسم لا يراعيه إذا كان ضابطاً لماله، وراعاه غيره من بعض أصحاب مالك، ومذهب أبي حنيفة أن الأشد هو البلوغ فقط فلا حجر عنده على بالغ إلا أن يعرف منه السفه. قال القاضي أبو محمد: ولست من هذا التقييد في قوله على ثقة، وقال أبو إسحاق الزجاج "الأشد" في قوله أن تأتي على الصبي ثمان عشرة سنة، وإنما أراد أنها بعض ما قيل في حد البلوغ لمن لا يحتلم، وأما أن يكون بالغ رشيد تقي لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ هذه المدة فشيء لا أحفظ من يقوله، وقوله {بالعهد} لفظ عام لكل عهد وعقد بين الإنسان وبين ربه أو بينه وبين المخلوقين في طاعة، وقوله {إن العهد كان مسؤولاً} أي مطلوباً ممن عهد إليه أو عوهد هل وفى به أم لا؟. وقوله تعالى: {وأوفوا الكيل} الآية، أمر الله تعالى في هذه الآية أهل التجر والكيل والوزن أن يعطوا الحق في كيلهم ووزنهم، وروي عن ابن عباس أنه كان يقف في السوق ويقول: يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم، هذا المكيال وهذا الميزان. قال القاضي أبو محمد: وتقتضي هذه الآية أن الكيل على البائع، لأن المشتري لا يقال له أوف الكيل، هذا ظاهر اللفظ والسابق منه، و {القسطاس} قال الحسن هو القبان، ويقال القفان وهو القلسطون، ويقال القرسطون، وقيل: "القسطاس" الميزان صغيراً كان أو كبيراً، وقال مجاهد {القسطاس} العدل، وكان يقول هي لغة رومية، فكأن الناس قيل لهم زنوا بمعدلة في وزنكم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر "القُسطاس" بضم القاف، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "القِسطاس" بكسر القاف، وهما لغتان، واللفظة منه للمبالغة من القسط، والمراد بها في الآية جنس الموازين المعدّلة على أي صفة كانت، قال أبو حاتم إنما قرأ بكسر القاف أهل الكوفة، وكل قراءة لا تجاوز الكوفة إلى الحرمين والبصرة فاقرأ بغيرها، وقرأت فرقة "القصطاس" بالصاد. قال القاضي أبو محمد: وكان مذهب مجاهد في هذا وفي ميزان القيامة، وكل ذلك أنها استعارات للعدل، وقوله: في ميزان القيامة مردود، وعقيدة أهل السنة أنه ميزان له عمود وكفتان. وسمعت أبي رضي الله عنه يقول رأيت الواعظ أبا الفضل الجوهري في جامع عمرو بن العاص يعظ الناس في الوزن فقال في جملة كلامه إن هيئة اليد بالميزان عظة وذلك أن الأصابع تجيء منها صورة المكتوبة ألف ولامان وهاء فكأن الميزان يقول الله الله. قال القاضي أبو محمد: وهذا وعظ جميل، و"التأويل" في هذه الآية المآل. قاله قتادة، ويحتمل أن يكون "التأويل" مصدر تأول أي يتأول عليكم الخير في جميع أموركم إذا أحسنتم في الكيل والوزن، والفرض من أمر الكيل والوزن تحري الحق، فإن غلب الإنسان تعد تحريه شيء يسير من تطفيف شاذاً لم يقصده بذلك نزر موضوع عنه إثمه، وذلك ما لا يكون الانفكاك عنه في وسع، وقوله {ولا تقف} معناه ولا تقل ولا تتبع. قال القاضي أبو محمد: لكنها لفظة تستعمل في القذف والعضه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن بنو النضر لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا"تفسير : ، ونقول فلان قفوتي أي موضع تهمتي، وتقول العرب رب سامع عذرتي ولم يسمع قفوتي أي ما رميت به، وهذا مثل للذي يفشي سره ويعتذر من ذنب لم يسمعه المعتذر إليه، وقد قال ابن عباس أيضاً ومجاهد: {ولا تقف} معناه، ولا ترم، ومن هذه اللفظة قول الشاعر: شعر : ومثل الدمى شم العرانين ساكن بهن الحياء لا يشعن التقافيا تفسير : وقال الكميت: [الوافر] شعر : ولا أرم البرى بغير ذنب ولا أقفو الحواضن إن قفينا تفسير : وأصل هذه اللفظة من اتباع الأثر، تقول قفوت الأثر، ويشبه أن هذا من القفا مأخوذ، ومنه قافية الشعر لأنها تقفو البيت، وتقول قفت الأثر، ومن هذا: هو القائف، وتقول فقوت الأثر بتقديم الفاء على القاف، ويشبه أن يكون هذا من تلعب العرب في بعض الألفاظ، كما قالوا وعمري في لعمري وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت قفا وقاف مثل عثا وعاث، فمعنى الآية، ولا تتبع لسانك من القول ما لا علم لك به، وذهب منذر بن سعيد إلى أن قفا وقاف مثل جبذ وجذب فهذه الآية بالجملة تنهى عن قول الزور والقذف وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة الردية، وقرأ الجمهور "ولا تقف"، وقرأ بعض الناس فيما حكى الكسائي "ولا تقُفْ" بضم القاف وسكون الفاء، وقرأ الجراح "والفآد" بفتح الفاء وهي لغة، وأنكرها أبو حاتم وغيره، وعبر عن {السمع والبصر والفؤاد} بـ {أولئك} لأنها حواس لها إدراك، وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالة من يعقل، فلذلك عبر عنها بـ {أولئك}، وقد قال سيبويه رحمه الله في قوله تعالى: {أية : رأيتهم لي ساجدين} تفسير : [يوسف: 4] إنه إنما قال رأيتهم في نجوم لأنه لما وصفها بالسجود وهو من فعل من يعقل، عبر عنها بكناية من يعقل، وحكى الزجاج أن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل بـ "أولئك"، وأنشد هو والطبري: [الكامل]. شعر : ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام تفسير : فأما حكاية أبي إسحاق عن اللغة فأمر يوقف عنده، وأما البيت فالرواية فيه الأقوام، والضمير في {عنه} يعود على ما ليس للإنسان به علم، ويكون المعنى أن الله تعالى يسأل سمع الإنسان، وبصره، وفؤاده عما قال مما لا علم له به، فيقع تكذيبه من جوارحه وتلك غاية الخزي، ويحتمل أن يعود الضمير في {عنه} على كل التي هي للسمع والبصر والفؤاد، والمعنى أن الله تعالى يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده، فكأنه قال كل هذه كان الإنسان عنه مسؤولاً، أي عما حصل لهؤلاء من الإدراكات ووقع منها من الخطأ، فالتقدير عن أعمالها مسؤولاً، فهو على حذف مضاف.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} التجارة بماله، أو حفظ أصله وتثمير فرعه {أَشُدَّهُ} ثمان عشرة سنة، أو الاحتلام والعقل والرشد. {بِالْعَهْدِ} العقود بين المتعاقدين، أو الوصية بمال اليتيم، أو كل ما أمر الله به ونهى عنه {مَسْئُولاً} عنه الذي عهد به، أو تُسأل العهد لما نقضت كما تُسأل المؤودة بأي ذنب قتلت.
النسفي
تفسير : {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} بالخصلة والطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وتثميره {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أي ثماني عشرة سنة {وَأَوْفُوا بِالْعَهْد} بأوامر الله تعالى ونواهيه {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو أن صاحب العهد كان مسؤولاً {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ} بكسر القاف: حمزة وعلي وحفص وهو كل ميزان صغير أو كبير من موازين الدراهم وغيرها. وقيل هو القرسطون أي القبان {الْمُسْتَقِيمِ} المعتدل {ذَلِكَ خَيْرٌ} في الدنيا {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} عاقبة وهو تفعيل من آل إذا رجع وهو ما يؤول إليه. {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ولا تتبع ما لم تعلم أي لا تقل رأيت وما رأيت وسمعت وما سمعت. وعن ابن الحنفية: لا تشهد بالزور. وعن ابن عباس. لا ترم أحداً بما لا تعلم. ولا يصح التثبت به لمبطل الاجتهاد لأن ذلك نوع من العلم فإن علمتموهن مؤمنات، وأقام الشارع غالب الظن مقام العلم وأمر بالعمل به كما في الشهادات ولنا في العمل بخبر الواحد لما ذكرنا {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـــٰــئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} {أولئك} إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد لأن {أولئك} كما يكون إشارة إلى العقلاء يكون إشارة إلى غيرهم كقول جرير شعر : ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام تفسير : و{عنه} في موضع الرفع بالفاعلية أي كل واحد منها كان مسئولاً عنه، فمسؤول مسند إلى الجار والمجرور كالمغضوب في {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ }تفسير : [الفاتحة: 7] يقال للإنسان. لم سمعت ما لم يحل لك سماعه، ولم نظرت إلى ما لم يحل لك النظر إليه، ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه؟ كذا في الكشاف، وفيه نظر لبعضهم لأن الجار والمجرور إنما يقومان مقام الفاعل إذا تأخرا عن الفعل، فأما إذا تقدما فلا {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا } هو حال أي ذا مرح {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ } لن تجعل فيها خرقاً بدوسك لها وشدة وطئتك {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً } بتطاولك وهو تهكم بالمختال أو لن تحاذيها قوة وهو حال من الفاعل أو المفعول {كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيّئُهُ } كوفي وشامي على إضافة سيء إلى ضمير «كل». {سيئة} غيرهم {عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا } ذكر {مكروهاً} لأن السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم الصفات فلا اعتبار بتأنيثه ألا تراك تقول: «الزنا سيئة»، كما تقول: «السرقة سيئة»، فإن قلت: الخصال المذكورة بعضها سييء وبعضها حسن ولذلك قرأ من قرأ {سيئة} بالإضافة أي ما كان من المذكور سيئاً كان عند الله مكروهاً فما وجه قراءة من قرأ {سيئة} قلت: كل ذلك إحاطة بما نهى عنه خاصة لا بجميع الخصال المعدودة. {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم من قوله: {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ } إلى هذه الغاية {مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ } مما يحكم العقل بصحته وتصلح النفس بأسوته {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا } مطروداً من الرحمة. عن ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها: {لا تجعل مع الله إلٰهاً آخر} وآخرها {مدحوراً} ولقد جعلت فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمة وإن بذ فيها الحكماء وحك بيافوخه السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم. ثم خاطب الذين قالوا الملائكة بنات الله بقوله:
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الآية. اعلم أنه تعالى نهى عن الزِّنا، وقد ذكرنا أنه يوجب اختلاط الأنساب، وذلك يوجبُ منع تربية الأولاد، ويوجب انقطاع النَّسل، وذلك مانع من دخول الناس في الوجود، فالنَّهيُ عن الزِّنا وعن القتل يرجع حاصله إلى النَّهي عن إتلاف النفوس، فلمَّا ذكره تعالى أتبعه بالنَّهي عن إتلاف الأموال؛ لأنّ أعزَّ الأشياء بعد النفوس الأموال، وأحق الناس بالنَّهي عن إتلافِ أموالهم هو اليتيمُ؛ لأنَّه لصغره، وضعفه، وكمالِ عجزه يعظم ضرره بإتلاف ماله؛ فلهذا خصَّهم الله تعالى بالنهي عن إتلاف أموالهم، فقال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} نظيرهُ قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [النساء: 6]. المراد بقوله: {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي: إلا بالتصرُّف الذي ينمِّيه ويكثِّره. وروى مجاهدٌ عن ابن عبَّاسٍ، قال: إذا احتاج أكل بالمعروف وإذا أيسر قضاه، فإن لم يوسر، فلا شيء عليه. واعلم أنَّ الوليَّ، إنَّما تبقى ولايتهُ على اليتيم إلى أن يبلغ أشدَّه، وهو بلوغُ النِّكاح، كما بيَّنه الله تعالى في قوله: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } تفسير : [النساء:6]. المراد بالأشدّ ها هنا بلوغهُ إلى حيث يمكنه بسبب عقله ورشده القيام بمصالحِ ماله، فحينئذ تزولُ ولاية غيره عنه، فإن بلغ غير كامل العقل، لم تزل الولاية عنه. قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} الآية. اعلم أنَّه تعالى أمر بخمسة أشياء أوَّلاً، ثم نهى عن ثلاثةِ أشياء، وهي الزِّنا، والقتلُ، وأكل مالِ اليتيم، ثمَّ أتبعه بهذه الأوامِرِ الثلاثة، فالأول قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ}. واعلم أنَّ كلَّ عقدٍ يعقد لتوثيق أمرٍ وتوكيده، فهو عهدٌ؛ كعقد البيع والشَّركة، وعقد اليمين والنَّذر، وعقد الصلح، وعقد النِّكاح، فمقتضى هذه الآية أنَّ كلَّ عهدٍ وعقدٍ يجري بين إنسانين، فإنَّه يجبُ عليهما الوفاءُ بذلك العقد والعهد، إلاَّ إذا دلَّ دليل منفصلٌ على أنه لا يجب الوفاء به، فمقتضاه الحكم بصحَّة كل بيع وقع التراضي عليه، وتأكَّد هذا النصُّ بسائر الآياتِ الدالة على الوفاء بالعهود والعقود؛ كقوله عزَّ وجلَّ: {أية : وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} تفسير : [البقرة: 177] {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 8] {أية : وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ} تفسير : [البقرة: 275] و{أية : لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} تفسير : [النساء: 29] {أية : وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} تفسير : [البقرة: 282]. {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1]. وقوله - صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : لا يحلُّ مالُ امرىءٍ مسلمٍ إلاَّ بطيبِ نَفسٍ منهُ ". تفسير : وقوله: "حديث : إذَا اختلفَ الجِنْسَانِ، فَبِيعُوا كيف شِئتُمْ يداً بيدٍ ". تفسير : وقوله: "حديث : مَن اشْترَى مَا لَمْ يَرهُ، فلهُ الخيارُ إذا رَآهُ ". تفسير : فجميع هذه الآيات والأخبار دالة على أنَّ الأصل في البياعات والعهود والعقود الصحة ووجوب الالتزام. فإذا وجدنا نصًّا أخصَّ من هذه النصوصِ يدلُّ على البطلان والفساد، قضينا به؛ تقديماً للخاصِّ على العام، وإلا قضينا بالصحة على الكلّ، وأما تخصيص النصِّ بالقياس، فباطلٌ، وبهذا الطريق تصير أبواب المعاملاتِ جميعها مضبوطة معلومة بهذه الآية الواحدة، ويكون المكلَّف مطمئن القلب والنَّفس في العمل؛ لأنَّ هذه النصوص دلَّت على الصحَّة، وليس بعد بيان الله تعالى بيانٌ. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} عن الوفاء بعهده؛ كقوله عزَّ وجلَّ: {أية : وَسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]. والثاني: أنَّ الضمير يعود على العهد، ونسب السؤال إليه مجازاً؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} تفسير : [التكوير: 8، 9]. أي: يقال للعهد عن صاحب العهد: لم نقضت، وهلاَّ وفَّى بك؛ تبكيتاً للنَّاكث كقوله: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي} تفسير : [المائدة: 116]، فالمخاطبة لعيسى - صلوات الله وسلامه عليه - والإنكار على غيره. وقال السديُّ: {كَانَ مَسْئُولاً}، أي مطلوباً يطلب من المعاهد ألا يضيِّعه ويفي به. وقيل: المراد بوفاء العهد: الإتيان بما أمر الله - تعالى - به، والانتهاءُ عمَّا نهى الله عنه. قوله تعالى: {وَأَوْفُوا ٱلْكيْلَ إِذا كِلْتُمْ} الآية، لما أمر تعالى بإتمام الكيل، ذكرالوعيد الشديد في نقصانه كما في قوله تعالى: {أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} تفسير : [المطففين: 1-3]. ثم قال تعالى: {وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ}. وهذا هو النوع الثالث من الأوامر المذكورة ها هنا، فالآية المتقدمة في إتمام الكيل، وهذه في إتمام الوزن، ونظيره قوله عزَّ وجلَّ: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 9] {أية : وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} تفسير : [هود: 85]. قرأ الأخوان وحفص بكسر القاف ها هنا وفي سورة الشعراء، والباقون بضمها فيهما، وهما لغتان مشهورتان، فقيل: القسطاس في معنى الميزان، إلاَّ أنَّه في العرف أكبر منه، ولهذا اشتهر في ألسنة العامة أنَّه القبَّان، وقيل: إنه بلسانِ الرُّوم أو السرياني، والأصح أنه لغة العرب، وقيل أيضاً القرسطون. وقيل: هو كل ميزان، صغر أم كبر، أي: بميزان العدل. قال ابن عطيَّة - رحمه الله -: هو عربيٌّ مأخوذٌ من القسطِ، وهو العدل، أي: زنوا بالعدل المستقيم، واللفظة للمبالغة من القسط، وردَّه أبو حيَّان باختلاف المادَّتين، ثم قال: "إلاَّ أن يدَّعي زيادةَ السِّين آخراً كقدموس، وليس من مواضع زيادتها" ويقال بالسِّين والصَّاد. فصل اعلم أنَّ التفاوت الحاصل بنقصان الكيل والوزن قليل، والوعيد عليه شديد عظيم، فيجب على العاقل الاحتراز منه، وإنَّما عظم الوعيد فيه؛ لأنَّ جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء، فبالغ الشَّرع في المنع من التطفيف والنقصان؛ لأجل إبقاء الأموال؛ ومنعاً من تلطيخِ النفس بسرقةِ ذلك المقدار الحقير، ثم قال: "ذلك خير"، أي الإيفاء بالتَّمام والكمال خير من التطفيف بالقليل؛ لأنَّ الإنسان يتخلَّص بالإيفاء عن ذكر القبيح في الدنيا، والعقاب الشديد في الآخرة. {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} منصوب على التفسير، والتأويل ما يئولُ إليه الأمر؛ كقوله تعالى: {أية : وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} تفسير : [مريم:76]، {أية : وَخَيْرٌ أَمَلاً} تفسير : [الكهف: 46] {أية : وَخَيْرٌ عُقْباً} تفسير : [الكهف: 44]، وإنما حكم الله تعالى بأنَّ عاقبة هذا الأمر أحسنُ العواقب؛ لأنه إذا اشتهر في الدنيا بالاحتراز عن التطفيف، أحبَّه الناس، ومالت القلوبُ إليه، واستغنى في الزَّمنِ القليل. وأمَّا في الآخرة: فيفوزُ بالجنَّة والثوابِ العظيمِ، والخلاصِ من العقاب الأليم.
البقاعي
تفسير : ولما نهى عن الإغارة على الأرواح والأبضاع التي هي سببها، أتبعه النهي عن نهب ما هو عديلها، لأن به قوامها، وهو الأموال، وبدأ بأحق ذلك بالنهي لشدة الطمع فيه لضعف مالكه فقال تعالى: {ولا تقربوا} أي فضلاً عن أن تأكلوا {مال اليتيم} فعبر بالقربان الذي هو قبل الأخذ تعظيماً للمقام {إلا بالتي هي أحسن} من طرائق القربان، وهو التصرف فيه بالغبطة تثميراً لليتيم {حتى يبلغ} اليتيم {أشده} وهو إيناس الرشد منه بعد بلوغه. ولما كانت الوصية نوعاً من أنواع العهد، أمر بوفاء ما هو أعم منها فقال تعالى: {وأوفوا} أي أوقعوا هذا الجنس في الزمان والمكان، وكل ما يتوقف عليه الأمر المعاهد عليه ويتعلق به {بالعهد} أي بسببه ليتحقق الوفاء به ولا يحصل فيه نقص ما، وهو العقد الذي يقدم للتوثق. ولما كان العلم بالنكث والوفاء متحققاً، كان العهد نفسه كأنه هو المسؤول عن ذلك، فيكون رقيباً على الفاعل به، فقال تعالى مرهباً من المخالفة: {إن العهد كان} أي كوناً مؤكداً عنه {مسؤولاً *} أي عن كل من عاهد هل وفى به؟ أو مسؤولاً عنه من كل من يتأتى منه السؤال. ولما كان التقدير بالكيل أو الوزن من جملة الأمانات الخفية كالتصرف لليتيم، وكان الائتمان عليه كالمعهود فيه، أتبعه قوله: {وأوفوا الكيل} أي نفسه فإنه أمر محسوس لا يقع فيه إلباس واشتباه؛ ولما كان صالحاً لمن أعطى ومن أخذ، قال: {إذا كلتم} أي لغيركم، فإن اكتلتم لأنفسكم فلا جناح عليكم إن نقصتم عن حقكم ولم توفوا الكيل {وزنوا} أي وزناً متلبساً {بالقسطاس} أي ميزان العدل الذي هو أقوم الموازين، وزاد في تأكيد معناه فقال تعالى: {المستقيم} دون شيء من الحيف على ما مضى في الكيل سواء {ذلك} أي الأمر العالي الرتبة الذي أمرناكم به {خير} لكم في الدنيا والآخرة وإن تراءى لكم أن غيره خير {وأحسن تأويلاً *} أي عاقبة في الدارين، وهو تفعيل من الأول وهو الرجوع، وأفعل التفضيل هنا لاستعمال النصفة لإرخاء العنان، أي على تقدير أن يكون في كل منهما خير، فهذا الذي أزيد خيراً والعاقل لا ينبغي أن يرضى لنفسه بالدون. ولما كان ذلك مما تشهد القلوب بحسنه، وأضداده مما تتحقق النفوس قبحه، لأن الله تعالى جبل الإنسان على ذلك كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " حديث : البر ما سكن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك المفتون وأفتوك" تفسير : وقال:"حديث : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" تفسير : وكان قد جمع الضمائر سبحانه، تلاه سبحانه بما يعمه وغيره فقال تعالى مفرداً الضمير ليصوب النهي إلى كل من الجمع والإفراد في حالتي الاجتماع والانفراد على حد سواء: {ولا} أي افعلوا ما أمرتم به من ذلك، وانتهوا عما نهيتم عنه منه، لما تقرر في الجبلات من العلم الضروري بخيريته وحسنه، ولا {تقف} أي تتبع أيها الإنسان مجتهداً بتتبع الآثار {ما ليس لك به علم} من ذلك وغيره، كل شيء بحسبه، لا سيما البهت والقذف، فما كان المطلوب فيه القطع لم يقنع فيه بدونه، وما اكتفى فيه بالظن وقف عنده؛ ثم علل ذلك مخوفاً بقوله: {إن السمع والبصر} وهما طريقا الإدراك {والفؤاد} الذي هو آلة الإدراك؛ ثم هوّل الأمر بقوله تعالى: {كل أولئك} أي هذه الأشياء العظيمة، العالية المنافع، البديعة التكوين، وأولاء وجميع أسماء الإشارة يشار بها للعاقل وغيره كقوله: شعر : ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام تفسير : {كان} أي بوعد لا خلف فيه {عنه} أي وحده {مسؤولاً *} بسؤال يخصه، هل استعمله صاحبه في طلب العلم مجتهداً في ذلك، ليعمل عند الوقوف على الحقائق بما يرضي الله، ويجتنب ما يسخطه أو لا؟ وأول حديث النفس السابح ثم الخاطر ثم الإرادة والعزيمة، فيؤاخذ بالإرادة والعزيمة لدخولهما تحت الاختيار فيتعلق بهما التكليف، ولعدم دخول الأولين خفف عنا بعدم المؤاخذة بهما، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "حديث : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسهم ما لم تعمل به أو تكلم ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} [الآية: 34]. قال حمدون القصار: من ضيع عهود الله عنده فهو للآداب شريعته أضيع، لأن الله تعالى يقول: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}. وقال يحيى بن معاذ: لربك عليك عهود ظاهرًا وباطنًا، فعهد على الأسرار أن لا يشاهد سواه وعهد على الروح أن لا يفارق مقام القربة. وعهد على القلب أن لا يفارق الخوف، وعهد على النفس فى آداء الفرائض، وعهد على الجوارح فى ملازمة الأدب وترك ركوب المخالفات. والله يقول: {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}.
القشيري
تفسير : لمَّا لم يكن لليتيم مَنْ يهتم بشأنه أَمَرَ - سبحانه - الأجنبيَّ الذي ليس بينه وبين اليتيم سَبَبٌ أَنْ يتولَّى أمرَه، ويقومَ بشأنِ، وأوصاه في بابه؛ فالصبيُّ قاعد بصفة الفراغ والهوينى، والوليُّ ساع بمقاساة العَنَا.. فأَمْرُ الحقِّ - سبحانه - للوليِّ أَحْظَى للصبيِّ مِنْ شفقةِ آلِه عليه في حال حياتهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} العهد عهد الازل وقع بين كينونة الارواح فى عالم الافراح قبل كون الاشباح بينهما وبين الحق العهد صدر من الحق معها بان لا يشتغل بغير الله ابدا قال اوفوا بمعاهد الاوّل فان ذلك مسئول عند كل نفس ومطالب عند كل حركة فعهد المحب المحبة وعهد العارف المعرفة وعهد الموحد التوحيد وعهد المريد الارادة ولكل عهد رعاية فعهد المريد بذل الوجود وعهد العارف المعرفة وعهد الموحد التوحيد وعهد المريد الارادة ولكل عهد رعاية فعهد المريد بذلك الوجود وعهد المحب الصبر فى المفقود وعهد العارف تبرى الهمة عن الدارين وعهد الموحد افراد القدم عن الحدوث والفناء فى بقاء الحق قال حمدون القصار من ضيع عهود الله عنده فهو لآداب شريعته اضيع لان الله يقول واوفوا بالعهد ان العهد كان مسئولا وقال يحيى بن معاذ لربك عليك عهود ظاهرا وباطنا فعهد على الاسرار ان لا يشاهد سواه وعهد على الروح ان لا يفارق مقام القربة وعهد على القلب ان لا يفارق الخوف وعهد على النفس فى اداء الفرائض وعهد على الجوارح فى ملازمة الادب وترك ركوب المخالفات والله يقول ان العهد كان مسئولا ثم ذكر سبحانه بعد العهد الوفاء فى صدق الاعمال والاقوال بقوله {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} الاشارة فيه الى اشباح المعرفة ان لا ينقصوا ما عندهم من ذخاير العلوم على المريدين بما يوافق حالهم وان لا يملوا من نصيحتهم وتاديبهم ثم يحذر اوساطهم ان يزنوا دعواهم بالقسطاس المستقيم من المعاملات حتى لا يكون دعواهم خاليا عن الاعمال والكيل الوافى الاخلاص والقسطاس المستقيم الصدق من كان فى وزن الاعمال وكيل الاحوال مخلصا صادقا يعطيه الله لطائف كرمه وجوده مالا يحصى عددها ويصف له جميع الخلائق لانه منصف ينصف مع الله قال بعضهم اوف الكيل فان وزنك موزون وكيلك مكيل ان وفيت وفى لك وان نقصت نقص عنك ثم ادب نبيه صلى الله عليه وسلم بان لا يحكم بما لن ينكشف له بالحقيقة بقوله {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} العارف معاتب مأخوذ من حيث الظاهر والباطن فالظاهر المعاملات والباطن الحالات مطالب بالصدق فيها لم يذكر اللسان مع الحواس الاخر ظاهرا ولكن فى قوله ولا تقف ما ليس لك به علم اى لا تخبر من شيء لا تعلم بقلبك ولا ترى بعينك ولا تسمع باذنك فانهن مسئولات جميعا اللسان مسئول بالدعوى والعين مسئولة بالنظر بغير الاعتبار والسمع مسئولة عما تسمع من غير ما ينفع به والفؤاد مسئول عما يجرى عليه من غير ذكر الله قال الواسطى لا تخبر عنا الا على طريق الحرمة ولا تجاوز فيه محل الاذن وقال ابو سعيد الخراز من استقرت المعرفة فى قلبه فانه لا يبصر فى الدارين سواه ولا يسمع الا منه ولا يشغل الا به وقال الفارسى قال بعض الحكماء اطلبوا من العلم حالكم من=== يومكم ساعتكم ومن ساعتكم قلوبكم ومن قلوبكم ذكركم ومن ذكركم مرادكم ومن مرادكم === من الصديقين واطلبوا فى كل هذه الاشياء خطراتكم فان الله تعالى يقول ان السمع والبصر والفؤاد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تقربوا مال اليتيم} فضلا عن ان تتصرفوا فيه {الا بالتى هى احسن} الا بالخصلة والطريقة التى هى احسن الخصال والطرائق وهى حفظه واستثماره. يعنى [معامله كنيدكه اصل ما يه براى وى بما ندوربح او بوصله معاش او نشيند] {حتى} غاية لجواز التصرف على الوجه الاحسن المدلول عليه بالاستثناء {يبلغ اشده} قوته وهو ما بين ثمانى عشر سنة الى ثلاثين واحد جاء على بناء الجمع كآنك ولا نظير لهما كما فى القاموس. وقال فى بحر العلوم بلوغ الاشد بالادراك وقيل ان يؤنس منه الرشد مع انه يكون بالغا وآخره ثلاث وثلاثون سنة انتهى.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة إِلا ابا بكر عن عاصم {بالقسطاس} بكسر القاف. الباقون بالضم، وهما لغتان. وقال الزجاج: القسطاس هو الميزان صغر او كبر. وقال الحسن: هو القبان. وقال مجاهد: هو العدل بالرومية وهو القرصطون. وقال قوم: هو الشاهين. وقرأ ابو بكر عن عاصم "بالقصطاس" بالصاد قلبت السين صاداً مثل (صراط، وسراط) لقرب مخرجهما. في الآية الاولى نهي من الله تعالى لجميع المكلفين ان يقربوا مال اليتيم إِلاَّ بالتي هي احسن، وهو ان يحفظوا عليه ويثمروه او ينفقوا عليه بالمعروف على ما لا يشك انه اصلح له، فأمّا لغير ذلك، فلا يجوز لاحد التصرف فيه. وانما خصّ اليتيم بذلك وان كان التصرف في مال البالغ بغير اذنه لا يجوز ايضاً، لان اليتيم الى ذلك احوج والطمع في مثله اكثر. وقوله {حتى يبلغ أشده} قال قوم: حتى يبلغ ثمانية عشرة سنة. وقال آخرون: حتى يبلغ الحلم. وقال آخرون - وهوالصحيح - حتى يبلغ كما العقل ويؤنس منه الرشد. وقوله {وأوفوا بالعهد} امر من الله تعالى بالوفاء بالعهود، وهو العقد الذي يقدم للتوثق من الامر، ومتى عقد عاقد على ما لا يجوز، فعليه نقض ذلك العقد الفاسد والتبرُّؤ منه. وانما يجب الوفاء بالعقد الذي يحسن. وقيل المعنى في الآية اوفوا بالعهد في الوصية بمال اليتيم وغيرها. وقيل كل ما امر الله به ونهى عنه، فهو من العهد، وقد يجب الشيء للنذر، وللعهد، والوعد به، وان لم يجب ابتداء، وانما يجب عند العقد. وقوله {إن العهد كان مسؤولاً} قيل في معناه قولان: احدهما - انه كان مسؤولاً عنه للجزاء عليه، فحذف (عنه) لانه مفهوم. والثاني - كأن العهد يسأل فيقال له: لم نقضت؟ كما تسأل الموؤدة بأي ذنب قتلت. ثم امرهم ان يوفوهم الكيل اذا كالوا هم؛ ولا يبخسوهم ولا ينقصوهم، وان يوفوا، بالميزان المستقيم الذي لا غبن فيه، فإِن ذلك خير واحسن تأويلا، اي احسن عاقبة، وهو ما يرجع اليه امره. ثم نهى نبيه صلى الله عليه وسلم ان يقفو ما ليس له به علم، وهو متوجه الى جميع المكلفين، ومعناه لا تقل: سمعت، ولم تسمع؛ ولا رايت ولا علمت، ولم تر، ولم تعلم - في قول قتادة - واصل القفو اتباع الاثر، ومنه القيافة، وكأنه يتبع قفا الاثر المتقدم قال الشاعر: شعر : ومثل الدّمى سم العرانين ساكن بهنّ الحيا لا يشعن التقافيا تفسير : أي التقاذف. وقال أبو عبيد والمبرد: القفو العضيهة، {ولا تقف} - بضم القاف وسكون الفاء - من قاف يقوف، ويكون من المقلوب مثل جذب وجبذ. {ومسؤولاً} نصب على أنه خبر كان. واستدل بهذه الآية، على أنه لا يجوز العمل بالقياس ولا بخبر الواحد، لأنهما لا يوجبان العلم، وقد نهى الله تعالى أن يتبع الانسان ما لا يعلمه. وقوله {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً} أي يسأل عما يفعل بهذه الجوارح من الاستماع لما لا يحل، والإبصار لما لا يجوز. والارادة لما يقبح. وإِنما قال {كل أولئك} ولم يقل كل ذلك، لأن اولئك وهؤلاء للجمع القليل من المذكر والمؤنث فإِذا أراد الكثير جاء بالتأنيث. فقال: هذه وتلك، قال الشاعر: شعر : ذم المنازل بعدمنزلة اللّوى والعيش بعد أولئك الأيام
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} فضلاً عن التّصرّف فيه {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الاّ بالخصلة والصّفة الّتى هى احسن خصال قرب المال وهى جمعه وحفظه له وانماؤه ان كان ممكناً {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} قد مضى بيان الاشدّ وانّه وقت استحكام جميع القوى والاعضاء {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} عموماً وبعهد الاسلام المأخوذ عليكم فى البيعة العامّة النّبويّة خصوصاً، حتّى يؤدّى بكم الوفاء بالعهود عموماً الى الوفاء بعهد الاسلام، ويؤدّى بكم الوفاء بعهد الاسلام الى عهد الايمان الّذى يؤخذ بالبيعة الخاصّة الولويّة والوفاء به {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} يعنى بعد تجسّم الاعمال يسأل عن العهد أَوَفوا بك ام لا؟ او مسؤلاً عن حاله فيسألون عن حال عهودهم آوَفيتم بها ام لا؟
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} يعني حفظه {حتى يبلغ أشُدّه} مجمع عقله وزوال اسم اليتيم عنه، وقيل: ثماني عشرة سنة {وأوفوا بالعهد}، قيل: بالوصية بمال اليتيم وبغيرها من الوصايا، وقيل: كلما أمر الله تعالى به ونهى عنه فهو من العهد {وأوفوا الكيل إذا كلتم} يعني أوفوا الكيل إذا كلتم {وزنوا بالقسطاس المستقيم}، قيل: هو الميزان، وقيل: الوزن بالقسطاس وإتمام الكيل {ولا تقف ما ليس لك به علم}، قيل: لا تقول سمعت ولم تسمع ورأيت ولم ترى، وقيل: هو شهادة الزور {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً} قوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحاً}، قيل: بطراً عن علي، وقيل: خيلاً وكبر {إنك لن تخرق الأرض} من تحت قدمك {ولن تبلغ الجبال طولاً} بتطاولك {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً} يعني كل ذلك، كناية عن جميع ما تقدم من الحسنات والمقبحات من قوله تعالى: {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} تفسير : [الإسراء: 23] إلى ها هنا، فكأنه قال: جميع ذلك عبارة عما كان من المقبحات، كأنه قال: كل سيئه فهو مكروه عند الله تعالى أي كل ما عددنا من السيئات فهو مكروه، قال جار الله: فإن قلتَ: على قراءة من قرأ سيئه مثل ذلك {ولا تجعل مع الله إلهاً آخر} يعني لا تعبد معه غيره {فتلقى} أي إذا فعلت ذلك أيها المكلف ألقيت {في نار جهنم ملوماً} يعني يلومك الله والملائكة والمؤمنون، وقيل: اللوم اللعن والذم عن أبي علي {مدحوراً} مطروداً، عن ابن عباس {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثاً} الآية نزلت في مشركي العرب ومشركي قريش قالوا: الملائكة بنات الله، يعني أفخصّكم ربكم بأفضل الأولاد وهم البنون، وقيل: أخلص لكم البنين وجعل البنات بينكم وبينه شركة {إنكم لتقولون قولاً عظيماً} أي كبيراً في الاثم {ولقد صرّفنا في هذا القرآن} يعني كررنا الدلائل وفصّلنا العبر والأمثال {ليذكروا وما يزيدهم إلا نفوراً} يعني لا يزيدهم القرآن والتذكير إلا نفوراً، ذهاباً عن الحق وتباعداً عنه {قل لو كان معه آلهة كما يقولون}، قل: يا محمد لهؤلاء المشركين، وقيل: أيها السامع أو الانسان فإنه يجب على كل مكلف أن يحتج عليهم بذلك لو كان معه آلهة أي مع الله كما تقولون {إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} فطلبوا إلى منزلة الملك والربوبية سبيلاً بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض كقوله: {أية : لو كان فيهما آلِهة إلا الله لفسدتا}تفسير : [الأنبياء: 22]، وقيل: سبيلاً بقربهم اليه لعلوّه عليهم وعَظَمَته عندهم والتمسوا الزلفة عندهم {سبحانه} أي تنزيهاً له {وتعالى عما يقولون علواً كبيراً} قوله تعالى: {تسبح له السماوات السبع} بلسان الحال حيث يدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته فكأنها تنطق بذلك، وكأنها تنزهه تعالى بما لا يجوز عليه من الشرك وغيرها {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أي لا يعلمون ذلك لأنكم لا تفكرون فيها، وإنما الخطاب للمشركين وكانوا إذا سألوا عن خالق السماوات والأرض قالوا: الله، إلا أنهم جعلوا معه آلهة مع إقرارهم، فكانوا لم ينظروا ولم يقرّوا، لأن نتيجة النظر الصحيح والإِقرار الثابت خلاف ما كانوا عليه، قال في الغرائب والعجائب في قوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده}، فقيل: من الأحياء، وقيل: عام حتى صرير الباب ورعد السحاب، قال فيه أيضاً: تسبحه حمل غيره على التسبيح إذا تأمل فيه وتدبر فيه، قال فيه أيضاً: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} لأنها بغير لسانكم أو لأنها تتكلم في بعض الحالات دون بعض.
الهواري
تفسير : قوله: { وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} والتي هي أحسن أن يوفر عليه ماله { حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أي: حتى إذا بلغ أشده دفع إليه ماله إِنْ أُونس منه رشد. قال بعضهم: لما نزلت هذه الآية اشتدّت عليهم فكانوا لا يخالطونهم في المال ولا في المأكل فجهدهم ذلك فنسختها هذه الآية (أية : وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ) تفسير : [البقرة:220]. قوله:{وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} يعني ما عاهدتم عليه فيما وافق الحق. {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُواً} أي: مطلوباً، يُسأل عنه أهله الذين أعطوه. قوله: {وَأَوْفُوا الكَيْلَ إذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ} والقسطاطس العدل بالرومية { ذَلِكَ خَيْرٌ} أي: إذا وفيتم الكيل وأقمتم الوزن. { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي: خير ثواباً وخير عاقبة. قوله: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} أي: لا تقل رأيت ولم ترَ، أو سمعت ولم تسمع فإن الله سائلك عن ذلك كله. قال الحسن: لا تقف أخاك المسلم من بعده إذا مرّ بك فتقول: إني رأيت هذا فعل كذا وكذا، ورأيت هذا يفعل كذا وكذا، وسمعته يقول كذا وكذا لما لم ترَ ولم تسمع. {كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}. أي: لا تقل رأيت وسمعت فإن الله سائلك عن ذلك كله. أي: يسأل السمع على حِدَة عما سمع، ويسأل البصر على حِدة عما رأى، ويسأل القلب عما عزم عليه. قوله: { وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً} أي: على الأرض. و {في} في هذا الموضع بمعنى على. {مَرَحاً} أي: كما يمشي المشركون، فتمرح في الأرض، وهي مثل قوله: (أية : ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ)تفسير : [غافر:75] وكقوله: (أية : وَفَرِحُواْ بالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) تفسير : [الرعد:26] يعني المشركين الذين لا يقرون بالآخرة. قال: {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ} أي: بقدميك إذا مشيت. { وَلَن تَبْلُغَ الجِبَالَ طُولاً كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} في قراءة من قرأها بالرفع، يقول: سيء ذلك الفعل، ومن قرأها بالنصب يقول كل ذلك كان سيئةً توجب عند ربك مكروهاً.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} نهى عن قربه بغير التى هى أحسن فكيف الدخول فيه بغيرها والكلام هنا مثله فى لا تقربوا الزنى. {إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أحْسَنُ} أى إلا بالفعلة أو الخصلة أو الطريقة التى هى أحسن وهى حفظ مال اليتيم وتنميته وتكثيره بما لا خطر فيه، وقد اختلف فى جواز التجربة لليتيم كإِعطائه دينا وسلماً وقراضاً والمبايعة به نقداً أو عاجلا، فقيل يجوز ذلك كله بالنظر للمصلحة ولا يعطيه لفقير أو مفلس أو خائن أو حيث يخاف عليه السلب والسرقة، وقيل لا يجوز ذلك بل يحفظ فقط، وقيل يجوز نقداً أو عاجلا لا دينا أو قراضاً وسلما، وعلى الجواز فيجب أن يستوثق له بالشهادة والصحيحة وإِن رهن له فأحسن ليرجع إِلى الرهن فيبيعه وإِذا وجد ما هو حسن وما هو أحسن فليقصد الأَحسن، فإِن أحسن فى الآية اسم تفضيل باق على معناه ما هو أحسن عندى أن تخرج زكاته وتعطى الفقراء لأَن إِخراجها أداء لما وجب فى المال وتصفية للمال وتنميته له وحرز وحفظ، ويحتمل أن يكون أحسن بمعنى حسن محترز به عما هو سئ كتضييعه وأكله والتقصير فيه، ومن عنده مال يتيم فإِن كان غنياً فقد أمر أمر ندب أن يعف عنه، وإِن كان فقيراً فله الأَخذ منه بقدر ما يتعيش عليه مثل أن يشرب من لبن غنم يرعاها ويحفظها، وله القرض أيما فعل فلا يفعل الآخر إلا إِن أتى عليهما عناء، ولمن عنده مال يتيم أن يستنفع به للمال كركوب دابة اليتيم ليرد بها ما شرد من ماله أو أبق أو ضاع، وركوبها إِلى جنان اليتيم ليصلحه وإن أخذ الغنى قدر عنه لم يلزمه الرد فيما ظهر ولكن يكره له ذلك، والقرينة على أن الأَمر للأَدب أن ذلك الذى عنده مال اليتيم حر ليس عبداً لليتيم وإِن تخالطوهم فإِخوانكم فى الدين، قيل لما نزلت آية هذه السورة جانبوا مخالطتهم ولما نزلت آية المخالطة أُبيح لهم أن يخالطوهم بمعروف. والله يعلم المفسد من المصلح فى مقال اليتيم، فالخلطة مستثناة من هذه الآية، وقيل آية الخلطة ناسخة لهذه الآية وليس بسديد لأَن ذلك تخصيص لا نسخ. {حَتَّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ} قوة عقله وشدته بأَن يقوم بمصالح ماله ولا يتلفه فإِذا بلغ ذلك، يتصرف فيه ولا يقرب إِلى التصرف فيه إلا بإِذنه، وإن بلغ حد التكليف ولم يبلغ الأَشد فكأنه طفل. {وَأوْفُوا بِالْعَهْدِ} الذى بينكم وبين الله سبحانه وتعالى من ترك المعاصى وأداء الفرائض والسنن وما وعدتم به من نفل كصيام نفل وصلاة نفل ونحو ذلك، والذى بينكم وبين الخلق مما وعدتم فى دلائل غير مكروه وكان فيه نفع لغيركم {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} عنه حذفت عن وانتصب محل الهاء فكان عوضها ضمير مستتر نائب الفاعل فذلك من باب الحذف والإِيصال يسأل الناكث للعهد يوم القيامة لم ينكثه ويعاتب ويحتمل أن لا يكون هناك حذف وإِيصال بل العهد نفسه عينه يكون مسئولا لم نكثك عاهِدُك وهلا وفىَّ بك وذلك توبيخ وتبكيت كما تسأَل الطفلة المدفونة بأَى ذنب قتلت، توبيخاً وتبكيتاً على دافنها، وهذا أبلغ فى شأن نكث العهد بأَن يشبه العهد المنكوث بإِنسان مظلوم تشبيها بليغاً بحذف الأداة وتصييره من جنس المظلوم مضمراً غير مذكور، وذلك التشبيه استعارة تخييلية أو الاستعارة المكنية، هى لفظ العهد المراد به إِنسان مظلوم على طريق العرب فى الادعاء المكنى به عن الإِنسان المذكور أو الاستعارة المكنية هى لفظ الإِنسان خلاف فى مثله وأثبت للمشبه وهو العهد ما يلائم المشبه به وهو الإِنسان، وملائمه هو السؤال فى شأْنه تعريضاً، ويجوز تقدير مضاف أولا أى أن صاحب العهد كان مسئولا، أو آخر أى أن العهد كان مسئولا صاحبه أو وسطاً، أى كان صاحبه مسئولا ويجوز أن يكون مسئولا بمعنى مطلوب من العهد يقال له أوف به، ويقال له لا تنكثه.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ} فضلا عن إتلافه لوجه ما أو تضييع {إِلاّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} أى هى حسنة أو حسن من غيرها، والخطاب للأولياء والقيِّمين بمال اليتيم بالإيصاء، أو للعشيرة أو بالاحتساب، والتى هى أحسن الفعلة النافعة جداً من حفظ ماله وتنميته، والتجر به لليتيم، وإخراج الحقوق منه كالزكاة، وإنفاقه منه بحسب ما يصلح له، وبحسب ماله وإلباسه وإسكانه ومركبه وسرقه منه لعمله، وكل ما يحتاج إليه، أى إلا بالطريقة التى هى أحسن الطرق فى شأنه ومن خالف ذلك فقد فعل كبيرة. {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} قوَّته بإيناس الرشد، وصلاح بدنه للقيام بماله، ولا ينحصر ذلك فى سن، لكن بعد البلوغ فقد يبلغ أشده بأربع عشرة سنة وبأقل بعد البلوغ، وبأكثر. وذكر بعض العلماء أن أشده بلوغ ثمانى عشرة سنة، وذلك أشدُ اليتيم، وأما أشد الرجل فقيل ثلاثون سنة، وإذا بلغ أشده لم يجز لأحد أن يقرب ماله ولو بالتى هى أحسن إلا بإذنه، إلا إن كان يفسده، فإنه يمنع منه، والمنع منه هو من التى هى أحسن، والأشد مفرد كالآفك أو جمع لا واحد له من لفظه، أو جمع شدة كنعمة وأنعم، أو شد بكسر شينهما أو شد بفتحها كضر وأضر. {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ} عهد الله إليكم بالأوامر والنواهى، وما التزمتم لنفسكم لله من نفل، والعهد بينكم وبين الخلق، أو المراد ما عاهدتم الله به من قبول ذلك والتزامه. {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} مطلوبا يطلبه الله، أو الخلق ممن عهده أو عهد إليه، والمراد أنه ليس مغفولا عنه، فلا يضيع، أو يسأَل العهد بنفسه كذلك تبكيتا للمعاهد إن نكث كما تُسأل الموءودة لا أبوها تبكيتا له، كما قال عز وعلا: "أية : وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قُتلت"تفسير : [التكوير: 8 - 9] أو ذلك من باب الحذف والإيصال، والأصل مسئولا عنه، فالمسئول المعاهد، أو يقدر مضاف كذلك أى إن صاحب العهد كان مسئولا أو العهد بمعنى العاهد أى المعاهد، ولا نسلم أن العهد مشبه بالناكث، فإنه لا وجه شبه بينهما فضلا عن أن يقال شبه العهد بمن نكث، وسئل عن نكث عهده، فاستعمل عبارة المشبه فى المشبه به على الاستعارة التمثيلية وفضلا عن أن يقال شبه العهد بمن نكث عهداً تشبيها مضمراً مرموزاً إِليه بنسبة السؤال إليه، تخييلا عن الاستعارة المكنية والتخييل.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} نهى عن قربانه لما ذكر سابقاً من المبالغة في النهي عن التعرض له وللتوسل إلى الاستثناء بقوله تعالى: {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} أي إلا بالخصلة والطريقة التي هي أحسن الخصال والطرائق وهي حفظه واستثماره {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} غاية لجواز التصرف على الوجه الأحسن المدلول عليه بالاستثناء لا للوجه المذكور فقط. والأشد قيل جمع شد كالأضر جمع ضر والشد القوة وهو استحكام قوة الشباب والسن كما أن شد النهار ارتفاعه، قال عنترة:شعر : عهدي به شد النهار كأنما خضب البنان ورأسه بالعظلم تفسير : وقيل هو جمع شدة مثل نعمة وأنعم، وقال بعض البصريين: هو واحد مثل الآنك. والمراد ببلوغه الأشد بلوغه إلى حيث يمكنه بسبب عقله ورشده القيام بمصالح ماله ثم التصرف بمال اليتيم بنحو الأكل على غير الوجه المأذون فيه من الكبائر، وتردد ابن عبد السلام بتقييده بنصاب السرقة فقال في «القواعد»: قد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر فإن وقعا في مال خطير فهو ظاهر وإن وقعا في مال حقير / كزبيبة وتمرة فيجوز أن يجعلا من الكبائر فطاماً عن جنس هذه المفسدة كالقطرة من الخمر وإن لم تتحقق المفسدة ويجوز أن يضبط ذلك بنصاب السرقة اهـ. وقد يفرق بينهما بأن في شهادة الزور مع الجراءة على انتهاك حرمة المال المعصوم جراءة على الكذب في الشهادة بخلاف القليل من مال اليتيم فلا يستبعد التقييد به بخلافها كذا قيل. والحق إن الآيات والأخبار الواردة في وعيد أكل مال اليتيم مطلقة فتتناول القليل والكثير فلا يجوز تخصيصها إلا بدليل سمعي وحيث لا دليل كذلك فالتخصيص غير مقبول فالوجه أنه لا فرق بين أكل القليل وأكل الكثير في كونه كبيرة يستحق فاعله الوعيد الشديد، نعم الشيء التافه الذي تقتضي العادة بالمسامحة به لا يبعد كون أكله ليس من الكبائر والله تعالى أعلم. وقد توصل القضاة اليوم إلى أكل مال اليتيم في صورة حفظه عاملهم الله تعالى بعدله وأذاق خائنهم في الدارين جزاء فعله. {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} ما عاهدتم الله تعالى عليه من التزام تكاليفه وما عاهدتم عليه غيركم من العباد ويدخل في ذلك العقود. وجوز أن يكون المراد ما عاهدكم الله تعالى عليك وكلفكم به. والإيفاء بالعهد والوفاء به هو القيام بمقتضاه والمحافظة عليه وعدم نقضه واشتقاق ضده وهو الغدر يدل على ذلك وهو الترك ولا يكاد يستعمل إلا بالباء فرقاً بينه وبين الإيفاء الحسي كإيفاء الكيل والوزن. {إِنَّ ٱلْعَهْدَ} أظهر في مقام الإضمار إظهاراً لكمال العناية بشأنه وقيل دفعاً لتوهم عود الضمير إلى الإيفاء المفهوم من {أَوْفُواْ} {كَانَ مَسْئُولاً} أي مسؤولاً عنه على حذف الجار وجعل الضمير بعد انقلابه مرفوعاً مستكناً في اسم المفعول ويسمى الحذف والإيصال وهو شائع. وجوز أن يكون الكلام على حذف مضاف أي إن صاحب العهد كان مسؤولاً، وقيل لا حذف أصلاً والكلام على التخييل كأنه يقال للعهد لِمَ نكثْتَ وهلا وفِّي بك؟ تبكيتاً للناكث كما يقال للموؤدة {أية : بِأَيّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} تفسير : [التكوير: 9] وقد يعتبر فيه الاستعارة المكنية والتخييلية، وزعم بعضهم أنه يجوز أن يجعل العهد متمثلاً على هيئة من يتوجه عليه السؤال كما تجسم الحسنات والسيآت لتوزن. وجوز أن يكون {مسؤلاً} بمعنى مطلوباً من سألت كذا إذا طلبت، وإسناد المطلوبية إليه مجاز والمراد مطلوب عدم إضاعته، ويجوز أن يكون في الكلام مضاف محذوف ارتفع الضمير واستتر بعد حذفه، والأصل ما أشرنا إليه وقد سمعت آنفاً أن مثل ذلك شائع، وليس في ذلك تعليل الشيء بنفسه فإن المآل إلى أن يقال: أوفوا بالعهد فإن عدم إضاعته لم تزل مطلوبة من كل أحد فتطلب منكم أيضاً. ثم إن الإخلال بالوفاء بالعهد على ما تقتضيه الأحاديث الصحيحة قيل كبيرة، وقد جاء عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه عد من الكبائر نكث الصفقة أي الغدر بالمعاهد بل صرح شيخ الإسلام العلائي بأنه جاء في الحديث عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه سماه كبيرة، وقال بعض المحققين: إن في إطلاق كون الإخلال المذكور كبيرة نظراً بناء على أن العهد هو التكليفات الشرعية فإن من الإخلال ما يكون كبيرة ومنه ما يكون صغيرة وينظر في ذلك إلى حال المكلف به، ولعل من قال: إن الإخلال بالعهد كبيرة أراد بالعهد مبايعة الإمام وبالإخلال بذلك نقض بيعته والخروج عليه لغير موجب ولا تأويل ولا شبهة في أن ذلك كبيرة فليتأمل.
ابن عاشور
تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} هذا من أهم الوصايا التي أوصى الله بها في هذه الآيات، لأن العرب في الجاهلية كانوا يستحلون أموال اليتامى لضعفهم عن التفطن لمن يأكل أموالهم وقلة نصيرهم لإيصال حقوقهم، فحذر الله المسلمين من ذلك لإزالة ما عسى أن يبقى في نفوسهم من أثر من تلك الجاهلية. وقد تقدم القول في نظير هذه الآية في سورة الأنعام. وهذه الوصية العاشرة. والقول في الإتيان بضمير الجماعة المخاطبين كالقول في سابِقيه لأن المنهي عنه من أحوال أهل الجاهلية. {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} أمروا بالوفاء بالعهد. والتعريف في {العهد} للجنس المفيد للاستغراق يشمل العهد الذي عاهدوا عليه النبي، وهو البيعة على الإيمان والنصر. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم}تفسير : في سورة النحل (91) وقوله: {أية : وبعهد الله أوفوا}تفسير : في سورة الأنعام (152). وهذا التشريع من أصول حرمة الأمة في نظر الأمم والثقةِ بها للانزواء تحت سلطانها. وقد مضى القول فيه في سورة الأنعام. والجملة معطوفة على التي قبلها. وهي من عداد ما وقع بعد (أن) التفسيرية من قوله:{ أية : ألا تعبدوا}تفسير : الآيات [الإسراء: 23]. وهي الوصية الحادية عشرة. وجملة {إن العهد كان مسؤولا} تعليل للأمر، أي للإيجاب الذي اقتضاه، وإعادة لفظ {العهد} في مقام إضماره للاهتمام به، ولتكون هذه الجملة مستقلة فتسري مسرى المثل. وحُذف متعلق {مسؤولا} لظهوره، أي مسؤولاً عنه، أي يسألكم الله عنه يوم القيامة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 34- ولا تتصرفوا فى مال اليتيم إلا بالطريقة التى هى أحسن الطرق لتنميته وتثميره، واستمروا على ذلك حتى يبلغ رشده، وإذا بلغ فسلموه له، وحافظوا على كل عهد التزمتموه، فإن الله سيسأل ناقض العهد عن نقضه ويحاسبه عليه. 35- وأوفوا الكيل إذا كلتم للمشترى، وزنوا له بالميزان العدل، فإن إيفاء الكيل والوزن خير لكم فى الدنيا، لأنه يرغب الناس فى معاملتكم، وأجمل عاقبة فى الآخرة. 36- ولا تتبع - أيها المرء - ما لا علم لك به من قول أو فعل، فلا تقل: سمعت، وأنت لم تسمع، أو علمت، وأنت لم تعلم، فإن نِعَمَ السمع والبصر والقلب يسأل صاحبها عما يفعل بكل منها يوم القيامة. 37- ولا تمش فى الأرض متكبراً مختالاً، فإنك مهما فعلت فلن تخرق الأرض بشدة وطأتك، ولن تبلغ مهما تطاولت أن تحاذى بطولك قمم الجبال. 38- كل ذلك المذكور من الوصايا، كان القبيح منه من المنهيات مكروهاً مبغوضاً عند ربك. 39- وهو مما أوحاه إليك ربك من معرفة الحق بذاته، والخير للعمل به، ولا تجعل مع الله إلهاً غيره فتلقى فى جهنم ملوماً عند نفسك، وعند غيرك هالكاً مطروداً من رحمة ربك. 40- أنكر - سبحانه - على من قالوا: الملائكة بنات الله، فقال: أفضَّلكم ربكم على نفسه، فخصكم بأقوى الأولاد، وهم البنون، واتخذ هو لنفسه من الملائكة بنات بزعمكم؟ إنكم فى قولكم هذا تفترون بهتاناً عظيماً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إلا بالتي هي أحسن: أي ألا بالخصلة التي هي أحسن من غيرها وهي تنميته والإنفاق عليه منه بالمعروف. حتى يبلغ أشده: أي بلوغه سن التكليف وهو عاقل رشيد. وأوفوا بالعهد: أي إذا عاهدتم الله أو العباد فأوفوا بما عاهدتم عليه. إن العهد كان مسئولا: أي عنه وذلك بأن يُسأل العبدُ يوم القيامة لم نكثت عهدك؟ أوفوا الكيل: أي اتموه ولا تنقصوه. بالقسطاس المستقيم: أي الميزان السوي المعتدل. وأحسن تاويلاً: أي مآلاً وعاقبة. ولا تقف: أي ولا تتبع. والفؤاد: أي القلب. كان عنه مسئولاً: أي عن كل واحد من هذه الحواس الثلاث يوم القيامة. مرحاً: أي ذا مرح بالكبر والخيلاء. لن تخرق الأرض: أي لن تثقبها أو تشقها بقدميك. من الحكمة: أي التي هي معرفة المحاب لله تعالى للتقرب بها إليها ومعرفة المساخط لتتجنبها تقرباً إليه تعالى بذلك. ملوماً مدحوراً: أي تلوم نفسك على شركك بربك مبعداً من رحمة الله تعالى. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في بيان ما قضى به الله تعالى على عباده المؤمنين ووصاهم به فقال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ} أي أيها المؤمنون {مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} اي بالفعلة التي هي أجمل وذلك بأن تتصرفوا فيه بالتثمير له والإصلاح فيه، والإنفاق منه على اليتيم بالمعروف أما أن تقربوه لتأكلوه إسرافاً وبداراً فلالا. وقوله: حتى يبلغ أشده أي حتى يبلغ سن الرشد فتحاسبوه وتعطوه ماله يتصرف فيه حسب المشروع من التصرفات المالية. وقوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} أي ومما أوصاكم به أن توفوا بعهودكم التي بينكم وبين ربكم وبينكم وبين سائر الناس مؤمنهم وكافرهم فلا يحل لكم أن لا توفوا بالعهد وأنتم قادرون على الوفاء بحال من الأحوال. وقوله {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} تأكيد للنهي عن نكث العهد إذ أخبر تعالى أن العبد سيسأل عن عهده الذي لم يف به يوم القيامة، ومثل العهد سائر العقود من نكاح وبيع وإيجار وما إلى ذلك لقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1] أي العهود، وقوله: {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} هذا مما أمر الله تعالى وهو إيفاء الكيل والوزن أي توفيتهما وعدم بخسهما ونقصهما شيئاً ولو يسيراً ما دام في الإمكان عدم نقصه، أما ما يعسر التحرز منه فهو من العفو لقوله تعالى: {أية : لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا }تفسير : [الأنعام: 152، الأعراف: 42]. وقوله {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي ذلك الوفاء والتوفية في الكيل والوزن خير لبراءة الذمة وطيب النفس به وأحسن تاويلا أي عاقبة إذ يبارك الله تعالى في ذلك المال بأنواع من البركات لا يعلمها الا هو عز وجل. ومن ذلك أجر الآخرة وهو خير فإن من ترك المعصية وهو قادر عليها أثابه الله تعالى على ذلك بأحسن ثواب، وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي لا تتبع بقول ولا عمل ما لا تعلم، ولا تقل رأيت كذا وأنت لم تر، ولا سمعت كذا وأنت لم تسمع. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ} أي القلب {كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} أي لا تقف ما ليس لك به علم، لأن الله تعالى سائل هذه الأعضاء يوم القيامة عما قال صاحبها أو عمل فتشهد عليه بما قال أو عمل مما لا يحل له القول فيه أو العمل. ومعنى أولئك أي تلك المذكورات من السمع والبصر والفؤاد، وقوله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} أي خيلاء وتكبراً أي مما حرم تعالى وأوصى بعدم فعله المشي في الأرض مرحاً أي تكبراً واختيالاً، لأن الكبر حرام وصاحبه لا يدخل الجنة، وقوله {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} أي برجليك أيها المتكبر لأن المتكبر يضرب الأرض برجليه اعتزازاً واهتزازاً، ولن تبلغ الجبال طولاً مهما تعاليت وتطاولت فإنك كغيرك من الناس لا تخرق الأرض أي تثقبها أو تقطعها برجليك ولا تبلغ علو الجبال فلذا أترك مشية الخيلاء والتكبر، لأن ذلك معيب ومنقصة ولا يأتيه إلا ذو حماقة وسفه. وقوله تعالى: {كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} أي كل ذلك المأمور به والمنهي عنه من قوله تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ} تفسير : [الإسراء: 23] إلى قوله {كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} سيئة كالتبذير والبخل وقتل الأولاد والزنا وقتل النفس وأكل مال اليتيم، وبخس الكيل والوزن، والقول بلا علم كالقذف وشهادة الزور، والتكبر كل هذا الشيء مكروه عند الله تعالى إذاً فلا تفعله يا عبدالله وما كان من حسن فيه كعبادة الله تعالى وحده وبر الوالدين والإِحسان إلى ذوي القربى والمساكين وابن سبيل والعدة الحسنة فكل هذا الحسن هو عند الله حسن فأته يا عبدالله ولا تتركه ومن قرأ كنافع كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها فإنه يريد ما اشتملت عليه الآيات من التبذير والبخل وقتل النفس إلى آخر المنهيات. وقوله تعالى: {ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ} أي ذلك الذي بيَّنَّا لك يا رسولنا من الأخلاق الفاضلة والخلال الحميدة التي أمرناك بالأخذ بها والدعوة إلى التمسك بها، ومن الخلال القبيحة والخصال الذميمة التي نهيناك عن فعلها وحرمنا عليك إتيانها مما أوحينا إليك في كتابنا هذا من أنواع الحكم وضروب العلم والمعرفة، فلله الحمد وله المنة. وقوله: {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً} هذه أم الحكم بدأ بها السياق وختمه بها تقريراً وتأكيداً إذ تقدم قوله تعالى: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً}تفسير : [الإسراء: 22]. والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كل أحد معني به فأي إنسان يشرك بربه أحداً من خلقه في عبادته فقد جعله إلهاً مع الله، ولا بد أن يلقى في جهنم ملوماً من نفسه مدحوراً مبعداً من رحمة به التي هي الجنة. وهذا إذا مات قبل أن يتوب فيوحد ربه في عباداته. إذ التوبة إذا صحت جَبَّت ما قبلها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة مال اليتيم أكلاً أو إفساداً أو تضييعاً وإهمالاً. 2- وجوب الوفاء بالعهود وسائر العقود. 3- وجوب توفية الكيل والوزن وحرمة بخس الكيل والوزن. 4- حصول البركة لمن يمتثل أمر الله في كيله ووزنه. 5- حرمة القول أو العمل بدون علم لما يُفْضِي إليه ذلك من المفاسد ولأن الله تعالى سائل كل الجوارح ومستشهدها على صاحبها يوم القيامة. 6- حرمة الكبر ومقت المتكبرين. 7- إنتظام هذا السياق لخمس وعشرين حكمة الأخذ بها خير من الدنيا وما فيها، والتفريط فيها هو سبب خسران الدنيا والآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : (34) - وَبَعْدَ أَنْ نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنِ إِتْلاَفِ الأَنْفُسِ، نَهَى عَنْ إِتْلاَفِ الأَمْوَالِ، وَأَحَقُّ الأَمْوَالِ بِالرِّعَايَةِ مَالُ اليَتِيمِ، فَبَدَأَ اللهُ تَعَالَى بِدَعْوَةِ المُؤْمِنينَ إِلَى المُحَافَظَةِ عَلَيْهِ فَقَالَ: وَلاَ تَتَصَرَّفُوا بِمَالِ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالطَّرِيقَةِ التِي هِيَ أَحْسَنُ الطُّرُقِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ حِفْظِهِ وَتَثْمِيرِهِ لأَِنَّهُ ضَعِيفٌ عَنْ تَدْبِيرِ مَالِهِ، عَاجِزٌ عَنِ الذَّوْدِ عَنْهُ، وَالجَمَاعَةُ المُسْلِمَةُ مُكَلَّفَةٌ بِرِعَايَةِ اليَتِيمِ وَمَالِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَالقُدْرَةُ عَلَى العِنَايَةِ بِمَالِهِ وَتَدْبِيرِهِ. وَبِمَا أَنَّ رِعَايَةَ مَالِ اليَتِيمِ وَشَخْصِهِ عَهْدٌ عَلَى الجَمَاعَةِ المُسْلِمَةِ، لِذَلِكَ أَلْحَقَ اللهُ تَعَالَى بِهِ الوَفَاءَ بِالعَهْدِ إِطْلاَقاً، وَحَثَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ يَسْأَلُ عَنِ الوَفَاءِ بِالعَهْدِ وَيُحَاسِبُ عَلَيْهِ مَنْ يَنْكُثُ بِهِ وَيَنْقُضُهُ. يَبْلُغَ أَشُدَّهُ - قُدْرَتَهُ عَلَى حِفْظِ مَالِهِ وَرُشْدِهِ فِيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا أيضاً يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ..} [الإسراء: 34]. ولم يقل: ولا تأكلوا مال اليتيم ليحذرنا من مجرد الاقتراب، أو التفكير في التعدِّي عليه؛ لأن اليُتْم مظهر من مظاهر الضعف لا يصح أنْ تجترئَ عليه. و (اليتيم) هو مَنْ مات أبوه وهو لم يبلغَ مبلغ الرجال وهو سِنْ الرُّشْد، وما دام قد فقد أباه ولم يَعُدْ له حاضن يرعاه، فسوف يضجر ويتألم ساعة أنْ يرى غيره من الأولاد له أب يحنو عليه، وسوف يحقد على القدَر الذي حرمه من أبيه. فيريد الحق سبحانه وتعالى أولاً أنْ يستلِّ من قلب اليتيم وفكره هذه المشاعر؛ لذلك يُوصِي المجتمع به ليشعر أنه وإنْ فقد أباه فالمؤمنون جميعاً له آباء، وفي حُنوِّهم وعطفهم عِوَض له عن وفاة والده. وكذلك حينما يرى الإنسانُ أن اليتيم مُكرّم في مجتمع إيماني يكفله ويرعاه، ويعتبره كل فرد فيه ابناً من أبنائه، يطمئن قلبه ولا تُفزِعه أحداث الحياة في نفسه، ولا يقلق إنْ قُدِّر له أن يُيَتَّم أولاده، فسوف يجدون مثل هذه الرعاية، ومثل هذا الحنان من المجتمع الإيماني. إذن: إنْ وجد اليتيم في المجتمع عِوَضاً عن أبيه عَطْفاً وحناناً ورعاية يرضى بما قُدِّر له، ولا يتأبَّى على قدر الله، وكذلك تطمئن النفس البشرية إنْ قُدِّر عليها اليُتْم في أولادها. ثم يقول تعالى: {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} [الإسراء: 34]. أي: لا تنتهز يُتْم اليتيم، وأنه ما يزال صغيراً ضعيف الجانب فتطمع في ماله، وتأخذه دون وجه حق. وقوله: {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} [الإسراء: 34] استثناء من الحكم السابق {وَلاَ تَقْرَبُواْ ..} يبيح لنا أن نقرب مال اليتيم، ولكن بالتي هي أحسن. و {أَحْسَنُ} أفعل تفضيل تدل على الزيادة في الإحسان، فكأن لدينا صفتين ممدوحتين: حسنة وأحسن، وكأن المعنى: لا تقربوا مال اليتيم بالطريقة الحسنة فحسب، بل بالطريقة الأحسن. فما الطريقة الحسنة؟ وما الطريقة الأحسن؟ الطريقة الحسنة: أنك حين تقرب مال اليتيم لا تُبدده ولا تتعدَّى عليه. لكن الأحسن: أنْ تُنمي له هذا المال وتُثمّره وتحفظه له، إلى أن يكون أَهْلاً للتصرّف فيه. لذلك فالحق سبحانه حينما تكلم عن هذه المسألة قال: {أية : وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا ..}تفسير : [النساء: 5]. ولم يقل: وارزقوهم منها؛ لأن الرزق منها يُنقِصها، لكن معنى:{أية : وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا ..}تفسير : [النساء: 5] أي: من ريعها وربحها، وليس من رأس المال. وإلاَّ لو تصوّرنا أن أحد الأوصياء على الأيتام عنده مال ليتيم، وأخذ ينفق عليه من هذا المال، ويُخرج منه الزكاة وخلافه، فسوف ينتهي هذا المال ويبلغ اليتيم مبلغ الرُّشْد فَلا يجد من ماله شيئاً يُعتَدُّ به. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول: حقِّقوا الحسن أولاً بالمحافظة على مال اليتيم، ثم قدِّموا الأحسن بتنميته له وزيادته زيادة تتسع لنفقات حياته، وإلاَّ فسوف يشبّ الصغير، وليس أمامه من ماله شيء. والحق سبحانه وتعالى يريد ألاَّ يحرم اليتيم من خبرة أصحاب الخبرة والصلاحية الاقتصادية وإدارة الأموال، فقد يكون من هؤلاء مَنْ ليس لديه مال يعمل فيه، فليعمل في مال اليتيم ويُديره له ويُنمّيه، وليأكل منه بالمعروف، وإنْ كان غنياً فليستعفف عنه؛ لأنه لا يحلّ له، يقول تعالى: {أية : وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ..}تفسير : [النساء: 6]. لأن الإنسان إذا كان عنده خبرة في إدارة الأموال ولديْه الصلاحية فلا نُعطِّل هذه الخبرة، ولا نحرم منها اليتيم، وهكذا نوفر نفقة صاحب الخبرة الذي لا يجد مالاً، ونفقة اليتيم الذي لا يستطيع إدارة أمواله، وبذلك يتم التكامل في المجتمع الإيماني. ثم يقول تعالى: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ..} [الإسراء: 34]. أي: حتى يكبر ويبلغ مبلغ الرجال، ولكن هل هذه الصفة كافية لكي نُعطِي لليتيم ماله وقد بلغ سِنّ الرُّشْد والتكليف؟ في الحقيقة أن هذه الصفة غير كافية لنُسلّم له ماله يتصرف فيه بمعرفته؛ لأنه قد يكون مع كِبَر سِنّه سفيهاً لا يُحسِن التصرُّف، فلا يجوز أن نتركَ له المال لِيُبدّده، بدليل قوله تعالى: {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ..}تفسير : [النساء: 6]. وقال في آية أخرى:{أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ..}تفسير : [النساء: 5]. ولم يقل: أموالهم، لأن السفيه ليس له مال، وليس له ملكية، والمال مال وليِّه الذي يحافظ عليه ويُنمّيه له. إذن: فالرُّشْد وهو سلامة العقل وحُسْن التصرُّف، شرط أساسي في تسليم المال لليتيم؛ لأنه أصبح بالرُّشْد أهْلاً للتصرُّف في ماله. وكلمة: {أَشُدَّهُ ..} [الإسراء: 34] أي: يبلغ شِدّة تكوينه، ويبلغ الأشدّ أي: تستوي ملكاته استواءً لا زيادة عليه، فأعضاء الإنسان تنمو وتتربى مع نموه على مَرِّ الزمن، إلى أن يصل سِنّ الرشد ويصبحَ قادراً على إنجاب مثله، وهذه سِنّ الأشُدّ أي: الاستواء. لذلك أجَّلَ الله تعالى التكليف للإنسان إلى سِنِّ البلوغ؛ لأنه لو كلَّفه قبل أن يبلغ ثم طرأ عليه البلوغ بعد التكليف لاحتجَّ بما طرأ عليه في نفسه من تغيرات لم تكن موجودة حال التكليف. ثم يقول تعالى: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 34]. {ٱلْعَهْدَ} ما تعاقد الإنسان عليه مع غيره عقداً اختيارياً يلتزم هو بنتائجه ومطلوباته، وأول عقد أُبرِمَ هو العَقْد الإيماني الذي أخذه الله تعالى علينا جميعاً، وأنت حُرٌّ في أن تدخل على الإيمان بذاتك مختاراً أو لا تدخل، لكن حين تدخل إلى الإيمان مُخْتَاراً يجب أن تلتزم بعهد الإيمان؛ لأن الله لا يريد منّا قوالب تخضع، ولكن يريد مِنّا قلوباً تخشع، ولو أراد الله منّا قوالب تخضع ما استطاع واحد مِنّا أنْ يشذّ عن الإيمان بالله. لذلك خاطب الحق تبارك وتعالى رسوله بقوله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}تفسير : [الشعراء: 3-4]. فالله لا يريد أعناقاً، وإنما يريد قلوباً، لكن يخلط كثير من الناس إنْ أمرته بأمر من أمور الدين فيقول: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ..}تفسير : [البقرة: 256] نقول له: أنت لم تحسن الاستدلال، المراد: لا إكراه في أنْ تدخل الدين، ولكن إذا دخلتَ فعليك الالتزام بمطلوباته. ومن باطن هذا العهد الإيماني تنشأ كل العقود، لذلك يجب الوفاء بالعهود؛ لأن الوفاء بها جزء من الإيمان، فأنت حُرٌّ أن تقابل فلاناً أو لا تقابله، إنما إذا عاهدتَه على المقابلة فقد أصبحتَ مُلْزماً بالوفاء؛ لأن المقابل لك قد رتَّبَ نفسه على أساس هذا اللقاء، فإنْ أخلفتَ معه العهد فكأنك أطلقتَ لنفسه حرية الحركة، وقيَّدتَ حركة الآخر. وهذه صفة لا تليق أبداً بالمؤمنين، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من صفات المنافقين. وقوله: {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 34]. قد يكون المعنى: أي مسئولاً عنه، فيسأل كل إنسان عن عهده أوفَّى به أم أخلفه؟ وقد يراد {مَسْؤُولاً} أي: مسئول ممَّنْ تعاقد عليه أنْ يُنقّذه، وكأنه عدَّى المسئولية إلى العهد نفسه، فأنا حُرٌّ وأنت حُرٌّ، والعهد هو المسئول. والحق سبحانه وتعالى يستعمل اسم المفعول في مواضع تقول للوهلة الأولى أنه في غير موضعه، ولكن إذا دققتَ النظر تجده في موضعه بليغاً غايةَ البلاغة، كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً}تفسير : [الإسراء: 45]. هكذا بصيغة اسم المفعول، والحجاب في الحقيقة ساتر وليس مستوراً، ولكن الحق سبحانه يريد أنْ يجعلَ الحجاب صفيقاً، كأنه نفسه مستور بحجاب الغير، كما يصنع بعض المترفين ستائر البيوت من طبقتين، فتصبح الستارة نفسها مستورة، وكما في قوله تعالى: {أية : ظِـلاًّ ظَلِيلاً ..}تفسير : [النساء: 57] أي: أن الظلَّ نفسه مُظَلّلٌ. وانظر إلى حال المجتمع إذا لم تُرَاعَ فيه العهود، ولم تُحترمَ المواثيق، مجتمع يستهين أهله بالوفاء وشرف الكلمة، فسوف تجده مجتمعاً مُفكّكاً فُقِدت فيه الثقة بين الناس، وإذا ما فُقِدت الثقة وضاع الوفاء وشرف الكلمة الذي تُدار به حركة الحياة فاعلم أنه مجتمع فاشل، وليس أَهْلاً لرقيٍّ أو تقدُّم. ولأهمية العهد في الإسلام نجده ينعقد بمجرد الكلمة، وليس من الضروري أن يُسجَّل في سجلات رسمية؛ لأن المؤمن تثق في كلمته حتى إن لم تُوثَّق وتكتب. ومن هنا وُجِد ما يسمونه بالحق القضائي وبالحق الديني، فيقولون: هذا قضاءً وهذا ديانة، والفرق واضح بينهما، ويمكن أن نضرب له هذا المثل: هَبْ أنك أخذتَ دَيْناً من صديق لك، وكتب له مستنداً بهذا الدين ليطمئن قلبه، ثم قابلته بعد أن تيسَّر لك السداد ووفَّيت له بدَيْنه. لكنه اعتذر لعدم وجود المستند معه الآن، فقلت له: لا عليك أرسله لي متى شئتَ، فلو تصوَّرنا أنه أراد الغدر بك وأنكر سداد الدين، فالقضاء يقول: له الحق في أخذ دَيْنه، أما ديانة فليس له شيء. إذن: العهد الذي نعقده مع الناس يدخل تحت المسئولية الدينية وليس القضائية. ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} معناه بالتّجارةِ فيهِ. تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} معناهُ مطلوبٌ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا من لطفه ورحمته تعالى باليتيم الذي فقد والده وهو صغير غير عارف بمصلحة نفسه ولا قائم بها أن أمر أولياءه بحفظه وحفظ ماله وإصلاحه وأن لا يقربوه { إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } من التجارة فيه وعدم تعريضه للأخطار، والحرص على تنميته، وذلك ممتد إلى أن { يَبْلُغَ } اليتيم { أَشُدَّهُ } أي: بلوغه وعقله ورشده، فإذا بلغ أشده زالت عنه الولاية وصار ولي نفسه ودفع إليه ماله. كما قال تعالى: { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } { وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ } الذي عاهدتم الله عليه والذي عاهدتم الخلق عليه. { إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا } أي: مسئولين عن الوفاء به وعدمه، فإن وفيتم فلكم الثواب الجزيل وإن لم تفوا فعليكم الإثم العظيم.
همام الصنعاني
تفسير : 1564- حدثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: [الآية: 34]، قال: كانوا لا يخالطونهم في مال، ولا مأكل، ولا مَشْرب، ولا مركب حتى نزلت: {أية : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}تفسير : : [البقرة: 220].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):