١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى أمر بخمسة أشياء أولاً، ثم أتبعه بالنهي عن ثلاثة أشياء وهي النهي عن الزنا، وعن القتل إلا بالحق، وعن قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، ثم أتبعه بهذه الأوامر الثلاثة فالأول قوله: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ }. واعلم أن كل عقد تقدم لأجل توثيق الأمر وتوكيده فهو عهد فقوله: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ } نظير لقوله تعالى: { أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } تفسير : [المائدة: 1] فدخل في قوله: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } كل عقد من العقود كعقد البيع والشركة، وعقد اليمين والنذر، وعقد الصلح، وعقد النكاح. وحاصل القول فيه: أن مقتضى هذه الآية أن كل عقد وعهد جرى بين إنسانين فإنه يجب عليهما الوفاء بمقتضى ذلك العقد والعهد، إلا إذا دل دليل منفصل على أنه لا يجب الوفاء به فمقتضاه الحكم بصحة كل بيع وقع التراضي به وبصحة كل شركة وقع التراضي بها، ويؤكد هذا النص بسائر الآيات الدالة على الوفاء بالعهود والعقود كقوله: { أية : وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ } تفسير : [البقرة: 177] وقوله: { أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ } تفسير : [المؤمنون: 8] وقوله: { أية : وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ } تفسير : [البقرة: 275] وقوله: { أية : لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } تفسير : [النساء: 29] وقوله: { أية : وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } تفسير : [البقرة: 282] وقوله عليه السلام: « حديث : لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيبة من نفسه » تفسير : وقوله: « حديث : إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد » تفسير : وقوله: « حديث : من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه » تفسير : فجميع هذه الآيات والأخبار دالة على أن الأصل في البيوعات والعهود والعقود الصحة ووجوب الالتزام. إذا ثبت هذا فنقول: إن وجدنا نصاً أخص من هذه النصوص يدل على البطلان والفساد قضينا به تقديماً للخاص على العام، وإلا قضينا بالصحة في الكل، وأما تخصيص النص بالقياس فقد أبطلناه، وبهذا الطريق تصير أبواب المعاملات على طولها وأطنابها مضبوطة معلومة بهذه الآية الواحدة، ويكون المكلف آمن القلب مطمئن النفس في العمل، لأنه لما دلت هذه النصوص على صحتها فليس بعد بيان الله بيان، وتصير الشريعة مضبوطة معلومة. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مسؤلا} وفيه وجوه: أحدها: أن يراد صاحب العهد كان مسؤلاً فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله: { أية : وَاسأَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82]. وثانيها: أن العهد كان مسؤلا أي مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به. وثالثها: أن يكون هذا تخييلاً كأنه يقال للعهد لم نكثت وهلا وفي بك تبكيتاً للناكث كما يقال للموؤدة: { أية : بِأَيّ ذَنبٍ قُتِلَتْ } تفسير : [التكوير: 9] وكقوله: { أية : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّيَ إِلَـٰهَيْنِ } تفسير : [المائدة: 116] الآية فالمخاطبة لعيسى عليه السلام والإنكار على غيره. النوع الثاني: من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله: {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ } والمقصود منه إتمام الكيل وذكر الوعيد الشديد في نقصانه في قوله: { أية : وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } تفسير : [المطففين: 1 ـ 3]. النوع الثالث: من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله: {وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ } فالآية المتقدمة في إتمام الكيل، وهذه الآية في إتمام الوزن، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ } تفسير : [الرحمن: 9] وقوله: { أية : وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } تفسير : [هود: 85]. واعلم أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل، والوزن قليل. والوعيد الحاصل عليه شديد عظيم، فوجب على العاقل الاحتراز منه، وإنما عظم الوعيد فيه لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء، وقد يكون الإنسان غافلاً لا يهتدي إلى حفظ ماله، فالشارع بالغ في المنع من التطفيف والنقصان، سعياً في إبقاء الأموال على الملاك، ومنعاً من تلطيخ النفس بسرقة ذلك المقدار الحقير، والقسطاس في معنى الميزان إلا أنه في العرف أكبر منه، ولهذا اشتهر في ألسنة العامة أنه القبان. وقيل أنه بلسان الروم أو السرياني. والأصح أنه لغة العرب وهو مأخوذ من القسط، وهو الذي يحصل فيه الاستقامة والاعتدال، وبالجملة فمعناه المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الجانبين، وأجمعوا على جواز اللغتين فيه، ضم القاف وكسرها، فالكسر قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم والباقون بالضم. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ خَيْرٌ } أي الإيفاء بالتمام والكمال خير من التطفيف القليل من حيث أن الإنسان يتخلص بواسطته عن الذكر القبيح في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة: {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } والتأويل ما يؤل إليه الأمر كما قال في موضع آخر: { أية : خَيْرٌ مَّرَدّاً } تفسير : [مريم: 76] { أية : خَيْرٌ عُقْبًا } تفسير : [الكهف: 44] { أية : خَيْرٌ أَمَلاً } تفسير : [الكهف: 46] وإنما حكم تعالى بأن عاقبة هذا الأمر أحسن العواقب، لأنه في الدنيا إذا اشتهر بالاحتراز عن التطفيف عول الناس عليه ومالت القلوب إليه وحصل له الاستغناء في الزمان القليل، وكم قد رأينا من الفقراء لما اشتهروا عند الناس بالأمانة والاحتراز عن الخيانة أقبلت القلوب عليهم وحصلت الأموال الكثيرة لهم في المدة القليلة. وأما في الآخرة فالفوز بالثواب العظيم والخلاص من العقاب الأليم.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ} تقدم الكلام فيه أيضاً في الأنعام. وتقتضي هذه الآية أن الكيل على البائع، وقد مضى في سورة «يوسف» فلا معنى للإعادة. والقُسطاس (بضم القاف وكسرها): الميزان بلغة الروم؛ قاله ابن عُزيز. وقال الزجاج: القسطاس: الميزان صغيراً كان أو كبيراً. وقال مجاهد: القسطاس العدل، وكان يقول: هي لغة رومية، وكأن الناس قيل لهم: زِنوا بِمَعْدِلهِ في وزنكم. وقرأ ابن كَثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر «القُسطاس» بضم القاف. وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم القسطاس (بكسر القاف) وهما لغتان. الثانية: قوله تعالى: {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي وفاءُ الكيل وإقامة الوزن خير عند ربك وأبرك. «وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» أي عاقبة. قال الحسن: ذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يقدر رجل على حرام ثم يَدَعُه ليس لديه إلا مخافة الله تعالى إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ } أتموه {إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ } الميزان السويّ {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } مآلاً.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْقِسْطَاسِ}: القبان، أو الميزان صغيراً أو كبيراً، وهو العدل بالرومية.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً} قال: يوم أنزلت هذه كان إنما يسأل عنه، ثم يدخل الجنة، فنزلت {أية : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} تفسير : [آل عمران: 77]. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: {إن العهد كان مسؤولاً} قال: يسأل الله ناقض العهد عن نقضه. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: {إن العهد كان مسؤولاً} قال: لا يسأل عهده من أعطاه إياه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ميمون بن مهران رضي الله عنه قال: ثلاث تُؤدى إلى البر والفاجر، العهد يوفى إلى البر والفاجر، وقرأ {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: من نكث بيعة، كانت ستراً بينه وبين الجنة. قال: وإنما تهلك هذه الأمة بنكثها عهودها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: {وأوفوا الكيل إذا كلتم} يعني لغيركم {وزنوا بالقسطاس المستقيم} يعني الميزان. وبلغة الروم الميزان القسطاس {ذلك خير} يعني وفاء الكيل والميزان خير من النقصان {وأحسن تأويلاً} عاقبة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ذلك خير وأحسن تأويلاً} أي خير ثواباً وعاقبة. وأخبرنا أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقول: يا معشر الموالي، إنكم وليتم أمرين: بهما هلك الناس قبلكم، هذا المكيال، وهذا الميزان. قال: وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : لا يقدر رجل على حرام، ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله، إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك ". تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: {القسطاس} العدل بالرومية. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة {وزنوا بالقسطاس} قال: العدل. وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك رضي الله عنه {وزنوا بالقسطاس} قال: القبان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه {وزنوا بالقسطاس} قال: بالحديد والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ} أي أتموه ولا تُخسِروه {إِذا كِلْتُمْ} أي وقت كيلِكم للمشترين وتقيـيدُ الأمر بذلك لما أن التطفيفَ هناك يكون وأما وقت الاكتيالِ على الناس فلا حاجة إلى الأمر بالتعديل قال تعالى: { أية : إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} تفسير : [المطففين، الآية 2] {وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ} وهو القرسطون، وقيل: كلُّ ميزان صغيراً كان أو كبـيراً، روميٌّ معرّب ولا يقدح ذلك في عربـية القرآن لانتظام المعرَّبات في سلك الكلمِ العربـية وقرىء بضم القاف {ٱلْمُسْتَقِيم} أي العدْلِ السويّ ولعل الاكتفاءَ باستقامته عن الأمر بإيفاء الوزن لما أن عند استقامتِه لا يتصور الجَوْرُ غالباً بخلاف الكيل فإنه كثيراً ما يقع التطفيفُ مع استقامة الآلة كما أن الاكتفاءَ بإيفاء الكيل عن الأمر بتعديله لما أن إيفاءَه لا يُتصوَّر بدون تعديل المكيالِ وقد أُمر بتقويمه أيضاً في قوله تعالى: { أية : أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [الأنعام: 152] {ذٰلِكَ} أي إيفاءُ الكيلِ والوزن بالميزان السوي {خَيْرٌ} في الدينا إذ هو أمانةٌ توجب الرغبةَ في معاملته والذكرَ الجميلَ بـين الناس {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} عاقبةً، تفعيلٌ من آل إذا رجع والمرادُ ما يؤول إليه. {وَلاَ تَقْفُ} ولا تتبعْ من قفا أثرَه إذا تبِعه، وقرىء ولا تقُفْ من قاف أثرَه أي قفاه، ومنه القافةُ في جمع القائف {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي لا تكن في اتباع ما لا علمَ لك به من قول أو فعل كمن يتّبعُ مسلكاً لا يدري أنه يوصله إلى مقصِده، واحتج به من منع اتباعَ الظنِّ وجوابُه أن المرادَ بالعلم هو الاعتقادُ الراجحُ المستفادُ من سند قطعياً كان أو ظنيًّا واستعمالُه بهذا المعنى مما لا يُنكَر شيوعُه، وقيل: إنه مخصوصٌ بالعقائد، وقيل: بالرمي وشهادةِ الزورِ ويؤيده قولُه عليه الصلاة والسلام: « حديث : مَنْ قفا مؤمناً بما ليس فيه حبَسه الله تعالى في رَدْغة الخَبال حتى يأتيَ بالمخرج » تفسير : ومنه قول الكميت: [الوافر] شعر : ولا أرمي البريءَ بغير ذنب ولا أقفو الحواصِنَ إن رُمينا تفسير : {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ} وقرىء بفتح الفاءِ والواو المقلوبةِ من الهمزة عند ضم الفاء {كُلُّ أُولـٰئِكَ} أي كلُّ واحد من تلك الأعضاءِ فأُجريت مُجرى العقلاءِ لما كانت مسؤولةً عن أحوالها شاهدةً على أصحابها. هذا وإن أولاء وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسمٌ لذا الذي يعُمّ القَبـيلين جاء لغيرهم أيضاً قال: [الكامل] شعر : ذُمَّ المَنازِلَ بعد مَنزِلَة اللِّوى والعيشَ بعدَ أولئِكَ الأيامِ تفسير : {كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} أي كان كلٌّ من تلك الأعضاء مسؤولاً عن نفسه، على أن اسمَ كان ضميرٌ يرجِعُ إلى كلُّ وكذا الضميرُ المجرورُ، وقد جُوّز أن يكون الاسمُ ضميرَ القافي بطريق الالتفات إذ الظاهرُ أن يقال: كنتَ عنه مسؤولاً، وقيل: الجارُّ والمجرور في محل الرفع قد أُسند إليه مسؤولاً معللاً بأن الجارَّ والمجرور لا يلتبس بالمبتدأ وهو السببُ في منع تقديمِ الفاعلِ وما يقوم مقامَه. ولكن النحاسَ حكى الإجماعَ على عدم جواز تقديمِ القائم مقامَ الفاعل إذا كان جاراً ومجروراً، ويجوز أن يكون من باب الحذفِ على شريطة التفسيرِ، ويحذف الجارّ من المفسر ويعود الضميرُ مستكناً كما ذكرنا في قوله تعالى: {أية : يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } تفسير : [هود، الآية 103] وجُوّز أن يكون مسؤولاً مسنداً إلى المصدر المدلولِ عليه بالفعل وأن يكون فاعلُه المصدرَ وهو السؤالُ وعنه في محل النصب. وسأل ابن جني أبا علي عن قولهم: فيك يُرغب، وقال: لا يرتفع بما بعده، فأين المرفوع؟ فقال: المصدرُ أي فيك يُرغب الرغبةُ بمعنى تُفعل الرغبة، كما في قولهم: يُعطي ويمنع أي يفعل الإعطاء والمنع، وجُوز أن يكون اسمُ كان أو فاعله ضميرَ كلُّ بحذف المضافِ أي كان صاحبه عنه مسؤولاً أو مسؤولاً صاحبُه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} [الآية: 35]. قال بعضهم: أوفوا الكيل فإن وزنك موزون وكيلك مكيل، إن وفّيت وفَّى لك وإن نقصت نقص عليك.
القشيري
تفسير : كما تدين تدان، وكما تعامِلُ تُجازَى، وكما تكيل يُكَالُ لكَ، وكما تكونون يكون عليكم، ومَنْ وَفَى وفَوْا له، ومَنْ خان خانوا معه، وأنشدوا: شعر : أسَأْنا فساءوا.. عَدْلٌ بلا حيفٍ ولو عَدَلْنا لَخُلِّصْنا من المِحَنِ
اسماعيل حقي
تفسير : {واوفوا بالعهد} سواء جرى بينكم وبين ربكم او بينكم وبين غيركم من الناس والايفاء بالعهد والوفاء به هو القيام بمقتضاه بالمحافظة عليه ولا يكاد يستعمل الا بالباء فرقا بينه وبين الايفاء الحسى كايفاء الكيل والوزن {ان العهد كان مسئولا} مطلوبا يطلب من المعاهد ان لا يضيعه ويفى به فمسؤلا من سألته الشئ او كان مسؤولا عنه على ان يكون من سألته عن الشئ فيكون من باب الحذف والايصال فان جعل الضمير بعد انقلابه مرفوعا مستكنا فى اسم المفعول كقوله تعالى{أية : وذلك يوم مشهود}تفسير : اى مشهود فيه. وفى الكواشى او يسأل حقيقة توبيخا لنا كثيه كسؤال الموؤدة لم قتلت توبيخا لقاتلها فيكون تمثيلا اى جعل العهد متمثلا على هيئة من يتوجه السؤال اليه كما تجعل الحسنات اجساما نورانية والسيآت اجساما ظلمانية فتوزن كما فى حواشى سعدى المفتى {وافوا الكيل} اى اتموه ولا تخسروه {اذا كلتم} وقت كيلكم للمشترين وتقييدا لامر بذلك لان التطفيف هناك واما وقت الاكتيال على الناس فلا حاجة الى الامر بالتعديل قال تعالى {اذا اكتالوا على الناس يستوفون} {وزنوا بالقسطاس} وهو القرسطون اى القبان وهو معرب كبان بمعنى الميزان العظيم او هو كل ما يوزن به من موازين العدل صغيرا كان او كبيرا. قال بعضهم هو معرب رومى ولا يقدح ذلك فى عربية القرآن لانتظام المعربات فى سلك الكلم العربية. وقال فى بحر العلوم والجمهور على انه عربى مأخوذ من القسط وهو العدل وهو الاصح فان كان من القسط وجعلت العين مكررة فوزنه فعلاس والا فهو رباعى على وزن فعلال {المستقيم} اى العدل السوى ولعل الاكتفاء باستقامته عن الامر بايفاء الوزن لما انه عند استقامته لا يتصور الجور غالبا بخلاف الكيل فان كثير ما يقع التطفيف مع استقامة الآلة كما ان الاكتفاء بايفاء الكيل عن الامر بتعديله لما ان ايفاءه لا يتصور بدون تعديل المكيال وقد امر بتقويمه ايضا فى قوله تعالى {أية : اوفوا المكيال والميزان بالقسط}تفسير : {ذلك} اى ايفاء الكيل والوزن السوى {خير} لكم فى الدنيا اذ هو امانة توجب الرغبة فى معاملته والذكر الجميل {واحسن تأويلا} عاقبة تفعيل من آل اذا رجع والمراد ما يؤول اليه. اعلم ان رابع الخصال العشر المذمومة الغضب وهى فى قوله تعالى {أية : ولا تقتلوا النفس التى حرم الله الا بالحق}تفسير : فان استيلاء الغضب يورث القتل بغير الحق فبدله بالحكم فى قوله {أية : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} تفسير : وفى الحديث "حديث : قرب بالخلائق من عرش الرحمن يوم القيامة المؤمن الذى قتل مظلوما رأسه عن يمينه وقاتله عن شماله واوداجه تشخب دما فيقول رب سل هذا لم قتلنى فبم حال بينى وبين صلواتى فيقول الله تعست ويذهب به الى النار " تفسير : قال انوشروان اربع قبائح وهى فى اربعة اقبح البخل فى الملوك والكذب فى القضاة والحدة فى العلماء اى شدة الغضب والوقاحة فى النساء وهى قلة الحياة قيل الحلم حجاب الآفات. وخامسها الاسراف فان الافراط فى كل شئ يورث الاسراف فبدله بالقوام فى قوله {أية : فلا يسرف فى القتل انه كان منصورا}تفسير : وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما حديث : مر رسول الله بسعد وهو يتوضأ فقال "ما هذا السرف يا سعد" قال أفى الوضوء سرف "قال نعم وان كنت على نهر جار " تفسير : وسادسها الحرص وهو فى قوله {أية : ولا تقربوا مال اليتيم}تفسير : فان التصرف فى مال اليتيم من الحرص فبدله بالقناعه فى قوله {إلاّ بالتى هى أحسن} قيل لحكيم ما بال الشيخ أحرص على الدنيا من الشاب قال لانه ذاق من طعم الدنيا ما لم يذقه الشاب: قال الصائب شعر : ريشه نخل كهن سال ازجوان افزونترست بيشتر دلبستكى باشد بدينار بير را تفسير : وعن الثورى رحمه الله من باع الحرص بالقناعة فقد ظفر بالغنى. وسابعها نقض العهد فبدله بالوفاء به بقوله {أية : واوفوا بالعهد ان العهد كان مسئولا}تفسير : [سلمى آورده كه خدا يرا عهد هست برجوارح آدمى بملازمت آداب وبر نفس او باداء فرائض وبردل او بخوف وخشيت وبرجان او بآنكه از مقام قرب دور نشود وبر سر او بآنكه مشاهده ما سوى نكند وازهر عهدى خواهند برسيد] شعر : تاكسى از عهده آن عهد جون برون تفسير : ولا شك ان اخوان الزمان ليس وفاء لا بحقوق الله تعالى ولا بحقوق الناس: حافظ شعر : وفا مجوى زكس ورخسن نمى شنوى بهره ز طالب سيمرغ وكيميا ميباش تفسير : وثامنها الخيانة فبدلها بالامانة بقوله {واوفوا الكيل اذا كلتم} الآية. واختضر رجل فاذا هو يقول جبلين من نار جبلين من نار فسئل اهله عن عمله فقالوا كان له مكيالان يكيل باحدهما ويكتال بالآخر. وعن ابن عباس رضى الله عنهما اتى رسول الله التجار فقال "حديث : يا معشر التجار ان الله باعثكم يوم القيامة فجارا الا من صدق ووصل وادى الامانة"تفسير : وفى نوابغ الكلم الامين آمن والخائن خائن وهو من الحين بمعنى الهلاك ولله در القائل شعر : امين مجوى ومكو باكسى امانت عشق درين زمانه مكر جبرائيل امين باشد
الجنابذي
تفسير : {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ} الوفاء والايفاء بمعنىً لكن فى الايفاء مبالغة {إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ} الموزونات {بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} فسّر القسطاس فى الخبر بالميزان الّذى له كفّتان ولسان {ذٰلِكَ خَيْرٌ} فى الدّنيا بحسن الصّيت والخروج من رذيلة السّرقة والخديعة {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} غايةً او ارجاعاً او مرجوعيّةً الى الغايات لانّ غايته فى الدّنيا جلب البركة وفى الآخرة سهولة المحاسبة وحسن المثوبة.
اطفيش
تفسير : {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ} أتموه لا تنقصوه. {إِذَا كِلْتُمْ} من أموالكم لغيركم. {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ} بضم القاف وقراءة حمزة والكسائى وحفص بكسره هنا وفى الشعراء وهو لفظ روى وقيل فارسى استعملته العرب وأجرته فى كلامهم معرباً منكراً أو معرفاً مفرداً أو مثنى أو مجموعاً جمع تكسير فكان عربياً ومعناه الميزان صغيراً أو كبيراً من موازينه الدنانير أو الدراهم أو غيرها، وقيل هو القبان، وقيل القرسطون، وقيل هو عربى بوزن فعلال بضم الفاء وكسرها للمبالغة فى القسط بمعنى العدل وهو الصحيح. {الْمُسْتَقِيم} المعتدل السوى والتفاوت الحاصل بنقص الكيل والوزن قليل والوعيد عليه شديد، لأَن جميع الناس محتاجون إِلى المعاوضة والبيع والشراء فبالغ الله سبحانه وتعالى فى مع التطفيف إبقاء للمال على أربابه. قال عياض سمعت أبى يقول: أرأيت الواعظ بالفضل الجوهرى فى جامع عمرو بن العاص يعظ الناس فى الوزن فقال: إن فى هيئة اليد بالميزان عظة وذلك أن الأَصابع فى حال الوزن يحيى منها صورة مكتوبة ألف ولا مان وهاء وكل الميزان يقول: الله، وذلك أن الإِصبع الصغرى كأَلف والتى تليها والوسطى لامان والباقيتان إِذا حلقتا على الميزان، وإن ضم أعلاهما على ما قبضتا عليه صارتا هاء {ذَلِكَ} المذكور من إِيفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم والإِيفاء بالعهد أو المذكور من إِيفاء الكيل والوزن. {خَيْرٌ وَأحْسَنُ} من غيره وذلك أن إخلاف العهد ونقص الكيل والوزن تختاره النفس وتستحسنه كسائر حظوظها العاجلة والإِيفاء بذلك من خير إِخلاف الوعد ونقص الكيل والوزن وأحسن منهما لأَن الإِيفاء سبب للبركة فى الدنيا وثواب الآخرة {تَأْوِيلاً} أى عاقبة يرجع إِليها أمره وهو بوزن تفعيل من آل يئول بمعنى رجع بوزن قال يقول.
اطفيش
تفسير : {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ} إذا أردتم الكيل فكيلوا بلا نقص فى البيع والشراء، وسائر قضاء الحقوق مما يكال، والأمر للوجوب، ولو أريد الزيادة من البائع أو نحوه لم تقدر الإرادة، وكان الأمر للندب، والخطاب للبائعين، ومَن عليهم الحقوق فى الكيل، وعليهم الكيل، وإن كال غيرهم فعليهم أجرة الكيال لا على المشترى مثلا، وإن أذن البائع للمشترى أن يكيل، ورضى المشترى جاز، ولا أجرة له إلا إن شرطها، ولكن لا يناسبه الأمر بالإيفاء إلا من جهة أن البائع يأمره بالإيفاء أو لا يعطله عنه. أو على معنى اقتصر أيها المشترى على الإيفاء لا تجاوزه إلى الزيادة، وأنت خبير بأن الآية لا تحصل على المعنيين معاً على الصحيح، فليقتصر على الأول، وهو كيل البائع وكذلك أجرة النقاد على من يعطى الثمن، وهو المشترى وإن احتاج المبيع إلى النقد فأجرة النقاد على البائع، والضابط أن من عليه الفعل فعليه أُجرة فاعلة. {وَزِنُوا بِالقِسْطَاسِ} الميزان الصغير والكبير، بلغة الروم، عُرّب، وكان العرب ينطقون به فلم يخرج به القرآن عن أن يكون عربيا، فهو من كلام العرب إذ كانوا ينطقون به حكاية، ولا سيما أنه قد عُرِّب أى أصلح فلا حاجة إلى تأويل قرآنا عربيًّا، بأن المراد الغالب، أو أنه عربى الأسلوب، وفى اللباب أنه عربى فى الأصل، وأنه هو الأصح، وقيل: القسطاس القبان، وهو القرسطون بلغة الشام، وعن قتادة: العدل من القسط بمعنى العدل، فهو عربى مكرر اللام، وزنه فعلال، لا العين بوزن فعلاع، ويضعف أنه مركب من قسط، أى عدل وطاس أى كفة حذفت إحدى الطاءين. {الْمُسْتَقِيمِ} السوىّ {ذَلِكَ} أى المذكور من إيفاء العهد والكيل والوزن بالقسطاس المستقيم {خَيْرٌ} منفعة لكم دنيا وأخرى بالنجاة من العذاب، والفوز بأداء الواجب، وثواب ما زاد، وفى خلافه مضرة فيهما عكس ما ذكر أو أفضل لكم من عدمه، إِذ تتوهمون أن فى نقض العهد، والتطفيف خيراً وهو ما يبقى لكم من مثمن أو ثمن، وما يعطى المعهود. {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} حسن رجعاً وفى خلافه قبح، وخير الإيفاء النجاة من عذاب التطفيف، والفوز بثواب الإيفاء لقاصده، وإقبال الناس عليه بالمعاملة والمدح، والتأويل بفعيل من آل يئول بمعنى رجع، كأنه قيل: وأحسن عاقبة، وهو خارج عن التفضيل، وليس التأويل بمعنى التفسير أوا لعاقبة خارجاً من ذلك، بل مبنى عليه.
الالوسي
تفسير : {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ} أتموه ولاتخسروه {إِذا كِلْتُمْ} أي وقت كيلكم للمشترين. وتقييد الأمر به لما أن التطفيف يكون هناك، وأما وقت الاكتيال على الناس فلا حاجة إلى الأمر بالتعديل قال تعالى: {أية : إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} تفسير : [المطففين: 2] الآية {وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ} هو القبان على ما روي عن الضحاك ويقال له القرسطون بلغة أهل الشام كما قال الأزهري، وقال الزجاج: هو الميزان صغيراً كان أو كبيراً من موازين الدراهم وغيرها، وقال الليث: هو أقوم الموازين، وأخرج ابن أبـي حاتم عن قتادة أنه العدل، وعن الحسن أنه الحديد وهو رومي معرب كما قال ابن دريد لفقد مادته في العربية، وقيل: إنه عربـي وروي القول بتعريبه وأنه الميزان في اللغة الرومية عن ابن جبير وجماعة، وقيل: هو مركب من كلمتين القسط وهو العدل وطاس وهو كفة الميزان لكنه حذف أحد الطائين لأن التركيب محل تخفيف وهو كما ترى، وعلى القول بأنه رومي معرب وهو الصحيح لا يقدح استعماله في القرآن في عربيته المذكورة في قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْانًا عَرَبِيّا } تفسير : [يوسف: 2] لأنه بعد التعريب والسماع في فصيح الكلام يصير عربياً فلا حاجة إلى إنكار تعريبه أو ادعاء التغليب أو أن المراد عربـي الأسلوب. وقد قرأه الكوفيون بكسر القاف والباقون بضمها، وقد تبدل السين الأولى صاداً كما أبدلت الصاد سيناً في الصراط. {الْمُسْتَقِيمِ} أي العدل السوي، وهو يبعد تفسير القسطاس بالعدل «ولعل الاكتفاء باستقامته عن الأمر بإيفاء الوزن كما قال شيخ الإسلام لما أن عند استقامته لا يتصور الجور غالباً بخلاف الكيل فإنه كثيراً ما يقع التطفيف مع استقامة الآلة كما أن الاكتفاء بإيفاء الكيل عن الأمر بتعديله لما أن إيفاءه لا يتصور بدون تعديل المكيال وقد أمر بتقويمه أيضاً في قوله تعالى: {أية : أَوْفُوا ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [هود: 85]». {ذٰلِكَ} أي إيفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم {خَيْرٌ} في الدنيا لأنه سبب لرغبة الناس في معاملة فاعله وجلب الثناء الجميل عليه {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي عاقبة لما يترتب عليه من الثواب في الآخرة. والتأويل تفعيل من آل إذا رجع وأصله رجوع الشيء إلى الغاية المرادة منه علماً كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 7] أو فعلاً كما في قوله سبحانه{أية : يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ}تفسير : [الأعراف: 53] وقول الشاعر:شعر : وللنوى قبل يوم البين تأويل تفسير : وقيل: المراد ذلك خير في نفسه لأنه أمانة وهي صفة كمال وأحسن عاقبة في الدنيا لأنه سبب لميل القلوب والرغبة في المعاملة والذكر الجميل بين الناس ويفضي ذلك إلى الغنى وفي الآخرة لأنه سبب للخلاص من العذاب والفوز بالثواب، وقيل: أحسن تأويلاً أي أحسن معنى وترجمة. ثم إن إيفاء الكيل والوزن واجب إجماعاً ونقص ذلك من الكبائر مطلقاً على ما يقتضيه الوعيد الشديد لفاعله الوارد في الآيات والأحاديث الصحيحة ولا فرق بين القليل والكثير، نعم قال بعضهم: إن التطفيف بالشيء التافه الذي يسامح به أكثر الناس ينبغي أن يكون صغيرة. فإن قلت ذكروا في الغصب أن غصب ما دون ربع دينار لا يكون كبيرة وقضيته أن يكون التطفيف كذلك قلت قيل ذلك مشكل فلا يقاس عليه بل حكي الإجماع على خلافه. وقال الأذرعي إنه تحديد لا مستند له انتهى، وعلى التنزيل فقد يفرق بأن الغصب ليس مما يدعو قليله إلى كثيره لأنه إنما يكون على سبيل القهر والغلبة بخلاف التطفيف فتعين التنفير عنه بأن كلاً من قليله وكثيره كبيرة أخذاً مما قالوه في شرب القطرة من الخمر من أنه كبيرة وأن لم يوجد فيها مفسدة الخمر لأن قليله يدعو إلى كثيره، ومثل التطفيف في الكيل والوزن النقص في الذرع. ولا يكاد يسلم كيال أو وزان أو ذراع في هذه الأعصار من نقص إلا من عصمه الله تعالى.
ابن عاشور
تفسير : هذان حكمان هما الثاني عشر والثالث عشر من الوصايا التي قضى الله بها. وتقدم القول في نظيره في سورة الأنعام. وزيادة الظرف في هذه الآية وهو {إذا كلتم} دون ذكر نظيره في آية الأنعام لما في (إذا) من معنى الشرطية فتقتضي تجدد ما تضمنه الأمر في جميع أزمنة حصول مضمون شرط (إذا) الظرفية الشرطية للتنبيه على عدم التسامح في شيء من نقص الكيل عند كل مباشرة له. ذلك أن هذا خطاب للمسلمين بخلاف آية الأنعام فإن مضمونها تعريض بالمشركين في سوء شرائعهم وكانت هنا أجدر بالمبالغة في التشريع. وفعل (كال) يدل على أن فاعله مباشرُ الكيل، فهو الذي يدفع الشيء المكيل، وهو بمنزلة البائع، ويقال للذي يقبض الشيء المكيل: مكتال. وهو من أخوات باع وابتاع، وشرى واشترى، ورهن وارتهن، قال تعالى: {أية : الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون}تفسير : [المطففين: 2، 3]. و القُسطاس بضم القاف في قراءة الجمهور. وقرأه بالكسر حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف. وها لغتان فيه، وهو اسم للميزان أي آلة الوزن، واسم للعدل، قيل: هو معرب من الرومية مركب من كلمتين قسط، أي عدل، وطاس وهوَ كفة الميزان. وفي صحيح البخاري «وقال مجاهد: القُسطاس: العدل بالرومية». ولعل كلمة قسط اختصار لقسطاس لأن غالب الكلمات الرومية تنتهي بحرف السين. وأصله في الرومية مضموم الحرف الأول وإنما غيَّره العرب بالكسر على وجه الجواز لأنهم لا يتحرون في ضبط الكلمات الأعجمية. ومن أمثالهم «أعجمي فالعَب به ما شئت». ومعنى العدل والميزان صالحان هنا، لكن التي في الأنعام جاء فيها {بالقِسط} فهو العدل لأنها سيقت مساق التذكير للمشركين بما هم عليه من المفاسد فناسب أن يذكروا بالعدل ليعلموا أن ما يفعلونه ظلم. والباء هنالك للملابسة. وهذه الآية جاءت خطاباً للمسلمين فكانت أجدر باللفظ الصالح لمعنى آلة الوزن، لأن شأن التشريع بيان تحديد العمل مع كونه يومىء إلى معنى العدل على استعمال المشترك في معنييه. فالباء هنا ظاهرة في معنى الاستعانة والآلة، ومفيدة للملابسة أيضاً. والمستقيم: السوي، مشتق من القَوام ــــ بفتح القاف ــــ وهو اعتدال الذات. يقال: قومته فاستقام. ووصف الميزان به ظاهر. وأما العدل فهو وصف له كاشف لأن العدل كله استقامة. وجملة {ذلك خير} مستأنفة. والإشارة إلى المذكور وهو الكيل والوزن المستفاد من فعلي {كلتم} و{زنوا}. و{خير} تفضيل، أي خير من التطفيف، أي خير لكم. فضل على التطفيف تفضيلاً لخير الآخرة الحاصل من ثواب الامتثال على خير الدنيا الحاصل من الاستفضال الذي يطففه المطفف، وهو أيضاً أفضل منه في الدنيا لأن انشراح النفس الحاصل للمرء من الإنصاف في الحق أفضل من الارتياح الحاصل له باستفضال شيء من المال. والتأويل: تفعيل من الأول، وهو الرجوع. يقال: أولَه إذا أرجعه، أي أحسن إرجاعاً، إذا أرجعه المتأمل إلى مراجعه وعواقبه، لأن الإنسان عند التأمل يكون كالمنتقل بماهية الشيء في مواقع الأحوال من الصلاح والفساد فإذا كانت الماهية صلاحاً استقر رأي المتأمل على ما فيها من الصلاح، فكأنه أرجعها بعد التطواف إلى مكانها الصالح بها وهو مقرها، فأطلق على استقرار الرأي بعد التأمل اسم التأويل على طريقة التمثيل، وشاع ذلك حتى ساوى الحقيقة. ومعنى كون ذلك أحسنَ تأويلاً: أن النظر إذا جال في منافع التطفيف في الكيل والوزن وفي مضار الإيفاء فيهما ثم عاد فجال في مضار التطفيف ومنافع الإيفاء استقر وآل إلى أن الإيفاء بهما خير من التطفيف، لأن التطفيف يعود على المطفف باقتناء جزء قليل من المال ويكسبه الكراهية والذم عند الناس وغضب الله والسحتَ في ماله مع احتقار نفسه في نفسه، والإيفاء بعكس ذلك يكسبه ميل الناس إليه ورضَى الله عنه ورضاه عن نفسه والبركة في ماله فهو أحسن تأويلاً. وتقدم ذكر التأويل بمعانيه في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير.
د. أسعد حومد
تفسير : (35) - وَالوَفَاءُ بِالْكَيْلِ وَالاسْتِقَامَةُ فِي الوَزْنِ هُمَا مِنْ أَمَانَاتِ التَّعَامُلِ، يَسْتَقِيمُ بِهِمَا التَّعَامُلُ فِي الجَمَاعَةِ، وَتَتَوَافَرُ بِهِمَا الثِّقَةُ فِي النُّفُوسِ، وَلِذلِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَأْمُرُ المُؤْمِنينَ بِإِيفَاءِ الكَيْلِ وَالْمِيزَانِ وَإِتْمَامِهِمَا مِنْ غَيْرِ بَخْسٍ وَلاَ تَطْفِيفٍ، وَبِأَنْ يَزِنُوا بِمِيزَانٍ عَادِلٍ سَلِيمٍ مَضْبُوطٍ (المُسْتَقِيمِ). ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى إِنَّ الوَفَاءَ بِالعَهْدِ وَإِيفَاءِ الكَيْلِ وَالوَزْنِ خَيْرٌ لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا مِنَ النَّكْثِ بِالعَهْدِ، وَبَخْسِ النَّاسِ حَقَّهُمْ فِي المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ، وَأَحْسَنُ عَاقِبَةً وَمُنْقَلَباً فِي الآخِرَةِ. بِالقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ - بِالمِيزَانِ العَدْلِ المَضْبُوطِ الصَّحِيحِ. أَحْسَنُ تَأْوِيلاً - أَحْسَنُ مَالاً وَعَاقِبَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تنتقل بنا الآيات إلى قضية من أخطر قضايا المجتمع، هذه القضية هي التي تضمن للإنسان نتيجة عرقه وثمار جهده وتعبه في الحياة، ويطمئن أنها عائدة عليه لا على هذه الطبقة الطفيلية المتسلطة التي تريد أن تعيش على أكتاف الآخرين وتتغذى على دمائهم. وبذلك ييأس الكسول الخامل، ويعلم أنه ليس له مكان في مجتمع عامل نشيط، وأنه إنْ تمادى في خموله فلن يجد لقمة العيش فيأخذ من ذلك دافعاً للعمل، وبذلك تزداد طاقة العمل ويَرْقى المجتمع ويسعد أفراده. صحيح في المجتمع الإيماني إيثار، لكنه الإيثار الإيجابي النابع من الفرد ذاته، أما الخطف والسرقة والاختلاس والغَصب فلا مجال لها في هذا المجتمع؛ لأنه يريد لحركة الحياة أن تستوعب الجميع فلا يتطفل أحد على أحد. وإن كنا نحارب الأمراض الطفيلية التي تتغذى على دماء الإنسان فإن محاربة الطفيليات الآدمية أَوْلَى بهذه المحاربة. فما دُمْتَ قادراً على العمل فيجب أن تعمل، أما غير القادرين من أصحاب الأعذار فهم على العين والرأس، ولهم حَقٌ مكفول في الدولة وفي أعناق المؤمنين جميعاً، وهذا هو التأمين الذي يكفله الإسلام لكل محتاج. لذلك نقول للغني الذي يسهم في سَدَّ حاجة الفقير: لا تتأفف ولا تضجر إنْ أخذنا منك اليوم؛ لأن الطاقة التي عملت بها واجتهدتَ وجمعتَ هذا المال طاقة وقدرة ليست ذاتية فيك، بل هي هِبَة من الله يمكن أنْ تُنزعَ منك في أي وقت، وتتبدَّل قوتك ضعفاً وغِنَاك حاجة، فإنْ حدث لك ذلك فسوف نعطيك ونُؤمِّن لك مستقبلك. لذلك على الإنسان أن يعيش في الحياة إيجابياً، يعمل ويكدح ويُسهِم في رُقيّ الحياة وإثرائها، ولا يرضى لنفسه التقاعس والخمول؛ لأن المجتمع الإيماني لا يُسوِّي بين العامل والقاعد، ولا بين النشيط والمتكاسل. وهَبْ أن شقيقين اقتسما ميراثاً بينهما بالتساوي؛ الأول عاش في ماله باقتصاد وأمانة وسَعَى فيه بجدّ وعمل على تنميته، أما الآخر فكان مُسْرفاً مُنحرفاً بدَّد كل ما يملك وقعد مُتحسّراً على ما مضى، فلا يجوز أنْ نُسوِّي بين هذا وذاك، أو نأخذ من الأول لنُعطيَ للآخر، إياك أن تفعل هذا لأن الإنسان وكذلك الدول - إذا أخذتْ ما ليس لها حمّلها الله ما ليس عليها. ولذلك لا يجوز أن نحقد على الغني طالما أن غِنَاه ثمرة عمله وكَدِّه ونتيجة سعيه، وطالما أنه يسير في ماله سَيْراً معتدلاً ويؤدي ما عليه من حقوق للمجتمع، ولندعه يعمل بكل ما يملك من طاقات ومواهب، وبكل ما لديه من طموحات الحياة؛ لأن الفقير سوف يستفيد منه ومن طموحاته شاء أم أبى. فدَعْه يجتهد، وإنْ كان اجتهاده في الظاهر لنفسه فإنه في الحقيقة يعود عليك أيضاً، والخير في المجتمع تعود آثاره على الجميع. لنفرض أن أحد هؤلاء الأغنياء أراد أن يبني مصنعاً أو عمارة أو مشروعاً كبيراً، فكم من العمال والصناع، وكم من الموظفين والمهندسين سيستفيدون من هذا المشروع؟ إن الغني لن يملك مثل هذه الإنجازات إلا بعد أن يصبح ثمنها قُوتاً في بطون الفقراء وكسوة على أجساد الفقراء. إذن: علينا أنْ ندعَ الغني يجتهد ويسعى؛ لأن المجتمع سوف يستفيد من سَعْيه واجتهاده، وما عليك إلا أن تراقبه، فإنْ كان سعيُه في الحق فبها ونعمتْ، وإنْ كان في غير الحق فلتضرب على يده. وإليك ما يضمن لك سعادة الحياة وسلامة الحركة فيها، يقول تعالى: {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ..}[الإسراء: 35]. والحديث هنا لا يخصُّ الكيْل فقط، بل جميع المقادير المستخدمة في حركة الحياة مثل المقادير الطولية مثلاً، والتي تُقدّر بالملليمتر أو السنتيمتر أو المتر أو الكيلو متر وتُقاسُ بها الأشياء كُلٌّ على حَسْبه، فالكتاب مثلاً يُقَاس بالسنتيمتر، والحجرة تُقَاس بالمتر، أما الطريق فيُقاس بالكيلومتر وهكذا. إذن: فالتقدير الطُّولي يجب أن تتناسب وحدة القياس فيه مع الشيء الذي نقيسه. هذا في الطوليات، أما في المساحات فيأتي الطول والعرض، وفي الأحجام: الطول والعرض والارتفاع. وفي الكُتَل يأتي الميزان. إذن: فالحياة محكومة في تقديرات الأشياء بالكيْل الذي يُبيِّن الأحجام، وبالميزان الذي يُبيّن الكتلة؛ لأن الكيْل لا دخلَ له في الكتلة، إنما الكتلة تُعرف بالميزان، بدليل أن كيلو القطن مثلاً أكبر بكثير من كيلو الحديد. ومعنى ذلك أن ميزان التقدير يجب أن يكون سليماً؛ لذلك يقول تعالى: {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ ..}[الإسراء: 35] يعني: أعطوا المقادير على قدر المطلوب من الطرفين دون نقص. وقد قال تعالى في آية أخرى: {أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}تفسير : [المطففين: 1-3]. ومعنى المطففين الذين يزيدون، وهؤلاء إذا اكتالوا على الناس، أي: أخذوا منهم. أخذوا حَقَّهم وافياً، وهذا لا لَوْم عليه، وإنما اللوم على: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}تفسير : [المطففين: 3]. أي: إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم {يُخْسِرُونَ} أي: ينقصون. هذا هو موضع الذمِّ ومجال اللوْم في الآية؛ لأن الإنسان لا يُلام على أنه استوفى حَقَّه، بل يُلام على أنه لم يُسَوِّ بينه وبين الآخرين، ولم يعامل الناس بمثل ما يحب أنْ يُعاملوه به. ونلاحظ أن الكثيرين يفهمون أن التطفيف يكون في الكَيْل والميزان فحسب، لكنه أيضاً في السعر، فالبائع الذي ينقصك الكيلو عشرين جراماً مثلاً فقد بخسَك في الوزن، وطفَّف عليك في الثمن أيضاً. ثم يقول تعالى: {وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ..} [الإسراء: 35] أي: اجعلوا الوزن دقيقاً مستقيماً لا جَوْرَ فيه. والمتأمل يجد أن الحق سبحانه وتعالى حينما أراد دقة الأحجام في تعاملات الناس أمرهم بإيفاء الكيل حَقَّه، هكذا: {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ ..} [الإسراء: 35]. أما في الوزن فقد ركز على دِقَّته، وجَعَله بالقسطاس، ليس القسطاس فحسب بل المستقيم، إذن: لماذا هذه الدِّقة في الميزان بالذات؟ لو نظرتَ إلى عملية الكيْل لوجدتها واضحة مكشوفة، قَلَّما يستطيع الإنسان الغِشَّ فيها، وكثيراً ما ينكشف أمره ويُعلَم تلاعبه؛ لأن الكيْل أمام الأعين والتلاعب فيه مكشوف. أما الوزن فغير ذلك، الوزن مجال واسع للتلاعب، ولدى التجار ألف طريقة وطريقة يبخسون بها الوزن دون أن يدري بهم أحد؛ لأن الميزان كما نعلم رافعة من النوع الأول، عبارة عن محور ارتكاز في الوسط، وكِفَّة القوة في ناحية، وكِفَّة المقاومة في الناحية الأخرى، فأيُّ نَقْص في الذراعين يفسد الميزان، وأيُّ تلاعب في كِفة القوة أو المقاومة يفسد الميزان. ولو تحدثنا عن ألاعيب البائعين في أسواقنا لطال بنا المقام؛ لذلك أكد الحق سبحانه وتعالى على الدقة في الميزان خاصة؛ لأنه مجال واسع للغشِّ والخداع وأَكْل أموال الناس. وسبق أن أوضحنا أن ميزان كُلِّ شيء بحسبه، ويتناسب مع قيمته ونفاسته، فالذي يزن الجير مثلاً غير الذي يزن اللوز، غير الذي يزن الذهب أو الألماس؛ لذلك من معاني (القسطاس المستقيم) أن يتناسب الميزان مع قيمة الموزون، فالذي يبيع الذهب مثلاً يزن أشياء ثمينة مهما كانت قليلة في الميزان؛ فإنها تساوي الكثير من المال. لذلك فإن أهل الخبرة في هذه المسألة يقولون: احذر أن يُدخِل البائع رأسه قريباً من الميزان؛ لأنه قد ينفخ في كِفَّة الميزان، ولا شكَّ أنك ستخسر كثيراً من جَرَّاء هذه النفخة!! لذلك نقول لهؤلاء الذين أخذت أيديهم على الغش والخداع في البيع والشراء: أنت تبيع للناس شيئاً واحداً وتغشهم فيها، وفي الوقت نفسه تشتري أشياء كثيرة من متطلبات الحياة، فاعلم جيداً أنك إنْ غششْتَ الناس في سلعة واحدة فسوف تُغشّ في مئات السلع، وأنت بذلك خاسر لا محالة. مهما دارت بك الأوهام والظنون فحسبت أن المسألة في صالحك. ولا تنسَ أن فوقك قيُّوماً، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا تخفى عليه من أمرك خافية، وسوف يُسلِّط عليك مَنْ يسقيك بنفس كأسك إلى أنْ تتبينَ لك حقيقة هذه الصفقة الخاسرة؛ لأنك إن عَمَّيْتَ على قضاء الأرض فلن تُعمِّي على قضاء السماء، وسوف تذهب هذه الأموال التي اختلستها من أقوات الناس من حيث أتت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أصاب مالاً من مهاوش أذهبه الله في نهابر ". تفسير : وكذلك في المقابل: مَنْ صدق الناس، ووفّى لهم في بيعه وشرائه وتعاملاته يسَّر الله له مَنْ يُوفِّي له ويصدُق معه. ثم يقول تعالى: {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [الإسراء: 35]. {ذٰلِكَ} أي: الوزن بالقسطاس المستقيم خير وأحسن {تَأْوِيلاً} أي: عاقبة، ومعنى ذلك أن المقابل له ليس خيراً ولا أحسن عاقبة. فالذي يغش الناس ويخدعهم يظن أنه بغشِّه يزيد في ماله ويجلب الخير لنفسه. نقول له: أنت واهم، فليس في الغش والبخس خير والزيادة عن طريقه هي عين النقص، لأن الحق سبحانه وتعالى سيُجرِّئ الناس عليك فيغشوك، هذه واحدة ثم لا يلبث الناس أن يكتشفوا تلاعبك في الكيل والميزان فينصرفون عنك ويقاطعونك. إذن: عدم الوزن بالقِسْطاس المستقيم لا هو خَيْر، ولا هو أحسن عاقبة. أما التاجر الصادق الذي يُوفِي الكيل والميزان، فإن الله تعالى يُيَسِّر له من يُوفِي له الكَيْل والميزان، وكذلك يشتهر بين الناس بصدقه وأمانته، فيقبلون عليه ويحرصون على التعامل معه. وهذا هو المراد بقوله تعالى: {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [الإسراء: 35] أي: أحسن عاقبة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} معناهُ العَدلُ. واسم القِسطاسِ لَفظةٌ رُومِيةٌ ومعناهُ بِالعَدلِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا أمر بالعدل وإيفاء المكاييل والموازين بالقسط من غير بخس ولا نقص. ويؤخذ من عموم المعنى النهي عن كل غش في ثمن أو مثمن أو معقود عليه والأمر بالنصح والصدق في المعاملة. { ذَلِكَ خَيْرٌ } من عدمه { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا } أي: أحسن عاقبة به يسلم العبد من التبعات وبه تنزل البركة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 520 : 22 : 37 - سفين عن جابر عن مجاهد {وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} قال العدل بالرومية. [الآية 35].
همام الصنعاني
تفسير : 1565- حدثنا عبد الرزاق، قال: أبنأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَسَنُ تَأْوِيلاً}: [الآية: 35]، قال: عاقبةً وثواباً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):