١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما شرح الأوامر الثلاثة، عاد بعده إلى ذكر النواهي فنهى عن ثلاثة أشياء: أولها: قوله: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } وقوله: {تَقْفُ } مأخوذ من قولهم: قفوت أثر فلان أقفو قفواً وقفواً إذا اتبعت أثره، وسميت قافية الشعر قافية لأنها تقفو البيت، وسميت القبيلة المشهورة بالقافة، لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوال الإنسان، وقال تعالى: { أية : ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا } تفسير : [الحديد: 27] وسمي القفا قفا لأنه مؤخر بدن الإنسان كأنه شيء يتبعه ويقفوه فقوله: {وَلاَ تَقْفُ } أي ولا تتبع ولا تقتف ما لا علم لك به من قول أو فعل، وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوماً، وهذه قضية كلية يندرج تحتها أنواع كثيرة، وكل واحد من المفسرين حمله على واحد من تلك الأنواع وفيه وجوه: الوجه الأول: المراد نهي المشركين عن المذاهب التي كانوا يعتقدونها في الإلهيات والنبوات بسبب تقليد أسلافهم، لأنه تعالى نسبهم في تلك العقائد إلى اتباع الهوى فقال: { أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ إِن يَتَّبِعُونَ إلا الظن وما تهوى الأنفس } تفسير : [النجم: 23] وقال في إنكارهم البعث: { أية : بَلِ ادارَكَ عِلْمُهُمْ فِى الأَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ } تفسير : [النمل: 66] وحكي عنهم أنهم قالوا: { أية : إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } تفسير : [الجاثية: 32] وقال: { أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [القصص: 50] وقال: { أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ } تفسير : [النحل: 116] الآية وقال: { أية : هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } تفسير : [الأنعام: 148]. والقول الثاني: نقل عن محمد بن الحنفية أن المراد منه شهادة الزور، وقال ابن عباس: لا تشهد إلا بما رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك. والقول الثالث: المراد منه: النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب، وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه. القول الرابع: المراد منه النهي عن الكذب. قال قتادة: لا تقل سمعت ولم تسمع ورأيت ولم تر وعلمت ولم تعلم. والقول الخامس: أن القفو هو البهت وأصله من القفا، كأنه قول يقال خلفه وهو في معنى الغيبة وهو ذكر الرجل في غيبته بما يسوءه. وفي بعض الأخبار من قفا مسلماً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال، واعلم أن اللفظ عام يتناول الكل فلا معنى للتقليد، والله أعلم. المسألة الثانية: احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: القياس لا يفيد إلا الظن والظن مغاير للعلم، فالحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم، فوجب أن لا يجوز لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ }. أجيب عنه من وجوه: الأول: أن الحكم في الدين بمجرد الظن جائز بإجماع الأمة في صور كثيرة: أحدها: أن العمل بالفتوى عمل بالظن وهو جائز. وثانيها: العمل بالشهادة عمل بالظن وأنه جائز. وثالثها: الاجتهاد في طلب القبلة لا يفيد إلا الظن وأنه جائز. ورابعها: قيم المتلفات وأروش الجنايات لا سبيل إليها إلا بالظن وأنه جائز. وخامسها: الفصد والحجامة وسائر المعالجات بناء على الظن وأنه جائز. وسادسها: كون هذه الذبيحة ذبيحة للمسلم مظنون لا معلوم، وبناء الحكم عليه جائز. وسابعها: قال تعالى: { أية : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا } تفسير : [النساء: 35] وحصول ذلك الشقاق مظنون لا معلوم. وثامنها: الحكم على الشخص المعين بكونه مؤمناً مظنون ثم نبني على هذا الظن أحكاماً كثيرة مثل حصول التوارث ومثل الدفن في مقابر المسلمين وغيرهما. وتاسعها: جميع الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار، وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المخصوصة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة وبناء الأمر على تلك الظنون جائز. وعاشرها: قال عليه السلام: « حديث : نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر » تفسير : وذلك تصريح بأن الظن معتبر في هذه الأنواع العشرة فبطل قول من يقول: إنه لا يجوز بناء الأمر على الظن. والجواب الثاني: أن الظن قد يسمى بالعلم. والدليل عليه قوله تعالى: { أية : إِذَا جَاءكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرٰتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ } تفسير : [الممتحنة: 10] ومن المعلوم أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وذلك لا يفيد إلا الظن، فههنا الله تعالى سمى الظن علماً. والجواب الثالث: أن الدليل القاطع لما دل على وجوب العمل بالقياس، وكان ذلك الدليل دليلاً على أنه متى حصل ظن أن حكم الله في هذه السورة يساوي حكمه في محل النص، فأنتم مكلفون بالعمل على وفق ذلك الظن، فههنا الظن وقع في طريق الحكم، فأما ذلك الحكم فهو معلوم متيقن. أجاب نفاة القياس عن السؤال الأول فقالوا: قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } عام دخله التخصيص في الصور العشرة المذكورة، فيبقى هذا العموم فيما وراء هذه الصور حجة، ثم نقول: الفرق بين هذه الصور العشر وبين محل النزاع أن هذه الصور العشر مشتركة في أن تلك الأحكام أحكام مختصة بأشخاص معينين في أوقات معينة، فإن الواقعة التي يرجع فيها الإنسان المعين إلى المعنى المعين واقعة متعلقة بذلك الشخص المعين، وكذلك القول في الشهادة وفي طلب القبلة وفي سائر الصور. والتنصيص على وقائع الأشخاص المعينين في الأوقات المعينة يجري مجرى التنصيص على ما لا نهاية له، وذلك متعذر، فلهذه الضرورة اكتفينا بالظن. أما الأحكام المثبتة بالأقيسة فهي أحكام كلية معتبرة في وقائع كلية وهي مضبوطة قليلة، والتنصيص عليها ممكن ولذلك فإن الفقهاء الذين استخرجوا تلك الأحكام بطريق القياس ضبطوها وذكروها في كتبهم. إذا عرفت هذا فنقول: التنصيص على الأحكام في الصور العشر التي ذكرتموها غير ممكن فلا جرم اكتفى الشارع فيها بالظن، أما المسائل المثبتة بالطرق القياسية التنصيص عليها ممكن فلم يجز الاكتفاء فيها بالظن فظهر الفرق. وأما الجواب الثاني: وهو قولهم الظن قد يسمى علماً فنقول: هذا باطل فإنه يصح أن يقال هذا مظنون وغير معلوم، وهذا معلوم وغير مظنون، وذلك يدل على حصول المغايرة، ثم الذي يدل عليه قوله تعالى: { أية : قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } تفسير : [الأنعام: 148] نفي العلم، وإثبات للظن، وذلك يدل على حصول المغايرة، وأما قوله تعالى: { أية : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ } تفسير : [الممتحنة: 10] فالمؤمن هو المقر، وذلك الإقرار هو العلم. وأما الجواب الثالث: فهو أيضاً ضعيف، لأن ذلك الكلام إنما يتم لو ثبت أن القياس حجة بدليل قاطع وذلك باطل لأن تلك الحجة إما أن تكون عقلية أو نقلية، والأول باطل لأن القياس الذي يفيد الظن لا يجب عقلاً أن يكون حجة، والدليل عليه أنه لا نزاع أن يصح من الشرع أن يقول: نهيتكم عن الرجوع إلى القياس ولو كان كونه حجة أمراً عقلياً محضاً لامتنع ذلك. والثاني: أيضاً باطل، لأن الدليل النقلي في كون القياس حجة إنما يكون قطعياً لو كان منقولاً نقلاً متواتراً وكانت دلالته على ثبوت هذا المطلوب دلالة قطعية غير محتملة النقيض ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولعرفه الكل ولارتفع الخلاف، وحيث لم يكن كذلك علمنا أنه لم يحصل في هذه المسألة دليل سمعي قاطع، فثبت أنه لم يوجد في إثبات كون القياس حجة دليل قاطع ألبتة، فبطل قولكم كون الحكم المثبت بالقياس حجة معلوم لا مظنون، فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل. وأحسن ما يمكن أن يقال في الجواب عنه إن التمسك بهذه الآية التي عولتم عليها تمسك بعام مخصوص، والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن، فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لدلت على أن التمسك بهذه الآية غير جائز، فالقول بكون هذه الآية حجة يفضي ثبوته إلى نفيه فكان تناقضاً فسقط الاستدلال به، والله أعلم. وللمجيب أن يجيب فيقول: نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن التمسك بآيات القرآن حجة في الشريعة ويمكن أن يجاب عن هذا الجواب بأن كون العام المخصوص حجة غير معلوم بالتواتر، والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مسؤلا} فيه بحثان: البحث الأول: أن العلوم إما مستفادة من الحواس، أو من العقول. أما القسم الأول: فإليه الإشارة بذكر السمع والبصر، فإن الإنسان إذا سمع شيئاً ورآه فإنه يرويه ويخبر عنه، وأما القسم الثاني: فهو العلوم المستفادة من العقل وهي قسمان: البديهية والكسبية، وإلى العلوم العقلية الإشارة بذكر الفؤاد. البحث الثاني: ظاهر الآية يدل على أن هذه الجوارح مسؤولة وفيه وجوه: الوجه الأول: أن المراد أن صاحب السمع والبصر والفؤاد هو المسؤول لأن السؤال لا يصح إلا ممن كان عاقلاً، وهذه الجوارح ليست كذلك، بل العاقل الفاهم هو الإنسان، فهو كقوله تعالى: { أية : واسألِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] والمراد أهلها يقال له لم سمعت ما لايحل لك سماعه، ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه، ولم عزمت على ما لا يحل لك العزم عليه. والوجه الثاني: أن تقرير الآية أن أولئك الأقوام كلهم مسؤولون عن السمع والبصر والفؤاد فيقال لهم استعملتم السمع فيماذا أفي الطاعة أو في المعصية؟ وكذلك القول في بقية الأعضاء، وذلك لأن هذه الحواس آلات النفس، والنفس كالأمير لها والمستعمل لها في مصالحها فإن استعملتها النفس في الخيرات استوجبت الثواب، وإن استعملتها في المعاصي استحقت العقاب. والوجه الثالث: أنه ثبت بالقرآن أنه تعالى يخلق الحياة في الأعضاء ثم إنها تشهد على الإنسان والدليل عليه قوله تعالى: { أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [النور: 24] ولذلك لا يبعد أن يخلق الحياة والعقل والنطق في هذه الأعضاء. ثم إنه تعالى يوجه السؤال عليها.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ} أي لا تتبع ما لا تعلم ولا يَعْنِيكَ. قال قتادة: لا تقل رأيتُ وأنت لم تر، وسمعتُ وأنت لم تسمع، وعلمتُ وأنت لم تعلم؛ وقاله ابن عباس رضي الله عنهما. قال مجاهد: لا تَذُمّ أحداً بما ليس لك به علم؛ وقاله ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً. وقال محمد بن الحنفية: هي شهادة الزور. وقال القُتَبِيّ: المعنى لا تتبع الحَدْس والظنون؛ وكلها متقاربة. وأصل القَفْو البُهْتُ والقذفُ بالباطل؛ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : نحن بنو النضر بن كنانة لا نَقفو أُمَّنا ولا ننتفي من أبينا» تفسير : أي لا نَسُبّ أمنا. وقال الكُمَيت:شعر : فلا أرمي البريء بغير ذنب ولا أَقْفُو الحواصن إن قُفينا تفسير : يقال: قَفَوْتُه أقْفُوه، وقُفْتُه أَقُوفُه، وقَفّيته إذا ٱتّبَعت أثره. ومنه القافة لتتبعهم الآثار وقافية كلِّ شيء آخره، ومنه قافية الشِّعر؛ لأنها تقفو البيت. ومنه ٱسم النبيّ صلى الله عليه وسلم المُقَفِّي؛ لأنه جاء آخر الأنبياء. ومنه القائف، وهو الذي يتبع أثر الشّبَه. يقال: قاف القائف يقوف إذا فعل ذلك. وتقول: فَقَوْت الأثر، بتقديم الفاء على القاف. ابنُ عطية: ويشبه أن يكون هذا من تلعّب العرب في بعض الألفاظ، كما قالوا: رَعَمْلي في لَعَمْرِي. وحكى الطبريّ عن فرقة أنها قالت: قفا وقاف، مثل عتا وعات. وذهب منذر بن سعيد إلى أن قفا وقاف مثلُ جَبَذ وجَذَب. وبالجملة فهذه الآية تنهى عن قول الزور والقذف، وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة والرديئة. وقرأ بعض الناس فيما حكى الكسائي «تَقُفْ» بضم القاف وسكون الفاء. وقرأ الجراح «والفَآد» بفتح الفاء، وهي لغة لبعض الناس، وأنكرها أبو حاتم وغيره. الثانية: قال ابن خُوَيْزِمنداد: تضمنت هذه الآية الحكم بالقافة؛ لأنه لما قال: «وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» دلَّ على جواز ما لنا به علم، فكلّ ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه جاز أن يحكم به، وبهذا احتججنا على إثبات القُرْعة والخَرْص؛ لأنه ضرب من غلبة الظن، وقد يُسَمَّى علماً ٱتساعاً. فالقائف يُلحق الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل من طريق الشبه. وفي الصحيح عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليّ مسروراً تَبْرُق أسارير وجهه فقال: «حديث : ألم تَرَىْ أن مُجَزِّزاً نظر إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد عليهما قطيفة قد غَطّيا رؤوسهما وبَدَتْ أقدامهما فقال إن بعض هذه الأقدام لَمن بعض». تفسير : وفي حديث يونس بن يزيد: «حديث : وكان مُجَزِّز قائفاً».تفسير : الثالثة: قال الإمام أبو عبد الله المازَرِي: كانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبوه أبيضَ من القطن، هكذا ذكره أبو داود عن أحمد بن صالح. قال القاضي عِيَاض: وقال غير أحمد كان زيد أزهرَ اللون، وكان أسامة شديد الأُدْمة؛ وزيد بن حارثة عربيّ صريح من كَلْب، أصابه سِباء، حسبما يأتي في سورة «الأحزاب» إن شاء الله تعالى. الرابعة: استدل جمهور العلماء على الرجوع إلى القافة عند التنازع في الولد، بسرور النبيّ صلى الله عليه وسلم بقول هذا القائف؛ وما كان عليه السلام بالذي يُسَرّ بالباطل ولا يعجبه. ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة وإسحاق والثّوْرِيّ وأصحابهم متمسّكين بإلغاء النبيّ صلى الله عليه وسلم الشبه في حديث اللّعان: على ما يأتي في سورة «النور» إن شاء الله تعالى. الخامسة: واختلف الآخذون بأقوال القافة، هل يؤخذ بذلك في أولاد الحرائر والإماء أو يختص بأولاد الإماء، على قولين؛ فالأوّل: قول الشافعيّ ومالك رضي الله عنهما في رواية ابن وهب عنه، ومشهورُ مذهبه قَصْرُه على ولد الأَمَة. والصحيح ما رواه ابن وهب عنه وقاله الشافعيّ رضي الله عنه؛ لأن الحديث الذي هو الأصل في الباب إنما وقع في الحرائر، فإن أسامة وأباه حُرّان فكيف يُلْغَى السبب الذي خُرّج عليه دليل الحكم وهو الباعث عليه، هذا مما لا يجوز عند الأصوليين. وكذلك اختلف هؤلاء، هل يكتفَى بقول واحد من القافة أو لا بُدّ من اثنين لأنها شهادة؛ وبالأوّل قال ابن القاسم وهو ظاهر الخبر بل نصّه. وبالثاني قال مالك والشافعيّ رضي الله عنهما. السادسة: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} أي يسأل كل واحد منهم عما اكتسب، فالفؤاد يسأل عما ٱفتكر فيه واعتقده، والسمع والبصر عما رأى من ذلك وسمع. وقيل: المعنى أن الله سبحانه وتعالى يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده؛ ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كلّكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» تفسير : فالإنسان راع على جوارحه؛ فكأنه قال كل هذا كان الإنسان عنه مسؤولا، فهو على حذف مضاف. والمعنى الأول أبلغ في الحجة؛ فإنه يقع تكذيبه من جوارحه، وتلك غاية الخزي؛ كما قال: {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [يۤس: 65]، وقوله: {أية : شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [فصلت: 20]. وعبّر عن السمع والبصر والفؤاد بأولئك لأنها حواس لها إدراك، وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالة من يعقل، فلذلك عبر عنها بأولئك. وقال سيبويه رحمه الله في قوله تعالى: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } إنما قال: «رأيتهم» في نجوم، لأنه لما وصفها بالسجود وهو من فعل مَن يعقل عبّر عنها بكناية مَن يعقل؛ وقد تقدّم. وحكى الزجاج أن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل بأولئك، وأنشد هو والطبري:شعر : ذُمّ المنازل بعد منزلة اللِّوَى والعيش بعد أولئك الأيام تفسير : وهذا أمر يوقف عنده. وأما البيت فالرواية فيه «الأقوام» والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يقول: لا تقل. وقال العوفي: لا ترم أحداً بما ليس لك به علم. وقال محمد بن الحنفية: يعني: شهادة الزور. وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله، ومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى: {أية : ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ} تفسير : [الحجرات: 12] وفي الحديث: «حديث : إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث»تفسير : . وفي سنن أبي داود: «حديث : بئس مطية الرجل زعموا» تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : إن أفرى الفِرَى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا»تفسير : . وفي الصحيح: «حديث : من تحلم حلماً، كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين، وليس بفاعل».تفسير : وقوله: {كُلُّ أُولـٰئِكَ} أي: هذه الصفات؛ من السمع والبصر والفؤاد {كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} أي: سيسأل العبد عنها يوم القيامة، وتسأل عنه عما عمل فيها، ويصح استعمال أولئك مكان تلك، كما قال الشاعر:شعر : ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى والعيشَ بَعْدَ أُولئكَ الأيامِ
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَقْفُ } تتبع {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ } القلب {كُلُّ أُولٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً } صاحبه ماذا فعل به.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ولا تقف ما ليس لك به عِلْمٌ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه لا تقل ما ليس لك به علم فلا تقل رأيت، ولم تر، ولا سمعت، ولم تسمع، ولا علمت ولم تعلم. وهذا قول قتادة. الثاني: معناه ولا ترم أحد بما ليس لك به علم، وهذا قول ابن عباس. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن بني النضر كنانة لا نقْفُو أمنا ولا ننتفي من أبينا ". تفسير : الثالث: أنه من القيافة وهو اتباع الأثر، وكأنه يتبع قفا المتقدم، قال الشاعر: شعر : ومِثْلُ الدُّمى شُمُّ العَرَنِينِ سَاكِنٌ بِهِنَّ الْحَيَاءُ لا يُشِعْنَ التَّقَافِيَا تفسير : أي التقاذف. {إن السمع والبصر والفؤاد كلُّ أُولئك كان عنه مسئولاً} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الإنسان هو المسئول عن السمع والبصر والفؤاد لأنه يعمل بها إلى الطاعة والمعصية. الثاني: أن السمع والبصر والفؤاد تُسأل عن الإنسان ليكونوا شهوداً عليه، وله، بما فعل من طاعة وما ارتكب من معصية، ويجوز أن يقال أولئك لغير الناس، كما قال جرير: شعر : ذُمّ المنازِلِ بَعْدَ منزِلِةِ اللِّوى والْعَيْشَ بَعْدَ أُولَئكَ الأَيَّامِ
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا تَقْفُ}: لا تقل، أو لا ترم أحداً بما لا تعلم "ع"، أو من القيافة وهو اتباع الأثر كأنه يتبع قفا المتقدم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلاَ تَقْفُ} معناه لا تقُلْ ولا تتَّبع، واللفظة تستعملُ في القَذْف؛ ومنه قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ لاَ نَقْفُوا أُمَّنَا، وَلاَ نَنْتِفى مِنْ أَبِينَا »تفسير : ، وأصل هذه اللفظة من اتباع الأثر، تقول: قَفَوْتُ الأَثَرَ، وحكى الطبريُّ عن فرقةٍ؛ أنها قالَتْ: قَفَا وقَافَ، مثل عَثَا وعَاث، فمعنى الآية: ولا تتبع لسانَكَ من القول من ما لا عِلْمَ لك به، وبالجملة: فهذه الآية تنهى عن قول الزور والقذفِ وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة والمُرْدِيَة. {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً } عبَّر عن هذه الحواسِّ بـ {أُوْلَـٰئِكَ}. لأن لها إدراكاً وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالَةُ مَنْ يعقل. * ت *: قال * ص *: وما توهمه ابنُ عطية {أُوْلَـٰئِكَ} تختصُّ بمن يعقل ليس كذلك؛ إِذ لا خلاف بين النحاة في جواز إطلاق «أولاء» و «أولئك» على مَنْ لا يعقل. * ت *: وقد نقل * ع * الجَوَازَ عن الزَّجَّاجِ وفي ألفِيَّةِ ابْنِ مالك: [الرجز] شعر : وبأُولَىٰ أَشِرْ لِجَمْعٍ مُطْلَقَا .......................... تفسير : فقال والده بدر الدين: أي سواءٌ كان مذكَّراً أو مؤنَّثاً، وأكثر ما يستعمل فيمن يعقل، وقد يجيء لغيره؛ كقوله: [الكامل] شعر : ذُمَّ المَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى والعَيْشَ بَعْدَ أُوَلئِكَ الأَيَّامِ تفسير : وقد حكى * ع * البيْتَ، وقال: الرواية فيه «الأقوامِ»، واللَّه أعلم انتهى. والضمير في {عَنْهُ } يعودُ على ما ليس للإِنسان به عِلْم، ويكون المعنى: إِن اللَّه تعالى يَسْأَل سَمْعَ الإِنسان وبَصَره وفُؤَاده عمَّا قال مما لاَ عْلَم له به، فيقع تكذيبه مِنْ جوارحه، وتلك غايةُ الخزْي، ويحتمل أنْ يعود على {كُلٌّ } التي هي السمْعُ والبصر والفؤاد، والمعنى: إن اللَّه تعالى يسأل الإِنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده. قال صاحبُ «الكَلِمِ الفَارِقِيَّة»: لا تَدَعْ جَدْوَلَ سمِعْكَ يجرى فيه أُجَاج الباطل؛ فيلهب باطنك بنار الحِرْص على العاجل، السَّمْعُ قُمْعٌ تغور فيه المعاني المَسْمُوعة إِلى قرار وعاء القَلْب، فإنْ كانَتْ شريفةً لطيفةً، شرَّفَتْه ولطَّفَتْه وهذَّبَتْه وزكَّتْه، وإِن كانَتْ رذيلةً دنيَّةً، رذَّلَتْه وخبَّثَتْه، وكذلك البصَرُ منْفُذٌ مِنْ منافذ القَلْبِ، فالحواسُّ الخمْسُ كالجداول والرواضِعِ تَرْضَعُ من أثداءِ الأشياء التي تُلاَبِسُها، وتأخذ ما فيها من معانيها وأوصافها، وتؤدِّيها إلى القَلْب وتنهيها. انتهى. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحًا} قرأ الجمهور {مَرَحاً } بفتح الحاء مصدر: مَرِحَ يَمْرَحُ؛ إِذا تسيَّب مسروراً بدنياه، مقبلاً على راحته، فنُهِيَ الإِنسانُ أنْ يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه، وقرأت فرقةٌ: «مَرِحاً» بكسر الراء، ثم قيل له: إِنك أيها المَرِحُ المختال الفخورُ، لن تَخْرِقَ الأرض، ولن تطاول الجبال بفخْرك وكبْرك، «وخرق الأرض» قَطْعها ومَسْحها واستيفاؤها بالمشْي. وقوله سبحانهُ: {كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ } قرأ نافعٌ وابن كثير وأبو عمرو: «سَيِّئَةً» فالإِشارة بذلك على هذه القراءةِ إلى ما تقدَّم ذكره مما نهي عنه كقوله: { أية : أُفٍّ } تفسير : [الإسراء:23] وقذف الناس، والمَرَحِ، وغيرِ ذلك، وقرأ عاصم وابن عامرٍ وحمزةُ والكسائيُّ «سَيِّئُهُ» على إضافة «سَيِّىء» إلى الضمير، فتكون الإِشارة؛ على هذه القراءة إلى جميع ما ذَكَرَ في هذه الآيات؛ من بِرٍّ ومعصيةٍ، ثم اختص ذكْر السَّيِّىء منه، بأنه مكروه عند الله تعالى.
ابن عادل
تفسير : لمَّا شرح الأوامر الثلاثة، عاد بعده إلى ذكرِ النَّواهي، فنهى عن ثلاثةِ أشياء، أولها: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} العامَّة على هذه القراءة، أي: لا تتَّبعْ، من قفاه يقفوه إذا تتبَّع أثره، قال النابغة: [الطويل] شعر : 3417- ومِثلُ الدُّمى شمُّ العرانينِ ساكنٌ بِهنَّ الحياءُ لا يُشِعْنَ التَّقَافِيَا تفسير : وقال الكميت: [الوافر] شعر : 3418- فَلا أرْمِي البَرِيءَ بِغيْرِ ذَنبٍ ولا أقًفُو الحَواصِنَ إنْ قُفينَا تفسير : وقرأ زيد بن عليٍّ: "ولا تَقْفُو" بإثبات الواو، وقد تقدَّم في قراءة قنبل في قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ} تفسير : [يوسف: 90] أن إثبات حرف العلَّة جزماً لغة قومٍ، وضرورة عند غيرهم، كقوله: شعر : 3419-................... مِنْ هَجْوِ زبَّان لمْ تَهْجُو ولمْ تَدعِ تفسير : وقرأ معاذ القارئ "ولا تَقُفْ" بزنةِ تقلْ، من قاف يقُوفُ، أي: تتبَّع أيضاً، وفيه قولان: أحدهما: أنه مقلوبٌ؛ من قَفَا يَقْفُو. والثاني - وهو الأظهر-: أنه لغة مستقلة جيدة؛ كجبذ وجذبَ؛ لكثرة الاستعمالين؛ ومثله: قعا الفحل الناقة وقاعها. والباء في "به" متعلقةٌ بما تعلَّق به "لَكَ" ولا تتعلق بـ "عِلمٌ" لأنه مصدر، إلا عند من يتوسَّع في الجارِّ. قوله تعالى: {وَٱلْفُؤَادَ} قرأ الجرَّاحُ العقيلي بفتح الفاء واوٍ خالصةٍ، وتوجيهها: أنه أبدل الهمزة واواً بعد الضمة في القراءةِ المشهورة، ثم فتح فاءَ الكلمة بعد البدل، لأنَّها لغة في الفؤاد، يقال: فؤاد وفآدٌ، وأنكر أبو حاتمٍ هذه القراءة، وهو معذور. فصل يقال: قَفوْتُ أثر فلانٍ أقْفُو قَفْواً، إذا تتبَّعتَ أثره، وسُمِّيت قافية الشِّعر قافية؛ لأنَّ البيت يقفو البيت، وسمِّيت القبيلة المشهورة بالقافة؛ لأنَّهم يتَّبعون آثار أقدام النَّاسِ، ويستدلُّون بها على أحوال الإنسان. وقال تعالى: {أية : ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا} تفسير : [الحديد: 27]. وسمِّي القفا قفاً؛ لأنه مؤخر بدنِ الإنسان ووراءه، كأنه شيء يتبعه ويقفوه. فقوله: "ولا تَقْفُ" أي: لا تتَّبعْ ما لا علم لك به، من قول أو فعلٍ، فهو نهيٌ عن الحكم بما لا يكون معلوماً، وهذه قضية كليةٌ يندرجُ تحتها أنواعٌ كثيرةٌ، وكل واحدٍ من المفسِّرين حمله على واحدٍ من تلك الأنواع، فقيل: المراد نهي المشركين عن اعتقاداتهم وتقليد أسلافهم؛ لأنَّه تعالى نسبهم في تلك العقائد إلى اتِّباع الهوى، فقال تعالى: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} تفسير : [النجم: 23]. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ} [النجم:23]. وقال في إنكارهم البعث {أية : بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} تفسير : [النمل: 66]. وحكى عنهم أنَّهم قالوا: {أية : إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} تفسير : [الجاثية: 32]. وقال: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [القصص: 50]. وقال عزَّ وجلَّ: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ}تفسير : [النحل: 116]. وقال: {أية : قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} تفسير : [الأنعام: 148]. وقال محمد ابن الحنفيَّة: المراد منه شهادة الزُّور. وقال ابن عبَّاس - رضي الله عنه -: لا تشهد إلاَّ بما رأته عيناك، وسمعته أذناك، ووعاهُ قلبك. وقيل: المراد النَّهيُ عن القذف، وقيل: المراد النهي عن الكذبِ. قال قتادة: لا تقل: سمعت، ولم تسمعْ، ورأيتُ، ولم تَرَ، وعلمتُ، ولم تعلمْ. وقيل: القَفْوُ: هو البهت، وأصله من القَفَا؛ كأنه يقال: خلفه، وهو في معنى الغيبة. واللفظ عامٌّ يتناولُ الكلَّ، فلا معنى للتقييد. فصل في الرد على نفاة القياس احتجَّ نفاةُ القياسِ بهذه الآية، قالوا: القياسُ لا يفيدُ إلاَّ الظنَّ، والظَّن مغاير للعلم، فالحكم في دين الله تعالى بالقياس حكمٌ بغير العلم؛ فوجب ألا يجوز لقوله تعالى {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}. وأجيب عنه بوجوه: الأول: أن الحكم في الدِّين بمجرَّد الظنِّ جائزٌ بإجماع الأمَّة في صورٍ كثيرةٍ: منها: العمل بالفتوى عملٌ بالظنِّ. ومنها: العمل بالشهادة عملٌ بالظَّنِّ. ومنها: الاجتهاد في القبلة عمل بالظنِّ. ومنها: قيم المتلفات، وأروش الجنايات عملٌ بالظنِّ. ومنها: الفصدُ، والحجامةُ، وسائر المعالجات؛ بناءً على الظنِّ. ومنها: كون هذه الذَّبيحةِ ذبيحة مسلمٍ مظنون. ومنها: الحكمُ على الشَّخص المعيَّن بكونه مؤمناً مظنونٌ، ثم يبنى على هذا الظنِّ أحكام كثيرة، كالتوارث والدفن في مقابر المسلمين وغيرهما. ومنها: الأعمال المعتبرةُ في الدنيا من الأسفار، وطلب الأرباح، والمعاملات إلى الآجالِ المخصوصة، والاعتماد على صداقةِ الأصدقاء، وعداوة الأعداء كلِّها مظنونةٌ، وبناء الأمر على هذه الظنون جائزٌ، وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : نَحْنُ نَحْكمُ بالظَّاهر والله يتولَّى السَّرائِر " تفسير : وذلك تصريح بأنَّ الظنَّ معتبر في هذه الأنواع، فبطل القول بأنه لا يجوز العمل بالظنِّ. الثاني: أنَّ الظنَّ قد يسمَّى بالعلم؛ قال تعالى: {أية : إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ}تفسير : [الممتحنة: 10]. ومن المعلوم أنَّه إنما يمكن العلم بإيمانهنَّ؛ بناء على إقرارهن، وهذا لا يفيد إلاَّ الظنَّ، وقد سمَّى الله تعالى الظنَّ ها هنا علماً. الثالث: أنَّ الدليل القاطع، لما دلَّ على وجوب العمل بالقياس، كان ذلك الدليل دليلاً على أنَّه متى حصل ظنُّ أنَّ حكم الله في هذه الصُّورة يساوي حكمه في محلِّ النصِّ، فأنتم مكلَّفُون بالعمل على وفق ذلك الظنِّ، فها هنا الظن وقع في طريق الحكم، فأمَّا الحكم، فهو معلومٌ متيقَّن. أجاب نفاةُ القياس عن الأول؛ فقالوا: قوله عزَّ وعلا: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} دخله التخصيصُ في الصُّور العشرة المذكورة، فيبقى العموم حجة فيما وراءها، ثم نقول: الفرق بين هذه الصور وبين محلِّ النِّزاع أنَّ هذه الصور العشر مشتركة في أنَّ تلك الأحكام مختصَّة بأشخاصٍ معينين في أوقات معيَّنة؛ فإنَّ الواقعة التي يرجع فيها الإنسان المعيَّن إلى الفتى المعيَّن واقعة متعلقة بذلك الشخص المعيَّن، وكذا القول في الشَّهادة وفي طلب القبلة، وفي سائر الصور؛ والتنصيص على وقائع الأشخاص المعنيين في الأوقات المعينة يجري مجرى التنصيص على ما لا نهاية له، فلهذه الضرورة؛ اكتفينا بالظنِّ، أما الأحكام المثبتة، فهي أحكامٌ كليةٌ معتبرةٌ في وقائعِ كلية، وهي مضبوطة، والتنصيص عليها مكنٌ، ولذلك فإنَّ الفقهاء الذين استخرجوا تلك الأحكام بطريق القياس ضبطوها، وذكروها في كتبهم. إذا عرف هذا، فنقول: التنصيصُ على الأحكام في الصُّور العشر التي ذكرتموها غير ممكنٍ، فلا جرم: اكتفى الشَّارع فيها بالظنِّ، أما المسائلُ المثبتة بالطرق القياسيَّة فالتنصيصُ عليها ممكنٌ، فلا يجوز الاكتفاءُ فيها بالظنِّ، فظهر الفرقُ. وقولهم: الظنَّ قد يسمَّى علماً، فهذا باطلٌ؛ فإنه يصحُّ أن يقال: هذا مظنونٌ، وغير معلوم، وهذا معلومٌ، وغير مظنونٍ، فدلَّ على حصول المغايرة، فيدلُّ عليه قوله تعالى: {أية : هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} تفسير : [الأنعام: 148] نفى العلم، وأثبت الظنَّ، وذلك يدلُّ على المغايرة. وأما قوله تعالى: {أية : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} تفسير : [الممتحنة: 10] فالمؤمن هو المقر، وذلك الإقرار معلوم. وأمَّا الجوابُ عن الثالث، فنقول: الكلام إنَّما يتمُّ لو ثبت أن القياس حجَّة بدليل قاطع، وذلك باطل؛ لأنَّ القياس وهو الذي يفيد الظنَّ لا يجب عقلاً أن يكون حجة؛ لأنه لا نزاع أنَّه يصحُّ من الشَّرع أن يقول: نهيتكم عن الرجوع إلى القياسِ، ولو كان كونه حجَّة أمراً عقلياً، لامتنع ذلك. والثاني أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ الدليل النقليَّ في كون القياس حجَّة، إنما يكون قطعيًّا؛ إذ لو كان منقولاً نقلاً متواتراً، كانت دلالته على ثبوت هذا المطلوب دلالة قطعيَّة غير محتملة للتخصيص، ولو حصل مثل هذا الدليل، لوصل إلى الكلِّ، ولعرفه الكلُّ، ولارتفع الخلاف، وحيث لم يكن كذلك، علمنا أنَّه لم يحصل في هذه المسألة دليلٌ سمعيٌّ قاطعٌ، فثبت أنَّه لم يوجد في إثبات كون القياس حجة دليل قاطعٌ ألبتة، فبطل قولكم: كون الحكم المثبتِ بالقياس حجَّة معلومٌ لا مظنونٌ. قال ابن الخطيب: وأحسن ما يمكن أن يجاب عنه أن يقال: التمسُّك بهذه الآية الَّتي عولتم عليها تمسُّك بعامٍّ مخصوص، والتمسُّك بالعامِّ المخصوصِ لا يفيد إلاَّ الظنَّ، فلو دلَّت هذه الآية على أنَّ التمسُّك بالظنِّ غير جائز، لدلَّت على أن التمسُّك بهذه الآية غير جائز، فالقول بكون هذه الآية حجَّة يفضي ثبوته إلى نفيه، فكان تناقضاً، فسقط الاستدلال به. وللمجيب أن يجيب عنه، فيقول: نعلم بالتواتر الظَّاهر من دين محمد - صلوات الله وسلامه عليه - أنَّ التمسُّك بآياتِ القرآنِ حجَّة في الشريعة، ويمكن أن يجاب عن هذا الجواب بأن كون العامِّ المخصوص حجَّة غير معلومٍ بالتواتر. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}. قوله تعالى: "أولئك" إشارة إلى ما تقدَّم من السمع، والبصر، والفؤاد؛ كقوله: [الكامل] شعر : 3420- ذُمَّ المَنازِلَ بعد مَنْزلةِ اللِّوَى والعَيْشَ بعْدَ أولئِكَ الأيَّامِ تفسير : فـ "أولئكَ" يشارُ به إلى العقلاء وغيرهم من الجموع، واعتذر ابن عطيَّة عن الإشارة به لغير العقلاءِ، فقال: وعبَّر عن السَّمعِ، والبصرِ، والفؤاد بـ "أولئك" لأنها حواسٌّ لها إدراكٌ، وجعلها في هذه الآية مسئولة؛ فهي حالة من يعقل؛ ولذلك عبَّر عنها بكناية من يعقل، وقد قال سيبويه - رحمه الله - في قوله تعالى: {أية : رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} تفسير : [يوسف: 4] إنما قال "رَأيْتهُم" في نجوم؛ لأن لمَّا وصفها بالسجود - وهو فعلُ من يَعْقِلُ - عبَّر عنها بكناية من يعقل، وحكى الزجاج أنَّ العرب تُعَبِّرُ عمَّن يعقلُ وعمَّن لا يعقل بـ"أولئِكَ" وأنشد هو والطبريُّ: [الكامل] شعر : 3421- ذُمَّ المَنازِلَ بعد مَنْزلةِ اللِّوَى والعَيْشَ بعْدَ أولئِكَ الأيَّامِ تفسير : وأمَّا حكاية أبي إسحاق عن اللغة فأمر يوقف عنده، وأمَّا البيت فالرواية فيه "الأقوامِ" ولا حاجة إلى هذا الاعتذار لما عرفت، وأما قوله: "إنَّ الرواية: الأقوَامِ" فغير معروفةٍ والمعروفُ إنما هو "الأيَّامِ". قوله: "كُلُّ أولَئِكَ" مبتدأ، و الجملة من "كَانَ" خبره، وفي اسم "كان" وجهان: أحدهما: أنه ضمير عائد على "كلُّ" باعتبار لفظها، وكذا الضمير في "عَنْهُ" و "عَنْهُ" متعلق بـ "مَسْئُولاً" و "مَسْئُولاً" خبرها. والثاني: أنَّ اسمها ضمير يعود على القافي، وفي "عَنْه" يعود على "كُلُّ" وهو من الالتفات؛ إذ لو جرى على ما تقدَّم، لقيل: كُنْتَ عنه مسئولاً، وقال الزمخشري: و "عَنْهُ" في موضع الرفعِ بالفاعلية، أي: كل واحدٍ كان مَسْئولاً عنه، فَمسئُول مسند إلى الجار والمجرور؛ كالمغضوب في قوله {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} تفسير : [الفاتحة: 7] انتهى. وفي تسميته مفعول ما لم يسمَّ فاعله فاعلاً خلاف الاصطلاح. وقد ردَّ أبو حيَّان عليه قوله: بأنَّ القائم مقام الفاعل حكمه حكمه، فلا يتقدَّم على رافعه كأصله، وليس لقائلٍ أن يقول: يجوز على رأي الكوفيِّين؛ فإنهم يجيزون تقديم الفاعل؛ لأن النحَّاس حكى الإجماع على عدم جواز تقديم القائم مقام الفاعل، إذا كان جارًّا أو مجروراً، فليس هو نظير قوله {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} فحينئذٍ يكون القائم مقام الفاعل الضمير المستكنَّ العائد على "كُلُّ" أو على القافي. فصل في ظاهر الآية ظاهر الآية يدلُّ على أنَّ الجوارح مسئولةٌ، وفيه وجوهٌ: الأول: معناه أنَّ صاحب السَّمع، والبصر، والفؤاد هو المسئُول؛ لأنَّ السؤال لا يصحُّ إلاَّ من العاقل، وهذه الجوارح ليست كذلك، بل العاقل الفاهم هو الإنسانُ، فهو كقوله: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف:82] والمراد أهلها، والمعنى أن يقال للإنسان: لم سمعت ما لا يحلُّ سماعه، ولم نظرت إلى ما لا يحلُّ لك نظره، ولم عزمت على ما لا يحلُّ لك العزم عليه. والثاني: أن أولئك الأقوام كلهم مسئولون عن السمع، والبصر، والفؤاد، فيقال لهم: استعملتم السمع فيماذا، أفي الطاعة، أو في المعصية؟ وكذلك القولُ في بقيَّة الأعضاء، وذلك؛ لأنَّ الحواسَّ آلاتُ النَّفس، والنَّفسُ كالأمير لها، والمستعمل لها في مصالحها، فإن استعملها في الخيرات، استوجب الثواب، وإذا استعملها في المعاصي، استحقَّ العقاب. والثالث: أنه تعالى يخلقُ الحياة في الأعضاء، ثمَّ إنها تسألُ؛ لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النور: 24] فكذلك لا يبعد أن يخلق العقل، والحياة، و النطق في هذه الأعضاء، ثمَّ إنَّها تسأل. رُوي عن شكل بن حميدٍ - رحمه الله - قال: حديث : أتَيْتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسُول الله، علِّمْنِي تعويذاً، أتعوَّذ به، فأخذ بيدي، ثم قال: "قُل اللَّهُمَّ؛ أعُوذُ بِكَ من شرِّ سمعي، وشرِّ بصري، وشرِّ لسَانِي، وشرِّ قلبي، وشرِّ مَنِيِّي" تفسير : قال فحفظتها. قال سعيد: والمنيُّ ماؤه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ولا تقْفُ} قال: لا تقل. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} يقول: لا ترم أحداً بما ليس لك به علم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن الحنفية - رضي الله عنه - في قوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} قال: شهادة الزور. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} قال: هذا في الفرية. يوم نزلت الآية لم يكن فيها حد، إنما كان يسأل عنه يوم القيامة، ثم يغفر له حتى نزلت هذه آية الفرية جلد ثمانين. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً} يقول: سمعه وبصره يشهد عليه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} قال: لا تقل سمعت، ولم تسمع، ولا تقل: رأيت، ولم تر، فإن الله سائلك عن ذلك كله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمرو بن قيس رضي الله عنه في قوله: {كل أولئك كان عنه مسؤولاً} قال: يقال للأذن يوم القيامة هل سمعت؟ ويقال للعين: هل رأيت؟ ويقال للفؤاد: مثل ذلك. وأخرج الفريابي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {كل أولئك كان عنه مسؤولاً} قال: يوم القيامة، يقال أكذاك كان أم لا؟. وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء، كان حقاً على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار، حتى يأتي بنفاذ ما قال ". تفسير : وأخرج أبو داود وابن أبي الدنيا في الصمت، عن معاذ بن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حمى مؤمناً من منافق، بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن قفا مؤمناً بشيء يريد شينه، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال ".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}[36] أي لا تبغ ما ليس لك به علم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن بنو النضير بن كنانة، لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا"تفسير : ، يعني آباء العرب.
السلمي
تفسير : سُئِل أبو عثمان عن هذه الآية قال: أعطاك الله اللسان فلا تشغله إلا بالذكر، وأعطاك العين فلا تشغلها إلا معتبرًا، وأعطاك السمع فلا تسمع بها إلا حقًا وصوابًا، وأعطاك القلب فلا تشغله إلا بالمعرفة ودوام المراقبة والخوف فإنه موضع نظر الحق. وإنك مسئول عن جميعها. قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}. قال: لا تخبر عنا إلا على طريق الخدمة ولا تجاوز فيه محل الأذن. قال أبو سعيد الخراز: من استقرت المعرفة فى قلبه فإنه لا يبصر فى الدارين سواه، ولا يسمع إلا منه ولا يُشغل إلا به.
القشيري
تفسير : إذا غَلَبَتْ عليكَ مُجَوِّزَاتُ الظنونِ، ولم يُطْلِعْكَ الحقُّ على اليقين فلا تتكلف الوقوف عليه من غير برهان، وإذا أُشْكِلَ عليك شيءٌ من أحكام الوقت فارجِعْ إلى الله، فإِنْ لاحَ لقلبك وَجْهٌ من الدليل على حَدِّ الالتباس فَكِلْ عِلْمَه إلى الله، وِقفْ حيثما وقفت. ويقال الفرق بين من قام بالعلم وبين من قام بالحق أَنَّ العلماءَ يعرفون الشيءَ أولاً ثم يعلمون بعلمهم، وأصحابُ الحقِّ يجْرِي عليهم يحكم التصريف شيءٌ لا علِمَ لهم به على التفصيل، وبعد ذلك يُكشَف لهم وجهُه، وربما يجري على ألسنتهم شيءٌ لا يدرون وَجْهَه، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهانُ ما قالوه، ودليلُ ما نطقوا به من شواهد العلم. قوله: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ} هذه أمانة الحق - سبحانه - عند العبد، وقد تقدم في بابها بما أوضحته ببراهين الشريعة. ومَنْ استعمل هذه الجوارح في الطاعات، وصانها عن استعمالها في المخالفات فقد سَلَّم الأمانة على وصف السلامة، واستحق المدحَ والكرامة. ومَنْ دَنَّسَها بالمخالفات فقد ظهرت عليه الخيانة، واستوجب الملامة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تقف} اى لا تتبع من قفا اثره يقفو نبعه ومنه سميت القافية قافية {ما ليس لك به علم} اى لا تكن فى اتباع ما لا علم لك به من قول او فعل كمن يتبع مسلكا لا يدرى انه يوصل الى مقصده. قال الزمخشرى وقد استدل به مبطل الاجتهاد ولم يصح لان ذلك نوع من العلم فقد اقام الشرع غالب الظن مقام العلم وامر بالعمل به انتهى. يعنى ان لاعتقاد الراجح فى حكم الاعتقاد الجازم للاجماع على وجوب العمل بالشهادة والاجتهاد فى القبلة ونحو ذلك فلا دليل فى الآية على من منع اتباع الظن والعمل بالقياس كالظاهرية {ان السمع}[بدرستى كه كوش} {والبصر}[وجشم]{والفؤاد}[ودل]{كل اولئك} اى كل واحد من هذه الجوارح فاجراها مجرى العقلاء لما كانت مسئولة عن احوالها شاهدة على اصحابها {كان عنه} عن نفسه وعما فعل به صاحبه {مسئولا}[برسيده شده يعنى از ايشان خواهند برسيدكه صاحب شما باشما جه معامله كرده ازسمع سؤال كنند جه شنيدى وازجشم برسندكه جه ديدى وجرا ديدى واز دل برسندكه جه دانستى وجرا دانستى]. قال فى بحر العلوم اعلم ان المراد بالنهى عن اتباع كل ما فيه جهل مما يتعلق بالسمع والبصر والقلب كأنه تعالى قال لا تسمع كل ما لا يجوز سماعه ولا تبصر كل ما لا يجوز ابصاره ولا تعزم على كل مالا يجوز لك العزم عليه لان كل واحد منها يسأله الله تعالى ويجازيه ولم يذكر اللسان مع انه من اعظمها لان السمع يدل عليه لان ما يكب الناس على مناخرهم فى نار جهنم الا حصائد ألسنتهم وتلك الحصائد من قبل المسموعات اللازمة للسمع. وفى الآية دلالة على ان العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية كما قال تعالى {أية : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم}تفسير : اى بما كسبت مما يدخل تحت الاختيار من خبائث اعمال القلب من حب الدنيا ومن الرياء والعجب والحسد والكبر والنفاق مثلا واما ما لا يدخل تحت الاختيار فلا يؤاخذ به الا ترى الى قوله عليه السلام "حديث : عفى عن امتى ما حدثت بها نفوسها " تفسير : قال فى الاشباه والنظائر حديث النفس لا يؤاخذ به ما لم يتكلم او يعمل به كما فى حديث مسلم وحاصل ما قالوه ان الذى يقع فى النفس من قصد المعصية علىخمس مراتب الهاجس وهو ما يلقى فيها ثم جريانه فيها وهو الخاطر ثم حديث النفس وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل اولا ثم الهم وهو ترجيح قصد العمل ثم العزم وهو قوة ذلك القصد والجزم به فالهاجس لا يؤاخذ به اجماعا لانه ليس من فعله وانما هو شئ اورد عليه لا قدرة له على رده ولا صنع والخاطر الذى بعده كان قادرا على دفعه بصرف الهاجس اول وروده ولكن هو وما بعده من حديث النفس مرفوعان بالحديث الصحيح واذا ارتفع حديث النفس ارتفع ما قبله بالاولى. وقال بعض الكبار جميع الخواطر معفوة الا بمكة المكرمة ولهذا اختار عبد الله بن عباس رضى الله عنهما السكنى بالطائف احتياطا لنفسه ثم هذه الثلاث لو كانت فى الحسنات لم يكتب له بها اجر لعدم القصد واما الهم فقد بين فى الحديث الصحيح "حديث : ان الهم بالحسنة يكتب حسنة والهم بالسيئة لا يكتب عليه سيئة وينتظر فان تركها لله تعالى كتب حسنة وان فعلها كتب سيئة واحدة"تفسير : والاصح فى معناه انه يكتب عليه الفعل وحده وهو معنى قوله واحدة وان الهم مرفوع واما العزم فالمحققون على انه يؤاخذ به ومنهم من جعله من الهم المرفوع. وفى البزازية من كتاب الكراهية هم بمعصية لا يأثم ان لم بصمم عزمه عليه وان عزم يأثم اثم العزم لا اثم العمل بالجوارح الا ان يكون امرا يتم بمجرد العزم كالكفر. واعلم ان قوله تعالى {أية : ولا تقف ما ليس لك به علم}تفسير : اشاره الى تاسع الخصال العشر وهو الظلم وهو وضع الشئ فى غير موضعه باستعمال الجوارح والاعضاء على خلاف ما أمر به فبدله بالعدل بقوله {إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا} فظلم السمع استعماله فى استماع الغيبة واللغو والرفث والبهتان والقذف والملاهى والفواحش وعدله استعماله فى استماع القرآن والاخبار والعلوم والحكم والمواعظ والنصحية والمعروف وقول الحق شعر : كذركاه قرآن وبندست كوش به بهتان وباطل شنيدن مكوش تفسير : وظلم البصر النظر الى المحرمات والشهوات والى من فوقه فى دنياه والى من دونه فى دينه والى متاع الدنيا وزينتها وزخارفها وعدله النظر فى القرآن والعلوم والى وجه العلماء والصلحاء والى آثار رحمة الله كيف يحيى الارض بعد موتها والى الاشياء بنظر الاعتبار والى من دونه فى دنياه والى من فوقه فى دينه. شعر : دوجشم از بى صنع بارى نكوست نه عيب برا در فروكيرو دوست تفسير : وقد ثبت عن على رضى الله عنه انه ما نظر الى عورته وسوأته منذ ما تعلق نظره الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على ان الابصار الناظرة لوجهه عليه السلام لا يليق لها ان تنظر الى السوأة فاعتبر وتأدب. ونظيره ما قال عثمان رضى الله عنه ما كذبت منذ اسلمت وما مسست فرجى باليمين منذ بايعت النبى عليه السلام ولا اكلت الكراث ونحوه منذ قرأت القرآن وظلم الفؤاد قبول الحقد والحسد والعداوة وحب الدنيا والتعلق بما سوى الله تعالى وعدله تصفيته عن هذه الاوصاف الذميمة وتحليته بتبديل هذه الصفات والتخلق باخلاق الله تعالى شعر : بيا بى بيفشان از آيينه كرد كه صيقل نكيرد جو زنكار خورد
ابن عجيبة
تفسير : قلت: قفا الشيء يقفوه: تبعه. والضمير في "عنه": يجوز أن يعود لمصدر "لا تَقْفُ"، أو لصاحب السمع والبصر. وقيل: إن "مسؤولاً" مسند إلى "عنه" كقوله تعالى: {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الفَاتِحَة: 7]، والمعنى: يسأل صاحبه عنه، وهو خطأ؛ لأن الفاعل وما يَقوم مقامه لا يتقدم. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: الإشارة في "أولئك": إلى السمع والبصر والفؤاد، وإنما عاملها معاملة العقلاء في الإشارة بأولئك؛ لأنها حواس لها إدراك، والضمير في "عنه": يعود على "كل"، ويتعلق "عنه" بمسؤُولاً. هـ. وضمير الغائب يعود على المصدر المفهوم من "مسؤولاً". و {مَرَحًا} : مصدر في موضع الحال. و {مكروهًا}: نعت لسيئة، أو بدل منها، أو خبر ثان لكان. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولا تَقْفُ}؛ تتبع {ما ليس لك به علمٌ}، فلا تقل ما لا تحقيق لك به؛ من ذم الناس ورميهم بالغيب. فإذا قلت: سمعتُ كذا، أو رأيت كذا، أو تحقق عندي كذا، مما فيه نقص لأحد، فإنك تُسأل يوم القيامة عن سند ذلك وتحقيقه. وهذا معنى قوله: {إِنَّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أولئك كان عنه مسؤولاً}. قال البيضاوي: ولا تتبع ما لم يتعلق علمك به؛ تقليدًا، أو رجمًا بالغيب. واحتج به من منع اتباع الظن، وجوابه: أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند، سواء كان قطعيًا أو ظنيًا؛ إذ استعماله بهذا المعنى شائع. وقيل: إنه مخصوص بالعقائد. وقيل: بالرمي وشهادة الزور، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قَفَا مُؤْمنًا بِمَا لَيْسَ فِيهِ، حَبَسَهُ اللهُ فِي رَدْغَةِ الخَبَالِ، حَتَّى يَأتِيَ بِالمَخْرَجِ"تفسير : . {إِن السمعَ والبصرَ والفؤاد كلُّ أولئك} أي: كل هذه الأعضاء الثلاثة {كان عنه مسؤولاً}؛ كل واحد منها مسؤول عن نفسه، يعني: عما فعل به صاحبه. هـ. مختصرًا. {ولا تمشِ في الأرض مرحًا} أي: ذا مرح، وهو: التكبر والاختيال، {إِنك لن تخرق الأرضَ}؛ لن تجعل فيها خرقًا؛ لشدة وطأتك {ولن تبلغ الجبال طُولاً}؛ تتطاول عليها؛ عزّا وعلوا، وهو تهكم بالمختال، وتعليل للنهي، أي: إذا كنت لا تقدر على هذا، فلا يناسبك إلا التواضع والتذلل بين يدي خالقك، {كلُّ ذلك} المذكور، من قوله: {لا تجعل مع الله إلهًا آخر} إلى هنا، وهي: خَمْسٌ وعشرون خصلة، قال ابن عباس: (إنها المكتوبة في ألواح موسى)، فكل ما ذكر {كان سَيّئة عند ربك} أي: خصلة قبيحة {مكروهًا} أي: مذمومًا مبغوضًا. والمراد بما ذكر: من المنهيات دون المأمورات. {ذلك مما أَوحى إِليك ربُّك من الحكمة}؛ التي هي علم الشرائع، أو معرفة الحق لذاته، والعلم للعمل به. {ولا تجعلْ مع الله إلهًا آخر}، كرره، للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، وأنه رأس الحكمة وملاكها، ومن عُدِمَهُ لم تَنْفَعْهُ علومه وحِكمه، ولو جمع أساطير الحكماء، ولو بلغت عنان السماء. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد: غيره ممن يتصور منه ذلك. ورتب عليه، أولاً: ما هو عاقبة الشرك في الدنيا، وهو: الذم والخذلان، وثانيًا: ما هو نتيجته في العقبى. فقال: {فتُلقى في جهنم ملومًا}؛ تلوم نفسك، وتلومك الملائكة والناس، {مدحورًا}؛ مطرودًا من رحمة الله. ثم قبَّح رأيهم في الشرك، فقال: {أفأصفاكُم رَبُّكم بالبنين}، وهو خطاب لمن قال: الملائكة بنات الله. والهمزة للإنكار، أي: أفخصَّكم ربكُم بأفضل الأولاد، وهم البنون، {واتخذَ من الملائكة إِناثًا}؛ بناتٍ لنفسه، {إِنكم لتقولون قولاً عظيمًا} أي: عظيم النكر والشناعة، لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ في إيجاب العقوبة؛ لخرمه لقضايا العقول، بحيث لا يجترئ عليه أحد؛ حيث تجعلونه تعالى من قبيل الأجسام المتجانسة السريعة الزوال، ثم تضيفون إليه ما تكرهونه، وتُفضلون عليه أنفسكم بالبنين، ثم جعلتم الملائكة، الذين هم أشرف الخلق، أدونهم، تعالى الله عن قولكم علوًا كبيرًا. الإشارة: ينبغي للإنسان الكامل أن يكون في أموره كلها على بينة من ربه، فَيُحَكِّمُ على ظاهره الشريعة المحمدية، وعلى باطنه الحقيقة القدسية، فإذا تجلى في باطنه شيء من الواردات أو الخواطر فليعرضه على الكتاب والسُنَّة، فإن قبلاه أظهره وفعله، وإلاَّ رده وكتمه، كان ذلك الأمر قوليًا أو فعليًا، أو تركًا او عقدًا؛ فقد انعقد الإجماع على أنه لا يحل لامرئٍ مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وإليه الإشارة بقوله: {ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم}، فإن لم يجد نصًا في الكتاب أو السنة فليستفت قلبه، إن صفا من خوض الحس، وإن لم يَصْفُ فليرجع إلى أهل الصفاء، وهم أهل الذكر. قال تعالى: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النّحل: 43]، ولا يستفت أهل الظنون، وهم أهل الظاهر، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} تفسير : [يُونس: 36]. وقال القشيري في تفسير الآية هنا: {ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم} أي: جانب محاذاة الظنون، وما لم يُطْلِعْكَ الله عليه، فلا تتكلف الوقوف عليه من غير برهان. فإذا أُشْكِلَ عليك شيءٌ في حكم الوقت، فارجعْ إلى الله، فإِنْ لاحَ لقلبك وَجْهٌ من التحقيق فكن مع ما أريد، وإن بقي الحال على حدِّ الالتباس فَكِلْ عِلْمَه إلى الله، وقِفْ حيثما وقفت. ويقال: الفرق بين من قام بالعلم، ومن قام بالحق: أنَّ العلماء يعرفون الشيء أولاً، ثم يعملون بعلمهم، وأصحابُ الحقائق يجْرِي، بحكم التصريف عليهم، شيءٌ، ولا عِلمَ لهم به على التفصيل، وبعد ذلك يُكْشَف لهم وجههُ، فربما يجري على لسانهم شيءٌ لا يدرون وَجْهَه، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهانُ ما قالوه من شواهد العلم؛ إذ يتحقق ذلك بجريان الحال في ثاني الوقت. انتهى. قلت: وإلى هذا المعنى أشار في الحكم العطائية بقوله: "الحقائق ترد في حال التجلي مُجْمَلَةً، وبعد الوعي يكون البيان، {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} ". قوله تعالى: {ولا تمشِ في الأرض مرحًا}، ورد في بعض الأخبار، في صفة مشي الصوفية: أنهم يدبون على أقدامهم دبيب النمل، متواضعين خاشعين، ليس فيه إسراع مُخل بالمروءة، ولا اختيال مُخل بالتواضع. والله تعالى أعلم. ثمَّ أمر بالرجوع إلى كتابه فقال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ...}
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} لا تتّبع مدركاً لم يتعلّق علم منك به سواء كان الاتّباع بالاتيان به بالجوارح كالاتيان بالافعال الّتى لم تعلم صحّتها منك او بالاصغاء كالاصغاء الى ما تعلم صحّة الاصغاء اليه منك، او الابصار كطموح النّظر الى ما لم تعلم صحّة النّظر منك اليه، او الاقوال كجريان ما لم تعلم صحّة جريانه على لسانك ومنه الافتاء بما لم تعلمه صحّة الافتاء منك به، وبهذه الآية وامثالها تمسّك من منع من الافتاء بالظّنّ والرّأى والقياس والاستحسان ومن منع من تقليد من لم يأذن الله بلا واسطةٍ او بواسطةٍ فى امامته وقال: لا بدّ للمفتى من العلم القطعىّ بصحّة افتائه كالائمّة (ع) ومن اجازوه للافتاء وللمقلّد من العلم القطعىّ بصحّة تقليد من يقلّده امّا بنصٍّ واجازةٍ صحيحة صريحة فى امامته او ببصيرة باطنةٍ بحاله، وامّا الّذين يستبدّون بآرائهم فى الاحكام من غير وحىٍ والهامٍ ومن غير اجازة ولو بوسائط من صاحب الوحى والالهام واتباعهم الّذين يقلّدونهم ويتّبعونهم من غير علمٍ بكونهم صاحبى الوحى والالهام او صاحبى الاجازة الصّحيحة فهم مقتفون ما ليس لهم به علمٌ، وقيل: انّ المراد بالعلم ههنا اعمّ من الظّنّ فيشمل الظّنّ بالاحكام من القياس والاستحسان العقلىّ والرّأى من اىّ وجهٍ كان ولو كان كذلك لكان التّعبير بالظّنّ اولى، لانّ النّهى عن اتّباع ما ليس به ظنّ يستلزم بمفهوم مخالفته الامر باتّباع المظنون والمعلوم يقيناً بخلاف النّهى عن اتّباع غير المعلوم، ولمّا كان الافعال والاقوال غير خاليةٍ من سببيّة واحدٍ من السّمع والبصر والفؤاد لها او اكثر قال فى مقام تعليل النّهى {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ} المذكورين على استعمال اولئك فى العقلاء او كلّ اولئك الثلاثة على استعماله فى مطلق الجمع مذكّراً كان او مؤنّثاً عاقلاً او غير عاقل {كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} اى يسأل عنه ما فعل صاحبك بك؟ او ما فعلت لصاحبك؟ ما سمعت وما ابصرت؟ وما تعقّلت وما تخيّلت؟ "حديث : ونسب الى النّبىّ (ص) انّه قال: ابو بكر سمعى، وعمر بصرى، وعثمان فؤادى"تفسير : فقيل هل فى ذلك، فقرأ الآية، وورد عن الصّادق (ع) انّه قال: من نام بعد فراغه من اداء الفرائض والسّنن والواجبات من الحقوق فذلك نوم محمودٌ وانّى لا اعلم لاهل زماننا هذه اذا أتوا بهذه الخصال اسلم من النّوم لانّ الخلق تركوا مراعاة دينهم ومراقبة احوالهم واخذوا شمال الطّريق والعبد ان اجتهد ان لا يتكلّم كيف يمكنه ان لا يسمع الاّ ماله مانع من ذلك وهو النّوم، وانّ النّوم اخذ تلك الآلات قال الله تعالى انّ السّمع والبصر (الآية).
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَقْفُ} لا تتبع من قفاه يقفوه بمعنى اتبعه وقرئ بضم القاف وإِسكان الفاء من قاف يقوف كقال يقول، أى اتبعه وهما لغتان بمعنى كعتا وعات ومنه القافة جمع قايف، وهو متبع الأَثر العالم بمؤثره أصله قوفة بفتح الواو قلبت الفاء لتحركها بعد فتحه، حكى ابن جرير الطبرى أن ذلك لغة فرقة. {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أى لا تتبع فى قول أو فعل ما ليس لك به اعتقاد جازم، فالآية نهى عن التقليد لمن له قوة على معرفة الحق بأدلته وعن رجم الغيب ومن لم تكن له قوة جاز له تقليد العالم الأَمين فذلك منه علم، وعن الظن إلا المجتهد فإِن حكمه بعد استفراغ الوسع بشئ، ظن معدود من أنواع العلم لأَنه لا يقبل التشكيك وقد نص الشرع الضم مقام العلم، وأمرنا بالعمل به فى الغالب فإِذا كان ظن المجتهد نوعاً من العلم لم يكن فى الآية دليل على إِبطال الاجتهاد خلافاً لمن زعم ذلك فالعلم الاعتقاد الراجح المستفاد من دليل قطعياً كان أو ظنياً واستعماله فى هذا المعنى شائع كما شاع استعماله فى الاعتقاد الجازم المقابل للاعتقاد الراجح المسمى ظناً، والآية أيضاً نهى عن ولاية من لا يعرف له موجب ولاية وبراءة من لا يعرف له موجب براءة، وعن ولاية الشرط وبراءة الشرط بل إن ظهر لك موجب ولاية فوالله ولا تدخل فى براءته التى لا علم لك بموجبها وشرط كونه عند الله أو فيما خف من أمره مستوجباً لها لا يخرجك عن كونك داخلا فيما لا علم لك به ولا تشترط فى ولايته كونه مستوجبا لها عند الله أو فيما خفى من أمره فإن ذلك استفتاح لباب مبهم ودخول فيه وإن ظهر لك موجب براءة فتبرأ منه ولا تدخل فى ولايته التى لا علم لك بموجبها بشرط كونه أهلا لها عند الله تعالى، أو فيما خفى من أمره ولا تشترط فى براءته كونه أهلا على حد ما ذكر، وذلك أنا كلفنا بما ظهر لنا ونهى الجاهل أن يقلد عالماً فى فعل أو قول بأَن رآه يفعل شيئاً فيفعله أو رآه يقول شيئاً فيقول وإِنما يقلده إِذا قال يجوز له أو لغيره فعل كذا، أو قوله أو أفعل أو قل وكثيراً ما يطمئن القلب إِلى فعل عالم أو قوله الذى لم يأْمر به فيقتدى وهذا فى أهل عمان وغيرهم شائع يستدلون بذلك استدلالا كما تراه مسطراً ولا يكون حجة عندى ولا يجوز عندى ذلك الاقتداء إلا إن ظهر إنما يفعل أو يذكر جائز كبعض الأَدعية إِذا سمعه يذكرها وذلك لإِمكان أن يفعله المقتدى من غير مدخل المقتدى به فلو رأى جاهل عالماً توضأ ثم مشى على نجس ثم فعل هو ذلك لكان خطأ لإِمكان أن العالم تعمد أن يعيد الوضوء بعد ولإِمكان أنه ما مشى عليه إلا بعد ما تيبس ما يلى الأَرض من قدمه، فلو رآه كبر للإِحرام وكبر تكبيرة أخرى أو أكثر ففعل ذلك لكان خطأ لأَن العالم إِذا فعل ذلك فى غير الصلاة العيد مثل إِنما فعله لشك فى شئ من نفس تكبيره الأَول أو تيقنه الخلل فى شئ مما قبل التكبير فتكبيره الأَول وما بعده ملغى عنده، وإِنما اعتد بالأَخير، والجاهل إن فعل ذلك مقتدى به إِنما ينوى الأَول إِحراماً، وما بعده زوائد جائزة عنده فى زعمه، وهكذا ما أشبه ذلك، ونهى عن التجسس والبحث عن العورات إلا إِذا رجعت أمارة فيجوز أن تتبعها بالتفحص عن مقتاضها حتى يصح أو تضمحل، ونهى عن كتابه ما لا يعلم معناه إِذا خيف أن يكون كفراً أو سحراً وكتابة حروف لا يدرى ما هى كذلك إلا إن كان ذلك عن ثقة، وقد قيل إِذا كانت تلك الطلاسم مختومة بالشين جاز كتابتها ولو لم يدر ما هى، ذكره الشيخ الحاج إِبراهيم بن نجمان ونهى عن تتبع ما لا علم لك به دينياً أو دنيويا، وقيل الآية مخصوصة بالعقائد، وقيل بالرمى والزور، فإِن قفا وقاف يستعملان فى القدف. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : نحن بنو النظر لا نقفو أمنا ولا نقتف من أبيناتفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم - حديث : من قاف مؤْمنا بما ليس فيه حبسه الله فى ردعه الخبال حتى يأْتى بالمخرجتفسير : . ورواه ابن جرير الطبرى بمعناه، وردعة الخبال بإِسكان الدال وفتحها ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم من صديد وقيح ودم وعرق. وقال الكميت: شعر : ولا أرمى البرئ بغير ذنب ولا قفو الحواصن إن فقينا تفسير : أى لا أرمى النساء العفائف إِذ رمين ببناء فقين للمفعول. وقال شاعر: شعر : ومثل الدماشم العرانين ساكن بهن الخباء لا يشعن التقافيا تفسير : أى التقاذف وفسر ابن الحنيفية الآية بشهادة الزور، وعن الحسن لا تقف أخاك إِذا مر بك فتقول هذا يفعل كذا ورأيته يفعل كذا وسمعته، ولم تره ولم تسمعه. {إِنَّ الْسَّمْعَ والْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ} السمع والبصر بمعنى الاستماع والرؤية بلا تقدير ولا تأويل فإِنه يسأْل عن فعله الذى هو الاستماع وفعله الذى هو الإبصار أو يقدر مضاف أى آلة السمع وهى الأُذن، وآلة الرؤية وهى العين، أو السمع والبصر بمعنى الأُذن والعين وهو اشد مناسبة لقوله والفؤاد وقرأ والفؤاد بالواو بدلا من الهمزة وقرئ بالواو بفتح الفاء قلبت الهمزة واواً بعد الضمة ثم أبدلت الضمة فتحة. {كُلُّ أوْلَئِكَ} الأَكثر فى أولاء وأولى الإِشارة إِلى العقلاء وأشار بها فى الآية بالسمع والبصر والفؤاد إِما تنزيلا لها منزلة العاقل، لأَنها تسأَل عن أحوالها وتشهد على صاحبها والسؤال والشهادة من شأْن العقلاء بل إِن فرضنا أنها يجعلها الله سبحانه يوم القيامة عاقلة هى من العقلاء يومئذ تحقيقاً لا تنزيلا، وإِما على القلة من استعمال أولاء وأولى فى غير العقلاء ويحتمل التنزيل والقلة قوله: شعر : ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أُولئك الأَيام تفسير : وروى بعد أولئك الأقوام والأَقوام عقلاء، قيل هذه الرواية أصوب {كَانَ} فيه ضمير عائد إِلى كل {عَنْهُ} الهاء عائدة إِلى كل أيضاً والضمير فى قوله. {مَسْئُولاً} لكل أيضاً وعنه فضلة متعلق بكل وقدم للفاصلة وإنما صح عمل مسئول فى ضميرى شئ واحد متصلين لأَنه عمل فى أحد لهما بواسطة الجار أو لأَن المعنى مسئولا عن حاله أو شأْنه أو فعله أو نفسه وفعله هو ما استعمله فيه صاحبه ويجوز عود الهاء إِلى القفو المعلوم من تقف أى كل من السمع والبصر والفؤاد كان مسئولا عن قفو ما ليس للإِنسان به علم، ويجوز كون ضمير كان وضمير مسئولا عائد إِلى صاحب السمع والبصر والفؤاد والهاء عائدة إِلى كل أى يسأَل الإِنسان عما فعل بسمعه وبصره وفؤاده ويجوز عودهما إِلى كل، وعود الهاء إِلى صاحبه أى يسأل السمع والبصر والفؤاد عن صاحبهن ماذا فعل بهن ولم فعل ما فعل، ويجوز كون عنه نائبا عن فاعل مسئولا فلا ضمير فى مسئولا وليس ذلك يخطأ خلافاً للقاضى لأَن علة منع تقديم النائب اللبس بالمبتدأ ولا لبس فيما إِذا كان النائب جاراً ومجروراً مع أنه يسامح فيه ولا يسامح فى غيره وإِنما لم يجز الزيدون قام أو أكرم على تقديم الفاعل أو النائب مع أنه لا لبس فيه بفتح اللفظ هذا ما ظهر لى وزاد بعض أن النائب قدم هنا لمحاً لأَصالة ظرفيته لعروض كونه نائباً ولأَنه ليس فاعلا حقيقة بل مفعول فى المعنى واعلم أن الإِنسان يسأْل لم سمعت ما لا يحل لك سماعه، ولم نظرت إِلى ما لا يحل لك النظر إِليه ولم عزمت على ما لا يحل لك العزم عليه ولم اعتقدت ما لا يجوز لك اعتقاده ولم حقدت على فلان ولم أحببت كذا ولم أبغضت كذا ولم ولم وها وهنا دعاء حسن يحتاج إِليه أهل الفراغ والسعة والثبات خصوصاً والناس عموما، أخرجه عن شكل بن حميد أبو داود والترمذى والنسائى، وقال حديث حسن غريب. حديث : قال ابن حميد: أتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله علمنى تعويذاً أتعوذ به. فأخذ بيدى ثم قال: قل أعوذ بك من شر سمعى وشر بصرى، وشر لسانى، وشر قلبى، وشر منيىتفسير : ، أراد نطفته وذكره.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَقْفُ} يا من يصلح للخطاب {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} لا تتبع ما ليس لك علم به، من فعل أو قول أو اعتقاد، تعيماً وظنًّا أو بهتاً لا تشرك نوع إِشراك ما، ولا تشهد بالزور، ولا تقذف، ولا تكذب، وهكذا على العموم ولا تقل: رأيت ولم تَرَ، أو سمعت ولم تسمع، أو علمت ولم تعلم، ولا ترم أحدا بما لم توقن أنه فيه، ولا تحكم عليه بما ظننت، ولا يتجسس، لا تَبْنِ حكماً أو معاملة على شئ من ذلك، فخرج الظن فإِنه جائز بلا عمل به، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ظننت فلا تحقق"تفسير : ويظن الخير فى عامل الخير، والشر فى عامل الشر إلا الزنى أو الإشراك، فلا يجوز ظنهما فى عامل الشر، إلا لمن رأى أمارتهما. وأباحت الآية حكم المجهد بالقياس أو نحوه، لأن ما أداه إليه اجتهاده علم ولو كان ظنيًّا، لأن العلم فى الأمور الشرعيات، ودخل فيها الحكم بين الناس وسائر التحليل والتحريم، ليس بمعنى اليقين. ألا ترى أن المجتهد يخطئ ويصيب، ولا يعاقب على خطئه. ألا ترى أنا نحكم بشهادة الأمناء، وشهادة من يدعى الإسلام، ولم نر فيه كبيرة، وبشهادة العامة بدون أن نراها فيهم، وذلك كله ظن لا يقين. ألا ترى قوله تعالى: "أية : فامتحنوهن" تفسير : [الممتحنة: 10] وكفى الاختبار "أية : الله أعلم بإيمانهن" تفسير : [الممتحنة: 10] وإن الله رد الأمر إلى الظاهر حتى سمى من لم يأت بشهادة الزنى كاذباً ولو كان صادقاً عند الله، ولو شهدوا بزور، ولم نعلم بهم حكمنا بهم، ومن ذلك حل ذبائح والنكاح ونحو ذلك، مما يشترط فيه التوحيد، مع أنا لا ندرى ما الباطن. وكثر اجتهاد الصحابة وقياسهم، وأمر صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضى الله عنه أن يعمل باجتهاده وقياسه فيما لم يحفظ فيه عنه شيئاً حين أرسله إلى اليمن. قال ابن عباس رضى الله عنه: لا تشهد إلا بما رأته عينك، وسمعته أذنك، ووعاه قلبك، وليس فى ذلك شئ من اليقين، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قَفَا مؤمنًا بما ليس فيه حبسه الله فى ردغة الخبال حتى يأتى بالمخرج"تفسير : بفتح الدال وسكونها، وبالغين المعجمة وهو عصارة أهل النار، والمخرج: أن يرجع عما قال قبل موته، وإن أراد الآخرة فالمعنى أنه لا مخرج له، والمراد بما ليس فيه بحسب الظاهر، ولو كان فيه عند الله. {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} كل من الثلاثة مسئول عن نفسه، فالإشارة والهاء والمستتر فى كان، ومسئولا للسمع والبصر والفؤاد، يسأل الله هذه الأعضاء عما فعل بها صاحبها، ولو كانت لا تجيب توبيخاً لصاحبها، أو يخلق الله فيهن عقلا ونطقا وتجيب، قال الله جل وعلا: "أية : اليوم نختم على أفواههم"تفسير : [يس: 65] إلخ أو يقدر مضاف أى إن صاحب السمع إلخ، وضمير كان لصاحب، أو يقدر مضاف فى كان لا فى السمع، أى كان صاحبه أى صاحب كل أولئك، وها عنه لكل، وضمير مسئولا لصاحب لم سمعت ما لا يحل سماعه، ولم أبصرت ما لا يصح إبصاره، ولم عزمت بفؤاد، كما لا يحل العزم عليه، ويكتب على هذه الأمة العزم على المعصية، لأنها عملتها إن لم تعملها. ويجوز عود ضمير كان للفقو المعلوم من قوله: {لا تقف} ويجوز أن يكون عنه نائب فاعل مسئولا، وقدم ولو كان نائب الفاعل لا يقدم لشبهه بالفضلة على أن مدخول الباء فى أفعل به من باب التعجب هو الفاعل، والفاعل لا يحذف، والمسئول عنه فى هذا الوجه صاحب الجوارح، ونقل أبو جعفر النحاس الإجماع على أنه لا يجوز تقديم نائب الفاعل، ولو كان جاراً ومجروراً. قال بعض: لا نسلم الإجماع، وفى شرح ألفية ابن معطى جواز تقديم النائب إذا كان جاراً ومجروراً مستدلا بهذه الآية، ومن خص هؤلاء بالعقلاء جعله فى الآية استعارة للأعضاء تشبيها لهم بهم.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَقْفُ} ولا تتبع، وأصل معنى قفا اتبع قفاه ثم استعمل في مطلق الاتباع وصار حقيقة فيه. وقرىء {ولا تقفوا} بإثبات حرف العلة مع الجازم وهو شاذ، وقرىء أيضاً {ولا تقف} بضم القاف وسكون / الفاء كتقل على أنه أجوف مجزوم بالسكون وماضيه قاف يقال قاف أثره يقوفه إذا قصه واتبعه ومنه القيافة وأصلها ما يعلم من الأَقدام وأثرها، وعن أبـي عبيدة أن قاف مقلوب قفا كجذب وجبذ. وتعقب بأن الصحيح خلافه. {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي لا تتبع ما لا علم لك به من قول أو فعل، وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوماً ويندرج في ذلك أمور. وكل من المفسرين اقتصر على شيء فقيل المراد نهي المشركين عن القول في الإلٰهيات والنبوات تقليداً للأَسلاف واتباعاً للهوى، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن الحنفية أن المراد النهي عن شهادة الزور، وقيل: المراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات، ومن ذلك قول الكميت:شعر : ولا أرمي البرىء بغير ذنب ولا أقفوا الحواصن إن رمينا تفسير : وروى البيهقي في «شعب الإيمان» وأبو نعيم في «الحلية» من حديث معاذ بن أنس «حديث : من قفا مؤمناً بما ليس فيه ـ يريد شينه به ـ حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال» تفسير : وقيل: المراد النهي عن الكذب، أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال في الآية: لا تقل سمعت ولم تسمع ورأيت ولم تر، واختار الإمام العموم قال: إن اللفظ عام يتناول الكل فلا معنى للتقييد. واحتج بالآية نفاة القياس لأنه قفو للظن وحكم به. وأجيب بأنهم أجمعوا على الحكم بالظن والعمل به في صور كثيرة فمن ذلك الصلاة على الميت ودفنه في مقابر المسلمين وتوريث المسلم منه بناء على أنه مسلم وهو مظنون والتوجه إلى القبلة في الصلاة وهو مبني على الاجتهاد بأمارات لا تفيد إلا الظن وأكل الذبيحة بناء على أنها ذبيحة مسلم وهو مظنون والشهادة فإنها ظنية وقيم المتلفات وأروش الجنايات فإنها لا سبيل إليها إلا الظن، ومن نظر ولو بمؤخر العين رأى أن جميع الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المخصوصة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر» تفسير : فالنهي عن اتباع ما ليس بعلم قطعي مخصوص بالعقائد، وبأن الظن قد يسمى علماً كما في قوله تعالى: {أية : إِذَا جَاءكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرٰتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ } تفسير : [الممتحنة: 10] فإن العلم بإيمانهن إنما يكون بإقرارهن وهو لا يفيد إلا الظن، وبأن الدليل القاطع لما دل على وجوب العمل بالقياس كان ذلك الدليل دليلاً على أنه متى حصل ظن أن حكم الله تعالى في هذه الصورة يساوي حكمه في محل النص فأنتم مكلفون بالعلم على وفق ذلك الظن فهٰهنا الظن واقع في طريق الحكم وأما ذلك الحكم فهو معلوم متيقن. وأجاب النفاة عن الأول بأن قوله تعالى: {لا تَقْفُ} الآية عام دخله التخصيص فيما يذكرون فيه العمل بالظن فيبقى العموم فيما وراءه على أن بين ما يذكرونه من الصور وبين محل النزاع فرقاً لأن الأحكام المتعلقة بالأول مختصة بأشخاص معينين في أوقات معينة فالتنصيص على ذلك متعذر فاكتفى بالظن للضرورة بخلاف الثاني فإن الأحكام المثبتة بالأقيسة كلية معتبرة في وقائع كلية وهي مضبوطة والتنصيص عليها ممكن فلم يجز الاكتفاء فيها بالظن، وعن الثاني بأن المغايرة بين العلم والظن مما لا شبهة فيه ويدل عليها قوله تعالى: {أية : هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} تفسير : [الأنعام: 148] والمؤمن هو المقر وذلك الإقرار هو العلم فليس في الآية تسمية الظن علماً، وعن الثالث بأنه إنما يتم لو ثبت حجية القياس بدليل قاطع وليس فليس. وأحسن ما يمكن أن يقال في الجواب على ما قال الإمام أن التمسك بالآية تمسك بعام مخصوص وهو لا يفيد إلا الظن فلو دلت على أن التمسك بالظن غير جائز لدلت / على أن التمسك بها غير جائز فالقول بحجيتها يفضي إلى نفيه وهو باطل. وللمجيب أن يقول: نعلم بالتواتر الظاهر من دين النبـي صلى الله عليه وسلم أن التمسك بآيات القرآن حجة في الشريعة، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن كون العام المخصوص حجة غير معلوم بالتواتر فتأمل. {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ} أي كل هذه الأعضاء وأشير إليها بأُولئك على القول بأنها مختصة بالعقلاء تنزيلاً لها منزلتهم لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على أصحابها. وقال بعضهم: إنها غالبة في العقلاء وجاءت لغيرهم من حيث إنها اسم جمع لذا وهو يعم القبيلين ومن ذلك قول جرير على ما رواه غير واحد:شعر : ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام تفسير : وعلى هذا لا حاجة إلى التنزيل وارتكاب الاستعارة فيما تقدم {كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} كل الضمائر ضمائر {كُلُّ} أي كان كل من ذلك مسؤولاً عن نفسه فيقال له: هل استعملك صاحبك فيما خلقت له أم لا؟ وذلك بعد جعله أهلا للخطاب والسؤال. وجوز أن يكون ضمير {عَنْهُ} لكل وما عداه للقافي فهناك التفات إذ الظاهر كنت عنه مسؤولاً. وقال الزمخشري: {عَنْهُ} نائب فاعل {مَسْؤُولاً} فهو مسند إليه ولا ضمير فيه نحو {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم}تفسير : [الفاتحة: 7]. ورده أبو البقاء وغيره بأن القائم مقام الفاعل حكمه حكمه في أنه لا يجوز تقدمه على عامله كأصله. وذكر أنه حكى ابن النحاس الإجماع على عدم جواز تقديم القائم مقام الفاعل إذا كان جاراً ومجروراً فليس ذلك نظير {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} تفسير : [الفاتحة: 7] وليس لقائل أن يقول: إنه على رأي الكوفيين في تجويزهم تقديم الفاعل إلا أن ينازع في صحة الحكاية. ونقل عن صاحب «التقريب» أنه إنما جاز تقديم {عَنْهُ} مع أنه فاعل لمحا لأصالة ظرفيته لا لعروض فاعليته ولأن الفاعل لا يتقدم لالتباسه بالمبتدأ ولا التباس هٰهنا ولأنه ليس بفاعل حقيقة اهـ. والإنصاف أنه مع هذا لا يقال لما ذهب إليه شيخ العربية إنه غلط. وذكر في «شرح نحو المفتاح» أنه مرتفع بمضمر يفسره الظاهر، وجوز إخلاء المفسر عن الفاعل إذا لم يكن فعلاً معللاً بأصالة الفعل في رفع الفاعل فلا يجوز خلوه عنه بخلاف اسمي الفاعل والمفعول تشبيهاً بالجوامد. وتعقبه في «الكشف» بأن فيه نظراً نقلاً وقياسا؛ أما الأول فلتفرده به، وأما الثاني فلأن الاحتياج إليه من حيث إنه إذا جرى على شيء لا بد من عائد إليه ليرتبط به ويكون هو الذات القائم هو بها إن كان فاعلاً أو ملابساً لتلك الذات وليس كالجوامد في ارتباطها بالسوابق بنفس الحمل لأنها لا تدل على معنى متعلق بذات فالوجه أن يقال حذف الجار واستتر الضمير بعده في الصفة، وقد سمعت عن قرب أن هذا من باب الحذف والإيصال وأنه شائع. وجوز أن يكون مرفوع {مَسْؤُولاً} المصدر وهو السؤال و {عَنْهُ} في محل النصب. وسأل ابن جنى أبا علي عن قولهم: فيك يرغب وقال لا يرتفع بما بعده فأين المرفوع؟ فقال: المصدر أي فيك يرغب الرغبة بمعنى تفعل الرغبة كما في قولهم: يعطي ويمنع أي يفعل الإعطاء والمنع. وجوز أن يكون اسم {كان} أو فاعله ضمير {كُلُّ} محذوف المضاف أي كان صاحبه عنه مسؤولاً أو كان عنه مسؤولاً صاحبه فيقال له لم استعملت السمع فيما لا يحل ولم صرفت البصر إلى كذا والفؤاد إلى كذا؟ وقرأ الجراح العقيلي {والفواد} بفتح الفاء وإبدال الهمزة واواً، وتوجيهها أنه أبدلت الهمزة واواً لوقوعها مع ضمة في المشهور ثم فتحت الفاء تخفيفاً وهي لغة في ذلك، ولا عبرة بإنكار / أبـي حاتم لها. واستدل بالآية على أن العبد يؤاخذ بفعل القلب كالتصميم على المعصية والأدواء القلبية كالحقد والحسد والعجب وغير ذلك، نعم صرحوا بأن الهم بالمعصية من غير تصميم لا يؤاخذ به للخبر الصحيح في ذلك. ثم إن اتباع الظن يكون كبيرة ويكون صغيرة حسب أنواعه وأصنافها ومنه ما هو أكبر الكبائر كما لا يخفى نسأل الله تعالى أن يعصمنا عن جميع ذلك.
ابن عاشور
تفسير : القفو: الاتباع، يقال: قَفاه يقفوه إذا اتبعه، وهو مشتق من اسم القفا، وهو ما وراء العنُق. واستعير هذا الفعل هنا للعمل. والمراد بــــ {ما ليس لك به علم} الخاطر النفساني الذي لا دليل عليه ولا غلبة ظن به. ويندرج تحت هذا أنواع كثيرة. منها خلةٌ من خلال الجاهلية، وهي الطعن في أنساب الناس، فكانوا يرمون النساء برجال ليسوا بأزواجهن، ويليطون بعض الأولاد بغير آبائهم بهتاناً، أو سوءَ ظن إذا رأوا بعداً في الشبه بين الابن وأبيه أو رأوا شَبَهه برجل آخر من الحي أو رأوا لوناً مخالفاً للون الأب أو الأم، تخرصاً وجهلاً بأسباب التشكل، فإن النسل ينزع في الشبه وفي اللون إلى أصول من سلسلة الآباء أو الأمهات الأدنَيْن أو الأبعدِين، وجهلا بالشبه الناشىء عن الوحَم. حديث : وقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت ولداً أسودَ (يريد أن ينتفي منه) فقال له النبي: «هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانهن؟ قال: وُرْق. قال: وهل فيها من جمل أسود؟ قال: نعم. قال: فمن أين ذلك؟ قال: لعله عِرقٌ نزَعَه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم فلعل ابنك نزعه عِرق»تفسير : ، ونهاه عن الانتفاء منه. فهذا كان شائعاً في مجتمعات الجاهلية فنهى الله المسلمين عن ذلك. ومنها القذف بالزنى وغيره من المساوي بدون مشاهدة، وربما رموا الجيرة من الرجال والنساء بذلك. وكذلك كان عملهم إذا غاب زوج المرأة لم يلبثوا أن يلصقوا بها تهمة ببعض جيرتها، وكذلك يصنعون إذا تزوج منهم شيخ مُسِنٌّ امرأة شابة أو نصفاً فولدت له ألصقوا الولد ببعض الجيرة. حديث : ولذلك لمّا قال النبي صلى الله عليه وسلم يوماً «سلوني» أكثر الحاضرون أن يسأل الرجل فيقول: مَن أبي؟ فيقول: أبوك فلانتفسير : . وكان العرب في الجاهلية يطعنون في نسب أسامة بن زيد من أبيه زيد بن حارثة لأن أسامة كان أسود اللون وكان زيد أبوه أبيض أزهر، وقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن أسامة بن زيد بن حارثة. فهذا خلق باطل كان متفشياً في الجاهلية نهى الله المسلمين عن سوء أثره. ومنها تجنب الكذب. قال قتادة: لا تقف: لا تقل: رأيتُ وأنتَ لم تر، ولا سمعتُ وأنت لم تسمع، وعلمت وأنت لم تعلم. ومنها شهادة الزور وشملها هذا النهي، وبذلك فسر محمد بن الحنفية وجماعة. وما يشهد لإرادة جميع هذه المعاني تعليل النهي بجملة {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا}. فموقع الجملة موقع تعليل، أي أنك أيها الإنسان تُسأل عما تسنده إلى سمعك وبصرك وعقلك بأن مراجع القفو المنهي عنه إلى نسبة لسمع أو بصر أو عقل في المسموعات والمبصرات والمعتقدات. وهذا أدب خُلقي عظيم، وهو أيضاً إصلاح عقلي جليل يعلم الأمة التفرقة بين مراتب الخواطر العقلية بحيث لا يختلط عندها المعلوم والمظنون والموهوم. ثم هو أيضاً إصلاح اجتماعي جليل يجنب الأمة من الوقوع والإيقاع في الأضرار والمهالك من جراء الاستناد إلى أدلة موهومة. وقد صيغت جملة {كل أولئك كان عنه مسئولا} على هذا النظم بتقديم (كل) الدالة على الإحاطة من أول الأمر. وأتي باسم الإشارة دون الضمير بأن يقال: كلها كان عنه مسؤولاً، لما في الإشارة من زيادة التمييز. وأقحم فعل (كان) لدلالته على رسوخ الخبر كما تقدم غير مرة. و{عنه} جار ومجرور في موضع النائب عن الفاعل لاسم المفعول، كقوله: {أية : غير المغضوب عليهم}تفسير : [الفاتحة: 7]. وقدم عليه للاهتمام، وللرعي على الفاصلة. والتقدير: كان مسؤولاً عنه، كما تقول: كان مسؤولاً زيد. ولا ضير في تقديم المجرور الذي هو في رتبة نائب الفاعل وإن كان تقديم نائب الفاعل ممنوعاً لتوسع العرب في الظروف والمجرورات، ولأن تقديم نائب الفاعل الصريح يصيّره مبتدأ ولا يصلح أن يكون المجرور مبتدأ فاندفع مانع التقديم. والمعنى: كلّ السمع والبصر والفؤاد كان مسؤولاً عن نفسه، ومحقوقاً بأن يبين مستند صاحبه من حسه. والسؤال: كناية عن المؤاخذة بالتقصير وتجاوز الحق، كقول كعب: شعر : وقيلَ إنك منسوب ومَسؤول تفسير : أي مؤاخذ بما اقترفت من هجو النبي والمسلمين. وهو في الآية كناية بمرتبة أخرى عن مؤاخذة صاحب السمع والبصر والفؤاد بكذبه على حواسه. وليس هو بمجاز عقلي لمنافاة اعتباره هنا تأكيدَ الإسناد ب (إن) وب (كل) وملاحظة اسم الإشارة و (كان). وهذ المعنى كقوله:{أية : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون}تفسير : [النّور: 24] أي يسأل السمع: هل سمعت؟ فيقول: لم أسمع، فيؤاخذ صاحبه بأن أسند إليه ما لم يبلِّغه إياه وهكذا. والاسم الإشارة بقوله: {أولئك} يعود إلى السمع والبصر والفؤاد وهو من استعمال اسم الإشارة الغالب استعماله للعامل في غير العاقل تنزيلاً لتلك الحواس منزلة العقلاء لأنها جديرة بذلك إذ هي طريق العقل والعقل نفسه. على أن استعمال (أولئك) لغير العقلاء استعمال مشهور قيل هو استعمال حقيقي أو لأن هذا المجاز غلب حتى ساوى الحقيقة، قال تعالى: {أية : ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض}تفسير : [الإسراء: 102] وقال: شعر : ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام تفسير : وفيه تجريد لإسناد {مسؤولا} إلى تلك الأشياء بأن المقصود سؤال أصحابها، وهو من نكت بلاغة القرآن.
الشنقيطي
تفسير : نهى جل علا في هذه الآية الكريمة عن اتباع الإنسان ما ليس له به علم. ويشمل ذلك قوله: رأيت ولم ير، وسمعت ولم يسمع، وعلمت ولم يعلم. ويدخل فيه كل قول بلا علم - وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم. وقد أشار جل وعلا إلى هذا المعنى في آيات أخر. كقوله: {أية : إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة:169] وقوله: {أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف:33]، وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ}تفسير : [الحجرات:12] الآية، وقوله: {أية : قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} تفسير : [يونس:59]، وقوله: {أية : وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً}تفسير : [النجم:28] وقوله: {أية : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ}تفسير : [النساء:157]، والآيات بمثل هذا في ذم اتباع غير العلم المنهي عنه في هذه الآية الكريمة كثيرة جداً. وفي الحديث: "حديث : إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ". تفسير : تنبيه أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة منع التقليد، قالوا: لأنه اتباع غير العلم. قال مقيدة عفا الله عنه: لا شك أن التقليد الأعمى الذي ذم الله به الكفار في آيات من كتابه تدل هذه الآية وغيرها من الآيات على منعه، وكفر متبعه. كقوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}تفسير : [البقرة:170]، وقوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}تفسير : [المائدة:104]، وقوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [لقمان:21]، وقوله: {أية : أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ}تفسير : [الزخرف:21-24]، وقوله: {أية : قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا}تفسير : [إبراهيم:10] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. أما استدلال بعض الظاهرية كابن حزم ومن تبعه بهذه الآية التي نحن بصددها وأمثالها من الآيات - على منع الاجتهاد في الشرع مطلقاً، وتضليل القائل به، ومنع التلقيد من أصله، فهو من وضع القرآن في غير موضعه، وتفسيره بغير معناه، كما هو كثير في الظاهرية، لأن مشروعية سؤال الجاهل للعامل وعمله بفتياه أمر معلوم من الدين بالضرورة. ومعلوم أنه كان العامي يسأل بعض أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم فيفتيه فيعمل بفتياه، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين. كما أنه من المعلوم أن المسألة إن لم يوجد فيها نص من كتاب الله أو سنة نبيّه صلى الله عليه وسلم. فاجتهاد العالم حينئذ بقدر طاقته في تفهم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ليعرف حكم المسكوت عنه من المنطوق به - لا وجه لمنعه، وكان جارياً بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكره أحد من المسلمين. وسنوضح غاية الإيضاح إن شاء الله تعالى "في سورة الأنبياء، والحشر" مسألة الاجتهاد في الشرع، واستنباط حكم المسكوت عنه من المنطوق به بإلحاقه به قياساً كان الإلحاق أو غيره. ونبين أدلة ذلك، ونوضح رد شبه المخالفين كالظاهرية والنظام، ومن قال بقولهم في احتجاجهم بأحاديث وآيات من كتاب الله على دعواهم، وبشبه عقلية حتى يتضح بطلان جميع ذلك. وسنذكر هنا طرفاً قليلاً من ذلك يعرف به صحة القول بالاجتهاد والقياس فيما لا نص فيه، وأن إلحاق النظير بنظيره المنصوص عليه غير مخالف للشرع الكريم. اعلم أولاً - أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بنفي الفارق بينهما لا يكاد ينكره إلا مكابر، وهو نوع من القياس الجلي، ويسميه الشافعي رحمه الله "القياس في معنى الأصل" وأكثر أهل الأصول لا يطلقون عليه اسم القياس، مع أنه إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به لعدم الفرق بينهما. أعني الفرق المؤثر في الحكم. ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}تفسير : [الإسراء:23] فإنه لا يشك عاقل في أن النهي عن التأفيف المنطوق به يدل على النهي عن الضرب المسكوت عنه. وقوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة:7-8] فإنه لا شك أيضاً في أن التصريح بالمؤاخذة بمثال الذرة والإثابة عليه المنطوق به يدل على المؤاخذة والإثابة بمثقال الجبل المسكوت عنه. وقوله تعالى: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ} تفسير : [الطلاق:2] الآية. لا شك في أنه يدل على أن شهادة أربعة عدول مقبولة وإن كانت شهادة الأربعة مسكوتاً عنها. ونهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء يدل على النهي عن التضحية بالعمياء، مع أن ذلك مسكوت عنه. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ}تفسير : [النساء:10] الآية. لا شك في أنه يدل على منع إحراق مال اليتيم وإغراقه. لأن الجميع إتلاف له بغير حق. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أعتق شركاً له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق" تفسير : يدل على أن من أعتق شركاً له في أمة فحكمه كذلك. لما عرف من استقراء الشرع أن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا تأثير لهما في أحكام العتق وإن كانا غير طرديين في غير العتق كالشهادة والميراث وغيرهما. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان"تفسير : لا شك في أنه يدل على منع قضاء الحكم في كل حال يحصل بها التشويش المانع من استيفاء النظر. كالجوع والعطش المفرطين، والسرور والحزن المفرطين، والحقن والحقب المفرطين. ونهيه صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد، لا شك في أنه يدل على النهي عن البول في قارورة مثلاً وصب البول من القارورة في الماء الراكد. إذ لا فرق يؤثر في الحكم بين البول فيه مباشرة وصبه فيه من قارورة ونحوها، وأمثال هذا كثيرة جداً، ولا يمكن أن يخالف فيها إلا مكابر. ولا شك أن في ذلك كله استدلالاً بمنطوق به على مسكوت عنه. وكذلك نوع الاجتهاد المعروف في اصطلاح أهل الأصول "بتحقيق المناط" لا يمكن أن ينكره إلا مكابر، ومسائله التي لا يمكن الخلاف فيها من غير مكابر لا يحيط بها الحصر، وسنذكر أمثلة منها. فمن ذلك قوله تعالى: {أية : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ}تفسير : [المائدة:95] فكون الصيد المقتول يماثله النوع المعين من النعم اجتهاد في تحقيق مناط هذا الحكم، نص عليه جل وعلا في محكم كتابه. وهو دليل قاطع على بطلان قول من يجعل الاجتهاد في الشرع مستحيلاً من أصله. والإنفاق على الزوجات واجب، وتحديد القدر اللازم لا بد فيه من نوع من الاجتهاد في تحقيق مناط ذلك الحكم. وقيم المتلفات واجبة على من أتلف، وتحديد القدر الواجب لا بد فيه من اجتهاد. والزكاة لا تصرف إلا في مصرفها، كالفقير ولا يعلم فقره إلا بأمارات ظنية يجتهد في الدلالة عليها بالقرائن، لأن حقيقة الباطن لا يعلمها إلا الله. ولا يحكم إلا بقول العدل، وعدالته إنما تعلم بأمارات ظنية يجتهد في معرفتها بقرائن الأخذ والإعطاء وطول المعاشرة. وكذلك الاجتهاد من المسافرين في جهة القبلة بالأمارات، إلى غير ذلك مما لا يحصى. ومن النصوص الدالة على مشروعية الاجتهاد في مسائل الشرع - ما ثبت في الصحيح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ". تفسير : وحدثني إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن أبي عمر كلاهما عن عبد العزيز بن محمد بهذا الإسناد مثله، وزاد في عقب الحديث: قال يزيد: فحدثت هذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقال: هكذا حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة، وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: أخبرنا مروان يعني ابن محمد الدمشقي، حدثنا الليث بن سعد، حدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي بهذا الحديث، مثل رواية عبد العزيز بن محمد بالإسنادين جميعاً - انتهى. فهذا نص صحيح من النَّبي صلى الله عليه وسلم، صريح في جواز الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وحصول الأجر على ذلك وإن كان المجتهد مخطئاً في اجتهاده. وهذا يقطع دعوى الظاهرية: منع الاجتهاد من أصله، وتضليل فاعله والقائل به قطعاً باتاً كما ترى. وقال النووي في شرح هذا الحديث: قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم. فإن أصاب فله أجران: أجر باجتهاده، وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده. وفي الحديث محذوف تقديره: إذا أراد الحاكم أن يحكم فاجتهد. قالوا: فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم. فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم. ولا ينعقد حكمه سواء وافق الحق أم لا. لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصلٍ شرعي فهو عاصٍ في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك. وقد جاء في الحديث في السنن: "القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، واثنان في النار. قاض عرف الحق فقضى به في الجنة، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار، وقاض قضى على جهل فهو في النار" انتهى الغرض من كلام النووي. فإن قيل: الاجتهاد المذكور في الحديث هو الاجتهاد في تحقيق المناط دون غيره من أنواع الاجتهاد. فالجواب - أن هذا صرف لكلامه صلى الله عليه وسلم عن ظاهره من غير دليل يجب الرجوع إليه، وذلك ممنوع. وقال البخاري في صحيحه: باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ. حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثني يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر"تفسير : . قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عمرو بن حزم فقال: هكذا حدثني أبوسلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. وقال عبد العزيز بن المطلب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبي سلمة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مثله اهـ. فهذا الحديث المتفق عليه يدل على بطلان قول من منع الاجتهاد من أصله في الأحكام الشرعية. ومحاولة ابن حزم تضعيف هذا الحديث المتفق عليه، الذي رأيت أنه في أعلى درجات الصحيح لاتفاق الشيخين عليه لا تحتاج إلى إبطالها لظهور سقوطها كما ترى. لأنه حديث متفق عليه مروي بأسانيد صحيحة عن صحابيين جليلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. ومن الأدلة الدالة على ذلك ما روي "حديث : عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قال له: "فبم تحكم؟" قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟" قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: "فإن لم تجد؟" قال: أجتهد رأيي. قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ". تفسير : قال ابن كثير رحمه الله في مقدمة تفسيره بعد أن ذكر هذا الحديث: قالوا هذا الحديث ما نصه: وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضوعه وقال ابن قدامة في "روضة الناظر" بعد أن ساق هذا الحديث: يرويه الحارث بن عمرو عن رجال من أهل حمص، والحارث والرجال مجهولون. قاله الترمذي. قلنا: قد رواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ رضي الله عنه. انتهى. ومراد ابن قدامة ظاهر. لأن رد الظاهرية لهذا الحديث بجهالة من رواه عن معاذ مردود بأنه رواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عنه. وهذه الرواية ليست هي مراد ابن كثير بقوله: هذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد لأنها ليست في المسند ولا في السنن، ولعل مراده بجودة هذا الإسناد أن الحارث ابن أخي المغيرة بن شعبة وثقة ابن حبان، وأن أصحاب معاذ يراهم عدولاً ليس فيهم مجروح ولا متهم، وسيأتي استقصاء البحث في طرق هذا الحديث في سورة الأنبياء. ومعلوم أن عبادة بن نسي ثقة فاضل كما قدمنا. وعبد الرحمن بن غنم قيل صحابي، وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين، قاله في التقريب. وحديث معاذ هذا تلقته الأمة قديماً وحديثاً بالقبول. وسيأتي إن شاء الله "في سورة الأنبياء"، و"سورة الحشر" ما استدل به أهل العلم على هذا من آيات القرآن العظيم. ومن الأدلة الدالة على أن إلحاق النظير بنظيره في الشرع جائز: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهماحديث : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: "أفرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: "فصومي عن أمك"تفسير : وفي رواية لهما عنه قال: حديث : جاء رجل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: "لو كان على أمك دَين، أكنت قاضيه عنها؟" قال: نعم. قال: "فدين الله أحق أن يقضى"تفسير : انتهى. واختلاف الرواية في هذا الحديث لا يعد اضطراباً، لأنها وقائع متعددة: سألته امرأة فأفتاها، وسأله رجل فأفتاه بمثل ما أفتى به المرأة، كما نبه عليه غير واحد. وهذا نص صحيح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، صريح في مشروعية إلحاق النظير بنظيره المشارك له في علة الحكم. لأنه صلى الله عليه وسلم بين إلحاق دين الله تعالى بدين الآدمي، بجامع أن الكل حق مطالب به تسقط المطالبة به بأدائه إلى مستحقه. وهو واضح في الدلالة على القياس كما ترى. ومن الأدلة الدالة على ذلك أيضاً: ما رواه الشيخان في صحيحيهما أيضاً حديث : من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النَّبي صلى الله عليه فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود! فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "هل لك إبل؟" قال نعم. قال: "فما ألوانها؟" قال: حمر. قال: "فهل يكون فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقاً. قال: "فأنى أتاها ذلك؟" قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق"تفسير : اهـ. فهذا نص صحيح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم صريح في قياس النظير على نظيره. وقد ترتب على هذا القياس حكم شرعي، وهو كون سواد الولد مع بياض أبيه وأمه، ليس موجباً للعان. فلم يجعل سواده قرينة على أنها زنت بإنسان أسود، لإمكان أن يكون في أجداده من هو أسود فنزعه إلى السواد سواد ذلك الجد. كما أن تلك الإبل الحمر فيها جمال ورق يمكن أن لها أجداداً ورقاً نزعت ألوانها إلى الورقة. وبهذا اقتنع السائل. ومن الأدلة الدالة على إلحاق النظير بنظيره: ما رواه أبو داود، والإمام أحمد، والنسائي، "حديث : عن عمر رضي الله عنه قال: هششت يوماً فقبلت وأنا صائم. فأتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقلت: صنعت اليوم أمراً عظيماً! قبلت وأنا صائم!؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟" فقلت: لا بأس بذلك. فقال صلى الله عليه وسلم "فمه"تفسير : اهـ. فإن قيل: هذا الحديث قال فيه النسائي: منكر. قلنا: صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. قاله الشوكاني في نيل الأوطار. قال مقيدة عفا الله عنه: هذا الحديث ثابت وإسناده صحيح. قال: أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن يونس ثنا الليث (ح) وثنا عيسى بن حماد، أخبرنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله، عن عبد الملك بن سعيد، عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب: هششت فقبلت.. إلى آخر الحديث بلفظه المذكور آنفاً. ولا يخفى أن هذا الإسناد صحيح، فإن طبقته الأولى أحمد بن يونس وعيس بن حماد. أما أحمد فهو ابن عبد الله بن يونس الكوفي التميمي اليربوعي ثقة حافظ. وعيسى بن حماد بن مسلم التجيبي أبو موسى الأنصاري الملقب زغبة، ثقة. وطبقته الثانية الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت، فقيه إمام مشهور. وطبقته الثالثة بكير بن عبد الله بن الأشج مولى بني مخزوم أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدني نزيل مصر ثقة. وطبقته الرابعة عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري المدني ثقة. وطبقته الخامسة جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. فهذا إسناد صحيح رجاله ثقات كما ترى. فهو نص صحيح صريح في أنه صلى الله عليه وسلم قاس القبلة على المضمضة. لأن المضمضة مقدمة الشرب، والقبلة مقدمة الجماع. فالجامع بينهما أن كلاً منهما مقدمة المفطر، وهي لا تفطر بالنظر لذاتها. فهذه الأدلة التي ذكرنا فيه الدليل الواضح على أن إلحاق النظير بنظيره من الشرع لا مخالف له. لأنه صلى الله عليه وسلم فعله، والله يقول: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}تفسير : [الأحزاب:21] وهو صلى الله عليه وسلم لم يفعله إلا لينبه الناس له. فإن قيل: إنما فعله صلى الله عليه وسلم لأن الله أوحى إليه ذلك. قلنا: فعله حجة في فعل مثل ذلك الذي فعل، ولو كان فعله بوحي كسائر أقواله وأفعاله وتقريراته، فكلها تثبت بها الحجة، وإن كان هو صلى الله عليه وسلم فعل ما فعل من ذلك بوحي من الله تعالى. مسألة قال ابن خويز منداد من علماء المالكية: تضمنت هذه الآية الحكم بالقافة. لأنه لما قال: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} دل على جواز ما لنا به علم. فكل ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه جاز أن يحكم به. وبهذا احتججنا على إثبات القرعة والخرص. لأنه ضرب من غلبة الظن، وقد يسمى علماً اتساعاً. فالقائف يلحق الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما، كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل عن طريق الشبه. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علي مسروراً تبرق أسارير وجهه فقال: "ألم ترى أن مجززاً المدلجي نظر آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد عليهما قطيفة، قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض" وفي حديث يونس بن يزيد: وكان مجزز قائفاً اهـ بواسطة نقل القرطبي في تفسيره. قال مقيدة عفا الله عنه: من المعلوم أن العلماء اختلفوا في اعتبار أقوال القافة. فذهب بعضهم إلى عدم اعتبارها. واحتج من قال بعدم اعتبارها بقصة الأنصارية التي لاعنت زوجها وجاءت بولد شبيه جداً بمن رميت به ولم يعتبر هذا الشبه النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلم يحكم بأن الولد من زنى ولم يجلد المرأة. قالوا: فلو كان الشبه تثبت به الأنساب لأثبت النَّبي صلى الله عليه وسلم به أن ذلك الولد من ذلك الرجل الذي رميت به. فيلزم على ذلك إقامة الحد عليها، والحكم بأن الولد ابن زنى، ولم يفعل النَّبي صلى الله عليه وسلم شيئاَ من ذلك كما يأتي إيضاحه (في سورة النور) إن شاء الله تعالى. وهذا القول بعدم اعتبار أقوال القافة مروي عن أبي حنيفة وإسحاق والثوري وأصحابهم. وذهب جمهور أهل العلم إلى اعتبار أقوال القافة عند التنازع في الولد، محتجين بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم سر بقول مجزز بن الأعور المدلجي: إن بعض هذه الأقدام من بعض، حتى برقت أسارير وجهه من السرور. قالوا: وما كان صلى الله عليه وسلم ليسر بالباطل ولا يعجبه، بل سروره بقول القائف دليل على أنه من الحق لا من الباطل، لأن تقديره وحده كاف في مشروعية ما قرر عليه، وأخرى من ذلك ما لو زاد السرور بالأمر على التقرير عليه، وهو واضح كما ترى. واعلم أن الذين قالوا باعتبار أقوال القافة اختلفوا فمنهم من قال لا يقبل ذلك إلا في أولاد الإماء دون أولاد الحرائر. ومنهم من قال: يقبل ذلك في الجميع. قال مقيدة عفا الله عنه: التحقيق باعتبار ذلك في أولاد الحرائر والإماء لأن سرور النَّبي صلى الله عليه وسلم وقع في ولد حرة، وصورة سبب النزول قطعية الدخول كما تقرر في الأصول، وهو قول الجمهور وهو الحق، خلافاً للإمام مالك رحمه الله قائلاً: إن صورة السبب ظنية الدخول، وعقده صاحب مراقي السعود بقوله: شعر : واجزم بإدخال ذوات السبب وارو عن الإمام ظناً تصب تفسير : تنبيهان الأول- لا تعتبر أقوال القافة في شبه مولود برجل إن كانت أمه فراشاً لرجل آخر. "حديث : لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم رأى شدة شبه الولد الذي اختصم فيه سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة بعتبة بن أبي وقاص ولم يؤثر عنده هذا الشبه في النسب لكون أم الولد فراشاً لزمعة. فقال صلى الله عليه وسلم "الولد للفراش وللعاهر الحجر" ولكنه صلى الله عليه وسلم اعتبر هذا الشبه من جهة أخرى غير النسب. فقال لسودة بنت زمعة رضي الله عنها "احتجبي عنه"تفسير : مع أنه ألحقه بأبيها فلم ير سودة قط. وهذه المسألة أصل عند المالكية في مراعاة الخلاف كما هو معلوم عندهم. التنبيه الثاني: قال بعض علماء العربية: أصل القفو البهت والقذف بالباطل. ومنه الحديث الذي روي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا"تفسير : أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما من حديث الأشعث بن قيس. وساق طرق هذا الحديث ابن كثير في تاريخه. وقوله "لا نقفوا أمنا" أي لا نقذف أمنا ونسبها، ومنه قول الكميت: شعر : فلا أرمي البريء بغير ذنب ولا أقفوا الحواصن إن قفينا تفسير : وقول النابغة الجعدي: شعر : ومثل الدمى شم العرانين ساكن بهن الحياء لا يشعن التقافيا تفسير : والذي يظهر لنا أن أصل القفو في لغة العرب: الاتباع كما هو معلوم من اللغة. ويدخل فيه اتباع المساوي كما ذكره من قال: إن أصله القذف والبهت. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} فيه وجهان من التفسير: الأول - أن معنى الآية -أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن أفعال جوارحه فيقال له: لم سمعت ما لا يحل لك سماعهّ؟ ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه!؟ ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه!؟ ويدل لهذا المعنى آيات من كتاب الله تعالى، كقوله: {أية : وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [النحل:93]، وقوله {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الحجر:92-93]، ونحو ذلك من الآيات. والوجه الثاني - أن الجوارح هي التي تسأل عن أفعال صاحبها، فتشهد عليه جوارحه بما فعل. قال القرطبي في تفسيره: وهذا المعنى أبلغ في الحجة. فإنه يقع تكذيبه من جوارحه، وتلك غاية الخزي كما قال: {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [يس:65]، وقوله: {أية : شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [فصلت:20]. قال مقيدة عفا الله عنه: والقول الأول أظهر عندي، وهو قول الجمهور. وفي الآية الكريمة نكتة نبه عليها في مواضع أخر. لأن قوله تعالى: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} يفيد تعليل النهي في وقوله: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} بالسؤال عن الجوارح المذكورة، لما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه: أن "إن" المكسورة من حروف التعليل. وإيضاحه: أن المعنى انته عما لا يحل لك لأن الله أنعم عليك بالسمع والبصر والعقل لتشكره، وهو مختبرك بذلك وسائلك عنه، فلا تستعمل نعمه في معصيته. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [النحل:78]، ونحوها من الآيات. والإشارة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة بقوله {أُولـٰئِكَ} راجعة إلى {ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ} وهو دليل على الإشارة "بأولئك" لغير العقلاء وهو الصيحيح. ومن شواهده في العربية قول الشاعر وهو العرجي: شعر : يا ما أمياح غزلانا شدن لنا من هؤلياء كن الضال والسمر تفسير : وقول جرير: شعر : ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام تفسير : خلافاً لمن زعم أن بيت جرير لا شاهد فيه، وأن الرواية فيه "بعد أولئك الأقوام" والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُولـٰئِكَ} {مَسْؤُولاً} (36) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى العِبَادَ عَنِ القَوْلِ بِلاَ عِلْمٍ، وَبِدُونِ تَثَبُّتٍ، فَعَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنِ الحَدِيثِ فِي أَمْرٍ عَلَى الظَّنِّ وَالشُّبْهَةِ وَالتَّوَهُّمِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: لاَ تَشْهَدْ إِلاَّ بِمَا رَأَتْ عَيْنَاكَ، وَسَمِعَتْهُ أُذُنَاكَ، وَوَعَاهُ قَلْبُكَ. (وَفِي الحَدِيثِ: حديث : إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِتفسير : ). وَيَقُولُ تَعَالَى لِلْعِبَادِ إِنَّهُ سَيَسْأَلُهُمْ عَنْ أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأَفْئِدَتِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَعَمَّا اجْتَرَحَتْهُ كُلُّ جَارِحَةٍ مِنْ هَذِهِ الجَوَارِحِ. لاَ تَقْفُ - لاَ تَتْبَعْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ينتقل الحق سبحانه وتعالى إلى قضية أخرى تُنظِّم حركة الحياة والإنسان الذي استخلفه الله في الأرض ووهَبه الحياة وأمدَّه بالطاقات وبمُقَوِّمَات الحياة وضرورياتها. وبعد أنْ تكفّل له بالضروريات، دَلّه على الترقِّي في الحياة بالبحث والفكر، واستخدام العقل المخلوق لله، والمادة المخلوقة لله بالطاقات المخلوقة لله، فيُرقِّي ويُثري حياته ومجتمعه. وحركة الترقِّي والإثراء هذه لا تتمّ إلا على قضية ثابتة واضحة، فإذا تحركتَ في الحياة بناءً على هذه القضية فسوف تصل إلى النتيجة المرجوّة. فمثلاً، الطالب الذي يرغَب في دخول كلية الحقوق مثلاً، لديه قضية واضحة مجزوم بها، فعندما يلتحق بالحقوق يجتهد، ويصل من خلالها إلى طموحاته؛ لأنه سار على ضَوْء قضية اقتنع بها. إذن: لا بُدَّ أن تُبْنَى حركة الحياة على قضايا ثابتة، هذه القضايا الثابتة تجعل المتحرِّك في أيِّ حركة واثقاً من أن حركته ستُؤدِّي إلى النتيجة المطلوبة، فلو أردتَ مثلاً الذهاب إلى الإسكندرية أو إلى أسوان، فلن تتحرّك إلا إذا تأكدتَ أن هذا الطريق هو الموصِّل إلى غايتك، وكذلك حركة الحياة لا يمكن أنْ تتمَّ إلا بناءً على قضايا حقيقية مضبوطة في الكون، وهذا ما نسميه (العلم). وقد سبق أن أوضحنا معنى القضية، وأنها المقولة التي يُحكَم على قائلها بالصدق أو بالكذب، كأن نقول: الأرض كُروية، أو الشمس مضيئة، أو القمر منير، وهذه القضايا تعطيني قضية علمية مجزوماً بها وواقعة، ويمكن أنْ نُدلِّل عليها. وهذا هو العلم. أما الجهل فأنْ تجزم بقضية ليست واقعية فهي قضية كاذبة، وليس الجهل عدم العلم كما يعتقد البعض؛ لأن عدم العلم أمية، والأميّ ليس عنده قضية لا صادقة ولا كاذبة. لذلك تجد الأميّ أطوعَ في التعلم من الجاهل؛ لأن الأمي بمجرد أنْ تُعلِّمه قضية ما يأخذها ويتعلمها، أما الجاهل فيلزمك أولاً أن تُخرِج من ذهنه القضية المخالفة، ثم تُعلّمه القضية الصادقة. وقضايا الحياة يمكن أنْ تُقسَّم إلى قسمين: قضايا تختلف فيها الأهواء. وقضايا تتفق فيها الأهواء. فالقضايا التي تختلف فيها الأهواء: هي القضية التي يخدم بها كل قائل لها فكرةً عنده فقط، وإنْ كانت ضارة بغيره، فما دام الأمر قائماً على الأهواء فلا بُدَّ أنْ تختلفَ، فكُلٌّ له هواه الخاص، فلو أن لكل واحد قضية ما التقينا على شيء أبداً. وصدق الحق تبارك وتعالى حين قال: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ ..}تفسير : [المؤمنون: 71]. إذن: فما المخرج من هذا الاختلاف والتبايُن؟ المخرَج أن يخرج كل واحد مِنَّا من هوى نفسه أولاً، ثم نرد القضية التي اختلفتْ فيها أهواؤنا إلى مَنْ لا هوى له. وربُّكَ سبحانه وتعالى هو وحده الذي لا هَوى له، ونحن جميعاً خَلْقه، وكلنا عنده سواء، ليس منا مَنْ بينه وبين الله نسب أو قرابة، فشرع الله واحد للجميع، ولا غضاضة فالكل خاضع لهذا الشرع مُتّبِع له؛ لأنه شَرْع الخالق سبحانه لا شَرْع أحد من الناس. لذلك اشتهر قولهم: "اللي الشرع يقطع صباعه مَيْخُرش دم". فأنا لم أخضع لك، وأنت لم تخضع لي، بل الجميع خاضع لله تعالى مُنصَاع لأمره. إذن: اتركوا قضايا الأهواء لله تعالى يُشرّعها لكم لكي ترتاحوا من تسلُّط بعضكم على بعض. أما القضايا التي تتفق فيها الأهواء فهي القضايا المادية القائمة على المادة الصمَّاء التي لا تُجامِل أحداً على حساب أحد، ولا مانعَ أن تتبعوا الآخرين فيها؛ لأنكم سوف تلتقون عليها قَهْراً ورَغْماً عنكم، فالمعمل الذي تدخله لتجري التجارب التي توصلك لقضية ما مادية أو كيماوية معمل محايد لا يجامل أحداً. وقد سبق أن قلنا: إن الكهرباء أو الكيمياء ليس فيها روسي وأمريكي؛ لأن هذه أشياء مادية لا خلافَ عليها، أما الذي جعل المعسكر الشرقي يختلف والمعسكر الغربي هي القضايا الأهوائية، فهذا شيوعي، وهذا رأسمالي. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم وضع بنفسه هذا المبدأ في الوجود الإيماني حينما رأى الناس يُؤبّرون النخل، فأشار عليهم بعدم تأبيره، فأطاعوه ولم يؤبروا النخل في هذا العام، وكانت النتيجة أن شاص النخل ولم يثمر، وأثبتتْ التجربة الطبيعية أن ما أشار به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس صواباً. يأتي هذا مِمَّنْ؟ من محمد بن عبد الله نبي الله ورسوله، الذي يحرص على أن تأتي كل قضاياه صادقة صائبة، وما كان منه إلا أن قال: "حديث : أنتم أعلم بشئون دنياكم ". تفسير : ليضع بذلك أُسْوة لعلماء الدين ألاَّ يضعوا أنوفهم في قضايا الماديات، وقد قال الحق تبارك وتعالى: {أية : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ..}تفسير : [البقرة: 60]. ويقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ". تفسير : فإنْ أردتَ أنْ تتحرَّك في الحياة حركة سليمة مجدية، وحركة متساندة مع إخوانك غير متناقضة؛ فالحق سبحانه يقول: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ..} [الإسراء: 36] لكي تسير في حركة الحياة على هُدىً وبصيرة. {لاَ تَقْفُ} أي: لا تتبع ولا تتدخل فيما لا عِلْم لك به، كمَنْ يدَّعي مثلاً العلم بإصلاح التليفزيون وهو لا يعلم، فربما أفسد أكثر مما يُصلح. ومن هنا قال أهل الفقه: مَنْ قال لا أدري فقد أفتى؛ لأنه بإعلان عدم معرفته صرف السائل إلى مَنْ يعلم، أما لو أجاب خطأ، فسوف يترتّب على إجابته مَا لا تُحمد عُقْباه، والذي يسلك هذا المسلك في حياته تكون حركته في الحياة حركة فاشلة. والفعل (يَقفُو) مأخوذ من القفا وهو المؤخرة، وقد قال تعالى في آية أخرى: {أية : ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا ..} تفسير : [الحديد: 27] أي: أتبعناهم. ويقفو أثره أي: يسير خَلْفه. وحينما نصح أحدهم رجلاً يريد أنْ يتزوج قال له: لا تتخذها حنَّانة، ولا منَّانة، ولا عُشْبة الدار، ولا كبة القفا. فالحنانة التي لها ولد من غيرك يُذكِّرها دائماً بأبيه فتحِنّ إليه، والمنّانة التي لديها مال تَمنُّ به عليك، وعُشْبة الدار هي المرأة الحسناء في المنبَتِ السوء والمستنقع القذر، وكبَّة القفا هي التي لا تعيب الإنسان في حضوره، وتعيبه وتذمه في غيبته. والعلم هنا يُراد به العلم المطلق؛ لأن الكثير من الناس كان يعتقد أن العلم يعني العلم الديني فقط، لكن العلم هو كل ما يُثري حركة الحياة، والعلم علمان: - علم ديني، وهو الذي يقضي على الأهواء، ويُوحِّدهَا إلى هوىً واحد هو الهَوى الإيماني. وهذا العلم يتولاّه الخالق سبحانه، وليس لنا دَخْل فيه؛ لأن الصانع أَدْرى بصنعته، وهو الذي يضع لها قانون صيانتها؛ لأنه يعلم مَا يصلحها ومَا يفسدها. وكما أنك لا تذهب إلى الجزار ليضع لك قانون صيانة التلفاز مثلاً؛ كذلك لا تطلب قانون صيانة الإنسان إلا من خالقه عز وجل:{أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [الملك: 14]. وهذا النوع من العلم قال الله تعالى عنه: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..}تفسير : [الحشر: 7]. - فليس لنا أنْ نتدخَّلَ فيه، أو نزيد عليه؛ لأنه منهج الله الذي جاء بـ "افعل ولا تفعل"، وهو منهج لا يقبل الزيادة أو التعديل، فما كان فيه أمر ونهي فعليك الالتزام به، وإلا لو خرجت عن هذا الإطار الذي رسمه لك ربك وخالقك فسوف تحدث في الكون فساداً بترك الأمر أو بإتيان النهي. أما الأمور التي تركها الخالق سبحانه ولم يرد في شأنها أمر أو نهي فأنت حر فيها، تفعل أو لا تفعل. والمتأمل في شرع الخالق سبحانه يجد أمور التكليف بافعل ولا تفعل قليلة إذا ما قيست بالأمور التي ترك لك الحرية فيها، إذن: فدع لربك وخالقك والأعلم بك مجالاً يحكم من خلاله حياتك وينظمها لك، ألا يجدر بنا ونحن عباده وصنعته أن نُحكّمه في أمور ديننا، ونُخرِج أنوفنا مما اختص به سبحانه؟ - أما النوع الآخر من العلم، فهو العلم المادي التجريبي الذي لا يخضع للأهواء، فقد جعله الخالق سبحانه مجالاً للبحث والتسابق، ومضماراً يجري فيه الجميع؛ لأنهم في النهاية سيلتقون فيه قَهْراً ورَغْماً عنهم. وقد أعطانا الحق سبحانه وتعالى مثالاً لهذا النوع من العلم، فقال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ ..}تفسير : [فاطر: 27-28]. فذكر الحق سبحانه أجناس الوجود كلها: الإنسان، والحيوان، والنبات، والجماد. ثم ختم ذلك بقوله: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ..}تفسير : [فاطر: 28]. فهذه ظواهر الكون، ارْبَع فيها كما شئت بحثاً ودراسة، وإنْ أحسنتَ الإمعان فيها فسوف تُوصِّلك إلى ظواهر أخرى تُثري حياتك وتُرقّيها، فالذي اكتشف عصر البخار، والذي اكتشف العجلة والكهرباء والجاذبية وغيرها لم يخلق جديداً في كَوْن الله، إنما أحسن النظر والتأمّل فتوصّل إلى ما يُريح المجتمع ويُسعده. لذلك، فالحق سبحانه وتعالى يُحذّرنا أن نمرَّ على ظواهر الكون في إعراض وغفلة ودون تمعُّن فيها: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}تفسير : [يوسف: 105]. والذين عبَّروا عن هذه الإنجازات العلمية بكلمة (الاكتشافات) كانوا أمناء في التعبير عن الواقع الفعلي، فهم لم يخلقوا جديداً في الكون، فكلُّ هذه الأشياء موجودة، والفضل لهم في الاهتداء إليها واكتشافها، ومن هنا فكلمة (اختراع) ليست دقيقةً في التعبير عن هذه الاكتشافات. فإذا كان الحق سبحانه نهانا عن تتبُّع ما ليس لنا به علم، فماذا نتبع؟ نتبع ما نعلمه وما نتيقن منه من علوم، فإنْ كانت في الدين تركناها للخالق سبحانه يُقنّنها لنا، وإنْ كانت في أمور الدنيا أعملنا فيها عقولنا بما ينفعنا ويُثرِي حياتنا؛ لذلك تكلّم الحق سبحانه بعد ذلك عن وسائل إدراك العلم، فقال: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36]. وما دام الحق سبحانه قد نهانا عن تتبع مَا لا نعلم، وأمرنا أن نسير على ضوء ما نعلم من العلم اليقيني فلا بُدّ أنْ يسأل المرءُ عن وسائل العلم هذه، لأنه لولا وسائل الإدراك هذه ما عَلِم الإنسانُ شيئاً، وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [النحل: 78]. وهل يشكر الإنسان إلا على حصيلة أخذها؟ هذه الحصيلة هي العلم. وهذه الحواس تُؤدِّي عملها في الإنسان بمجرد أنْ تنشأ فيه، وبعد أنْ يخرجَ إلى الحياة، والبعض يظنّ أن الطفل الصغير لا يفهم إلا عندما يكبر ويستطيع الكلام والتفاهم مع الآخرين، والحقيقة أن الطفل يدرك ويَعِي من الأيام الأولى لولادته. ولذلك، فإن علماء وظائف الأعضاء يقولون: إن الطفل يُولَد ولديْه ملكَاتٌ إدراكية سمّاها العلماء احتياطاً "الحواس الخمس الظاهرة"، وقد كان احتياطهم في محله لأنهم اكتشفوا بعد ذلك حواس أخرى، مثل حاسة العضل مثلاً التي نُميِّز بها بين الخفيف والثقيل. وإنْ كانت حواس الإنسان كثيرة فإن أهمها: السمع والبصر، وقد وردت في القرآن بهذا الترتيب، السمع أولاً، ثم البصر لأن السمع يسبق البصر، فالإنسان بمجرد أنْ يُولَد تعمل عنده حاسّة السمع، أما البصر فإنه يتخلّف عن السمع لعدة أيام من الولادة، إذن: فهو أسبق في أداء مهمته، هذه واحدة. الأخرى: أن السمع هو الحاسَّة الوحيدة التي تُؤدّي مهمتها حتى حال النوم، وفي هذا حكمة بالغة للخالق سبحانه، فبالسمع يتم الاستدعاء من النوم. وقد أعطانا الخالق سبحانه صورة واضحة لهذه المسألة في قصة أهل الكهف، فلما أراد سبحانه أن يناموا هذه السنين الطوال ضرب على آذانهم وعطّل حاسة السمع لديهم، وإلاّ لَمَا تمكَّنوا من النوم الطويل، ولأزعجتهم الأصوات من خارج الكهف. فقال تعالى:{أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً}تفسير : [الكهف: 11]. ولم يسبق البصر السمع إلا في آية واحدة في كتاب الله تعالى وهي: {أية : رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ..}تفسير : [السجدة: 12]. والحديث هنا ليس عن الدنيا، بل عن الآخرة، حيث يفزع الناس من هَوْلها فيقولون: {أية : رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً..}تفسير : [السجدة: 12] لأنهم في الآخرة أبصروا قبل أن يسمعوا. فالسمع أوّل الحواس، وهو أهمها في إدراك المعلومات، حتى الذي يأخذ معلوماته بالقراءة سمع قبل أن يقرأ، فتعلّم أولاً بالسماع ألف باء، فالسمع أولاً في التعلُّم، ثم يأتي دَوْر البصر. والذي يتتبع الآيات التي ورد فيها السمع والبصر سيجدها جاءت بإفراد السمع وجمع البصر، مثل قوله سبحانه: {أية : وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ ..}تفسير : [السجدة: 9]. إلا في هذه الآية التي نحن بصدد الحديث عنها جاءت: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36]. لماذا؟ وما الحكمة من إفرادها هنا بالذات؟ وقبل أن نُوضِّح الحكمة هنا يجب أن نعي أن المتكلم هو الله تعالى، وما دام المتكلم هو الله فلا بُدَّ أن تجد كل كلمة دقيقة في موضعها، بليغة في سياقها. فالسمع جاء بصيغة الإفراد؛ لأنه لا يتعدد فيه المسموع بالنسبة للسامع، فإذا حدث الآن صوت نسمعه جميعاً، فهو واحد في جميع الآذان. أما البصر فهو خلاف ذلك؛ لأن أمامنا الآن مرائيَ متعددة ومناظر مختلفة، فأنت ترى شيئاً، وأنا أرى شيئاً آخر، فَوحْدة السمع لا تنطبق على البصر؛ لذلك أفرد السمع وجاء البصر بصيغة الجمع. أما في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ ..} [الإسراء: 36] فقد ورد البصر هنا مفرداً؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يتحدث عن المسئولية، مسئولية كل إنسان عن سَمْعه وبصره، والمسئولية أمام الحق سبحانه وتعالى فردية لا يُسأل أحد عن أحد، بل يُسأل عن نفسه فحَسْب، فناسب ذلك أنْ يقول: السمع والبصر؛ لأنه سيُسأل عن بصر واحد وهو بصره. فالإنسان - إذن - مسئول عن سَمْعه وبصره وفؤاده من حيث التلقِّي، تلقّي القضايا العلمية التي سنسير عليها في حركة حياتنا، وكذلك من حيث الإعطاء، فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول للأذن: لا تسمعي إلا خيراً، ولا تتلقيْ إلا طيّباً، ويا مُربِّي النشء لا تُسْمِعه إلا ما يدعو إلى فضيلة، ولا تعط لأذنه إلا ما يصلح حياته ويُثريها. ويقول للعين: لا ترَىْ إلا الحلال لا يهيج غرائزك إلى الشهوات، ويا مُربِّي النشء احجب عنه ما يثير الغرائز ويفسد الحياة؛ وبذلك نربي في المجتمع المعلومات الصحيحة التي تنبني عليها حركة حياته. وما دُمْتَ مسئولاً عن أعضائك هذه المسئولية، ومحاسباً عنها، فإياك أنْ تقولَ: سمعت وأنت لم تسمع، وإياك أنْ تقولَ: رأيت وأنت لم تَرَ، إياك أنْ تتعرّض لشهادة تُدلي فيها بغير ما تعلم وتتيقن. أو تتبنّى قضية خاطئة وتبني عليها حركة حياتك؛ لأن المبنّي على مقدمات فاسدة ينتج عنه نتائج فاسدة، وما بُنِي على مقدمات صحيحة أنتج النتيجة الصحيحة. وجماع هذا كله في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ..} [الإسراء: 36] لماذا؟ لأنك محاسب على علمك هذا وعلى وسائل إدراكه لديك: {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} معناهُ ولا تَتْبع شَهادَةَ الزّورِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ولا تتبع ما ليس لك به علم، بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله، فلا تظن ذلك يذهب لا لك ولا عليك، { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا } فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسئول عما قاله وفعله وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد للسؤال جوابا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها بعبودية الله وإخلاص الدين له وكفها عما يكرهه الله تعالى.
همام الصنعاني
تفسير : 1566- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}: [الآية: 36]، قال: لا تقل رأيتُ ولم تَر، وسمعتُ ولم تسمعْ، وعلمتُ ولم تعلمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):