١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الأشياء التي نهى الله عنها في هذه الآيات وفيه مسائل: المسألة الأولى: المرح شدة الفرح يقال: مرح يمرح مرحاً فهو مرح، والمراد من الآية النهي عن أن يمشي الإنسان مشياً يدل على الكبرياء والعظمة. قال الزجاج: لا تمش في الأرض مختالاً فخوراً ونظيره قوله تعالى في سورة الفرقان: { أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } تفسير : [الفرقان: 63] وقال في سورة لقمان: { أية : وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } تفسير : [لقمان: 19] وقال أيضاً فيها: { أية : وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } تفسير : [لقمان: 18]. المسألة الثانية: قال الأخفش: ولو قرئ: {مَرَحاً } بالكسر كان أحسن في القراءة. قال الزجاج: مرحاً مصدر ومرحاً اسم الفاعل وكلاهما جائز، إلا أن المصدر أحسن ههنا وأوكد، تقول جاء زيد ركضاً وراكضاً فركضاً أوكد لأنه يدل على توكيد الفعل، ثم إنه تعالى أكد النهي عن الخيلاء والتكبر فقال: {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً } والمراد من الخرق ههنا نقب الأرض، ثم ذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن المشي إنما يتم بالارتفاع والانخفاض فكأنه قيل: إنك حال الانخفاض لا تقدر على خرق الأرض ونقبها، وحال الارتفاع لا تقدر على أن تصل إلى رؤوس الجبال، والمراد التنبيه على كونه ضعيفاً عاجزاً فلا يليق به التكبر. الثاني: المراد منه أن تحتك الأرض التي لا تقدر على خرقها. وفوقك الجبال التي لا تقدر على الوصول إليها فأنت محاط بك من فوقك وتحتك بنوعين من الجماد، وأنت أضعف منهما بكثير، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر فكأنه قيل له: تواضع ولا تتكبر فإنك خلق ضعيف من خلق الله المحصور بين حجارة وتراب فلا تفعل فعل المقتدر القوي: ثم قال تعالى: {كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الأكثرون قرؤا {سيئة} بضم الهاء والهمزة وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {سيئة} منصوبة أما وجه قراءة الأكثرين فظاهر من وجهين: الوجه الأول: قال الحسن: إنه تعالى ذكر قبل هذا أشياء أمر ببعضها ونهى عن بعضها، فلو حكم على الكل بكونه سيئة لزم كون المأمور به سيئة وذلك لا يجوز، أما إذا قرأناه بالإضافة كان المعنى أن ما كان من تلك الأشياء المذكورة سيئة فهو مكروه عند الله واستقام الكلام. والوجه الثاني: أنا لو حكمنا على كل ما تقدم ذكره بكونه سيئة لوجب أن يقال: إنها مكروهة وليس الأمر كذلك لأنه تعالى قال: {مَكْرُوهًا } أما إذا قرأناه بصيغة الإضافة كان المعنى أن سيىء تلك الأقسام يكون مكروهاً، وحينئذ يستقيم الكلام. أما قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو: فيها وجوه: الأول: أن الكلام، تم عند قوله: { أية : ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } تفسير : [الإسراء:35] ثم ابتدأ وقال: { أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } تفسير : [الإسراء: 36] { أية : وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا } تفسير : [الإسراء: 37]. ثم قال: {كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيّئُهُ } والمراد هذه الأشياء الأخيرة التي نهى الله عنها. والثاني: أن المراد بقوله: {كُلُّ ذٰلِكَ } أي كل ما نهى الله عنه فيما تقدم. وأما قوله: {مَكْرُوهًا } فذكروا في تصحيحه على هذه القراءة وجوهاً: الأول: التقدير: كل ذلك كان سيئة وكان مكروهاً. الثاني: قال صاحب «الكشاف»: السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم الصفات فلا اعتبار بتأنيثه، ولا فرق بين من قرأ سيئة ومن قرأ سيئه. ألا ترى أنك تقول: الزنا سيئة كما تقول السرقة سيئة، فلا تفرق بين إسنادها إلى مذكر ومؤنث. الثالث: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: كل ذلك كان مكروهاً وسيئة عند ربك. الرابع: أنه محمول على المعنى لأن السيئة هي الذنب وهو مذكر. المسألة الثانية: قال القاضي: دلت هذه الآية على أن هذه الأعمال مكروهة عند الله تعالى، والمكروه لا يكون مراداً له، فهذه الأعمال غير مرادة لله تعالى فبطل قول من يقول: كل ما دخل في الوجود فهو مراد لله تعالى. وإذا ثبت أنها ليست بإرادة الله تعالى وجب أن لا تكون مخلوقة له لأنها لو كانت مخلوقة لله تعالى لكانت مرادة له لا يقال: المراد من كونها مكروهة أن الله تعالى نهى عنها، وأيضاً معنى كونها مكروهة أن الله تعالى كره وقوعها وعلى هذا التقدير فهذا لا يمنع أن الله تعالى أراد وجودها، لأن الجواب عن الأول أنه عدول عن الظاهر، وأيضاً فكونها سيئة عند ربك يدل على كونها منهياً عنها فلو حملنا المكروه على النهي لزم التكرار. والجواب عن الثاني: أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الزجر عن هذه الأفعال، ولا يليق بهذا الموضع أن يقال: إنه يكره وقوعها هذا تمام هذا الاستدلال. والجواب: أن المراد من المكروه المنهي عنه ولا بأس بالتكرير لأجل التأكيد، والله أعلم. المسألة الثالثة: قال القاضي: دلت هذه الآية على أنه تعالى كما أنه موصوف بكونه مريداً فكذلك أيضاً موصوف بكونه كارهاً. وقال أصحابنا: الكراهية في حقه تعالى محمولة إما على النهي أو على إرادة العدم، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} هذا نَهْيٌ عن الخُيَلاء وأمرٌ بالتواضع. والمَرَح: شدّة الفرح. وقيل: التكبر في المشي. وقيل: تجاوز الإنسان قدره. وقال قتادة: هو الخيلاء في المشي. وقيل: هو البطر والأَشَر. وقيل: هو النشاط. وهذه الأقوال متقاربة ولكنها منقسمة قسمين: أحدهما مذموم والآخر محمود؛ فالتكبّر والبَطَر والخُيَلاء وتجاوز الإنسان قدره مذموم والفرح والنشاط محمود. وقد وصف الله تعالى نفسه بأحدهما؛ ففي الحديث الصحيح: «حديث : لَلَّهُ أفرح بتوبة العبد من رجل...» تفسير : الحديث. والكسل مذموم شرعاً والنشاط ضدّه. وقد يكون التكبر وما في معناه محموداً، وذلك على أعداء الله والظلمة. أسند أبو حاتم محمد بن حِبّان عن ابن جابر بن عتيك عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : مِن الغَيْرة ما يبغض الله عز وجل ومنها ما يحب الله عز وجل ومن الخُيَلاء ما يحب الله عز وجل ومنها ما يبغض الله فأما الغيرة التي يحب الله الغَيْرَةُ في الدِّين والغيرة التي يبغض الله الغيرةُ في غير دينه والخيلاء التي يحب الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة والاختيال الذي يبغض الله الخيلاء في الباطل»تفسير : وأخرجه أبو داود في مصنَّفه وغيره. وأنشدوا:شعر : ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً فكم تحتها قوم همو منك أرفع وإن كنتَ في عزٍّ وحِرْز ومَنْعة فكم مات من قوم همو منك أمنع تفسير : الثانية: إقبال الإنسان على الصيد ونحوه ترفُّعاً دون حاجة إلى ذلك داخل في هذه الآية، وفيه تعذيب الحيوان وإجراؤه لغير معنًى. وأما الرجل يستريح في اليوم النادر والساعة من يومه، يجُمّ فيها نفسه في التطرّح والراحة ليستعين بذلك على شغل من البر، كقراءة علم أو صلاة، فليس بداخل في هذه الآية. قوله تعالى: {مَرَحاً} قراءة الجمهور بفتح الراء. وقراءة فرقة فيما حكى يعقوب بكسر الراء على بناء ٱسم الفاعل. والأوّل أبلغ، فإن قولك: جاء زيد ركْضاً أبلغ من قولك: جاء زيد راكضاً؛ فكذلك قولك مَرَحاً. والمرح المصدر أبلغ من أن يقال مَرِحاً. الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} يعني لن تتولّج باطنها فتعلم ما فيها {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} أي لن تساوي الجبال بطولك ولا تطاولك. ويقال: خرق الثوب أي شقه، وخرق الأرض قطعها. والخَرْق: الواسع من الأرض. أي لن تخرق الأرض بكبرك ومشيك عليها. {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} بعظمتك، أي بقدرتك لا تبلغ هذا المبلغ، بل أنت عبد ذليل، محاط بك من تحتك ومن فوقك، والمحاط محصور ضعيف؛ فلا يليق بك التكبر. والمراد بخرق الأرض هنا نقبها لا قطعها بالمسافة؛ والله أعلم. وقال الأزهري: معناه لن تقطعها. النحاس: وهذا أبْين؛ لأنه مأخوذ من الخرق وهي الصحراء الواسعة. ويقال: فلان أخرق من فلان، أي أكثر سفراً وعزة ومَنعة. ويروى أن سَبَأ دوّخ الأرض بأجناده شرقاً وغرباً وسَهْلاً وجبلاً، وقتل سادة وسبى ـ وبه سُمِّيَ سبأ ـ ودان له الخلق، فلما رأى ذلك انفرد عن أصحابه ثلاثة أيام ثم خرج إليهم فقال: إني لما نلت ما لم ينل أحد رأيت الابتداء بشكر هذه النعم، فلم أر أوقع في ذلك من السجود للشمس إذا أشرقت، فسجدوا لها، وكان ذلك أوّلَ عبادة الشمس؛ فهذه عاقبة الخُيَلاء والتكبر والمرَح، نعوذ بالله من ذلك. الرابعة: قوله تعالى: {كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} «ذلك» إشارة إلى جملة ما تقدّم ذكره مما أمر به ونَهَى عنه. و«ذلك» يصلح للواحد والجمع والمؤنث والمذكر. وقرأ عاصم وٱبن عامر وحمزة والكسائي ومسروق «سيئُهُ» على إضافة سَيِّء إلى الضمير، ولذلك قال: «مَكْرُوهاً» نصب على خبر كان. والسيِّىء: هو المكروه، وهو الذي لا يرضاه الله عز وجل ولا يأمر به. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآي من قوله: «وقَضَى ربُّك ـ إلى قوله ـ كان سيّئُه» مأمورات بها ومنهيات عنها، فلا يخبر عن الجميع بأنه سيّئة فيدخل المأمور به في المنهيّ عنه. واختار هذه القراءة أبو عبيد. ولأن في قراءة أُبَيّ «كلُّ ذلِك كان سيئاته» فهذه لا تكون إلا للإضافة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «سيئةً» بالتنوين؛ أي كل ما نهى الله ورسوله عنه سيئة. وعلى هذا انقطع الكلام عند قوله: «وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» ثم قال: «وَلاَ تَقْفُ ما ليسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»، «وَلاَ تَمْشِ»، ثم قال: {كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئَةٌ} بالتنوين. وقيل: إن قوله: «ولا تقتلوا أولادَكم» إلى هذه الآية كان سيئةً لا حسنة فيه، فجعلوا «كلا» محيطاً بالمنهيّ عنه دون غيره. وقوله: «مكروهاً» ليس نعتاً لسيئة، بل هو بدل منه؛ والتقدير: كان سيئة وكان مكروهاً. وقد قيل: إن «مكروهاً» خبر ثان لكان حمل على لفظة كلّ، و«سيئة» محمول على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبلُ. وقال بعضهم: هو نعت لسيئة؛ لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر. وضعّف أبو علي الفارسيّ هذا وقال: إن المؤنث إذا ذُكّر فإنما ينبغي أن يكون ما بعده مذكراً، وإنما التساهل أن يتقدّم الفعل المسند إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكّر؛ ألا ترى قولَ الشاعر:شعر : فلا مزنة ودَقَتْ وَدْقَها ولا أرضَ أبقل إبقالها تفسير : مستقبح عندهم. ولو قال قائل: أبقل أرض لم يكن قبيحاً. قال أبو عليّ: ولكن يجوز في قوله «مكروهاً» أن يكون بدلاً من «سيئة». ويجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي في «عند ربك» ويكون «عند ربك» في موضع الصفة لسيئة. الخامسة: استدلّ العلماء بهذه الآية على ذمّ الرّقْص وتعاطيه. قال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل: قد نصّ القرآن على النّهي عن الرقص فقال: «ولا تمش في الأرض مَرَحاً» وذم المختال. والرقصُ أشد المرح والبطر. أو لسنا الذين قِسْنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في الإطراب والسكر، فما بالنا لا نقيس القضيب وتلحين الشِّعر معه على الطُّنبور والمِزمار والطّبل لاجتماعهما. فما أقبح من ذي لِحْية، وكيف إذا كان شيبةً، يرقص ويصفّق على إيقاع الألحان والقضبان، وخصوصاً إن كانت أصواتٌ لنسوان ومردان، وهل يحسن لمن بين يديه الموت والسؤال والحشر والصراط، ثم هو إلى إحدى الدّارين، يَشْمُس بالرقص شمس البهائم،و يصفّق تصفيق النسوان، والله لقد رأيت مشايخ في عمري ما بان لهم سِنّ من التبسّم فضلاً عن الضحك مع إدمان مخالطتي لهم. وقال أبو الفرج ٱبن الجوزي رحمه الله: ولقد حدّثني بعض المشايخ عن الإمام الغزالي رضي الله عنه أنه قال: الرقص حماقة بين الكتفين لا تزول إلا باللعب. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في «الكهف» وغيرها إن شاء الله تعالى.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى ناهياً عباده عن التجبر والتبختر في المشية: {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا} أي: متبختراً متمايلاً مشي الجبارين {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} أي: لن تقطع الأرض بمشيك، قاله ابن جرير، واستشهد عليه بقول رؤبة بن العجاج: شعر : وَقاتِمِ الأَعْماقِ خاوِي المُخْتَرَقْ تفسير : وقوله: {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} أي: بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك، بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده، كما ثبت في الصحيح: «حديث : بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم، وعليه بردان يتبختر فيهما، إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» تفسير : وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض، وفي الحديث: «حديث : من تواضع لله، رفعه الله، فهو في نفسه حقير، وعند الناس كبير، ومن استكبر، وضعه الله، فهو في نفسه كبير، وعند الناس حقير، حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير» تفسير : وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب "الخمول والتواضع": حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير، حدثنا حجاج بن محمد عن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن، إذ مر عليه ابن الأهيم يريد المنصور، وعليه جباب خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه، وهو يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة، فقال: أف أف، شامخ بأنفه، ثاني عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه، أي حميق ينظر في عطفه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة، غير المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها، والله أن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون في كل عضو منه نعمة، وللشيطان به لعنة، فسمعه ابن الأهيم فرجع يعتذر إليه، فقال: لا تعتذر إلي وتب إلى ربك، أما سمعت قول الله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً}. ورأى البختري العابد رجلاً من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته، فقال له: يا هذا إن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته، قال: فتركها الرجل بعد. ورأى ابن عمر رجلاً يخطر في مشيته، فقال: إن للشياطين إخواناً. وقال خالد بن معدان: إياكم والخطر، فإن الرجل يده من سائر جسده، رواهما ابن أبي الدنيا، وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا حماد بن زيد عن يحيى عن سعيد عن يُحَنَّس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا مشيت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم، سلط بعضهم على بعض».تفسير : وقوله: {كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} أما من قرأ سيئة، أي: فاحشة، فمعناه عنده: كل هذا الذي نهيناه عنه من قوله: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ} إلى هنا، فهو سيئة مؤاخذ عليها، مكروه عند الله لا يحبه ولا يرضاه، وأما من قرأ: سيئه، على الإضافة، فمعناه عنده: كل هذا الذي ذكرناه من قوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ} إلى هنا، فسيئه، أي: فقبيحه مكروه عند الله، هكذا وجه ذلك ابن جرير رحمه الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا } أي ذا مرح بالكبر والخيلاء {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ } تثقبها حتى تبلغ آخرها بِكِبْرِكَ {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً } المعنى أنك لا تبلغ هذا المبلغ فكيف تختال؟.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ولا تمش في الأرض مَرَحاً} فيه خمسة أوجه: أحدها: أن المرح شدة الفرح بالباطل. الثاني: أنه الخيلاء في المشي، قاله قتادة. الثالث: أنه البطر والأشر. الرابع: أنه تجاوز الإنسان قدره. الخامس: التكبر في المشي. {إنّك لن تخرِقَ الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً} فيه وجهان: أحدهما: إنك لن تخرق الأرض من تحت قدمك ولن تبلغ الجبال طولاً بتطاولك زجراً له عن تجاوزه الذي لا يدرك به غرضاً. الثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى له، ومعناه كما أنك لن تخرق الأرض في مشيك، ولن تبلغ الجبال طولاً فإنك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك، إياساً له من بلوغ إرادته.
ابن عطية
تفسير : قرأ الجمهور "مرَحاً" بفتح الراء مصدر من مرَح يمرَح إذا تسبب مسروراً بدنياه مقبلاً على راحته، فهذا هو المرح، فنهي الإنسان في هذه الآية أن يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه، ثم قيل له إنك لن تقطع الأرض وتمسحها بمشيك، ولن تبلغ أطوال الجبال فتنالها طولاً، فإذا كنت لا تستوي في الأرض بمشيك فَقَصْرُكَ نفسك على ما يوجبه الحق من المشي والتصرف أولى وأحق، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية والمراد الناس كلهم. قال القاضي أبو محمد: وإقبال الناس على الصيد ونحوه تنزهاً دون حاجة إلى ذلك داخل في هذه الآية، وأما الرجل يستريح في اليوم النادر أو الساعة من يومه يجم بها نفسه في التفرج والراحة ليستعين بذلك على شغل من البر كقراءة علم أو صلاة، فليس ذلك بداخل في هذه الآية، وقرأت فرقة فيما حكى يعقوب "مرِحاً" بكسر الراء على بناء اسم الفاعل، وهذا المعنى يترتب على هذه القراءة، ولكن يحسن معها معنى آخر ذكره الطبري مع القراءة الأولى وهو بهذه القراءة أليق، وهو أن قوله {لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً} أراد به أنك أيها المرح المختال الفخور لا تخرق الأرض ولا تطاول الجبال بفخرك وكبرك، وذهب بالألفاظ إلى هذا المعنى، ويحسن ذلك مع القراءة بكسر الراء من المرح، لأن الإنسان نهي حينئذ عن التخلق بالمرح في كل أوقاته، إذ المشي في الأرض لا يفارقه، فلم ينه إلا عن يكون مرحاً، وعلى القراءة الأخرى إنما نهي من ليس بمرح عن أن يمشي في بعض أوقاته مرحاً فيترتب في "المرِح" بكسر الراء أن يؤخذ بمعنى المتكبر المختال، وخرق الأرض قطعها، والخرق الواسع من الأرض ومنه قول الشاعر: [المتقارب] شعر : وخرق تجاوزت مجهوله بوجناء خرق تشكى الكلالا تفسير : ويقال لثقب الأرض، وليس هذا المعنى في الآية، ومنه قول رؤبة بن العجاج: شعر : وقاتم الأعماق خاوي المخترق تفسير : وقرأ الجراح الأعرابي "تخرُق" بضم الراء، وقال أبو حاتم: لا تعرف هذه اللغة، وقوله تعالى: {كل ذلك كان سيئه} الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وأبو جعفر والأعرج "سيئة"، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والحسن ومسروق "سيئه" على إضافة سيىء إلى الضمير، والإشارة على القراءة الأولى إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقول أف وقذف الناس والمرح وغير ذلك، والإشارة على القراءة الثانية إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات من بر ومعصية، ثم اختص ذكر السيىء منه بأنه مكروه عند الله تعالى، فأما من قرأ "سيئه" بالإضافة إلى الضمير فإعراب قراءته بين: وسيىء اسم {كان} و {مكروهاً} خبرها، وأما من قرأ "سيئة" فهي الخبر لـ {كان}، واختلف الناس في إعراب قوله {مكروهاً}، فقالت فرقة هو خبر ثان لـ {كان} حمله على لفظ كل، و"سيئة" محمول على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبل، وقال بعضهم هو نعت لـ {سيئة} لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر. قال القاضي أبو محمد: وضعف أبو علي الفارسي هذا، وقال إن المؤنث إذا ذكر فإنما ينبغي أن يكون ما بعده وفقه، وإنما التساهل أن يتقدم الفعل المسند إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكر ألا ترى أن قول الشاعر: [المتقارب]. شعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها تفسير : مستقبح عندهم، ولو قال قائل، أبقل أرض لم يكن قبيحاً، قال أبو علي ولكن يجوز في قوله {مكروهاً} أن يكون بدلاً من {سيئة}، قال ويجوز أن يكون حالاً من الذكر الذي في قوله {عند ربك} ويكون قوله {عند ربك} في موضع الصفة لـ {سيئة}، وقرا عبد الله بن مسعود "كان سيئاته"، وروي عنه "كان سيئات" بغير هاء، وروي عنه "كان خبيثة"، وذهب الطبري إلى أن هذه النواهي كلها معطوفة على قوله أولاً: {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} تفسير : [الإسراء: 23] وليس ذلك بالبين، قوله {ذلك مما أوحى إليك ربك} الآية. الإشارة بـ {ذلك} إلى هذه الآداب التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة أي هذه من الأفعال المحكمة التي تقتضيها حكمة الله في عباده وخلقه لهم محاسن الأخلاق، و {الحكمة} قوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة، ثم عطف قوله {ولا تجعل} على ما تقدم من النواهي، والخطاب للنبي عليه السلام، والمراد كل من سمع الآية من البشر، و"المدحور"، المهان المبعد، وقوله {أفأصفاكم} الآية، خطاب للعرب التي كانت تقول الملائكة بنات الله، فقررهم الله على هذه الحجة، أي أنتم أيها البشر لكم الأعلى من النسل ولله الإناث؟ فلما ظهر هذا التباعد الذي في قولهم عظم الله عليهم فساد ما يقولونه وشنعته، ومعناه عظيماً في المنكر والوخامة، و"أصفاكم" معناه جعلكم أصحاب الصفوة، وحكى الطبري عن قتادة عن بعض أهل العلم أنه قال: نزلت هذه الآية في اليهود لأنهم قالوا هذه المقالة من أن الملائكة بنات الله. قال القاضي أبو محمد: والأول هو الذي عليه جمهور المفسرين.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَرَحاً} شدة الفرح، أو الخيلاء في المشي، أو التكبر فيه، أو البطر والأشر، أو تجاوز الإنسان قدره. {لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ} من تحت قدمك {وَلَن تَبْلُغَ الجِبَالَ} بتطاولك، زجره عن التطاول الذي لا يدرك به غرضاَ، أو يريد كما أنك لا تخرق الأرض ولا تبلغ الجبال طولاً فلذلك لا تبلغ ما تريده، بكبرك وعجبك إياساً له من بلوغ إرادته.
ابن عادل
تفسير : وهذا هو النهي الثاني. قوله تعالى: "مَرَحاً": العامة على فتحِ الراء، وفيه أوجه: أحدها: أنه مصدرٌ واقعٌ موقع الحال، أي: مرحاً بكسر الراء، ويدل عليه قراءة بعضهم فميا حكاه يعقُوب "مَرِحاً" بالكسرِ. قال الزجاج: "مرَحاً" مصدر، ومرِحاً: اسم الفاعل، وكلاهما جائز، إلا أن المصدر هنا أحسن وأوكد، تقول: جاء زيد ركضاً وراكضاً، وآكد؛ لأنه يدل على توكيد الفعل. الثاني: أنه على حذف مضافٍ، أي: ذا مرحٍ. الثالث: أنه مفعولٌ من أجله. والمَرحُ: شدَّة السرورِ والفرح؛ مَرِحَ يمْرحُ مرحاً، فهو مَرحٌ؛ كفَرِحَ يَفْرحُ فرحاً، فهو فَرِحٌ. قوله: {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} الآية. قرأ أبو الجرَّاح "لن تَخرُق" بضم الراء، وأنكرها أبو حاتم وقال: لا نعرفها لغة البتَّة. والمراد من الخرقِ ها هنا نقب الأرض، وذكروا فيه وجوهاً: الأول: أنَّ الشيء إنما يتمُّ بالارتفاع والانخفاض، فكأنه قال إنَّك حال الانخفاض لا تقدر على خرق الأرض ونقبها، وحال الارتفاع لا تقدر على أن تصل إلى رءوس الجبال، والمعنى: أن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئاً، كمن يريد خرق الأرض، ومطاولة الجبال لا يحصل على شيء. والمراد التنبيهُ على كونه ضعيفاً عاجزاً، فلا يليقُ به التكبُّر. الثاني: أنَّ تحتك الأرض التي لا تقدر على خرقها، وفوقك الجبال التي لا تقدر على الوصول إليها، فأنت محاطٌ بك من فوقك، ومن تحتك بنوعين من الجماد، وأنت أضعف منهما بكثيرٍ، والضعيف المحصور لا يليق به التكبُّر، فكأنه قيل له: تواضع، ولا تتكبَّر؛ فإنَّك خلقٌ ضعيفٌ من خلق الله، محصورٌ بين حجارةٍ وترابٍ، فلا تفعل فعل القويِّ المقتدر. الثالث: أنَّ من يمشي مختالاً يمشي مرَّة على عقبيه، ومرَّة على صدور قدميه، فقيل له: إنَّك لن تنقب الأرض، إن مشيت على عقبيك، ولن تبلغ الجبال طولاً، إن مشيت على صدور قدميك. قال عليٌّ - كرَّم الله وجهه -: كَان رسُول الله صلى الله عليه وسلم إذا مَشَى تَكَفَّأ تَكفُّؤاً؛ كأنَّما ينحطُّ من صَبَبٍ. وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: "ما رَأيْتُ شَيْئاً أحْسنَ من رسُول الله صلى الله عليه وسلم كأنَّ الشَّمسَ تَجْري في وجْههِ، وما رأيتُ أحداً أسرعَ مِشْيةً من رسُول الله صلى الله عليه وسلم كَأنَّما الأرضُ تطوى له، إنَّا لنَجْهدُ أنْفُسنَا وهُو غَيْرُ مُكْترِثٍ". قوله تعالى: "طُولاً" يجوز أن يكون حالاً من فاعل "تَبلُغ" أو من مفعوله، أو مصدراً من معنى "تبلغ" أو تمييزاً، أو مفعولاً له، وهذان ضعيفان جدًّا؛ لعدمِ المعنى.
البقاعي
تفسير : ولما كان الكبر والأنفة أعظم موقف عن العلم الداعي إلى كل خير، ومرض بمرض الجهل الحامل على كل شر، قال تعالى: {ولا تمش} أي مشياً ما، وحقق المعنى بقوله تعالى: {في الأرض} أي جنسها {مرحاً} وهو شدة الفرح التي يلزمها الخيلاء، لأن ذلك من رعونات النفس بطيش الهوى وداعي الشهوة وما طبعت عليه من النقائص، فإنه لا يحسن إلا بعد بلوغ جميع الآمال التي تؤخذ بالجد ولن يكون ذلك لمخلوق، ولذلك علله بقوله تعالى: {إنك لن تخرق} أي ولو بأدنى الوجوه {الأرض} أي تقطعها سيراً من مكانك إلى طرفها {ولن تبلغ} أي بوجه من الوجوه {الجبال طولاً *} أي طول الجبال كلها بالسير فيها، فإذا كنت تعجز في قدرتك وعلمك عن خط مستقيم من عرض الأرض مع الجد والاجتهاد وعن التطاول على أوتادها فبماذا تفخر؟ وبأيّ شيء تتكبر حتى تتبختر؟ وذلك من فعل من بلغ جميع ما أمل؛ ثم عظم جميع ما مضى من المنهيات وأضداد المأمورات بقوله تعالى: {كل ذلك} أي الأمر البعيد من المكارم {كان} أي كوناً غير مزايل. ولما كانت السيئة قد صارت في حكم الأسماء كالإثم والذنب وزال عنها حكم الصفات، حملها على المذكر ووصفها به فقال تعالى: {سيئه} وزاد بشاعته بقوله تعالى: {عند ربك} أي المحسن إليك إحساناً لا ينبغي أن يقابل عليه إلا بالشكر {مكروهاً *} أي يعامله معاملة المكروه من النهي عنه والذم لفاعله والعقاب، والعاقل لا يفعل ما يكرهه المحسن إليه حياء منه، فإن لم يكن فخوفاً من قطع إحسانه، وخضوعاً لعز سلطانه، ويجوز أن يكون المراد بهذا الإفراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى أنه لا يقدر أحد غيره على امتثال هذا المعنى على ما ينبغي، لأنه لا يعلم أحد العلم على ما هو عليه سواء، ولأن الرأس إذا خوطب بشيء كان الأتباع له أقبل وبه أعنى. ولما تمت هذه الأوامر والزواجر على هذا الوجه الأحكم والنظام الأقوم، أشار إلى عظيم شأنه ومحكم إتقانه بقوله على طريق الاستئناف، تنبيهاً للسامع على أن يسأل عنه: {ذلك} أي الأمر العالي جداً {مما أوحى} أي بعث في خفية {إليك ربك} أي المحسن إليك {من الحكمة} التي لا يستطاع نقضها ولا الإتيان بمثلها من الدعاء إلى الخير والنهي عن الشر، ومن حكمة هذه الأشياء المشار إليها من الأوامر والنواهي أنها لم تقبل النسخ في شريعة من الشرائع، بل كانت هكذا في كل ملة. ولما بين أن الجهل سبب لكل سوء، وكان الشرك أعظم جهل، أتبعه - ليكون النهي عنه بدءاً وختاماً، دلالة على فرط شناعته عطفاً على ما مضى من النواهي - قوله تعالى: {ولا تجعل} أو يقدر له ما يعطف عليه نحو: فالزمه ولا تجعل {مع الله} أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله {إلهاً}. ولما كانوا لتعنتهم ربما جعلوا تعداد الأسماء تعداداً للمسميات كما ورد في سبب نزول { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} قال تعالى مع إفهام المعية للغيرية: {ءاخر} فإن ذلك أعظم الجهل الذي نهى عن قفوه {فتلقى} أي فيفعل بك في الآخرة في الحبس {في جهنم} من الإسراع فيه وعدم القدرة على التدارك فعل من ألقى من عالٍ، حال كونك {ملوماً} أي معنفاً على ما فعلت بعد الذم {مدحوراً *} أي مطروداً بعد الخذلان، فهذان الوصفان أشنع من وصفي الذم والخذلان في الآية الأولى كما هي سنته تعالى أن يبدأ بالأخف تسليكاً لعباده، وإنما كان الشرك أجهل الجهل لأن من الواضح أن الإله لا يكون إلا واحداً بالذات فلا ينقسم، وبالاعتبار فلا يجانس؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها {لا تجعل مع الله إلهاً ءاخر} وهي عشر آيات في التوراة، جعل فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك، لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء، وحك بيافوخه السماء، ما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن دين الله أضل من النعم. ولما كان ادعاءهم أن الملائكة بنات الله ادعاء لأن له مناسباً ومجانساً في أخص الصفات وهي الإلهية، وكانت عبادتهم لهم تحقيقاً لذلك، وكان ذلك أزيد من مجرد الشرك في الجهل، ساقه مساق التقريع والتوبيخ تنبيهاً على ظهور فساده متصلاً بما مضى من النهي عن الشرك بالعطف بفاء السبب على { ما} بعد الاستئناف بهمزة الإنكار، فكان كأنه قيل: لا تفعل ذلك كما فعل هؤلاء الذين أفرطوا في الجهل فنسبوا إليه من خلقه أدنى الجزءين كما تقدم في النحل في قوله تعالى {أية : ويجعلون لله البنات} تفسير : [النحل: 54] ثم عبدوا ذلك الجزء وهم لا يرضونه لأنفسهم؛ ثم التفت إليهم مخاطباً بما دل على تناهي الغضب فقال: {أفأصفاكم ربكم} أي أخلق المحسن إليكم بنين وبنات فأصفاكم إحساناً إليكم وأنتم تكفرون به {بالبنين} الذين هم أفضل صنفي الأولاد، {و} لم يحسن إلى نفسه بأن شارككم في البنين، بل {اتخذ} عبر بالافتعال لأن من عدل إلى أحد الصنفين مع التمكن من الآخر لا يكون إلا شديد الرغبة فيما عدل إليه {من الملائكة} الذين هم أقرب عباده أولاداً، ثم ما كفاه نقص الولدية ومعالجة أسبابها حتى جعل ما اتخذه {إناثاً} فرضي لنفسه - وهو إلهكم الخالق الرازق - با لا ترضونه لأنفسكم، ووصلتم في كراهته في بعض الحالات إلى القتل، فصار مشاركاً لكم في البنات مخصصاً لكم دونه بالبنين، وذلك خلاف عادتكم، فإنه العبيد لا يؤثرون بالأجود ويكون الأدون للسادات، وعبر أولاً بالبنين دون الذكور لأن اسم الابن ألذ في السمع، مرض لمن بشر به من غير نظر في العاقبة، وقد يكون أنثى الأفعال، ولأن اسم الذكر مشترك المعنى، وعبر في الثاني بالإناث لإفهام الرخاوة بمدلول اللفظ، ولأنهن بنات بالمعادلة، ويمكن أن تنزل الآية على الاحتباك، فيكون التقدير: بالبنين ورضي لنفسه بالبنات، وخصكم في نوعكم الذي هو أضعف ما يكون بالذكور، واتخذ من الملائكة الذين منهم من يقدر على حمل الأرض وقلب أسفلها على أعلاها إناثاً في غاية الرخاوة، ولذلك استأنف الإنكار عليهم معظماً لذلك بقوله تعالى: {إنكم لتقولون} وأكده لما لهم من التهاون له والاجتراء عليه بقوله تعالى: {قولاً} وزاد في ذلك بقوله: {عظيماً *} أي في الجهل والإفك، عليه وعلى ملائكة الذين لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فتضيفون إليه الأولاد وهم من خصائص الأجسام ثم تفضلون أنفسكم عليه فتجعلون له ما تكرهون.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ولا تمش في الآرض مرحاً} قال: لا تمش فخراً وكبراً، فإن ذلك لا يبلغ بك الجبال، ولا أن تخرق الأرض بفخرك وكبرك. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التواضع، عن [ ] محبس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا مشيت أمتي المطيطا وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى رجلاً يخطر في مشيه فقال: إن للشيطان إخواناً. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن خالد بن معدان رضي الله عنه قال: إياكم والخطر فإن الرجل قد تنافق يده من دون سائر جسده.
ابو السعود
تفسير : {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ} التقيـيدُ لزيادة التقرير والإشعارِ بأن المشيَ عليها مما لا يليق بالمرح {مَرَحاً} تكبراً وبطراً واختيالاً وهو مصدرٌ وقع موقعَ الحال أي ذا مرحٍ أو تمرح مرحاً أو لأجل المرح، وقرىء بالكسر {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} تعليلٌ للنهي، وفيه تهكّم بالمختال وإيذانٌ بأن ذلك مفاخرةٌ مع الأرض وتكبرٌ عليها أي لن تخرِقَ الأرض بدَوْسك وشدة وطأتك، وقرى بضم الراء {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ} التي هي بعضُ أجزاء الأرض {طُولاً} حتى يمكن لك أن تتكبر عليها إذ التكبرُ إنما يكون بكثرة القوة وعِظَم الجثة وكلاهما مفقودٌ، وفيه تعريضٌ بما عليه المختالُ من رفع رأسه ومشيِه على صدور قدميه. {كُلُّ ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما علم في تضاعيف ذكر الأوامرِ والنواهي من الخِصال الخمس والعشرين {كَانَ سَيّئُهُ} الذي نُهي عنه وهي اثنتا عشرة خَصلة {عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا} مبغَضاً غيرَ مَرْضيّ أو غيرَ مراد بالإرادة الأولية لا غيرَ مرادٍ مطلقاً لقيام الأدلةِ القاطعة على أن جميع الأشياء واقعةٌ بإرادته سبحانه وهو تتمةٌ لتعليل الأمور المنهيّ عنها جميعاً، ووصفُ ذلك بمطلق الكراهة مع أن البعضَ من الكبائر للإيذان بأن مجردَ الكراهة عنده تعالى كافيةٌ في وجوب الانتهاءِ عن ذلك، وتوجيهُ الإشارةِ إلى الكل ثم تعيـينُ البعض دون توجيهها إليه ابتداءً لما أن البعض المذكورَ ليس بمذكور جملةً بل على وجه الاختلاطِ، وفيه إشعارٌ بكون ما عداه مرضياً عنده تعالى وإنما لم يصرح بذلك إيذاناً بالغنى عنه، وقيل: الإضافةُ بـيانيةٌ كما في آية الليل وآية النهار، وقرىء سيئةً على أنه خبرُ كان وذلك إشارةٌ إلى ما نُهي عنه من الأمور المذكورة ومكروهاً بدلٌ من سيئةً أو صفةٌ لها محمولةٌ على المعنى فإنه بمعنى سيئاً، وقد قرىء به أو مُجرى على موصوف مذكر أي أمراً مكروهاً أو مُجرى مَجرى الأسماءِ زال عنه معنى الوصفية، ويجوز كونه حالاً من المستكنّ في كان أو في الظرف على أنه صفةُ سيئه، وقرىء سيئاته، وقرىء شأنُه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} [الآية: 37]. قال بعضهم: أسوأ خصلةٍ فى الإنسان الكبر، وأحسن خصلةٍ فيه التواضع، ومن تكبر فقد أخبر عن نذالة نفسه، ومن تواضع فقد أظهر كرم طبعه. قال الله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً}.
القشيري
تفسير : الخُيَلاءُ والتجبُّر، والمدح والتكُّبُر - كل ذلك نتائجُ الغيبة عن الذكر، والحجبة عن شهود الحقِّ؛ "حديث : فإنَّ اللَّهَ إذا تجلَّى لشيءٍ خشع له"تفسير : بذلك وَرَدَ الخبر. فأمَّا في حال حضورِ القلبِ واستيلاءِ الذكر وسلطان الشهود. فالقلبُ مُطْرِقٌ، وحُكْمُ الهيبة غالِبٌ. ونعتُ المدحِ وصفةُ الزَّهْوِ وأسبابُ التفرقة - كل ذلك ساقط. والناسُ - في الخلاص من صفة التكبر - أصنافٌ: فأصحابُ الاعتبار إِذْ عرفوا أنهم مخلوقونَ من نطلفةٍ أمشاج، وما تحمله أبدانهم مما يترشح من مسامهم من بقايا طعامهم وشرابهم.. تعلو هِمَمُهم عن التضييق والتدنيق، ويَبْعُدُ عن قلوبهم قيامُ أَخْطارٍ للأشياء، ولا يخطر على داخلهم إلا ما يزيل عنهم التكبر، وينزع عنهم لباس التجبُّر. وأمَّا أرباب الحضور فليس في طلوع الحق إلا انخناس النَّفْس، وفي معناه قالوا: شعر : إذا ما بدا لي تَعاظَمْتُه فأصدر في حال من لم يرد
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تمش فى الارض} التقييد لزيادة التقرير {مرحا} ذا مرح فهو مصدر وقع موقع الحال بمعنى التكبر والتبختر. قال الكاشفى [مرحا رفتن خداوند تكبر يعنى مخرام جنانكه متكبران خرامند]والمراد النهى عن المشى بالتكبر والتعظم {انك لن تخرق الارض} لن تجعل فيها خرقا ونقبا بشدة وطأتك {ولن تبلغ الجبال طولا} بتطاولك فالمراد به هو الطول المتكلف الذى يتكلفه المختال وهو تهكم بالمتكبر وتعليل للنهى بان التكبر حماقة مجردة ولن ينال الانسان بكبره وتعظمه شيئا من الفائدة وهو اى الكبر عاشر الخصال العشر فان المشية بالخيلاء من الكبر فبدله بالتواضع بقوله {انك لن تخرق} الآية شعر : زخاك آفريدت خداوند باك بس اى بنده افتادكى كن جوخاك تفسير : وفى الحديث "حديث : من تعظم فى نفسه واختال فى مشيته لقى الله وهو عليه غضبان" شعر : وجود توشهريست برنيك وبد توسلطان ودستور دانا خرد هما نا كه دونان كردن فراز درين شهر كبرست وسودا وآز جو سلطان عنايت كند بابدان كجا ماند آسايش بخردان تفسير : وعن ابى هريرة انه قال ما رأيت شيئا احسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما الشمس تجرى فى وجهه وما رأيت احدا اسرع فى مشيه من رسول الله كأنما الارض تطوى له انا نجهد انفسنا وانه لغير مكترث.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع "سيء" منوناً غير مضاف. الباقون على الاضافة فمن قرأ على الاضافة قال: لأنه قد تقدم ذكر حسن وسيء في قوله {وقضى ربك أن لا تعبدوا إِلا إِياه وبالوالدين إِحساناً} فخصّ من ذلك السيء بأنه مكروه عند الله، لانه تعالى لا يكره الحسن، وقوّوا ذلك بقراءة أُبي {كان سيئاته} بالجمع مضافاً. وقال آخرون إِنما أراد بذلك المنهي عنه فقط، وقالوا: ليس فيما نهى الله تعالى عنه حسن بل جميعه مكروه، "وكل" وإِن كان لفظه لفظ الواحد فمعناه معنى الجميع، فلذلك قال كان بلفظ الواحد. ومثله قوله {أية : وكل أتوه داخرين}تفسير : وقال {أية : إن كل من في السماوات والأرض إِلا آتي الرحمن عبداً}تفسير : و (مكروهاً) على هذه القراءة نصب على الحال من الضمير في {عند ربك} أو يكون بدلاً من قوله {سيئه}. وفي ذلك دلالة على بطلان مذهب المجبرة من أنّ الله تعالى يريد المعاصي، لان هذه الآية صريحة بأن السيء من الافعال مكروه عند الله. وقوله {ولا تمش في الأرض مرحاً} نهي للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمّة أن يمشوا في الأرض مرحين. وقيل في معنى المرح أَربعة أقوال: اولها - انه البطر والأشر. والثاني - التبختر في المشي والتكبر. الثالث - تجاوز الانسان قدره مستخفاً بالواجب عليه والرابع - شدة الفرح بالباطل. قوله {إنك لن تخرق الأرض} مثل ضربه الله بانك يا إِنسان لن تخرق الأرض من تحت قدمك بكبرك {ولن تبلغ الجبال} بتطاولك. والمعنى انك لن تبلغ بما تريد كثير مبلغ، كما لا يمكنك ان تبلغ هذا، فما وجه المكابرة على ما هذه سبيله مع زجر الحكمة عنه. وأَصل الخرق القطع، خرّق الثوب تخريقا أي قطعة ورجل خرق أي يقطع الأمور التي لا ينبغي ان يقطعها. والخرق الفلاة، لانقطاع اطرافها بتباعدها قال رؤبة: شعر : وقائم الاعماق خاو المخترق مشتبه الاعلام لماع الخفق تفسير : أي خاو المنقطع، والمرح شدة الفرح، مرح يمرح مرحاً، فهو مرح. وقال قتادة: مرحاً خيلاء وكبراً. وقوله {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} أي ذلك الذي ذكرناه وقصصناه من جملة ما اوحى اليك يا محمد ربك من الحكمة أي الدلائل التي تؤدي إِلى المعرفة بالحسن والقبيح، والفرق بينهما، والواجب مما لا يجب، وذلك كله مبين في القرآن، فهو الحكمة البالغة. ثم نهاه ان يتخذ مع الله معبوداً آخر يشركه في العبادة مع الله، فانك متى فعلت ذلك ألقيت في {جهنم ملوماً} أي مذموماً {مدحوراً} مطروداً - في قول ابن عباس.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} المرح الاختيال الحاصل من شدّة الفرح ولذلك فسّر بالاختيال وبشدّة الفرح كليهما {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} لن تقوى على خرق الارض او لن تقوى على سيرها كلّها {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} ولن تبلغ بعظمة جثّتك عظمة الجبال او لن تقوى على الصّعود الى قللها بجعل طولاً تميزاً محوّلاً عن الفاعل او محوّلاً عن المفعول، فمن كان عاجزاً فى نفسه غير قادرٍ لا ينبغى له التّطاول والاختيال فهو تعليل للنّهى.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَمْشِ فِى الأَرْضِ} فى للظرفية، وقيل بمعنى على أى لا تمش على الأَرض {مَرَحاً} بفتح الراء مصدر مرح بكسرها ومعناه التبختر والخيلاء والكبر فى المشى وهو مفعول مطلق على حذف مضاف أى مشى مرح أو حال على تأْويله بالوصف أى مرحاً بكسر الراء أو على تقدير مضاف أى ذا مرح بفتح الراء أو مبالغة وقرئت من فرقة بكسر الراء على أنه وصف لا مصدر وهو حال، وفضل الأَخفش المصدر على الوصف لما فيه من التأْكيد يعنى المبالغة ولا يخلو منهما وجه التأْويل ووجه التقدير لأَن ظاهر اللفظ أن الإِنسان نفس المرح، وذكر القاضى أن الوصف أبلغ وإِن كان المصدر آكد من صريح النعت. {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ} وقرئ بضم الراء. {الأَرْضَ} بتشديد وطئتها حتى تبلغ أسفلها بل لن تطيق خرقها ولو إِلى ساقك بالمشى عليها وإِذا انخرقت لك فليس لشدة وطئتها بل لرخوها حتى نزلت فيها بالضرورة أو لن تخرقها بكبرك حتى تبلغ آخرها وعلى الوجهين الخرق التمزيق إِلى أسفل ويحتمل أن يكون المراد لن تقطعها بالمشى فالخرق استيفاؤها بالمشى عليها كلها والخطاب فى هذا ونحوه للنبى - صلى الله عليه وسلم - والمعنى غيره أو الخطاب لغيره من كل من يصلح له وإلا فقد ذكر الترمذى فى كتاب الشمائل والغنيمى فى مختصره وغيرهما عن على، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذا مشى تكفى تكفيا كأَنه ينحط من صبب أى يتمايل فى مشيه إِلى قدامه كأَنه ينحدر من موضع عال، وأخرجا عن أبى هريرة وغيرهما: ما رأيت أحسن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأن الشمس تجرى فى وجهه وما رأيت أحد أسرع فى مشيه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأنما الأَرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث أى غير شاق عليه الأَمر. {وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً} تمييز محول عن الفاعل، أى لن يبلغ طولك طول الجبال، أى لا تساويها بالطول، وهو بضم الطاء طول القامة وغيرها ضد القصر، أى لا تنال رءوس الجبال، ولو فعلت ما فعلت من تبختر أو كبر ومد قامة فكيف تختال، وربما كان الذى يمشى الخيلاء يمشى تارة على عقبه، وتارة على بنانه وما يليه، فقيل له إنك لن تخرق الأَرض بالمشى على العقب ولن تبلغ الجبال طولا بالمشى على البنان وما يليها، وذلك كله تعليل للنهى وتهكم بالمختال بأَن اختياله مجرد حمق لا يعود عليه بفائدة بل بمضرة، والتذلل لله عكس ذلك وكان - صلى الله عليه وسلم - أخضع خلق الله إِلى الله - سبحانه وتعالى.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَمْشِ} يا من يصلح لهذا الخطاب {فِى الأَرْضِ مَرَحًا} يؤول بمرحا بكسر الراء، أو بذى مرح أو مشى مرح، أو يضمن تمش تمرح، والمرح شدة الفرح الموصل إلى الكبرياء والخيلاء، أو هو الخيلاء فى المشى. {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ} تثقبها بمرحك حتى تبلغ آخرها، ولا خرقا دون ذلك. {وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً} تمييز عن الفاعل، كأنه قيل إن يبلغ طولك الجبال، أى طول الجبال، فأنت المختل أحقر من المادَيْن الأرض والجبل، كيف تتكبَّر ولا خير فى التكبر، والخير فى التذلل لله عز وجل، وله الكبرياء فى السماوات والأرض.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا} أي فخراً وكبراً قاله قتادة، وقال الراغب: المرح شدة الفرح والتوسع فيه والأول أنسب. وهو مصدر وقع موقع الحال والكلام في مثله إذا وقع حالاً أو خبراً أو صفة شائع، وجوز أن يكون منصوباً على المصدرية لفعل محذوف أي تمرح مرحاً وأن يكون مفعولاً له أي لأجل المرح، وقرىء {مرحاً} بكسر الراء عن أنه صفة مشبهة ونصبه على الحالية لا غير، قيل وهذه القراءة باعتبار الحكم أبلغ من قراءة المصدر المفيد للمبالغة بجعله عين المرح نظير ما قيل في زيد عدل لأن الوصف واقع في حيز النهي الذي هو في معنى النفي ونفي أصل الاتصاف أبلغ من نفي زيادته ومبالغته لأنه ربما يشعر ببقاء أصله في الجملة، وجعل المبالغة راجعة إلى النفي دون المنفي كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46] بعيد هنا، والقول بأن الصفة المشبهة تدل على الثبوت فلا يقتضي نفي ذلك نفي أصله كما قيل في المصدر مغالطة نشأت من عدم معرفة معنى الثبوت في الصفة فإن المراد به أنها لا تدل على تجدد وحدوث لا أنها تدل على الدوام. والأخفش فضل القراءة بالمصدر لما فيه من التأكيد ولم ينظر إلى أن ذلك في الإثبات لا في النفي أو ما في حكمه. وأورد على ما قيل أن فيه تفضيل القراءة الشاذة على المتواترة وهو كما ترى. ولذا فضل بعضهم القراءة بالمصدر كالأخفش وجعل المبالغة المستفادة منه راجعة إلى النهي ومنع كون ذلك بعيداً، وقيل إذا جعل التقدير في المتواترة ذا مرح تتحد مع الشاذة. وتعقب بان ذا مرح أبلغ من مرحاً صفة لما فيه من الدلالة على أنه صاحب مرح وملازم له كأنه مالك إياه وفيه توقف كما لا يخفى. والتقييد بالأرض لا يصح أن يقال للاحتراز عن المشي في الهواء أو على الماء لأن هذا خارق ولا يحترز عنه بل للتذكير بالمبدأ والمعاد وهو أردع عن المشي مشية الفاخر المتكبر وادعى لقبول الموعظة كأنه قيل: لا تمش فيما هو عنصرك الغالب عليك الذي خلقت منه وإليه تعود والذي قد ضم من أمثالك كثيراً مشية الفاخر المتكبر، وقيل للتنصيص على أن النهي عن المشي مرحاً في سائر البقع والأماكن لا يختص به أرض دون أرض، والأول ألطف. {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} تعليل للنهي وفيه تهكم بالمختال أي إنك لن تقدر أن تجعل فيها خرقاً بدوسك وشدة وطأتك {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ} التي عليها {طُولاً} بتعاظمك ومد قامتك فأين أنت والتكبر عليها إذ التكبر إنما يكون بكثرة القوة وعظم الجثة وكلاهما مفقود فيك أو إنك لن تقدر على ذلك فأنت أضعف من كل واحد من هذين الجمادين فكيف يليق بك التكبر، وقال بعض المحققين: مآل النهي والتعليل لا تفعل ذلك فإنه لا جدوى فيه وهو وجه حسن. ونصب {طُولاً} على أنه تمييز، وجوز أن يكون مفعولاً له، وقيل: يشير كلام بعضهم إلى أنه منصوب على نزع الخافض وهو بمعنى التطاول أي لن تبلغ الجبال بتطاولك ولا يخفى بعده. وإيثار الإظهار على الإضمار حيث لم يقل لن تخرقها لزيادة الإيقاظ والتقريع. ثم إن الاختيال في المشي كبيرة كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة وهذا فيما عدا بين الصفين أما بينهما فهو مباح لخبر صح فيه، ويكفي ما في الآية من التهكم / والتقريع زاجراً لمن اعتاده حيث لا يباح ككثير من الناس اليوم. وفي «الانتصاف» قد حفظ الله تعالى عوام زماننا من هذه المشية وتورط قراؤنا وفقهاؤنا بينا أحدهم قد عرف مسألتين أو أجلس بين يديه طالبين أو نال طرفاً من رياسة الدنيا إذ هو يمشي خيلاء ولا يرى أنه يطاول الجبال ولكن يرى أنه يحك بيافوخه عنان السماء كأنهم على هذه الآية لا يمرون أو يمرون عليها وهم عنها معرضون اهـ. وإذا كان هذا حال قراء زمانه وفقهائه فماذا أقول أنا في قراء زماني وفقهائهم سوى لا كثر الله تعالى أمثالهم ولا ابتلانا بشيء من أفعالهم وجعلها أفعى لهم.
ابن عاشور
تفسير : نهي عن خصلة من خصال الجاهلية، وهي خصلة الكبرياء، وكان أهل الجاهلية يتعمدونها. وهذه الوصية الخامسة عشرة. والخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب، وليس خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم إذ لا يناسب ما بَعده. والمَرح ــــ بفتح الميم وفتح الراء ــــ: شدة ازدهاء المرء وفرحه بحاله في عظمة الرزق. و {مرحاً} مصدر وقع حالاً من ضمير {تمش}. ومجيء المصدر حالاً كمجيئه صفة يرد منه المبالغة في الاتصاف. وتأويله باسم الفاعل، أي لا تمش مارحاً، أي مشية المارح، وهي المشية الدالة على كبرياء الماشي بتمايل وتبختُر. ويجوز أن يكون {مرحاً} مفعولاً مطلقاً مبيناً لفعل {تمش} لأن للمشي أنواعاً، منها: ما يدلّ على أن صاحبه ذو مَرح. فإسناد المرح إلى المشي مجاز عقلي. والمشي مرحاً أن يكون في المشي شدة وطْء على الأرض وتطاول في بَدن الماشي. وجملة {إنك لن تخرق الأرض} استئناف ناشىء عن النهي بتوجيه خطاب ثانٍ في هذا المعنى على سبيل التهكم، أي أنك أيها الماشي مرَحاً لا تخرق بمشيك أديم الأرض، ولا تبلغ بتطاولك في مشيك طول الجبال، فماذا يغريك بهذه المِشية. والخَرْق: قطع الشيء والفصل بين الأديم، فخرق الأرض تمزيق قشر التراب. والكلام مستعمل في التغليظ بتنزيل الماشي الواطىء الأرض بشدة منزلة من يبتغي خرق وجه الأرض وتنزيله في تطاوله في مشيه إلى أعلى منزلة من يريد أن يبلغ طول الجبال. والمقصود من التهكم التشنيع بهذا الفعل. فدل ذلك على أن المنهي عنه حرام لأنه فساد في خلق صاحبه وسوء في نيته وإهانة للناس بإظهار الشفوف عليهم وإرهابهم بقوته. وعن عمر بن الخطاب: أنه رأى غلاماً يتبختر في مشيته فقال له: «إن البخترة مشية تُكره إلا في سبيل الله» يعني لأنها يرهب بها العَدو إظهاراً للقوة على أعداء الدين في الجهاد. وإظهار اسم (الأرض) في قوله: {لن تخرق الأرض} دون إضمار ليكون هذا الكلام مستقلاً عن غيره جارياً مجرى المثل.
الشنقيطي
تفسير : نهى الله جل وعلا الناس في هذه الآية الكريمة عن التجبر والتبختر في المشية. وقوله {مَرَحاً} مصدر منكر، وهو حال على حد قول ابن مالك في الخلاصة: شعر : ومصدر منكر حالا يقع بكثرة كبغتة زيد طلع تفسير : وقرىء "مرحاً" بكسر الراء على أنه الوصف من مرح (بالكسر) يمرح (بالفتح) أي لا تمش في الأرض في حال كونك متبختراً متمايلاً مشي الجبارين. وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله عن لقمان مقرراً له {أية : وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ}تفسير : [لقمان:18-19] الآية، وقوله: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً}تفسير : [الفرقان:63] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وأصل المرح في اللغة: شدة الفرح والنشاط، وإطلاقه على مشي الإنسان متبختراً مشي المتكبرين، لأن ذلك من لوازم شدة الفرح والنشاط عادة. وأظهر القولين عندي في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} أن معناه لن تجعل فيها خرقاً بدوسك لها وشدة وطئك عليها، ويدل لهذا المعنى قوله بعده {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} أي أنت أيها المتكبر المختال: ضعيف حقير عاجز محصور بين جمادين! أنت عاجز عن التأثير فيهما. فالأرض التي تحتك لا تقدر أن تؤثر فيها فتخرقها بشدة وطئك عليها، والجبال الشامخة فوقك لا يبلغ طولك طولها. فاعرف قدرك! ولا تتكبر، ولا تمش في الأرض مرحاً. القول الثاني - أن معنى {لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} لن تقطعها بمشيك. قاله ابن جرير، واستشهد له بقول رؤبة بن العجاج: شعر : وقاتم الأعماق خاوي المخترق مشتبه الأعلام لماع الخفق تفسير : لأن مراده بالمخترق: مكان الاختراق. أي المشي والمرور فيه. وأجود الأعاريب في قوله {طُولاً} أنه تمييز محول عن الفاعل، أي لن يبلغ طولك الجبال. خلافاً لمن أعربه حالاً ومن أعربه مفعولاً من أجله. وقد أجاد من قال: شعر : ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً فكم تحتها قوم هم منك أرفع وإن كنت في عز وحرز ومنعة فكم مات من قوم هم منك أمنع تفسير : واستدل بعض أهل العلم بقوله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} على منع الرقص وتعاطيه. لأن فاعله ممن يمشي مرحاً.
الواحدي
تفسير : {ولا تمش في الأرض مرحاً} أَيْ: بالكبر والفخر {إنَّك لن تخرق الأرض} لن تثقبها حتى تبلغ آخرها، ولا تطاول الجبال، والمعنى: إنَّ قدرتك لا تبلغ هذا المبلغ، فيكون ذلك وصلةً إلى الاختيال، يريد: إنَّه ليس ينبغي للعاجز أن يبذخ ويستكبر. {كلُّ ذلك} إشارةٌ إلى جميع ما تقدَّم ذكره ممَّا أمر به ونهى عنه {كان سَيِّئُهُ} وهو ما حرَّم الله سبحانه ونهى عنه. {ذلك} يعني: ما تقدَّم ذكره {ممَّا أوحى إليك ربك من الحكمة} من القرآن ومواعظه وباقي الآية مفسَّر في هذه السُّورة. ثمَّ نزل فيمن قال من المشركين: الملائكة بنات الله: {أفأصفاكم ربكم بالبنين} أَيْ: آثركم وأخلص لكم البنين دونه، وجعل لنفسه البنات {إنكم لتقولون قولاً عظيماً}. {ولقد صرَّفنا} بيَّنَّا {في هذا القرآن من كلِّ مثل} يوجب الاعتبار به، والتَّفكُّر فيه {ليذكروا} ليتَّعظوا ويتدبَّروا {وما يزيدهم} ذلك البيان والتَّصريف {إلاَّ نفوراً} من الحقِّ، وذلك أنَّهم اعتقدوا أنَّها شُبَهٌ وحيلٌ، فنفروا منها أشدَّ النُّفور. {قل} للمشركين: {لو كان معه} مع الله {آلهة كما يقولون إذاً لابْتَغَوْا إلى ذي العرش سبيلاً} إذاً لابتغت الآلهة أن تزيل ملك صاحب العرش.
د. أسعد حومد
تفسير : (37) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ التَّجَبُّرِ، وَالتَّبَخْتُرِ فِي المِشْيَةِ، كَمَا يَفْعَلُ الجَبَّارُونَ، فَيَقُولُ تَعَالَى: وَلاَ تَمْشِ أَيُّها الإِنْسَانُ فِي الأَرْضِ مُتَكَبِّراً مُتَخَايِلاً مَزْهُوّاً بِقُوَّتِكَ فَأَنْتَ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ التِي تَمْشِي عَلَيْهَا، بِشِدَّةِ وَطْئِكَ عَلَيْهَا بِقَدَمَيْكَ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطَاوِلَ الجِبَالَ، وَلاَ أَنْ تَبْلُغَ طُولَ قِمَمِهَا. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: حديث : مَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ حَقِيرٌ، وَعِنْدَ النَّاسِ كَبِيرٌتفسير : ). مَرَحاً - فَرَحاً وَبَطَراً وَاخْتِيَالاً وَافْتِخَاراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما زالت الآيات تسير في خطٍّ واحد، وترسم لنا طريق التوازن الاجتماعي في مجتمع المسلمين، فالمجتمع المتوازن يصدر في حركته عن إله واحد، هو صاحب الكلمة العليا وصاحب التشريع. والمتتبع لهذه الآيات يجد بها منهجاً قويماً لبناء مجتمع متماسك ومتوازن، يبدأ بقوله تعالى: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ..}تفسير : [الإسراء: 22]. وهذه قضية القمة التي لا تنتظم الأمور إلا في ظلّها، ثم قسّم المجتمع إلى طبقات، فأوصى بالطبقة الكبيرة التي أدَّت مهمتها في الحياة، وحان وقت إكرامها وردِّ الجميل لها، فأوصى بالوالدين وأمر ببّرهما. ثم توجّه إلى الطبقة الصغيرة التي تحتاج إلى رعاية وعناية، فأوصى بالأولاد، ونهى عن قتلهم خَوْفَ الفقر والعَوز، وخَصَّ بالوصية اليتيم؛ لأنه ضعيف يحتاج إلى مزيد من الرعاية والعناية والحنو والحنان. ثم تكلم عن المال، وهو قوام الحياة، واختار فيه الاعتدال والتوسُّط، ونهى عن طرفَيْه: الإسراف والإمساك. ثم نهى عن الفاحشة، وخصَّ الزنا الذي يُلوِّث الأعراض ويُفسد النسل، ونهى عن القتل وسَفْك الدماء. ثم تحدث عمَّا يحفظ للإنسان ماله، ويحمي تعبه ومجهوداته، فأمر بتوفية الكيل والميزان، ونهى عن الغش فيهما والتلاعب بهما، ثم حَثَّ الإنسان على الأمانة العلمية، حتى لا يقول بما لا يعلم، وحتى لا يبني حياته على نظريات خاطئة. ألم تَرَ أنه منهج وأسلوب حياة يضمن سلامة المجتمع، وسلامة المجتمع ناشئة من سلامة حركة الإنسان فيه، إذن: الإنسان هو مدار هذه الحركة الخلافية في الأرض؛ لذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أنْ يضع له توازناً اجتماعياً. وأوّل شيء في هذا التوازن الاجتماعي أننا جميعاً عند الله سواء، وكلنا عبيده، وليس منا مَنْ بينه وبين الله قرابة أو نَسَب، فالجميع عند الله عبيد كأسنان المشط، لا فَرْق بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح. وإنْ تفاوتت أقدارنا في الحياة فهو تفاوت ظاهري شكلي؛ لأنك حينما تنظر إلى هذا التفاوت لا تنظر إليه من زاوية واحدة فتقول مثلاً: هذا غني، وهذا فقير. ومعظم الناس يهتمون بهذه الناحية من التفاوت، ويَدَعُون غيرها من النواحي الأخرى، وهذا لا يصح، بل انظر إلى الجوانب الأخرى في حياة الإنسان، وإلى الزوايا المختلفة في النفس الإنسانية، ولو سلكتَ هذا المسلك فسوف تجد أن مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان، وأن الحصيلة واحدة، وصدق الله العظيم القائل: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ..}تفسير : [الحجرات: 13]. وما دام المجتمع الإيماني على هذه الصورة فلا يصح لأحد أنْ يرفعَ رأسه في المجتمع ليعطي لنفسه قداسةً أو منزلة فوق منزلة الآخرين، فقال تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً..} [الإسراء: 37]. أي: فخراً واختيالاً، أو بَطَراً وتعالياً؛ لأن الذي يفخر بشيء ويختال به، ويظن أنه أفضل من غيره، يجب أن يضمن لنفسه بقاء مَا افتخر به، بمعنى أن يكون ذاتياً فيه، لا يذهب عنه ولا يفارقه، لكن من حكمة الله سبحانه وتعالى أنْ جعل كل ما يمكن أن يفتخر به الإنسان هِبةً له، وليست أصيلة فيه. كل أمور الإنسان بداية من إيجاده من عدم إلى الإمداد من عُدم هي هبة يمكن أنْ تسترد في يوم من الأيام، وكيف الحال إذا تكبَّرْتَ بمالك، ثم رآك الناس فقيراً، أو تعاليت بقوتك ثم رآك الناس عليلاً؟ إذن: فالتواضع والأدب أليَقُ بك، والتكبُّر والتعالي لا يكون إلا للخالق سبحانه وتعالى، فكيف تنازعه سبحانه صفة من صفاته؟ وقد نهانا الحق سبحانه عن ذلك؛ لأنه لا يستحق هذه الصفة إلا هو سبحانه وتعالى، وكَوْنُ الكبرياء لله تعالى يعصمنا من الاتضاع للكبرياء الكاذب من غيرنا. ومَنْ أحب أن يرى مساواة الخَلْق أمام الخالق سبحانه، فلينظر إلى العبادات، ففيها استطراق العبودية في الناس، فحينما يُنادَى للصلاة مثلاً ترى الجميع سواسية: الغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، الوزير مثلاً والخفير، الكل راكع أو ساجد، الكل خاضع لله مُتذلّل لله فقير لله، الكل عبيد لله بعد أنْ خلعوا أقدارهم، عندما خلعوا نعالهم، ففي ساحة الرحمن يتساوى الجميع، وتتجلى لنا هذه المساواة بصورة أوضح في مناسك الحج. والأهم من هذا أن الرئيس أو الكبير لا يأنف، ولا يرى غضاضة في أن يراه مرؤوسه وهو في هذا الموقف وفي هذا الخضوع والتذلُّل، لماذا؟ لأن الخضوع هنا والتذلُّل لله، وهذا عين العِزَّة والشرف والكرامة. ثم يقول تعالى: {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} [الإسراء: 37]. في هذه العبارة نلحظ إشارة توبيخ وتقريع، كأن الحق سبحانه وتعالى يقول لهؤلاء المتكبرين، ولأصحاب الكبرياء الكاذب: كيف تتكبرون وتسيرون فخراً وخُيلاء بشيء موهوب لكم غير ذاتي فيكم؟ فأنتم بهذا التكبُّر والتعالي لن تخرقوا الأرض، بل ستظل صلبة تتحداكم، وهي أدنى أجناس الوجود وتُدَاس بالأقدام، وكذلك الجبال وهي أيضاً جماد ستظل أعلى منكم قامةً ولن تطاولوها. والحق سبحانه وتعالى يُوبِّخ عبده المؤمن المكرم ليبقى له على التكريم في: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ..} [الإسراء: 37]. وحينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يُوبِّخ أهل التكبُّر الكاذب أتى بأَدْنى أجناس الوجود بالأرض والجبال وهي جماد؛ لكنه قد يسمو على الإنسان ويفضُل عليه. والناظر لأجناس الكون: الجماد والنبات والحيوان والإنسان، يجد الإنسان ينتفع بكل هذه الأجناس، فالجماد ينفع النبات، والحيوان والنبات ينفع الحيوان والإنسان، والحيوان ينفع الإنسان، وهكذا جميع الأجناس مُسخّرة في خدمة الإنسان، فما وظيفتك أنت أيها الإنسان؟ ومَنْ تخدم؟ لا بُدَّ أنْ يكون لك دَوْر في الكون ووظيفة في الحياة، وإلا كانت الأرض والحجر أفضل منك، فابحثْ لك عن مهمة في الوجود. وفي فلسفة الحج أمر عجيب، فالجماد الذي هو أَدْنى الأجناس نجد له مكانة ومنزلة، فالكعبة حجر يطوف الناس من حوله، وفي ركنها الحجر الأسعد الذي سَنَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تقبيله وهو حجر، وعليه يتزاحم الناس ويتشرَّفون بتقبيله والتمسُّح به. وهذا مظهر من مظاهر استطراق العبودية في الكون، فالإنسان المخدوم الأعلى لجميع الأجناس يرى الشرف والكرامة في تقبيل حجر. وكذلك النبات يحْرُم قطعه، وإياك أن تمتدَّ يدك إليه، وكذلك الحيوان يحرُم صَيْده، فهذه الأشياء التي تخدمني أتى الوقت الذي أخدمها وأُقدِّسها، وجعلها الحق سبحانه وتعالى مرة في العمر لنلمح الأصل، ولكي لا يغترَّ الإنسان بإنسانيته، وليعلم أن العبودية لله تعالى تَسْري في الكون كله. فإياك أيها الإنسان أن تخدش هذا الاستطراق العبوديّ في الكون بمرح أو خُيَلاء أو تعالٍ. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} معناه تَقْطَعُها بِعَظَمتِكَ {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} بِطولِكَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا } أي: كبرا وتيها وبطرا متكبرا على الحق ومتعاظما على الخلق. { إِنَّكَ } في فعلك ذلك { لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا } في تكبرك بل تكون حقيرا عند الله ومحتقرا عند الخلق مبغوضا ممقوتا قد اكتسبت أشر الأخلاق واكتسيت أرذلها من غير إدراك لبعض ما تروم. { كُلُّ ذَلِكَ } المذكور الذي نهى الله عنه فيما تقدم من قوله: { وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } والنهي عن عقوق الوالدين وما عطف على ذلك { كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا } أي: كل ذلك يسوء العاملين ويضرهم والله تعالى يكرهه ويأباه. { ذَلِكَ } الذي بيناه ووضحناه من هذه الأحكام الجليلة، { مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ } فإن الحكمة الأمر بمحاسن الأعمال ومكارم الأخلاق والنهي عن أراذل الأخلاق وأسوأ الأعمال. وهذه الأعمال المذكورة في هذه الآيات من الحكمة العالية التي أوحاها رب العالمين لسيد المرسلين في أشرف الكتب ليأمر بها أفضل الأمم فهي من الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا. ثم ختمها بالنهي عن عبادة غير الله كما افتتحها بذلك فقال: { وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ } أي: خالدا مخلدا فإنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار. { مَلُومًا مَدْحُورًا } أي: قد لحقتك اللائمة واللعنة والذم من الله وملائكته والناس أجمعين.
همام الصنعاني
تفسير : 1567- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً}: [الآية: 37]، قال: لا تمشِ كِبَراً ولا فَخْراً، فإنَّ ذلِكَ لا يبلغ بكَ أن تبلغ الجبال طولاً، ولا أن تخرقَ الأرْض لِكِبَرِك وَفَخْرِك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):