Verse. 2068 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

ذٰلِكَ مِمَّاۗ اَوْحٰۗى اِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَۃِ۝۰ۭ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللہِ اِلٰـہًا اٰخَرَ فَتُلْقٰى فِيْ جَہَنَّمَ مَلُوْمًا مَّدْحُوْرًا۝۳۹
Thalika mimma awha ilayka rabbuka mina alhikmati wala tajAAal maAAa Allahi ilahan akhara fatulqa fee jahannama malooman madhooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك مما أوحى إليك» يا محمد «ربك من الحكمة» الموعظة «ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا» مطرودا من رحمة الله.

39

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى جمع في هذه الآية خمسة وعشرين نوعاً من التكاليف. فأولها: قوله: { أية : وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ } تفسير : [الإسراء: 22] وقوله: { أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ } تفسير : [الإسراء: 23] مشتمل على تكليفين: الأمر بعبادة الله تعالى، والنهي عن عبادة غير الله، فكان المجموع ثلاثة. وقوله: { أية : وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } تفسير : [الإسراء: 23] هو الرابع، ثم ذكر في شرح ذلك الإحسان خمسة أخرى وهي: قوله: { أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا } تفسير : [الإسراء: 23، 24] فيكون المجموع تسعة، ثم قال: {وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ } وهو ثلاثة فيكون المجموع إثني عشر. ثم قال: { أية : وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا } تفسير : [الإسراء: 26] فيصير ثلاثة عشر. ثم قال: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا } وهو الرابع عشر ثم قال: { أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ } تفسير : [الإسراء: 28، 29] إلى آخر الآية وهو الخامس عشر، ثم قال: { أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ } تفسير : [الإسراء: 31] وهو السادس عشر، ثم قال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } وهو السابع عشر ثم قال: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } وهو الثامن عشر، ثم قال: { أية : فَلاَ يُسْرِف فّى ٱلْقَتْلِ } تفسير : [الإسراء: 33] وهو التاسع عشر، ثم قال: { أية : وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ } تفسير : [الإسراء: 34] وهو العشرون. ثم قال: {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ } وهو الحادي والعشرون، ثم قال: { أية : وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ } تفسير : [الإسراء: 35] وهو الثاني والعشرون، ثم قال: { أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } تفسير : [الإسراء: 36] وهو الثالث والعشرون، ثم قال: { أية : وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا } تفسير : [الإسراء: 37] وهو الرابع والعشرون، ثم قال: {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ } وهو الخامس والعشرون، فهذه خمسة وعشرون نوعاً من التكاليف بعضها أوامر وبعضها نواه جمعها الله تعالى في هذه الآيات وجعل فاتحتها قوله: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً } تفسير : [الإسراء: 22] وخاتمتها قوله: { أية : وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا } تفسير : إذا عرفت هذا فنقول: ههنا فوائد: الفائدة الأولى: قوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من التكاليف وسماها حكمة، وإنما سماها بهذا الاسم لوجوه: أحدها: أن حاصلها يرجع إلى الأمر بالتوحيد وأنواع الطاعات والخيرات والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، والعقول تدل على صحتها. فالأتي بمثل هذه الشريعة لا يكون داعياً إلى دين الشيطان بل الفطرة الأصلية تشهد بأنه يكون داعياً إلى دين الرحمن، وتمام تقرير هذا ما نذكره في سورة الشعراء في قوله: { أية : هَلْ أُنَبّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } تفسير : [الشعراء: 221، 222]. وثانيها: أن الأحكام المذكورة في هذه الآيات شرائع واجبة الرعاية في جميع الأديان والملل ولا تقبل النسخ والإبطال، فكانت محكمة وحمكة من هذا الاعتبار. وثالثها: أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به، فالأمر بالتوحيد عبارة عن القسم الأول وسائر التكاليف عبارة عن تعليم الخيرات حتى يواظب الإنسان عليها ولا ينحرف عنها، فثبت أن هذه الأشياء المذكورة في هذه الآيات عين الحكمة، وعن ابن عباس: أن هذه الآيات كانت في ألواح موسى عليه الصلاة والسلام: أولها: { أية : وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ } تفسير : [الإسراء:22] قال تعالى: { أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلّ شَيْء مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَيْء } تفسير : [الأعراف: 145]. والفائدة الثانية: من فوائد هذه الآية أنه تعالى بدأ في هذه التكاليف بالأمر بالتوحيد، والنهي عن الشرك وختمها بعين هذا المعنى، والمقصود منه التنبيه على أن أول كل عمل وقول وفكر وذكر يجب أن يكون ذكر التوحيد، وآخره يجب أن يكون ذكر التوحيد، تنبيهاً على أن المقصود من جميع التكاليف هو معرفة التوحيد والاستغراق فيه، فهذا التكرير حسن موقعه لهذه الفائدة العظيمة ثم إنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الشرك يوجب أن يكون صاحبه مذموماً مخذولاً، وذكر في الآية الأخيرة أن الشرك يوجب أن يلقي صاحبه في جهنم ملوماً مدحوراً، فاللوم والخذلان يحصل في الدنيا، وإلقاؤه في جهنم يحصل يوم القيامة ويجب علينا أن نذكر الفرق بين المذموم المخذول، وبين الملوم المدحور. فنقول: أما الفرق بين المذموم وبين الملوم، فهو أن كونه مذموماً معناه: أن يذكر له أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر، فهذا معنى كونه مذموماً، وإذا ذكر له ذلك فبعد ذلك يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل، وما الذي حملك عليه، وما استفدت من هذا العمل إلا إلحاق الضرر بنفسك، وهذا هو اللوم. فثبت أن أول الأمر هو أن يصير مذموماً، وآخره أن يصير ملوماً، وأما الفرق بين المخذول وبين المدحور فهو أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال: تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت، وأما المدحور فهو المطرود. والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة قال تعالى: { أية : وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً } تفسير : [الفرقان:69] فكونه مخذولاً عبارة عن ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه، وكونه مدحوراً عبارة عن إهانته والاستخفاف به، فثبت أن أول الأمر أن يصير مخذولاً، وآخره أن يصير مدحوراً، والله أعلم بمراده. وأما قوله: {أَفَأَصْفَـٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ إِنَاثًا } فاعلم أنه تعالى لما نبه على فساد طريقة من أثبت لله شريكاً ونظيراً نبه على طريقة من أثبت له الولد وعلى كمال جهل هذه الفرقة، وهي أنهم اعتقدوا أن الولد قسمان؛ فأشرف القسمين البنون، وأخسهما البنات. ثم إنهم أثبتوا البنين لأنفسهم مع علمهم بنهاية عجزهم ونقصهم وأثبتوا البنات لله مع علمهم بأن الله تعالى هو الموصوف بالكمال الذي لا نهاية له والجلال الذي لا غاية له، وذلك يدل على نهاية جهل القائل بهذا القول ونظيره قوله تعالى: { أية : أَمْ لَهُ ٱلْبَنَـٰتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ } تفسير : [الطور: 39] وقوله: { أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأنثَىٰ } تفسير : [النجم: 21] وقوله: {أَفَأَصْفَـٰكُمْ } يقال أصفاه بالشيء إذا آثر به، ويقال للضياع التي يستخصها السلطان بخاصية الصوافي. قال أبو عبيدة في قوله: {أَفَأَصْفَـٰكُمْ } أفخصكم، وقال المفضل: أخلصكم. قال النحويون هذه الهمزة همزة تدل على الإنكار على صيغة السؤال عن مذهب ظاهر الفساد لا جواب لصاحبه إلا بما فيه أعظم الفضيحة. ثم قال تعالى: {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا } وبيان هذا التعظيم من وجهين: الأول: أن إثبات الولد يقتضي كونه تعالى مركباً من الأجزاء والأبعاض، وذلك يقدح في كونه قديماً واجب الوجود لذاته. وذلك عظيم من القول ومنكر من الكلام. والثاني: أن بتقدير ثبوت الولد فقد جعلتم أشرف القسمين لأنفسكم وأخس القسمين لله. وهذا أيضاً جهل عظيم.

القرطبي

تفسير : الإشارة بـ«ـذلك» إلى هذه الآداب والقصص والأحكام التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة التي نزل بها جبريل عليه السلام. أي هذه من الأفعال المحكمة التي تقتضيها حكمة الله عز وجل في عباده، وخلقها لهم من محاسن الأخلاق والحكمة وقوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة. ثم عطف قوله «ولا تجعل» على ما تقدّم من النواهي. والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمرادُ كلُّ من سمع الآية من البشر. والمدحور: المُهان المبعد المُقْصَى. وقد تقدّم في هذه السورة. ويقال في الدعاء: اللهم ٱدْحر عنا الشيطان؛ أي أبعده.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، مما أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس، {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا} أي: تلومك نفسك، ويلومك الله والخلق، {مَّدْحُورًا} أي: مبعداً من كل خير، قال ابن عباس وقتادة: مطروداً، والمراد من هذا الخطاب الأمة بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه صلوات الله وسلامه عليه معصوم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ } يا محمد {رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ } الموعظة {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا } مطروداً من رحمة الله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ولقد صرفنا في هذا القرآن} فيه وجهان: أحدهما: كررنا في هذا القرآن من المواعظ والأمثال. الثاني: غايرنا بين المواعظ باختلاف أنواعها. {ليذكروا} فيه وجهان: أحدهما: ليذكروا الأدلة. الثاني: ليهتدوا إلى الحق. {وما يزيدهم الا نفوراً} فيه وجهان: أحدهما: نفوراً عن الحق والاتباع له. الثاني: عن النظر والاعتبار. وفي الكلام مضمر محذوف،وتقديره ولقد صرفنا الأمثال في هذا القرآن.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {ذلك} إشارة إلى ما تقدم من الأوامر والنواهي في هذه الآيات {مما أوحى إليك ربك من الحكمة} أي إن الأحكام المذكورة في هذه الآيات شرائع واجبة الرعاية في جميع الأديان والملل لا تقبل النسخ والإبطال فكانت محكمة وحكمة بهذا الاعتبار. وقيل: إن حاصل هذه الآيات يرجع إلى الأمر بالتوحيد وأنواع البر والطاعات والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة وذلك من الحكمة. قيل: إن هذه الآيات كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها: ولا تجعل مع الله إلهاً آخر. قال الله سبحانه وتعالى وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة، واعلم أن الله سبحانه وتعالى: افتتح هذه الآيات بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك وختمها به، والمقصود منه التنبيه على أن كل قول وعمل يجب أن يكرر في التوحيد لأنه رأس كل حكمة، وملاكها ومن عدمه لم ينفعه شيء ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر في الآية الأولى أن الشرك يجب أن يكون صاحبه مذموماً مخذولاً وقال في هذه الآية {ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً} والفرق بين المذموم والملوم أما كونه مذموماً فمعناه، أن يذكر له أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر فهذا معنى كونه مذموماً ثم يقال له: لم فعلت هذا الفعل القبيح وما الذي حملك عليه، وهذا هو اللوم والفرق بين المخذول والمدحور أن المخذول هو الضعيف الذي لا ناصر له، والمدحور هو المبعد المطرود عن كل خير. قوله سبحانه وتعالى {أفأصفاكم ربكم} يعني أفخصكم واختاركم فجعل لكم الصفوة ولنفسه ما ليس بصفوة {بالبنين} يعني اختصكم بأفضل الأولاد وهم البنون {واتخذ من الملائكة إناثاً} لأنهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله مع علمهم بأن الله سبحانه وتعالى هو الموصوف بالكمال الذي لا نهاية له وهذا يدل على نهاية جعل القائلين بهذا القول {إنكم لتقولون قولاً عظيماً} يخاطب مشركي مكة يعني بإضافتهم إليه الأولاد وهي خاصة بالأجسام، ثم إنهم يفضلون عليه أنفسهم حيث يجعلون له ما يكرهون لأنفسهم يعني البنات. قوله سبحانه وتعالى {ولقد صرفنا في هذا القرآن} يعني العبر والحكم والأمثال والأحكام والحجج والإعلام والتشديد في صرفنا للتكثير والتكرير {ليذكروا} أي ليتعظوا ويعتبروا {وما يزيدهم} أي تصريفنا وتذكيرنا {إلا نفوراً} أي تباعداً عن الحق {قل} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين {لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا} أي لطلبوا يعني هؤلاء الآلهة {إلى ذي العرش سبيلاً} أي بالمبالغة والقهر ليزيلوا ملكه كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض. وقيل: معناه لتقربوا إليه. وقيل: معناه لتعرفوا إليه فضله فابتغوا ما يقربهم إليه والأول أصح، ثم نزه نفسه فقال عز وجل {سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً} معنى وصفه بذلك المبالغة في البراءة والبعد عما يصفونه. قوله عز وجل {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن} يعني الملائكة والإنس والجن {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قال ابن عباس: وإن من شيء حي إلا يسبح. وقيل: جميع الحيوانات والنباتات. قيل: إن الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح. وقيل: إن التراب يسبح ما لم يبتل، فإذا ابتل ترك التسبيح، وإن الخرزة تسبح ما لم ترفع من موضعها، فإذا رفعت تركت التسبيح. وإن الورقة تسبح ما دامت على الشجرة، فإذا سقطت تركت التسبيح، وإن الماء يسبح ما دام جارياً فإذا ركد ترك التسبيح وإن الثوب يسبح ما دام جديداً فإذا اتسخ ترك التسبيح وإن الوحش والطير لتسبح إذا صاحت، فإذا سكتت تركت التسبيح وإن من شيء جماد أو حيّ إلا يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض السقف وقيل: كل الأشياء تسبح الله حيواناً كان أو جماداً وتسبيحها: سبحان الله وبحمده، ويدل على ذلك ما روي "حديث : عن ابن مسعود قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفاً كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال: "اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه قليل، فأدخل يده صلى الله عليه وسلم في الإناء ثم قال: حي على الطهور المبارك، والبركة من الله". فقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكلتفسير : . أخرجه البخاري (م) عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن بمكة حجراً كان يسلم علي ليالي بعثت وإني لأعرفه الآن"تفسير : (خ) عن ابن عمر قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح بيده عليه"تفسير : وفي رواية "حديث : فنزل فاحتضنه وسارَّه بشيء"تفسير : ففي هذه الأحاديث دليل على أن الجماد يتكلم وأنه يسبح، وقال بعض أهل المعاني: تسبيح السموات والأرض، والجمادات والحيوانات سوى العقلاء بلسان الحال، بحيث تدل على الصانع وقدرته ولطيف حكمته فكأنها تنطق بذلك، ويصير لها بمنزلة التسبيح والقول الأول أصح كما دلت عليه الأحاديث، وأنه منقول عن السلف. واعلم أن لله تعالى علماً في الجمادات لا يقف عليه غيره فينبغي أن نكل علمه إليه. وقوله تعالى {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أي لا تعلمون ولا تفهمون تسبيحهم، ما عدا من يسبح بلغتكم ولسانكم {إنه كان حليماً غفوراً} أي حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وجهلكم بالتسبيح. قوله عز وجل {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً} أي يحجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به، وقيل: معناه مستوراً عن أعين الناس فلا يرونه كما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: "حديث : لما نزلت تبت يدا أبي لهب جاءت امرأة أبي لهب معها حجر والنبي صلى لله عليه وسلم مع أبي بكر فلم تره فقالت لأبي بكر: أين صاحبك لقد بلغني أنه هجاني فقال لها أبو بكر والله ما ينطق بالشعر، ولا يقوله فرجعت وهي تقول قد كنت جئت بهذا الحجر لأرضخ رأسه فقال أبو بكر: ما رأتك يا رسول الله. قال: "لا لم يزل ملك بيني وبينها"" تفسير : {وجعلنا على قلوبهم أكنة} أي أغطية {أن يفقهوه} أي لئلا يفهموه {وفي آذانهم وقراً} أي ثقلاً لئلا يسمعوه {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده} يعني إذا قلت لا إله إلا الله وأنت تتلو القرآن {ولَّوا على أدبارهم نفوراً} جمع نافر.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ...} الآية: الإِشارةُ بـ {ذَٰلِكَ } إلى هذه الآداب التي تضَّمنتها هذه الآياتُ المتقدِّمة، و{ٱلْحِكْمَةِ } قوانينُ المعاني المُحِكَمة، والأفْعَالِ الفاضلة. * ت *: فينبغي للعاقل أنْ يتأدَّب بآداب الشريعة، وأنْ يحسن العشرْة مع عَبادِ اللَّه، قال الإِمام فَخْرُ الدِّين ابْنُ الخَطِيب في «شرح أسماء اللَّه الحسَنى» كان بعضُ المشايِخِ يقولُ: مَجَامِعُ الخَيْرَاتِ محصُورَةٌ في أمرَيْنِ صِدْقٍ مَعَ الحَقِّ، وخُلُقٍ مع الخَلْقِ انتهى، وذكر هشامُ بنُ عبْدِ اللَّهِ القرطبيُّ في تاريخه المسمَّى بـــ «بهجة النَّفْسَ»، قال: دخَلَ عبدُ الملكِ بْنُ مَرْوَانَ على معاويةَ، وعنده عَمْرُو بن العاصِ، فلم يَلْبَثْ أنْ نَهَضَ، فقال معاوية لعمْرٍو: ما أكْمَلَ مُرُوءَةَ هذا الفتى! فقال له عمرو: إنه أخذ بأخْلاَقٍ أربعةٍ، وترك أخلاقاً ثلاثةً، أخذ بأحْسَنِ البشر إِذا لقي، وبأحْسن الاستماع إِذا حُدِّثَ، وبأحْسَنِ الحديثِ إِذَا حَدَّث، وبأحسنِ الرَّدِّ إِذا خولِفَ، وتركَ مُزَاحَ من لا يُوثَقُ بعقله، وتَرَكَ مخالَطَةَ لِئَامِ النَّاس، وتَرَكَ مِنَ الحديثِ ما يُعْتَذَرُ منْه انتهى. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ...} الآية: خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره، «والمدحورُ» المهانُ المُبْعَدُ. وقوله سبحانه: {أَفَأَصْفَـٰكُمْ...} الآية خطابٌ للعرب، وتشنيعٌ عليهم فَسَادَ قولهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ}: [مبتدأ أو خبر]، اعلم أن قوله "ذلك" إشارةٌ إلى ما تقدَّم من التكاليف، وهي خمسةٌ وعشرون نوعاً، أولها قوله تعالى: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} تفسير : [الإسراء: 22]. وقوله: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}تفسير : [الإسراء: 23]. وهذا مشتملٌ على تكليفين: الأمر بعبادةِ الله تعالى، والنهي عن عبادة غير الله، فكان المجموع [ثلاثة]. والرابع: قوله تعالى: {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [الإسراء: 23] وقوله: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} تفسير : [الإسراء: 23] وقوله {أية : وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا} تفسير : [الإسراء: 23، 24] {أية : وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} تفسير : [الإسراء: 26] وقوله: {أية : فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} تفسير : [الإسراء: 28] {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا} تفسير : [الإسراء: 29] {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ}تفسير : [الإسراء: 31] {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ}تفسير : [الإسراء: 33] {أية : وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً}تفسير : [الإسراء: 33] {أية : وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} تفسير : [الإسراء: 34] وقوله: {أية : وَأَوْفُواْ ٱلْكيْلَ} تفسير : [الإسراء: 35] {أية : وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} تفسير : [الإسراء: 35] وقوله: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} تفسير : [الإسراء: 36] {أية : وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} تفسير : [الإسراء: 37] {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} فهذه خمسةٌ وعشرون تكليفاً، بعضها أوامر وبعضها نواهٍ، جمعها الله تعالى في هذه الآيات، وجعل فاتحتها قوله: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} تفسير : [الإسراء: 22]، وخاتمتها قوله: {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً} وإنَّما سمَّاها حكمة؛ لوجوه: الأول: أن حاصلها يرجع إلى الأمر بالتَّوحيد، وأنواع الطَّاعات والخيرات والإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة، والعقول تدلُّ على صحَّتها، فالآتي بمثل هذه الشريعة لا يكون داعياً إلى دين الشيطان، بل الفطرة الأصليَّة تشهد بأنَّه يكون داعياً إلى دين الرَّحمن. الثاني: أنَّ هذه الأحكام المذكورة في هذه الآيات شرائع واجبة الرعاية في جميع الأديان والملل، ولا تقبل النَّسخ والإبطال، فكانت محكمة وحكمة من هذه الاعتبارات. الثالث: أنَّ الحكمة عبارةٌ عن معرفة الحقِّ لذاته، والخير لأجلِ العمل به؛ فالأمر بالتوحيد عبارة عن القسم الأوَّل، وسائر التكاليف عبارة عن تعلُّم الخيرات؛ لأجل العمل بها. روي عن ابن عباسٍ - رضي الله عنه - أنَّ هذه التكاليف المذكورة كانت في ألواح موسى - صلوات الله عليه - أولها "لا تَجْعلْ مع الله إلهاً آخر". قال تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً} تفسير : [الأعراف: 145]. فكلُّ ما أمر الله به أو نهى عنه، فهو حكمةٌ. قوله تعالى: "مِنَ الحكمةِ" يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أن يكون حالاً من عائد الموصول المحذوف، تقديره: من الذي أوحاه حال كونه من الحكمة، أو حال من نفس الموصول. الثاني: أنه متعلق بـ "أوْحَى"، و "مِنْ" إمَّا تبعيضيةٌ؛ لأنَّ ذلك بعض الحكمة، وإمَّا للابتداء، وإما للبيان. وحينئذٍ تتعلق بمحذوفٍ. الثالث: أنها مع مجرورها بدل من "ممَّا أوْحَى". فصل ذكر في الآية أنَّ المشرك يكون مذموماً مخذولاً. وذكر ها هنا أنَّ المشرك يلقى في جهنَّم ملوماً مدحوراً، فاللَّوم والخذلان يحصل في الدنيا، وإلقاؤهُ في جهنَّم يحصل يوم القيامة، والفرقُ بين الملوم والمدحُور، وبين المذموم والمخذول: أنَّ معنى كونه مذموماً: أن يذكر له أنَّ الفعل الذي أقدم عليه قبيحٌ ومنكرٌ، وإذا ذكر له ذلك، فعند ذلك يقال له: لم فعلت هذا الفعل؟ وما الذي حملك عليه؟ وما استفدت من هذا العمل، إلاَّ إلحاق الضَّرر بنفسك؟ وهذا هو اللَّوم. وأما الفرق بين المخذول وبين المدحور، فهو أنَّ المخذول هو الضعيف، يقال: تخاذلت أعضاؤه، أي: ضعفت، والمدحور هو المطرود، والطَّرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة، فكونه مخذولاً عبارة عن ترك إعانته، وتفويضه إلى نفسه، وكونه مدحوراً عبارةٌ عن إهانته، فيصير أوَّل الأمر مخذولاً وآخره يصير مدحوراً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل، ثم تلا ‏{‏ولا تجعل مع الله إلهاً آخر‏}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي رضي الله عنه، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏مدحوراً‏} ‏ قال مطرودا‏ً.

ابو السعود

تفسير : {ذٰلِكَ} أي الذي تقدم من التكاليف المفصلة {مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ} أي بعضٌ منه أو من جنسه {مِنَ ٱلْحِكْمَةِ} التي هي علمُ الشرائعِ أو معرفةُ الحق لذاته والعملُ به، أو من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخُ والفساد. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآياتِ الثمانيَ عشرةَ كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها: {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ} قال تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلّ شَىْء مَّوْعِظَةً} تفسير : [الأعراف: 145] وهي عشرُ آيات في التوراة. ومِنْ إما متعلقةٌ بأوحى على أنها تبعيضية أو ابتدائيةٌ، وإما بمحذوف وقع حالاً من الموصول أو من ضميره المحذوفِ في الصلة أي كائناً من الحِكمة، وإما بدلٌ من الموصول بإعادة الجار. {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ} الخطابُ للرسول عليه الصلاة والسلام والمراد غيرُه ممن يتصور منه صدورُ المنهيِّ عنه، وقد كُرر للتنبـيه على أن التوحيد مبدأُ الأمرِ ومنتهاه وأنه رأسُ كل حكمةٍ وملاكُها، ومن عدمِه لم تنفعْه علومُه وحكمته وإن بذّ فيها أساطينَ الحكماء وحكّ بـيافوخه عنان السماء، وقد رتب عليه ما هو عائدُ الإشراك أولاً حيث قيل: فتقعدَ مذموماً مخذولاً ورُتّب عليه هٰهنا نتيجتُه في العقبى فقيل: {فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا} من جهة نفسِك ومن جهة غيرك {مَّدْحُورًا} مبعَداً من رحمة الله تعالى، وفي إيراد الإلقاءِ مبنياً للمعفول جرْيٌ على سنن الكبرياء وازدراءٌ بالمشرك وجعلٌ له من قبـيل خشبةٍ يأخذها آخذٌ بكفه فيطرحها في التنور. {أَفَأَصْفَـٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ إِنَاثًا} خطاب للقائلين بأن الملائكةَ بنات الله سبحانه، والإصفاءُ بالشيء جعلُه خالصاً، والهمزةُ للإنكار، والفاء للعطف على مقدر يفسرّه المذكورُ، أي أفَضَّلكم على جنابه فخصّكم بأفضل الأولاد على وجه الخُلوص وآثرَ لذاته أخسَّها وأدناها كما في قوله سبحانه: { أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلاْنثَىٰ} تفسير : [النجم، الآية 21] وقوله تعالى: { أية : أَمْ لَهُ ٱلْبَنَـٰتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ} تفسير : [الطور، الآية 39] وقد قُصد هٰهنا بالتعرض لعنوان الربوبـية تشديدُ النكير وتأكيدُه وأشير بذكر الملائكة عليهم السلام، وإيرادِ الإناث مكانَ البنات إلى كفْرة لهم أخرى وهي وصفُهم لهم عليهم السلام بالأنوثة التي هي أخسُّ صفات الحيوان كقوله تعالى: { أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً} تفسير : [الزخرف، الآية 19] {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ} بمقتضى مذهبِكم الباطلِ الذي هو إضافةُ الولدِ إليه سبحانه {قَوْلاً عَظِيمًا} لا يقادَر قدرُه في استتباعِ الإثمِ وخَرْقِه لقضايا العقول بحيث لا يجترىء عليه أحدٌ، حيث يجعلونه تعالى من قبـيل الأجسامِ المتجانسةِ السريعةِ الزوال وليس كمثله شيءٌ وهو الواحدُ القهارُ الباقي بذاته، ثم تضيفون إليه ما تكرهون من أخس الأولادِ وتفضِّلون عليه أنفسَكم بالبنين ثم تصِفون الملائكةَ الذين هم من أشرف الخلائقِ بالأنوثة التي هي أخسُّ أوصاف الحيوانِ، فيا لها من ضَلّة ما أقبحَها وكَفْرةٍ ما أشنعها وأفظعها.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} اى الذى تقدم من التكاليف المفصلة {مما اوحى اليك ربك} اى بعض منه او من جنسه حال كونه {من الحكمة} التى هى علم الشرائع ومعرفة الحق لذاته وهو مقصود الحكمة النظرية وعمدتها والخير للعمل به وهى الحكمة العلمية او من الاحكام المحكمة التى لا يتطرق اليها النسخ والفساد {ولا تجعل مع الله الها آخر} الخطاب للرسول والمراد غيرة ممن يتصور منه صدور المنهى عنه وتكريره للتنبيه بان التوحيد مبدأ الامر ومنتهاه فان من لا قصد له بطل عمله ومن قصده بفعله او تركه غيره ضاع سعيه وانه رأس كل حكمة وملاكها ومن عدمه لم ينفعه علومه وحكمه وان بدّ فيها اساطين الحكماء وحك بيافوخه عنان السماء وما اغنت عن الفلاسفة اسفار الحكم وهم عن دين الله اضل من النعم وقد رتب عليه ما هو عائدة الاشراك فى الدنيا حيث قيل {أية : فتقعد مذموما مخذولا}تفسير : ورتب عليه ههنا نتيجته فى العقبى فقيل {فتلقى فى جهنم ملوما} تلوم نفسك وتذمك وتلومك الناس والملائكة {مدحورا} مطرودا مبعدا من رحمة الله ومن كل خير وهو تمثيل فانه تعالى شبه من اشرك بالله استحقارا له بخشبة يأخذها آخذ فى كفه فيطرحها فى التنور فالتوحيد اصل الحسنات والشرك اصل السيآت. قال اهل التحقيق ان كلمة لا اله الا الله اذا قالها الكافر تنفى ظلمة الكفر وتثبت فى قلبه نور التوحيد واذا قالها المؤمن تنفى عنه ظلمة النفس وتثبت فى قلبه نور الوحدانية وان من قالها فى كل يوم الف مرة فبكل مرة تنفى عنه شيئا لم تنفعه المرة الاولى ومقام العلم بالله لا ينتهى الى الابد قال تعالى {أية : وقل ربى زدنى علما} شعر : اى برادر بى نهايت دركهيست هركجا كه ميرسى بالله مأيست تفسير : قال يحيى بن معاذ رحمه الله ما طابت الدنيا الا بذكرك ولا الآخرة الا بعفوك ولا الجنة الا بلقائك وفى الحديث "حديث : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه وعالم او متعلم"تفسير : والتوحيد اثبات الوحدة فاهله على الكمال من يفر من الكثرة الى الوحدة. قال الشيخ ابو الحسن رحمه الله سمعت وصف ولىّ فى جبل فبت عند باب صومعته ليلة فسمعته يقول الهى ان بعض عبادك طلب منك تسخير الخلق فاعطيته مراده وانا اريد منك ان لا يحسنوا معاملتهم معى حتى لا التجئ الا الى حضرتك حققنا الله واياك بحقائق هذا المقام وشرفنا بالفرار كل لحظة الى جنابه العلام ومعنى الفرار ايثاره تعالى على ما سواه لان علو الهمة انما يظهر فيه - حكى - ان سلطانا كان يحب واحدا من وزرائه اكثر من غيره فحسدوه وطعنوا فيه فاراد السلطان ان يظهر حاله فى الحب فاضافهم فى دار مزينة بانواع الزينة ثم قال ليأخذ كل منكم ما اعجبه فى الدار فاخذ كل منهم ما اعجبه من الجواهر والمتاع واخذ الوزير المحسود السلطان وقال ما اعجبنى الا انت: قال الحافظ شعر : كداى كوى توازهشت خلد مستغنيست اسير عشق توازهر دوكون ازادست تفسير : يعنى ان العاشق الصادق لا يختار الا المعشوق ويصير حرا عن هوى غيره على كل حال.

الهواري

تفسير : {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا} أي: ملوماً في نقمة الله، مدحوراً في عذاب الله. والمدحور المطرود المبعد المقصى عن الجنة في النار. قوله: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًاً} على الاستفهام. أي: لم يفعل ذلك، لقولهم: إن الملائكة بنات الله. { إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً}. قوله: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا} أي: ضربنا في هذا القرآن الأمثال، فأخبرناهم أنا أهلكنا القرون الأولى ليذّكروا فيؤمنوا، لئلا ينزل بهم العذاب مثلما نزل بالأمم السالفة قبلهم من عذاب الله. {وَمَا يَزِيدُهُمْ} ذلك { إِلاَّ نُفُوراً} أي: إلاَّ تَرْكاً لأمر الله، يعني أنهم كلَّما نزل من القرآن شيء كفروا به ونفروا. ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : والذي نفسي بيده لتدخلُنْ الجنة إلا أن تَشْرَدوا على الله كما يَشرُدُ البعيرُ على أهله، ثم تلا هذه الآية:{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} . تفسير : قوله: { قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ} وهي تقرأ على الياء والتاء. فمن قرأها بالياء فهو يقول: إنه قال للنبي: قل لهم: {لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ}، ثم أقبل على النبي فقال: كما يقولون. ومن قرأها بالتاء فهو يقول: إنه قال للنبي: قل لهم: {لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ} كما تقولون؛ { إِذاً لاَّبْتَغَوْا} يعني الآلهة لو كانت آلهة { إِلَى ذِي العَرْشِ سَبِيلاً} أي: إذاً لطلبوا إليه الوسيلة والقربة. وقال بعضهم: إذاً لعرفوا له فضله عليهم ولابتغوا ما يقرّبهم إليه. قوله: {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه { وَتَعَالَى} أي: ارتفع { عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً} أي: ارتفاعاً عظيماً.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ} المذكور من الأَوامر والنواهى {مِمَّا أوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ} يا محمد {مِنَ الْحِكْمَةِ} الوعظ البليغ أو معرفة الله سبحانه وتعالى لذاته والخير للعمل به، وحاصل هذه الآيات أمر بالتوحيد وأنواع البر والطاعات والإِعراض عن الدنيا والإِقبال إِلى الآخرة، وذلك حكمة لا يوجد الحكم مثلها وكان بعض المشايخ يقول: مجامع الخيرات محصورة فى أمر صدق مع الحق وخلق مع الخلق، وذكر هشام بن عبد الله القرطبى فى تاريخ المسمى بهجة النفس، أنه دخل عبد الملك بن مروان على معاوية وعنده عمرو بن العاص فلم يلبث أن نهض فقال معاوية لعمرو: ما أكمل مروءة هذا الفتى. فقال له عمرو: إنه أخذ بأَخلاق أربعة، وترك أخلاقاً ثلاثة، أخذ بأحسن البشر إِذا ألقى، وبأَحسن الاستماع إِذا تحدث، وبأحسن الحديث إِذا حدث، وبأَحسن الرد إِذا خولف، وترك مزاح من لا يوثق بعقله، وترك مخالطة لئام الناس. وترك من الحديث ما يعتذر منه. {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ} أى تطرح فها والماضى إِلقاء أو يلقاك فيها أهلها من عبدة الأَصنام أو خزنتها، والماضى على هذا لقبه. {مَلُوماً} تلوم نفسك على ما فعلت ويلومك غيرك كالملائكة خزنتها {مَّدْحُوراً} مبعداً عن رحمة الله جل جلاله المطرود عنه والمخذول هو الضعيف لعدم الناصرة.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ} ما ذكر من الخمس والعشرين، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: ثمانى عشرة آية من: لا تجعل إلى مدحوراً عشر آيات فى التوراة، وعنه رضى الله عنه: التوراة كلها فى خمس عشرة آية من هذه السورة، ثم تلا {ولا تجعل}. {مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} هى معرفة الحق سبحانه لذاته، ومنها التوحيد، ومعرفة الخير للعمل به، ومنه باقى التكاليف التى لا تنسخ، والأمر بالقسمين موعظة، وقد فسرت الحكمة بالموعظة ومن الحكمة حال من ما أو من هذه المحذوفة، أو بدل من ما. {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرْ} ذكره أولا، ورتب عليه ما، وغاية الشرك فى الدنيا، وهو الذم والخذلان، والتوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، ورأس الحكمة، فإنه لا عبرة بعمل من لا قصد له، أو قصد به غير الله عز وجل، أو مع الله، وذكره ثانياً، ورتب عليه ما هو غاية فى الآخرة كما قال: {فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا} تلومك الملائكة، وتلوم نفسك، قال الله عز وجل: "أية : ولا أقسم بالنفس اللوامة"تفسير : [القيامة: 2]. {مَدْحُورًا} مبعداً عن رحمة الله عز وجل، ومن الإشراك وصف الله بالولادة، ولا سيما أخس الأولاد وهو الإناث كما قال: {أَفَأَصْفَاكُمْ} أى أفضلكم على نفسه، فأصفاكم {رَبُّكُمْ بِالبَنِينَ} اختاركم على نفسه بالبنين أولاداً لكم خاصة، والإصفاء بالشئ جعله خالصاً لشئ. {وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِنَاثًا} بنات له، وهن نواقص تدفنونهن سبحانه، هذا مما تنكره عقولكم، فكيف كابرتموها؟ القائلون الملائكة بنات الله، هم خزاعة وبعض النصارى يجعلون لله ما يكرهون، و ذلك من تلوين الخطاب من مخاطب إلى مخاطب، والاستفهام التوبيخى منسحب على أصفاكم، وعلى اتخذ المعطوف على أصْفاكم، واتخذ متعد لواحد، ومن متعلق به أو حال من إناثاً أو متعد لاثنين ثانيهما من الملائكة، أو بنات محذوف، ومن الملائكة حال من إِناثاً، ومن على كل حال للبيان لا للتبعيض، لأنهم يقولون الملائكة بنات الله لا بعض الملائكة، واختار إِناثاً على بنات لأنه أصرح فى الأنوثة التى هى أخص صفات الحيوان قال الله عز وجل: "أية : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً" تفسير : [الزخرف: 19] كفروا نسبة الولادة لله، وكفروا باعتقاد أن الملائكة إِناث. {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا} لأن الولادة تولد التجسيم لله، والجسم ناقص فإنه حادث عاجز، وما يلد يفنى، ولتفضيل أنفسهم بالبنين على الله، وإِثبات الولادة نفى للألوهية.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ} المتقدم في التكاليف المفصلة {مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ} أي بعض منه أو منه جنسه / {مِنَ ٱلْحِكْمَةِ} التي هي علم الشرائع أو معرفة الحق سبحانه لذاته والخير للعمل به أو الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخ والفساد. وفي «الكشاف» عن ابن عباس هذه الثماني عشرة آية يعني من {أية : لاَّ تَجْعَل }تفسير : [الإسراء: 22] فيما مر إلى {مَلُومًا مَّدْحُورًا} بعد كانت في ألواح موسى عليه السلام وهي عشر آيات في التوراة. وفي «الدر المنثور» أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلا {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ} وهذا أعظم مدحاً للقرآن الكريم مما في «الكشاف». و {مِنْ} إما متعلقة بأوحى على أنها تبعيضية أو ابتدائية وإما بمحذوف وقع حالاً من الموصول أو عائده المحذوف أي من الذي أوحاه إليك ربك كائناً من الحكمة، وجوز أن يكون الجار والمجرور بدلاً من (ما). {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ} الخطاب نظير الخطاب السابق كرر للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه وأنه رأس كل حكمة وملاكها، ورتب عليه أولاً ما هو عائدة الشرك في الدنيا حيث قال {أية : فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً} تفسير : [الإسراء: 22] ورتب عليه هٰهنا نتيجته في العقبـى فقيل {فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا} من جهة نفسك ومن جهة غيرك {مَّدْحُورًا} مبعداً من رحمة الله تعالى. وفي «التفسير الكبير» الفرق بين المذموم والملوم أن المذموم هو الذي يذكر أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر والملوم هو الذي يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت منه إلا إلحاق الضرر بنفسك. ومن هذا يعلم أن الذم يكون أولاً واللوم آخراً، والفرق بين المخذول والمدحور أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت، والمراد به من تركت إعانته وفوض إلى نفسه والمدحور المطرود والمراد به المهان والمستخف به انتهى. وفي إيراد الإلقاء مبنياً للمفعول جرى على سنن الكبرياء وازدراء بالمشرك وجعل له كخشبة يأخذها من كان فيلقيها في التنور. هذا وقد وحد الخطاب في بعض هذه الأوامر والنواهي وجمع في بعض آخر منها ولم يظهر لي سر اختيار كل من التوحيد والجمع فيما اختير فيه على وجه يسلم من القيل والقال ويهش له كُمَّل الرجال، وقد ذكرت ذلك لبعض أحبابـي من أجلة المحققين ورؤساء المدرسين وطلبت منه أن يحرر ما يظهر له حيث إني محقق كماله وفضله فكتب ما نصه أقول معترفاً بالقصور محترزاً عن الغرور معتذراً بالقول المأثور المأمور معذور يخطر على خاطر الفقير لتغيير أسلوب الخطاب وجوه تسعة لا تدخل في الحساب: الأول الإشعار بانقسام هذه التكاليف إلى أقسام ثلاثة قسم أهم الكل خوطب به الأمة مرتين مرة تصريحاً بخطاب أنفسهم ومرة تعريضاً بخطاب رسولهم صلى الله عليه وسلم وهذا الأهم هو التوحيد، وقسم مهم جداً لكن دون الأول خوطبوا به واحدة تصريحاً وهو أمور سبعة، الأول مطلق الإحسان بالوالدين فإن انتفاءه بأن لا يحسن إليهما أصلاً من أشد مراتب العقوق، والثاني ترك قتل الأولاد، والثالث الزنا، والرابع ترك قتل النفس المحرمة إلا بالحق، والخامس ترك التصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، والسادس الإيفاء بالعهد، والسابع الوزن بالقسطاس المستقيم. وقسم ثالث دون الأولين في المهمية خوطبوا به واحدة تعريضاً وهو أيضاً أمور أحد عشر. الأول ترك قول أف للوالدين، والثاني ترك النهر فإن التأفيف والنهر من أهون مراتب العقوق بخلاف ترك الإحسان مطلقاً، والثالث قول القول الكريم لهما، والرابع خفض الجناح من الرحمة، والخامس الدعاء برحمة الله تعالى وهذه الثلاثة تركها ليس كترك مطلق الإحسان مثلاً؛ والسادس ترك إيتاء حق ذي القربـى والمساكين وابن السبيل وظاهر أن عدم القيام بإيتاء مجموع الحقوق الثلاثة أهون من ترك الأمور المذكورة في القسم / الثاني، والسابع ترك التبذير؛ والثامن قول القول الميسور، والتاسع العدل في المنع والعطاء، والعاشر ترك القفو لما ليس به علم الصادق على القول بموجب الظن مثلاً، والحادي عشر ترك المشي مرحاً وترك واحد من هذه الخمسة أيها كان لا يبلغ ترك واحد من الأمور المكلف بها المذكورة في القسم الثاني كما لا يخفى. والثاني من تلك الوجوه: الإيماء باقتران خطاب الأمة في النهي عن كبائر خطيرة مثلاً بخطابه صلى الله عليه وسلم عما ليس في خطرها إلى أن الذنوب تزداد عظماً بعظم مرتكبها فرضاً كما يدل عليه آية {أية : لَّوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذًا لأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَٰوةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ } تفسير : [الإسراء: 74-75] وكريمة {أية : يٰنِسَاء ٱلنَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} تفسير : [الأحزاب: 30] وكما اشتهر أن حسنات الأبرار سيئات المقربين وأن المقربين على خطر عظيم لكن لم تراع هذه النكتة في النهي عن الشرك إشارة إلى أنه في غاية العظم بحيث لا ينبغي أن يتصور في عظمه ازدياد وتفاوت الأفراد، أو نقول: لما عارضت هذه النكتة نكتة أخرى رجحت لكونها بالرعاية أحرى وهي الإشارة إلى أن الشرك كان عند الله سبحانه عظيماً فكرر الخطاب بالنهي عنه تخصيصاً وتعميماً، وهكذا نقول في عدم رعاية نكتة الوجوه الآتية في التكليف بالتوحيد ولا نعيد. والثالث من تلك الوجوه: التنبيه بتعميم الخطاب في النهي عن بعض المعاصي والأمر ببعض الطاعات على أن فتنة فعل تلك المعاصي وترك تلك الطاعات لا تصيب الذين ظلموا خاصة. والرابع منها الإشارة بتعميم الخطاب فيما عمم فيه من المنهيات والمأمورات إلى أن تلك المنهيات كما يجب على كل مكلف الانكفاف عنها يجب عليه كف الغير بحيث لو تركه لكان كفاعلها في أنه اقترف كبيرة نهى عنها نهي تلك المنهيات وإلى أن تلك المأمورات كما يجب على الكل أداؤها يجب إجبار التارك على أدائها بحيث لو لم يجبر لكان كتاركها في أنه ترك واجباً أمر به تلك المأمورات وبتخصيص الخطاب فيما خصص فيه إلى أنه ليس بتلك المثابة فإنه وإن وجب إجبار الغير على بعض تكاليفه لكن عسى أن لا يكون تركه كبيرة. والخامس: الرمز بتوحيد الخطاب فيما وحد فيه أن تلك الطاعة لا تصدر إلا من الآحاد لأنها لا يوفي حقها إلا المتورعون الصالحون وقليل ما هم بخلاف غيرها فإنه مضبوط. والسادس: الإشعار بأن التكاليف التي خوطب بها النبـي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته لا يقوم بها حق القيام إلا هو أو من يقتدي بأنواره ويقتفي لآثاره ويسعى في اتباع سننه القويم ويجتهد في التخلق بخلقه الكريم بخلاف غيرها مما خوطبوا به صريحاً فإنها تأتي من أغلبهم. والسابع: أنه صرف الخطاب عنه صلى الله عليه وسلم في النهي عن قتل الأولاد والزنا وقتل النفس المحرمة إلا بالحق والتصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن إشارة إلى أن تلك الشنائع لا يأتيها النبـي عليه الصلاة والسلام وإن لم ينه عنها لأن فطرته وفطنته وسلامة طبعه اللطيف واستقامة مزاجه الشريف كانت كافية في كفه عنها، وكذا صرف عنه الخطاب في الأمر بالإحسان بالوالدين والإيفاء بالعهد والوزن بالقسطاس المستقيم إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم يأتي بهذه الأمور وإن لم يؤمر بها لأن ترك مطلق الإحسان بالوالدين لو بلغا لديه الكبر مثلاً يلزمه من الفظاظة وغلظة القلب وجفاء الطبع ما كان يأباه طبيعته صلى الله عليه وسلم وكذا الغدر والتطفيف كانا تأباهما أخلاقه الكريمة لكن خوطب بالنهي عن الشرك لأنه ليس للطبع والخلق في التوحيد والشرك دخل. والثامن: أنه تعالى إجلالاً لحبيبه صلى الله عليه وسلم لم يخاطبه بنهيه عن فواحش قتل الولد والزنا وقتل النفس بغير حق لئلا يوهم أنه وحاشاه يأتيها قبل النهي، وكذا لم يخاطبه بأمره بالإيفاء بالعهد، والوزن بالقسطاس / المستقيم لئلا يوهم أنه كان وحاشاه يتركها قبل هذا، وهذا الإيهام أدعى للاعتناء بدفعه من الإيهام فيما خوطب به وحده، وخوطب بالنهي عن الشرك لأن معهودية دعوته صلى الله عليه وسلم للخاص والعام مدى الليالي والأيام كفته هذا الإيهام. والتاسع: لعل التكاليف التي خوطب صلى الله عليه وسلم بها كترك القفو لما ليس له به علم وترك المشي في الأرض مرحاً لم تكن في غير دينه من سائر الأديان أو لم تكن مصرحاً بها منصوصاً عليها في الكتب السماوية ما عدا القرآن فوجه الخطاب إليه وحده تلويحاً بأنها من خصائص دينه أو بأن التصريح بها والتنصيص عليها من خصائص كتابه، ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى بعد النهي عن القفو بلا علم والمشي مرحاً {ذٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ} ثم إني لا أدعي في هذا بل وفي سائر الوجوه البت والجزم ولا أقفو ما ليس لي به علم بل أقول هذا خطر ببالي الكسير والعلم عند اللطيف الخبير اهـ. ويرد على قوله في الأول فإن انتفاءه بأن لا يحسن إليهما أصلاً من أشد مراتب العقوق أن العقوق الذي هو كبيرة فعل ما يتأذى به من فعل معه من الوالدين تأَذياً ليس بالهين عرفاً كما سمعت وعدم الإحسان أصلاً قد لا يكون من ذلك، قال العلامة ابن حجر في أثناء الكلام على الفرق بين العقوق وقطع الرحم: إنه لو فرض أن قريبه لم يصل إليه إحسان ولا إساءة قط لم يفسق بذلك لأن الأبوين إذا فرض ذلك في حقهما من غير أن يفعل معهما ما يقتضي التأَذي العظيم لغناهما مثلاً لم يكن كبيرة فأولى بقية الأقارب اهـ. وكأنه أحسن الله تعالى إليه ظن أنه إذا تحقق عدم الإحسان تحققت الإساءة وهو بمعزل عن الصواب، ويرد أيضاً على قوله: وظاهر أن عدم القيام بإيتاء مجموع الحقوق الثلاثة أهون من ترك الأمور المذكورة في القسم الثاني أنه إن أراد أنه أهون من ترك مجموع تلك الأمور فلا شك أن بعض ما عده في القسم الثالث كالوزن بالقسطاس المستقيم ترك القيام به أهون من ترك مجموع التكليفات فما معنى هذا التخصيص وإن أراد أنه أهون من ترك كل واحد من ترك الأمور المذكورة فهو ممنوع كيف لا ويكون في ذلك قطيعة رحم وقاطعها ملعون في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع، وروى أحمد بإسناد صحيح «إن من أربا الربا الاستطالة بغير حق وإن هذه الرحم شجنه من الرحمن فمن قطعها حرم الله تعالى عليه الجنة»؛ ومنع زكاة أيضاً وقد قال تعالى في حم السجدة [6، 7] وهي مكية كهذه السورة {وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون} وإن نوقش فيما ذكر قلنا: إن عدم القيام بإيتاء ما ذكر صادق على منع حقوق ثلاثة أصناف ولا شك أن منع ذي الحق حقه ظلم له فيتعدد الظلم فيما نحن فيه ولا أظن أن ذلك أهون من التطفيف وإن كان ظلماً أيضاً:شعر : وظلم ذوي القربـى أشد مضاضة على القلب من وقع الحسام المهند تفسير : ومما ذكرنا يعلم أن قوله ظاهر غير ظاهر. ويرد أيضاً على قوله: وترك واحد من هذه الخمسة الخ أن قوله سبحانه {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} تفسير : [الإسراء: 36] نهي على ما اختاره الإمام عن كبائر لا شك في أن بعضها أعظم بكثير من بعض ما في القسم الثاني كالقول في الإلٰهيات والنبوات نحو ما يقوله المشركون تقليداً للأسلاف واتباعاً للهوى وإن أبيت إلا تخصيصه ببعض ما قاله المفسرون ونقله الإمام مما هو أهون أفراده كالكذب قيل لك / إن في كونه أهون من انتفاء الإحسان مطلقاً مع كونه قد لا يكون كبيرة منعاً ظاهراً كما لا يخفى. وكذا في كون المشي مرحاً دون كل واحد من الأمور السابقة بحث. وقد أخرج الشيخان «حديث : بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مُرجِّل مختال في مشيته إذ خسف الله تعالى به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» تفسير : وروي أحمد وابن ماجه والحاكم «حديث : ما من رجل يتعاظم في نفسه ويختال في مشيته إلا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان» تفسير : وصح «حديث : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»تفسير : إلى غير ذلك من الأحاديث التي لم يجىء مثلها فيمن لم يحسن إلى والديه نعم جاء ذلك فيمن عق والديه، وبين عقوقهما وعدم الإحسان إليهما عموم وخصوص مطلق وعلى هذا فلا يخفى حاله كما لا يخفى. ويرد على الوجه الثاني على ما فيه أنه غير واف بالغرض، وعلى الثالث أنه مجرد دعوى لم تساعدها الآثار، نعم ورد في بعض ما ذكر أن فتنته لا تصيب الظالم فقط ما يؤيده، ومن ذلك ما أخرجه البيهقي وغيره «حديث : يا معشر المهاجرين خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلت بكم أعوذ بالله تعالى أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يلعنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ولم ينعوا زكاة أموالهم إلا منعوا المطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولا نقضوا عهد الله تعالى وعهد رسوله صلى الله عليه وسلم إلا سلط الله تعالى عليهم عدواً من غيرهم فيأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله تعالى إلا جعل الله تعالى بأسهم بينهم» تفسير : وإن كان في عدم إيتاء المسكين وابن السبيل حقهما منع الزكاة فأمر الإيماء المذكور لا يخفى حاله فإن الأخبار قد تظافرت بعموم شؤم ذلك، فقد صح «حديث : ما منع قوم الزكاة إلا حبس الله تعالى عنهم القطر» تفسير : وفي رواية صحيحة «حديث : إلا ابتلاهم الله تعالى بالسنين» تفسير : إلى غير ذلك. ويرد على الوجه الرابع أن بعضهم قد أطلق القول بأن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كبيرة. وصرح صاحب «العدة» بأن الغيبة نفسها صغيرة وترك النهي عنها كبيرة، وقال بعض المتأخرين ونقله الجلال البلقيني ينبغي أن يفصل في النهي عن المنكر فيقال: إن كان كبيرة فالسكوت عليه مع إمكان دفعه كبيرة وإن كان صغيرة فالسكوت عليه صغيرة، ويقاس ترك المأمور بهذا إذا قلنا: إن الواجبات تتفاوت وهو الظاهر اهـ. وقد علمت أن فيما وحد الخطاب فيه من الأوامر ما تركه كبيرة ومن النواهي ما فعله كذلك فلم يتحقق مارجا سلمه الله تعالى على أن في تعبيره بالإجبار فيما عبر فيه ما لا يخفى. ويرد على الخامس أن في كون الطاعات التي وحد فيها الخطاب لا تصدر إلا من الآحاد لأنها لا يوفي حقها إلا المتورعون منعاً ظاهراً فإن أكثر الناس صالحهم وطالحهم لا يمشي في الأرض مرحاً ومثل ذلك الدعاء للوالدين بالرحمة فإنا نسمعه على أتم وجه من كثير ممن لا يعرف الورع أي شيء هو، وكذا في قوله: بخلاف غيرها فإنه مضبوط فإن ترك التصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ممن له ولاية عليه أمر شاق لا يكاد يقوم به إلا الأفراد. قال في «رد المحتار حاشية الدر المختار»: لا ينبغي للموصى إليه أن يقبل لصعوبة العدل جداً، ومن هنا قال أبو يوسف: الدخول في الوصاية أول مرة غلط وثاني مرة خيانة وثالث مرة سرقة، ومن هذا يعلم ما في الوجه السادس. ويرد على السابع أيضاً أن المشي في الأرض مرحاً كالأمور التي صرف الخطاب في النهي عنها عنه صلى الله عليه وسلم في أن فطرته وفطنته وسلامة طبعه اللطيف واستقامة مزاجه الشريف كافية في الكف عنه فإن الكبر من البشر لا ينشأ إلا عن جهل وبلادة وقد جبل عليه الصلاة والسلام على أكمل ما يكون من التواضع بل وسائر الصفات التي هي / كمال في النوع الإنساني ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4] مع أنه لم يصرف الخطاب فيه وأنه حيث اعتبر الفطنة في الكافي عن الكف لم ينفعه الاعتذار عن توحيد الخطاب في النهي عن الشرك بما اعتذر به فإن للفطنة دخلاً تاماً في التوحيد كما لا يخفى على فطن. ويرد على قوله في الثامن: وهذا الإيهام الخ منع ظاهر فلا يخفى حاله كما لا يخفى. ويرد على التاسع أنه لا يساعده نقل ولا عقل بل جاء في النقل ما يخالفه كما سمعت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وإن اعتبر النهي عن الشرك من تلك التكليفات فهو كاف في تزييف هذا الوجه لأن النهي عن الشرك جاء به كل رسول ونطق به كل كتاب وما ذكره مؤيداً لغرضه بمعزل عن التأييد. هذا وبقيت إيرادات أخر على هذه الوجوه أعرضنا عنها وتركناها للذكي الفطن حذراً من التطويل فتأمل ذاك والله يتولى هداك.

ابن عاشور

تفسير : {ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ} عدل عن مخاطبة الأمة بضمائر جمع المخاطبين وضمائر المخاطَب غير المعين إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ردًّا إلى ما سبق في أول هذه الآيات من قوله: {أية : وقضى ربك}تفسير : الخ [الإسراء: 23]. وهو تذييل معترض بين جمل النهي. والإشارة إلى جميع ما ذكر من الأوامر والنواهي صراحةً من قوله: {أية : وقضى ربك}تفسير : [الإسراء: 23]. وفي هذا التذييل تنبيه على أنّ ما اشتملت عليه الآيات السبع عشرةَ هو من الحكمة، تحريضاً على اتباع ما فيها وأنه خير كثير. وفيه امتنان على النبي بأن الله أوحى إليه، فذلك وجه قوله: مما أوحى إليك تنبيهاً على أن مثل ذلك لا يصل إليه الأميون لولا الوحي من الله، وأنه علمه ما لم يكن يعلم وأمره أن يعلمه الناس. والحكمة: معرفة الحقائق على ما هي عليه دون غلط ولا اشتباه، وتطلق على الكلام الدال عليها. وتقدم في قوله تعالى: {أية : يؤتي الحكمة من يشاء}تفسير : [البقرة: 269]. {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً} عطف على جمل النهي المتقدمة، وهذا تأكيد لمضمون جملة {أية : ألا تعبدوا إلا إياه}تفسير : [الإسراء: 23]، أعيد لقصد الاهتمام بأمر التوحيد بتكرير مضمونه وبما رتب عليه من الوعيد بأن يجازى بالخلود في النار مهانا. والخطاب لغير معين على طريقة المنهيات قبله، وبقرينة قوله عقبه: {أية : أفأصفاكم ربكم بالبنين}تفسير : الآية [الإسراء: 40]. والإلقاء: رمْي الجسم من أعلى إلى أسفل، وهو يؤذن بالإهانة. والملوم: الذي يُنكر عليه ما فعله. والمدحور: المطرود، أي المطرود من جانب الله، أي مغضوب عليه ومبعد من رحمته في الآخرة. و تُلقى منصوب في جواب النهي بفاء السببية والتسبب على المنهي عنه، أي فيتسبب على جعلك مع الله إلهاً آخر إلقاؤك في جهنَم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آخَرَ} (39) - وَهذا الّذِي أَمْرَناَكَ بِهِ مِنَ الأَخْلاَقِ الحَسَنَةِ، وَنَهَيْنَاكَ عَنْهُ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ، هُوَ مِمّا أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْكَ ياَ مُحَمَّدُ مِنْ فِقْهِ الدِّينِ، وَمَعْرِفَةِ أَسْرَارِهِ، وَمِنَ الحِكَمِ فِي تَشْرِيعِهِ لِتَأْمُرَ النَّاسَ بِهِ. وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ عَاقِبَتُكَ نَارَ جَهَنَّمَ، فَتَلُومَ نَفْسَكَ وَيَلُومَكَ اللهُ وَالخَلْقُ (مَلُوماً) وَتَكُونَ مُبْعَداً وَمَطْرُوداً مِنْ كُلِّ خَيْرٍ (مَدْحُوراً). (وَالمَقْصُودُ بِهذا الخِطَابِ الأُمَّةُ الإِسْلاَمِيَّةُ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ، فَهُوَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مَعْصُومٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ). مَدْحُوراً - مُبْعَداً مِنْ رَحَمَةِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {ذَلِكَ} أي: ما تقدّم من الوصايا. {ٱلْحِكْمَةِ} هي: وَضعْ الشيء في مَوْضِعه المؤدّي للغاية منه، لِتظلَّ الحكمة سائدة في المجتمع تحفظه من الخلل والحمْق والسَّفَه والفساد. وقوله: {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ..} [الإسراء: 39]. لسائل أنْ يسأل: لماذا كرَّر هذا النهي، وقد سبق أنْ ذُكِر في استهلال المجموعة السابقة من الوصايا؟ الحق سبحانه وتعالى وضع لنا المنهج السليم الذي يُنظِّم حياة المجتمع، وقد بدأه بأن الإله واحد لا شريكَ له، ثم عدّل نظام المجتمع كله بطبقاته وطوائفه وأَرْسى قواعد الطُّهْر والعِفّة ليحفظ سلامة النسل، ودعا إلى تواضع الكُلِّ للكُلِّ. فالحصيلة النهائية لهذه الوصايا أنْ يستقيم المجتمع، ويسعد أفراده بفضل هذا المنهج الإلهي. إذن: فإياك أنْ تجعلَ معه إلهاً آخر، وكرَّر الحق سبحانه هذا النهي: {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ..} [الإسراء: 39]. لأنه قد يأتي على الناس وقتٌ يُحْسنون الظن بعقول بعض المفكرين، فيأخذون بأقوالهم ويسيرون على مناهجهم، ويُفضّلونها على منهج الحق تبارك وتعالى، فيفتنون الناس عن قضايا دينهم الحق إلى قضايا أخرى يُوهِمون الناس أنها أفضل مما جاء به الدين. إذن: لا يكفي أن تؤمن أولاً، ولكن احذر أنْ يُزحزحك أحد عن دينك فلا تجعل مع الله إلهاً آخر يفتنك عن دينك، فتكون النتيجة: {فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً} [الإسراء: 39]. {مَلُوماً}: لأنك أتيتَ بما تُلاَم عليه، {مَّدْحُوراً}: أي: مطرود مُبْعَداً من رحمة الله، وهذا الجزاء في الآخرة. أما الذي لا يؤمن بها، فلا بُدَّ لكي نستطيع العيش معه في الدنيا، أن يُذيقه الله بعض العذاب، ويُعجِّله له في الدنيا قبل عذاب الآخرة، كما قال تعالى: {أية : فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ..}تفسير : [طه: 123-124] أي: في الدنيا. وقد ذكر الحق سبحانه وتعالى في قصة ذي القرنين: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً}تفسير : [الكهف: 86-87] فقوله: {أية : فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ..}تفسير : [الكهف: 87] لأنه مُمكَّن في الأرض، ومَنُوط به حِفْظ ميزان الحياة واستقامتها، حتى عند الذين لا يُؤمنون بالآخرة، وإلا فلو أخَّرْنا العذاب عن هؤلاء إلى الآخرة لأفسدوا على الناس حياتهم، وعاثوا في الأرض يُعربِدون ويُفسِدون. ولذلك لا يموت ظلوم في الكون حتى ينتقمَ الله منه، ويذيقه عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة، ولا بُدَّ أنْ يراه المظلوم ليعلم أن عاقبة الظلم وخيمة، في حين أن المظلوم في رعاية الله وتأييده ينصره بما يشاء من نعمه وفضله، حتى إن الظالم لو علم بما أعدَّه الله للمظلوم لَضَنَّ عليه بالظلم. ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً ...}.

الجيلاني

تفسير : {ذَلِكَ} المذكور من الأحكام المتقدمة، مِنْ أول السورة إلى هنا {مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ} يا أكمل الرسل تربيتةً لك، وتأييداً لأمرك {مِنَ ٱلْحِكْمَةِ} المتقنة التي يجب الامتثال والانصاف بها على من أراد سلوك سبيل التوحيد، المبنيِّ على عدالة الأخلاق والأطوار والشئون {وَ} معظم المنهيات والمحظورات: الشرك بالله. العياذ بالله منه. لذلك كرره تأكيداً ومبالغةً، وبالغ في الاحتراز عنه حبيبه، حيث قال: {لاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ} المتوحد المتفرد في ذاته، المعبود بالحق والاستحقاق {إِلَـٰهاً آخَرَ} يعبد له كعبادته، وإن اتخذتَ إليهاً سواه {فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ} البعد والخذلان، حال كونك {مَلُوماً} تلوم نفسك بأنواع الملومات بما ضاع عنك من التوحيد المنجي عن جميع المضائق والمهالك {مَّدْحُوراً} [الإسراء: 39] مبعدً عن رحمة الله، وسعة فضله وإحسانه. {أَ } تزعمون أيها المشركون المستكبرون أن الله المتعزز برداء العظمة والكبرياء فضَّلكم على نفسه {فَأَصْفَاكُمْ} أي: خصصكم واجتباكم {رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ} الذين هم أكرم الأولاد وأشرفها {وَٱتَّخَذَ} لنفسه أولاداً {مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً} نواقص عقلاً وديناً {إِنَّكُمْ} أيها المسرفون بإقدامكم واجترائكم على الله بأمثال هذه الهذيانات الباطلة {لَتَقُولُونَ} في حق الله {قَوْلاً عَظِيماً} [الإسراء: 40] بهتاناً وزوراً، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. إذ نسبة الأولاد إلى الصمد المنزه عن الأنداد في نهاية الشناعة والفساد، وأشنعُ منه نسبة الإناث إليه، ثمَّ نسبة الملائكة الذين هم من أفضل عباد الله وأشرفهم إلى الأنوثة المستحقرة المذمومة شرعاً وعقلاً، هذا مع غاية الإفراط في حق الله، والتفريط في خلَّص عباده؛ لذلك وصف سبحانه هذا القول الشنيع بالعظمة. ثمَّ قال سبحانه توبيخاً لهم وتقريعاً، وإشارةً إلى تناهيهم في الضلال والطغيان: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} وكررنا مراراً شناعةَ هذا القول؛ أي: نسبة الولد إلى الله الصمد المنزه في ذاته عن الأهل والولد {فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} المنزل لهداية أهل الغي والضلال {لِيَذَّكَّرُواْ} أي: ليتذكروا ويتعظوا، ويتفطنوا إلى وخامة عواقبه ومآله، ومع ذلك لم يتذكروا ولم يتفطنوا، بل {وَمَا يَزِيدُهُمْ} التكرار والمبالغة {إِلاَّ نُفُوراً} [الإسراء: 41] إعراضاً عن الحق، وإصراراً على ما عليه من الباطل. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل إلزاماً وتبكيتاً: {لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ} أمثاله {كَمَا يَقُولُونَ} وتدَّعون أيها المشركون، هم معبودون بالحق، مستحقون للعبادة كما زعمتم {إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ} ولطلبوا {إِلَىٰ} معاداة {ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} [الإسراء: 42] ليغلبوا عليه، ويستولوا على ملكه، كما يفعل الولاة بعضهم مع بعض؛ إذ لو عجزوا عن مماراته ومقابلته، لم يكونوا مثله، فلم يستحقوةا للعبادة المطلقة مثله. {سُبْحَانَهُ} أي: نزه سبحانه ذاته تنزيهاً بليغاً، وقدس تقديساً متناهياً في القدس والنزاهة {وَتَعَالَىٰ} أي: تَرفَّع وتعاظم {عَمَّا يَقُولُونَ} هؤلاء الظالمون، المسرفون المفرطون في شأنه من إثبات الشريك المماثل له، والكفء المتكافىء معه {عُلُوّاً كَبِيراً} [الإسراء: 43] أي: تعالياً وتباعداً في غاية البعد والاستحالة؛ إذ لا موجود سواه، ولا إله غيره. كيف تغفلون وتذهلون عن دلائل توحيده الحق وشواهده أيها الضالون المضلون، مع أنكم مجبولون على فطرة المعرفة والتوحيد، ومع ذلك {تُسَبِّحُ لَهُ} وتُقدّس ذاته عن الشريك والولد، والكفء والنظير {ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ} المطبقة المعلقة المنضودة، المنظومة على أبلغ النظام وأعجبه، مع ما فيها من الكواكب المختلفة الألوان والأشكال، والمنازل والحركات والآثار المترتبة عليها، ومع ما فيها من عجائب المخلوقات، وغرائب المبدعات والمخترعات التي لا علم لنا إلاَّ بأنياتها دون لمياتها، كل ذلك يدل على وحدة مظهرها وبارئها {وَٱلأَرْضُ} وما عليها من أنواع النباتات والمعادن والحيوانات التي عجزت عن إحصائها ألسنة أولي البصائر والنهى، المعتبرين المتأملين في مصنوعات الحق، وعجائب مخترعاته {وَمَن فِيهِنَّ} من الملائكة والثقلين المجبولين على عبادة الحق وعرفانه. {وَ} بالجملة: {إِن مِّن شَيْءٍ} أي: ما من شيء مما يطلق عليه اسم الشيء، ويمتد عليه ظلُّ الوجود {إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} أي: ينزهه ويقدسه عن شوب الحدوث والإمكان، بعضها بالحال، وبعضها بالمقال، سيما عن أقوى أمارات الإمكان التي هي الإيلاد والاستيلاد. {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ} تفهمون أيها المنهمكون في الغيِّ والضلال {تَسْبِيحَهُمْ} لعدم اشتغالكم بالتدبر والتأمل في مصنوعات الحق، والتفكر في آياته، بل تنكرونها وتصرون على القدح فيها عناداً ومكابرةً، وتشركون بالله. العياذ بالله منه. أنداداً وبذلك استوجبتم أشدَّ العذاب والنكال، فأمهلكم الله {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً} لا يعاجل بالانتقام والعقوبة رجاءَ أن تتعظوا وترجعوا نحوه بالتوبة والندم على وجه الإخلاص، فيغفر زلتكم كلها، إنه كان {غَفُوراً} [الإسراء: 44] للأوَّابين التوابين، الرجَّاعين إليه بكمال الندم والإخلاص، وإن عظمت زلتهم، وثرت معصيتهم. {وَ} من كمال لطفنا معك يا أكمل الرسل، وغاية حفظنا وحراستنا إياك {إِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ} واستغرقت في لجج رموزه وإشاراته، وخضتَ ي تيار بحاره لِطَلَبِ فرائد فوائده، وصرتَ من غاية استغراقك وتلذذك بها إلى أن غبتَ عن محافظة نفسك، ومراقبة حالك {جَعَلْنَا} وصيرنا { بَيْنَكَ وَبَيْنَ} القوم {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} ولا يوقنون بالأمور المترتبة عليها فيها {حِجَاباً} غليظاً، وغشاءً كثيفاً {مَّسْتُوراً} [الإسراء: 45] بسترك عن أعين أعدائك، القاصدين لك سوءاً، مع أنهم لا يرون الحجب أيضاً. روى سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه لما نزلت: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}تفسير : [المسد: 1] جاءت امرأته بحجرٍ لترضخ به رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس مع أبي بكر رضي الله عنه، فسألت: أين صاحبك، لقد بلغني أنه هجاني؟ فقال أبو بكر: ما نطق صاحبي بالشعر، ثمَّ قال أبو بكر: ما رأتك يا رسول الله، فقال: صلى الله عليه سلم "حديث : لَمْ يَزَلْ مَلَكٌ بَيْنِيْ وَبَيْنَ أَعْدَائِيْ، أَنَا أَرَاهُمْ وَلاْ يَرَوْنَنِيْ ". تفسير : {وَ} كيف لا يكون الكافر محجوباً مستوراً عن سرائر القرآن ومرموزاته؛ إذ {جَعَلْنَا} أي: غطَّينا {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} غشاوةً كثيفةً تمنعهم {أَن يَفْقَهُوهُ} ويفهموا معناه {وَ} جعلنا {فِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} أي: حمماً وثقلاً، يمنعهم عن استماع ألفاظه حتى يتأملوا ويتدبروا في معناه {وَ} من غلظ غشاوتهم، وكثافة أكنتهم {إِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ} منفرداً، بلا ذكر آلهتهم {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ} معرضين كارهين {نُفُوراً} [الإسراء: 46] متنفرين ساخطين عليك؟!. ولا تبال يا أكمل الرسل بهم، وبسماعهمه واستماعهم وعدمه، ولا تلتفت نحوهم؛ إذ {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ} أي: يفرضون المتعلق باستماعهم الذي هو الاستهزاء والسخرية، وقت {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَ} كيف لا يكونون مستهزئين مستسخرين {إِذْ هُمْ} حين استماعهم كلامك {نَجْوَىٰ} أي: ذوو مناجاة، يضمرون في نفوسهم مقتك وهلاكك، وأقله الاستهزاء معك؟! اذكر {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ} منهم على سبيل العناد والمكابرة لأهل العدل والتوحيد: {إِن تَتَّبِعُونَ} أي: ما تتبعون أيها الضالون {إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} [الإسراء: 47] سحر به فجن، فاختلط كلامه، وذهب عقله، وتكلم من تلقاء نفسه كلاماً يشبه كلام العقلاء. {ٱنْظُرْ} أيها الناظر بنور الله، المؤيَّد من عنده {كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} الحشو والبتراء من غاية اضطرابهم وتهالكهم، مرةً يقولون: إنك شاعرٌ، ومرةً: ساحرٌ، ومرةً: كاهنٌ، ومرةً: مجنونُ {فَضَلُّواْ} عن طريق الحق في جميع ما نسبوا إليك، وإلى ما جئت به من الكلام المعجز في أعلى مراتب الإعجاز {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ} إلى مقتلك وقدح كتابك {سَبِيلاً} [الإسراء: 48] واضحاً موجهاً، بل خبطوا في جميع ما نسبوا خبط عشوا، فضلّوا عن السبيل السواء. {وَ} من غاية انهماكهم في الغيّ والضلال، ونهاية إنكارهم بحقية القرآن {قَالُوۤاْ} مستبعدين متعجبين على سبيل التهكم والاستهزاء {أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً} أي: أنبعث ونُحيي بعدما صرنا عظاماً باليةً رميمةً {وَرُفَاتاً} أي: غباراً مرفوتاً، تذروه الرياح {أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} محشورون من قبورنا {خَلْقاً} آخر {جَدِيداً} [الإسراء: 49] معاداً للخلق الأول، لا مثلاً له، بل عيناً، بلا مغايرة أصلاً، كلاَّ وحاشا، من أين لنا هذا؟!.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وقال: {ذَلِكَ} [الإسراء: 39] أي: الذي ذكرنا من الآيات {مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ} [الإسراء: 39] المودعة فيها كما قدرنا بعضها، {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} [الإسراء: 39] أي: لا تنظر إلى هذه المانعات بنظر الهوى فيتعلق بشيء فيها يقطعك عن الله {فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ} [الإسراء: 39] البعد {مَلُوماً} [الإسراء: 39] بكل لسان {مَّدْحُوراً} [الإسراء: 39] ومبعداً عن سعادة الأبد. ثم أخبر عن خسارة الإنسان وخسارته بقوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً} [الإسراء: 40] يشير إلى كمال ظلومية الإنسان وكمال جهوليته، أما كمال ظلوميته فبأنهم ظنوا الله سبحانه أنه من جنس الحيوانات التي من خاصيتها التوالد، ومن كمال جهولة الإنسان بأنهم لم يعلموا أن الحاجة إلى التوالد لبقاء الجنس، فإن الله تعالى باقٍ أبدي لا يحتاج إلى التوالد لبقاء الجنس، فإن الله تعالى باقٍ أبدي لا يحتاج إلى التوالد لبقاء الجنس، ولم يعلموا أن الله منزه عن الجنس وليس الملائكة من جنسه، فإنه خالق أزلي أبدي وأن الملائكة هم المخلوقون، ومن كمال الظلومية والجهولية أنهم حسبوا أن الله تعالى إنما أصفاهم بالبنين واختار لنفسه البنات لجهله بشرف البنين على البنات فلهذا قال: {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} [الإسراء: 40] أي: قولاً ينبئ عن عظم أمر ظلوميتكم وجهوليتكم. ثم قال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} [الإسراء: 41] أي: بالحكم والمواعظ والرموز والإشارات والدقائق والحقائق والترغيب والتشويق والتحبيب {لِيَذَّكَّرُواْ} [الإسراء: 41] أي: ليذكروا يوم الميثاق والإنفاق على الوفاق {وَمَا يَزِيدُهُمْ} [الإسراء: 41] الظلومية والجهولية {إِلاَّ نُفُوراً} [الإسراء: 41] عن حظائر قدسنا ومجالس أنسنا. وبقوله: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ} [الإسراء: 42] يشير إلى أن الآلهة لا يخلو أمرهم إما كانوا أكبر منه أو كانوا أمثاله أو كانوا أدون منه فإن كانوا أكبر منه {إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} [الإسراء: 42] أي: طلبوا طريقاً إلى إزعاج صاحب العرش ونزع الملك منه قهراً أو غلبة ليكون لهم الملك لا له كما هو المعتاد من الملوك، وإن كانوا أمثاله لم يرضوا بأن يكون الملك لواحد مثلهم وهم جماعة معزولون عن الملك فأيضاً نازعوه في الملك، وإن كانوا أدون منه فالناقص لا يصلح للإلهية إذا لابتغوا إلى ذي العرش الكامل في الألوهية سبيلاً للخدمة والعبودية والقربة. ثم قال: {سُبْحَانَهُ} أي: تنزيهاً أن يكون له غالب يمنعه أو مثل ينازعه {وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً} [الإسراء: 43] أي: هو أكبر وأعظم مما يظنون به ويتوقعون منه ومن عظمته. {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} [الإسراء: 44] أي: تنزهه عما يقولون وعن كل نقيصة ذرات المكونات، وإجراء المخلوقات لمن له روح فبلسانه ولغته وهذا مما لا يفقهه العقلاء، وأما الجمادات فبلسان الملكوتي كما قال: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] أي: بحمده على نعمة الإيجاد والتربية {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]. واعلم أن الله تعالى أثبت لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوتاً بقوله: {أية : فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [يس: 83] والملكوت باطن الكون وهو الآخرة والآخرة حيوان لا جماد كقوله: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64] فأثبت بهذا الدليل لكل ذرة من ذرات الموجودات لساناً ملكوتياً ناطقاً بالتسبيح والحمد تنزيهاً لصانعه وقادره وحمداً له على ما أولاه من نعمة، وبهذا اللسان نطق الحصى في يد النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا تنطق الأرض يوم القيامة. وكما قال تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} تفسير : [الزلزلة: 4] وبهذا اللسان نطق الحصى وتشهد أجزاء الإنسان وأبعاضه عليه يوم القيامة وبقوله: {أية : أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} تفسير : وبهذا اللسان نطقت السماوات والأرض حين {أية : قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11] فافهم جدّاً واعتنم. ثم قال: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً} [الإسراء: 44] أي: في الأزل إذ أخرج من العدم مَن يتولد منه أن يتخذ مع الله آلهة أخرى {غَفُوراً} [الإسراء: 44] لمن تاب عن مثل هذه المقالات.

همام الصنعاني

تفسير : 1568- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَلُوماً مَّدْحُوراً}: [الآية: 39]، قال: ملوماً في عباد الله، مدحوراً في النَّارِ.