١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
القرطبي
تفسير : هذا يردّ على من قال من العرب: الملائكة بنات الله، وكان لهم بنات أيضاً مع البنين، ولكنه أراد: أفأخلص لكم البنين دونه وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه. {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} أي في الإثم عند الله عز وجل.
البيضاوي
تفسير : {أَفَأَصْفَـٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ } خطاب لمن قالوا الملائكة بنات الله، والهمزة للإنكار والمعنى: أفخصكم ربكم بأفضل الأولاد وهم البنون. {وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ إِنَاثًا } بنات لنفسه وهذا خلاف ما عليه عقولكم وعادتكم. {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا } بإضافة الأولاد إليه، وهي خاصة بعض الأجسام لسرعة زوالها، ثم بتفضيل أنفسكم عليه حيث تجعلون له ما تكرهون ثم يجعل الملائكة الذين هم من أشرف خلق الله أدونهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى راداً على المشركين الكاذبين الزاعمين - عليهم لعائن الله - أن الملائكة بنات الله، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم فأخطأوا في كل من المقامات الثلاث خطأ عظيماً، فقال تعالى منكراً عليهم: {أَفَأَصْفَـٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ} أي: خصصكم بالذكور {وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ إِنَاثًا} أي: واختار لنفسه على زعمكم البنات، ثم شدد الإنكار عليهم فقال: {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا} أي في زعمكم أن لله ولداً، ثم جعلكم ولده الإناث التي تأنفون أن يكن لكم، وربما قتلتموهن بالوأد، فتلك إذاً قسمة ضيزى، وقال تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً لَّقَدْ أَحْصَـٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً} تفسير : [مريم: 88 - 95].
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَأَصْفَٰكُمْ } أخلصكم يا أهل مكة {رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَٰئِكَةِ إِنَاثًا }؟ بنات لنفسه بزعمكم {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ } بذلك {قَوْلاً عَظِيمًا }.
النسفي
تفسير : َ{أَفأصفاكم رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ } الهمزة للإنكار يعني أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون {وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ إِنَاثًا } واتخذ أدونهم وهي البنات وهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم، فالعبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها ويكون أردؤها وأدونها للسادات {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا } حيث أضفتم إليه الأولاد وهي من خواص الأجسام، ثم فضلتم عليه أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ } أي التنزيل والمراد ولقد صرفناه أي هذا المعنى في مواضع من التنزيل فترك الضمير لأنه معلوم {لّيَذْكُرُواْ } وبالتخفيف: حمزة وعلي، أي كررناه ليتعظوا {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا } عن الحق. وكان الثوري إذ قرأها يقول: زادني لك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ } مع الله {أألِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ} وبالياء مكي وحفص. {إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } يعني لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلاً بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، أو لتقربوا إليه كقوله: {أية : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة}تفسير : {وإذاً} دالة على أن ما بعدها وهو {لابتغوا} جواب عن مقالة المشركين وجزاء لـ «لو»
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ}: ألفُ "أصْفَى" عن واوٍ؛ لأنه من "صَفَا يَصْفُو" وهو استفهام إنكارٍ وتوبيخٍ. ويقال: أصفاهُ بالشَّيء، إذا آثرهُ به، ويقال للضِّياعِ التي يستخصُّها السلطان لخاصَّته الصَّوافِي. قال أبو عبيدة - رحمه الله - في قوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ}: أفخصّكم وقال المفضل: أخلصكم. قال النحويون: هذه الهمزة همزة تدلُّ على الإنكار على صيغة السؤال عن مذهبٍ ظاهر الفساد، لا جواب لصاحبه، إلاَّ بما فيه أعظمُ الفضيحةِ. واعلم أنَّه تعالى، لما نبَّه على فساد طريقة من أثبت لله شريكاً، أتبعه بفسادِ طريقة من أثبت الولد لله تعالى، ثم نبه على كمال جهل هذه الفرقة وهو أنَّ الولد على قسمين، فأشرف القسمين: البنون، وأخسُّها: البنات، ثمَّ إنَّهم أثبتوا البنين لأنفسهم، مع علمهم بنهاية عجزهم، وأثبتوا البنات لله تعالى مع علمهم بأنَّ الله تعالى هو الموصوف بالكمال الذي لا نهاية له، وذلك يدلُّ على نهاية جهل القائلين بهذا القول؛ ونظيره قوله تعالى: {أية : أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ} تفسير : [الطور: 39] وقوله جلَّ ذكرهُ: {أية : وَلَهُ ٱلأُنثَىٰ} تفسير : [النجم: 21]. ومعنى الآية أنه اختاركم، فجعل لكم الصَّفوة، ولنفسه ما ليس بصفوة، يعني اختاركم {بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاَۤئِكَةِ إِنَاثاً}؛ لأنَّهم كانوا يقولون: إنَّ الملائكة بنات الله تعالى. قوله تعالى: "واتَّخَذَ" يجوز أن يكون معطوفاً على "أصْفاكُمْ" فيكون داخلاً في حيِّز الإنكار، ويجوز أن تكون الواو للحال، و "قَدْ" مقدَّرةٌ عند قومٍ. و "اتَّخذَ" يجوز أن تكون المتعدية لاثنين، فقال أبو البقاء: "إنَّ ثانيهما محذوف، أي: أولاداً، والمفعول الأوَّلُ هو إناثاً" وهذا ليس بشيءٍ، بل المفعول الثاني هو "مِنَ المَلائكةِ" قدِّم على الأوَّل، ولولا ذلك لزم أن يبتدأ بالنَّكرةِ من غير مسوغٍ؛ لأنَّ ما صلح أن يكون مبتدأ صلح أن يكون مفعولاً أوَّل في هذا الباب، وما لا، فلا، ويجوز أن تكون متعدية لواحدٍ، كقوله: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} تفسير : [البقرة: 116]، و "مِنَ الملائكة" متعلق بـ "اتَّخذ" أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من النَّكرة بعده. ثم قال تعالى: {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} وهذا خطابٌ لمشركي "مَكَّة" وبيان كون هذا القول عظيماً: أنَّ إثبات الولد يقتضي كونه تعالى مركَّباً من الأجزاء والأبعاض، وذلك يقدح في كونه قديماً واجب الوجوب لذاته، وذلك عظيم من القول، وأيضاً: فبتقدير ثبوت الولد، فقد جعلوا أشرف القسمين لأنفسهم، وأخسَّ القسمين لله تعالى، وهذا جهلٌ عظيمٌ.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {واتخذ من الملائكة إناثاً} قالت اليهود: الملائكة بنات الحق! وفي قوله: {قل لو كان معه آلهة} الآية. يقول: {لو كان معه آلهة} إذاً لعرفوا فضله ومزيته عليهم، فابتغوا ما يقربهم إليه، إنهم ليس كما يقولون. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: {إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} قال: على أين تنزلوا ملكه. قوله تعالى: {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن}. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات، عن عبد الرحمن بن قرط رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى - كان جبريل عليه السلام عن يمينه، وميكائيل عليه السلام عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات العلى، فلما رجع قال: "حديث : سمعت تسبيحاً في السموات العلى مع تسبيح كثير، سبحت السموات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن لوط بن أبي لوط قال: بلغني أن تسبيح سماء الدنيا، سبحان ربنا الأعلى، والثانية سبحانه وتعالى، والثالثة سبحانه وبحمده، والرابعة سبحانه لا حول ولا قوة إلا به، والخامسة سبحان محيي الموتى وهو على كل شيء قدير، والسادسة سبحان الملك القدوس، والسابعة سبحان الذي ملأ السموات السبع والأرضين السبع عزة ووقاراً. وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وهو جالس مع أصحابه إذ سمع هزة فقال: "أطت السماء وحق لها أن تئط" قالوا: وما الأطيط؟ قال: "تناقضت السماء ويحقها أن تنقض، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا فيه جبهة ملك ساجد يسبح الله بحمده" ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ {تسبح له السموات السبع والأرض} بالتاء. قوله تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه، إن نوحاً قال لابنه يا بني؛ آمرك أن تقول: سبحان الله، فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق" تفسير : قال الله تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده}. وأخرج أحمد وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن نوحاً لما حضرته الوفاة قال لابنيه: آمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء ". تفسير : وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الذكر، عن عائشة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : صوت الديك صلاته، وضربه بجناحيه سجوده وركوعه" تفسير : ثم تلا هذه الآية: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ينادي مناد من السماء، اذكروا الله يذكركم، فلا يسمعها أول من الديك، فيصيح فذلك تسبيحه. وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تضربوا وجوه الدواب، فإن كل شيء يسبح بحمده ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ، عن عمر رضي الله عنه قال: لا تلطموا وجوه الدواب، فإن كل شيء يسبح بحمده. وأخرج أحمد عن معاذ بن أنس رضي الله عنه، "حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - إنه مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل - فقال لهم: اركبوها سالمة ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكراً للهِ منه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن عمرو بن عبسة - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما تستقل الشمس فيبقى شيء من خلق الله تعالى إلا سبح الله بحمده إلا ما كان من الشيطان وأغنياء بني آدم ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: ما من عبد يسبح الله تسبيحة، إلا سبح ما خلق الله من شيء. قال الله تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده}. وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن النمل يسبحن ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قرصت نملة نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه من أجل نملة واحدة أحرقت أمة من الأمم تسبح ". تفسير : وأخرج النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال: نعيقها تسبيح . تفسير : وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قال: الزرع يسبح بحمده، وأجره لصاحبه، والثوب يسبح. ويقول الوسخ: إن كنت مؤمناً فاغسلني إذاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي قبيل رضي الله عنه قال: الزرع يسبح وثوابه للذي زرع. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كل شيء يسبح بحمده إلا الحمار والكلب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قال: الاسطوانة تسبح، والشجرة تسبح. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه قال: لا يعيبن أحدكم دابته، ولا ثوبه، فإن كل شيء يسبح بحمده. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والخطيب، عن أبي صالح رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن صرير الباب تسبيحه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي غالب الشيباني رضي الله عنه قال: صوت البحر تسبيحه، وأمواجه صلاته. وأخرج ابن أبي حاتم، عن النخعي رضي الله عنه قال: الطعام تسبيح. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو الشيخ، عن ميمون بن مهران رضي الله عنه قال: أتي أبو بكر الصديق رضي الله عنه بغراب وافر الجناحين، فجعل ينشر جناحه ويقول: ما صيد من صيد ولا عضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح. وأخرج ابن راهويه في مسنده من طريق الزهري رضي الله عنه قال: أتي أبو بكر الصديق رضي الله عنه بغراب وافر الجناحين، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم يقول: "حديث : ما صيد من صيد ولا عضدت عضاة ولا قطعت وشيجة إلا بقلة التسبيح ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما صيد من صيد ولا وشج من وشج إلا بتضييعه التسبيح ". تفسير : وأخرج عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما صيد من طير في السماء ولا سمك في الماء حتى يدع ما افترض الله عليه من التسبيح ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أخذ طائر ولا حوت إلا بتضييع التسبيح ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ، عن مرثد بن أبي مرثد، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يصطاد شيء من الطير والحيتان إلا بما يضيع من تسبيح الله ". تفسير : وأخرج ابن عساكر من طريق يزيد بن مرثد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما اصطيد طير في بر ولا بحر إلا بتضييعه التسبيح ". تفسير : وأخرج العقيلي في الضعفاء وأبو الشيخ والديلمي، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : آجال البهائم كلها وخشاش الأرض والنمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب كلها وغير ذلك آجالها في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها، وليس إلى ملك الموت منها شيء ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قال: ما من شيء في أصله الأول لن يموت إلا وهو يسبح بحمده. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قال: ما من شيء في أصله الأول لن يموت إلا وهو يسبح بحمده. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شوذب قال: جلس الحسن مع أصحابه على مائدة فقال بعضهم: هذه المائدة تسبح الآن فقال الحسن: كلا إنما ذاك كل شيء على أصله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن إبراهيم قال الطعام تسبيح. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا تقتلوا الضفادع فإن أصواتها تسبيح. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ظن داود عليه السلام أن أحداً لم يمدح خالقه أفضل مما مدحه، وأن ملكاً نزل وهو قاعد في المحراب والبركة إلى جانبه فقال: يا داود افهم إلى ما تصوّت به الضفدع، فأنصت داود عليه السلام فإذا الضفدع يمدحه بمدحة لم يمدحه بها داود عليه السلام فقال له الملك: كيف تراه يا داود؟ قال: أفهمت ما قالت؟ قال: نعم. قال: ماذا قالت؟ قال: قالت: سبحانك وبحمدك منتهى علمك يا رب. قال داود عليه السلام: والذي جعلني نبيه، إني لم أمدحه بهذا. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن صدقة بن يسار رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام في محرابه، فأبصر درة صغيرة ففكر في خلقها وقال: ما يعبأ الله بخلق هذه؟ فأنطقها الله فقالت: يا داود أتعجبك نفسك؟ لأنا على قدر ما آتاني الله، أذكر لله وأشكر له منك، على ما آتاك الله. قال الله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده}. وأخرج ابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه قال: هذه الآية في التوراة، كقدر ألف آية {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قال في التوراة: تسبح له الجبال ويسبح له الشجر ويسبح له كذا ويسبح له كذا. وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ، عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام يسمَّى النوّاح في كتاب الله عز وجل، وانه انطلق حتى أتى البحر فقال: أيها البحر، إني هارب. قال: من الطالب الذي لا ينأى طلبه. قال: فاجعلني قطرة من مائك، أو دابة مما فيك، أو تربة من تربتك، أو صخرة من صخرك. قال: أيها العبد الهارب الفار من الطالب الذي لا ينأى طلبه، ارجع من حيث جئت، فإنه ليس مني شيء إلا بارز، ينظر الله عز وجل إليه قد أحصاه وعده عداً فلست أستطيع ذلك، ثم انطلق حتى أتى الجبل، فقال: أيها الجبل، اجعلني حجراً من حجارتك أو تربة من تربتك أو صخرة من صخرك أو شيئاً مما في جوفك. فقال: أيها العبد الهارب الفار من الطالب الذي لا ينأى طلبه، إنه ليس مني شيء إلا يراه الله وينظر إليه وقد أحصاه وعده عداً، فلست أستطيع ذلك. ثم انطلق حتى أتى على الأرض يعني الرمل فقال: أيها الرمل، اجعلني تربة من تربك أو صخرة من صخرك أو شيئاً مما في جوفك. فأوحى الله إليه أجبه. فقال: أيها العبد الفار من الطالب الذي لا ينأى طلبه، ارجع من حيث جئت فاجعل عملك لقمسين: لرغبة أو لرهبة، فعلى أيهما أخذك ربك لم تبال، وخرج فأتى البحر في ساعة فصلى فيه، فنادته ضفدعة فقالت: يا داود، إنك حدثت نفسك أنك قد سبحت في ساعة ليس يذكر الله فيها غيرك، وإني في سبعين ألف ضفدعة كلها قائمة على رجل تسبح الله تعالى وتقدسه. وأخرج أحمد وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلى داود عليه السلام ليلة حتى أصبح، فلما أن أصبح وجد في نفسه غروراً، فنادته ضفدعة يا داود، كنت أدأب منك قد أغفيت إغفاءة. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: بلغني أنه ليس شيء أكثر تسبيحاً من هذه الدودة الحمراء. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: التراب يسبح فإذا بني فيه الحائط سبح. وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه قال: إذا سمعت تغيضاً من البيت أو من الخشب والجدر فهو تسبيح. وأخرج أبو الشيخ، عن خيثمة رضي الله عنه قال: كان أبو الدرداء يطبخ قدراً فوقعت على وجهها فعلت تسبح. وأخرج أبو الشيخ، عن سليمان بن المغيرة قال: كان مطرف رضي الله عنه إذا دخل بيته فسبح سبحت معه آنية بيته. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: لولا ما غمي عليكم من تسبيح ما معكم في البيوت ما تقاررتم. وأخرج أبو الشيخ، عن مسعر رضي الله عنه قال: لولا ما غمى الله عليكم من تسبيح خلقه ما تقاررتم. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قال: كل شيء فيه الروح يسبح. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قال: صلاة الخلق تسبيحهم، سبحان الله وبحمده. وأخرج النسائي وابن مردويه، "حديث : عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفاً. بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - ليس معنا ماء فقال لنا: اطلبوا من معه فضل ماء فأتي بماء فوضعه في إناء ثم وضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه. ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله فشربنا منه" تفسير : . قال عبد الله: كنا نسمع صوت الماء وتسبيحه وهو يشرب. وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه، عن ابن مسعود قال: كنا نأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم فنسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وأخرج أبو الشيخ، عن أنس قال: "حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام ثريد، فقال: "إن هذا الطعام يسبح" قالوا: يا رسول الله، وتفقه تسبيحه؟ قال: نعم. ثم قال لرجل: "أدن هذه القصعة من هذا الرجل" فأدناها منه فقال: نعم يا رسول الله، هذا الطعام يسبح! فقال: "أدْنِها من آخر" وأدناها منه فقال: هذا الطعام يسبح. ثم قال: ردها فقال رجل: يا رسول الله، لو أمرت على القوم جميعاً، فقال: لا "إنها لو سكتت عند رجل لقالوا من ذنب ردها فردها" ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية، عن أبي حمزة الثمالي قال: قال محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنه وسمع عصافير يصحن قال: تدري ما يقلن؟ قلت: لا. قال: يسبحن ربهن عز وجل ويسألن قوت يومهن. وأخرج الخطيب، عن أبي حمزة قال: كنا مع علي بن الحسين رضي الله عنه فمر بنا عصافير يصحن فقال: أتدرون ما تقول هذه العصافير؟ فقلنا: لا. قال: أما إني ما أقول إنا نعلم الغيب، ولكني سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه يقول: إن الطير إذا أصبحت سبحت ربها، وسألته قوت يومها، وإن هذه تسبح ربها، وتسأله قوت يومها. وأخرج الخطيب في تاريخه، "حديث : عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: "يا عائشة، اغسلي هذين البردين" فقلت: يا رسول الله، بالأمس غسلتهما، فقال لي: "أما علمت أن الثوب يسبح، فإذا اتسخ انقطع تسبيحه" ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {إنه كان حليماً غفوراً} قال: حليماً عن خلقه، فلا يعجل كعجلة بعضهم على بعض، غفوراً لهم إذا ثابوا. وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: "حديث : لما نزلت{تبت يدا أبي لهب} [المسد: 1] أقبلت العوراء أم جميل، ولها ولولة، وفي يدها فهر وهي تقول: *مذمماً أبينا * ودينه قلينا * وأمره عصينا* ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، وأبو بكر رضي الله عنه إلى جنبه، فقال أبو بكر: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال: إنها لن تراني وقرأ قرآنا اعتصم به" تفسير : . كما قال تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً} فجاءت حتى قامت على أبي بكر رضي الله عنه: فلم تَرَ النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني؟ فقال أبو بكر - رضي الله عنه - لا ورب هذا البيت، ما هجاك، فانصرفت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل من وجه آخر، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: "حديث : أن أم جميل دخلت على أبي بكر وعنده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا ابن أبي قحافة، ما شأن صاحبك ينشد في الشعر؟ فقال: والله ما صاحبي بشاعر، وما يدري ما الشعر. فقالت: أليس قد قال: {في جيدها حبل من مسد} [المسد: 5] فما يدريه ما في جيدي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم؛ قل لها: هل ترين عندي أحداً؟ فإنها لن تراني جعل بيني وبينها حجاب فقال لها أبو بكر رضي الله عنه: فقالت: أتهزأ بي؟ والله ما أرى عندك أحداً " تفسير : . وأخرج ابن مردويه، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند المقام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم - في ظل الكعبة بين يدي - إذ "حديث : جاءت أم جميل بنت حرب بن أمية زوجة أبي لهب، ومعها فهران، فقالت: أين الذي هجاني وهجا زوجي؟ والله لئن رأيته لارضن أنثييه بهذين الفهرين. وذلك عند نزول {تبت يدا أبي لهب} قال أبو بكر رضي الله عنه: فقلت لها: يا أم جميل، ما هجاك ولا هجا زوجك. قالت: والله ما أنت بكذاب وإن الناس ليقولون ذلك، ثم ولت ذاهبة. فقلت: يا رسول الله، إنها لم ترك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حال بيني وبينها جبريل ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني في الأفراد وأبو نعيم في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "حديث : لما نزلت {تبت يدا أبي لهب} جاءت امرأة أبي لهب فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، لو تنحيت عنها، فإنها امرأة بذية، فقال: "إنه سيحال بيني وبينها فلا تراني" فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك؟ قال: والله ما ينطق بالشعر، ولا يقوله. فقالت: إنك لمصدق، فاندفعت راجعة. فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، ما رأتك؟ قال: "كان بيني وبينها ملك يسترني بجناحه حتى ذهبت" ". تفسير : وأخرج ابن إسحق وابن المنذر، عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا القرآن على مشركي قريش ودعاهم إلى الله قالوا: يهزؤون به {أية : وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فٱعمل إننا عاملون}تفسير : [فصلت: 5] فأنزل الله في ذلك من قولهم {وإذا قرأت القرآن} الآيات. وأخرج ابن عساكر وولده القاسم في كتاب آيات الحرز، عن العباس بن محمد المنقري رضي الله عنه قال: قدم حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه المدينة حاجّاً، فاحتجنا إلى أن نوجه رسولاً، وكان في الخوف، فأبى الرسول أن يخرج، وخاف على نفسه من الطريق، فقال الحسين رضي الله عنه: أنا أكتب لك رقعة فيها حرز لن يضرك شيء إن شاء الله تعالى، فكتب له رقعة وجعلها الرسول في صورته، فذهب الرسول فلم يلبث أن جاء سالماً، فقال: مررت بالأعراب يميناً وشمالاً فما هيجني منهم أحد، والحرز عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب، وأن هذا الحرز كان الأنبياء يتحرزون به من الفراعنة: {بسم الله الرحمن الرحيم} {أية : قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون} تفسير : [المؤمنون: 109] {أية : إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً} تفسير : [مريم: 18] أخذت بسمع الله وبصره وقوّته على أسماعكم وأبصاركم وقوتكم يا معشر الجن والإنس والشياطين والأعراب والسباع والهوام واللصوص، مما يخاف ويحذر فلان ابن فلان، سترت بينه وبينكم بستر النبوّة التي استتروا بها من سطوات الفراعنة، جبريل، عن أيمانكم، وميكائيل، عن شمائلكم، ومحمد صلى الله عليه وسلم أمامكم، والله سبحانه وتعالى من فوقكم يمنعكم من فلان ابن فلان في نفسه وولده وأهله وشعره وبشره وماله وما عليه وما معه وما تحته وما فوقه. {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً} {وجعلنا على قلوبهم أكنة} إلى قوله {نفوراً} وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً} قال: الحجاب المستور أكنة على قلوبهم أن يفقهوه، وأن ينتفعوا به، أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن زهير بن محمد وإذا قرأت القرآن الآية قال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على المشركين بمكة سمعوا صوته ولا يرونه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً} قال: بغضاً لما تتكلم به لئلا يسمعوه، كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في آذانهم، لئلا يسمعوا ما يأمرهم به من الاستغفار والتوبة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً} قال: الشياطين. وأخرج البخاري في تاريخه، عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: لم كتمتم {بسم الله الرحمن الرحيم} فنعم الاسم والله كتموا! فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل منزله، اجتمعت عليه قريش، فيجهر (ببسم الله الرحمن الرحيم) ويرفع صوته بها، فتولي قريش فراراً، فأنزل الله {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً}. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إذ يستمعون إليك} قال: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {إذ يستمعون إليك} قال: هي في مثل قول الوليد بن المغيرة ومن معه في دار الندوة وفي قوله: {فلا يستطيعون سبيلاً} قال: مخرجاً يخرجهم من الأمثال التي ضربوا لك، الوليد بن المغيرة، وأصحابه. وأخرج ابن إسحق والبيهقي في الدلائل، عن الزهري رضي الله عنه قال: حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة يستمعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق فتلاوموا، فقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم انصرفوا حتى إذا كان الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق فقال بعضهم لبعض: مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني عن رأيك فيما سمعت من محمد. قال: والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فقال: ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف في الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان؛ قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه، والله لا نؤمن به أبداً، ولا نصدقه فقام عنه الأخنس وتركه والله أعلم.
القشيري
تفسير : جَوَّزوا أن يكون لله - سبحانه - ولدٌ، وفكَّروا في ذلك، ثم لم يَرْضَوْا حتى جعلوا له ما استنكفوا منه لأنفسهم، فما زادوا في تَمَرُّدِهم إلا عُتُوَّا، وفي طغيانهم إلا غَلُوَّاً، وعن قبول الحقِّ إلا نُبُوَّاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفاصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة اناثا} خطاب للقائلين بان الملائكة بنات الله وكان المشركون يستنكفون من البنات فيختارون لانفسهم الذكور ومع ذلك ينسبون اليه تعالى الاناث فانكر الله ذلك منهم. والاصفاء بالشئ جعله خالصا والهمزة للانكار والفاء للعطف على مقدر يفسره المذكور وعبر عن البنات بالاناث اظهارا لجهة خساستهن لان الانوثة اخس اوصاف الحيوان. والمعنى افضلكم على جنابه فخصكم بافضل الاولاد على وجه الخلوص وآثر لذاته اخسها وادناها كما فى قوله تعالى {أية : ألكم الذكر وله الانثى}تفسير : اى هذا خلاف الحكمة وما عليه عقولكم وعادتكم فان العبيد لا يؤثرون بأجود الاشياء واصفاها من الشوب ويكون ارادها وادونها للسادات. قال الكاشفى [ايا بركزيد شمارا برورد كار شما به بسران وفرا كرفت برى خودرا ازملائكه دختران اين خلاف آنست كه عادت شما ربان جارى شده كه ازدختران ننك ميداريد وبه بسران مى نازيد]{انكم لتقولون} باضافة الولد اليه تعالى {قولا عظيما} لا يجترئ عليه احد حيث تجعلونه من قبيل الاجسام المجانسة السريعة الزوال ثم تضيفون اليه ما تكرهون من اخس الاولاد وتفضلون عليه انفسكم بالبنين ثم تصفون الملائكة الذين هم من اشرف الخلق بالانوثة التى هى اخس اوصاف الحيوان. قال فى التأويلات النجمية قوله تعالى {أفاصفاكم} الآية يشير الى كمال ظلومية الانسان وكمال جهوليته اما كمال ظلوميته فانهم ظنوا بالله سبحانه انه من جنس الحيوانات التى من خاصيتها التوالد واما كمال جهوليته فانهم لم يعلموا ان الحاجة الى التوالد لبقاء الجنس فان الله تعالى باق ابدى لا يحتاج الى التوالد لبقاء الجنس ولم يعلموا ان الله منزه عن الجنس وليست الملائكة من جنسه فانه خالق ازلى ابدى واما الملائكة فهم المخلوقون ومن كمال الظلومية والجهولية انهم حسبوا ان الله تعالى انما اصفاهم بالبنين واختار لنفسه البنات لجهله بشرف البنين على البنات فلهذا قال تعالى {انكم لتقولون قولا عظيما} اى قولا ينبئ عن عظيم امر ظلوميتكم وجهوليتكم.
الطوسي
تفسير : الألف في {أفأصفاكم} ألف استفهام، والمراد بها الإنكار لانه لا جواب لمن سئل إِلا بما فيه أعظم الفضيحة، وفي ذلك تعليم سؤال المخالفين للحق، وهذا خطاب لمن جعل لله بنات، وقال الملائكة بنات الله، فقال الله تعالى لهم: أأخلص لكم البنين واختار لكم صفوة الشيء دونه؟ وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه، فاختصكم بالأرفع وجعل لنفسه الادون؟!! ثم أخبر أنهم يقولون في ذلك {قولاً عظيماً} أي عظيم الوبال والوزر. وقوله {لقد صرفنا في هذا القرآن ليتذَّكَّروا} وقرأ حمزة والكسائي في جميع القرآن خفيفاً، من ذكر يذكر. والباقون بالتشديد في جميع القرآن بمعنى ليتذكروا، فادعموا التاء في الذال. وفي ذلك دلالة على بطلان مذهب المجبرة لأنه أراد التصريف في القرآن، ليذكر المشركون ما يردهم إِلى الحق، وهذا مما علقت الارادة الفعل فيه بالمعنى من التذكر. ولولاها لم يتعلق. ثم اخبر انه وان اراد منهم الايمان والهداية بتصريف القرآن لا يزدادون هم إِلا نفورا عنه. فان قيل كيف يجوز أن يفعل تعالى ما يزدادون عنده الكفر؟ وهل ذلك الا استفساد ومنع اللطف؟! قلنا: ليس في ذلك منع اللطف، بل فيه إِظهار الدلائل، مما لا يصح التكليف إِلاّ معه ولو لم تظهر الدلائل، لازدادوا فسادا بأعظم من هذا الفساد، وفي إِظهار الدلائل صلاح حاصل لمن نظر فيها وأحسن التدبر لها. وإِنما جاز أن يزدادوا بما يؤنس من الدلائل نفوراً، باعتقادهم أنها حيل وشبه، فنفروا منها أشد النفور لهذا الاعتقاد الفاسد، ومنعهم ذلك من التدبر لها وادراك منزلتها في عظم الفائدة، وجلالة المنزلة. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين {لو كان مع الله آلهة} أخرى كما يزعمون {لابتغوا} ما يقربهم اليه لعلوّه عليهم وعظمته عندهم - في قول قتادة والزجاج - وقال الحسن والجبائي: لا تبغوا سبيلا إِلى مغالبته ومضادّته، كما قال {أية : لو كان فيهما آلهة إِلاّ الله لفسدتا}.
الجنابذي
تفسير : {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً} ردّ على من قال: انّ الملائكة جميعاً او بعضهم بنات الله كبعض قريشٍ وبعض الهنود {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} باثبات الولد لله وتفضيل انفسكم ونسبة الذّكورة والانوثة الى الملائكة المجرّدة العالية منهما، وتوصيفهم بالانوثة الّتى هى اخسّهما واثبات الولد الاخسّ لله العلىّ العظيم.
اطفيش
تفسير : {أفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم} يامن يقول من أهل مكة وغيرها الملائكة بنات الله والهمزة للإِنكار. {بِالْبَنِينَ} أى أفخصكم ربكم بصفوة الأَولاد وهى البنون يقال أصفاه أى اختاره وخصه للصفوة فقوله بالبنين تفسير للصفوة {وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِنَاثاً} مفعول أو بمعنى بنات ومن الملائكة مفعول ثان، ويجوز أن يعلق من الملائكة باتخذ وبمحذوف حال من إناثاً والمفعول الثانى محذوف أى اتخذ أناساً من الملائكة بناتاً لنفسه وهذا خلاف ما عليه عقولكم وعادتكم من اصطفاء السيد الأَشياء الجيدة لنفسه وإِعطاء الأَشياء الرديئة لعبده فكيف السيد المتصف بالكمال الذى لا نهاية له وهذا خطاب باعتبار عقولهم مع أنه لا يقال إن من المكارم اختيار الإِنسان الشئ الحسن لغيره، لأَن ذلك إنما هو فى من سيادته وعظمته ليستا حقيقتين، فيفعل ذلك رداً لنفسه إِلى ما هو به حقيق وهو الخضوع والهوان وذلك هو الخلق مطلقاً لا فيمن سيادته ذاتية حقيقية وهو الله جل وعلا {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} هو إِضافتهم البنات إِليه وعظم ذلك القول من جهات الأَولى: أن الولادة تستلزم الحد والحلول والجهات والأَجزاء والجسمية والله عز وجل منزه عن الجسمية والعرضية وتستلزم سرعة الزوال، فإِن الولادة تختص بما هو سريع الزوال وهو الأَجسام. الثانية: تفضيل العبد العاجز على السيد القادر قدرة تامة نسبة الذكر كالأُنثى للعبد ونسبة الأُنثى فقط للسيد وهى مكروهة للعبد. الثالثة: جعل أشرف الخلق على الإِطلاق من حيث الجسم وأشرف ما عدا الأَنبياء والمؤمنين من حيث الشأن على الصحيح عندى دون الخلق وهو الأُنثى.
الالوسي
تفسير : {أَفَأَصْفَـٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَٰـئِكَةِ إِنَاثًا} خطاب للقائلين بأن الملائكة بنات الله سبحانه. والإصفاء بالشيء جعله خالصاً. والهمزة للإنكار وهي داخلة على مقدر على أحد الرأيين والفاء للعطف على ذلك المقدر أي أفضلكم على جنابه فخصكم بأفضل الأولاد على وجه الخلوص وآثر لذاته أخسها وأدناها. والتعرض لعنوان الربوبية لتشديد النكير وتأكيده، وعبر بالإناث إظهاراً للخسة. وقال شيخ الإسلام: أشير بذكر الملائكة عليهم السلام وإيراد الإناث مكان البنات إلى كفرة لهم أخرى وهي وصفهم لهم عليهم السلام بالأنوثة التي هي أخس صفات الحيوان كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَٰـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً} تفسير : [الزخرف: 19] وفي «الكشف» أنه تعالى لما نهى عن الشرك ودل على فساده أتى بالفاء الواصلة وأنكر عليهم ذلك دليلاً على مكان التعكيس وأنهم بعد ما عرفوا أنه سبحانه برىء من الشريك بدليل العقل والسمع نسبوا إليه تعالى ما هو شرك ونقص وازدراء بمن اصطفاه من عباده فياله من كفرة شنيعة ولذا قيل: {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ} بمقتضى مذهبكم الباطل {قَوْلاً عَظِيمًا} لا يقادر قدره في استتباع الإثم وخرقه لقضايا العقول بحيث لا يجترىء عليه ذو عقل حيث تجعلونه سبحانه من قبيل الأجسام السريعة الزوال المحتاجة إلى بقاء النوع بالتوالد وليس كمثله شيء وهو الواحد القهار الباقي بذاته ثم تضيفون إليه تعالى ما تكرهون من أخس الأولاد وتفضلون عليه سبحانه أنفسكم بالبنين ثم تصفون الملائكة عليهم السلام بما تصفون.
سيد قطب
تفسير : بدأ الدرس الثاني وانتهى بتوحيد الله والنهي عن الشرك به، وضم بين البداية والنهاية تكاليف وأوامر ونواهي وآداباً مرتكزة كلها على قاعدة التوحيد الوطيدة.. ويبدأ هذا الدرس وينتهي باستنكار فكرة الولد والشريك، وبيان ما فيها من اضطراب وتهافت، وتقرير وحدة الاتجاه الكوني إلى الخالق الواحد: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} ووحدة المصير والرجعة إلى الله في الآخرة، ووحدة علم الله الشامل بمن في السماوات ومن في الأرض، ووحدة التصرف في شؤون الخلائق بلا معقب: {إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم}.. ومن خلال السياق تتهافت عقائد الشرك وتتهاوى، وتنفرد الذات الإلهية بالعبادة والاتجاه والقدرة والتصرف والحكم في هذا الوجود، ظاهره وخافيه، دنياه وآخرته؛ ويبدو الوجود كله متجهاً إلى خالقه في تسبيحة مديدة شاملة تشترك فيها الأحياء والاشياء. {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثاً؟ إنكم لتقولون قولاً عظيماً؟} استفهام للاستنكار والتهكم. استنكار لما يقولون من أن الملائكة بنات الله، تعالى عن الولد والصاحبة كما تعالى عن الشبيه والشريك. وتهكم على نسبة البنات لله وهم يعدون البنات أدنى من البنين ويقتلون البنات خوف الفقر أو العار؛ ومع هذا يجعلون الملائكة إناثاً، وينسبون هؤلاء الإناث إلى الله! فإذا كان الله هو واهب البنين والبنات، فهل أصفاهم بالبنين المفضلين واتخذ لنفسه الإناث المفضولات؟! وهذا كله على سبيل مجاراتهم في ادعاءاتهم لبيان ما فيها من تفكك وتهافت. وإلا فالقضية كلها مستنكرة من الأساس: {إنكم لتقولون قولاً عظيماً}.. عظيماً في شناعته وبشاعته، عظيماً في جرأته ووقاحته، عظيماً في ضخامة الافتراء فيه، عظيماً في خروجه عن التصور والتصديق. {ولقد صرفنا في هـذا القرآن ليذكروا، وما يزيدهم إلا نفورا}.. فقد جاء القرآن بالتوحيد، وسلك إلى تقرير هذه العقيدة وإيضاحها طرقاً شتى، وأساليب متنوعة، ووسائل متعددة {ليذكروا} فالتوحيد لا يحتاج إلى أكثر من التذكر والرجوع إلى الفطرة ومنطقها، وإلى الآيات الكونية ودلالتها؛ ولكنهم يزيدون نفوراً كلما سمعوا هذا القرآن. نفوراً من العقيدة التي جاء بها، ونفوراً من القرآن ذاته خيفة أن يغلبهم على عقائدهم الباطلة التي يستمسكون بها. عقائد الشرك والوهم والترهات. وكما جاراهم في ادعاءاتهم في حكاية البنات ونسبتها إلى الله ليكشف عما فيها من تفكك وتهافت، فهو يجاريهم في حكاية الآلهة المدعاة، ليقرر أن هذه الآلهة لو وجدت فإنها ستحاول أن تتقرب إلى الله، وأن تجد لها وسيلة إليه وسبيلاً: {قل: لو كان معه آلهة كما يقولون، إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا}.. ولو ـ كما يقول النحاة ـ حرف امتناع لامتناع، فالقضية كلها ممتنعة، وليس هنالك آلهة مع الله ـ كما يقولون ـ والآلهة التي يدعونها إن هي إلا خلق من خلق الله سواء كانت نجماً أو كوكباً، إنساناً أو حيواناً، نباتاً أو جماداً. وهذه كلها تتجه إلى الخالق حسب ناموس الفطرة الكونية، وتخضع للإرادة التي تحكمها وتصرفها؛ وتجد طريقها إلى الله عن طريق خضوعها لناموسه وتلبيتها لإرادته: {إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا}.. وذكر العرش هنا يوحي بالارتفاع والتسامي على هذه الخلائق التي يدعون أنها آلهة {مع الله}. وهي تحت عرشه وليست معه.. ويعقب على ذلك بتنزيه الله في علاه: {سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا}.. ثم يرسم السياق للكون كله بما فيه ومن فيه مشهداً فريداً، تحت عرش الله، يتوجه كله إلى الله، يسبح له ويجد الوسيلة إليه: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولـكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليماً غفورا}.. وهو تعبير تنبض به كل ذرة في هذا الكون الكبير، وتنتفض روحاً حية تسبح الله. فإذا الكون كله حركة وحياة، وإذا الوجود كله تسبيحة واحدة شجية رخية، ترتفع في جلال إلى الخالق الواحد الكبير المتعال. وإنه لمشهد كوني فريد، حين يتصور القلب. كل حصاة وكل حجر. كل حبة وكل ورقة. كل زهرة وكل ثمرة. كل نبتة وكل شجرة. كل حشرة وكل زاحفة. كل حيوان وكل إنسان. كل دابة على الارض وكل سابحة في الماء والهواء.. ومعها سكان السماء.. كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه. وإن الوجدان ليرتعش وهو يستشعر الحياة تدب في كل ما حوله مما يراه ومما لا يراه، وكلما همت يده أن تلمس شيئاً، وكلما همت رجله أن تطأ شيئاً.. سمعه يسبح الله، وينبض بالحياة. {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} يسبح بطريقته ولغته {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} لا تفقهونه لأنكم محجوبون بصفاقة الطين، ولأنكم لم تتسمعوا بقلوبكم، ولم توجهوها إلى أسرار الوجود الخفية، وإلى النواميس التي تنجذب إليها كل ذرة في هذا الكون الكبير، وتتوجه بها إلى خالق النواميس، ومدبر هذا الكون الكبير. وحين تشف الروح وتصفو فتتسمع لكل متحرك أو ساكن وهو ينبض بالروح، ويتوجه بالتسبيح، فإنها تتهيأ للاتصال بالملأ الأعلى، وتدرك من أسرار هذا الوجود ما لا يدركه الغافلون، الذين تحول صفاقة الطين بين قلوبهم وبين الحياة الخفية الساربة في ضمير هذا الوجود، النابضة في كل متحرك وساكن، وفي كل شيء في هذا الوجود. {إنه كان حليماً غفورا}.. وذكر الحلم هنا والغفران بمناسبة ما يبدو من البشر من تقصير في ظل هذا الموكب الكوني المسبح بحمد الله، بينما البشر في جحود وفيهم من يشرك بالله، ومن ينسب له البنات، ومن يغفل عن حمده وتسبيحه. والبشر أولى من كل شيء في هذا الكون بالتسبيح والتحميد والمعرفة والتوحيد. ولولا حلم الله وغفرانه لأخذ البشر أخذ عزيز مقتدر. ولكنه يمهلهم ويذكرهم ويعظهم ويزجرهم {إنه كان حليماً غفورا}. ولقد كان كبراء قريش يستمعون إلى القرآن، ولكنهم يجاهدون قلوبهم ألا ترق له، ويمانعون فطرتهم ان تتأثر به؛ فجعل الله بينهم وبين الرسل حجاباً، حجاباً خفياً، وجعل على قلوبهم كالأغلقة فلا تفقه القرآن، وجعل في آذانهم كالصمم فلا تعي ما فيه من توجيه: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستورا. وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا. وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا. نحن أعلم بما يستمعون به، إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى. إذ يقول الظالمون: إن تتبعون إلا رجلاً مسحورا. انظر كيف ضربوا لك الأمثال، فضلوا فلا يستطيعون سبيلا}.. وقد روى ابن اسحاق في السيرة عن محمد بن مسلم بن شهاب عن الزهري أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يصلي بالليل في بيته؛ فأخذ كل واحد منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، حتى إذا جمعتهم الطريق تلاوموا، فقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً. ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا وجمعهم الطريق. فقال بعضهم لبعض مثل ما قاله أول مرة. ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق؛ فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود. فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى ابا سفيان بن حرب في بيته، فقال: اخبرني يا ابا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. قال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا، والذي حلفت به. قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته؛ فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فاعطينا. حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء. فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه! قال فقام عنه الأخنس وتركه.. فهكذا كان القوم تتأثر بالقرآن فطرتهم فيصدونها، وتجاذبهم إليه قلوبهم فيمانعونها، فجعل الله بينهم وبين الرسول حجاباً خفياً لا يظهر للعيون ولكن تحسه القلوب، فإذا هم لا ينتفعون به، ولا يهتدون بالقرآن الذي يتلوه. وهكذا كانوا يتناجون بما أصاب قلوبهم من القرآن، ثم يتآمرون على عدم الاستماع إليه؛ ثم يغلبهم التأثر به فيعودون، ثم يتناجون من جديد، حتى ليتعاهدون على عدم العودة ليحجزوا انفسهم عن هذا القرآن المؤثر الجذاب الذي يخلب القلوب والألباب! ذلك أن عقيدة التوحيد التي يدور عليها هذا القرآن كانت تهددهم في مكانتهم وفي امتيازاتهم وفي كبريائهم فينفرون منها: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا}.. نفوراً من كلمة التوحيد، التي تهدد وضعهم الاجتماعي، القائم على أوهام الوثنية وتقاليد الجاهلية، وإلا فقد كان كبراء قريش أذكى من أن يخفى عليهم ما في عقائدهم من تهافت، وما في الإسلام من تماسك، وأعرف بالقول من أن يغيب عنهم ما في القرآن من سمو وارتفاع وامتياز. وهم الذين لم يكونوا يملكون أنفسهم من الاستماع إليه والتأثر به، على شدة ما يمانعون قلوبهم ويدافعونها! ولقد كانت الفطرة تدفعهم إلى التسمع والتأثر؛ والكبرياء تدفعهم عن التسليم والإذعان؛ فيطلقون التهم على الرسول ـ يعتذرون بها عن المكابرة والعناد: {إذ يقول الظالمون: إن تتبعون إلا رجلاً مسحورا}.. وهذه الكلمة ذاتها تحمل في ثناياها دليل تأثرهم بالقرآن؛ فهم يستكثرون في دخيلتهم أن يكون هذا قول بشر؛ لأنهم يحسون فيه شيئاً غير بشري. ويحسون دبيبه الخفي في مشاعرهم فينسبون قائله إلى السحر، يرجعون إليه هذه الغرابة في قوله، وهذا التميز في حديثه، وهذا التفوق في نظمه. فمحمد إذن لا ينطق عن نفسه، إنما ينطق عن السحر بقوة غير قوة البشر! ولو أنصفوا لقالوا: إنه من عند الله، فما يمكن أن يقول هذا إنسان، ولا خلق آخر من خلق الله. {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا}.. ضربوا لك الأمثال بالمسحورين ولست بمسحور، إنما أنت رسول، فضلوا ولم يهتدوا، وحاروا فلم يجدوا طريقاً يسلكونه. لا إلى الهدى، ولا إلى تعليل موقفهم المريب! ذلك قولهم عن القرآن، وعن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يتلو عليهم القرآن. كذلك كذبوا بالبعث، وكفروا بالآخرة: {وقالوا: أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً؟ قل: كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم. فسيقولون: من يعيدنا؟ قل: الذي فطركم أول مرة. فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون: متى هو؟ قل: عسى أن يكون قريباً، يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا}.. وقد كانت قضية البعث مثار جدل طويل بين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمشركين، واشتمل القرآن الكريم على الكثير من هذا الجدل. مع بساطة هذه القضية ووضوحها عند من يتصور طبيعة الحياة والموت، وطبيعة البعث والحشر. ولقد عرضها القرآن الكريم في هذا الضوء مرات. ولكن القوم لم يكونوا يتصورونها بهذا الوضوح وبتلك البساطة؛ فكان يصعب عليهم تصور البعث بعد البلى والفناء المسلط على الأجسام: {وقالوا: أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديدا}؟ ذلك انهم لم يكونوا يتدبرون أنهم لم يكونوا أحياء أصلاً ثم كانوا، وأن النشأة الآخرة ليست أعسر من النشأة الأولى. وأنه لا شيء أمام القدرة الإلهية أعسر من شيء، وأداة الخلق واحدة في كل شيء: {أية : كن فيكون} تفسير : فيستوي إذن أن يكون الشيء سهلاً وأن يكون صعباً في نظر الناس، متى توجهت الإرادة الإلهية إليه. وكان الرد على ذلك التعجب: {قل: كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم}.. والعظام والرفات فيها رائحة البشرية وفيها ذكرى الحياة؛ والحديد والحجارة أبعد عن الحياة. فيقال لهم: كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً آخر أوغل في البعد عن الحياة من الحجارة والحديد مما يكبر في صدوركم أن تتصوروه وقد نفخت فيه الحياة.. فسيبعثكم الله. وهم لا يملكون أن يكونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً آخر ولكنه قول للتحدي. وفيه كذلك ظل التوبيخ والتقريع، فالحجارة والحديد جماد لا يحس ولا يتأثر، وفي هذا إيماء من بعيد إلى ما في تصورهم من جمود وتحجر! {فسيقولون: من يعيدنا}؟ من يردنا إلى الحياة إن كنا رفاتاً وعظاماً، أو خلقاً آخر أشد إيغالاً في الموت والخمود؟ {قل: الذي فطركم أول مرة}.. وهو رد يرجع المشكلة إلى تصور بسيط واضح مريح. فالذي أنشأهم إنشاءً قادر على أن يردهم أحياء. ولكنهم لا ينتفعون به ولا يقتنعون: {فسينغضون إليك رؤوسهم} ينغضونها علواً أو سفلاً، استنكاراً واستهزاء: {ويقولون: متى هو؟}: استبعاداً لهذا الحادث واستنكاراً. {قل: عسى أن يكون قريباً}... فالرسول لا يعلم موعده تحديداً. ولكن لعله أقرب مما يظنون. وما أجدرهم أن يخشوا وقوعه وهم في غفلتهم يكذبون ويستهزئون! ثم يرسم مشهداً سريعاً لذلك اليوم: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده، وتظنون إن لبثتم إلا قليلا}.. وهو مشهد يصور أولئك المكذبين بالبعث المنكرين له، وقد قاموا يلبون دعوة الداعي، وألسنتهم تلهج بحمد الله. ليس لهم سوى هذه الكلمة من قول ولا جواب! وهو جواب عجيب ممن كانوا ينكرون اليوم كله وينكرون الله، فلا يكون لهم جواب إلا أن يقولوا: الحمد لله. الحمد لله! ويومئذ تنطوي الحياة كما ينطوي الظل: {وتظنون إن لبثتم إلا قليلا}. وتصوير الشعور بالدنيا على هذا النحو يصغر من قيمتها في نفوس المخاطبين، فإذا هي قصيرة قصيرة، لا يبقى من ظلالها في النفس وصورها في الحس، إلا أنها لمحة مرت وعهد زال وظل تحول، ومتاع قليل. ثم يلتفت السياق عن هؤلاء المكذبين بالبعث والنشور، المستهزئين بوعد الله وقول الرسول، المنغضين رؤوسهم المتهكمين المتهجمين.. يلتفت عنهم إلى عباد الله المؤمنين ليوجههم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقولوا الكلمة الطيبة وينطقوا دائماً بالحسنى: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن. إن الشيطان ينزغ بينهم، إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبينا}. {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} على وجه الإطلاق وفي كل مجال. فيختاروا أحسن ما يقال ليقولوه: بذلك يتقون أن يفسد الشيطان ما بينهم من مودة. فالشيطان ينزغ بين الإخوة بالكلمة الخشنة تفلت، وبالرد السيئ يتلوها فإذا جو الود والمحبة والوفاق مشوب بالخلاف ثم بالجفوة ثم بالعداء. والكلمة الطيبة تأسو جراح القلوب، تندّي جفافها، وتجمعها على الود الكريم. {إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبينا}.. يتلمس سقطات فمه وعثرات لسانه، فيغري بها العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه. والكلمة الطيبة تسد عليه الثغرات، وتقطع عليه الطريق، وتحفظ حرم الأخوة آمناً من نزغاته ونفثاته. وبعد هذه اللفتة يعود السياق إلى مصائر القوم يوم يدعوهم فيستجيبون بحمده، فإذا المصير كله بيد الله وحده، إن شاء رحم، وإن شاء عذب، وهم متروكون لقضاء الله، وما الرسول عليهم بوكيل، إن هو إلا رسول: {ربكم أعلم بكم، إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم، وما أرسلناك عليهم وكيلا. وربك أعلم بمن في السماوات والأرض}.. فالعلم المطلق لله. وهو يرتب على كامل علمه بالناس رحمتهم أو عذابهم. وعند البلاغ تنتهي وظيفة الرسول. وعلم الله الكامل يشمل من في السماوات والأرض من ملائكة ورسل وإنس وجن، وكائنات لا يعلم إلا الله ما هي؟ وما قدرها؟ وما درجتها. وبهذا العلم المطلق بحقائق الخلائق فضل الله بعض النبيين على بعض: {لقد فضلنا بعض النبيين على بعض}. وهو تفضيل يعلم الله أسبابه. أما مظاهر هذا التفضيل فقد سبق الحديث عنها في الجزء الثالث من هذه الظلال عند تفسير قوله تعالى: {أية : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}.. تفسير : فيراجع في موضعه هناك: {وآتينا داود زبورا}.. وهو نموذج من عطاء الله لأحد أنبيائه، ومن مظاهر التفضيل أيضاً. إذ كانت الكتب أبقى من الخوارق المادية التي يراها بعض الناس في ظرف معين من الزمان. وينتهي هذا الدرس الذي بدأ بنفي فكرة الأبناء والشركاء، واستطرد إلى تفرد الله سبحانه بالاتجاه إليه، وتفرده بالعلم والتصرف في مصائر العباد.. ينتهي بتحدي الذين يزعمون الشركاء، أن يدعوا الآلهة المدعاة إلى كشف الضر عنهم لو شاء الله أن يعذبهم، أو تحويل العذاب إلى سواهم: {قل: ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا}.. فليس أحد بقادر على أن يكشف الضر أو يحوله إلا الله وحده، المتصرف في أقدار عباده. ويقرر لهم أن من يدعونهم آلهة من الملائكة أو الجن أو الإنس.. إن هم إلا خلق من خلق الله، يحاولون أن يجدوا طريقهم إلى الله ويتسابقون إلى رضاه، ويخافون عذابه الذي يحذره من يعلم حقيقته ويخشاه: {أولـئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه. إن عذاب ربك كان محذورا}.. وقد كان بعضهم يدعو عزيزاً ابن الله ويعبده، وبعضهم يدعو عيسى ابن الله ويعبده. وبعضهم يدعو الملائكة بنات الله ويعبدهم، وبعضهم يدعو غير هؤلاء.. فالله يقول لهم جميعاً: إن هؤلاء الذين تدعونهم، أقربهم إلى الله يبتغي إليه الوسيلة، ويتقرب إليه بالعبادة، ويرجو رحمته، ويخشى عذابه ـ وعذاب الله شديد يحذر ويخاف ـ فما أجدركم أن تتوجهوا إلى الله، كما يتوجه إليه من تدعونهم آلهة من دونه وهم عباد لله، يبتغون رضاه. وهكذا يبدأ الدرس ويختم ببيان تهافت عقائد الشرك في كل صورها. وتفرد الله سبحانه بالألوهية والعبادة والاتجاه.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على مقدر يدل على تقديره المفرع عليه. والتقدير: أفضلكم الله فأعطاكم البنين وجعل لنفسه البنات. ومناسبته لما قبله أن نسبة البنات إلى الله ادعاء آلهة تنتسب إلى الله بالبنوة، إذ عبد فريق من العرب الملائكَة كما عبدوا الأصنام، واعتلوا لعبادتهم بأن الملائكة بنات الله تعالى كما حكى عنهم في قوله: {أية : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمٰن إناثا} تفسير : [الزخرف: 19] إلى قوله: {أية : وقالوا لو شاء الرحمٰن ما عبدناهم} تفسير : [الزخرف: 20]. فلما نهوا عن أن يجعلوا مع الله إلهاً آخر خصص بالتحذير عبادة الملائكة لئلا يتوهموا أن عبادة الملائكة ليست كعبادة الأصنام لأن الملائكة بنات الله ليتوهموا أن الله يرضى بأن يعبدوا أبناءه. وقد جاء إبطال عبادة الملائكة بإبطال أصلها في معتقدهم، وهو أنهم بنات الله، فإذا تَبَيّنَ بطلان ذلك علموا أن جعلهم الملائكة آلهة يساوي جعلهم الأصنام آلهة. فجملة {أفأصفاكم ربكم بالبنين} إلى آخرها متفرعة على جملة {أية : ولا تجعل مع اللَّه إلٰهاً آخر} تفسير : [الإسراء: 39] تفريعاً على النهي كما بيناه باعتبار أن المنهي عنه مشتمل عمومه على هذا النوع الخاص الجدير بتخصيصه بالإنكار وهو شبيه ببدل البعض. فالفاء للتفريع وحقها أن تقع في أول جملتها ولكن أخرها أن للاستفهام الصدر في أسلوب الكلام العربي. وهذا هو الوجه الحسن في موقع حروف العطف مع همزة الاستفهام. وبعض الأيمة يجعل الاستفهام في مثل هذا استفهاماً على المعطوف والعاطف. والاستفهام إنكار وتهكم. والإصفاء: جعل الشيء صَفْوا، أي خَالصاً، وتعدية أصفى إلى ضمير المخاطبين على طريقة الحذف والإيصال، وأصله: أفأصفى لكم. وقوله: {بالبنين} الباء فيه إما مزيدة لتوكيد لصوق فعل (أصفى) بمفعوله. وأصله: أفأصفى لكم ربكم البنين، كقوله تعالى: {أية : وامسحوا برءوسكم} تفسير : [المائدة: 6]؛ أو ضمّن أصفى معنى آثر فتكون الباء للتعدية دالة على معنى الاختصاص بمجرورها، فصار (أصفى) مع متعلقه بمنزلة فعلين، أي قصر البنين عليكم دونه، أي جعل لم البنين خالصة لا يساويكم هو بأمثالهم، وجعل لنفسه الإناث التي تكرهونها. وفساد ذلك ظاهر بأدنى نظر فإذا تبين فساده على هذا الوضع فقد تبين انتفاء وقوعه إذ هو غير لائق بجلال الله تعالى. وقد تقدم هذا عند قوله تعالى: {أية : ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون}تفسير : في سورة [النحل: 57]. وقوله: {أية : إن يدعون من دونه إلا إناثاً}تفسير : في [النساء: 117]. وجملة {إنكم لتقولون قولاً عظيماً} تقرير لمعنى الإنكار وبيان له، أي تقولون: اتخذ الله الملائكة بنات. وأكد فعل «تقولون» بمصدره تأكيداً لمعنى الإنكار. وجَعْله مجرد قول لأنه لا يعدو أن يكون كلاماً صدر عن غير روية، لأنه لو تأمله قائله أدنى تأمل لوجده غير داخل تحت قضايا المقبول عقلاً. والعظيم: القوي. والمراد هنا أنه عظيم في الفساد والبطلاننِ بقرينة سياق الإنكار. ولا أبلغ في تقبيح قولهم من وصفه بالعظيم، لأنه قول مدخول من جوانبه لاقتضائه إيثار الله بأدْوَن صنفي البنوة مع تخويلهم الصنف الأشرف. ثم ما يقتضيه ذلك من نسبته خصائص الأجسام لله تعالى من تركيب وتولد واحتياج إلى الأبناء للإعانة وليخلُفوا الأصل بعد زواله، فأي فساد أعظم من هذا. وفي قوله: {اتخذ} إيماء إلى فساد آخر، وهو أنهم يقولون: {أية : اتخذ الله ولداً }تفسير : [البقرة: 116]. والاتخاذ يقتضي أنه خَلقه ليتخذه، وذلك ينافي التولد فكيف يلتئم ذلك مع قوله: الملائكة بنات الله من سروات الجن، وكيف يخلق الشيء ثم يكون ابناً له فذلك في البطلان ضغث على إبّالة.
الشنقيطي
تفسير : الهمزة في قوله {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ} للإنكار ومعنى الآية. أفخصكم ربكم على وجه الخصوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون، لم يجعل فيهم نصيباً لنفسه، واتخذ لنفسه أدونهم وهي البنات! وهذا خلاف المعقول والعادة. فإن السادة لا يؤثرون عبيدهم بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب، ويتخذون لأنفسهم أردأها وأدونها. فلو كان جل وعلا متخذاً ولداً "سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً" لاتخذ أجود النصيبين ولم يتخذ أردأهما! ولم يصطفكم دون نفسه بأفضلهما. وهذا الإنكار متوجه على الكفار في قولهم: الملائكة بنات الله. سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. فقد جعلوا له الأولاد! ومع ذلك جعلوا له أضعفها وأردأها وهو الإناث! وهم لا يرضونها لأنفسهم. وقد بين الله هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ}تفسير : [النجم:21-22]، وقوله: {أية : أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ}تفسير : [الطور:39]، وقوله: {أية : لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}تفسير : [الزمر:4] والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. وقد بينا ذلك بإيضاح في "سورةالنحل". وقوله في هذه الآية الكريمة {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} بين فيه أن ادعاء الأولاد لله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً - أمر عظيم جداً. وقد بين شدة عظمه بقوله تعالى {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً}تفسير : [مريم:88-95] فالمشركون قبحهم الله جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم. فاقترفوا الجريمة العظمى في المقامات الثلاث، والهمزة والفاء في نحو قوله: {أَفَأَصْفَاكُمْ} قد بينا حكمها بإيضاح في "سورة النحل" أيضاً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أفأصفاكم: الاستفهام للتوبيخ والتقريع ومعنى أصفاكم خصكم بالبنين واختارهم لكم. ولقد صرفنا في هذا القرآن: أي بينا فيه من الوعد والوعيد والأمثال والعظات والأحكام والعبر. ليذكروا: أي ليذكروا فيتعظوا فيؤمنوا ويطيعوا. لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا: أي لَطَلَبوا طريقا إلى الله تعالى للتقرب إليه وطلب المنزلة عنده. ومن فيهن: أي في السماوات من الملائكة والأرض من إنسان وجان وحيوان. وإن من شيء إلا يسبح: أي وما من شيء إلا يسبح بحمده من سائر المخلوقات. حليماً غفوراً: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على معصيتكم إياه وعدم طاعتكم له. معنى الآيات: يقول تعالى مقرعاً موبخاً للمشركين الذين يئدون البنات ويكرهونهنّ ثم هم يجعلون الملائكة إناثاً {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ} أي أخصكم بالبنين {وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} أيها المشركون إذ تجعلون لله ما تكرهون افترءً وكذباً على الله تعالى، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} أي من الحجج والبينات والأمثال والمواعظ الشيء الكثير من أجل أن يُذكروا فيذكروا ويتعظوا فيُبينوا إلى ربهم فيوحدونه وينزهونه عن الشريك والولد، ولكن ما يزيدهم القرآن وما فيه من البينات والهدى إلا نفوراً وبعداً عن الحق. وذلك لغلبة التقليد عليهم، والعناد والمكابرة والمجاحدة. وقوله تعالى: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ} أي قل يا نبينا لهؤلاء المشركين المتخذين لله أنداداً يزعمون أنها آلهة مع الله قل لهم لو كان مع الله آلهة كما تقولون وإن كان الواقع يكذبكم إذ ليس هناك آلهة مع الله ولكن على فرض أنه لو كان مع الله آلهة {لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} أي لطلبوا طريقاً إلى ذي العرش سبحانه وتعالى يلتمسون فيها رضاه ويطلبون القرب منه والزلفى إليه لجلاله وكماله، وغناه وحاجتهم وافتقارهم إليه. ثم نزه سبحانه وتعالى نفسه أن يكون معه آلهة فقال {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً}. وقوله: {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} فأخبر تعالى منزهاً نفسه مُقدّساً ذاته عن الشبيه والشريك والولد والعجز، فأخبر أنه لعظمته وكماله تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن بكلمة.. سبحان الله وبحمده {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} كما أخبر أنه ما من شيء من المخلوقات إلا ويسبح بحمده بلسان قَالِهِ وحَالِه معاً فيقول سبحان الله وبحمده وقوله: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} لاختلاف الألسنة واللغات. وقوله إن كان أي الله {حَلِيماً}: أي لا يعاجل بالعقوبة من عصاه {غَفُوراً} يغفر ذنوب وزلات من تاب إليه وأناب طالباً مغفرته ورضاه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة القول على الله تعالى بالباطل ونسبة النقص إليه تعالى كاتخاذه ولداً أو شريكاً. 2- مشروعية الاستدلال بالعقليات، على إحقاق الحق وإبطال الباطل. 3- فضيلة التسبيح وهو قول: سبحان الله وبحمده حتى إن من قالها مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت في الكثرة مثل زبد البحر. 4- كل المخلوقات في العوالم كلها تسبح الله تعالى أي تنزهه عن الشريك والولد والنقص والعجز ومشابهة الحوادث إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. 5- حلم الله يتجلى في عدم تعجيل عقوبة من عصاه ولولا حلمه لعجل عقوبة مشركي مكة وأكابر مجرميها. ولكن الله أمهلهم حتى تاب أكثرهم.
القطان
تفسير : أصفاكم: خصكم. صرفنا. بينا. ليذكروا: ليتدبروا. نفورا: بعدا. لا تبتغوا: تطلبوا. لا تفقهون: لا تفهمون. {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ...}. لقد انكر الله، على القائلين ان الملائكة بنات الله وكان العرب في الجاهلية يفضلون الذكر على الانثى، ولا يزال هذا في كثير من المجتمعات الجاهلية. ولذلك قال: افضلكم ربكم على نفسه فخصّكم بالبنين، واتخذ لنفسه من الملائكة بنات بزعمكم!! والعجيب من امر هؤلاء: انهم جعلوا الملائكة اناثا، ثم ادعوا انهن بنات الله، ثم عبدوهن، ولذلك قال {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} انكم في قولكم هذا تفترون على الله بهتانا عظيما. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً}. لقد بينا في هذا القرآن احسن بيان واوضحه من الامثال والمواعظ والاحكام ليتذكروا ويتعظوا، ولكنهم لتحجُّر قلوبهم لا يزيدهم ذلك التبيين لا نفورا وبعدا عن الحق. {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ...}. قل ايها الرسول لهؤلاء المشركين لو كان مع الله آلهة اخرى كما يقولون، لحاولوا الوصول الى عرش الرحمن ونازعوه الملك، ولكن هذا غير صحيح، {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22]. تنزه الله عما يقولون، وتعالى جل شأنه عما يزعمون علوا كبيرا.. {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ....}. ان جميع من في هذا الكون من المخلوقات تسبح بحمده وتنزهه وتقدسه، والاكوان شاهدة بتنزهه تعالى عن مشاركته للمخلوقات في صفاتها المحدثة. {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}. ولكن لا تفهمون تسبيح هذه المخلوقات، ولا تدركون ما يقولون لأنكم محجوبون عن ذلك، والله تعالى حليم غفور لمن تاب واصلح. قراءات: قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وابو بكر: "يسبح" بالياء. وقرأ ابن كثير وحفص: "عما يقولون" بالياء. وقرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر: "عما تقولون" بالتاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَفَأَصْفَاكُمْ} {ٱلْمَلاۤئِكَةِ} {إِنَاثاً} (40) - يَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ المَلاَئِكَةَ هُمْ إِنَاثٌ، وَأَنَّهُمْ بَنَاتُ اللهِ، ثُمَّ عَبَدُوهُمْ. فَقَالَ تَعَالَى مُنْكِراً عَلَيْهِمْ زَعْمَهُمْ هذا: أَخَصَّكُمُ اللهُ بِالذُّكُورِ، وَاخْتَارَ لِنَفْسِهِ البَنَاتِ حَسْبَما زَعَمْتُمْ، وَأَنْتُمْ لاَ تَرْضَوْنَ الإِنَاثَ لأَِنْفُسِكُمْ، فَتَجَعَلُونَ لَهُ مَا لاَ تَرْضَوْنَ لأَِنْفُسِكُمْ؟ إِنَّكُمْ أَيُّهَا المُشْرِكُونَ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً فِي بَشَاعَتِهِ فِي نِسْبة الوَلَدِ للهِ، ثُمَّ فِي خَصِّ اللهِ بِالإِنَاثِ. أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ - أَفْضَّلَكُمْ رَبُّكُمْ فَخَصَّكُمْ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لما جعل بعض المشركين لله ولداً، فمنهم مَنْ قالوا: المسيح ابن الله، ومنهم مَنْ قالوا: عزير ابن الله، ومنهم مَنْ قالوا: الملائكة بنات الله، فوبَّخهم الله تعالى: كيف تجعلون للخالق سبحانه البنات ولكم البنين، إنها قسمة جائرة، كما قال الحق سبحانه في آية أخرى: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ}تفسير : [النجم: 21-22]. أي: قسمة جائرة ظالمة. قوله: {أَفَأَصْفَاكُمْ ..} [الإسراء: 40] أي: اصطفاكم واختار لكم البنين، وأخذ لنفسه البنات؟ ويقول في آية أخرى: {أية : وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ..}تفسير : [الزخرف: 15]. لذلك قال تعالى بعدها: {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} [الإسراء: 40] فوصف قولهم بأنه عظيم في القُبْح والافتراء على الله، كما قال في آية أخرى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً}تفسير : [مريم: 88-89]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ} معناه اخْتَصَّكُمْ بهِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا إنكار شديد على من زعم أن الله اتخذ من خلقه بنات فقال: { أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ } أي: اختار لكم الصفوة والقسم الكامل واتخذ لنفسه من الملائكة إناثا حيث زعموا أن الملائكة بنات الله. { إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا } فيه أعظم الجرأة على الله حيث نسبتم له الولد المتضمن لحاجته واستغناء بعض المخلوقات عنه وحكمتم له بأردأ القسمين، وهن الإناث وهو الذي خلقكم واصطفاكم بالذكور فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
همام الصنعاني
تفسير : 1569- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً}: [الآية: 40]، قال، قالت اليهود: الملائكة بنات الجن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):