Verse. 2070 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَلَقَدْ صَرَّفْــنَا فِيْ ہٰذَا الْقُرْاٰنِ لِيَذَّكَّرُوْا۝۰ۭ وَمَا يَزِيْدُہُمْ اِلَّا نُفُوْرًا۝۴۱
Walaqad sarrafna fee hatha alqurani liyaththakkaroo wama yazeeduhum illa nufooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد صرفنا» بينا «في هذا القرآن» من الأمثال والوعد والوعيد «ليذكروا» يتعظوا «وما يزيدهم» ذلك «إلا نفروا» عن الحق.

41

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن التصريف في اللغة عبارة عن صرف الشيء من جهة إلى جهة، نحو تصريف الرياح وتصريف الأمور هذا هو الأصل في اللغة، ثم جعل لفظ التصريف كناية عن التبيين، لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع آخر ومن مثال إلى مثال آخر ليكمل الإيضاح ويقوي البيان فقوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } أي بينا ومفعول التصريف محذوف وفيه وجوه: أحدها: ولقد صرفنا في هذا القرآن ضروباً من كل مثل. وثانيها: أن تكون لفظة «في» زائدة كقوله: { أية : وَأَصْلِحْ لِي فِى ذُرّيَّتِى } تفسير : [الأحقاف: 15] أي أصلح لي ذريتي. أما قوله: {لّيَذْكُرُواْ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ الجمهور {لّيَذْكُرُواْ } بفتح الذال والكاف وتشديدهما، والمعنى: ليتذكروا فأدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما، وقرأ حمزة والكسائي {ليذكروا} ساكنة الذال مضمومة الكاف، وفي سورة الفرقان مثله من الذكر قال الواحدي: والتذكر ههنا أشبه من الذكر، لأن المراد منه التدبر والتفكر، وليس المراد منه الذكر الذي يحصل بعد النسيان. ثم قال: وأما قراءة حمزة والكسائي ففيها وجهان: الأول: أن الذكر قد جاء بمعنى التأمل والتدبر كقوله تعالى: { أية : خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } تفسير : [البقرة: 63] والمعنى: وافهموا ما فيه. والثاني: أن يكون المعنى صرفنا هذه الدلائل في هذا القرآن ليذكروه بألسنتهم فإن الذكر باللسان قد يؤدي إلى تأثر القلب بمعناه. المسألة الثانية: قال الجبائي: قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لِيَذَّكَّرُواْ } يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا القرآن، وإنما أكثر فيه من ذكر الدلائل لأنه تعالى أراد منهم فهمها والإيمان بها، وهذا يدل على أنه تعالى يفعل أفعاله لأغراض حكمية، ويدل على أنه تعالى أراد الإيمان من الكل سواء آمنوا أو كفروا، والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الأصم: شبههم بالدواب النافرة، أي ما ازدادوا من الحق إلا بعداً وهو كقوله: { أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا } تفسير : [التوبة: 125]. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى ما أراد الإيمان من الكفار، وقالوا: إنه تعالى عالم بأن تصريف القرآن لا يزيدهم إلا نفوراً، فلو أراد الإيمان منهم لما أنزل عليهم ما يزيدهم نفرة ونبوة عنه، لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير سبباً لمزيد النفرة والنبوة عنه، فإنه عندما يحاول تحصيل ذلك المقصود يحترز عما يوجب مزيد النفرة والنبوة. فلما أخبر تعالى أن هذا التصريف يزيدهم نفوراً، علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم، والله أعلم. أما قوله تعالى: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسيره وجهان: الوجه الأول: أن المراد من قوله: {إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } هو أنا لو فرضنا وجود آلهة مع الله تعالى لغلب بعضهم بعضاً، وحاصله يرجع إلى دليل التمانع وقد شرحناه في سورة الأنبياء في تفسير قوله: { أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] فلا فائدة في الإعادة. الوجه الثاني: أن الكفار كانوا يقولون { أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } تفسير : [الزمر:3]، فقال الله لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها أيضاً قربة إلى الله تعالى وسبيلاً إليه ولطلبت لأنفسها المراتب العالية، والدرجات الشريفة من الأحوال الرفيعة، فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلاً إلى الله فكيف يعقل أن تقربكم إلى الله. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير {كما يقولون} و{عما يقولون} و{يسبح} بالياء في هذه الثلاثة، والمعنى كما يقول المشركون من إثبات الآلهة من دونه فهو مثل قوله: { أية : قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } تفسير : [آل عمران: 12] وقرأ حمزة والكسائي كلها بالتاء، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم في الأول بالتاء على الخطاب، وفي الثاني والثالث بالياء على الحكاية، وقرأ حفص عن عاصم الأولين بالياء، والأخير بالتاء، وقرأ أبو عمرو الأول والأخير بالتاء والأوسط بالياء. ثم قال تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّا كَبِيرًا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لما أقام الدليل القاطع على كونه منزهاً عن الشركاء. وعلى أن القول بإثبات الآلهة قول باطل، أردفه بما يدل على تنزيهه عن هذا القول الباطل فقال: {سُبْحَـٰنَهُ } وقد ذكرنا أن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، ثم قال: {وَتَعَالَىٰ } والمراد من هذا التعالي الارتفاع وهو العلو، وظاهر أن المراد من هذا التعالي ليس هو التعالي في المكان والجهة، لأن التعالي عن الشريك والنظير والنقائص والآفات لا يمكن تفسيره بالتعالي بالمكان والجهة، فعلمنا أن لفظ التعالي في حق الله تعالى غير مفسر بالعلو بحسب المكان والجهة. المسألة الثانية: جعل العلو مصدر التعالي فقال تعالى: {عُلُوّاً كَبِيراً } وكان يجب أن يقال تعالى تعالياً كبيراً إلا أن نظيره قوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } تفسير : [نوح: 17]. فإن قيل: ما الفائدة في وصف ذلك العلو بالكبير؟ قلنا: لأن المنافاة بين ذاته وصفاته سبحانه وبين ثبوت الصاحبة والولد والشركاء والأضداد والأنداد منافاة بلغت في القوة والكمال إلى حيث لا تعقل الزيادة عليها، لأن المنافاة بين الواجب لذاته والممكن لذاته، وبين القديم والمحدث، وبين الغني والمحتاج منافاة لا تعقل الزيادة عليها فلهذا السبب وصف الله تعالى ذلك العلو بالكبير. ثم قال تعالى: {تُسَبّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَن فِيهِنَّ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن الحي المكلف يسبح لله بوجهين: الأول: بالقول كقوله باللسان سبحان الله. والثاني: بدلالة أحواله على توحيد الله تعالى وتقديسه وعزته، فأما الذي لا يكون مكلفاً مثل البهائم، ومن لا يكون حياً مثل الجمادات فهي إنما تسبح لله تعالى بالطريق الثاني، لأن التسبيح بالطريق الأول لا يحصل إلا مع الفهم والعلم والإدراك والنطق وكل ذلك في الجماد محال، فلم يبق حصول التسبيح في حقه إلا بالطريق الثاني. واعلم أنا لو جوزنا في الجماد أن يكون عالماً متكلماً لعجزنا عن الاستدلال بكونه تعالى عالماً قادراً على كونه حياً وحينئذ يفسد علينا باب العلم بكونه حياً وذلك كفر فإنه يقال: إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله تعالى وصفاته وتسبحه مع أنها ليست بأحياء فحينئذ لا يلزم من كون الشيء عالماً قادراً متكلماً كونه حياً فلم يلزم من كونه تعالى عالماً قادراً كونه حياً وذلك جهل وكفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن من ليس بحي لم يكن عالماً قادراً متكلماً، هذا هو القول الذي أطبق العلماء المحققون عليه، ومن الناس من قال: إن الجمادات وأنواع النبات والحيوان كلها تسبح الله تعالى، واحتجوا على صحة قولهم بأن قالوا: دل هذا النص على كونها مسبحة لله تعالى ولا يمكن تفسير هذا التسبيح بكونها دلائل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته لأنه تعالى قال: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } فهذا يقتضي أن تسبيح هذه الأشياء غير معلوم لنا. ودلالتها على وجود قدرة الله وحكمته معلوم، والمعلوم مغاير لما هو غير معلوم فدل على أنها تسبح الله تعالى وأن تسبيحها غير معلوم لنا، فوجب أن يكون التسبيح المذكور في هذه الآية مغايراً لكونها دالة على وجود قدرة الله تعالى وحكمته. والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أنك إذا أخذت تفاحة واحدة فتلك التفاحة مركبة من عدد كثير من الأجزاء التي لا تتجزأ، وكل واحد من تلك الأجزاء دليل تام مستقل على وجود الإله، ولكل واحد من تلك الأجزاء التي لا تتجزأ صفات مخصوصة من الطبع والطعم واللون والرائحة والحيز والجهة، واختصاص ذلك الجوهر الفرد بتلك الصفة المعينة من الجائزات فلا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر حكيم. إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من أجزاء تلك التفاحة دليل تام على وجود الإله وكل صفة من الصفات القائمة بذلك الجزء الواحد فهو أيضاً دليل تام على وجود الإله تعالى، ثم عدد تلك الأجزاء غير معلوم، وأحوال تلك الصفات غير معلومة، فلهذا المعنى قال تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }. والوجه الثاني: هو أن الكفار وإن كانوا يقرون بألسنتهم بإثبات إله العالم إلا أنهم ما كانوا يتفكرون في أنواع الدلائل، ولهذا المعنى قال تعالى: { أية : وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } تفسير : [يوسف:105] فكان المراد من قوله: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } هذا المعنى. والوجه الثالث: أن القوم وإن كانوا مقرين بألسنتهم بإثبات إله العالم إلا أنهم ما كانوا عالمين بكمال قدرته. ولذلك فإنهم استبعدوا كونه تعالى قادراً على الحشر والنشر فكان المراد ذلك. وأيضاً فإنه تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } فهم ما كانوا عالمين بهذا الدليل فلما ذكر هذا الدليل قال: {تُسَبّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } فتسبيح السموات والأرض ومن فيهن يشهد بصحة هذا الدليل وقوته وأنتم لا تفقهون هذا الدليل ولا تعرفونه، بل نقول: إن القوم كانوا غافلين عن أكثر دلائل التوحيد والعدل، والنبوة والمعاد، فكان المراد من قوله: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } ذلك ومما يدل على أن الأمر كما ذكرناه قوله: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } فذكر الحليم والغفور ههنا يدل على أن كونهم بحيث لا يفقهون ذلك التسبيح جرم عظيم صدر عنهم وهذا إنما يكون جرماً إذا كان المراد من ذلك التسبيح كونها دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، ثم إنهم لغفلتهم وجهلهم ما عرفوا وجه دلالة تلك الدلائل. أما لو حملنا هذا التسبيح على أن هذه الجمادات تسبح الله بأقوالها وألفاظها لم يكن عدم الفقه لتلك التسبيحات جرماً ولا ذنباً، وإذا لم يكن ذلك جرماً ولا ذنباً لم يكن قوله: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } لائقاً بهذا الموضع، فهذا وجه قوي في نصرة القول الذي اخترناه. واعلم أن القائلين بأن هذه الجمادات والحيوانات تسبح الله بألفاظها أضافوا إلى كل حيوان نوعاً آخر من التسبيح. وقالوا: إنها إذا ذبحت لم تسبح مع أنهم يقولون إن الجمادات تسبح الله، فإذا كان كونه جماداً لا يمنع من كونه مسبحاً، فكيف صار ذبح الحيوان مانعاً له من التسبيح، وقالوا أيضاً: إن غصن الشجرة إذا كسر لم يسبح، وإذا كان كونه جماداً لم يمنع من كونه مسبحاً فكسره كيف يمنع من ذلك، فعلم أن هذه الكلمات ضعيفة، والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {تُسَبّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } تصريح بإضافة التسبيح إلى السموات والأرض وإلى المكلفين الحاصلين فيهن وقد دللنا على أن التسبيح المضاف إلى الجمادات ليس إلا بمعنى الدلالة على تنزيه الله تعالى وإطلاق لفظ التسبيح على هذا المعنى مجاز، وأما التسبيح الصادر عن المكلفين وهو قولهم: سبحان الله، فهذا حقيقة، فيلزم أن يكون قوله: {تُسَبّحُ } لفظاً واحداً قد استعمل في الحقيقة والمجاز معاً، وأنه باطل على ما ثبت دليله في أصول الفقه، فالأولى أن يحمل هذا التسبيح على الوجه المجازي في حق الجمادات لا في حق العقلاء لئلا يلزم ذلك المحذور، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} أي بيّنا. وقيل كررنا. {فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} قيل «في» زائدة، والتقدير: ولقد صرفنا هذا القرآن؛ مثل: {أية : وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ} تفسير : [الأحقاف: 15] أي أصلح ذريتي. والتصريف: صرف الشيء من جهة إلى جهة. والمراد بهذا التصريف البيان والتكرير. وقيل: المغايرة؛ أي غايرنا بين المواعظ ليذّكروا ويعتبروا ويتّعظوا. وقراءة العامة «صَرّفنا» بالتشديد على التكثير حيث وقع. وقرأ الحسن بالتخفيف. وقوله «في هذا القرآن» يعني الأمثال والعِبَر والحكَم والمواعظ والأحكام والإعلام. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم الحسين يقول بحضرة الإمام الشيخ أبي الطيب: لقوله تعالى «صرفنا» معنيان؛ أحدهما لم يجعله نوعاً واحداً بل وعداً ووعيداً ومُحْكَما ومتشابهاً ونهياً وأمراً وناسخاً ومنسوخاً وأخباراً وأمثالاً؛ مثلُ تصريف الرياح من صَباً ودَبُور وجنوب وشمال، وتصريف الأفعال من الماضي والمستقبل والأمر والنّهي والفعل والفاعل والمفعول ونحوها. والثاني أنه لم ينزل مرة واحدة بل نجوماً؛ نحو قوله {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ} [الإسراء: 106] ومعناه: أكثرنا صرف جبريل عليه السلام إليك. {لِيَذَّكَّرُواْ} قراءة يحيـى والأعمش وحمزة والكسائي «ليَذْكُروا» مخفّفاً، وكذلك في الفرقان {أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ} تفسير : [الفرقان: 50]. الباقون بالتشديد. واختاره أبو عبيد؛ لأن معناه ليتذكروا وليتعظوا. قال المَهْدَوِيّ: من شدّد «ليَذَّكّروا» أراد التدبر. وكذلك من قرأ «لِيَذْكُروا» ونظير الأول {أية : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} تفسير : [القصص: 51] والثاني: {أية : وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} تفسير : [البقرة: 62]. {وَمَا يَزِيدُهُمْ} أي التصريف والتذكير. {إِلاَّ نُفُوراً} أي تباعدا عن الحق وغفلة عن النظر والاعتبار؛ وذلك لأنهم ٱعتقدوا في القرآن أنه حيلة وسحر وكهانة وشعر.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} كررنا هذا المعنى بوجوه من التقرير. {فِي هَذَا الْقُرْءَانِ} في مواضع منه، ويجوز أن يراد بهذا القرآن إبطال إضافة البنات إليه على تقدير: ولقد صرفنا هذا القول في هذا المعنى أو أوقعنا التصريف فيه، وقرىء {صَرَفْنَا } بالتخفيف. {لّيَذْكُرُواْ } ليتذكروا وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الفرقان {لّيَذْكُرُواْ } من الذكر الذي هو بمعنى التذكر. {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا} عن الحق وقلة طمأنينة إليه. {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ} أيها المشركون، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم بالياء فيه وفيما بعده على أن الكلام مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ووافقهما نافع وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر ويعقوب في الثانية على أن الأولى مما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يخاطب به المشركين، والثانية مما نزه به نفسه عن مقالتهم. {إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } جواب عن قولهم وجزاء للو والمعنى: لطلبوا إلى من هو مالك الملك سبيلاً بالمعازة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، أو بالتقرب إليه والطاعة لعلمهم بقدرته وعجزهم كقوله تعالى: {أية : أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ }

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي: صرفنا فيه من الوعيد؛ لعلهم يذكرون ما فيه من الحجج والبينات والمواعظ، فينزجروا عما هم فيه من الشرك والظلم والإفك، {وَمَا يَزِيدُهُمْ} أي: الظالمين منهم {إِلاَّ نُفُورًا} أي: عن الحق وبعداً منه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } بيَّنا {فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ} من الأمثال والوعد والوعيد {لّيَذْكُرُواْ } يتعظوا {وَمَا يَزِيدُهُمْ } ذلك {إِلاَّ نُفُورًا } عن الحق.

ابن عطية

تفسير : قرأ الجمهور "صرّفنا" بتشديد الراء على معنى صرّفنا فيه الحكم والمواعظ، وقرأ الحسن "صرَفنا" بتخفيف الراء على معنى صرَفنا فيه الناس إلى الهدى بالدعاء إلى الله، وقال بعض من شدد الراء: إن قوله {في} زائد، والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن، وهذا ضعيف، وقرأ الجمهور "ليذَّكَّروا" وقرأ حمزة والكسائي "ليذْكُروا" بسكون الذال وضم الكاف، وهي قراءة طلحه ويحيى والأعمش، وما في ضمن الآية من ترج وطماعية فهو في حق البشر وبحسب ظنهم فيمن يفعل الله معه هذا، و"النفور" عبارة عن شدة الإعراض تشبيهاً بنفور الدابة، وهو في هذه الآية مصدر لا غير، وروي أن في الإنجيل في معنى هذه الآية: يا بني إسرائيل شوقناكم فلم تشتاقوا ونحنا لكم فلم تبكوا. وقوله تعالى: {قل لو كان معه آلهة} الآية إحبار بالحجة، واختلف الناس في معنى قوله {لا بتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} فحكى الطبري وغيره من المفسرين أن معناه لطلب هؤلاء الآلهة الزلفى إلى ذي العرش والقربة إليه بطاعته، فيكون السبيل على هذا التأويل بمعناها في قوله {أية : فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً} تفسير : [المزمل: 19]، وقال سعيد بن جبير وأبو علي الفارسي والنقاش وقاله المتكلمون أبو منصور وغيره، إن معنى الكلام، لابتغوا إليه سبيلاً في إفساد ملكه ومضاهاته في قدرته، وعلى هذا التأويل تكون الآية بياناً للتمانع، وجارية مع قوله {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} تفسير : [الأنبياء: 22]. قال القاضي أبو محمد: ونقتضب شيئاً من الدليل على أنه لا يجوز أن يكون مع الله تبارك وتعالى غيره، وذلك على ما قال أبو المعالي وغيره: إنا لو فرضناه لفرضنا أن يريد أحدهما تسكين جسم والآخر تحريكه، ومستحيل أن تنفذ الإرادتان، ومستحيل أن لا تنفذ جميعاً، فيكون الجسم لا متحركاً ولا ساكناً، فإن صحت إرادة أحدهما دون الآخر فالذي لم تتم إرادته ليس بإله، فإن قيل نفرضهما لا يختلفان، قلنا اختلافهما جائز غير ممتنع عقلاً، والجائز في حكم الواقع، ودليل آخر، إنه لو كان الاثنان لم يمتنع أن يكونوا ثلاثة، وكذلك إلى ما لا نهاية، ودليل آخر أن الجزء الذي لا يتجزأ من المخترعات لا تتعلق به إلا قدرة واحدة، لا يصح فيها اشتراك، والآخر كذلك دأباً، فكل جزء إنما يخترعه واحد، وهذه نبذة شرحها بحسب التقصي يطول، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم "كما يقولون" بالياء من تحت، وقرأ الجمهور "كما تقولون" و {سبحانه} مصدر بفعل متروك إظهاره، فهو بمعنى التنزيه، موضعه هنا موضع تنزه، فلذلك عطف الفعل عليه في قوله {وتعالى}، والتعالي تفاعل أما في الشاهد والأجرام فهو من اثنين، لأن الإنسان إذ صعد في منزله أو في جبل فكأن ذلك يعاليه، وهو يعالي ويرتقي، وأما في ذكر الله تعالى فالتعالي هو بالقدر لا بالإضافة إلى شيء آخر، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو "عما يقولون" بالياء، وقرأ حمزة والكسائي "تقولون" بالتاء من فوق،. و {علواً}، مصدر على غير الفعل، فهو كقوله {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً} تفسير : [نوح: 17] وهذا كثير، وقوله تعالى: {تسبح له السماوات} الآية، المعنى ينزهه عن هذه المقالة التي لكم، والاشتراك الذي أنتم بسبيله، {السماوات السبع والأرض}، ثم أعاد على السماوات والأرض ضمير من يعقل لما أسند إليها فعل العاقل، وهو التسبيح، وقوله {من فيهن} يريد الملائكة والإنس والجن، ثم عم بعد ذلك الأشياء كلها، في قوله {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} أي ينزه الله ويحمده ويمجده، واختلف أهل العلم في التسبيح، فقالت فرقة هو تجوز، ومعناه إن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدالة عليه فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر، ومن حجة هذا التأويل قوله تعالى: {أية : إنا سخرنا الجبال معه يسبحن} تفسير : [ص: 18] وقالت فرقة {من شيء} لفظ عموم، ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات البحتة، فمن هذا قول عكرمة: الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح، وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام، وقد قدم الخوان: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال قد كان يسبح مرة، يريد أن الشجرة في زمان نموها واغتذائها تسبح، فمذ صارت خواناً مدهوناً أو نحوه صارت جماداً، وقالت فرقة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحاً لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنه أثر الصنعة لكان أمراً مفقوهاً، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه. قال القاضي أبو محمد: وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يراد بقوله {لا تفقهون} الكفار والغفلة، أي إنهم يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله تعالى في الأشياء وقال الحسن: بلغني أن معنى هذه الآية في التوراة ذكر فيه ألف شيء مما يسبح سبحت له السماوات، سبحت له الأرض، سبح كذا، سبح كذا، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: "يسبح له" بالياء، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي "تسبح" بالتاء، والقراءتان حسنتان، وقرأ عبد الله بن مسعود وطلحة والأعمش "سبحت له السماوات"، وقوله {إنه كان حليماً غفوراً} فيه تنبيه على إملائه لهم وصفحه عنهم في الدنيا وإمهاله لهم مع شنيع هذه المقالة، أي تقولون قولاً ينزهه عنه كل شيء من المخلوقات، {إنه كان حليماً غفوراً} فلذلك أمهلكم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ليذكروا} من الذكر وكذلك في "الفرقان": حمزة وعلي وخلف. الآخرون بتشديد الذال والكاف من التذكر. {كما يقولون} على الغيبة: ابن كثير وحفص {عما تقولون} على الخطاب: حمزة وعلي وخلف. {تسبح} بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل والخزاز عن هبيرة. الآخرون على التذكير {أئذا} {أئنا} القول فيه كما مر في "الرعد" وكذلك في آخر هذه السورة وفي سورة "قد أفلح" وفي سورة السجدة. الوقوف: {ليذكروا} ط {نفوراً} ه {سبيلاً} ه {كبيراً} ه {فيهن} ط {تسبيحهم} ط {غفوراً} ه {مستوراً} لا للعطف {وقرأ} ط {نفوراً} ط {مسحوراً} ه {سبيلاً} ه {جديداً} ه {حديداً} لا {صدوركم} ج للفاء مع أن السين للاستئناف {بعيدنا} ط {أوَّل مرة} ج لما قلنا {متى هو} ط {قريباً} ه {قليلاً} ه {أحسن} ط {بينهم} ط {مبيناً} ه {أعلم بكم} ه {يعذبكم} ط {وكيلاً} ط {والأرض} ط {زبوراً} ه {شديداً} ط ه {مسطوراً} ه {الأوّلون} ط لأن الواو للاستئناف {فظلموا بها} ط {تخويفاً} ه {بالناس} ط {في القرآن} ط الكل لما مر. {ونخوّفهم} لا لصحة عطف المستقبل على المستقبل {كبيراً} ه. التفسير: لما بين أنواع الحكم ومكارم الأخلاق ذكر غاية مظلومية الإنسان وجهوليته فقال: {ولقد صرفنا} أي بينا أحسن بيان لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع ومن مثال إلى مثال حتى ينتهي به إلى ما هو مراده من الإيضاح. ومفعول التصريف متروك أي أوقعنا التصريف {في هذا القرآن} أو محذوف للعمل به والمراد صرفنا فيه ضروباً {من كل مثل} وأراد بهذا القرآن إبطال إضافتهم البنات إلى الله لأنه مما كرر ذكره، والمقصود ولقد صرفنا القول في هذا المعنى. وقيل: لفظة "في" زائدة كقوله {أية : وأصلح لي في ذريتي}تفسير : [الأحقاف: 15] قال الجبائي: في قوله: {ليذكروا} دلالة على أنه أراد منهم فهمها والإيمان بها. والمراد بالذكر ههنا فيمن قرأ مخففاً هو التذكر والتأمل لا الذكر الذي هو نقيض النسيان. وقالت الأشاعرة: قوله: {وما يزيدهم إلا نفوراً} دلت على عكس ذلك لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير سبباً لعسره وتعذره والنفرة عنه يقبح منه الأمر بذلك الفعل، ولما أخبر أن هذا التصريف يزيدهم نفوراً علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم. عن سفيان الثوري أنه كان إذا قرأها قال: زادني ذلك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً. ثم دل على التوحيد الذي أمر به في قوله: {ولا تجعل مع الله إلهاً آخر} فقال: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون} أي كما يقول المشركون من إثبات آلهة من دونه أو كما تقولون أيها المشركون. وفي قوله {إذا} دلالة على أن ما بعدها وهو {لابتغوا} جواب عن مقالة المشركين وجزاء لـ"لو" قاله في الكشاف. قلت: ولعل {إذا} ههنا ظرف لما دل عليه {لابتغوا} أي لطلبوا إذ ذاك {إلى ذي العرش سبيلاً} بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم ببعض ومثله {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}تفسير : [الأنبياء: 22] ويسمى في عرف المتكلمين دليل التمانع وسيجيء بحثه في سورة الأنبياء إن شاء الله العزيز. وقيل: معنى الآية لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها المراتب العالية والدرجات الرفيعة، فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلاً إلى الله فكيف يعقل أن تهديكم إلى الله. ثم نزه نفسه عن أقوالهم فقال {سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً} فوضع الثلاثة وهو العلوّ موضع المتشعبة وهو التعالي كقوله {أية : أنبتكم من الأرض نباتاً}تفسير : [نوح: 17] ثم وصف العلو بالكبر مبالغة في النزاهة وتنبيهاً على أن بين الواجب لذاته والممكن لذاته وبين الغني المطلق والفقير المطلق مباينة لا تعقل الزيادة عليها. ثم بين غاية ملكه ونهاية عظمته بقوله: {تسبح له} الآية. قالت العقلاء: تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول "سبحان الله" وأخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم، وتسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني. وقد تقرر في أصول الفقه أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معاً في حالة واحدة فتعين حمل التسبيح ههنا على المعنى الثاني ليشمل الكل هذا ما عليه المحققون. وأورد عليه أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} لأن التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم، وأجيب بأن دلالة كل شيء على وجود الصانع معلومة على الإجمال دون التفصيل لأنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلا شك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ، ولكن عدد تلك الأجزاء وصفة كل منها من الطبع والطعم واللون والحيز والجهة وغيرها لا يعلمها إلا الله. وأيضاً الخطاب للمشركين، وإنهم وإن كانوا مقرين بالخالق، إلا أنهم لما أثبتوا له شريكاً وأنكروا قدرته على البعث والإعادة ولم ينظروا في المعجزات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فكأنهم لم يفقهوا التسبيح إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح ولهذا ختم الآية بقوله: {إنه كان حليماً غفورا} حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم، وزعم بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح الله باللسان أيضاً كل بلغته ولسانه الذي لا نعرفه نحن ولا نفقهه. وزعم أيضاً أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح وكذا غصن الشجرة إذا كسر، فأورد عليه أن كونه جماداً لا يمنع من كونه مسبحاً فكيف صار ذبح الحيوان مانعاً له عن التسبيح. وكذا كسر الغصن، ويمكن أن يجاب بأن تسبيح كل شيء لعله يختص بتركيبه الذي خلق عليه فإذا أبطل ذلك التركيب وفك ذلك النظم لم يبق مسبحاً مطلع مطلقاً ولا على ذلك النحو. واعترض عليه أيضاً بأنه إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله سبحانه وبصفاته مسبحة له مع أنها ليس بأحياء انسدّ علينا باب العلم بكونه تعالى حياً لأنا نستدل بكونه عالماً قادراً على كونه حياً. ويمكن أن يجاب بأنا نستدل على حياته تعالى بالإذن الشرعي، ولو سلم أن العلم يستلزم الحياة عقلاً فقد قيل: إن لكل موجود حياة تليق به. ولما فرغ من الإلهيات شرع في النبوّات فقال: {وإذا قرأت القرآن} قيل: نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن عليهم. يروى أنه كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه وعن يساره أحزاب من ولد قصيّ يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار. وعن أسماء. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً ومعه أبو بكر إذا أقبلت امرأة أبي لهب ومعها حجر فهر تريد الرسول صلى الله عليه وسلم وهي تقول: مذمماً أتينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا. فقال أبو بكر: يا رسول الله إن معها حجراً أخشى عليك. فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات. فجاءت وما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت: إن قريشاَ قد علمت أني ابنة سيدها وإن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: ورب هذه الكعبة ما هجاك. وعن ابن عباس: أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون الرسول صلى الله عليه وسلم ويسمعون حديثه. فقال النضر يوماً: ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحركان بشيء. وقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقوله حقاً. وقال أبو جهل: هو مجنون. وقال أبو لهب: كاهن. وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر نزلت. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن تلا قبلها ثلاث آيات وهن في سورة الكهف {أية : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً}تفسير : [الآية: 57] وفي النحل: {أية : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم}تفسير : {الآية: 108] وفي "حم الجاثية" {أية : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه}تفسير : [الآية: 23]. وكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين وذلك قوله: {جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً} أي ذا ستر وقد جاء مفعول بمعنى ذا كذا كما جاء فاعل على ذلك كثير نحو "لابن وتامر" من ذلك قولهم "رجل مرطوب" أي ذو رطوبة، و"مكان مهول" و "ذهول" و "سبل مفعم" ذو إفعام. وجوّز الأخفش مجيء مفعول بمعنى فاعل مثل "مشؤوم" و "ميمون". وقيل: إنه حجاب يخلقه الله في عيونهم بحيث يمنعهم الحجاب عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وذلك الحجاب شيء لا يراه أحد فهو مستور. وعلى هذا يصح قول الأشاعرة إنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة والمرئي حاضراً والرؤية غير حاصلة لأجل أنه تعالى يخلق في العيون شيئاً يمنعهم من الرؤية، ويحتمل أن يراد حجاب من دونه حجاب أو حجب فهو مستور بغيره أو حجاب يستر أن يبصر فكيف يبصر المحتجب به. والقول الثاني في الآية أن المراد بالحجاب الطبع والختم فاستدلت الأشاعرة به وبقوله: {أية : وجعلنا على قلوبهم}تفسير : [الأنعام: 25] الآية. على صحة مذهبهم في خلق الكفر والإيمان كما مر في سورة الأنعام في قوله: {أية : ومنهم من يستمع إليك وجعلنا}تفسير : [الأنعام: 35]. وأجاب الجبائي بأن المراد أنهم يطلبون موضعه بالليالي ليقتلوه ويستدلون عليه باستماع قراءته فأمنه الله من شرهم بأن جعل في قلوبهم ما شغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما منعهم عن سماع صوته. وقال الكعبي: أراد به الخلية والخذلان كالسيد إذا لم يراقب حال عبده فساءت أخلاق العبد يقول: أنا ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك ورآيك. وقال جار الله: هذه حكاية لما كانوا يقولونه من قولهم قلوبنا غلف وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب. ومن قبائح أهل الشرك أنهم كانوا يحبون أن تذكر آلهتهم كلما ذكر الله فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا وانهزموا عن المجلس فلذلك قال تعالى: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده} وهو مصدر سدّ مسد الحال والتقدير يحد وحده مثل "وأرسلها العراك" {ولوا على أدبارهم نفوراً} مصدر من غير لفظ التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود فأوعدهم الله على ذلك بقوله: {نحن أعلم بما يستمعون به} من الهزء بك وبالقرآن. قاتل جار الله {به} في موضع الحال كما تقول يستمعون بالهزء أي مصاحبين الهزء أو هازئين و{إذ يستمعون} نصب بما دل عليه أعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون {وإذ هم نجوى} أي يتناجون به إذ هم ذوو نجوى {إذ يقول الظالمون} "إذ" بدل من "إذ هم" {إن تتبعون} أي على تقدير الإتباع لأنهم لم يتبعوا رسول الله {إلا رجلاً مسحوراً} سحر فاختلط عقله وزال على حد الاعتدال. وقيل: المسحور الذي أفسد من قولهم "طعام مسحور" إذا أفسد عمله "أرض مسحورة" أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها. وقال مجاهد {مسحوراً} مخدوعاً لأن السحر حيلة وخديعة، زعموا أن محمداً يتعلم من بعض الناس وأولئك الناس كانوا يخدعونه بهذه الحكايات، أو زعموا أن الشيطان يخدعه فيتمثل له بصورة الملك. وقال أبو عبيدة: يريد بشراً ذا سحر وهو الرئة. قال ابن قتيبة: لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستنكر مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة. {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} شبهك كل منهم بشيء آخر فقالوا: إنه كاهن وشاعر وساحر ومعلم ومجنون {فضلوا} في جميع ذلك عن طريق الحق {فلا يستطيعون سبيلاً} إلى الهدى والبيان ضلال من تحير في التيه الذي لا منار به. وحين فرغ من شبهات القوم في النبوّات حكى شبهتهم، في أمر المعاد. وأيضاً لما ذكر أن القوم وصفوه بأنه مسحور فاسد العقل ذكر ما كان في زعمهم دالاً على اختلاط المفتتة من كل شيء ينكسر وهو اسم كالرضاض والفتات ويقال منه: رفت عظام الجزور رفتاً إذا كسرها. وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتاثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع؟ فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بأن إعادة بدن الميت إلى حالة الحياة أمر ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحي وغضاضته ومن جنس ما ركب منه البشر كالحجارة أو الحديد فهو كقول القائل: أتطمع فيّ وأنا فلان؟ فيقول: كن ابن الخليفة أو من شئت فسأطلب منك حقي. أما قوله: {خلقاً مما يكبر في صدوركم}. فالمراد فرضوا شيئاً آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث تستبعد عقولكم كونه قابلاً لوصف الحياة، وعلى هذا لا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء. وقال مجاهد: أراد به السموات والأرض. وعن ابن عباس أنه الموت أي لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله يعيد الحياة إليها. وهذا إنما يحسن على سبيل المبالغة كما يقال: هو روح مجسم أو وجود محض وإلا فالموت عرض وانقلاب الجسم عرضاً محال. وبتقدير التسليم فالموت كيف يقبل الحياة لأن الضد يمتنع أن يقبل الضد. وفي قوله: {قل الذي فطركم أول مرة} بيان كافٍ وبرهان شافٍ لأنه لما سلم أن خالق الحيوان هو الله فتلك الأجسام في الجملة قابلة للحياة والعقل وإله العالم عالم بجميع الجزئيات والكليات فلا يشتبه عليه أجزاء بدن كل من الأموات، وإذا قدر على جعلها متصفة بالحياة في أول الأمر فلأن يقدر على إعادتها إلى الحياة في ثاني الحال أولى. ألزمهم أوّلاً بأن البعث أمر ممكن وإن فرضتم بدن الميت أي شيء أردتم فكأنهم سلموا إمكانه ولكن تجاهلوا وتغافلوا عن تعيين المعيد فقالوا: {من يعيدنا} فأجاب بأنه الفاطر الأول. ثم زادوا في الاعتراض فسألوا عن تعيين الوقت يقيناً وذلك قوله: {فسينغضون إليك رؤوسهم} أي فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاء. قال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إلى فوق وإلى أسفل إنكاراً له أنغض رأسه. قال المفسرون "عسى" من الله واجب فعلم منه قرب وقت البعث، ولكن وقته على التعيين مما استأثر الله بعلمه. لا يقال كيف يكون قريباً وقد انقرض أكثر من سبعمائة سنة ولم يظهر لأنا نقول: كل ما هو آتٍ قريب، وإذا كان ما مضى أكثر مما بقي فإن الباقي قليل. قوله: {يوم يدعوكم} منتصب بـ {اذكروا} والمراد يوم يدعوكم كان ما كان، أو هو بدل من {قريباً} والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة. يروى أن إسرافيل ينادي: أيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت. والاستجابة موافقة الداعي فبما دعا إليه وهو مثل الإجابة بزيادة تأكيد لما في السين من طلب الموافقة، قال في الكشاف: الدعاء والاستجابة كلاهما مجاز، والمعنى يوم يبعثكم فتبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون. وقوله: {بحمده} حال منهم أي حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بأمر يشق عليه: ستأتي به وأنت حامد شاكر أي متهيء إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل، وهذا يذكر في معرض التهديد. وقال سعيد بن جبير: {يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللَهم وبحمدك. وقال قتادة: بحمده أي بمعرفته وطاعته لأن التسبيح والتحميد معرفة وطاعة ومن هنا قال بعضهم: حمدوا حين لا ينفعهم الحمد. وقال آخرون: الخطاب مختص بالمؤمنين لأنهم الذين يليق بهم الحمد لله على إحسانه إليهم {وتظنون إن لبثتم إلاَّ قليلاً} عن قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة ومثله قول الحسن: معناه تقريب وقت البعث وكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل. وقال ابن عباس: يريد ما بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزول عنهم هول العذاب في ذلك الوقت. وقيل: أراد استقصار لبثهم في عرصة القيامة حين عاينوا هول النار. ثم أمر المؤمنين بالرفق والتدريج عند إيراد الحجة على المخالفين فقال: {وقل لعبادي} أي المؤمنين لأن لفظ العباد يختص بهم في أكثر القرآن {أية : فبشر عبادي الذين يستمعون القول}تفسير : [الزمر: 17] {أية : عيناً يشرب بها عباد الله}تفسير : [الدهر: 6]{أية : فادخلي في عبادي}تفسير : [الفجر: 30]، {يقولوا} الكلمة أو الحجة {التي هي أحسن} وألين وهي أن لا تكون مخلوطة بالسب واللعن والغلظة. ثم نبه على وجه المنفعة بهذا الطريق فقال: {إن الشيطان ينزغ بينهم} أي بين الفريقين جميعاً فيزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود. ثم قال: {ربكم أعلم بكم أن يشأ يرحمكم} أيها المؤمنون بالإنجاء من كفار مكة إيذائهم {أو إن يشأ يعذبكم} بتسليطهم عليكم{وما أرسلناك} يا محمد عليهم وكيلاً أي حافظاً موكولاً إليك أمرهم إنما أنت بشير ونذير. والهداية إلى الله. وقال جار الله: الكلمة التي هي أحسن مفسرة بقوله: {ربكم أعلم بكم} إلى آخره أي قولوا لهم الكلمة ونحوها ولا تقولوا لهم إنكم من أهل النار، وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يزيد غيظهم. وقوله: {إن الشيطان ينزغ بينهم} اعتراض. وقيل: المراد بالعباد الكفار أي قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عباد إلي يقولوا الكلمة التي هي أحسن وهي كلمة التوحيد والبراءة من الشركاء والأضداد، لأن ذلك أحسن بالبديهة من الإشراك. ووصفه بالقدرة على الحشر أحسن من وصفه بالعجز عنه، والحامل على مثل هذه العقائد هو الشيطان المعادي. ثم قال لهم: {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم} بتوفيق الهداية، وإن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فلا تقصروا في الجد والطلب. ثم قال لرسوله: {وما أرسلناك عليهم وكيلاً} حتى تقسرهم على الإسلام وما عليك إلا البلاغ على سبيل الرفق والمداراة وهذا قبل نزول آية السيف. وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل فأمره الله بالعفو. وقيل: أفرط إيذاء المشركين للمسلمين فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وحين قال: {ربكم أعلم بكم} عمم الحكم فقال: {وربك أعلم بمن في السموات والأرض} يعني أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات وبما يليق بكل منها وبذلك حصل التمايز والتفاضل كما قال: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} وفيه رد على أهل مكة في إنكارهم أن يكون يتيم أبي طالب مفضلاً على الخلائق ونبياً دون صناديد قريش وأكابرهم. وأنما ختم الآية بقوله: {وآتينا داود زبوراً} ليعلم أن التفضيل ليس بالمال والملك وإنما هو بالعلم والدين فإن داود كان ملكاً عظيماً ولم يذكره الله سبحانه إلا بمزية إيتاء الكتاب. وفيه أيضاً إشارة إلى أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم بدليل قوله: {أية : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}تفسير : [الأنبياء: 105] أي محمد وأمته. ومعنى التنكير في "زبور" أنه كامل في كونه كتاباً. والزبور وزبور كالعباس وعباس والحسن وحسن، أو المراد بعض الزبر أو الزبور كما يسمى بعض القرآن قرآناً. وقيل: إن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدال بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات، وكانت اليهود تقول: إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة، فنقض الله كلامهم بإنزال الزبور على داود بعد موسى. ثم رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة، أو على طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بآلهية عيسى ومريم وعزير فقال: {قل ادع الذين زعمتم من دونه} وقيل: أراد بالذين زعمتم نفراً من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا. وإنما خصصت الآية بإحدى هؤلاء الطوائف لأن قوله بعد ذلك {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} لا يليق بالجمادات. قال ابن عباس: كل موضع في كتاب الله ورد فيه لفظ الزعم فهم بمعنى الكذب. وتقرير الرد أن المعبود الحق هو الذي قدر على إزالة الضر وتحويله من حال إلى حال أو مكان إلى مكان، وهذه التي زعمتم أنها آلهية لا تقدر على شيء من ذلك فوجب القطع بأنها ليست بآلهة. سؤال: ما الدليل على أن الملائكة لا قدرة لها على كشف الضر؟ فإن قلتم لأنا نرى أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها ولا تحصل الإجابة قلنا: إن المسلمين أيضاً يتضرعون إلى الله ولا يجابون، وبتقدير الإجابة في بعض الأوقات فالكفار أيضاً يحصل مطلوبهم أحياناً فيقولون إنه من الملائكة. جوابه أن الملائكة مقرّون بأن الإله الأعظم خالق العالم، فكمال قدرته معلوم متفق عليه وكمال قدرة الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى قدرة الله قليلة حقيرة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الإله الأعظم أولى وأجدر أخذاً بالمعلوم المتيقن دون المظنون الموهوم. على أن أهل السنة قاطعون بأنه لا تأثير لشيء في الوجود إلا لله تعالى. يقول مؤلف هذا التفسير: أضعف عباد الله تعالى وأحوجهم إليه الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاه وأخراه. رأيت في بعض الكتب مروياً عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: من وقع في ملمة أو طلب كفاية مهم فليسجد في خلوة وليقل في سجدته إلهي أنت الذي قلت: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً} فيا من يملك كشف الضر عنا وتحويله اكشف ما بي، فإنه إذا قال ذلك كشف الله عنه ضره وكفى مهمه. وقد جرب فوجد كذلك. ثم إنه تعالى أكد عدم اقتدار معبوديهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله تعالى في جذب المنافع ودفع المضار فقال: {أولئك} وهو مبتدأ و {الذين يدعون} صفته {ويبتغون} خبره يعني أولئك المعبودين يطلبون {إلى ربهم الوسيلة} أي القربة في الحوائج و{أيهم} بدل من واو {ويبتغون} وهو موصول وصدر صلته محذوف أي يبتغي من هو أقرب الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب؟ والدليل على هذا الافتقار إقرار جميع الكفار بإمكانهم الذاتي وجوز في الكشاف أن يضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بازدياد الخير والطاعة والصلاح، ويرجون ويخافون كغيرهم من العباد. وقيل: أولئك الذين يدعون هم الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله: {لقد فضلنا بعض النبيين} أي الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء الداعون للأمم إلى الله، لا يعبدون إلا الله ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه فأنتم أحق بالعبادة. واحتج هذا القائل على صحة قوله بأن الله تعالى قال: {يخافون عذابه} والملائكة لا يعصون الله فكيف يخافون عذابه؟ وأجيب بأنهم يخافون عذابه لو أقدموا على الذنب لقوله: {أية : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم}تفسير : [الأنبياء: 29]، {إن عذاب ربك كان محذوراً} أي حقيقاً بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم، فإن لم يحذره بعض الجهلة فإنه لا يخرج من كونه واجب الحذر. ثم بين مآل حال الدنيا وأهلها فقال: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة} بالموت والاستئصال {أو معذبوها} بالقتل وأنواع العذاب كالسبي والاغتنام. وقيل: الهلاك للصالحة والتعذيب للطالحة {كان ذلك في الكتاب} وهو اللوح المحفوظ {مسطوراً} فلا يوجد له تبديل قط. ثم ذكر نوعاً آخر من سننه فقال: {وما منعنا} استعار المنع للترك من أجل لزوم خلاف الحكمة والمشيئة. عن سعيد بن جبير أن كفار قريش اقترحوا منه آيات باهرة كإحياء الموتى ونحوه. وعن ابن عباس أنهم سألوا الرسول أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى ذلك فقال: إن شئت فعلت لكنهم إن كفروا بعد ذلك أهلكتهم. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا أريد ذلك وأنزل الله الآية. والمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات {إلا أن كذب بها} الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك واستوجبوا عذاب الاستئصال على ما أجرى الله تعالى به عادته. والحاصل أن المانع من إرسال الآيات التي اقترحوها هو أن الاقتراح مع التكذيب موجب للهلاك الكلي، وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعث إليهم إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يراد أنهم مقلدون لآبائهم فلا يؤمنون ألبتة كما لم يؤمنوا فيكون إرسال الآيات ضائعاً. ثم استشهد على ما ذكر بقصة صالح وناقته لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة يبصرها صادرهم وواردهم وهذا معنى قوله {مبصرة} أو المراد حال كون الناقة آية بينة يبصر المتأمل بها رشده {فظلموا} أنفسهم بقتلها أو فكفروا {بها} بمعنى أنهم حجدوا كونها من الله قاله ابن قتيبة {وما نرسل بالآيات} المقترحة {إلا تخويفاً} من نزول العذاب العاجل بمعنى أن من أنكرها وقع عليه، أو المراد وما نرسل بآيات القرآن وغيرها من المعجزات إلا إنذاراً بعذاب الآخرة على المعنى المذكور. وحين امتنع من إرسال الآيات المقترحة على رسوله للمصارف المذكورة قوى قلبه بوعد النصر بالغلبة فقال: {وإذ قلنا لك إن ربك} أي واذكر إذا أوحينا إليك أن ربك {أحاط بالناس} أي أنهم في قبضته وقدرته فلا يقدرون على خلاف إرادته فينصرك ويقويك حتى تبلغ الرسالة. عن الحسن: حال بينهم وبينه أن يقتلوه كما قال: {أية : والله يعصمك من الناس}تفسير : [المائدة: 67] وقيل: أراد بالناس أهل مكة،وأحاط في معنى الاستقبال إلا أن خبر الله تعالى لما كان واجب الوقوع عبر عنه بلفظ الماضي، وعد نبيه بأنه سيهلك قريشاً في وقعة بدر. أما قوله: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} ففيه أقوال: الأول أنه تعالى أراه في المنام مصارع كفار قريش حتى قال: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يأتي الأرض ويقول: هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، فلما سمع قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية وكانوا يستعجلون بما وعد. الثاني: أنه رؤياه التي رأى أن يدخل مكة وبذلك أخبر أصحابه، فلما منع من البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم. وقال عمر لأبي بكر: قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ندخل البيت فنطوف به. فقال أبو بكر: إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى. فلما جاء العام القابل دخلها وأنزل الله تعالى: {أية : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق}تفسير : [الفتح: 27]. الثالث: قول سعيد بن المسيب وابن عباس في رواية عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك. الرابع وهو قول أكثر المفسرين: أن المراد بهذه الرؤيا هي حديث الإسراء. ثم اختلفوا، فالأكثرون على أن الرؤيا بمعنى الرؤية يقال: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، أو سماها رؤيا على قول المكذبين حين قالوا لعلها رؤيا رأيتها وخيال خيل إليك. والأقلون على أن الإسراء كان في المنام وقد مر هذا البحث في أول السورة. قوله: {والشجرة} فيه تقديم وتأخير، والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس قال الأكثرون: إنها شجرة الزقوم لقيت في القرآن حيث لعن طاعموها. قال عز من قائل: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} أو وصفت باللعن لأنه إلا بعاد وهي في أصل الجحيم أبعد مكان من الرحمة، أو العرب تقول لكل طعام مكروه ضارّ ملعون. والفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر ثم يقول ينبت فيها الشجر فأنزل الله تعالى هذه الآية. ونظيره قوله: {أية : إنا جعلناها فتنة للظالمين}تفسير : [الصافات: 63]. ومن شاهد حال السمندل والنعامة كيف يتعجب من قدرة الله على إنبات الشجرة من جنس لا تعمل فيه النار. وعن ابن عباس: الشجرة الملعونة بنو أمية. وعنه هي الكشوث التي تتلوى بالشجر تجعل في الشراب. وقيل: هي الشيطان. وقيل: اليهود سؤال: أي تعلق لحديث الرؤيا والشجرة إلى ما قبله من الكلام؟ جوابه كأنه قيل: إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا ينبغي أن يكون سبباً في توهين أمرك. ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا والشجرة صار سبباً لوقوع الشبهة العظيمة، ثم إنها ما أوجبت ضعفاً في أمرك ولا فتوراً في اجتماع المحقين عليك. ثم ذكر سبباً آخر في أنه تعالى لا يظهر المقترحات عليهم فقال: {ونخوفهم} بمخاوف الدنيا والآخرة {فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً} متمادياً. التأويل: {لا بتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} يشتمل معنيين لأنهم إن كانوا أكبر منه أو أمثالاً له طلبوا طريقاً إلى إزعاج صاحب العرش ونزع الملك منه قهراً، وإن كانوا أدون منه طلبوا إليه الوسيلة بالخدمة والعبودية على أن الناقص لا يصلح للإلهية وهذا قريب من التفسير: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت لقوله: {أية : فسبحان الذين بيده ملكوت كل شيء}تفسير : [يس: 83] والملكوت باطن الكون وهو الآخرة، والآخرة حيوان لا جماد لقوله: {أية : إن الدار الآخرة لهي الحيوان}تفسير : [العنكبوت: 64] فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيهاً لصانعه وحمداً له على ما أولاه من نعمه، وبهذا اللسان ينطق الحصى في كف النبي صلى الله عليه وسلم وبه تنطق الأرض يوم القيامة {أية : يومئذ تحدث أخبارها}تفسير : {الزلزلة: 4] وبه تنطق الجوارح {أية : أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء}تفسير : [فصلت: 21] وبه نطق السموات والأرض {قالتا أتينا طائعين}[فصلت: 11] {وإنه كان حليماً} في الأزل إذا أخرج من العدم من يكفر به ويجحده {غفوراً} لمن تاب عن كفره. {وإذا قرأت القرآن} فيه إشارة إلى أن من قرأ القرآن بتمامه وصل إلى أعلى معارج القدس وأقصى مدارج الأنس كما جاء في الحديث "حديث : يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق"تفسير : . قال أبو سليمان الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درجات الجنة. قال المحققون: استيفاء جميع آي القرآن هو أن يتخلق بأخلاقه وصفاته بل بأخلاق الله وصفات الله. وهذا يكون بعد العبور عن الحجب الظلمانية والنورانية فيكون بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً. لم يقل "ساتراً" لأن الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل مستوراً بالحجاب المنقطع. {ولّوا على أدبارهم} لأنهم من سوء مزاجهم لا يكادون يقبلون الغذاء الصالح، فالحلاوة في مذاقهم مرارة {إذ يقول الظالمون} من ظلمهم لأنهم وضعوا المسحور مكان المبعوث أي {خلقاً مما يكبر في صدوركم} أي لو كانت قلوبكم التي في صدوركم أشد من الحجارة والحديد فالله قادر على إحيائه وتليينه في قيام قيامة العشق {يقولوا التي هي أحسن} من شرف من عبيده، فبتشريف الإضافة يظهر منه القول الأحسن وهو الدعاء إلى الله بلا إله إلا الله مخلصاً، والفعل الأحسن وهو أن يكون متأدباً بآداب الشريعة والطريقة، والخلق الأحسن وهو أن يكون محسناً إليهم بلا طمع الإحسان والشكر منهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويعيش فيهم بالنصيحة، يأمرهم بالمعروف بلا عنف وينهاهم عن المنكر بلا فضيحة {إن الشيطان ينزغ بينهم} إذ لم يعيشوا بالنصيحة.{وآتينا داود زبوراً} فيه أن فضل النبي صلى الله عليه وسلم على داود كفضل القرآن على الزبور. {وإن من قرية} من قرى قالب الإنسان {إلا نحن مهلكوها} بموت قلبه وروحه قبل موت قالبه فمن مات فقد قامت قيامته {أو معذبوها} بأنواع الرياضات والمجاهدات ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي السير بالله ذوبان الصفات، وفي السير في الله ذوبان الذات: {أحاط بالناس} علم مقتضى كل نفس من الخير والشر {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} كان الوحي يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مبدأ أمره بطريق المنام وكان في ذلك اختبار للناس، فمن وقته يظهر الموافق من المنافق والصديق من الزنديق، وهكذا كان في شجرة وجود إبليس ابتلاء للناس ولم يكن للمحيط بأحوال الناس حاجة إلى الابتلاء ولكنه يعامل معاملة المختبر والله أعلم بالصواب.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا}: العامة على تشديد الراء، وفي مفعول "صرَّفنا" وجهان: أحدهما: أنه مذكورٌ، و "في" مزيدة فيه، أي: ولقد صرفنا هذا القرآن؛ كقوله: {أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفرقان: 50]، ومثله: [الطويل] شعر : 3424-................. يَجْرَحُ في عَراقيبها نَصْلِي تفسير : وقوله تعالى: {أية : وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ} تفسير : [الأحقاف: 15] أي: يجرح عراقيبها، وأصلح لي ذريتي، وردَّ هذا بأنَّ "في" لا تزاد، وما ذكر متأوَّل، وسيأتي إنْ شاء الله تعالى في الأحقاف. الثاني: أنه محذوفٌ تقديره: ولقد صرَّفنا أمثاله، ومواعظه، وقصصه، وأخباره، وأوامره. وقال الزمخشريُّ في تقدير ذلك: "ويجوز أن يراد بـ "هَذَا القرآنِ" إبطال إضافتهم إلى الله البنات؛ لأنه ممَّا صرفه، وكرَّر ذكره، والمعنى: ولقد صرَّفنا القول في هذا المعنى، وأوقعنا التصريف فيه، وجعلناه مكاناً للتكرير، ويجوز أن يريد بـ "هَذا القُرآنِ" التنزيل، ويريد: ولقد صرَّفناهُ، يعني هذا المعنى في مواضعَ من التنزيل، فترك الضمير؛ لأنَّه معلوم"، وهذا التقدير الذي قدَّره الزمخشري أحسنُ؛ لأنه مناسب لما دلَّت عليه الآية وسيقت لأجله، فقدَّر المفعول خاصًّا، وهو: إمَّا القولُ، وإمَّا المعنى، وهو الضمير الذي قدَّره في "صَرَّفناه" بخلاف تقدير غيره، فإنه جعله عامًّا. وقيل: المعنى: لم نُنَزِّلهُ مرةً واحدة، بل نجوماً، والمعنى: أكثرنا صرف جبريل إليك، فالمفعول جبريل - عليه السلام -. وقرأ الحسن بتخفيفِ الرَّاء، فقيل: هي بمعنى القراءةِ الأولى، وفعَل وفعَّل قد يشتركان، وقال ابن عطيَّة: "أي: صرفنا النَّاس فيه إلى الهدى". والصَّرْفُ في اللغة: عبارة عن صرف الشيء من جهة إلى جهة؛ نحو: تصريف الرياح، وتصريف الأمور، هذا هو الأصل في اللغة، ثم جعل لفظ التَّصريف كناية عن التَّبيين؛ لأنَّ من حاول بيان شيءٍ، فإنه يصرف كلامه من نوعٍ إلى نوع آخر، ومن مثالٍ إلى مثالٍ آخر؛ ليكمل الإيضاح، ويقوي البيان، فقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} أي: بيَّنَّا. قوله: "لِيَذَّكَّرُوا" متعلق بـ "صَرَّفْنَا" وقرأ الأخوان هنا، وفي الفرقان بسكون الذَّال، وضمِّ الكاف مخففة مضارع "ذكر" من الذِّكر أو الذُّكر، والباقون بفتح الذال، والكاف مشددة، والأصل: يتذكَّروا، فأدغم التاء في الذَّال لقرب المخرج وهو من الاعتبار والتَّدبُّر. قال الواحديُّ: والتذكُّر هنا أشبه من الذِّكر؛ لأنَّ المراد منه التدبُّر والتفكُّر، وليس المراد منه الذِّكر الذي يحصل بعد النسيان، ثم قال: وأمَّا قراءة حمزة والكسائي، ففيها وجهان: الأول: أنَّ الذكر قد جاء بمعنى التَّأمُّل والتدبُّر؛ كقوله سبحانه جلَّ ذكره: {أية : خُذُواْ مَآءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} تفسير : [البقرة: 63]. والمعنى: وافهموا ما فيه. والثاني: أن يكون المعنى: صرفنا هذه الدلائل في هذا القرآن؛ لتذكروه بألسنتكم؛ فإنَّ الذكر بألسنتكم قد يؤدِّي إلى تأثر القلب بمعناه. فصل قال الجبائيُّ - رحمه الله تعالى -: قوله عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ} يدل على أنَّه تعالى يفعل أفعاله لأغراضٍ حكميةٍ، ويدلُّ على أنَّه تعالى أراد الإيمان من الناس، سواءٌ آمنوا، أو كفروا. قوله: {وَمَا يَزِيدُهُمْ}، أي: التصريفُ، و "نُفوراً" مفعول ثانٍ وهذه الآية تدلُّ على أنَّه تعالى ما أراد الإيمان من الكفَّار؛ لأنَّه تعالى عالمٌ بأن تصريف القرآن لا يزيدهم إلا نفوراً، فلو أراد الإيمان منهم، لما أنزل عليهم ما يزيدهم نفرة عنه؛ لأنَّ الحكيم، إذا أراد تحصيل أمرٍ من الأمور، وعلمَ أنَّ الفعل الفلانيَّ يصير سبباً للعسر والتعذُّر والنفرة؛ فإنَّه عند محاولة تحصيل ذلك المقصود يحترزُ عما يوجب النُّفرة، فلمَّا أخبر تعالى أنَّ هذا التصرُّف يزيدهم نفُوراً، علمنا أنَّه ما أراد الإيمان منهم.

البقاعي

تفسير : ولما كان في هذا من البيان ما لا يخفى على الإنسان ولم يرجعوا، أشار إلى أن لهم أمثال هذا الإعراض عن أمثال هذا البيان فقال تعالى: {ولقد صرفنا} أي طرقنا تطريقاً عظيماً بأنواع طرق البيان من العبر والحكم، والأمثال والأحكام، والحجج والأعلام، في قوالب الوعد والوعيد، والأمر والنهي، والمحكم والمتشابه - إلى غير ذلك {في هذا القرءان} من هذه الطرق ما لا غبار عليه، ونوعناه من جهة إلى جهة، ومن مثال إلى مثال؛ والتصريف لغة: صرف الشيء من جهة إلى أخرى، ثم صار كناية عن التبيين - قاله أبو حيان. ولما كان ذلك مركوزاً في الطباع، وله في العقول أمثال تبرز عرائسها من خدورها بأدنى التفات من النفس، سمي الوعظ بها تذكيراً بما هو معلوم فقال تعالى: {ليذكروا} أي نوعاً من التذكير - بما أشار إليه الإدغام، فإنه سبحانه كريم يرضى باليسير - هذا في قراءة الجماعة، وقرأ حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم الكاف إشارة إلى أن جميع ما في القرآن لا يخرج شيء منه عن العقل، بل هو مركوز في الطباع، وله شواهد في الأنفس والآفاق، يستحضرها الإنسان بأدنى إشارة وأيسر تنبيه، إذا أزيل عنها ما سترها عن العقل من الحظوظ والشواغل، وأتبعه قوله تعالى معجباً منهم: {وما يزيدهم} التصريف {إلا نفوراً *} عن السماع فضلاً عن التذكير، لاعتقادهم أن ذلك ليس ببراهين، بل هو شبه وخيل إلى صرفهم عما هم فيه مما ألفوه وتلقوه عن آبائهم وتمادت عليهم الدهور في اعتقاد كونه حقاً، فكأنه قيل: فما يفعل بهم؟ فقال تعالى: {قل} لهم ولا تيأس من رجوع بعضهم: {لو كان معه} أي ربكم الذي تقدم وصفه بالإحسان والتنزيه {ءالهة كما يقولون} من هذه الأقوال التي لو قالها أعظمكم في حق أدناكم وهو يريد بها حقيقتها لصار ضحكة للعباد {إذاً لابتغوا} أي طلبوا طلباً عظيماً {إلى ذي العرش} أي صاحب السرير الأعظم المحيط الذي من ناله كان منفرداً بالتدبير {سبيلاً *} أي طريقاً سالكاً يتوصلون به إليه ليقهروه ويزيلوا ملكه كما ترون من فعل ملوك الدنيا بعضهم مع بعض، أو ليتخذوا عنده يداً تقربهم إليه، وصرح بالعرش تصويراً لعظمته وتعييناً للمبتغي والمبتغى؛ ثم نزه نفسه تعظيماً عن ذلك وعن كل نقص فقال تعالى: {سبحانه} أي تنزه التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص {وتعالى} أي علا أعظم العلو بصفات الكمال {عما يقولون} من هذه النقائض التي لا يرضاها لنفسه أحد من عقلاء خلقه فضلاً عن رئيس من رؤسائكم، فكيف بالعلي الأعلى‍! وأتى بالمصدر المجرد في قوله تعالى: {علواً} إيذاناً بأن الفعل مجرد في الحقيقة وإن أتى به على صيغة التفاعل إيذاناً بالمبالغة {كبيراً *} لا تحتمل عقولكم الوقوف على حقيقته ولا تدركون منه أكثر من مفهوم هذا الوصف عندكم بحسب ما تتعارفونه: شعر : والأمر أعظم من مقالة قائل إن رقق البلغاء أو إن فخموا تفسير : ثم استأنف بيان عظمة هذا التنزيه مقروناً بالوصف بالكمال فقال تعالى: {تسبح} أي توقع التنزيه الأعظم {له} أي الإله الأعظم الذي تقدم وصفه بالجلال والإكرام خاصة {السماوات السبع} كلها {والأرض} أيضاً {ومن فيهن} من ذوي العقول {وإن} أي وما، وأعرق في النفي فقال تعالى: {من شيء} أي ذي عقل وغيره {إلا يسبح} أي ينزه له متلبساً {بحمده} أي بوصفه بما له من صفات الكمال بما له تعالى في ذلك الشيء من الآيات الدالة على كل من السلب والإيجاب، وهذا تسبيح بلسان المقال ممن يصح منه، وبلسان الحال منه ومن غيره، كما قال الجدار للوتد: لم تشقني؟ فقال: سل من يدقني. وهو تسبيح من جهات شتى ليسمعها العارفون بسمع الفهم وصفاء الذهن من جهة ذاتها في خلقها ثم في معنى صفتها بحاجتها من جهة حدوثها إلى صانع أحدثها قديم غير مصنوع، ومن جهة إتقانها إلى كونه مدبراً حكيماً، ومن جهة فنائها إلى كونه مع ذلك قادراً مختاراً، قاهراً جباراً - إلى غير ذلك، بخلاف ما لو قصر التسبيح على لسان المقال فإنه يكون من نوع واحد، وأوضح مرشداً إلى ذلك قوله تعالى: {ولكن لا تفقهون} دون "تسمعون" {تسبيحهم} لإعراضكم عن النظر ونفوركم عن سماع الذكر الذي هو أعظم أسبابه، على أن هذا إنما هو بالنسبة لعامة الخلق، وأما الخاصة فإنهم يسمعون تسبيح الجمادات؛ روى البخاري حديث : عن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل: فأدخل يده في الإناء وقال: حيّ على الطهور المبارك والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم - ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.تفسير : وتسبيح الحصى مشهور، وفي زبور داود عليه السلام تكرير كثير لهذه الآية وحث على تأملها، قال في المزمور الثامن والستين: تسبح له السماوات والأرض والبحار وكل ما يدب فيها. وفي المزمور الخامس والثمانين: فليس مثلك يا ربي وإلهي ولا مثل أعمالك، لأن جميع الأمم الذين خلقت يأتون ويسجدون أمامك يا رب ويسبحون لاسمك، لأنك عظيم صانع الآيات. وفي الثامن والثمانين: بذراعك العزيزة فرقت أعداءك، لك السماوات ولك الأرض، أنت أسست الدنيا بكمالها، خلقت البر والبحر، تابور وحرمون باسمك يسبحان، لك القوة والجبروت، تعتز يدك، وتعلو يمينك، بالعدل والحكم أتقنت كرسيك، الرحمة والعدل ينطلقان أمامك، طوبى للشعب الذي يعرف تسبيحك. وفي الخامس والتسعين: سبحوا الرب تسبيحاً جديداً، الأرض كلها تسبح الرب، اسجدوا للرب في هياكل قدسه لأن جميع الأرض تتزلزل بين يديه، قولوا في الشعوب: إن الله هو الملك أتقن الدنيا لكيلا تزول، يقضي بين الشعوب بالعدل، تفرح السماوات وتبتهج الأرض، ينقلب البحر في عمقه، تتهلل البقاع وما فيها، هنالك يسبح جميع شجر الغياض قدام الرب. وفي السابع والتسعين: ولله تسبح كل الأرض، مجدوا وهللوا وسبحوا الرب. وفي الثامن والأربعين بعد المائة: سبحوا الرب من السماوات، سبحوه من العلى يا جميع ملائكته! وكل جنوده تسبحه، الشمس والقمر يسبحانه، وجميع الكواكب والنور تسبحه، يسبح الرب سماء الدنيا والمياه التي فوق السماوات، تسبح جميعاً اسم الرب لأنه قال فكانوا، وأمر فخلقوا، وأقامهم إلى الأبد والدهر، جعل لها مقدراً لا تتجاوزه، يسبح الرب من في الأرض: التنانين وجميع الأعماق، النار والبرد والثلج والجليد والريح العاصفة عملت كلمته، الجبال وكل الآكام، الشجر المثمرة وجميع الأرز، السباع وكل البهائم والوحوش وكل حيوان وكل طائر ذي جناح، ملوك الأرض وسائر الشعوب العظماء وجميع حكام الأرض، الشبان والعذارى والشيوخ والصبيان يسبحون اسم الرب، لأن اسمه قد تعالى وحده. وفي الخمسين بعد المائة: سبحوا الله في كل قديسيه، سبحوه في جلد قوته، سبحوه كمثل جبروته، سبحوه بكثرة عظمته، سبحوه بصوت القرن، وسبحوه بأصوات عالية، كل نسمة تسبح الرب. ولما كان تسبيح جميع المخلوقات أمراً واضح الفهم ظاهر الشأن، فكانوا مستحقين للعقاب في عدم فهمه بعدم التأمل في المصنوعات حق التأمل، نبههم على أن عافيتهم إنما هي لحلمه عنهم، فهو ينظرهم إلى المدة التي ضربها لهم لأنه لا يعجل لتنزهه عن شوائب النقص الذي نطق كل شيء بتنزيهه عنها فقال تعالى: {إنه كان حليماً} حيث لا يعاجلكم بالعقوبة على إعراضكم عن صرف الأفكار فيما أمركم بصرفها إليه. ولما كان الغالب على أحوال البشر أن حليمهم إذا غضب لا يغفر، وإن عفا كان عفوه مكدراً، قال تعالى: {غفوراً *} مشيراً بصيغة المبالغة إلى أنه على غير ذلك ترغيباً في التوبة.

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} هذا المعنى وكررناه {فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ} على وجوه من التصريف في مواضعَ منه، وإنما ترك الضميرُ تعويلاً على الظهور، وقرىء بالتخفيف {لّيَذْكُرُواْ} ما فيه ويقفوا على بطلان ما يقولونه، والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان باقتضاء الحالِ أن يُعرَض عنهم ويُحكىٰ للسامعين هَناتُهم. وقرىء بالتخفيف من الذكر بمعنى التذكر، ويجوز أن يراد بهذا القرآنِ ما نطق ببُطلان مقالتِهم المذكورةِ من الآيات الكريمةِ الواردةِ على أساليب مختلفةٍ، ومعنى التصريفِ فيه جعلُه مكاناً له أي أوقعنا فيه التصريفَ كقوله: [الطويل] شعر : [وإن تَعتذِرْ بالمَحْل من ذي ضروعها إلى الضيف] يجرح في عراقيبها نَصْلي تفسير : وقد جُوّز أن يراد به إبطالُ إضافتهم إليه تعالى البناتِ، وأنت تعلم أن إبطالَها من آثار القرآن ونتائجها {وَمَا يَزِيدُهُمْ} أي والحال أنه ما يزيدهم ذلك التصريفُ البالغ {إِلاَّ نُفُورًا} عن الحق وإعراضاً عنه فضلاً عن التذكر المؤدِّي إلى معرفة بُطلانِ ما هم عليه من القبائح. {قُلْ} في إظهار بطلانِ ذلك من جهة أخرى {لَّوْ كَانَ مَعَهُ} تعالى {آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ} أي المشركون قاطبةً، وقرىء بالتاء خطاباً لهم من قِبَل النبـي عليه الصلاة والسلام، والكافُ في محل النصب على أنها نعتٌ لمصدر محذوف أي كوناً مشابهاً لما يقولون، والمرادُ بالمشابهة الموافقةُ والمطابقة {إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ} جوابٌ عن مقالتهم الشنعاءِ وجزاءٌ «لِلَوْ» أي لطلبوا {إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ} أي إلى من له المُلك والربوبـيةُ على الإطلاق {سَبِيلاً} بالمغالبة والممانعة كما هو دَيدنُ الملوكِ بعضِهم مع بعض طريقة قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء، الآية 22] وقيل: بالتقرب إليه تعالى كقوله تعالى: { أية : أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} تفسير : [الإسراء، الآية 57] والأولُ هو الأظهرُ الأنسبُ لقوله: {سُبْحَـٰنَهُ} فإنه صريحٌ في أن المراد بـيانُ أنه يلزم مما يقولونه محذورٌ عظيم من حيث لا يحتسبون، وأما ابتغاءُ السبـيل إليه تعالى بالتقرب فليس مما يختص بهذا التقرير، ولا هو مما يلزمهم من حيث لا يشعرون بل هو أمرٌ يعتقدونه رأساً، أي تنزّه بذاته تنزّهاً حقيقاً به {وَتَعَالَىٰ} متباعداً {عَمَّا يَقُولُونَ} من العظيمة التي هي أن يكون معه آلهةٌ وأن يكون له بناتٌ {عَلَوْاْ} تعالياً كقوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح، الآية 17] {كَبِيراً} لا غايةَ وراءه، كيف لا وإنه سبحانه في أقصى غاياتِ الوجود وهو الوجوبُ الذاتيُّ، وما يقولونه من أن له تعالى شركاءَ وأولاداً في أبعد مراتبِ العدمِ أعني الامتناعَ، لا لأنه تعالى في أعلى مراتب الوجودِ لذاته واتخاذُ الولد من أدنى مراتبِه فإنه من خواصَّ ما يمتنع بقاؤُه كما قيل، فإن ما يقولونه ليس مجردَ اتخاذِ الولد بل اتخاذِه تعالى له وأن يكون معه آلهةٌ، ولا ريب في أن ذلك ليس بداخل في حد الإمكان فضلاً عن دخولِه تحت الوجود، وكونُه من أدنى مراتب الوجودِ إنما هو بالنسبة إلى من شأنه ذلك.

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء: اتبعنا المواعظة لعلهم يفهموا عنا مرادنا ويرجعوا إلينا فى طلب مراد الخطاب فما زادهم إلا إعراضًا عنا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد صرفنا} هذا المعنى وكررناه وبيناه. قال الكاشفى [وبدرستى كردانيديم ومكرر ساختيم برآيت خودرا ازولد] {فى هذا القرآن} على وجوه من التصريف فى مواضع من {ليذكروا} اى ليذكروا ما فيه ويقفوا على بطلان ما يقولونه {وما يزيدهم} اى والحال انه ما يزيدهم ذلك التصريف البالغ {الا نفورا} عن الحق واعراضا عنه. قال الكاشفى [مكر رميدن ازحق ودورشدن].

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد صَرَّفنا}؛ بيَّنا {في هذا القرآن} من الأمثال والعبر، والوعد والوعيد؛ {ليذَّكروا}؛ ليتعظوا به، {وما يزيدُهم} ذلك {إِلا نفورًا} عن الحق وعنادًا له. الإشارة: من شأن القلوب الصافية: إذا سمعت كلام الحبيب فرحت واهْتَزت، أو خشعت واقشعرت من هيبة المتكلم، كلٌّ على ما يليق بمقامه، ومن شأن القلوب الخبيثة المكدرة: نفورها من كلام الحق؛ إذ الباطل لا يُقاوم الحق، ولا يطيق مواجهته. والله تعالى أعلم. ثمَّ ابطل فذهب اهل الشرك

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} اسقاط المفعول للتّعميم يعنى صرّفنا كثير تصريف فى امثالٍ عديدة والفاظٍ كثيرةٍ كلّما ينبغى ان يذكر لهم من الحجج والحكايات والعبر والمواعظ والاحكام، ويحتمل ان يكون الصّيغة لتكثير المفعول اى صرّفنا كثيراً من المعانى الّتى ينبغى ان تذكر {لِيَذَّكَّرُواْ} اى ليتذكّروا ويتّعظوا {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} يعنى انّهم لغاية حمقهم صار ما هو سبب تذكّرهم وتقرّبهم سبب نفورهم وبعدهم.

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدّثني محمد بن الحسن بن إِبراهيم [قال: حدّثنا جعفر بن عبد الله عن محمد بن عمر المازني عن عباد بن صهيب. ش]: عن جابر [الجعفى. ر] قال: قال أبو جعفر عليه السلام: قال الله [تعالى. ر]: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا} قال: يعني ولقد ذكرنا علياً في كل آية فأبوا ولاية علي [عليه السلام. أ] {وما يزيدهم إِلا نفوراً} فرات قال: حدّثني جعفر بن محمد الفزاري [قال: حدّثنا أحمد بن الحسين عن محمد بن حاتم. ش]: عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت [ش: سألت] أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: {ولقد صرفنا في هذا القرآن} [قال. ش]: يعني ولقد ذكرنا علياً في كل القرآن و هو الذكر وما يزيدهم إِلا نفوراً.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} كررنا أو قررنا أو ذكرنا أو بينا بوجوه من العبارات، أو لهم ذلك أو الحكم والمواعظ والأَمثال والوعد والوعيد والعبر والحجج والعلامات ما نزل على الأُمم السابقة من العذاب. {فِى هَذَا الْقُرْآنِ} أى فى مواضع منه ويجوز أن يراد بهذا القرآن هذا الكلام المقروء المذكور آنفاً المتضمن إِنكار البنات عن الله سبحانه أى صرفنا القول فى هذا المقروء من الإِنكار، وأن يراد بهذا القرآن اسم كتاب الله فى الوجه الأَول لكن على تسمية الحال وهو معنى إِنكار البنات باسم المحل وهو كتاب الله، ويجوز أن يراد أوقعنا الصرف وهو تنويع الحجج فى هذا المعنى، وتشدد راء صرفنا تأْكيداً ومبالغة وقرئ بالتخفيف. {لِيَذَّكَرُوا} يتعظوا أو الأَصل يتذكروا أبدلت التاء ذالا وأُدغمت الذال فى الذال، وقرأ حمزة والكسائى الفرقان ليذكروا بإِسكان الذال وضم الكاف، من ذكر بمعنى التذكر كالفكر بمعنى التفكر. {وَمَا يَزِيدُهُمْ} تصريفنا فالضمير المستتر فى يزيد عائد إِلى التصريف المعلوم من صرفنا وإِلى الصرف المعلوم بالتخفيف فى قراءة التخفيف. {إِلاَّ نُفُوراً} عن الحق وكراهة له وعدم سكون القلب إِليه وكان سفيان الثورى إِذا قرأ هذه الآية قال: زادنى لك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً، وذلك أنه كلما نزل من القرآن شئ كفروا به فيحصل لهم نفور كلما وقع نزول، قال الحسن: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : والذى نفسى بيده لتدخلن الجنة إلا أن تشردوا عن الله كما يشرد البعير عن أهله، ثم تلا: {ولقد صرفنا فى هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفوراً} .

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هذَا القُرْآنِ} كررنا بوجوه مختلفة، وإيضاح فى مواضع من القرآن، والمفعول محذوف، والتقدير صرفنا نفى ولادة البنات كغيرهن عنَّا، وهذا القرآن كتاب الله الذى أنزل عليه صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يراد بالقرآن المعنى المقروء فى قوله عز وجل: "أية : أفأصفاكم ربكم.."تفسير : إلخ، والمفعول محذوف، أى ولقد صرفنا الكلام فى هذا المعنى المقروء، وهو نفى الولادة، ولا بد أيضا من التلويح إلى معنى المقروء فى تفسير القرآن بالكتاب كله، لأن اسم الإشارة لا ينعت بعلم، فإن لم يؤول فالقرآن بدل، لأنه علم على هذا الكتاب، وأما فذلكم الله فالله خبر أول لا نعت إلا بتأويل المعبود، ويجوز أن يكون المعنى على العموم، أى لقد كررنا فى هذا الكتاب ما أردنا تكريره عن نفى الولادة، ونفى الشركة وغير ذلك، ليفهم ويرسخ فى القلوب كما قال: {لِيَذّكَّرُوا} ليتذكروا أى يتأملوا ويتفكروا حتى يدركوا انتفاء الولادة عنه سبحانه. {وَمَا يَزِيدُهُمْ} أى القرآن أو التصريف {إِلاَّ نُفُورًا} عن الإِدراك والحق، وهو انتفاء الولادة عنه، أو غيرها أيضا مما لا يجوز.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} من التصريف وهو كثرة صرف الشيء من حال إلى حال، ومفعوله هنا محذوف للعلم به أي صرفناه أي هذا المعنى والمراد عبرنا عنه بعبارات وقررناه بوجوه من التقريرات {فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ} العظيم أي في مواضع منه فالمراد بالقرآن مجموع التنزيل وجوز أن يراد به البعض المشتمل على إبطال إضافة البنات إليه سبحانه ومفعول {صرفنا} محذوف أيضاً أي صرفنا القول المشتمل على إبطال الإضافة المذكورة في هذا المعنى. وإيقاع القرآن على المعنى وجعله ظرفاً للقول إما بإطلاق اسم المحل على الحال لما اشتهر أن الألفاظ قوالب المعاني أو بالعكس كما يقال الباب الفلاني في كذا وهذه الآية في تحريم كذا أي في بيانه، ويجوز تنزيل الفعل منزلة اللازم وتعديته بفي كما في قوله:شعر : يجرح في عراقيبها نصلي تفسير : أي أوقعنا التصريف فيه. وقرىء {صرفنا} بالتخفيف والصرف كالتصريف إلا في التكثير {ليَذْكُرُواْ} أي ليتذكروا ويتعظوا ويطمئنوا له فإن / التكرار يقتضي الإذعان واطمئنان النفس {وَمَا يَزِيدُهُمْ} ذلك التصريف {إِلاَّ نُفُورًا} عن الحق وإعراضاً عنه وهو تعكيس. وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الفرقان [50] {ليذكروا} من الذكر الذي هو بمعنى التذكر ضد النسيان والغفلة، والتذكر على القراءة الأولى بمعنى الاتعاظ كما أشير إليه. والالتفات إلى الغيبة للإيذان باقتضاء الحال أن يعرض عنهم ويحكي للسامعين هناتهم.

ابن عاشور

تفسير : لما ذكر فظاعة قولهم بأن الملائكة بنات الله أعقب ذلك بأن في القرآن هدياً كافياً، ولكنهم يزدادون نفوراً من تدبره. فجملة {ولقد صرفنا في هذا القرآن} معترضة مقترنة بواو الاعتراض. والضمير عائد إلى الذين عبدوا الملائكة وزعموهم بنات الله. والتصريف: أصله تعدد الصرف، وهو النقل من جهة إلى أخرى. ومنه تصريف الرياح، وهو هنا كناية عن التبيين بمختلف البيان ومتنوعه. وتقدم في قوله تعالى: {أية : انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون}تفسير : في سورة [الأنعام: 46]. وحذف مفعول {صرفنا} لأن الفعل نزل منزلة اللازم فلم يقدر له مفعول، أي، بينا البيان، أي ليذّكّروا ببيانه. ويذّكّروا: أصله يتذكروا، فأدغم التاء في الذال لتقارب مخرجيهما، وقد تقدم في أول سورة يونس، وهو من الذُكْر المضموم الذال الذي هو ضد النسيان. وضمير {ليذكروا} عائد إلى معلوم من المقام دل عليه قوله: {أية : أفأصفاكم ربكم بالبنين}تفسير : [الإسراء: 40] أي ليذكر الذين خوطبوا بالتوبيخ في قوله: {أية : أفأصفاكم ربكم}تفسير : [الإسراء: 40]، فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة، أو من خطاب المشركين إلى خطاب المؤمنين. وقوله: {وما يزيدهم إلا نفوراً} تعجب من حالهم. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف {لِيَذْكُرُوا} بسكون الذال وضم الكاف مخففة مضارع ذكر الذي مصدره الذُّكر ــــ بضم الذال ــــ. وجملة {وما يزيدهم إلا نفوراً} في موضع الحال، وهو حال مقصود منه التعجيب من حال ضلالتهم. إذ كانوا يزدادون نفوراً من كلام فُصّل وبُين لتذكيرهم. وشأن التفصيل أن يفيد الطمأنينة للمقصود. والنفور: هروب الوحشي والدابة بجَزع وخشيةٍ من الأذى. واستعير هنا لإعراضهم تنزيلاً لهم منزلة الدواب والأنعام.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 41- لقد بيَّنا فى هذا القرآن أحسن بيان ضروباً من الأمثال والمواعظ والأحكام، ليتعظ هؤلاء المشركون، ولكنهم لتحجر قلوبهم لا يزيدهم ذلك التَّبيين إلا شروداً عن الحق. 42- قل - أيها النبى - إظهاراً لإبطال زعمهم الشركاء لله: لو كان مع الله آلهة فى الوجود كما يقولون لطلب هؤلاء الآلهة طريقاً يصلون منه إلى صاحب الملك المطلق لينازعوه عليه. 43- تنزه الله تنزهاً لائقاً به، وتعالى جل شأنه عما يزعمون من أنه معه آلهة. 44- إن السموات السبع والأرض ومن فيهن من المخلوقات تنزهه وتقدسه، وتدل بإتقان صنعها على تنزه الله - سبحانه - عن كل نقص وكمال ملكه، وأنه لا شريك له، وما من شئ من المخلوقات فى ملكه الواسع إلا ينزهه كذلك مع الثناء عليه، ولكن الكافرين لا يفهمون هذه الأدلة لاستيلاء الغفلة على قلوبهم، وكان الله حليماً عليهم غفوراً لمن تاب فلم يعاجلهم بالعقوبة. 45- وإذا قرأت - أيها النبى - القرآن الناطق بدلائل الحق جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء حين إرادة الفتك بك حجاباً ساتراً لك عنهم، فلا يرونك. 46- وجعلنا بمقتضى حكمتك فى الإضلال والهداية على قلوبهم أغطية، كراهة أن يفهموا القرآن على حقيقته، وفى آذانهم صمماً فلا يسمعونه سماع انتفاع، لأنهم أسرفوا فى العناد والمكابرة، وإذا ذكرت ربك فى القرآن منفرداً عن ذكر آلهتهم رجعوا على أعقابهم نافرين عن استماعه. 47- نحن أعلم بما يستمعون القرآن متلبسين به من الاستهزاء والسخرية حين استماعهم إليك، وهم ذوو مسارة بما ذكر، وذلك قول الظالمين لغيرهم فى مسارتهم: إن اتبعتم فأنتم لا تتبعون إلا رجلا مغلوباً على عقله.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقُرْآنِ} (41) - وَلَقَدْ بَيَّنَّا فِي هذا القُرْآنِ الآيَاتِ وَالحُجَجَ، وَضَرَبْنَا لِلنَّاسِ الأَمْثَالَ، وَحَذَّرْنَاهُمْ وَأَنْذَّرْنَاهُمْ، لِيَذَّكَّرُوا، وَيَتَّعِظُوا، فَيَقِفُوا عَلَى بُطْلاَنِ مَا يَقُولُونَ، وَلكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ لاَ يَتَّعِظُونَ، وَلاَ يَتَذَكَّرُونَ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الآيَاتِ وَالنَّذُرِ، بَلْ لاَ يَزِيدُهُمُ التَّذْكِيرُ إِلا نُفُوراً وَبُعْداً عَنِ الحَقِّ. صَرَّفْنَا - كَرَّرْنَا القَوْلَ بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ. نُفُوراً - تَبَاعُداً وَإِعْرَاضاً عَنِ الحَقِّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {صَرَّفْنَا} أي: حَوَّلْنا الشيء من حال إلى حال، ومنها قوله تعالى: {أية : وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ ..}تفسير : [البقرة: 164]. يعني تغييرها من حال إلى حال، فمرة: تراها سَكْسكَاً عليلة هادئة، ومرّة تجدها رُخَاءً أي: قوية، ومرة: تجدها إعصاراً مدمراً. والرياح قد تكون لواقح تأتي بالخير والنماء، وقد تكون عقيماً لا خير فيها. هذا هو المراد بالتصريف. فمعنى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ..} [الإسراء: 41]. أي: صرف مسألة ادعاء اتخاذ الله الأبناء في القرآن، وعالجها في كثير من المسائل؛ لأنه أمر مهم عالجه القرآن علاجاتٍ متعددة في مقامات مختلفة من سُوره، فتكرر ذِكْر هذه المسألة. والتكرار قد يكون في ذات الشيء، وقد يكون باللَّف بالشيء، كما في قوله تعالى: {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 13]. وقوله: {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} [الإسراء: 41]. أي: بدلَ أنْ يذكروا ويعودوا إلى جَادّة الصواب ازدادوا إعراضاً ونفوراً. ولنا أن نسأل: لماذا الإعراض والنفور منهم؟ لأنهم أرادوا الاحتفاظ بالسلطة الزمنية التي كانت لهم قبل الإسلام، ولكي نوضح المقصود بالسلطة الزمنية نقول: لو درسنا تواريخ القوانين في العالم نجد أن القانون الوضعيّ الذي وضعه البشر لم يَأْتِ أول الأمر، بل جاء نتيجة تسلُّط الكهنة، وكانوا هم أصحاب القانون يضعونَه باسم الدين، ويلزمون الناس به، ولكن لُوحِظ عليهم أنهم يحكمون في قضية ما بحكم، ثم بعد فترة يحكمون في نفس القضية بحكم مخالف للأول، فانصرف الناس عن أحكام الكهنة، ووضعوا لأنفسهم هذه القوانين الوضعية، وبذلك أصبح لهؤلاء ما يُسمَّى بالسلطة الزمنية. وهذه السُّلْطة الزمنية هي التي منعتْ يهود المدينة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانوا على علم ومعرفة بأوصافه وبرسالته وزمن بعثته، وكانوا حينما يروْنَ عُبّاد الأصنام في مكة يقولون لهم: سيأتي زمان يُبعث فيه نبي في هذا البلد، وسوف نتبعه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، وقد كانوا من قبل يستفتحون به على الذين كفروا. وعن هذا يقول الحق سبحانه في حق يهود المدينة: {أية : وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 89]. لقد تنكَّر اليهود لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، مع أنهم على يقين من صِدْقه؛ لأن هذه الرسالة ستحرمهم هذه السلطة الزمنية، وستقضي على السيادة العلمية والسيادة الاقتصادية والسيادة الحربية التي كانت لهم قبل الإسلام. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه صرف لعباده في هذا القرآن أي: نوع الأحكام ووضحها وأكثر من الأدلة والبراهين على ما دعا إليه، ووعظ وذكر لأجل أن يتذكروا ما ينفعهم فيسلكوه وما يضرهم فيدعوه. ولكن أبى أكثر الناس إلا نفورا عن آيات الله لبغضهم للحق ومحبتهم ما كانوا عليه من الباطل حتى تعصبوا لباطلهم ولم يعيروا آيات الله لهم سمعا ولا ألقوا لها بالا. ومن أعظم ما صرف فيه الآيات والأدلة التوحيد الذي هو أصل الأصول، فأمر به ونهى عن ضده وأقام عليه من الحجج العقلية والنقلية شيئا كثيرا بحيث من أصغى إلى بعضها لا تدع في قلبه شكا ولا ريبا. ومن الأدلة على ذلك هذا الدليل العقلي الذي ذكره هنا فقال: { قُلْ } للمشركين الذين يجعلون مع الله إلها آخر: { لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ } أي: على موجب زعمهم وافترائهم { إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا } أي: لاتخذوا سبيلا إلى الله بعبادته والإنابة إليه والتقرب وابتغاء الوسيلة، فكيف يجعل العبد الفقير الذي يرى شدة افتقاره لعبودية ربه إلها مع الله؟! هل هذا إلا من أظلم الظلم وأسفه السفه؟!!. فعلى هذا المعنى تكون هذه الآية كقوله تعالى: {أية : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ }؟ تفسير : وكقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ }. تفسير : ويحتمل أن المعنى في قوله: { قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا } أي: لطلبوا السبيل وسعوا في مغالبة الله تعالى، فإما أن يعلوا عليه فيكون من علا وقهر هو الرب الإله، فأما وقد علموا أنهم يقرون أن آلهتهم التي يعبدون من دون الله مقهورة مغلوبة ليس لها من الأمر شيء فلم اتخذوها وهي بهذه الحال؟ فيكون هذا كقوله تعالى: {أية : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ }. تفسير : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى } أي: تقدس وتنزه وعلت أوصافه { عَمَّا يَقُولُونَ } من الشرك به واتخاذ الأنداد معه { عُلُوًّا كَبِيرًا } فعلا قدره وعظم وجلت كبرياؤه التي لا تقادر أن يكون معه آلهة فقد ضل من قال ذلك ضلالا مبينا وظلم ظلما كبيرا. لقد تضاءلت لعظمته المخلوقات العظيمة وصغرت لدى كبريائه السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن {أية : والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه }. تفسير : وافتقر إليه العالم العلوي والسفلي فقرا ذاتيا لا ينفك عن أحد منهم في وقت من الأوقات. هذا الفقر بجميع وجوهه فقر من جهة الخلق والرزق والتدبير، وفقر من جهة الاضطرار إلى أن يكون معبودهم ومحبوبهم الذي إليه يتقربون وإليه في كل حال يفزعون، ولهذا قال: { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ } من حيوان ناطق وغير ناطق ومن أشجار ونبات وجامد وحي وميت { إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } بلسان الحال ولسان المقال. { وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } أي: تسبيح باقي المخلوقات التي على غير لغتكم بل يحيط بها علام الغيوب. { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } حيث لم يعاجل بالعقوبة من قال فيه قولا تكاد السماوات والأرض تتفطر منه وتخر له الجبال ولكنه أمهلهم وأنعم عليهم وعافاهم ورزقهم ودعاهم إلى بابه ليتوبوا من هذا الذنب العظيم ليعطيهم الثواب الجزيل ويغفر لهم ذنبهم، فلولا حلمه ومغفرته لسقطت السماوات على الأرض ولما ترك على ظهرها من دابة.