١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ} هذا متصل بقوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} وهو ردّ على عُبّاد الأصنام. {كَمَا يَقُولُونَ} قرأ ابن كَثير وحفص «يقولون» بالياء. الباقون «تقولون» بالتاء على الخطاب. {إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ} يعني الآلهة. {إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لطلبوا مع الله منازعة وقتالاً كما تفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض. وقال سعيد بن جُبير رضي الله تعالى عنه: المعنى إذاً لطلبوا طريقاً إلى الوصول إليه ليزيلوا ملكه، لأنهم شركاؤه. وقال قَتادة: المعنى إذاً لابْتَغَتْ الآلهة القُرْبة إلى ذي العرش سبيلاً، والتمست الزُّلْفة عنده لأنهم دونه، والقوم ٱعتقدوا أن الأصنام تقرّبهم إلى الله زلفى، فإذا ٱعتقدوا في الأصنام أنها محتاجة إلى الله سبحانه وتعالى فقد بطل أنها آلهة. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً} نزّه سبحانه نفسه وقدّسه ومجده عما لا يليق به. والتسبيح: التنزيه. وقد تقدّم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكاً من خلقه، العابدين معه غيره؛ ليقربهم إليه زلفى: لو كان الأمر كما يقولون، وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون وساطة بينكم وبينه، فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه، بل يكرهه ويأباه، وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه، ثم نزه نفسه الكريمة وقدّسها فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ} أي: هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى {عُلُوّاً كَبِيراً} أي: تعالياً كبيراً، بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } لهم {لَّوْ كَانَ مَعَهُ } أي الله {ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ } طلبوا {إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ } أي الله {سَبِيلاً } ليقاتلوه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ }. قرأ ابن كثير، وحفص: {يقولون} بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب للقائلين بأن مع الله آلهة أخرى، وإذن: جواب عن مقالتهم الباطلة وجزاء لـ"لو" {لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ } وهو الله سبحانه. {سَبِيلاً }: طريقاً للمغالبة والممانعة كما تفعل الملوك مع بعضهم البعض من المقاتلة والمصاولة؛ وقيل: معناه إذن لابتغت الآلهة إلى الله القربة والزلفة عنده، لأنهم دونه، والمشركون إنما اعتقدوا أنها تقرّبهم إلى الله. والظاهر المعنى الأول، ومثل معناه قوله سبحانه: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22]. ثم نزه تعالى نفسه، فقال: {سُبْحَـٰنَهُ } والتسبيح: التنزيه، وقد تقدّم، {وَتَعَالَىٰ } متباعد {عَمَّا يَقُولُونَ } من الأقوال الشنيعة والفرية العظيمة {عُلُوّاً} أي: تعالياً، ولكنه وضع العلوّ موضع التعالي كقوله: {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأرْضِ نَبَاتاً } تفسير : [نوح: 17]. ثم وصف العلوّ بالكبر مبالغة في النزاهة، وتنبيهاً على أن بين الواجب لذاته والممكن لذاته، وبين الغني المطلق، والفقير المطلق، مباينة لا تعقل الزيادة عليها. ثم بين سبحانه جلالة ملكه وعظمة سلطانه فقال: {يُسَبّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعُ وَٱلأرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } قرىء بالمثناة التحتية في يسبح، وبالفوقية، وقال: {فيهنّ} بضمير العقلاء لإسناده إليها التسبيح الذي هو فعل العقلاء، وقد أخبر سبحانه عن السموات والأرض بأنها تسبحه، وكذلك من فيها من مخلوقاته الذين لهم عقول وهم الملائكة والإنس والجن وغيرهم من الأشياء التي لا تعقل، ثم زاد ذلك تعميماً وتأكيداً فقال: {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } فشمل كل ما يسمى شيئاً كائناً ما كان، وقيل: إنه يحمل قوله: {وَمَن فِيهِنَّ } على الملائكة والثقلين، ويحمل {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } على ما عدا ذلك من المخلوقات. وقد اختلف أهل العلم في هذا العموم هل هو مخصوص أم لا؟ فقالت طائفة: ليس بمخصوص، وحملوا التسبيح على تسبيح الدلالة، لأن كل مخلوق يشهد على نفسه ويدلّ غيره بأن الله خالق قادر. وقالت طائفة: هذا التسبيح على حقيقته والعموم على ظاهره. والمراد أن كل المخلوقات تسبح لله سبحانه هذا التسبيح الذي معناه التنزيه وإن كان البشر لا يسمعون ذلك ولا يفهمونه، ويؤيد هذا قوله سبحانه: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } فإنه لو كان المراد تسبيح الدلالة لكان أمراً مفهوماً لكل أحد، وأجيب: بأن المراد بقوله {لاَّ تَفْقَهُونَ } الكفار الذين يعرضون عن الاعتبار. وقالت طائفة: إن هذا العموم مخصوص بالملائكة والثقلين دون الجمادات، وقيل: خاص بالأجسام النامية فيدخل النباتات، كما روي هذا القول عن عكرمة والحسن وخصا تسبيح النباتات بوقت نموها لا بعد قطعها. وقد استدلّ لذلك بحديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على قبرين... وفيه: ثم دعا بعسيب رطب فشقه اثنين، وقال: "إنه يخفف عنهما ما لم ييبسا". ويؤيد حمل الآية على العموم قوله: {أية : إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبّحْنَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإشْرَاقِ } تفسير : [صۤ: 18]. وقوله: {أية : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 74]. وقوله: {أية : وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً } تفسير : [مريم: 90]، ونحو ذلك من الآيات. وثبت في الصحيح أنهم كانوا يسمعون تسبيح الطعام، وهم يأكلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا حديث حنين الجذع، وحديث: أن حجراً بمكة كان يسلّم على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكلها في الصحيح، ومن ذلك تسبيح الحصى في كفه صلى الله عليه وسلم، ومدافعة عموم هذه الآية بمجرّد الاستبعادات ليس دأب من يؤمن بالله سبحانه ويؤمن بما جاء من عنده. ومعنى {إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } إلاّ يسبح متلبساً بحمده {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }. قرأ الحسن، وأبو عمرو، ويعقوب، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف (تسبح) بالمثناة الفوقية على الخطاب، وقرأ الباقون بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيدة {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } فمن حلمه الإمهال لكم وعدم إنزال عقوبته عليكم، ومن مغفرته لكم أنه لا يؤاخذ من تاب منكم. ولما فرغ سبحانه من الإلهيات شرع في ذكر بعض من آيات القرآن وما يقع من سامعيه فقال: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا } جعلنا بينك يا محمد وبين المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً أي: إنهم لإعراضهم عن قراءتك وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب يمرّون بك ولا يرونك، ذكر معناه الزجاج وغيره، ومعنى {مستوراً}: ساتر. قال الأخفش: أراد ساتراً، والفاعل قد يكون في لفظ المفعول كما تقول: إنك لمشئوم وميمون، وإنما هو شائم ويامن؛ وقيل: معنى {مستوراً}: ذا ستر، كقولهم: سيل مفعم: أي: ذو إفعام، وقيل: هو حجاب لا تراه الأعين فهو مستور عنها، وقيل: حجاب من دونه حجاب فهو مستور بغيره، وقيل: المراد بالحجاب: المستور الطبع والختم. {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } الأكنة: جمع كنان. وقد تقدّم تفسيره في الأنعام، وقيل: هو حكاية لما كانوا يقولونه، من قولهم: {أية : قُلُوبُنَا غُلْفٌ } تفسير : [البقرة: 88] {أية : وفي آذننا وقر ومن بينا وبينك حجاب} تفسير : [فصلت: 5]. و {أَن يَفْقَهُوهُ } مفعول لأجله، أي: كراهة أن يفقهوه، أو لئلا يفقهوه، أي: يفهموا ما فيه من الأوامر والنواهي والحكم والمعاني {وفي آذانهم وقرا} أي: صمماً وثقلاً، وفي الكلام حذف، والتقدير: أن يسمعوه. ومن قبائح المشركين أنهم كانوا يحبون أن يذكر آلهتهم كما يذكر الله سبحانه، فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا عن المجلس، ولهذا قال الله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده} أي: واحداً غير مشفوع بذكر آلهتهم، فهو مصدر وقع موقع الحال {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُوراً } هو مصدر، والتقدير: هربوا نفوراً، أو نفروا نفوراً؛ وقيل: جمع نافر كقاعد وقعود. والأوّل أولى. ويكون المصدر في موضع الحال أي: ولوا نافرين. {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ } أي: يستمعون إليك متلبسين به من الاستخفاف بك وبالقرآن واللغو في ذكرك لربك وحده، وقيل: الباء زائدة والظرف في {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } متعلق بـ {أعلم} أي: نحن أعلم وقت يستمعون إليك بما يستمعون به، وفيه تأكيد للوعيد، وقوله: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } متعلق بأعلم أيضاً، أي: ونحن أعلم بما يتناجون به فيما بينهم وقت تناجيهم، وقد كانوا يتناجون بينهم بالتكذيب والاستهزاء، {يقول} بدل من {إذ هم نجوى}. {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } أي: يقول كل منهم للآخرين عند تناجيهم: ما تتبعون إلاّ رجلاً سحر فاختلط عقله وزال عن حدّ الاعتدال. قال ابن الأعرابيّ: المسحور الذاهب العقل الذي أفسد، من قولهم: طعام مسحور إذا أفسد عمله، وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها؛ وقيل: المسحور: المخدوع، لأن السحر حيلة وخديعة، وذلك لأنهم زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يتعلم من بعض الناس، وكانوا يخدعونه بذلك التعليم. وقال أبو عبيدة: معنى {مسحوراً} أن له سحراً، أي: رئة، فهو لا يستغني عن الطعام والشراب فهو مثلكم، وتقول العرب للجبان: قد انتفخ سحره، وكل من كان يأكل من آدمي أو غيره مسحور، ومنه قول امرىء القيس:شعر : أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب تفسير : أي: نغذى ونعلل. قال ابن قتيبة: لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسرّوه بالوجوه الواضحة. {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأمْثَالَ } أي قالوا تارة: إنك كاهن، وتارة ساحر، وتارة شاعر، وتارة مجنون {فضّلواْ } عن طريق الصواب في جميع ذلك {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } إلى الهدى أو إلى الطعن الذي تقبله العقول ويقع التصديق له لا أصل الطعن، فقد فعلوا منه ما قدروا عليه؛ وقيل: لا يستطيعون مخرجاً لتناقض كلامهم كقولهم: ساحر مجنون. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } قال: على أن يزيلوا ملكه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمٰن بن قرط: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى كان جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات العلى، فلما رجع قال: حديث : سمعت تسبيحاً من السمٰوات العلى مع تسبيح كثير سبحت السمٰوات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلوّ بما علا، سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو جالس مع أصحابه إذ سمع هدّة فقال: حديث : أطت السماء ويحقها أن تئط، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلاّ فيه جبهة ملك ساجد يسبح بحمده»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول: سبحان الله، فإنها صلاة الخلائق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق »تفسير : قال الله تعالى: {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ }. وأخرج أحمد، وابن مردويه من حديث ابن عمر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال: ما من عبد سبّح تسبيحة إلاّ سبّح ما خلق الله من شيء، قال الله {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } قال ابن كثير: إسناده فيه ضعف. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قرصت نملة نبياً من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحي الله إليه: من أجل نملة واحدة أحرقت أمة من الأمم تسبح»تفسير : . وأخرج النسائي، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عمرو قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع وقال: حديث : نقيقها تسبيح»تفسير : . وأخرج أبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } قال: الزرع يسبح وأجره لصاحبه، والثوب يسبح ويقول الوسخ: إن كنت مؤمناً فاغسلني إذن. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: كل شيء يسبح إلاّ الكلب والحمار. وأخرج ابن راهويه في مسنده من طريق الزهري قال: أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين، فجعل ينشر جناحيه ويقول: ما صِيد من صيدٍ ولا عضد من شجرة إلاّ بما ضيعت من التسبيح. وأخرجه أحمد في الزهد، وأبو الشيخ عن ميمون بن مهران قال: أتى أبو بكر الصديق فذكره من قوله غير مرفوع. وأخرجه أبو نعيم في الحلية، وابن مردويه من حديث أبي هريرة بنحوه. وأخرج ابن مردويه من حديث ابن مسعود بمعنى بعضه. وأخرج أبو الشيخ من حديث أبي الدرداء بمعناه. وأخرج ابن عساكر من حديث أبي رهم نحوه. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: هذه الآية في التوراة كقدر ألف آية {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } قال: في التوراة تسبح له الجبال ويسبح له الشجر، ويسبح له كذا ويسبح له كذا. وأخرج أحمد، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: صلى داود ليلة حتى أصبح، فلما أصبح وجد في نفسه سروراً، فنادته ضفدعة: يا داود، كنت أدأب منك قد أغفيت إغفاء. وأخرج البيهقي في الشعب عن صدقة بن يسار قال: كان داود في محرابه فأبصر دودة صغيرة ففكر في خلقها وقال: ما يعبأ الله بخلق هذه، فأنطقها الله فقالت: يا داود، أتعجبك نفسك، لأنا على قدر ما آتاني الله أذكر لله وأشكر له منك على ما آتاك الله، قال الله: {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ }. وفي الباب أحاديث وروايات عن السلف فيها التصريح بتسبيح جميع المخلوقات. وأخرج أبو يعلى، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن أسماء بنت أبي بكر قال: لما نزلت {أية : تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } تفسير : [المسد: 1] أقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة، وفي يدها فهر وهي تقول:شعر : مذمماً أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا تفسير : ورسول الله جالس وأبو بكر إلى جنبه، فقال أبو بكر: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال: إنها لن تراني، وقرأ قرآناً اعتصم به كما قال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا } فجاءت حتى قامت على أبي بكر فلم ترَ النبيّ فقالت: يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني، فقال أبو بكر: لا وربّ هذا البيت ما هجاك، فانصرفت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها، وقد رويت هذه القصة بألفاظ مختلفة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا } قال: الحجاب المستور: أكنة على قلوبهم أن يفقهوه وأن ينتفعوا به، أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في الآية قال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على المشركين بمكة سمعوا قراءته ولا يرونه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُوراً } قال: الشياطين. وأخرج ابن مردويه عنه في قوله: {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } قال: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قل لو كان مََعَهُ آلهةٌ كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} فيه وجهان: أحدهما: لطلبوا إليه طريقاً يتصلون به لأنهم شركاء؛ قاله سعيد بن جبير. الثاني: ليتقربوا إليه لأنهم دونه، قاله قتادة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {كَمَا يَقُولُونَ}: الكافُ في موضع نصبٍ، وفيها وجهان: أحدهما: أنها متعلقة بما تعلَّقت به "مع" من الاستقرار، قاله الحوفيُّ. والثاني: أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: كوناً كقولكم؛ قاله أبو البقاء. وقرأ ابن كثير وحفص "يقولون" بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق، وكذا قوله بعد هذا {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ} [الإسراء: 43]، قرأه بالخطاب الأخوان، والباقون بالغيبة فتحصَّل من مجموع الأمر؛ أنَّ ابن كثير وحفصاً يقرآنهما بالغيبة، وأن الأخوين قرءوا بالخطاب فيهما، وأن الباقين قرءوا بالغيبة في الأول، وبالخطاب في الثاني. فوجه قراءة الغيب فيهما أنه: حمل الأوَّل على قوله: {أية : وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} تفسير : [الإسراء: 41]، وحمل الثاني عليه، ووجه الخطاب فيهما: أنه حمل الأوَّل على معنى: قل لهم يا محمد لو كان معه آلهةٌ كما تقولون، وحمل الثاني عليه. ووجه الغيب في الأول: أنه حمله على قوله "ومَا يَزِيدهُمْ" والثاني التفت فيه إلى خطابهم. قوله: "إذَنْ" حرف جوابٍ وجزاءٍ، قال الزمخشريُّ: وإذن دالَّة على أنَّ ما بعدها، وهو "لابتَغَوا" جواب لمقالةِ المشركين، وجزاءٌ لـ "لَوْ". وأدغم أبو عمرٍو الشين في السين، واستضعفها النحاة؛ لقوَّة الشَّين. فصل في معنى الآية المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: {لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ} لطلبوا - يعني الآلهة - {إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} بالمغالبة والقهر؛ ليزيلوا ملكه؛ كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض، وهذا يرجع إلى دليل التمانع، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - عند قوله - عزَّ وجلَّ - في سورة الأنبياء - صلوات الله عليهم - {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22] وقيل: المعنى: لطلبوا - يعني الآلهة - {إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} بالتقرُّب إليه، لأنَّ الكفار كانوا يقولون: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3]. فقال تعالى: لو كانت هذه الأصنام تقربكم إلى الله زلفى، لطلبت لأنفسها أيضاً القرب إلى الله تعالى، فكيف يعقل أن تقربكم إلى الله، ثم نزَّه نفسه فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً}. قوله تعالى: {وَتَعَالَىٰ}: عطف على ما تضمَّنه المصدر، تقديره: تنزَّه وتعالى. و "عن" متعلقة به، أو بـ "سبحان" على الإعمال لأنَّ "عَنْ" تعلقت به في قوله {أية : سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} تفسير : [الصافات: 180] و "عُلُوًّا" مصدر واقع موقع التعالي؛ لأنَّه كان يجب أن يقال: تعالياً كبيراً، فهو على غير المصدر كقوله: {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17] [في كونه على غير الصدر]. والتَّسبيحُ عبارة عن تنزيه الله تعالى عمَّا لا يليقُ به. والفائدة في وصف ذلك العلوِّ بالكبر: أن المنافاة بين ذاته وصفاته سبحانه وبين ثبوت الصَّاحبة، والولد، والشُّركاء، والأضداد، والأنداد، منافاة بلغت في القوَّة والكمال إلى حيث لا تعقل الزيادة عليها؛ لأنَّ المنافاة بين الواجب لذاته، والممكن لذاته، وبين القديم والمحدث، وبين الغنيِّ و المحتاج منافاة لا يعقل الزيادة عليها، فلهذا السبب وصف الله تعالى ذلك العلو بالكبر.
القشيري
تفسير : بيَّن أنه لو كان الصانعُ أكثرَ من واحدٍ لَجَرَى بينهم تَضَادٌ وتمانُعٌ، وصحَّ عند ذلك في صفتهم العجزُ، وذلك من سِمات المحدثات. ثم قال سبحانه - تنزيهاً له عن الشَّريك والظهير، والمعين والنظير.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} فى اظهار بطلان ذلك من جهة اخرى {لو كان معه} تعالى {آلهة كما يقولون} اى المشركون قاطبة والكاف فى محل النصب على اانها وقعت صفة لمصدر محذوف اى كونا مشابها لما يقولون والمراد بالمشابهة الموافقة والمطابقة {اذا}[آنكاه] {لابتغوا} اى طلبت تلك الآلهة {الى ذى العرش} [بسوى خداوند عرش] اى الى من له الملك والربوبية على الاطلاق {سبيلا} بالمغالبة والممانعة اى ليغالبوه ويقهروه ويدفعوا عن انفسهم العيب والعجز كما هو ديدن الملوك بعضهم مع بعض يشير الى ان الآلهة لا يخلوا امرهم من انهم كانوا اكبر منه او كانوا امثاله او كانوا ادون منه فان كانوا اكبر منه طلبوا طريقا الى ازعاج صاحب العرش ونزع الملك قهرا وغلبة ليكون لهم الملك لا له كما هو المعتاد من الملوك. فالآية اشارة الى برهان التمانع على تصويرها قياسا استثنائيا استثنى فيه نقيض التالى وان كانوا امثاله لم يرضوا بان يكون الملك واحد مثلهم وهم جماعة معزولون عن الملك فايضا نازعوه فى الملك وان كانوا ادون منه فالناقص لا يصلح للالهية اذا لا بتغوا الى ذى العرش الكامل فى الالهية سبيلا للخدمة والعبودية والقربة فالآية اشارة الى قياس اقترانى تصويره لو فرض معه آلهة لتقربوا اليه بالطاعة وكل من تقربوا اليه بها لا تكونون آلهة فما فرض آلهة لا يكون آلهة فلو مستعمل لمجرد الشرط لا للامتناع والمراد بالالهة ما هو من اولى العلم كعيسى وعزير والملائكة كذا فى التأويلات النجمية مع مزج من حواشى سعدى المفتى.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {قلْ} يا محمد: {لو كان معه} في الوجود {آلهةٌ} تستحق أن تُعبد، {كما تقولون} أيها المشركون، أو كما يقول المشركون أيها الرسول، {إِذًا لابتَغَوا}؛ لطلبوا {إلى ذي العرش سبيلاً}؛ طريقًا يقاتلونه. وهذا جواب عن مقالتهم الشنعاء. والمعنى: لطلبوا إلى من هو ملك الملك طريقًا بالمعاداة، كما تفعل الملوك بعضهم مع بعض. وهذا كقوله: {أية : إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [المؤمنون: 91]. وقيل: لابتغوا إليه سبيلاً بالتقرب إليه والطاعة؛ لعلمهم بقدرته، وتحققهم بعجزهم، كقوله: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} تفسير : [الإسرَاء: 57]. ثم نزّه نفسه عن ذلك فقال: {سبحانه}؛ تنزيهًا له {وتعالى}؛ ترافع {عمّا يقولون} من الشركاء، {عُلوًا}؛ تعاليًا {كبيرًا} لا غاية وراءه. كيف لا؛ وهو تعالى في أقصى غاية الوجود! وهو الوجوب الذاتي، وما يقولونه؛ من أنَّ له تعالى شركاء وأولادًا، في أبعد مراتب العدم، أعني: الامتناع؛ لأنه من خواص المحدثات الفانية. {يسبح له السماواتُ السبعُ} أي: تنزهه، {والأرضُ ومَن فيهن} كلها تدل على تنزيهه عن الشريك والولد، {وإِنْ من شيء إِلا يُسبح بحمده}؛ ينزهه عما هو من لوازم الإمكان، وتوابع الحدوث، بلسان الحال، حيث تدل بإمكانها وحدوثها على الصانع القديم، الواجب لذاته. قاله البيضاوي. وظاهره: أن تسبيح الأشياء حَالِيُّ لا مقالي، والراجح أنه مقالي. ثم مع كونه مقالياً لا يختص بقول مخصوص، كما قال الجلال السيوطي، أي: تقول: سبحان الله وبحمده. بل كل أحد يُسبح بما يناسب حاله. وإلى هذا يرشد كلام أهل الكاشف، حتى ذكر الحاتمي: أن من لم يسمعها مختلفة التسبيح لم يسمعها، وإنما سمع الحالة الغالبة عليه. وورد في الحديث: "حديث : ما اصطيد حوت في البحر، ولا طائر يطير، إلاَّ بما ضيع من تسبيح الله تعالى"تفسير : . وفي الحديث أيضًا: "حديث : ما تطلع الشمس فيبقى خلق من خلق الله، إلا يسبح الله بحمده، إلا ما كان من الشيطان وأعتى بني آدم ". تفسير : ومذهب أهل السنة: عدم اشتراط البِنية للعلم والحياة، فيصح الخشوع من الجماد، والخشية لله والتسبيح منه له. وقد قال ابن حجر على حديث حنين الجذع: فيه دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكًا كالحيوان، بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لمن يحمل قوله: {وإِن من شيء إِلا يُسبح بحمده} على ظاهره. هـ. وقال ابن عطية: اختلف أهلُ العلم في هذا التسبيح؛ فقالت فرقة: هو تجوز، ومعناه: أن كل شيء تبدو فيه صفة الصانع الدالة عليه، فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر. وقالت فرقة: قوله: {من شيء}: لفظه عموم، ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات الميتة. فمن هذا قول عكرمة: الشجرة تُسبح، والاسطوانة لا تُسبح. قال يزيد الرقاشي للحسن - وهما في طعام، وقد قدّم الخِوان-: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يُسبح مدة. يريد أن الشجرة، في زمان نموها واغتذائها، تُسَبح. وقد صارت خوانًا أو نحوه، أي: صارت جمادًا. وقالت فرقة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء، على العموم، يُسبح تسبيحًا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون؛ من أنه أثر الصنعة، لكان أمرًا مفهومًا، والآية تنطق بأنه لا يُفقه، وينفصل عنه؛ بأن يريد بقوله: {لا تفقهون}: الكفار والغفلة، أي: أنهم يُعرضون عن الاعتبار؛ فلا يفقهون حكمة الله في الأشياء. هـ. قال شيخ شيوخنا؛ سيدي عبد الرحمن العارف: وربما يدل للعموم تسبيح الحصى في يده - عليه الصلاة والسلام -، وكذا حنين الجذع ومحبة أُحد، وكذا تسبيح الطعام. وأما التخصيص بالناميات؛ من نبات غير يابس، وحجر متصل بموضعه، فهو خصوص تسبيح بالاستمداد إلى الحياة، ولا ينتفي مطلق الاستمداد؛ لأن الجماد يستمد الوجود وبقاءه من الله، فهو عام، وقد قال تعالى: {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} تفسير : [سَبَأ: 10]، وتدبر حنين الجذع. هـ. وسيأتي في الإشارة بقية كلام عليه، وقال البيضاوي أيضًا في قوله: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أيها المشركون؛ لإخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم التسبيح. ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك من اللفظ والدلالة؛ لإسناده إلى ما يتصور منه اللفظ، وإلى ما لا يتصور منه، وعليهما، أي: ويحمل - عند من جوز إطلاق اللفظ على معنييه. هـ. {إِنه كان حليمًا}؛ حيث لم يُعاجلكم بالعقوبة، مع ما أنتم عليه من موجباتها؛ من الإعراض عن النظر في الدلائل الواضحة، الدالة على التوحيد، والانهماك في الكفر والإشراك، {غفورًا} لمن تاب منكم. وبالله التوفيق. الإشارة: كل ما دخل عالم التكوين من العرش إلى الفرش، أو ما قُدر وجوده من غيرهما؛ كله قائم بين حس ومعنى، بين عبودية وربوبية، بين قدرة وحكمة. فالحس محل العبودية، فيه تظهر قهرية الربوبية، والمعنى هو أسرار الربوبية القائمة بالأشياء، فالأشياء كلها تنادي بلسان معناها، وتقول: سبحانه ما أعظم شأنه، ولكن لا يفقه هذا التسبيح إلا من خاض بحار التوحيد، وغاص في أسرار التفريد. فالأشياء ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، قائمة من حيث حسها، ممحوة من حيث معناها، ولا وجود للحس من ذاته، وإنما هو رداء لكبرياء ذاته. وفي الحديث، في وصف أهل الجنة: "حديث : وليس بينهم وبين أن ينظروا إلى الرحمن إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن"تفسير : . فمن خرق حجاب الوهم، وفنى عن دائرة الحس في دار الدنيا، لم يحتجب الحق تعالى عنه في الدارين طرفة عين. فتحصل أن الأشياء كلها تُسبح من جهة معناها بلسان المقال، ومن جهة حسها بلسان الحال، وتسبيحها كما ذكرنا. ولا يذوق هذا إلا من صحب العارفين الكبار، حتى يخرجوه عن دائرة حس الأكوان إلى شهود المكون. وحسب من لم يصحبهم التسليم، كما قال القائل: شعر : إذا لَمْ تَرَ الْهِلاَلَ فَسَلِّمْ لأُناسٍ رَأَوْهُ بِالأبْصارِ تفسير : والله تعالى أعلم. وسبب عدم فقه التسبيح الأشياء غفلة القلوب وطبع الأكنة.
الجنابذي
تفسير : وضع الظّاهر موضع المضمر للاشعار ببرهان ابطال كون الالهة معه يعنى انّه مالك العرش والعرش جملة المخلوقات ومنها ما تفرضونها آلهة فكيف يكونون آلهة معه مع كونهم مملوكين له او انّه صاحب السّرير وصاحب السّرير عبارة عن صاحب الملك وانّكم تسلمون انّه صاحب السّرير والسّلطنة من غير منازعٍ فلو كان معه آلهة لابتغوا اليه سبيلاً بالمنازعة وما سلم له الملك، ولمّا كان الملك مسلّماً له فلا آلهة معه وقد فسّروا الآية بانّهم طلبوا التّقرّب الى ذى العرش واستشهدوا على ذلك بقوله اولئك الّذين يدعون يتبغون الى ذى العرش سبيلاً.
اطفيش
تفسير : {قُل} يا محمد للمشركين. {لَّوْ كَانَ مَعَهُ} أى مع الله. {آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ} بالتاء الفوقية خطاب للمشركين، أمر الله سبحانه وتعالى النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يخاطب به المشركين، وقرأ ابن كثير وحفص بالتحتية فى هذا وما بعده على أن الكلام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى أمر المشركين فى طريق غيبتهم لا خطابهم ومقتضى الظاهر الخطاب وعدل عنه تنزهاً عن مقالتهم، ووافقهما نافع وابن عامر وأبوه عمرو وأبو بكر ويعقوب فيما بعد، وهو قوله عما يقولون فقرأوه بالتحتية تنزها كذلك. {إِذاً} دالة على أن ما بعدها جواب عن قول المشركين أن مع الله آلهة وجزاء للو {لاَّبْتَغَوْا} طلبوا {إِلىَ ذِى الْعَرْشِ} الجسم العظيم المحيط بالمخلوقات أو جسم لو ألقيت فيه السماوات والأَراضى والكرسى لكانت كحلقة فى فلاة أو العرش كناية عن الملك أى لا تبغوا إِلى مالك الملك {سَبِيلاً} بالمبالغة والمضادة كما يقع بين الملوك من المحاربة على الملك هذا تفسير سعيد بن جبير وغيره إِذ قال: لا تبغوا إِليه سبيلا فى إِفساد ملكه ومضاهاته فى قدرته، قال إِمام الحرمين أبو المعالى صاحب الورقات: لو كان مع الله سبحانه وتعالى آلهة لأَراد أحدهما تسكين جسم والآخر تحريكه فى حال واحد. ومحال أن يكون متحركاً ساكنا فى حال واحدة وأن يكون لا متحركاً ولا ساكنا فاستحال إِنفاذ الإِرادتين وعدم إنفاذهما معاً فإِن لم تنفذا معا فليسا بإِلهين وإِن لم تنفذ إِرادة أحدهما فليس بإِله، وإِن فرضنا أن يتفقا فاختلافهما جائز والجائز فى حكم الواقع ولو كان الإِلهان لم يمتنع ثلاثة وأكثر إِلى ما لا نهاية له وعلى ذلك التفسير تكون الآية جارية على قوله تعالى: {أية : لو كان فيهما آلهة إِلا الله لفسدتا} تفسير : وقيل المعنى لطلبوا إِلى الله جل جلاله سبيلا بالتقرب إِليه والطاعة لعلمهم بقدرته وعجزهم فتكون جارية على حد قوله جل وعلا: أُولئك الذين يدعون يبتغون إِلى ربهم الوسيلة. قال بعض أهل الأَندلس: شعر : وهل فى التى طاعوا لها وتعبدوا لأمرك عاص أو لحقك جاحد
اطفيش
تفسير : {قُلْ} للمشركين {لَوْ كَانَ مَعَهُ} أى مع ربكم فى استحقاق العبادة {آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَبْتَغَوْا} أى الآلهة، ذكرها بالواو لأنها عندهم كالذكور العقلاء، ولو سموا بعضاً باسم الإناث كاللات، والعزى، ومناة؛ والمعنى لطلبوا وتكلفوا. {إِلَى ذِى الْعَرْشِ} الملك أو ذى الجسم العظيم المسمى بالعرش متعلق بابتغوا، لتضمنه معنى التوجه والقصد، أو متعلق بحال محذوفة جوازاً من قوله: {سَبِيلاً} أصلها نعت أى سبيلاً موصلة إلى ذى العرش، وذلك بطريق المغالبة كما فعل الملوك بعض مع بعض، وذلك من برهان التمانع كقوله تعالى: "أية : لو كان فيهما آلهة.."تفسير : [الأنبياء: 22] إلخ، والملازمة قطعية عادية، ولو امتناعية، والقياس استثنائى، استثنى فيه نقيض التالى لينتج نقيض المقدم المطلوب، أو بطريق الإذعان إلى الله، وعجزهم عنه كقوله تعالى: "أية : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة"تفسير : [الإسراء: 57] كعيسى وعزير والملائكة وهذا مناقض للألوهية، لأن المستكمل محتاج، فلا يكون إلهًا، والقياس اقترابى مركب من مقدمة شرطية اتفاقية وحملية، هكذا لو كان معه آلهة لتقربوا إليه تعالى، وكل من يتقرب إلى غيره ليس إلها، فليسوا بآلهة، فلو شرطية لا امتناعية، والأول أولى لقوله: {سُبْحَانَهُ} لأنه تنزيه عن محذور يرتكبونه، وأما التقرب فلا يختص بهذا التقدير، وليس باللزوم بل اعتقدوه ألبتة، والعامل هنا ماض أى تنزه عن ذلك بدليل قوله: {وَتَعَالَى} بعُد بُعداً عظيمًا عما يقولون كما قال: {عَمَّا يَقُولُونَ عُلوًّا} ناب عن تعالياً {كَبِيرًا} لأنه واجب الوجود والبقاء، مالك الملك كله، واتخاذ الولد احتياج وموجب للفناء، وكل ما يلد يفنى، والفناء موجب لحدوث سابق متقدم عنه العدم.
الالوسي
تفسير : {قُلْ} في إظهار بطلان ذلك من جهة أخرى {لَّوْ كَانَ مَعَهُ} سبحانه وتعالى في الوجود {ءالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ} أي المشركون قاطبة. وقرأ حمزة والكسائي وخلف بالتاء ثالث الحروف خطاباً لهم والأمران في مثل هذا المقام شائعان، وذلك أنه إذا أمر أحد بتبليغ كلام لأحد فالمبلغ له في حال تكلم الآمر غائب ويصير مخاطباً عند التبليغ فإذا لوحظ الأول حقه الغيبة وإذا لوحظ الثاني حقه الخطاب وكذا قرؤا فيما بعد. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم هنا بالتاء وهناك بالياء آخر الحروف على أنه تنزيه منه سبحانه لنفسه ابتداءً من غير أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله لهم. والكاف في محل النصب على أنها نعت لمصدر محذوف أي كوناً مشابهاً لما يقولون والمراد بالمشابهة على ما قيل الموافقة والمطابقة. {إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ} جواب عن قولهم إن مع الله سبحانه آلهة وجزاء للوأى لطلب الآلهة {إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ} أي إلى من له الملك والربوبية على الإطلاق {سَبِيلاً} بالمغالبة والممانعة كما اطردت العادة بين الملوك، وهي إشارة إلى برهان التمانع كقوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22] وذلك بتصوير قياس استثنائي استثني فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدم المطلوب، وسيأتي إن شاء الله تعالى تقريره في محله، وإلى هذا ذهب سعيد بن جبير كما أخرجه عنه ابن أبـي حاتم. وعن مجاهد وقتادة أن المعنى إذاً لطلبوا الزلفى إليه تعالى والتقرب بالطاعة لعلمهم بعلوه سبحانه عليهم وعظمته وهذا كقوله تعالى: {أية : أُولَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ } تفسير : [الإسراء: 57] وهو إشارة إلى قياس اقتراني هكذا لو كان كما زعمتم آلهة لتقربوا إليه تعالى وكل من كان كذلك ليس إلٰهاً فهم ليسوا بآلهة. قيل و {لَوْ} على الأول امتناعية وعلى هذا شرطية، والقياس مركب من مقدمتين شرطية اتفاقية وحملية.
ابن عاشور
تفسير : عود إلى إبطال تعدد الآلهة زيادة في استئصال عقائد المشركين من عروقها، فالجملة استئناف ابتدائي بعد جملة {أية : ولا تجعل مع اللَّه إلٰهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً}تفسير : [الإسراء: 39]. والمخاطب بالأمر بالقول هو النبي لدمغهم بالحجة المقنعة بفساد قولهم. وللاهتمام بها افتتحت ب قل} تخصيصاً لهذا بالتبليغ وإن كان جميع القرآن مأموراً بتبليغه. وجملة {كما تقولون} معترضة للتنبيه على أن تعدد الآلهة لا تحقق له وإنما هو مجرد قول عار عن المطابقة لما في نفس الأمر. وابتغاء السبيل: طلب طريق الوصول إلى الشيء، أي توخيه والاجتهاد لإصابته، وهو هنا مجاز في توخي وسيلة الشيء. وقد جاء في حديث موسى والخضر ــــ عليهما السلام ــــ أن موسى سأل السبيل إلى لُقيا الخضر. و (إذن) دالة على الجواب والجزاء فهي مؤكدة لمعنى الجواب الذي تدل عليه اللام المقترنة بجواب (لو) الامتناعية الدالة على امتناع حصول جوابها لأجل امتناع وقوع شرطها، وزائدة بأنها تفيد أن الجواب جزاء عن الكلام المجاب. فالمقصود الاستدلال على انتفاء إلهية الأصنام والملائكة الذين جعلوهم آلهة. وهذا الاستدلال يحتمل معنيين مآلهما واحد: والمعنى الأول: أن يكون المراد بالسبيل سبيل السعي إلى الغلبة والقهر، أي لطلبوا مغالبة ذي العرش وهو الله تعالى. وهذا كقوله تعالى: {أية : وما كان معه من إلٰه إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض}تفسير : [المؤمنون: 91]. ووجه الملازمة التي بني عليها الدليل أن من شأن أهل السلطان في العرف والعادة أن يتطلبوا توسعة سلطانهم ويسعى بعضهم إلى بعض بالغزو ويتألّبُوا على السلطان الأعظم ليسلبوه ملكه أو بَعضه، وقديماً ما ثارت الأمراء والسلاطين على ملك الملوك وسلبوه ملكه فلو كان مع الله آلهة لسلكوا عادة أمثالهم. وتمام الدليل محذوف للإيجاز يدل عليه ما يستلزمه ابتغاءُ السبيل على هذا المعنى من التدافع والتغالب اللازمين عرفاً لحالة طلب سبيل النزول بالقرية أو الحَي لقصد الغزو. وذلك المفضي إلى اختلال العالم لاشتغال مدبريه بالمقاتلة والمدافعة على نحو ما يوجد في ميثلوجيا اليونان من تغالب الأرباب وكَيد بعضهم لبعض، فيكون هذا في معنى قوله تعالى: {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا }تفسير : [الأنبياء: 22]. وهو الدليل المسمى ببرهان التمانع في علم أصول الدين، فالسبيل على هذا المعنى مجاز عن التمكن والظفر بالمطلوب. والابتغاء على هذا ابتغاء عن عداوة وكراهة. وقوله: {كما تقولون} على هذا الوجه تنبيه على خطئهم، وهو من استعمال الموصول في التنبيه على الخطأ. والمعنى الثاني: أن يكون المراد بالسبيل سبيل الوصول إلى ذي العرش، وهو الله تعالى، وصول الخضوع والاستعطاف والتقرب، أي لطلبوا ما يوصلهم إلى مرضاته كقوله: {أية : يبتغون إلى ربهم الوسيلة} تفسير : [الإسراء: 57]. ووجه الاستدلال أنكم جعلتموهم آلهة وقلتم ما نعبدهم إلا ليكونوا شفعاءنا عند الله، فلو كانوا آلهة كما وصفتم إلهيتهم لكانوا لا غنى لهم عن الخضوع إلى الله، وذلك كاف لكم بفساد قولكم، إذ الإلهية تقتضي عدم الاحتياج فكان مآل قولكم إنهم عباد لله مكرمون عنده، وهذا كاف في تفطنكم لفساد القول بإلهيتهم. والابتغاء على هذا ابتغاء محبة ورغبة، كقوله:{أية : فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا}تفسير : [المزمّل: 19]. وقريب من معناه قوله تعالى: {أية : وقالوا اتخذ الرحمٰن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون} تفسير : [الأنبياء: 26]، فالسبيل على هذا المعنى مجاز عن التوسل إليه والسعي إلى مرضاته. وقوله: {كما تقولون} على هذا المعنى تقييد للكون في قوله: {لو كان معه آلهة} أي لو كان معه آلهة حال كونهم كما تقولون، أي كما تصفون إلهيتهم من قولكم: {أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله}تفسير : [يونس: 18]. واستحضار الذات العلية بوصف {ذي العرش} دون اسمه العَلم لما تتضمنه الإضافة إلى العرش من الشأن الجليل الذي هو مثار حسد الآلهة إياه وطمعهم في انتزاع ملكه على المعنى الأول، أو الذي هو مطمع الآلهة الابتغاء من سعة ما عنده على المعنى الثاني. وقرأ الجمهور {كما تقولون} بتاء الخطاب على الغالب في حكاية القول المأمور بتبليغه أن يحكى كما يقول المبلغ حين إبلاغه. وقرأه ابن كثير وحفص ــــ بياء الغيبة ــــ على الوجه الآخر في حكاية القول المأمور بإبلاغه للغير أن يحكى بالمعنى. لأن في حال خطاب الآمر المأمور بالتبليغ يكون المبلغ له غائباً وإنما يصير مخاطباً عند التبليغ فإذا لوحظ حاله هذا عبر عنه بطريق الغيبة كما قرىء قوله تعالى: {أية : قل للذين كفروا ستغلبون}تفسير : [آل عمران: 12] بالتاء وبالياء أو على أن قوله: {كما يقولون} اعتراض بين شرط (لو) وجوابه.
د. أسعد حومد
تفسير : {آلِهَةٌ} (42) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الشُّفَعَاءَ وَالأَنْدَادَ، فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ للهِ شُرَكَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، العَابِدِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِيُقَرِّبَهُمْ إِلَيْهِ زُلْفَى: لَوْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ، وَأَنَّ مَعَ اللهِ آلهةً أُخْرَى تُعْبَدُ لِتُقَرِّبَ إِليْهِ، وَلِتَشْفَعَ عِنْدَهُ، لَكَانَ أُولئِكَ المَعْبُودُونَ يَعْبدُونَهُ، وَيَتَقَرَّبونَ إِلَيْهِ، وَيَبْتَغُونَ إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ وَالقُرْبَةَ، فَاعْبُدُوهُ أَنْتُمْ وَحْدَهُ، كَمَا يَعْبُدُهُ مَنْ دُوْنَهُ، وَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ إِلى مَعْبُودٍ يَكُونُ وَسِيطاً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، فَاللهُ لاَ يُحِبُّ ذلِكَ. (وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: لَطَلَبَ هؤلاءِ الآلِهَةُ طَريقاً يَصِلُونَ مَعَهُ إِلى صَاحِبِ المُلْكِ المُطْلَقِ لِيُنَازِعُوهُ عَلَيْهِ). لابْتَغَوْا - لَطَلَبُوا. سَبيلاً - بِالمُطَالَبَةِ وَالمُمَانَعَةِ أَوْ بِالتَّقَرُّبِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: لو كان مع الله آلهة أخرى لَطلبتْ هذه الآلهةُ طريقاً إلى ذي العرش. وقد عالج الحق تبارك وتعالى هذه القضية في قوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [آل عمران: 18]. وهذه قضية: إما أنْ تكونَ صادقة، وإما أن تكون غير ذلك. فإنْ كانت صادقة فقد انتهتْ المسألة، وإنْ كانت غير صادقة، وهناك إله ثانٍ، فأين هو؟ لماذا لم نسمع به؟ فإنْ كان موجوداً، ولا يدري - أو كان يدري بهذه القضية - ولكنه تقاعس عن المواجهة ولم يعارض، ففي كل الأحوال لا يستحق أن يكون إلهاً. إذن: ما دام أن الله تعالى شهد لنفسه بالوحدانية، ولم يَقُمْ له معارض فقد سَلِمتْ له هذه الدعوى. وكلمة {ذِي ٱلْعَرْشِ} لا تُقَال إلا لمَنْ استتبَّ له الأمر بعد عِرَاك وقتال، فيُصنع له كرسي أو سرير يجلس عليه. ابتغاء الطريق إلى ذي العرش، إما ليواجهوه ويوقفوه عند حده ويبطلوا دعوته، فإن غلبوا فقد انتهت المسألة، وإن غُلبوا فعلى الأقل يذهب كل إله بما خلق كما قال تعالى: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..}تفسير : [المؤمنون: 91]. أو: يبتغون إليه سبيلاً، ليكونوا من خَلْقه ومن عبيده؛ لذلك يقول الحق سبحانه في موضع آخر: {أية : لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ..}تفسير : [النساء: 172]. ويقول: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ..}تفسير : [الإسراء: 57]. فهؤلاء الذين أشركتموهم مع الله فقُلْتم: المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، والملائكة بنات الله، كُلُّ هؤلاء فقراء إلى الله يبتغون إليه الوسيلة، حتى أقربهم إلى الله وهم الملائكة يبتغون إلى الله الوسيلة فغيرهم - إذن - أَوْلَى. وينزِّه الحق سبحانه نفسه، فيقول: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1570- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً}: [الآية: 42]، قال: لا بتغوا التقربَ إليه، مع أنه ليس كما يقولون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):