Verse. 2073 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

تُـسَبِّحُ لَہُ السَّمٰوٰتُ السَّـبْعُ وَالْاَرْضُ وَمَنْ فِيْہِنَّ۝۰ۭ وَاِنْ مِّنْ شَيْءٍ اِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِہٖ وَلٰكِنْ لَّا تَفْقَہُوْنَ تَسْبِيْحَہُمْ۝۰ۭ اِنَّہٗ كَانَ حَلِــيْمًا غَفُوْرًا۝۴۴
Tusabbihu lahu alssamawatu alssabAAu waalardu waman feehinna wain min shayin illa yusabbihu bihamdihi walakin la tafqahoona tasbeehahum innahu kana haleeman ghafooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تسبح له» تنزهه «السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن» ما «من شيء» من المخلوقات «إلا يسبح» متلبسا «بحمده» أي يقول سبحان الله وبحمده «ولكن لا تفقهون» تفهمون «تسبيحهم» لأنه ليس بلغتكم «إنه كان حليما غفورا» حيث لم يعاجلكم بالعقوبة.

44

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} أعاد على السموات والأرض ضمير من يعقل، لما أسند إليها فعل العاقل وهو التسبيح. وقوله: {وَمَن فِيهِنَّ} يريد الملائكة والإنس والجن، ثم عمّ بعد ذلك الأشياء كلّها في قوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ}. واختلف في هذا العموم، هل هو مخصّص أم لا؛ فقالت فرقة: ليس مخصوصاً والمراد به تسبيح الدلالة، وكل محدَث يشهد على نفسه بأن الله عز وجل خالق قادر. وقالت طائفة: هذا التسبيح حقيقة، وكلّ شيء على العموم يسبّح تسبيحاً لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان ما قاله الأوّلون من أنه أثر الصنعة والدلالة لكان أمراً مفهوماً، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يُفقه. وأجيبوا بأن المراد بقوله: «لا تفقهون» الكفارُ الذين يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله سبحانه وتعالى في الأشياء. وقالت فرقة: قوله: «مِنْ شَيْءٍ» عموم، ومعناه الخصوص في كل حَيٍّ ونامٍ، وليس ذلك في الجمادات. ومن هذا قول عكرمة: الشجرة تسبح والأسطوان لا يسبّح. وقال يزيد الرِّقَاشِيّ للحسن وهما في طعام وقد قُدِّم الخِوان: أيسبّح هذا الخِوان يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يسبح مرّة؛ يريد أن الشجرة في زمن ثمرها واعتدالها كانت تسبّح، وأما الآن فقد صار خِواناً مدهوناً. قلت: ويستدلّ لهذا القول من السُّنّة بما ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مَرّ على قبرين فقال: إنهما لَيُعَذَّبان وما يُعَذَّبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنَّميمة وأما الآخر فكان لا يستبرىء من البول قال: فدعا بِعَسيب رَطْب فشقّه ٱثنين، ثم غرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال: لعلّه يخفّف عنهما ما لم يَيْبَسَا»تفسير : . فقوله عليه الصلاة والسلام. «حديث : ما لم ييبسا» تفسير : إشارة إلى أنهما ما داما رطبين يسبّحان، فإذا يبسا صارا جماداً. والله أعلم. وفي مسند أبي داود الطّيالسي: حديث : فوضع على أحدهما نصفا وعلى الآخر نصفاً وقال: «لعله أن يهوّن عليهما العذاب ما دام فيهما من بلولتهما شيء»تفسير : . قال علماؤنا: ويستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرآن على القبور، وإذا خُفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن. وقد بينا هذا المعنى في (كتاب التذكرة) بياناً شافياً، وأنه يصل إلى الميت ثواب ما يُهْدَى إليه. والحمد لله على ذلك. وعلى التأويل الثاني لا يحتاج إلى ذلك؛ فإن كل شيء من الجماد وغيره يسبح. قلت: ويستدلّ لهذا التأويل وهذا القول من الكتاب بقوله سبحانه وتعالى: {أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} تفسير : [صۤ: 17-18]، وقوله: {أية : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 74] ـ على قول مجاهد ـ، وقوله: {أية : وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} تفسير : [مريم: 90-91]. وذكر ابن المبارك في (دقائقه) أخبرنا مِسعر عن عبد الله بن واصل عن عوف بن عبد الله قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن الجبل يقول للجبل: يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكرٌ لله عز وجل؟ فإن قال نعم سُرّ به. ثم قرأ عبد الله {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} الآية. قال: أفتراهن يسمعن الزور ولا يسمعن الخير. وفيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما من صباح ولا رواح إلا تنادي بقاع الأرض بعضها بعضاً: يا جاراه، هل مَرّ بك اليوم عبد فصلى لله أو ذكر اللَّهَ عليك؟ فمِن قائلة لا، ومن قائلة نعم، فإذا قالت نعم رأت لها بذلك فضلاً عليها. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يَسمع صوتَ المؤذن جِنٌّ ولا إنس ولا شجر ولا حَجَر ولا مَدَر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة»تفسير : . رواه ابن ماجه في سننه، ومالك في موطّئه من حديث أبي سعيد الخُدْريّ رضي الله عنه. وخرّج البخاريّ عن عبد الله رضي الله عنه قال: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. في غير هذه الرواية عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كنا نأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطعام ونحن نسمع تسبيحه. وفي صحيح مسلم عن جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن»تفسير : . قيل: إنه الحجر الأسود، والله أعلم. والأخبار في هذا المعنى كثيرة؛ وقد أتينا على جملة منها في اللّمع اللؤلؤية في شرح العشرنيات النبوية للفاداري رحمه الله، وخبر الجذع أيضاً مشهور في هذا الباب خرّجه البخاري في مواضع من كتابه. وإذا ثبت ذلك في جماد واحد جاز في جميع الجمادات، ولا ٱستحالة في شيء من ذلك؛ فكل شيء يسبح للعموم. وكذا قال النَّخَعِيّ وغيره: هو عام فيما فيه روح وفيما لا روح فيه حتى صرِير الباب. واحتجّوا بالأخبار التي ذكرنا. وقيل: تسبيح الجمادات أنها تدعو الناظر إليها إلى أن يقول: سبحان الله! لعدم الإدراك منها. وقال الشاعر:شعر : تُلْقَى بتسبيحة من حيث ما انصرفت وتَستقر حَشَا الرائي بتَرْعَادِ تفسير : أي يقول من رآها: سبحانَ خالِقها. فالصحيح أن الكل يسبّح للأخبار الدالة على ذلك ولو كان ذلك التسبيح تسبيح دلالة فأيّ تخصيص لداود، وإنما ذلك تسبيح المقال بخلق الحياة والإنطاق بالتسبيح كما ذكرنا. وقد نصّت السنة على ما دل عليه ظاهر القرآن من تسبيح كل شيء فالقول به أوْلى. والله أعلم. وقرأ الحسن وأبو عمرو ويعقوب وحفص وحمزة والكسائي وخَلَف «تفقهون» بالتاء لتأنيث الفاعل. الباقون بالياء، واختاره أبو عبيد، قال: للحائل بين الفعل والتأنيث. {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً} عن ذنوب عباده في الدنيا. {غَفُوراً} للمؤمنين في الآخرة.

البيضاوي

تفسير : {تُسَبّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ} ينزهه عما هو من لوازم الإِمكان وتوابع الحدوث بلسان الحال حيث تدل بإمكانها وحدوثها على الصانع القديم الواجب لذاته. {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } أيها المشركون لإِخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم تسبيحهم، ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك بين اللفظ والدلالة لإسناده إلى ما يتصور منه اللفظ وإلى ما لا يتصور منه وعليهما عند من جوز إطلاق اللفظ على معنييه. وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وأبو بكر «يسبح» بالياء. {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا} حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وشرككم. {غَفُوراً} لمن تاب منكم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن، أي: من المخلوفات، وتنزهه وتعظمه وتبجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته: شعر : فَفي كُلِّ شَيْءٍ لهُ آيَةٌ تَدُلُّ على أَنَّهُ واحدُ تفسير : كما قال تعالى: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً } تفسير : [مريم: 90 - 91] وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مسكين بن ميمون مؤذن مسجد الرملة، حدثنا عروة بن رويم عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى، كان بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فطارا حتى بلغ السموات السبع. فلما رجع قال: «حديث : سمعت تسبيحاً في السموات العلى مع تسبيح كثير سبحت السموات العلى، من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا، سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى».تفسير : وقوله: {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس، لأنها بخلاف لغاتكم، وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في "صحيح البخاري" عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وفي حديث أبي ذر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ في يده حصيات، فسمع لهن تسبيح كحنين النحل، وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وهو حديث مشهور في المسانيد. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان عن سهل بن معاذ عن ابن أنس، عن أبيه رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم: «حديث : اركبوها سالمة، ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكراً لله منه».تفسير : وفي "سنن النسائي" عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال: «حديث : نقيقها تسبيح»تفسير : . وقال قتادة عن عبد الله بن أبي عن عبد الله بن عمرو: أن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله من أحد عملاً حتى يقولها، وإذا قال: الحمد لله، فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد قط حتى يقولها، وإذا قال: الله أكبر، فهي تملأ ما بين السماء والأرض، وإذا قال: سبحان الله، فهي صلاة الخلائق التي لم يدع الله أحداً من خلقه إلا قرره بالصلاة والتسبيح. وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: أسلم عبدي واستسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت الصَّقْعَبَ بن زهير يحدث عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي عليه جبة من طيالسة مكفوفة بديباج، أو مزورة بديباج، فقال: إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل راع ابن راع، ويضع كل رأس ابن رأس، فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم مغضباً، فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه فقال: «حديث : لا أرى عليك ثياب من لا يعقل» تفسير : ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس، فقال: «حديث : إن نوحاً عليه السلام لما حضرته الوفاة، دعا ابنيه فقال: إني قاص عليكما الوصية: آمركما باثنتين، وأنهاكما عن اثنتين، أنهاكما عن الشرك بالله والكبر، وآمركما بلا إله إلا الله؛ فإن السموات والأرض وما فيهما لو وضعت في كفة الميزان، ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، كانت أرجح، ولو أن السموات والأرض كانتا حلقة، فوضعت لا إله إلا الله عليهما، لقصمتهما، أو لفصمتهما، وآمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء» تفسير : ورواه الإمام أحمد أيضاً عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن الصَّقْعَبَ بن زهير به أطول من هذا، وتفرد به. وقال ابن جرير: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا محمد بن يعلى عن موسى بن عبيدة عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً عليه السلام قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول: سبحان الله، فإنها صلاة الخلق وتسبيح الخلق، وبها يزرق الخلق» تفسير : قال الله تعالى: {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} إسناده فيه ضعف، فإن الربذي ضعيف عند الأكثرين. وقال عكرمة في قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} قال: الأسطوانة تسبح، والشجرة تسبح - الأسطوانة: السارية - وقال بعض السلف: صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه، قال الله تعالى: {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} وقال سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: الطعام يسبح، ويشهد لهذا القول آية السجدة في الحج، وقال آخرون: إنما يسبح ما كان فيه روح، يعنون من حيوان ونبات. قال قتادة في قوله: {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} قال: كل شيء فيه روح يسبح من شجر أو شيء فيه، وقال الحسن والضحاك في قوله: {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} قالا: كل شيء فيه الروح. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا يحيى بن واضح وزيد بن حباب، قالا: حدثنا جرير أبو الخطاب، قال: كنا مع يزيد الرقاشي ومعه الحسن، في طعام، فقدموا الخوان، فقال يزيد الرقاشي: يا أبا سعد يسبح هذا الخوان؟ فقال: كان يسبح مرة - قلت: الخوان هو المائدة من الخشب - فكأن الحسن رحمه الله، ذهب إلى أنه لما كان حياً فيه خضرة كان يسبح، فلما قطع وصار خشبة يابسة انقطع تسبيحه، وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: «حديث : إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» تفسير : ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، ثم قال: «حديث : لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» تفسير : أخرجاه في "الصحيحين"، قال بعض من تكلم على هذ الحديث من العلماء: إنما قال: ما لم ييبسا؛ لأنهما يسبحان ما دام فيهما خضرة، فإذا يبسا انقطع تسبيحهما، والله أعلم. وقوله: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} أي: لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده، أخذه أخذ عزيز مقتدر، كما جاء في "الصحيحين": «حديث : إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»تفسير : ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ} تفسير : الآية [هود: 102]، وقال تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ} تفسير : الآية [الحج: 48]، وقال: {أية : فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ} تفسير : الآيتين [الحج: 45]، ومن أقلع عما هو فيه من كفر أو عصيان، ورجع إلى الله وتاب إليه تاب عليه، كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ} تفسير : الآية [النساء: 110]، وقال ههنا: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} كما قال في آخر فاطر: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } تفسير : [فاطر: 41] إلى أن قال: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ} تفسير : [فاطر: 45] إلى آخر السورة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تُسَبِّحُ لَهُ } تنزهه {ٱلسَّمَٰوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن } ما {مِن شَىْءٍ } من المخلوقات {إِلاَّ يُسَبِّحُ } ملتبساً {بِحَمْدِهِ } أي يقول سبحان الله وبحمده {وَلَٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ } تفهمون {تَسْبِيحَهُمْ } لأنه ليس بلغتكم {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } حيث لم يعاجلكم بالعقوبة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وإن من شيءٍ إلاّ يُسَبِّحُ بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: وإن من شيء من الأحياء الا يسبح بحمده، فأما ما ليس بحي فلا، قاله الحسن. الثاني: إن جميع المخلوقات تسبح له من حي وغير حي حتى صرير الباب، قاله إبراهيم. الثالث: أن تسبيح ذلك ما يظهر فيه من لطيف صنعته وبديع قدرته الذي يعجز الخلق عن مثله فيوجب ذلك على من رآه تسبيح الله وتقديسه، كما قال الشاعر: شعر : تُلْقِي بِتَسْبِيحَةٍ مِنْ حَيْثُما انْصَرَفَتْ وتَسْتَقِرُّ حَشَا الرَّائِي بإِرْعَادِ كَأَنَّمَا خُلِقتْ مِن قِشْرِ لُؤْلُؤةٍ فَكُلُّ أَكْنَافِها وَجْهٌ لِمِرْصَادِ

ابن عبد السلام

تفسير : {وَإِن مِّن شَىْءٍ} حي إلا يسبح دون ما ليس بحي، أو كل شيء حي أو غيره حتى صرير الباب. أو تسبيحها ما ظهر فيها من آثار الصنعة وبديع القدرة فكل من رآه سبح وقدس.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {تُسَبِّحُ} قرأ أبو عمرو والأخوان، وحفص "تُسَبِّحُ" بالتاء، والباقون بالياء من تحت، وهما واضحتان؛ لأن التأنيث مجازي، ولوجود الفصل أيضاً بين الفعل والتأنيث. وقال ابن عطيَّة: "ثم أعاد على السَّموات والأرض ضمير من يعقل، لمَّا أسند إليها فعل العاقل، وهو التسبيح وهذا بناءً على أنَّ "هُنَّ" مختصٌّ بالعاقلات، وليس كما زعم، وهذا نظيرُ اعتذاره عن الإشارة بـ أولئك" في قوله "كُلُّ أولئكَ" وقد تقدَّم. وقرأ عبد الله والأعمش "سَبَّحَتْ" ماضياً بتاء التأنيث. فصل قال ابن عطيَّة: يقال: فَقِهَ، وفَقَهَ، وفَقُهُ؛ بكسر القاف، وفتحها، وضمها، فالكسر إذا فهم، وبالفتح إذا سبق غيره للفهم، وبالضمِّ إذا صار الفقه له سجيَّة، فيكون على وزن "فَعُلَ" بالضَّم؛ لأنَّه شأنُ أفعال السجايا الماضية نحو: ظَرُفَ فهو ظريفٌ، وشرُف فهو شريفٌ، وكرُم فهو كريم، واسم الفاعل من الأوليين فاعل؛ نحو: سَمِعَ، فهو سَامعٌ، وغلب فهو غالبٌ، ومن الثالث: فعيلٌ؛ فلذلك تقول فَقُهَ فهو فَقِيهٌ. فصل روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: وإن من شيء حيٍّ إلا يُسبح بحمدهِ. وقال قتادة - رضي الله عنه - يعني الحيوانات والنَّاميات. وقال عكرمةُ: الشجرة تسبِّح، والأسطوانة تسبِّح. وعن المقدام بن معدي كرب، قال: "إنَّ التُّرابَ يُسبِّح مَا لمْ يبْتَلَّ، فإذا ابتلَّ ترك التَّسبيحَ، وإنَّ الخرزة تُسبِّحُ، مَا لَمْ تُرفَعْ من موضعها، فإذا رفعتْ تركت التَّسبيح، وإنَّ الورقة تُسبِّح ما دامت على الشَّجرة، فإذا سقطت، تركت التَّسبيح، وإنَّ الماء يسبِّح ما دام جارياً، فإذا أركد، ترك التَّسبيح، وإنَّ الثوب يسبِّح ما دام جديداً، فإذا وسخ، ترك التسبيح، وإن الطير والوحش تسبِّح، إذا صاحتْ، فإذا سكنت، تركت التَّسبيح". وقال إبراهيم النخعيُّ: وإن من شيءٍ جمادٍ وحيٍّ إلا يسبِّح بحمده، حتَّى صرير الباب، ونقيض السقف. وقال مجاهدٌ: كل الأشياء تسبِّح لله، حيًّا كان أو ميتاً، أو جماداً، وتسبيحها: سبحان الله وبحمده. قال أهلُ المعاني: تسبيحُ الحيِّ المكلَّف بالقول، كقول اللسان: سبحان الله، وتسبيح غير المكلَّف كالبهائم، ومن لا يكون حيًّا، كالجمادات ما دلَّت بلطيفِ تركيبها، وعجيب هيئتها على خالقها؛ لأنَّ التسبيح باللسان لا يحصُل إلاَّ مع الفهم، والعلم، والإدراك، والنُّطق، وكل ذلك في الجمادات محالٌ. قالوا: فلو جوَّزنا في الجماد أن يكون عالماً متكلِّماً، لعجزنا عن الاستدلال بكونه تعالى قادراً عالماً على كونه حيًّا، وحينئذٍ: يفسد علينا باب العلم بكونه حيًّا، وذلك كفر؛ فإنَّه إذا جاز للجمادات أن تكون عالمة بذات الله وصفاته، وتسبيحه، مع أنَّها ليست بأحياء؛ فحينئذ: لا يلزم من كون الشيءِ عالماً قادراً متكلماً أن يكون حيًّا، فلم يلزم من كونه تعالى عالماً قادراً كونه حيًّا، وذلك جهلٌ وكفر، ومن المعلوم بالضَّرورة أنَّ من ليس بحيٍّ لم يكن عالماً قادراً متكلِّماً. واحتج القائلون بأنَّ الجمادات وأنواع النبات والحيوان كلُّها تسبِّح لله تعالى بهذه الآية، ولا يمكن تفسير هذا التسبيح بكونها دلائل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته؛ لأنَّه تعالى قال: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} وهذا يقتضي أن تسبيح هذه الأشياء غير معلوم لنا، ودلالتها على وجود قدرة الله تعالى وحكمته معلومةٌ لنا، فوجب أن يكون التسبيح المذكور في هذه الآية مغايراً لكونها دالة على وجود قدرة الله تعالى وحكمته سبحانه. فأجاب أهل المعاني بوجوه: أولها: أنَّك إذا أخذت تفاحة واحدة، فتلك التفاحة مركبة من أشياء كثيرة، لا تتجزَّأ، وكلُّ واحدٍ من تلك الاجزاء دليلٌ تامٌّ مستقلٌّ على وجودِ الإله، ولكلِّ واحد من تلك الأجزاء صفات مخصوصة من الطَّبع، والطَّعم، واللَّون، و الرائحة، واختصاص ذلك الجوهر الفرد بتلك الصفة المعينة من الجائزات، ولا يحصل ذلك إلا بتخصيص مخصِّص قادر حكيم. إذا عرف هذا ظهر أنَّ كلَّ واحدٍ من أجزاء تلك التفاحة دليل تامٌّ على وجود الإله، وكل صفة من تلك الصفات القائمة بذلك الجزء الواحد أيضاً دليلٌ تامٌّ على وجود الإله، ثم عدد تلك الأجزاء غير معلومٍ، وأحوال تلك الصفات غير معلومة، فلهذا قال تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}. وثانيها: أن الكفَّار، وإن كانوا يقرُّون بإثبات إله العالم إلاَّ أنهم ما كانوا يتفكَّرون في أنواع الدَّلائلِ، كما قال تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105]. فكان المراد من قوله: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} هذا المعنى. وثالثها: أنَّ القوم، وإن كانوا مقرِّين بألسنتهم بإثبات إله العالم، إلاَّ أنَّهم ما كانوا عالمين بكمال قدرته، ولذلك استبعدوا كونه قادراً على الحشر والنشر، فكان المراد ذلك. ورابعها: قوله لمحمدٍ: "قُلْ" لهم: {أية : لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42]، فهم ما كانوا عالمين بهذه الدلائل، فلما قال: {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} بصحَّة هذا الدليل وقوَّته، وأنتم لا تفقهون هذا الدليل، ولا تعرفونه، بل القوم كانوا غافلين عن أكثر دلائل التوحيد والنبوَّة والمعاد، فقال تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}، فذكر الحليم الغفور ها هنا يدلُّ على كونهم لا يفقهون ذلك التَّسبيح، وذلك جرم عظيمٌ صدر عنهم، وهذا إنما يكن جرماً، إذا كان المراد من ذلك التسبيح كونها دالَّة على كمال قدرة الله وحكمته، ثم إنهم لغفلتهم وجهلهم، ما عرفوا وجه تلك الدلائل، ولو حملنا هذا التسبيح على تسبيح الجمادات بأنواعها، لم يكن عدم الفقه لذلك التسبيح جرماً، ولا ذنباً، وإذا لم يكن جرماً، ولا ذنباً، لم يكن قوله: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} لائقاً بهذا الموضع. واعلم أنَّ القائلين بأن الجمادات والحيوانات غير الناطقة تسبِّح بألفاظها، أضافوا إلى كلِّ حيوانٍ نوعاً من التسبيح، وقالوا: إنَّها إذا ذبحتْ لم تسبِّح، مع قولهم بأنَّ الجماداتِ تسبِّح، فإذا كان كونه جماداً لا يمنع من كونه مسبِّحاً، فكيف صار ذبح الحيوان مانعاً له من التَّسبيح؟!. وقالوا: إن عصا الشَّجرة إذا كسرت، لم تسبِّح، وإذا كان كونه جماداً، لم يمتنع من كونه مسبِّحاً، فكيف يمنع ذلك من تسبيحها بعد الكسر؟ وهذه كلمات ضعيفة. فصل في تسبيح السماوات والأرض دلَّت هذه الآية على أنَّ السماوات والأرض ومن فيهن يسبِّح الله تعالى، فتسبيح السماوات والأرض ليس إلاَّ بمعنى تنزيه الله، وإطلاق لفظ التسبيح على هذا المعنى مجازٌ، وأما تسبيح المكلَّفين فهو قول: "سُبحَانَ الله"، وهذا حقيقة، فيلزم أن يكون قوله "تُسبِّحُ" لفظاً واحداً قد استعمل في الحقيقة والمجاز معاً، وهو باطل لم يثبت في أصول الفقه، فالأولى أن يحمل هذا التسبيح على المجاز في حقِّ العقلاء وغيرهم؛ لئلاَّ يلزم هذا المحذورُ.

ابو السعود

تفسير : {تُسَبّحُ} بالفَوقانية، وقرىء بالتَّحتانية، وقرىء سبّحت {لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} من الملائكة والثقلين، على أن المرادَ بالتسبـيح معنًى منتظمٌ لما ينطِق به لسانُ المقال ولسانُ الحال بطريق عمومِ المجاز {وَإِن مّن شَىْء} من الأشياء حيواناً كان أو نباتاً أو جماداً {إِلاَّ يُسَبّحُ} ملتبساً {بِحَمْدِهِ} أي ينزِّهه تعالى بلسان الحالِ عما لا يليق بذاته الأقدسِ من لوازم الإمكانِ ولواحقِ الحدوثِ، إذ ما من موجود إلا وهو بإمكانه وحدوثِه يدل دَلالةً واضحة على أن له صانعاً عليماً قادراً حكيماً واجباً لذاته قطعاً للسَّلْسلة {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} أيها المشركون لإخلالكم بالنظر الصحيحِ الذي به يفهم ذلك، وقرىء لا يُفَقَّهون على صيغة المبني للمفعول من باب التفعيل {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا} ولذلك لم يعاجلْكم بالعقوبة مع ما أنتم عليه من موجباتها من الإعراض عن التدبر في الدلائل الواضحةِ الدالةِ على التوحيد، والانهماك في الكفر والإشراكِ {غَفُوراً} لمن تاب منكم. {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ} الناطقَ بالتسبـيح والتنزيهِ ودعوتَهم إلى العمل بما فيه من التوحيد ورفضِ الشرك وغيرِ ذلك من الشرائع {جَعَلْنَا} بقدرتنا ومشيئتنا المبنيةِ على دواعي الحِكَم الخفية {بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أُوثر الموصولُ على الضمير ذمًّا لهم بما في حيز الصلة، وإنما خُصَّ بالذكر كفرُهم بالآخرة من بـين سائرِ ما كفروا به من التوحيد ونحوِه دَلالةً على أنها مُعظمُ ما أُمروا بالإيمان به في القرآن، وتمهيداً لما سينقل عنهم من إنكار البعثِ واستعجالِه ونحو ذلك {حِجَاباً} يحجبهم من أن يدركوك على ما أنت عليه من النبوة ويفهموا قدرَك الجليلَ، ولذلك اجترأوا على تفوّه العظيمة التي هي قولُهم: { أية : إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا} تفسير : [الإسراء، الآية 47] وحَمْلُ الحجاب على ما روي عن أسماءَ بنت أبـي بكر رضي الله عنه ـ من أنه حديث : لما نزلت سورةُ (تبّت) أقبلت العوراءُ أمُّ جميل امرأةُ أبـي لهبٍ وفي يدها فِهْرٌ والنبـيُّ عليه الصلاة والسلام قاعد في المسجد ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فلما رآها قال: يا رسول الله، لقد أقبلت هذه وأخاف أن تراك، قال عليه الصلاة والسلام: «إنها لن تراني» وقرأ قرآناً فوقفت على أبـي بكر رضي الله عنه ولم تَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم تفسير : ـ مما لا يقبله الذوقُ السليم ولا يساعده النظمُ الكريم {مَّسْتُورًا} ذا سَتْرٍ كما في قولهم: سيلٌ مفعَمٌ، أو مستوراً عن الحس بمعنى غيرَ حسيَ أو مستوراً في نفسه بحجاب آخرَ أو مستوراً كونُه حجاباً حيث لا يدرون أنهم لا يدرون. {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أغطيةً كثيرة جمع كِنان {أَن يَفْقَهُوهُ} مفعولٌ لأجله أي كراهةَ أن يفقهوه، أو مفعولٌ لما دل عليه الكلامُ أي منعناهم أن يقِفوا على كُنهه ويعرِفوا أنه من عند الله تعالى {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} صمَماً وثِقلاً مانعاً من سماعه اللائِق به، وهذه تمثيلاتٌ مُعرِبةٌ عن كمال جهلِهم بشؤون النبـيِّ عليه الصلاة والسلام وفرطِ نُبوِّ قلوبهم عن فهم القرآنِ الكريم ومجّ أسماعِهم له، جيء بها بـياناً لعدم فقهِهم لتسبـيح لسانِ المقالِ إثرَ بـيانِ عدمِ فقههم لتسبـيح لسانِ الحال، وإيذاناً بأن هذا التسبـيحَ من الظهور بحيث لا يُتصوَّرُ عدمُ فهمِه إلا لمانع قويَ يعتري المشاعرَ فيُبطُلها، وتنبـيهاً على أن حالَهم هذا أقبحُ من حالهم السابق لا حكايةٌ لما قالوا: { أية : قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} تفسير : [فصلت، الآية 5] كيف لا وقصدُهم بذلك إنما هو الإخبارُ بما اعتقدوه في حق القرآنِ والنبـيِّ عليه الصلاة والسلام جهلاً وكفراً من اتصافهما بأوصاف مانعةٍ من التصديق والإيمانِ، ككون القرآنِ سحراً وشِعراً وأساطيرَ وقِسْ عليه حالَ النبـي عليه الصلاة والسلام، لا الإخبارُ بأن هناك أمراً وراء ما أدركوه قد حال بـينهم وبـين إدراكه حائلٌ من قِبلهم. ولا ريب في أن ذلك المعنى مما لا يكاد يلائم المقام. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ} واحداً غيرَ مشفوعٍ به آلهتُهم، وهو مصدرٌ وقع موقعَ الحال، أصلُه يحد وحدَه {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ} أي هربوا ونفروا {نُفُورًا} أو ولَّوا نافرين.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الآية: 44]. قال أبو عثمان المغربى: المكونات كلهن يسبحن الله باختلاف اللغات، ولكن لا يسمع تسبيحها ولا يفقه عنه ذلك إلا العلماء الربانيون الذين فتحت أسماع قلوبهم.

القشيري

تفسير : الأحياءُ من أهل السماوات والأرض يُسَبِّحون له تسبيحَ قالة، وغير الأحياء يسبح من حيث البرهان والدلالة. وما من جزءٍ من الأعيان والآثار إلا وهو دليل على الربوبية، ولكنهم إذا استمعوا توحيداً للإله تعجبوا - لجهلهم وتَعَسُّر إدراكهم - وأنكروا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} ان الله سبحانه اوجد الخلق بقدرته القديمة الازلية والمشية السابقة والارادة القائمة بذاته وعلمه وحكمته فخرج الكون من العدم بما ظهر عليها من صفات القدم فباشر انوار قدرته الوجود فاثرت قدرته ومباشرتها فى الاشياء الارواح الحضرتية والعقول الربانية والالسنة الجبارية والمعرفة الابدية ورفع الحجاب من بينها وبين معدن القدرة ومصادر الفعل فشاهدت الاشياء مصادرها فاهتزت ارواحها بنعت عشقها الى معدنها وبكلمة السنتها وتقدس خالقها وتقديس باريها وتسبيح صانعها وذلك من حياة فايضة شايعة من تواتير الحياة الازلية فالكل فى حياتها قائمة بتلك الحياة مسبحة لصانعها بتلك الالسنة وذلك من استيلاء غواشى انوار القدرة وسبحات العظمة عليها فالسماوات تسبح له بلسان العظمة والارض تسبح له بلسان القدرة ومن فيهن يسبح له من ذوات الارواح والحياة بالسنة الصفات والافعال على قدر مراتبهم وجميع الاشياء يسبح له الناميات والجمادات بالظاهر من قول اهل الرسوم لا من قول اهل المعرفة يسبح له بلسان الاوصاف والاسماء والنعوت والعارفون من بينهم يسبحون له بالالسنة الذاتية لانهم فى شروق شموس الازال وانوار طلوع اقمار الاباد ولكن لا يعرف تسبيح الجميع الا من تجلى الحق لسره وروحه وعقله وقلبه وصورته بجميع الذات والصفات وللاشياء السنة روحانية ملكوتية يسبح الحق بها بلغات غيبية واشارات ازلية لا يسمعها الا اهل شهور الغيب الذين ينطقون بالحق ويعقلون بالحق ويعرفون الحق بالحق وينظرون بالحق الى الحق وتصديق ما ذكرنا فى تسبيح الجمادات ما روى انس بن مالك قال كنا عند رسول الله صلى الله لعيه وسلم فاخذ كفا من حصى يسبحن فى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا التسبيح ثم جعفهن فى يد ابى بكر حتى سمعنا التسبيح ثم جعلهن فى يد عمر فسبحن حتى سمعنا التسبيح ثم جعلهن فى ايدينا فما سبحت فى ايدينا والدليل على صدق هذا الحديث قوله تعالى يا جبال اوبى معه اى سبحى معه ومعروف ان الجبال سبحن بتسبيح داؤد عليه السّلام وعن جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السّلام قال مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتاه جبرئيل عليه السَّلام بطبق فيها رمان وعنب فاكل النبى صلى الله عليه وسلم فسبح ثم دخل الحسين والحسن فتناولا منه فسبح العنب والرمان ثم دخل على فتناول منه فسبح ايضا ثم دخل رجل من اصحابه فتناول فلم يسبح فقال جبرئيل انما ياكل هذا نبى او وصى او ولد نبى واصدق التصديق قوله سبحانه فى آخر الاية {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} من حلمه وغفرانه عَرّف المخلوقات كلها نفسه بالصفات القديمة الازلية الابدية ولولا حلمه وغفرانه ما كان الكون ولم يكن له لسان بذكره ولكن بكرمه ورحمته وهب الكل من سلطانه وبرهانه لسانا يسبح بحمده وحمده شامل على كل ذرة وثناؤه فى لسان كل ذرة سبحان الغنى المحسن وهب عطاءه العميم والكريم القديم بغير استحقاق من الكون ولا يبالى قال ابو عثمان المغربى المكونات كلها يسبحن الله باختلاف اللغات ولكن لا يسمع تسبيحها ولا يفقه عنها ذلك الا العلماء الربانيون الذين فتحت اسماع قلوبهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {تسبح له السموات السبع والارض ومن فيهن} التسبيح تنزيه الحق وتبعيده عن نقائص الامكان والحدوث وتسبيح السموات والارض بلسان الحال الدال على وجود الخالق وقدرته وحكمته وتسبيح من فيهن من الملائكة والجن والانس بلسان القال الناطق بما يسمع منهم على ان المراد بالتسبيح معنى منتظم لما ينطق به لسان المقال ولسان الحال بطريق عموم المجاز وهو الاشتمال على ما يدل على التنزيه فانه مشترك بين اللفظ الدال عليه وبين مثل الحدوث والامكان الدال على تنزيه الله تعالى عن لوازم الامكان وتوابع الحدوث {وان} نافيةاى ما {من شئ} من الاشياء حيوانا كان او نباتا يدل على الصانع وقدرته وحكمته فانها تنطق بذلك. قال الكاشفى [تنزيه ميكند اورا ازسمات نقصان وستايش مينمايد بصفات كمال]{الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} الفقه عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه اى لا تفهمون ايها المشركون لا خلا لكم بالنظر الصحيح الذى به يفهم التسبيح وهم وان كانوا اذا سئلوا عن خالق السموات والارض قالوا الله الا انهم لما جعلوا معه آلهة مع اقرارهم فكأنهم لم ينظروا ولم يقروا لان نتيجة النظر الصحيح والاقرار الثابت خلاف ما كانوا عليه فاذن لم يفهموا التسبيح ولم يستوضحوا الدلالة على الخالق {انه كان حليما} ولذلك لم يعاجلكم بالعقوبة مع انتم عليه من الاعراض عن التدبر فى الدلائل والانهماك فى الاشراك. والحلم تأخير مكافأة الظالم بالنسبة الى الخالق والطمأنينة عند سورة الغضب بالنسبة الى المخلوق {غفورا} لمن تاب منكم ورجع الى التوحيد هذا ما عليه الزمخشرى والبيضاوى وابو السعود ومن يليهم من اهل الظاهر وهم الذين لهم عين واحدة وسمع واحد. وقال الشيخ على السمرقندى قدس سره فى بحر العلوم ذهب السلف الصالح الى ان التسبيح فى الآية فى المحلين محمول على حقيقته وهو الاصح فانه ان كان كلام الجماد مسلما فينبغى ان يكون تسبيحه ايضا مسلما. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : انى لاعرف حجرا بمكة كان يسلم علىّ قبل ان أُبعث انى لاعرفه الآن " تفسير : وعن ابن مسعود رضى الله عنه ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل على ان شهادة الجوارح والجلود مما نطق به القرآن الكريم. وقال ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى {أية : انا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والاشراق}تفسير : كان داود اذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح. وقال مجاهد كل الاشياء تسبح الله حيا كان او جمادا وتسبيحها (سبحان الله وبحمده) وعن المقداد بن معدى كرب ان التراب يسبح ما لم يبتل والخربزة تسبح ما لم ترفع من موضعها والورق ما دام على الشجر والماء ما دام جارياً والثوب ما دام جديدا فاذا اتسخ ترك التسبيح والوحش والطير اذا صاحت فاذا سكتت تركت التسبيح وفى الحديث "حديث : ما اصطيد حوت فى البحر ولا طائر يطير الا بما يضيع من تسبيح الله"تفسير : كما فى تفسير المدارك. وقال النخعى كل شئ من جماد وحى يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض السفق. وقال عكرمة الشجرة تسبح والاسطوانة لا تسبح والشجر او النبات اذا قطع يسبح ما دام رطبا. قال فى الكواشى وهذا ممكن عقلا وقدرة. وذكر فى جنائز الخلاصة يكره قطع الحطب والحشيش الرطب من القبر من غير حاجة اى لانه يسبح. وفى الملتقط مقبرة قديمة لم يبق من آثارها شئ ليس للناس ان ينتفعوا بها ولا بالبناء فيها ولا بارسال الدابة فى حشيشها. قال فى فتح القريب الميجب اذا حصلت البركة بتسبيح الجماد فالقرآن الذى هو اشرف الاذكار اولى بحصول البركة ولا سيما اذا كان من رجل صالح ولهذا استحب العلماء قراءة القرآن عند القبر. وهل يغرس الريحان او الجديد على باب منزل القبر او على قافية الحد. الجواب انه ورد فى الحديث مطلقا فيحصل المقصود بأى موضع غرس فى القبر. حديث : وكان عليه السلام يخطب مستندا الى جذع فصنع رجل منبرا ثلاث درجات واراد النبى عليه السلام ان يقوم على المنبر فحنّ الجذع فرجع النبى عليه السلام اليه ووضع يده عليه وقال "اختر ان اغرسك فى المكان الذى كنت وتكون كما كنت وان شئت اغرسك فى الجنة فتشرب من انهارها وعيونها فيحسن نبتك وتثمر فيأكل اولياء الله من ثمرك" فاختار الجنة والدار الآخرة على الدنيا تفسير : فلما قبض النبى عليه السلام رفع الى مكان ففنى واكلته الارضة وقيل دفن كما قال فى المثنوى شعر : استن حنانه از هجر رسول ناله مى زد همجو ارباب عقول كفت بيغمبر جه خواهى اى ستون كفت جانم ازفراقت كشت خون مسندت من بودم از من تاختى بر سر منبر تو مسند ساختى كفت خواهيكه ترا نخلى كنند شرقى وغربى ز تو ميوه جنند يا دراآن عالم ترا سروى كند تا ترو تازه بمانى بى كزند كفت آن خواهم كه دائم شد بقاش بشنوا اى غافل كم ازجوبى مباش آن ستون را دفن كرد اندر زمين تا جو مردم حشر كردد يوم دين آنكه اورا نبود از اسرار داد كى كند تصديق او ناله جماد تفسير : وعن ابى ذر رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس فى مكان معه ابو بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم فتناول النبى عليه السلام سبع حصيات فوضعهن فى كفه فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل ثم وضعهن فخرسن ثم تناولهن فوضعهن فى يد ابى بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل ثم وضعهن فى يد عمر ثم فى يد عثمان فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل. وذكر عبد الله القرطبى ان داود عليه السلام قال لاسبحن الله تعالى هذه الليلة تسبيحا ما سبحه به احد من خلقه فنادته ضفدع من ساقية فى داره أتفخر على الله بتسبيحك وان لى سبعين سنة ما جف لسانى من ذكر الله وان لى عشر ليال ما طعمت ولا شربت اشتغالا بكلمتين فقال وما هما قالت (يا مسبحا بكل لسان ويا مذكورا بكل مكان) فقال داود لنفسه وما عسى ان اقول ابلغ من هذا. وذكر الشيخ ابو عمر وفى سبب توبته انى كنت ليلة على ظهرى متوجها الى السماء فرأيت خمس حمامات. احداهن تقول سبحان من عنده خزائن كل شئ وما ينزله الا بقدر معلوم. والثانية تقول سبحان من اعطى كل شئ خلقه ثم هدى. والثالثة تقول سبحان من بعث الانبياء حجة على خلقه وفضل عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم. والرابعة تقول كل ما فى الدنيا باطل الا ما كان لله ولرسوله والخامسة تقول يا اهل الغفلة قوموا الى ربكم رب كريم يعطى الجزيل ويغفر الذنب العظيم فلما سمعت ذلك ذهبت عنى فلما جئت الىّ وجدت قلبى خاليا عن حب الدنيا فلما اصبحت سلكت طريقا بنية ان اسلم نفسى الى مرشد فلقيت شيخا ذا هيبة ووقار فبعد التسليم اقسمت بالله ان يخبرنى من هو فقال انا الخضر وقد كنت عند الشيخ عبد القادر وهو سيد العارفين فى الوقت فقال لى يا ابا العباس ان رجلا اصابه جذبة الهية ونودى من فوق السماء مرحبابك عبدى وعاهد الله على ان يسلم نفسه الى شيخ فئتنى به ثم قال لى الخضر فعليك بملازمته ثم وجدت نفسى ببغداد فلقيت الشيخ عبد القادر فقال لى مرحبا بمن جذبه مولاه بألسنة الطير وجمع له كثيرا من الخير وبالجملة فالتسبيح غير ممتنع من الجمادات بل هو كائن من الكائنات لا ينكره الا منكر خوارق العادات [درفتوحات مذ كوراست كه اكر مراد ازين تسبيح آنست كه ايشان بلسان الحال كويند بس درايراد ولكن لا تفقهون تسبيحهم فائدة نباشد] يعنى ان قوله ولكن الخ يحقق ان المراد هو حقيقة التسبيح لا الدلالة على وحدانيته فالخطاب عند اهل الحقيقة فى قوله لا تفقهون عام للمسلمين والمشركين اى لا تسمعون فلا تفقهون تسبيحهم لانه ليس المقصود سماع اللفظ مجردا بل التدبر فيه ليدرك ما ادى اللافظ فيسبح كما سبحه. قال فى الكواشى {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} لانه ليس بلغتكم ويجوز ان يفهم تعالى بعض عباده تسبيح بعض الجمادات والعجماوات كدواد وسليمان عليهما السلام. يقول الفقير هذا التعليل غير مناسب لعموم الآية لان لغات ماله اصوات مخلتفة لا تفقه وان كانت مسموعة ومن الاشياء ما ليس له صوت مسموع وقد اثبت له ايضا تسبيح فافقه [سلمى از ابو عثمان مغربى قدس سرهما نقل ميكندكه تمام مكونات باختلاف لغات تسبيح الهى ميكويند اما آنر انشنود وفهم نكند مكر عالم ربانى كه كوش دل او كشاده بود] ونعم ما قال شعر : بذكرش هرجه بينى درخروشست دلى داند درين معنى كه كوشست نه بلبل بركلش تسبيح خوانست كه هر خارى بتسبيحش زبانست تفسير : وفى الخصائص الصغرى وخص عليه السلام بتسليم الحجر وبكلام الشجر وبشهادتها له صلى الله عليه وسلم بالنبوة واجابتها دعوته. قال السهيلى يحتمل ان يكون نطق الحجر كلاما مقرونا بحياة وعلم ويحتمل ان يكون صوتا مجردا غير مقترن بحياة. وقال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر اكثر العقلاء بل كلهم يقولون ان الجمادات لا عقل فوقفوا عند بصرهم والامر عندنا ليس كذلك فاذا جاءهم عن نبى او ولى ان حجرا كلمه مثلا يقولون خلق الله فيه العلم والحياة فى ذلك الوقت والامر عندنا كذلك بل سر الحياة سار فى جميع العالم وقد ورد ان كل شئ سمع صوت المؤذن من رطب ويابس يشهد له ولا يشهد الا من علم وقد اخذ الله بابصار الانس والجن عن ادراك حياة الجماد الا من شاء الله كنحن واضرابنا فانا لا نحتاج الى دليل فى ذلك لكون الحق سبحانه قد كشف لنا عن حياتها عينا واسمعنا تسبيحها ونطقها وكذلك اندكاك الجبل لما وقع التجلى انما كان ذلك منه لمعرفته بعظمة الله تعالى ولولا ما عنده من العظمة لما تد كدك [ودرباب ثانى عشر از سفر ثانى فتوحات فرموده كه ما بكوش خودشنيديم كه سنكى بزبان قال ذكر ملك متعال كفت وباما خطاب كرد جون مخاطبه عارفان وسخنان آرا نموده كه هر آدمى آنرا درنيابد]. وقال فى كتاب الطريقة له اذا رأيت هؤلاء العوالم مشتغلين بالذكر الذى انت عليه فكشفك خيالى غير صحيح وانما ذلك خيالك اقيم لك فى الموجودات واذا شهدت فى هؤلاء تنوعات الاذكار فهو الكشف الصحيح. قال بعض الكبار كل معلوم حى لانه يعطى العلم للعالم فكما ان نور الشمس ينور كل من يراه فكذلك الحى لذاته يحيى به كل من يراه فكل شئ به حى فالاشجار والجمادات لهن حياة عند ارباب الكشف وكلام يسمعه من كان له قلب او القى السمع وهو شهيد. قال حضرة الشيخ افتاده قدس سره ان السالك يسمع حركات الافلاك فى اثناء سلوكه وذلك بقوة رياضية وقال خليفته حضرة الهدائى قدس سره خرجت للوضوء وقت التهجد فسمعت الماء الجارى يقول بهذا الوزن يا دائم يا دائم يا دائم يا دائم ونظائره كثيرة لا تحصى. يقول الفقير دعا حضرة شيخى وسندى روح الله روحه بعض الصوفية للافطار وكان وقتئذ لا يفطر الا على الماء والخبر. ثم لا يأكل الا عشية الغد فقال هذا الخبز له روح حقانى فظاهره يرجع الى الجسد وروحه يرجع الى الروح فيتقوى به الجسم الروح جميعا ولكل موجود روح اما حيوانى او حقانى فجسد الميت له روح حقانى اى غير روحه الذى فارقه ألا ترى ان الله تعالى لو انطقه لنطق فنطقه بانطاق الله تعالى انما هو لان له روحا حقانيا وقد جاء ان كل شئ يسبح بحمده وما هو الا يكون المسبح ذا روح ولو كان حجرا او شجرا او غير ذلك: وفى المثنوى شعر : جون شماسوى جمادى مى رويد محرم جان جمادان جون شويد از جمادى عالم جانها رويد غلغل اجزى عالم بشنويد فاش تسبيح جمادات آيدت وسوسه تأويلها نر بايدت جون ندارد جان تو قنديلها بهر بينش كرده تأويلها كه غرض تأويل ظاهر كى بود دعوى ديدن حيال وغى بود بلكه هر بيننده را ديدار آن وقت عبرت ميكند تسبيح خوان بس جواز تسبيح يادت مى دهد آن دلالت همجو كفتن مى بود اين بود تأويل اهل اعتزال واى آنكس كوندارد نورحال جون زحس بيرون نيامد آدمى باشد ازتصوير غيبى اعجمى تفسير : وفى التأويلات النجيمة {يسبح له السموات السبع والارض ومن فيهن} اى ينزهه عما يقولون من كل نقيصة ذرات المكونات واجزاء المخلوقات فمن له روح فبلسانه ولغته وهذا مما يفقه العقلاء واما الجمادات فبلسان الملكوتى كما قال {وان من شئ إلا يسبح بحمده} اى يحمده على نعمة الايجاد والتربية {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} لانه ليس من جنس تسبيحكم. واعلم ان الله اثبت لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوتا بقوله {فسبحان الذى بيده ملكوت كل شئ} والمكوت باطن الكون وهو الآخرة والآخرة حيوان لا جماد لقوله تعالى {أية : وان الدار الآخرة لهى الحيوان}تفسير : فثبت بهذا الدليل ان لكل ذرة من ذرات الموجودات لسانا ملكوتيا ناطقا بالتسبيح والحمد تنزيها لصانعه وبارئه وحمدا له على ما اولاه من نعمه وبهذا اللسان نطق الحصى فى يد النبى صلى الله عليه وسلم وبهذا تنطق الارض يوم القيامة كما قال {أية : يومئذ تحدث اخبارها} تفسير : وبهذا اللسان تشهد اجزاء الانسان وابعاضه يوم القيامة ويقولون انطقنا الله الذى انطق كل شئ وبهذا اللسان نطق السموات والارض حين {أية : قالتا اتينا طائعين}تفسير : فافهم جدا واغتنم {انه كان حليما} فى الازل اذا خرج من العدم من يتولد منه ان يتخذ مع الله آلهة اخرى {غفورا} لمن تاب عن مثل هذه المقالات انتهى. وقال القاشانى اعلم ان لكل شئ خاصية لا يشاركه فيها غيره وكمالا يخصه دون ما عداه يشتاقه ويطلبه اذ لم يكن حاصلا ويحفظه ويحبه اذا حصل فهو باظهار خاصيته وتوحده فى تلك الخاصية ينزهه تعالى عن الشريك فكانه يقول بلسان الحال اوحده على ما وحدنى والا لم يكن متفردا بها متوحدا فيها وبطلب كماله ينزهه عن صفات النقص كأنه يقول يا كامل كملنى وباظهار كماله يحمده ويقول احمده على ما كملنى حتى ان الحيوان فى طلب الرزق يقول يا رزاق ارزقنى وبوجود الرزق يقول احمده على ما رزقنى وباشفاقه على ولده يقول ارأفنى الرؤف وارحمنى الرحيم فالسموات السبع تسبحه وتنزهه على العجز والفناء وتحمده بالمديمومية والعلو والتأثير والقدرة والبقاء والملك والربوبية وبان كل يوم هو فى شأن والارض بالدوام والثبات والخلاقية والرازقية وقبول الطاعة وامثال ذلك والملائكة بالحياة والعلم والقدرة والمجردات منهم بالتنزه عن التعلق بالمادة والوجوب مع جميع ما ذكر منهم مع كونهم مسبحين اياه مقدسين له حامدين فان كل ما يحمده بصفة كمالية ينزهه ويسبحه بمقابلها وكل مسبح عن نقصان يحمده بكمال يقابله فهم يسبحونه فى عين التحميد ويحمدونه فى عين التسبيح ولكون لا تفقهون تسبيحهم لقلة النظر والفكر فى ملكوت الاشياء وعدم الاصغاء اليهم للغفلة وانما يفقه من كان له قلب منور بنور التوحيد. او القى السمع وهو شهيد فان القلب من عالم الملكوت فإذا تنور بنور التوحيد يفقه تسبيح الاشياء لانه فى عالمه انه كان حليما لا يعاجلكم بعقوبة ترك التسبيح فى طلب كمالاتكم واظهار خوافيكم التى منها فهم تسبيح الاشياء وتوحيده كما وحدوه غفورا يغفر غفلاتكم واهمالكم انتهى كلامه مع بعض تغييرات وزيادة والله الهادى الى طريق حقيقة التسبيح والتوحيد لكل سالك مريد.

فرات الكوفي

تفسير : {وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده44} [سيأتي في أواخر الحديث الأول من سورة الدهر إستشهاد النبي (ص) بها].

اطفيش

تفسير : {تُسبِّحُ لَهُ السَّمَٰوَاتُ السَّبْعُ والأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} عن الشركة والحدوث وتوابع ذلك والمراد بمن فيهن الملائكة والإِنس والجن ويحتمل أن يراد به من ذكره وغيره تغليباً للعاقل، ويحتمل أن يكون المراد يسبح له من فى السماوات والأَرض، فأَسند التسبيح إِلى السماوات والأَرض أيضاً أولا للمبالغة لا حقيقة ويدخلن بالحقيقة فيما بعد كما إِذا بالغت فى حب علم زيد قلت: أحب زيداً وعلمه وأنت تريد أحب علمه. {وَإِن مِّن شَئٍْ} إِن نافية ومن صلة للتأْكيد وهذا تعميم بعد تخصيص فإِن الشئ يشمل ذلك كله وغيره كسائر الأَرضين وما تحتهن والعرش والكرسى وغير ذلك ويحتمل أن يراد بالأَرض جنس الأَرض، فتشمل سبع الأَرضين ويحتمل أن يراد بالشئ خصوص غير ما ذكر قبله {إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} ينزه الله ملتبساً بحمده عن الشركة والحدوث وجواز الوجود، والمراد التسبيح بلسان الحال فى حق العاقل وغيره من الحيوان والجماد كالسماوات والأَرض والجبال والشجر فإِن كل شئ يدل بكونه ممكناً وحادثاً ومتغيراً ومركبا وعاجزاً على الخالق القديم الواجب الوجود. قال الأَندلسى المذكور آنفاً: شعر : وفى كل معبود سواك دلائل من الصنع تنبى أنه لك عابد تفسير : ويجوز أن يكون المراد التسبيح بالنطق والصوت فإِن غير الحيوان قد يخرج منه صوت أو كلام إِذا أراد الله، وقد يخرج منه بالتقائه مع غيره كحجر مع آخر وصرير الباب ونقيض السقف، فانظر الريح كيف يصوت، وذلك كله تسبيح، ويمكن أن تتكلم الأَشياء ولا يسمعها أحد. قال ابن مسعود: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وروى جابر بن سمرة عنه - صلى الله عليه وسلم - أن بمكة حجراً كان يسلم على ليالى بعثت إِنى لأَعرفه الآن. رواه مسلم، قال على كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة فخرجنا إِلى بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إِلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله، أخرجه الترمذى، وقال: حديث غريب. وروى البخارى حديث : عن جابر بن عبد الله كان فى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جذع فى قبلته يقوم إِليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى خطبته فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده عليهتفسير : ، وفى رواية حديث : صاحت النخلة صياح الصبى فنزل النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى أخذها فضمها فجعلت تئِن أنين الصبى الذى يسكت حتى استقرت. قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر وقد تكلم البعير والظبى وغير ذلكتفسير : مما يطول عده واختار بعضهم هذا وضعف الأَول، وأما الحمل على تسبيح اللسان النطق فيما له لسان، وتسبيح لسان الحال فيما لا لسان له، فإِنما هو على جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز بكلمة واحدة وأجاز بعض أيضاً استعمال الكلمة فى معنييها الحقيقيين ويجوز أن يراد بالتسبيح مطلق التعظيم والخضوع واختار بعضهم الأَول واعلم أن الآية عمت أن الأَشياء كلها تسبح، وهنا بحثان الأَول: التحقيق عندى أن تسبيحها قد يتفق وقد يختلف وأخذ بعض بظاهر اللفظ، فقال إِنها تقول سبحان الله وبحمده، وليس كذلك فإِن الآية أفادت أن الأَشياء تنزه الله سبحانه وتعالى وتحمده فتصدق على التنزيه بأَى لفظ كان وعلى الحمد بأَى لفظ كان، الثانى: أن الأَشياء كلها تسبح على الإِطلاق كما هو ظاهر الآية، وقال الشيخ هود رحمه الله عن الحسن: إِن الجبال يسبحن فإِذا قطع منها شئ لم يسبح المقطوع وكذلك الشجرة ما قطع منها لم يسبح، وزعم بعض أن التراب يسبح فإِذا ابتل لم يسبح، وإِن الخرزة تسبح ما لم ترفع من موضعها فإِذا رفعت تركت التسبيح، وإن الورقة لتسبح ما دامت على الشجرة فإِذا سقطت تركت التسبيح، وإن الماء يسبح ما دام جارياً فإِذا ركد ترك التسبيح وأن الثوب يسبح ما دام جديداً فإِن توسخ ترك التسبيح، وإن الطير والوحش تسبح فإِذا سكنت تركت التسبيح. وقرئ تسبح بحمده بالتاء الفوقية بتأْويل الجماعة لأَن شيئاً نكرة فى سياق النفى بمعنى جماعة الأَشياء، وقرأ الكسائى وحمزة وأبو عمرو بذلك. {وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ} لا تعلمون أيها المشركون أو لا تفهمون. {تَسْبِيحَهُمْ} لإِخلالكم بالنظر الصحيح وإِنما يفهمه من ينظر نظراً صحيحاً يتطلب به الحق وتبعه، أو لا تفهمون أيها الناس مطلقاً تسبيحهم لأَنه بغير لغتكم وهذا هو الذى يظهر لى وأقول به ويبحث على الوجه الأَول بناء على أن التسبيح بلسان الحال كيف لا يفقه المشركون تسبيحهم وهم إِذا سئلوا من خلق السماوات والأَرض. قالوا: الله، ويجاب بأَنهم لما وصفوه تعالى بصفات الخلق وجعلوا له شركاء صاروا كأنهم لم يفقهوا التسبيح، وقوله ولكن لا تفقهون تسبيحهم يقوى أن المراد بشئ فى قوله عز وجل: وإن من شئ، خصوص الأَشياء التى لا لسان لها والتى لها لسان لا يعلم ما تقول به والهاء عائدة إِلى شئ ولك عودها إِلى الشئ مع السماوات والأَرض ولك عودها إِلى ذلك كله ومن علم أن المراد تسبيح لسان الحال {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً} لا يعاجلكم بالعقوبة على شرككم وغفلتكم عن أمر التسبيح {غَفُوراً} لمن تاب.

اطفيش

تفسير : {تُسبِّحُ لَهُ السَّماوَاتُ السَّبْعُ} تقول الأولى التى تلينا: سبحان ربى الأعلى. والثانية: سبحانه وتعالى. والثالثة: سبحانه وبحمده. والرابعة: لا حول ولا قوة إلا به. والخامسة: سبحان محيى الموتى، وهو على كل شئ قدير. والسادسة: سبحان الملك القدوس. والسابعة: سبحان الذى ملأ السموات السبع، والأرضين السبع عزة ووقاراً. {وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} الحيوانات، ومنها الملائكة والإنس والجن والجمادات، كالمياه والشجر، فمن هؤلاء مَن يسبح بلسان حقيقى كالثقلين والملائكة، قيل: وكل ما له لسان، ومن هؤلاء من يسبِّح بلسان الحال، وهو ما لا لسان له، ونفس الأجسام مطلقا، كأجسام الملائكة والثقلين ولو الكفار منهما، وفى ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز، بخلاف ما إذا قلنا معنى التسبيح دلالة ما سوى الله على تنزهه عن صفات الخلق، إذ دلت بجوازها على وجوب وجود الله جل وعلا وقدمه، فيسبح بمعنى يدل على انتفاء صفات الخلق عن الله عز وجل، كاتخاذ الولد والشركة فى الملك. أو ذلك من عموم المجاز، وهو أن يراد مطلق الدلالة فتشمل دلالة اللسان وغيرها، أو المراد بالتسبيح دلالة غير اللسان، والاستعارة تبعية مفردة، ويجوز أن تكون مركبة تمثيلية بأن شبه الدلالة على وجوب الله وتنزهه عن صفات النقص بالدلالة على ذلك بالنطق. {وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} أيها الناس مطلقاً إلا بإخبار الله، وتنبيهه على أن وجودها مذعنة دلالة، وتستعملون عقولكم فتدركون، وهذا على الوجه الأخير من أن التسبيح دلالة، أو لا تفقهون أيها المشركون لإغفالكم النظر وهو أنسب بقوله: "أية : ولا تجعل مع الله.."تفسير : [الإسراء: 39] إلخ فإنه مسوق لردهم ونهبهم، وقد يقال لو كان المراد مطلق الدلالة لفهمها كل عاقل، وفيه أن الأكثر لا يستعملون عقولهم، وعلى التسبيح الحقيقى نقول: إذا أراد الله إسماع الحلق سمعوا، ونطقت الأشياء كما سمعوا تسبيح الحصى فى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى يد غيره، ولعل الجمادات لا نطق لها فى أصل خلقتها، وإذا أراد الله أنطق بعضها. وعن أنس أنه حضر ثريد عنده صلى الله عليه وسلم فقال: إنه يسبح وأفقه تسبيحه وأدناه لآخر فسمع تسبيحه، وأدناه لآخر فسمعه فقال: ردوه، فقال رجل: يا رسول الله لو مر عليهم جيمعا قال: "حديث : لو سكت عند رجل لقلتم أذنب الرجل" تفسير : وأتى بماء قليل فوضع يده فيه ففار فتطهروا وشربوا، وهم يسمعون تسبيحه فى الإناء وأفواههم، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تجعلوا ظهور دوابكم كراسى لتحدثكم فى الطرق والأسواق فربّ مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكراً " تفسير : وقالت ضفدع بحضرة داود عليه السلام: سبحانك وبحمدك، منتهى علمك يا رب، فقال الملك نزل والذى جعلنى نبيا لم أمدح الله بهذا، وصلى عند البحر، فخرجت ضفدع فقالت: إنى فى سبعين ألف ضفدع قائمة على رجل نسبح الله ونقدسه. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الطير إذا أصبحت سبَّحت الله وسألته رزق يومها" تفسير : وفى الحديث: "حديث : ما قطعت ورقة أو بعض من شجرة أو صِيدَ صيدٌ أو أصابه ضرب إلا حين لم يسبح" تفسير : ويروى إلا بقلة التسبيح وجاء الأثر: أن الشئ يسبح ما دام على أصله، فإذا قطعت الورقة أو الثمرة أو سقطت، أو أخذت الخرزة أو ابتل التراب، أو اتسخ الثوب ترك التسبيح. وزعم بعض أن الكلب والحمار لا يسبحان، وجاء إن كل شئ من الجماد والحيوان والمياه يسبح ينطق، وإذا شاء الله أسمعناه. {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا} كأنه قيل: لِمَ لَمْ يعجِّل بالعقاب لهؤلاء الكفار مع قولهم ذلك، فقال لأنه كان من شأنه أن لا يعجل بالعقاب فحلم عنهم. {غَفُورًا} لمن تاب منهم ومن غيرهم والخطاب لهم كما رأيت جواب سؤال، وذلك قول الجمهور، لأن ما قبله لهؤلاء، وقيل: الخطاب للمؤمنين لذكر الحلم والغفران، وفيه أنهما غير ممنوعين عن الكفار، والغفران مشروط بالتوبة.

الالوسي

تفسير : {تُسَبّحُ} بالفوقانية وهي قراءة أبـي عمرو والأخوين وحفص، وقرأ الباقون بالتحتانية لأن تأنيث الفاعل مجازي مع الفصل وقرىء {سبحت} {لَهُ ٱلسَّمَـٰوٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} أي من الملائكة والثقلين {وَإِن مّن شَىْء} من الأشياء حيواناً كان أو نباتاً أو جماداً {إِلاَّ يُسَبّحُ} ملتبساً {بِحَمْدِهِ} تعالى. والمراد من التسبيح الدلالة بلسان الحال أي تدل بإمكانها وحدوثها دلالة واضحة على وجوب وجوده تعالى ووحدته وقدرته وتنزهه من لوازم الإمكان وتوابع الحدوث كما يدل الأثر على مؤثره ففي الكلام استعارة تبعية كما في نطقت الحال. وجوز أن يعتبر فيه استعارة تمثيلية ولا يأبـى حمل التسبيح على ذلك قوله تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} بناءً على أن كثيراً من العقلاء فهم تلك الدلالة لما أن الخطاب للمشركين والكفرة لا للناس على العموم لأنه تقدم ذكر قبائحهم من نسبتهم إليه تعالى شأنه ما لا يليق بجلاله فإن الله سبحانه وصف ذاته بالنزاهة عنه وبالغ فيه ما بالغ ثم عقبه بما ذكر دلالة على أن كل الأكوان شاهدة بتلك النزاهة مبالغة على مبالغة فلو كان الخطاب مع غير هؤلاء المنكرين وأضرابهم لم يتلاءم الكلام ويخرج عن النظام. وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} تذييل من تتمة الإنكار على الوجه الأبلغ أي إنه سبحانه حليم ولذلك لم يعاجلكم بالعقوبة لإخلالكم بالنظر الصحيح الموصل إلى التوحيد ولو تبتم ونظرتم لغفر لكم ما صدر منكم من التقصير فإنه غفور لمن يتوب. وظن ابن المنير أن هذا التذييل يأبـى كون الخطاب للمشركين قال: «لأنه سبحانه لا يغفر لهم ولا يتجاوز عن جهلهم وإشراكهم، والظاهر أن المخاطب المؤمنون وعدم فقههم للتسبيح الصادر من الجمادات كناية والله تعالى أعلم عن عدم العمل بمقتضى ذلك فإن الإنسان لو تيقظ حق التيقظ إلى أن النملة والبعوضة وكل ذرة من ذرات الكون يقدس الله تعالى وينزهه ويشهد بجلاله وكبريائه وقهره وعمر خاطره بهذا الفهم لشغله ذلك عن الطعام فضلاً عن فضول الأفعال والكلام والعاكف على الغيبة التي هي فاكهتنا في زماننا لو استشعر حال إفاضته فيها أن كل ذرة من ذرات لسانه الذي يلقلقه في سخط الله تعالى عليه مشغولة مملوءة بتقديس الله تعالى وتسبيحه وتخويف عقابه وإنذار جبروته وتيقظ لذلك حق التيقظ لكاد يبكم بقية عمره، فالظاهر أن الآية إنما وردت خطاباً على الغالب من أحوال الغافلين وإن كانوا مؤمنين» اهـ، وليس بسديد لخروج الكلام على ذلك من النظام، ووجه التذييل ما سمعت فلا إباء كما لا يخفى على ذوي الأفهام. وجوز أن يراد بالتسبيح الدلالة على تنزيه الباري سبحانه عن لوازم الإمكان وتوابع الحدوث مطلقاً سواء كانت حالية أو مقالية على أنه من عموم المجاز أو بالجمع بين المعنى الحقيقي والمجازي على رأي من يجوزه فتسبيح بعض قالي وتسبيح بعض آخر حالي. وتعقبه بأنه لا يلائمه {لاَّ تَفْقَهُونَ} لأن من ذلك التسبيح ما يفقهه المشركون وغيرهم وهو التسبيح القالي. وأجيب بأن المشركين لعدم تدبرهم له وانتفاعهم به كان فهمهم بمنزلة العدم أو أنهم لعدم فهمهم بعض المراد من التسبيح جعلوا ممن لا يفهم الجميع تغليباً. وذهب بعض الظاهرية وارتضاه الراغب وقال في «تفسير الخازن» إنه الأصح على أن التسبيح على معناه الحقيقي فالكل يسبح بلسان القال حتى الجمادات / ولم يرتض ذلك الإمام لأن هذا التسبيح لا يحصل إلا مع العلم وهو مما لا يتصور في الجماد لفقد شرطه العقلي وهو الحياة ولو لم يكن ذلك شرطاً عقلياً لانسد باب العلم بكونه سبحانه وتعالى حياً؛ وأيضاً التذييل السابق يأبـى ذلك لدلالته على أن عدم فقه التسبيح المذكور جرم ولا شك أن عدم فقه تسبيح الجمادات بألفاظها ليس بجرم وإنما الجرم عدم فقه دلالتها للغفلة وقصور النظر ومن تتبع الأحاديث والآثار رأى فيها ما يشهد بما ذهب إليه هذا البعض شهادة لا تكاد تقبل التأويل فقد صح سماع تسبيح الحصا في كفه صلى الله عليه وسلم. وأخرج أبو الشيخ عن أنس قال: حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام ثريد فقال: إن هذا الطعام يسبح فقالوا: يا رسول الله وتفقه تسبيحه؟ قال: نعم ثم قال لرجل أدن هذه القصعة من هذا الرجل فأدناها فقال: نعم يا رسول الله هذا الطعام يسبح فقال: أدنها من آخر فأدناها منه فقال: يا رسول الله هذا الطعام يسبح ثم قال: ردها فقال رجل: يا رسول الله لو أمرت على القوم جميعاً فقال: لا إنها لو سكتت عند رجل لقالوا: من ذنب ردها فردها. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفاً حديث : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معنا ماء فقال لنا: اطلبوا من معه فضل ماء فأتى بماء فوضعه في إناء ثم وضع يده فيه فجعل الماء يخرج من بين أصابعه ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله تعالى فشربنا منه قال عبد الله: كنا نسمع صوت الماء وتسبيحه وهو يشرب تفسير : . وأخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عمر أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن نوحاً عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنيه: آمركما بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيءتفسير : ، وأخرج أحمد عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل فقال لهم: حديث : اركبوها سالمة ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكراً لله تعالى منهتفسير : . وأخرج النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر قال: حديث : نهى النبـي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع وقال نقيقها تسبيحتفسير : . وأخرج ابن أبـي الدنيا وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الشعب» عن أنس بن مالك قال: ظن داود عليه السلام في نفسه أن أحداً لم يمدح خالقه بما مدحه وأن ملكاً نزل وهو قاعد في المحراب والبركة إلى جانبه فقال يا داود افهم إلى ما تصوت به الضفدع فأنصت داود فإذا الضفدع تمدحه بمدحة لم يمدحه بها فقال له الملك: كيف ترى يا داود أفهمت ما قالت؟ قال: نعم قال: ماذا قالت؟ قال: قالت سبحانك وبحمدك منتهى علمك يا رب قال داود: لا والذي جعلني نبيه إني لم أمدحه بهذا. وأخرج أحمد في «الزهد» وأبو الشيخ عن شهر بن حوشب من حديث طويل أن داود عليه السلام أتى البحر في ساعة فصلى فنادته ضفدعة يا داود إنك حدثت نفسك أنك قد سبحت في ساعة ليس يذكر الله تعالى فيها غيرك وأني في سبعين ألف ضفدع كلها قائمة على رجل نسبح الله تعالى ونقدسه. وأخرج الخطيب عن أبـي ضمرة قال: كنا عند علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما فمر بنا عصافير يصحن فقال: أتدرون ما تقول هذا العصافير؟ قلنا: لا قال: أما إني ما أقول أنا نعلم الغيب ولكن سمعت أبـي يقول سمعت أمير المؤمنين علي بن أبـي طالب كرم الله تعالى وجهه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إن الطير إذا أصبحت سبحت ربها وسألته قوت يومها وإن هذه تسبح ربها وتسأله قوت يومهاتفسير : . / وأخرج ابن راهويه في «مسنده» من طريق الزهري قال: أتى أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بغراب وافر الجناحين فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : ما صيد صيد ولا عضدت عضاه ولا قطعت وشيجة إلا بقلة التسبيحتفسير : . وأخرج أبو نعيم في «الحلية» وابن مردويه عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام حديث : ما صيد من صيد ولا وشج من وشج إلا بتضييعه التسبيحتفسير : . وأخرج أبو الشيخ عن أبـي الدرداء وابن مردويه عن ابن مسعود مثل ذلك مرفوعاً أيضاً. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن لولا ما غم عليكم من تسبيح ما معكم من البيوت ما تقاررتم. وأخرج ابن أبـي حاتم عن لوط بن أبـي لوط قال: «بلغني أن تسبيح سماء الدنيا سبحان ربـي الأعلى والثانية سبحانه وتعالى والثالثة سبحانه وبحمده والرابعة سبحانه لا حول ولا قوة إلا به والخامسة سبحان محيـي الموتى وهو على كل شيء قدير والسادسة سبحان الملك القدوس والسابعة سبحان الذي ملأ السمٰوات السبع والأرضين السبع عزة ووقاراً» إلى ما لا يكاد يحصى من الأخبار والآثار وهي بمجموعها متعاضدة في الدلالة على أن التسبيح قالي كما لا يخفى وهو مذهب الصوفية، وذكروا أن السالك عند وصوله إلى بعض المقامات يسمع تسبيح الأشياء بلغات شتى. وقد روي عن بعض السلف سماعه لتسبيح بعض الجمادات. واختلف القائلون بهذا التسبيح فقال بعضهم: بثبوته للأشياء مطلقاً، وقيل إن التراب يسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح وإن الخرزة تسبح ما لم ترفع من موضعها فإذا رفعت تركت وإن الورقة تسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت وإن الثوب يسبح ما لم يتسخ فإذا اتسخ ترك وإن الوحش والطير تسبح إذا صاحت وإذا سكتت تركت، وعلى هذا ما أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن شوذب قال: جلس الحسن مع أصحابه على مائدة فقال بعضهم: هذه المائدة تسبح الآن فقال الحسن: كلا إنما ذاك كل شيء على أصله. وأخرج عن السدي أنه قال: ما من شيء على أصله الأول لم يمت إلا وهو يسبح بحمده تعالى، ولعله أراد بالموت خروجه عن أصله الأول. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن قتادة أنه قال في الآية: كل شيء فيه الروح يسبح من شجرة وحيوان، وكون الشجرة ذات روح مبني على قول الناس فيها إذا يبست ماتت، واستثنى بعضهم بعض الحيوانات من عموم كل شيء لما أخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس أنه قال: كل شيء يسبح إلا الحمار والكلب. ولا أرى لاستثناء ما ذكر وجهاً وفي القلب من صحة الرواية عن الخبر شيء، وكذا للتقييد بعد أن لم تكن الجمادية مانعة عن التسبيح والأخبار الظاهرة في عدم التقييد أكثر، ولا أظن أن لما يخالفها امتيازاً عليها في الصحة. ويشكل على هذا القول ما تقدم عن الإمام من إباء التذييل عنه وعدم وجود العلم الذي يستدعيه التسبيح القالي في الجمادات، وتفصى بعضهم عن هذا بالتزام أن لكل شيء حياة وعلماً لائقين به ولا يطلع على حقيقة ذلك إلا الله تعالى اللطيف الخبير فكل ما في العالم عند هذا الملتزم حي عالم لكنه متفاوت المراتب في العلم والحياة. ونقل الشعراني عن الخوَّاص أنه قال: كل جماد يفهم الخطاب ويتألم كما يتألم الحيوان، وقال الشيخ الأكبر قدس سره: إن المسمى بالجماد والنبات له عندنا أرواح بطنت عن إدراك غير الكشف إياها في العادة فالكل عندنا حي ناطق غير أن هذا المزاج الخاص يسمى إنساناً لا غير بالصورة ووقع التفاضل بين الخلائق في المزاج والكل / يسبح الله تعالى كما نطقت الآية به ولا يسبح إلا حي عاقل عالم عارف بمسبحه، وقد ورد أن المؤذن يشهد له مدى صوته من رطب ويابس، والشرائع والنبوات مشحونة بما هو من هذا القبيل ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف إلى آخر ما قال. واستدل بعضهم في هذا المقام بما روي حديث : عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في دعائه للحمى: يا أم ملدم إن كنت آمنت بالله تعالى فلا تأكلي اللحم ولا تشربـي الدم ولا تفوري من الفم وانتقلي إلى من يزعم أن مع الله تعالى آلهة أخرى فإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلمتفسير : ، وجاء عن السجاد رضي الله تعالى عنه في «الصحيفة» في مخاطبة القمر ما هو ظاهر في أن له شعوراً، واستفاض عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب للنيل كتاباً يخاطبه فيه بما يخاطبه وضرب الأرض بالدرة حين تزلزلت وقال لها: إني أعدل عليك. وكم وكم في الأخبار نحو ذلك قيل ولا داعي لتأويلها إذ لا أحد يقول: إن شعور الجمادات كشعور الحيوانات الظاهرة بحيث يدركه كل أحد حتى يكون العمل بظاهر اللفظ خلاف حس العقلاء فيجب ارتكاب التأويل والتجوز، ومن علم عظم قدرة الله عز وجل وأنه سبحانه لا يعجزه شيء وأن المخلوقين على اختلاف مراتبهم لا سيما المنغمسين في أوحال العلائق والعوائق الدنيوية والمسجونين في سجين الطبيعة الدنية لم يقفوا على عشر العشر مما أودع في عالم الإمكان ونقش بيد الحكمة على برود الأعيان سلم ما جاء به الصادق عليه الصلاة والسلام وإن خالف ما عنده نسب القصور إلى نفسه فرب فكر يظنه المرء حقاً وهو من الأوهام كما لا يخفى على من أنصف ولم يتعسف. وعلى هذا الذي ذكروه لا تحتاج إعادة ضمير ذوي العلم في {تَسْبِيحَهُمْ} على ما تقدم إلى توجيه. وتفصى آخر عن الأول بأن قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} متعلق بقوله سبحانه: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ} ولا يخفى ما في هذا التفصي، ولعل الأولى فيه أن يلتزم حمل التسبيح على ما هو الأعم من الحالي والقالي ويثبت كلا النوعين لكل شيء، والتذييل باعتبار القصور في فقه الحالي لا باعتبار القصور في فقه الآخر، ويشكل أيضاً أن من أفراد من نسب إليه التسبيح الجحد فضلاً عن الساكت فالحمل على المجاز واجب. وأجيب بأن استثناء أولئك معلوم بقرينة السباق واللحاق، وزعم من زعم أن الجاحد مقدس أيضاً وأنشدوا للحلاج:شعر : جحودي لك تقديس وعقلي فيك منهوس فما آدم إلاك وما في الكون إبليس تفسير : وأنت تعلم أن مثل هذا الحلج والندف صار سبباً لما لاقى من الحتف فماذا عسى أقول سوى حسبنا الله ونعم الوكيل. وقرىء {لا يفقهون} على صيغة المبني للمفعول من باب التفعيل.

ابن عاشور

تفسير : جملة {يسبح له} الخ. حال من الضمير في {سبحانه} أي نسبحه في حال أنه {يسبح له السماوات السبع} إلخ، أي {يسبح له} العوالم وما فيها وتنزيهه عن النقائص. واللام في قوله: {له} لام تعدية {يسبح} المضمن معنى يشهد بتنزيهه، أو هي اللام المسماة لام التبيين كالتي في قوله: {أية : ألم نشرح لك صدرك }تفسير : [الشرح: 1] وفي قولهم: حمدت الله لك. ولما أسند التسبيح إلى كثير من الأشياء التي لا تنطق دل على أنه مستعمل في الدلالة على التنزيه بدلالة الحال، وهو معنى قوله: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} حيث أعرضوا عن النظر فيها فلم يهتدوا إلى ما يحف بها من الدلالة على تنزيهه عن كل ما نسبوه من الأحوال المنافية للإلهية. والخطاب في {لا تفقهون} يجوز أن يكون للمشركين جرياً على أسلوب الخطاب السابق في قوله: {أية : إنكم لتقولون قولاً عظيماً }تفسير : [الإسراء: 40] وقوله:{أية : لو كان معه آلهة كما تقولون} تفسير : [الإسراء: 42] لأن الذين لم يفقهوا دِلالة الموجودات على تنزيه الله تعالى هم الذين لم يثبتوا له التنزيه عن النقائص التي شهدت الموجودات حيثما توجه إليها النظر بتنزيهه عنها فلم يحرم من الاهتداء إلى شهادتها إلا الذين لم يقلعوا عن اعتقاد أضدادها. فأما المسلمون فقد اهتدوا إلى ذلك التسبيح بما أرشدهم إليه القرآن من النظر في الموجودات وإن تفاوتت مقادير الاهتداء على تفاوت القرائح والفهوم. ويجوز أن يكون لجميع الناس باعتبار انتفاء تمام العلم بذلك التسبيح. وقد مثل الإمام فخر الدين ذلك فقال: إنك إذا أخذت تُفاحة واحدة فتلك التفاحة مركبة من عدد كثير من الأجزاء التي لا تتجزأ (أي جواهر فردة)، وكل واحد من تلك الأجزاء دليل تام مستقل على وجود الإله، ولكل واحد من تلك الأجزاء التي لا تتجزأ صفاتٌ مخصوصة من الطبع والطعم واللون والرائحة والحيز والجهة، واختصاص ذلك الجوهر الفرد بتلك الصفة المعينة هو من الجائزات فلا يُجعل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر حكيم، فكل واحد من أجزاء تلك التفاحة دليل تام على وجود الإله تعالى، ثم عدد تلك الأجزاء غير معلوم وأحوال تلك الصفات غير معلومة، فلهذا المعنى قال تعالى: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم}. ولعل إيثار فعل {لا تفقهون} دون أن يقول: لا تعلمون، للإشارة إلى أن المنفي علم دقيق فيؤيد ما نحاه فخر الدين. وقرأ الجمهور {يسبح} ــــ بياء الغائب ــــ وقرأه أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، ويعقوب، وخلف ــــ بتاء جماعة المؤنث ــــ والوجهان جائزان في جموع غير العاقل وغير حقيقي التأنيث. وجملة {إنه كان حليماً غفوراً} استئناف يفيد التعريض بأن مقالتهم تقتضي تعجيل العقاب لهم في الدنيا لولا أن الله عاملهم بالحلم والإمهال. وفي ذلك تعريض بالحث على الإقلاع عن مقالتهم ليغفر الله لهم. وزيادة (كان) للدلالة على أن الحلم والغفران صفتان له محققتان.

الشنقيطي

تفسير : قرأ جمهور القراء "كما تقولون" بتاء الخطاب. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم "كما يقولون" بياء الغيبة. وفي معنى هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير، كلاهما حق ويشهد له قرآن. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد يكون فيها وجهان كلاهما حق، وكلاهما يشهد له قرآن فنذكر الجميع لأنه كله حق. الأول من الوجهين المذكورين - أن معنى الآية الكريمة: لو كان مع الله آلهة أخرى كما يزعم الكفار لابتغوا - أي الآلهة المزعومة - أي لطلبوا إلى ذي العرش - أي إلى الله سبيلاً - أي إلى مغالبته وإزالة ملكه، لأنهم إذاً يكونون شركاءه كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض. سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً! وهذا القول في معنى الآية هو الظاهر عندي، وهو المتبادر من معنى الآية الكريمة. ومن الآيات الشاهدة لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُون عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [المؤمنون:91-92]، وقوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}تفسير : [الأنبياء:22] وهذا المعنى في الآية مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبي علي الفارسي، والنقاش، وأبي منصور، وغيره من المتكلمين. الوجه الثاني في معنى الآية الكريمة: أن المعنى {لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} أي طريقاً ووسيلة تقربهم إليه لاعترافهم بفضله. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}تفسير : [الإسراء:57] الآية. ويروى هذا القول عن قتادة. واقتصر عليه ابن كثير في تفسيره. ولا شك أن المعنى الظاهر المتبادر من الآية بحسب اللغة العربية هو القول الأول، لأن في الآية فرض المحال، والمحال المفروض الذي هو وجود آلهة مع الله مشاركة له لا يظهر معه أنها تتقرب إليه، بل تنازعه لو كانت موجودة، ولكنها معدومة مستحيلة الوجود. والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {تسبح له السموات.. } الآية. المراد بالتَّسبيح في هذه الآية الدَّلالة على أنَّ الله سبحانه خالقٌ حكيمٌ مبرَّأٌ من الأسواء، والمخلوقون والمخلوقاتُ كلُّها تدلُّ على هذا وقوله: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} مخاطبة للكفَّار؛ لأنَّهم لا يستدلُّون ولا يعتبرون. {وإذا قرأت القرآن...} الاية. نزلت في قومٍ كانوا يُؤذون النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن، فحجبه الله تعالى عن أعينهم عند قراءة القرآن، حتى كانوا يمرُّون به ولا يرونه. وقوله: {مستوراً} معناه: ساتراً. {وجعلنا على قلوبهم أكنة} سبق تفسيره في سورة الأنعام. {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده} قلت: لا إله إلاَّ الله وأنت تتلو القرآن {ولوا على أدبارهم نفوراً} أعرضوا عنك نافرين. {نحن أعلم بما يستمعون به} نزلت حين دعا عليٌّ رضي الله عنه أشراف قريش إلى طعام اتَّخذه لهم، ودخل عليهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله سبحانه، وهم يقولون فيما بينهم متناجين: هو ساحرٌ، وهو مسحورٌ، فأنزل الله تعالى: {نحن أعلم بما يستمعون به} أَيْ: يستمعونه. أخبر الله سبحانه أنَّه عالمٌ بتلك الحال، وبذلك الذي كان يستمعونه {إذ يستمعون} إلى الرَّسول {وإذ هم نجوى} يتناجون بينهم بالتَّكذيب والاستهزاء {إذ يقول الظالمون} المشركون: {إن تتبعون} ما تتبعون {إلاَّ رجلاً مسحوراً} مخدوعاً أن اتَّبعتموه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتُ} (44) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ تُقَدِّسُهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، وَتُنَزِّهُهُ وَتَعَظِّمُهُ وَتُجِلُّهُ عَمَّا يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ، وَتَشْهَدُ لَهُ بَالرُّبُوبِيَّةِ وَالوحْدَانِيَّةِ، وَمَا مِنْ شَيءٍ فِي الوُجُودِ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنَّ النَّاسَ لاَ يَفْهَمُونَ تَسْبِيحَهُمْ، لأَِنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ لُغَةً، وَوَسِيلَةً لِلتَّعْبِيرِ عَنْ تَسْبِيحِهِ رَبَّهُ. وَكَانَ اللهُ حَلِيماً لاَ يُعَاجِلُ مَنْ عَصَاهُ بِالعُقُوبَةِ، بَلْ يُؤَجِّلُهُ وَيُنْظِرُهُ، فَإِنْ تَابَ وَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ مُسْتَغْفِراً غَفَرَ لَهُ، وَإِنِ اسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَغَيِّهِ أَخَذَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.

الثعلبي

تفسير : {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} قرأ الحسن: وأبو عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي وحفص: بالتاء، غيرهم: يسبح بالياء وإختاره أبو عبيد [.......] وهو التأنيث ومعنى التسبيح التنزيه والطاعة والالتزام بالربوبية وكونها دالة على وجوده وتوحيده. {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} . قال ابن عبّاس: وإن من شيء حي. وقال الحسن والضحاك: يعني كل شيء فيه الروح. قال قتادة: يعني الحيوانات والنباتات [..........]. قال عكرمة: الشجرة تسبح والإسطوانة لا تسبح. قال أبو الخطاب: كنا مع يزيد الرقاشي ومعه الحسن في فقدموا الخوان فقال يزيد الرقاشي يا أبا سعيد يسبح هذا الخوان؟ فقال كان يسبح مرة وقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : [ما سبحت عصا إلا ترك] التسبيح ". تفسير : وقال إبراهيم: الطعام يسبح. وروى موسى بن عبيدة عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: يابني آمرك أن تقول: سبحان الله وبحمده فإنها صلاة الخلق وتسبيحهم [وبها يرزق الخلق]" . تفسير : قال الله {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}. قال وهب: إن [..........] إلا وقد كان يسبح لله ثلثمائة سنة. وروى عبد الله بن [..........] عن المقداد بن معد يكرب قال: إن التراب يسبح مالم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح، وإن الجوزة لتسبح مالم ترفع من موضعها، فإذا رفعت ترك التسبيح، وإن الورق يسبح مادام على الشجرة، فإذا سقط ترك التسبيح وإن الماء ليسبح مادام ماءاً فإذا [تغير] ترك التسبيح، وإن الثوب يسبح مادام جديداً فإذا وسخ ترك التسبيح، وإن الوحش إذا صاحت سبحت فإذا سكتت تركت التسبيح، وإن الثوب [الخلق] لينادى في أول النهار: اللهُمَّ إغفر لمن [......]. وروى أبو عتبة عن ثابت البنائي عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ كفاً من حصى فسبحن في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى سمعنا التسبيح، ثمّ صبّهن في يد أبي بكر حتّى سمعنا التسبيح ثمّ صبهن في عمر حتّى سمعنا التسبيح، ثمّ صبّهن في يد عثمان حتّى سمعنا التسبيح، ثم صبّهن في أيدينا فما سبحت في أيدينا. وعن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: "حديث : مرض النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه جبرئيل بطبق فيها رمان وعنب فتناول النبي صلى الله عليه وسلم فسبح، ثمّ دخل الحسن والحسين فتناولا فسبح العنب والرمان، ثمّ دخل عليّ فتناول منه فسبح أيضاً، ثمّ دخل رجل من أصحابه فتناول فلم يسبح، فقال جبرئيل: إنما يأكل هذا نبي أو وصي أو ولد نبي ". تفسير : {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} يعني لا تعلمون تسبيح ماعدا من تسبيح بلغاتكم وألسنتكم {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً * وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ} يا محمّد [على] المشركين {جَعَلْنَا بَيْنَكَ} بينهم حجاباً يحجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به. قتادة: هو حجاب مستور، والمستور يعني الساتر كقوله {أية : إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} تفسير : [مريم: 61] الآية مفعول بمعنى فاعل. وقيل: معناه مستوراً عن أعين الناس فلا يرونه. وفسّره بعض المفسرين: بالكتاب عن الأعين الظاهرة [فلا يرونه ولا يخلصون] إلى أدلته. عطاء عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} تفسير : [المسد: 1] حديث : جاءت امرأة أبي لهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر (رضي الله عنه) فقال: يا رسول الله لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك، فإنها امرأة بذيئة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إنه سيحال بيني وبينها" فلم تره فقالت لأبي بكر: يا أبا بكر هجاني صاحبك قال: والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله. فقالت: وإنك لمصدقه فاندفعت راجعة. قال أبو بكر: يارسول الله أما رأتك؟ قال: "لا مازال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت" . تفسير : وروى الكلبي عن رجل من [أهل الشام] عن كعب في هذه الآية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستتر من المشركين بثلاث آيات: الآية التي في الكهف {أية : جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} تفسير : [الكهف: 57] والآية التي في النحل {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ...} تفسير : إلى قوله {أية : هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} تفسير : [النحل: 108]. والآية التي في الجاثية {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ...} تفسير : [الجاثية: 23] إلى قوله {أية : غِشَاوَةً} تفسير : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأهن يستتر من المشركين. قال كعب: فحدثت بهن رجلاً من أهل الشام فمكث فيهم ما شاء الله أن يمكث ثمّ قرأ بهنّ فخرج هارباً وخرجوا في طلبه حتّى كانوا يكونون على طريقه ولا يبصرونه. قال الكلبي: حدثت به رجلاً بالري فأُسر بالديلم فمكث فيهم ماشاء الله أن يمكث ثمّ قرأهنّ وخرج هارباً وخرجوا في طلبه حتّى جعل ثيابهم لتلتمس ثيابه فما يبصرونه. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ} يقول: وإذا قلت: لا إله إلاّ الله في القرآن وحده وأنت تتلوه {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} كارهين له معرضين عنها. حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عبّاس في قوله {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} قال: هم الشياطين والنفور جمع نافر مثل قاعد وقعود وجالس وجلوس، وجائز أن يكون مصدراً أُخرج على غير لفظه إذا كان قوله {وَلَّوْاْ} بمعنى نفروا، فيكون معناه [نفوراً]. {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} لن يقرأ القرآن {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} متناجون في أمرك، بعضهم يقول: هو مجنون، وبعضهم يقول: هو كاهن، وبعضهم: ساحر، وبعضهم: شاعر {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ} بمعنى الوليد بن المغيرة وأصحابه حين رجع إليه كفار مكة من أمر محمّد وشاوروه فقال {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} مطبوباً، وقيل: مخدوعاً، وقال أبو عبيدة: [مسحوراً] يعني رجلاً له سحر يأكل ويشرب مثلكم والسحر الرئة يقول العرب للجبان: قد سحره ولكل من أكل وشرب من آدمي وغيره مسحور ومسحر. قال الشاعر امرىء القيس: شعر : أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب تفسير : أي: نغذي ونعلل. {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} شبّهوا ذلك الأشباه. فقالوا: شاعر وساحر وكاهن ومجنون {فَضَلُّواْ} فجالوا وجاروا {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} مخرجاً ولا يهتدون إلى طريق الحق. {وَقَالُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً} بعد الموت {وَرُفَاتاً}. قال ابن عبّاس: غباراً. قال مجاهد: تراباً، والرفات ما تكسر وبلا من كل شيء، كالفتات والحطام والرضاض. {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} في الشدة والقوة {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} يعني خلقاً مما يكبر عندكم عن قبول الحياة وبعثكم وعملكم على [.........] احياؤه فإنه يجيئه، وقيل: ما يليه من بعد ورائهم الموت، وقيل: السموات والأرض، وقيل: أراد به البعث وقيل الموت. وقال أكثر المفسرين: ليست في نفس بني آدم أكبر من الموت، يقول: لو كنتم الموت لأُميتنكم ولأبعثنكم. سفيان عن مجاهد وعكرمة في قوله {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} قالا: الموت. وروى المعمر عن مجاهد قال: السماء والأرض والجبال يقول كونوا ماشئتم فإن الله يميتكم ثمّ يبعثكم {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا} خلقاً جديداً بعد الموت {قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ} خلقكم {أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} أي يحركون رؤوسهم متعجبين ومستهزئين يقال: نغضت سنه إذا حركت وأقلعت من أصله. قال الراجز: شعر : أبغض نحوى رأسه وأقنعا تفسير : وقال آخر: شعر : لما رأسني الغضت لي الرأسا تفسير : وقال الحجاج: [أمسك بقضباً لابني] مستهدجا. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً} يعني هو قريب لأن عسى من الله واجب نظيره قوله {أية : لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} تفسير : [الأحزاب: 63]، و {أية : لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} تفسير : [الشورى: 17]. {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} من قبوركم إلى [موقف يوم القيامة] { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} . قال ابن عباس: بأمره. قتادة: بمعرفته وطاعته، ويحمدونه [وهو مستحق] للحمد. {وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ} في الدنيا في قبوركم {إِلاَّ قَلِيلاً} زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمرو حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على أهل لا إله إلاّ الله وحشة في قبرهم ولا حشرهم، كأني بأهل لا إله إلاّ الله وهم ينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون{ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} [فاطر: 34] الآية " .

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : التسبيح: هو حيثية الإيمان بالله؛ لأنك لا تؤمن بشيء في شيء إلاَّ أنْ تثق أن مَنْ آمنت به فوقك في ذلك الشيء، فأنت لا تُوكِّل أحداً بعمل إلا إذا أيقنتَ أنه أقدر منك وأحكم وأعلم. فإذا كنت قد آمنت بإله واحد، فحيثية ذلك الإيمان أن هذا الإله الواحد فوق كل المألوهين جميعاً، وليس لأحد شبه به، وإن اشترك معه في مُطْلَق الصفات، فالله غنيّ وأنت غني، لكن غِنَى الله ذاتيّ وغِنَاك موهوب، يمكن أنْ يُسلب منك في أي وقت. وكذلك في صفة الوجود، فالله تعالى موجود وأنت موجود، لكن وجوده تعالى لا عن عدم، بل هو وجود ذاتي ووجودك موهوب سينتهي في أي وقت. إذن: فتسبيح الله هو حيثية الإيمان به كإله، وإلا لو أشبهناه في شيء أو أشبهنا في شيء ما استحق أن يكون إلهاً. والتسبيح: هو التنزيه، وهذا ثابت لله تعالى قبل أن يوجد منْ خَلْقه مَنْ يُنزِّهه، والحق سبحانه مُنزَّه بذاته والصفة كائنة له قبل أن يخلق الخلق؛ لأنه خالق قبل أن يخلق، كما نقول: فلان شاعر، أهو شاعر لأنه قال قصيدة؟ أم شاعر بذاته قبل أن يقول شعراً؟ الواقع أن الشعر موهبة، وملَكة عنده، ولولاها ما قال شعراً، إذن: هو شاعر قبل أن يقول. كذلك فصفات الكمال في الله تعالى موجودة قبل أن يوجد الخَلْق. لذلك فإن المتتبع لهذه المادة في القرآن الكريم مادة (سبح) يجدها بلفظ (سُبْحان) في أول الإسراء: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ ..}تفسير : [الإسراء: 1]. ومعناها أن التنزيه ثابت لله تعالى قبل أن يخلق من ينزهه. ثم بلفظ: {أية : سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الحديد: 1]. بصيغة الماضي، والتسبيح لا يكون من الإنسان فقط، بل من السماوات والأرض، وهي خَلْق سابق للإنسان. ثم يأتي بلفظ: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الجمعة: 1]. بصيغة المضارع؛ ليدل على أن تسبيح الله ليس في الماضي، بل ومستمر في المستقبل لا ينقطع. إذن: ما دام التسبيح والتنزيه ثابتاً لله تعالى قبل أن يخلق مَنْ يُنزِّهه، وثابتاً لله من جميع مخلوقاته في السماوات والأرض، فلا تكُنْ أيها الإنسان نشازاً في منظومة الكون، ولا تخرج عن هذا النشيد الكوني: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [الأعلى: 1]. وقوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ ..} [الإسراء: 44]. أي: ما من شيء، كل ما يُقال له شيء. والشيء هو جنس الأجناس، فالمعنى أن كل ما في الوجود يُسبِّح بحمده تعالى. وقد وقف العلماء أمام هذه الآية، وقالوا: أي تسبيح دلالة على عظمة التكوين، وهندسة البناء، وحكمة الخلق، وهذا يلفتنا إلى أن الله تعالى مُنزَّه ومُتعَالٍ وقادر، ولكنهم فهموا التسبيح على أنه تسبيح دلالة فقط؛ لأنهم لم يسمعوا هذا التسبيح ولم يفهموه. وقد أخرجنا الحق سبحانه وتعالى من هذه المسألة بقوله: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..} [الإسراء: 44]. إذن: يوجد تسبيح دلالة فعلاً، لكنه ليس هو المقصود، المقصود هنا التسبيح الحقيقي كُلّ بِلُغتِه. فقوله تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..} [الإسراء: 44]. يدل على أنه تسبيح فوق تسبيح الدلالة الذي آمن بمقتضاها المؤمنون، إنه تسبيح حقيقيّ ذاتيّ ينشأ بلغة كل جنس من الأجناس، وإذا كنا لا نفقه هذا التسبيح، فقد قال تعالى: {أية : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ..}تفسير : [النور: 41]. إذن: كل شيء في الوجود عَلِم كيف يُصلّي لله، وكيف يُسبِّح لله، وفي القرآن آياتٌ تدل بمقالها ورمزيتها على أن كل عَالَم في الوجود له لغة يتفاهم بها في ذاته، وقد يتسامى الجنس الأعلى ليفهم عن الجنس الأدنى لُغته، فكيف نستبعد وجود هذه اللغة لمجرد أننا لا نفهمها؟ وها هم الناس أنفسهم ولهم في الأداء القوليّ لغة يتفاهمون بها، ومع ذلك تختلف بينهم اللغات، ولا يفهم بعضهم بعضاً، فإذا ما تكلم الإنجليزي - مع أنه يتكلم بألفاظ العربي - ومع ذلك لا يفهمه؛ لأنه ما تعلَّم هذه اللغة. واللغة ظاهرة اجتماعية، بمعنى أن الإنسان يحتاج للغة؛ لأنه في مجتمع يريد أن يتفاهم معه ليعطيه ما عنده من أفكار، ويسمع ما عنده من أفكار فلا بُدَّ من اللغة لنقل هذه الأفكار، ولو أن الإنسان وحده ما كان في حاجة إلى لغة؛ لأنه سيفعل ما يخطر بباله وتنتهي المسألة. واللغة لا ترتبط بالدم أو الجنس أو البيئة؛ لأنك لو أتيتَ بطفل إنجليزي مثلاً، ووضعتَه في بيئة عربية سيتكلم العربية؛ لأن اللغة ظاهرة اجتماعية تعتمد على السمع والمحاكاة؛ لذلك إذا لم تسمع الأذن لا تستطيع أن تتكلم، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ..}تفسير : [البقرة: 18]. فهم بُكْم لا يتكلمون؛ لأنهم صُمٌّ لم يسمعوا شيئاً، فإذا لم يسمع الإنسان اللفظ لا يستطيع أن يتحدثَ به؛ لأن ما تسمعه الأذن يحكيه اللسان. إذن: بالسماع انتقلتْ اللغة، كُلٌّ سمع من أبيه، ومن البيئة التي يعيش فيها، فإذا ما سلسلْتَ هذه المسألة ستصل إلى آدم - عليه السلام - وهنا يأتي السؤال: وممَّنْ سمع آدم اللغة التي تكلم بها؟ وقد حلَّ لنا القرآن الكريم هذه القضية في قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ..}تفسير : [البقرة: 31]. وأكثر من ذلك، فقد يتكلم العربي بنفس لغتك ولا تفهم عنه ما يقول، واللغة هي اللغة، كما حدث مع أبي علقمة النحوي، وكان يتقعَّر في كلامه ويأتي بألفاظ شاذة غير مشتهرة، وقد أتعب بذلك مَنْ حوله، وخاصة غلامه الذي ضاق به ذَرْعاً لكثرة ما سمع منه من هذا التقعر. ويُروَى أنه في ذات ليلة قال أبو علقمة لغلامه: (أَصَقَعَتِ العَتَارِيفُ)؟ فردَّ عليه الغلام قائلاً: (زقْفَيْلَم). وكانت المرة الأولى التي يستفهم فيها أبو علقمة عن كلمة، فقال: يا بني وما (زقْفَيْلَم)؟ قال: وما (صقعت العتاريف)؟ قال: أردتُ: أصاحت الديكة؟ فقال الغلام: وأنا أردتُ لم تَصِحْ. إذن: فكيف نستبعد أننا لا نعلم لغة المخلوقات الأخرى من حيوان ونبات وجماد؟ ألم يكْفِنا ما أخبرنا الله به من وجود لغة لجميع المخلوقات، وإنْ كنا لا نفهمها؛ لأننا نعتقد أن اللغة هي النطق باللسان فقط، ولكن اللغة أوسع من ذلك. فهناك - مثلاً - لغة الإشارة، ولغة النظرات، ولغة التلغراف. إذن: اللغة ليست اللسان فقط، بل هي استعداد لاصطلاح يُفْهم ويُتعارف عليه، فالخادم مثلاً يكفي أن ينظرَ إليه سيّده نظرة يفهم منها ما يريد، فهذه النظرة لَوْنٌ من ألوان الأداء. والآن بدأنا نسمع عن قواميس يُسجّل بها لغات بعض الحيوانات لمعرفة ما تقول. وقد أعطانا الحق تبارك وتعالى إشارات تدل على أن لكل عَالَم لغة يتفاهم بها، كما في قوله تعالى: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ ..}تفسير : [الأنبياء: 79]. فالجبال تُسبّح مع داود، وتُسبِح مع غيره، ولكن المراد هنا أنها تُسبّح معه ويوافق تسبيحها تسبيحه، وكأنهما في أنشودة جماعية منسجمة. إذن: فلا بُدَّ أن داود عليه السلام قد فَهِم عنها وفهمتْ عنه. وكذلك النملة التي تكلمتْ أمام سليمان عليه السلام ففهم كلامها، وتبسَّم ضاحكاً من قولها. وقد علَّمه الله منطقَ الطير. إذن: لكل جنس من الأجناس منطق يُسبّح الله به، ولكن لا نفقه هذا التسبيح؛ لأنه تسبيح بلغة مُؤدِّية مُعبّرة يتفاهم بها مَنْ عرف التواضع عليها. وقد جعل الحق سبحانه وتعالى تنزيهه مطلقاً ينقاد له الجميع، حتى الكافر ينقاد لتنزيه الله قَهْراً عنه، مع أن لديه ملكةَ الاختيار بين الكفر أو الإيمان، لكن أراد الحق سبحانه أن يكون تنزيهه مُطْلقاً من الجماد والنبات والحيوان، ومن المؤمن والكافر. كيف ذلك؟ أطلق الحق سبحانه على ذاته لفظ الجلالة (الله) فهو عَلَم على واجب الوجود، ثم تحدّى الكافرين أنْ يُسمُّوا أحداً بهذا الاسم، فقال: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 65]. ومع ما عندهم من إِلْفٍ بالمخالفة وعناد بالإلحاد، مع ذلك لم يجرؤ أحد منهم أنْ يُسمِّي ابناً له بهذا الاسم، ومعلوم أن التسمية أمر اختياريّ يطرأ على الجميع. إذن: فهذا تنزيه لله تعالى، حتى من الكافر رَغْماً عنه، وهو دليل على عظمته سبحانه وجلاله، هذه العظمة وهذا الجلال الذي لم يجرؤ حتى الكافر على التشبُّه به؛ ذلك لأنهم في كفرهم غير مقتنعين بالكفر، ويخافون بطش الله وانتقامه إنْ أقدموا على هذا العمل، لذلك لا يجرؤ أحد منهم أنْ يُجرِّب في نفسه مثل هذه التسمية. وفي مجال العبادات، فقد اختار الحق سبحانه لنفسه عبادة لا يشاركه فيها أحد، ولا يقدمها أحد لغيره تعالى؛ لأن الناس كثيراً ما يتقربون لأمثالهم من البشر بأعمال أشبه ما تكون بعبادة الله تعالى، فمنهم مَنْ ينحني خضوعاً لغيره؛ كأنه راكع أو ساجد، ومنهم مَنْ يمدح جباراً بأنه لا مثيلَ له، وتصل به المبالغة إلى جَعْله إلهاً في الأرض، ومنهم مَنْ يسجدُ للشمس كما فعل أهل سبأ وأخبر الهدهد عنهم بقوله: {أية : وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [النمل: 24]. ألسْنَا نرى إنساناً يتقرّب لأحد الحكام، بأن ينفق فيما يحبه هذا الحاكم، وكأنه يُخرِج زكاة ماله؟ ألسْنا نرى أحدهم يذهب كل يوم إلى قصر سيده، ويُوقّع في سجل التشريفات باسمه ليقدم بذلك فروض الولاء والطاعة؟ إذن: فالإيمان بالوحدانية في شيء متميز وارد عند الناس، والخضوع الزائد بالسجود أو بالركوع أو بالكلام وارد عند الناس. لذلك تفرّد الحق سبحانه بفريضة الصوم، وجعلها خالصة له سبحانه، لا يتقرب بها أحد لأحد، وهل رأيت إنساناً يتقرّب لآخر بصوم؟ فانظر إلى هذه السُّبْحانية وهذا التنزيه في ذاته سبحانه، فلا يجرؤ أحد أنْ يتسمّى باسمه. وفي العبادة لا يُصَام لأحد غيره تعالى، فلو تصوَّرنا أن يقول واحد للآخر: أنا سأتقرّب إليك بصوم هذا اليوم أو هذا الشهر، إذن: أنت تريد منه أن يجلس بجوارك يحرسك ويراعي صومك، فكأنك تريد له العنت والمشقة من حيث تريد أنت أنْ تتقرّب إليه. لذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ". تفسير : يعني من الممكن أن يتقرب بأيِّ ركن من أركان الإسلام لغيري، إلا الصوم، فلا يجرؤ أحد أنْ يتطوّع به أو يتقرب به لأحد. إذن: فالسُّبحانية هي الدليل السائد الشامل الجامع لكل الخَلْق؛ لذلك نقول للكافر: أيها الكافر لقد تأبَّيْتَ على الإيمان بالله، وللعاصي: لقد تأبيتَ على أوامر الله، وما دُمْتُم قد تأبيتم على الله، وألفتم هذا التأبِّي وهذا التمرد، فلماذا لا تتأبون على المرض إنْ أصابكم، وعلى الموت إنْ طرق بابكم؟ لماذا لا تتمرد على ملك الموت وتقول له: لن أموت اليوم؟! إنها قاهرية الحق سبحانه وتعالى حتى على الكافر، فلا يستطيع أحد أن يخرج عليها أو يتمرد. وكذلك العاصي حينما ينحرف عن الجادّة، وتمتد يده إلى مال غيره بالسرقة أو الاختلاس أو التعدِّي على المال العام، فإن الحق سبحانه يفتح عليه أبواباً للإنفاق تبتلع ما جمع من الحرام، وربما أخذت في طريقها الحلال أيضاً، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "حديث : من جمع مالاً من مهاوش أذهبه الله في نهابر ". تفسير : فالتسبيح إذن لغة الكون كله، منه ما نفهمه، ومنه ما لا نفهمه، إلا مَنْ أطلعه الله عليه، فإذا مَنَّ الله على أحد وعلّمه لغة الطير أو الحيوان أو النبات أو الجماد، فهمها وفقه عنها، كما أنعم بهذه النعم على داود وسليمان عليهما السلام. ويقول سليمان - عليه السلام - شاكراً هذه النعمة: {أية : رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ..}تفسير : [النمل: 19]. فقَوْل الحق سبحانه: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ..} [الإسراء: 44]. يجب على العلماء أنْ ينقلوها من خاطر الدلالة إلى خاطر المقالة أيضاً، ولكنها مقالة، ولكنها مقالة بلغة يفهمها أصحابها إذا شاء الله لهم ذلك. ثم يُذيّل الحق سبحانه هذه الآية بقوله: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} [الإسراء: 44]. لأن الإنسانَ كثيراً ما يغفل الاستدلال بظواهر الكون وآياته دلالة الحال، فيقف على قدرة الله وبديع صُنْعه، وكذلك كثيراً ما يغفل عن تسبيح الله تسبيح المقالة؛ لذلك أخبر سبحانه أنه حليمٌ لا يعاجل الغافلين بالعقوبة، وغفور لمن تاب وأناب. وهذا من رحمته سبحانه بعباده، فلولا أنْ يتداركَ الله العباد بهذه الرحمة لكان الإنسان سيد الكون أقلّ حظاً من الحيوان، ويكفي أن تتدبر قوله تعالى عن تسبيح المخلوقات له سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ..}تفسير : [الحج: 18]. فها هي جميع الأجناس من جماد ونبات وحيوان تسجد لله لا يتخلف منها شيء، فهي تسجد وتُسبّح بالإجماع، ولم ينقسم الأمر إلا في الإنسان السيّد المكرّم، ولكن لماذا الإنسان بالذات هو الذي يشذُّ عن منظومة التسبيح في الكون؟ نقول: لأنه المخلوق الوحيد الذي مَيَّزَهُ الله بالاختيار، وجعل له الحرية في أنْ يفعل أو لا يفعل، أما باقي المخلوقات فهي مُسخّرة مقهورة، فإن قال قائل: لماذا لم يجعل الحق سبحانه وتعالى الإنسان أيضاً مقهوراً كباقي المخلوقات؟ لقد جعل الله تعالى في الإنسان الاختيار لحكمة عالية، فالقهر يُثبتُ للحق سبحانه صفة القدرة على مخلوقه، فإذا قهره على شيء لا يشذ ولا يتخَلف، ولكنه لا يثبت صفة المحبوبية لله تعالى. أما الاختيار فيثبت المحبوبية لله؛ لأنه خلقك مختاراً تؤمن أو تكفر، ومع ذلك اخترْتَ الإيمان حُباً في الله تعالى، وطاعة وخضوعاً، فأثبتَّ بذلك صفة المحبوبية. وإياك أن تظن أن مَنْ يَعْصي الله يعصيه قهراً عن الله، بل بما ركَّب فيه من الاختيار، وقد يقول قائل: وما ذنب الإنسان أن يكون مختاراً من بين جميع المخلوقات؟ لو حققتَ هذه القضية منطقياً وفلسفياً لوجدتَ الكون كله كان مختاراً، وليس الإنسان فقط، لكن اختارت جميع المخلوقات أنْ تُسلِّم الأمر لله، وفضَّلتْ أن تكون مقهورة مسخرة من البداية، أما الإنسان ففضَّل الاختيار، وقال: سأعمل بحرص، وسأحمل الأمانة بإخلاص، وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]. وفي رَفْض هذه المخلوقات لتحمُّل الأمانة والاختيار دليل على العلم الواسع؛ لأنه يوجد فَرْق كبير بين قبول الأمانة وقت التحمُّل ووقت الأداء. فقد تتحمل الأمانة وأنت واثق من أدائها، لكن يطرأ عليك وقت الأداء مَا يحول بينك وبين أداء الأمانة. والأمانة كما هو معروف لا تُوثَّق ولا تُكتب، وكثيراً ما يقع فيها التلاعب؛ لأنها لا تثبتُ إلا بذمّّة الآخذ الذي قد يضعف عن الأداء وتُلجِئه الأحداث إلى هذا التلاعب أو الإنكار، والأحداث قد تكون أقوى من الرجال. فالإنسان - إذن - لا يضمن نفسه وقت الأداء، وإنْ كان يضمنها وقت التحمُّل، ولهذا اختارت جميع المخلوقات أن تكون مقهورة مُسيَّرة، أما الإنسان فقال: لي عقل وأستطيع التصرُّف والترجيح بين البدائل، فكان بذلك ظالماً لنفسه؛ لأنه لا يضمنها وقت الأداء، وجهولاً بما يكون من تغيُّر أحواله. فالكون - إذن - ليس مقهوراً رَغْماً عنه، بل بإرادته واختياره، وكذلك الإنسان ليس مختاراً رَغْماً عنه، بل بإرادته واختياره. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ...}.

الأندلسي

تفسير : {وَإِن مِّن شَيْءٍ} ان نافية ومن شىء مبتدأ ومن زائدة وخبره يسبح موجب. {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً} حيث لا يعاجلكم بالعقوبة على سوء نظركم. {غَفُوراً} إن رجعتم ووحدتم الله. {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ} الآية نزلت في أبي سفيان والنضر وأبي جهل وأم جميل امرأة أبي لهب كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قرأ القرآن فحجب الله أبصارهم إذ قرأ فكانوا يمرون به ولا يرونه * ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر تقرير الألوهية ذكر بعده تقرير النبوّة وذكر شيئاً من أحوال الكفرة وإنكارها وإنكار المعاد والمعنى وإذا شرعت في القراءة وليس المعنى على الفراغ من القراءة. بل المعنى أنك إذا التبست بقراءة القرآن ولا يراد بالقرآن جميعه بل ما ينطلق عليه الاسم فإِنك تقول لمن يقرأ شيئاً من القرآن قارىء القرآن والظاهر إقرار مستوراً على موضوعه من كونه اسم مفعول أي مستوراً عن أعين الكفار فلا يرونه أو مستوراً به الرسول عن أعينهم. {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} تقدم تفسيره في الانعام. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ} قيل حديث : دخل ملأ من قريش على أبي طالب يزورونه فدخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ ومر بالتوحيد ثم قال: يا معشر قريش: قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب وتدين لكم العجم فولوا ونفروا تفسير : فنزلت قال الزمخشري: وحد يحد وحدا وحده نحو وعد يعد وعداً وعده ووحده من باب رجع عوده على بدئه وأفعله جهدك وطاقتك في أنه مصدر ساد مسدّ الحال أصله يحد وحده بمعنى واحد انتهى ما ذهب إليه من أن وحده مصدر ساد مسد الحال خلاف مذهب سيبويه ووحده عند سيبويه ليس مصدراً بل إسم وضع موضع المصدر الموضوع موضع الحال فوحده عنده موضوع موضع إيحاد وإيحاد موضوع موضع موحد ووحده وقع بعد فاعل ومفعول نحو ضربت زيداً وحده فمذهب سيبويه أنه حال من الفاعل أي موحداً له بالضرب ومذهب المبرد أنه يجوز أن يكون حالاً من المفعول فعلى مذهب سيبويه يكون التقدير موحداً له بالذكر وعلى مذهب المبرد يكون التقدير موحداً بالذكر والظاهر أن الآية في حال الفارّين عنه وقت قراءته القرآن ومرور بتوحيد الله تعالى والمعنى إذا جاءت في قراءته مواضع التوحيد فرّ الكفار إنكاراً له واستبشاعاً لرفض آلهتهم وإطراحها. {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ} أي بالاستخفاف الذي يستمعون به والهزء بك وبالقرآن واللغو كان إذا قرأ صلى الله عليه وسلم قام رجلان من بني عبد الله عن يمينه ورجلان منهم عن يساره فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار وبما يتعلق بأعلم وفيه متعلق بيستمعون لما ضمن يستمعون معنى يستهزئون عدي بالباء وإليك متعلق بيستمعون الثانية وإذا الثانية بدل من الأولى ونجوى على إضمارهم نجوى أي ذوو نجوى وإن في إن يتبعون نافية والجملة في موضع مفعول بيقول وروي أن تناجيهم كان عند عتبة دعا أشراف قريش إلى طعام فدخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله فتناجوا يقولون ساحر مجنون والظاهر أن مسحوراً من السحر أي خبل عقله السحر والأمثال هي ما تقدّم من قولهم في تناجيهم. {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} إي إلى الإِيمان. {وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا} هذا استفهام تعجب وإنكار واستبعاد لما ضربوا له الأمثال وقالوا عنه انه مسحور ذكروا ما استدلوا به على زعمهم على اتصافه بما نسبوا إليه واستبعدوا أنه بعدما يصير الإِنسان رفاتاً يحييه الله ويعيده وقد رد عليهم ذلك بأنه تعالى هو الذي فطرهم بعد العدم الصرف على ما يأتي بشرحه في الآية بعد هذا وجواب إذا محذوف تقديره أئذا كنا عظاماً ورفاتاً نبعث رفت الشىء كسره يرفته بالكسر والرفات الأجزاء المفتتة من كل شىء مكسر وفعال بناء لهذا المعنى كالحطام والفتات والرضاض والرقاق. {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً} الآية أي كونوا حجارة يابسة أو حديداً مع أن طباعها القساوة والصلابة لكان قادراً على أن يردّكم إلى حال الحياة. {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} عن قبول الحياة ويعظم في زعمكم على الخالق إحياؤه فإِنه يحييه. {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} أي يحركونها على سبيل التكذيب والاستبعاد. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ} أي متى العود ولم يقولوا ذلك على سبيل التسليم للعود ولكن حيدة وانتقالاً لما لا يسأل عنه لأن ما ثبت إمكانه بدليل العقل لا يسأل عن تعيين وقوعه ولكن أجابهم على سؤالهم يقرب وقوعه إلا بتعيين زمانه لأن ذلك مما استأثر تعالى بعلمه واحتمل أن يكون في: {عَسَىٰ} إضمار أي عسى هو أي العدد واحتمل أن يكون مرفوعها أن. {يَكُونَ} فتكون فيه تامة ووقع في لفظ ابن عطية عسى أن الساعة قريبة "انتهى". وهذا تركيب لا يجوز لا تقول عسى أن زيداً قائم بخلاف عسى أن يقوم زيد. و{قَرِيباً} يحتمل أن يكون خبر كان على أنه يكون العود متصفاً بالقرب ويحتمل أن يكون ظرفاً أي زماناً قريباً وعلى هذا التقدير يكون: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} بدلاً من قريباً فالظاهر أن الدعاء حقيقة أي يدعوكم بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة كما قال تعالى {أية : يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} تفسير : [ق: 41] الآية ومعنى تستجيبون توافقون الداعي فيما دعاكم إليه والظاهر أن الخطاب للكفار إذ الكلام قيل ذلك معهم فالضمير لهم. و{بِحَمْدِهِ} حال منهم أي ملتبسين بالثناء عليه تعالى. {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} أن هنا نافية وتظنون معلقة عن العمل فالجملة بعده في موضع نصب وقلما ذكر النحويون في أدوات التعليق أن النافية ويظهر أن انتصاب قليلاً على أنه نعت كزمان محذوف أي الأزمانا قليلاً كقوله: {أية : قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} تفسير : [الكهف: 19، المؤمنون: 113] ويجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف أي لبثنا قليلاً ودلالة الفعل على مصدره دلالة قوية. {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الآية إضافة العباد له تعالى تدل على أن المأمورين هم المؤمنون أمروا أن يقول بعضهم لبعض الكلم التي هي أحسن أي يجل بعضهم بعضاً ويعظمه ولا يصدر له منه إلا الكلم الطيب والقول الجميل ونبهوا على أنه قد يكون من الشيطان نزغ لهم فيجتنبوه ذكروا بعداوته القديمة لهم والخطاب بقوله: {رَّبُّكُمْ} للمؤمنين فالرحمة الانجاء من الكفار وأذاهم والتعذيب تسليطهم عليهم. {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} أي حافظاً وكفيلاً ولما خاطبهم بقوله تعالى: {أَعْلَمُ بِكُمْ} تنقل من الخصوص إلى العموم فقال مخاطباً لرسوله صلى الله عليه وسلم. {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} ليبين أن علمه غير مقصور عليكم بل علمه متعلق بجميع من في السماوات والأرض بأحوالهم ومقاديرهم وما يستأهل كل واحد منهم وبمن متعلق بأعلم كما تعلق بكم قبله بأعلم ولما كان الكفار قد استبعدوا تنبىء البشر إذ فيه تفضيل الأنبياء على غيرهم أخبر تعالى بتفضيل بعض الأنبياء على بعض إشارة إلى أنه لا يستبعد تفضيل الأنبياء على غيرهم إذ وقع التفضيل في هذا الجنس المفضل على الناس والله أعلم بما خص كل واحد من المزايا فهو يفضل من شاء منهم على من شاء إذ هو الحكيم فلا يصدر شىء إلا عن حكمته وفيه إشارة إلى أنه لا يستنكر تفضيل محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء وخص داود بالذكر هنا لأنه تعالى ذكر في الزبور أن محمداً خاتم النبيين وأن أمّته خير الأمم وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ}تفسير : [الأنبياء: 105] وهم محمد وأمّته وكانت قريش ترجع إلى اليهود كثيراً فيما يخبرون به مما في كتبهم فنبه على أن زبور داود تضمن البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك رد على مكابري اليهود حيث قالوا لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة ونص تعالى هنا على إيتاء داود الزبور وإن كان قد آتاه مع ذلك الملك إشارة إلى أن التفضيل المحض وهو بالعلم الذي آتاه والكتاب الذي أنزل عليه كما فضل محمداً صلى الله عليه وسلم بما آتاه من العلم والقرآن الذي خصه به وتقدم تفسير وآتينا داود زبوراً في آخر النساء. {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم} الآية قيل نزلت في عبدة الشيطان وهم خزاعة أسلمت الشياطين وبقوا يعبدونهم فلا يستطيعون جواب لقوله ادعو وثم محذوف بعد الفاء تقديره فهم لا يستطيعون والمعنى لا يستطيعون أن يكشفوا عنكم الضر من مرض أو فقر أو عذاب ولا أن يحولوه من واحد إلى آخر ويبدلوه وفي قوله: زعمتهم ضمير محذوف عائد على الذين وهو المفعول الأول والثاني محذوف تقديره زعمتموهم آلهة من دون الله والظاهر أن أولئك إشارة إلى المعبودين وهو مبتدأ والذين صفة له ويدعون صلة للذين والواو للعابدين والضمير العائد على الذين محذوف تقديره يدعونهم آلهة ويبتغون خبر أولئك والوسيلة القرب إلى الله. {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} أجاز الحوفي أن يكون بدلاً من الواو في يبتغون وتبعه الزمخشري فعلى هذا يكون أيهم موصولاً وأقرب خبر مبتدأ التقدير ويبتغي الذين هم أقرب إلى ربهم الوسيلة وأجاز أيضاً أن يكون أيهم أقرب مبتدأ وخبراً على الاستفهام ومقدراً قبله الفعل المعلق وهو ينظرون وقال نحوه ابن عطية والجملة في موضع نصب على إسقاط في ان كان من نظر القلب وإلى ان كان من نظر البصر وإضمار الفعل المعلق يحتاج إلى سماع ويرجون رحمته معطوف على يبتغون. {مَحْذُوراً} يحذره كل أحد. {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ} إن نافية ومن زائدة في المبتدأ تدل على استغراق الجنس والجملة بعد الا خبر المبتدأ وقيل المراد الخصوص والتقدير وان من قرية ظالمة والظاهر أن جميع القرى تهلك قبل يوم القيامة وإهلاكها تخريبها وفناء أهلها تخريبها وفناء أهلها أو معذبوها أي معذبوا أهلها بالقتل وأنواع العذاب. {كَانَ ذٰلِك} إشارة إلى الاهلاك والتعذيب في الكتاب أي في سابق القضاء أو اللوح المحفوظ أي مكتوباً أسطاراً. {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ} الآية عن ابن عباس أن أهل مكة سألوا أن تجعل لهم الصفا ذهباً وأن تنحى عنهم الجبال فيزرعون اقترحوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوحى الله تعالى إن شئت أن أفعل ذلك لهم فإِن تأخروا عاجلتهم بالعقوبة وإن شئت استأنيت بهم عسى أن أجتبي منهم مؤمنين فقال بل تستأني بهم يا رب فنزلت واستعير المنع للترك أي ما تركنا إرسال الآيات المقترحة إلا لتكذيب الأولين بها وليس تكذيب الأولين علة في منع إرسال الآيات لقريش فالمعنى إلا اتباعهم طريقة تكذيب الأولين بها فتكذيب الأولين فاعل على حذف مضاف فإِذا كذبوا بها كما كذب الأولون عاجلتهم بعذاب الاستئصال وقد اقتضت الحكمة أن لا أستأصلهم. {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ} ذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت إليهم فأهلكوا واحدة وهي ناقة صالح لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم وانتصب مبصرة على الحال وهي قراءة الجمهور وقرىء: مبصرة بالرفع على إضمار مبتدأ أي هي مبصرة وأضاف الابصار إليها على سبيل المجاز لما كانت يبصرها الناس والتقدير آية مبصرة وقرىء: مبصرة بفتح الصاد اسم مفعول يبصرها الناس ويشاهدونها. {إِلاَّ تَخْوِيفاً} أي إنذاراً بعذاب الدنيا والآخرة. {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ} الآية أحاط بالناس فقيل بعلمه فلا يخرج شىء عن علمه وبقدرته فقدرته غالبة كل شىء. {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ} قال الجمهور: هي رؤيا عين ويقظة وهي ما رأى في ليلة الإِسراء من العجائب قال الكفار: إن هذا لعجب نخب إلى بيت المقدس شهرين إقبالاً وإدباراً ويقول محمد: جاءه من ليلة وانصرف منه فافتتن بهذا التلبيس قوم من ضعفاء المسلمين فارتدوا وشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية وقيل في الرؤيا غير ذلك مما هو مذكور في البحر * قال ابن عطية: قالت عائشة: الرؤيا رؤيا منام وهذه الآية تقضي بفساده وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها وما كان لأحد أن ينكرها انتهى ليس كما قال ابن عطية فإِن رؤيا الأنبياء حق ويخبر النبي بوقوع ذلك لا محالة فيصير إخباره بذلك فتنة لمن يريد الله به ذلك وأريناك صلة للتي والعائد محذوف تقديره أريناكها والشجرة الملعونة في القرآن قيل هي أبو جهل وقيل شجرة الزقوم وقال أبو جهل وغيره هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة ثم يزعم أنها تنبت الشجر والنار تأكل الشجر وما نعرف الزقوم إلا التمر بالزبد ثم أمر أبو جهل جارية له فأحضر تمراً وزبداً وقال لأصحابه ترقموا فافتتن أيضاً بهذه المقالة بعض الضعفاء والظاهر أن الشجرة الملعونة في القرآن هي التي تفرع منها ناس في الملة الإِسلامية وهم ظالمون قد أحدثوا في الشريعة ما لا يجوز فيها ويدل عليه قوله تعالى: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [هود: 18] وسئل الإِمام أحمد عن شخص هل نلعنه فقال: هل رأيتني ألعن أحداً ثم قال: ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه وتلا ألا لعنة الله على الظالمين. {فَمَا يَزِيدُهُمْ} أي: التخويف إلا طغياناً كبيراً. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ} الآية تقدم الكلام في مثل هذه الآية وانتصب طيباً على أنه حال من الضمير المحذوف العائد على من تقديره لمن خلقته في حال طين وهي حال ماضية إذ لم يكن بعد أن صور آدم إنما كان طيناً قبل ذلك فهي حال ماضية محكية * وأجاز بعضهم أن يكون منصوباً على إسقاط حرف الجر تقديره من طين كما صرح به في قوله: {أية : وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12، ص: 76] والكاف في أرأيتك للخطاب وتقدم الكلام عليها في سورة الأنعام * وقال الحوفي أرأيتك بمعنى عرفني وأخبرني وهذا منصوب بأرأيتك والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمته علي لم كرمته عليّ وقد خلقتني من نار وخلقته من طين وحذف هذا لما في الكلام من الدليل عليه وقال نحواً منه الزمخشري * وقال ابن عطية والكاف في أرأيتك حرف خطاب ومبالغة في التنبيه لا موضع لها من الإِعراب فهي زائدة ومعنى أرأيت أتأملت ونحوه كان المخاطب بها ينبه المخاطب ليستجمع لما ينصه عليه بعد وقال سيبويه: هي بمعنى أخبرني ومثل بقوله: أرأيتك زيداً أيؤمن هو وقاله الزجاج ولم يمثل وقول سيبويه صحيح حيث يكون بعدها استفهام كمثاله وأما في هذه الآية فهي كما قلت وليست التي ذكر سيبويه "انتهى" * وما ذهب إليه الحوفي والزمخشري في أرأيتك هنا هو الصحيح فلذلك قدر الاستفهام وهو لم كرمته عليّ فقد انعقد من قوله هذا الذي كرمت عليّ لم كرمته على جملة من مبتدأ وخبر وصار مثل زيد أيؤمن هو دخلت عليه أرأيتك فعملت في الأول والجملة الاستفهامية في موضع الثاني والمستتر في أرأيت بمعنى أخبرني أن يدخل على جملة ابتدائية يكون الخبر استفهاماً فإِن صرح به فذاك واضح وإلا قول وقد أشبعنا الكلام في ذلك في سورة الانعام ومعنى: {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ} أي أخرت مماتي وأبقيتني حياً واللام مؤذنة بقسم محذوف وقد جرح هو في مكان آخر بالمقسم به فقال فبعزتك وجواب القسم لأحتنكن تقول العرب احتنك الجراد الأرض أكل نباتها ولذلك فسره بعضهم بمعنى لأستأصلن واستثنى القليل لأنه علم أنه يكون في ذرية آدم صلى الله عليه وسلم من لا يتسلط عليه كما قال {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 40، ص: 83] والأمر بالذهاب ليس على حقيقته من نقيض المجيء والمعنى إذهب لشأنك الذي اخترته وعقبه بذكر ما جره سوء فعله من جزائه وجزاء اتباعه جهنم ولما تقدم اسم غائب وهو فمن تبعك وضمير خطاب غلب الخطاب فقال جزاؤكم والموفور المكمل ووفر متعد * كقوله: شعر : ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم تفسير : ولازم تقول وفر المال يفر وفوراً وانتصب جزاء على المصدر والعامل فيه جزاؤكم. {وَٱسْتَفْزِزْ} معناه استخفف وهو معطوف على فاذهب وعطف عليه ما بعده من الأمر وكلها بمعنى التهديد كقوله: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تفسير : [فصلت: 40] ومن في: {مَنِ ٱسْتَطَعْتَ} موصولة مفعولة باستفزز ومفعول استطعت محذوف تقديره من استطعت أن تستفزه * والصوت هنا الدعاء إلى معصية الله وقرأ الحسن. {وَأَجْلِبْ} بوصل الألف وضم اللام من جلب ثلاثياً واجلب من أجلب على قراءة الجمهور رباعياً والظاهر أن إبليس له خيل ورجالة من الجن من جنسه قاله قتادة: وقيل من الآدميين أضيفوا إليه لانخراطهم في طاعته وكونهم أعوانه على غيرهم قاله مجاهد * وقال الزمخشري: فإِن قلت ما معنى استفزاز إبليس بصوته وإجلابه بخيله ورجله قلت هو كلام وارد مورد التمثيل مثلت حاله في تسليط على من يغويه بمغوار وقع على قوم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم واجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم انتهى وقرأ الجمهور ورجلك بفتح الراء وسكون الجيم وهو اسم جمع واحده راجل كركب وراكب وقرأ حفص بكسر الجيم * والمشاركة في الأموال ما أخذ من غير حقه وما وضع في غير حقه المشاركة في الأولاد ما مجسوه وهودوه ونصروه وصبغوه غير صبغة الإِسلام وأما وعده فالوعد الكاذب كوعدهم أن لا بعث * وانتصب غروراً وهو مصدر على أنه نعت لمصدر محذوف أي وعداً غروراً والإِضافة إليه تعالى في أن عبادي إضافة تشريف والمعنى المختصين بكونهم عبادي لا يضافون إلى غيري ومعنى وكيلاً أي حافظاً لعباده الذين ليس له عليهم سلطان من إغواء الشيطان. {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ} الآية لما ذكر تعالى وصف المشركين في اعتقادهم آلهتهم وأنها تضر وتنفع وأتبع ذلك بقصة إبليس مع آدم وتمكينه من وسوسة ذريته وتسويله ذكر ما يدل من أفعاله على وحدانيته تعالى فإِنه هو النافع الضار المتصرف في خلقه بما يشاء فذكر إحسانه إليهم بحراً وبراً وإزجاء الفلك سوقها من مكان إلى مكان بالريح اللينة والمجاديف وابتغاء الفضل طلب التجارة والحج فيه والغزو والضر في البحر الخوف من الغرق باضطرابه وعصف الريح ومعنى ضل ذهب من أوهامكم من تدعونه إلهاً فيشفع أو ينفع وجاءت صفة كفور دلالة على المبالغة ثم لم يخاطبهم بذلك بل أسند ذلك إلى الإِنسان لطفاً بهم وإحالة على الجنس إذا كل واحد لا يكاد يؤدي شكر نعم الله ولما كان الخسف تغييباً في التراب قال جانب وبكم حال أي يخسف جانب البر مصحوباً بكم والحاصب الحجارة ثم لا تجدوا عند حلول أحد هذين بكم من تكلون أموركم إليه وأم في أم أمنتم منقطعة فتتقدر ببل والهمزة أي بل أأمنتم والضمير في فيه عائد على البحر وانتصب تارة على الطرف أي وقتاً غير الوقت الأول. {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ} والقاصف الذي يكسر كل ما يلقى ويقال قصف الشجر يقصفه قصفاً كسره * وقال أبو تمام: شعر : إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت عيدان نجد ولا يعبأن بالرتم تفسير : {بِمَا كَفَرْتُمْ} سببية وما مصدرية أي بسبب كفركم السابق منكم والضمير في به عائد على المصدر الدال عليه فيغرقكم إذ هو أقرب مذكور وهو نتيجة الإِرسال * والتبيع قال ابن عباس النصير وقال الفراء طالب الثأر. {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} الآية لما ذكر تعالى ما امتن به عليهم من إزجاء الفلك في البحر ومن تنجيتهم من الغرق تمم ذكر المنة بذكر تكريمهم ورزقهم وتفضيلهم وكرم تعدي بالتضعيف من كرم أي جعلناهم ذوي كرم بمعنى الشرف والمحاسن الجمة وحملناهم في البر والبحر * وقال ابن عباس: في البر على الخيل والبغال والحمير والإِبل وفي البحر على السفن * والطيبات كما تقدم الحلال أو المستلذ * ومعنى على كثير أبهم في قوله على كثير ولم يعين الكثير الذي فضل بني آدم عليه ولما ذكر تعالى أنواعاً من كرامات الإِنسان في الدنيا ذكر شيئاً من أحوال الآخرة فقال: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} والعامل في يوم أذكر على أنه مفعول بإِمامهم والظاهر أنه الإِمام الذي يأتم به أمته من نبي أو كتاب أو شريعة. {فَأُوْلَـٰئِكَ} جاء جمعاً على معنى من إذ قد حمل على اللفظ أولاً فأفرد في قوله: أوتي كتابه بيمينه والكتاب ما كتب له فيه من خير أو شر. {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} أي لا ينقصون أدنى شىء وتقدم شرح الفتيل في سورة النساء والظاهر أن الإِشارة بقوله في هذه إلى الدنيا قاله ابن عباس وغيره أي من كان في هذه الدار أعمى عن النظر في آيات الله وعبره والإِيمان بأنبيائه فهو في الآخرة أعمى إما أن يكون على حذف مضاف أي في شأن الآخرة وإما أن يكون فهو يوم القيامة أعمى على معنى أنه خير أن لا يتوجه له صواب ولا يلوح له نجح. {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} الضمير في وإن كادوا عائد على الكفار ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما عدد نعمه على بني آدم تمم ذكر حالهم في الآخرة من إيتاء الكتاب باليمين لأهل السعادة ومن عمل أهل الشقاوة أتبع ذلك بما يهم به الأشقياء في الدنيا من المكر والخداع والتلبيس على سيد أهل السعادة المتطوع له بالعصمة ومعنى ليفتنونك ليخدعونك وذلك في ظنهم لا أنهم قاربوا ذلك إذ هو معصوم صلى الله عليه وسلم أن يقاربوا فتنته عما أوحي إليه وتلك المقاربة في زعمهم سببها رجاؤهم أن يفتري على الله غير ما أوحي إليه من تبديل الوعد وعيداً والوعيد وعداً وما اقترحته ثقيف من أن يضيف إلى الله ما لم ينزله عليه وان هذه هي المخففة من الثقيلة وليتها الجملة الفعلية وهي كادوا لأنها من أفعال المقاربة وإنما تدخل على مذهب البصريين من الأفعال على النواسخ التي للإِثبات على ما تقرر في علم النحو واللام في ليفتنونك هي الفارقة بين أن هذه وان النافية وإذا حرف جواب وجزاء ويقدر قسم هنا يكون لاتخذوك ولا تخذوك في معنى لا يتخذونك. {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} جواب لولا يقتضي إذا كان مثبتاً امتناعه لوجود ما قبله فمقاربة الركون لم يقع منه صلى الله عليه وسلم فضلاً عن الركون والمانع من ذلك هو وجود تثبيت الله تعالى له وانتصب شيئاً على المصدر وجواب لولا قوله: لقد كدت ومثله قول الشاعر: شعر : لولا الأمير ولولا فضل طاعته لقد شربت وما أحلى من العسل تفسير : وأكثر ما يجيء باللام وحدها وبعدها الفعل الماضي المثبت كقوله: لمسكم. {إِذاً لأذَقْنَاكَ} عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين. {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ} حديث : روي أنه لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين تفسير : والضمير في وان كادوا ليهود المدينة وناحيتها كحيي ابن أخطب وغيره، وذلك أنهم ذهبوا إلى المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ان هذه ليست بأرض الأنبياء وإنما أرض الأنبياء الشام، ولكنك تخاف الروم فإِن كنت نبياً فاخرج إليها فإِن الله سيحميك كما حمى غيرك من الأنبياء، فنزلت وأخبر تعالى أنه لو خرج لم يبثهم بعد إلا قليلاً * وانتصب سنة على المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة والمعنى أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم فسنة الله أن يهلكهم بعد إخراجه ويستأصلهم ولا يقيمون بعده إلا قليلاً كقوله: في قصة شعيب وقوله: {أية : أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ} تفسير : [النمل: 56] وقوله: {أية : لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ} تفسير : [الشعراء: 167]، وقوله: وإذا لا يلبثون نظير قوله: {أية : فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} تفسير : [النساء: 53]. {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} الآية مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر كيدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما كانوا يرومون به أمره تعالى أن يقبل على شأنه من عبادة ربه وأن لا يشغل قلبه بهم وكان قد تقدم القول في الإِلهيات والمعاد والنبّوات فأردف ذلك بالأمر بأشرف العبادات والطاعات بعد الإِيمان وهي الصلاة وتقدم الكلام في إقامة الصلاة والمواجه بالأمر الرسول صلى الله عليه وسلم قال الواحدي اللام وللسبب لأنها إنما تجب بزوال الشمس فيجب على المصلي إقامتها لأجل دلوك الشمس وقال ابن عطية هذه الآية بإِجماع المفسرين إشارة إلى الصلوات الخمس، وقال ابن عباس وغيره: دلوك الشمس زوالها، والإِشارة إلى الظهر والعصر وغسق الليل إشارة إلى المغرب والعشاء وقرآن الفجر أريد به صلاة الصبح فالآية على هذا تعم جميع الصلوات كلها وأعاد قرآن الفجر في قوله: إن قرآن الفجر ولم يأت مضمراً فيكون انه على سبيل التعظيم والتنويه بقرآن الفجر ومعنى مشهوداً أي تشهده الملائكة حفظة الليل وحفظة النهار كما جاء في الحديث أنهم يتعاقبون ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ولما أمره تعالى بإِقامة الصلاة للوقت المذكور ولم يدل أمره تعالى إياه على اختصامه بذلك دون أمته ذكر ما اختصه به تعالى وأوجبه عليه من قيام الليل وهو في أمته تطوع فقال: ومن الليل فتهجد به أي بالقرآن نافلة زيادة مخصوصاً بها أنت وتهجد هنا تفعل بمعنى الإِزالة والترك لقولهم تأثم وتحنث ترك التأثم والتحنث ومنه تحنث بغار حراء أي ترك التحنث وشرح بلازمه وهو التعبد ومن للتبعيض وعسى مدلولها في المحبوبات في الترجي والأجود أن هذه الترجية والأطماع بمعنى الوجوب من الله تعالى وهو متعلق من حيث المعنى بقوله فتهجد وعسى هنا تامة وفاعلها أن يبعثك وربك فاعل بيبعثك * ومقاماً الظاهر أنه معمول ليبعثك وهو منصوب على الظرف أي في مقام محمود ولا يجوز أن يكون ربك اسم عسى وأن يبعثك في موضع الخبر لأنه يلزم من ذلك الفصل بين العامل الذي هو أن يبعثك وبين المعمول الذي هو مقاماً بأجنبي وهو ربك الذي هو اسم عسى وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: حديث : المقام المحمود هو الذي أشفع فيه لأمتي . تفسير : {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي} الآية لما أمره تعالى بإِقامة الصلاة وبالتهجد ووعده ببعثه مقاماً محموداً وذلك في الآخرة أمره أن يدعوه بما يشمل أموره الدنيوية والأخروية فقال: وقل رب الآية والظاهر أنه عام في جميع أموره ومصادره دنيوية وأخرويه والصدق لفظ يقتضي رفع المذام واستيعاب المدح كما تقول رجل صدق إذ هو مقابل رجل سوء * وسلطاناً أي حجة بينة ونصيرا مبالغة في ناصر.

همام الصنعاني

تفسير : 1571- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}: [الآية: 44]، قال: كل شيء فيه الروح يسبح من شجرة أو شيء فيه الروح.