Verse. 2074 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَاِذَا قَرَاْتَ الْقُرْاٰنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِيْنَ لَا يُؤْمِنُوْنَ بِالْاٰخِرَۃِ حِجَابًا مَّسْتُوْرًا۝۴۵ۙ
Waitha qarata alqurana jaAAalna baynaka wabayna allatheena la yuminoona bialakhirati hijaban mastooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا» أي ساترا لك عنهم فلا يرونك، نزل فيمن أراد الفتك به صلى الله عليه وسلم

45

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما تكلم في الآية المتقدمة في المسائل الإلهية تكلم في هذه الآية فيما يتعلق بتقرير النبوة. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ } قولان: القول الأول: أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على الناس. روي أنه عليه الصلاة والسلام كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه رجلان، وعن يساره آخران من ولد قصي يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار، وعن أسماء أنه صلى الله عليه وسلم كان جالساً ومعه أبو بكر إذ أقبلت امرأة أبي لهب ومعها فهر تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: شعر : مذمماً أتينا ودينه قلينا وأمره عصينا تفسير : فقال أبو بكر: يا رسول الله معها فهر أخشاها عليك، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فجاءت فما رأت رسول الله عليه الصلاة والسلام وقالت: إن قريشاً قد علمت أني ابنة سيدها وأن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك. وروى ابن عباس: أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون إلى حديثه، فقال النضر يوماً: ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحرك بشيء. وقال أبو سفيان: أني لأرى بعض ما يقوله حقاً، وقال أبو جهل: هو مجنون. وقال أبو لهب هو كاهن. وقال حويطب بن عبد العزى هو شاعر، فنزلت هذه الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن قرأ قبلها ثلاثة آيات وهي قوله في سورة الكهف: { أية : إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا } تفسير : [الكهف: 57] وفي النحل: { أية : أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [النحل: 108] وفي حم الجاثية: { أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } تفسير : [الجاثية: 23] إلى آخر الآية فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين، وهو المراد من قوله تعالى: {جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا } وفيه سؤال: وهو أنه كان يجب أن يقال حجاباً ساتراً. والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن ذلك الحجاب حجاب يخلقه الله تعالى في عيونهم بحيث يمنعهم ذلك الحجاب عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وذلك الحجاب شيء لا يراه فكان مستوراً من هذا الوجه، احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في أنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة ويكون المرئي حاضراً مع أنه لا يراه ذلك الإنسان لأجل أن الله تعالى خلق في عينيه مانعاً يمنعه عن رؤيته بهذه الآية قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حاضراً وكانت حواس الكفار سليمة، ثم إنهم ما كانوا يرونه، وأخبر الله تعالى أن ذلك إنما كان لأجل أنه جعل بينه وبينهم حجاباً مستوراً، والحجاب المستور لا معنى له إلا المعنى الذي خلقه الله تعالى في عيونهم، وكان ذلك المعنى مانعاً لهم من أن يروه ويبصروه. والوجه الثاني: في الجواب أنه كما يجوز أن يقال لابن وتامر بمعنى ذو لبن وذو تمر فكذلك لا يبعد أن يقال مستوراً معناه ذو ستر والدليل عليه قوله مرطوب أي ذو رطوبة ولا يقال رطيبة ويقال مكان مهول أي فيه هول ولا يقال: هلت المكان بمعنى جعلت فيه الهول، ويقال: جارية مغنوجة ذات غنج ولا يقال غنجتها. والوجه الثالث: في الجواب قال الأخفش: المستور ههنا بمعنى الساتر، فإن الفاعل قد يجيء بلفظ المفعول كما يقال: إنك لمشؤم علينا وميمون وإنما هو شائم ويامن، لأنه من قولهم شأمهم ويمنهم، هذا قول الأخفش: وتابعه عليه قوم، إلا أن كثيراً منهم طعن في هذا القول، والحق هو الجواب الأول. القول الثاني: أن معنى الحجاب الطبع الذي على قلوبهم والطبع والمنع الذي منعهم عن أن يدركوا لطائف القرآن ومحاسنه وفوائده، فالمراد من الحجاب المستور ذلك الطبع الذي خلقه الله في قلوبهم. ثم قال تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي ءاذَانِهِمْ وَقْراً } وهذه الآية مذكورة بعينها في سورة الأنعام وذكرنا استدلال أصحابنا بها وذكرنا سؤالات المعتزلة ولا بأس بإعادة بعضها قال الأصحاب: دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل قلوبهم في الأكنة. والأكنة جمع كنان وهو ما ستر الشيء مثل كنان النبل وقوله: {أَن يَفْقَهُوهُ } أي لئلا يفقهوه. وجعل في آذانهم وقراً. ومعلوم أنهم كانوا عقلاء سامعين فاهمين، فعلمنا أن المراد منعهم عن الإيمان ومنعهم عن سماع القرآن بحيث لا يقفون على أسراره ولا يفهمون دقائقه وحقائقه. قالت المعتزلة: ليس المراد من الآية ما ذكرتم بل المراد منه وجوه أخرى. الأول: قال الجبائي: كانوا يطلبون موضعه في الليالي لينتهوا إليه ويؤذونه، ويستدلون على مبيته باستماع قراءته فأمنه الله تعالى من شرهم، وذكر له أنه جعل بينه وبينهم حجاباً لا يمكنهم الوصول إليه معه، وبين أنه جعل في قلوبهم ما يشغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما يمنع من سماع صوته، ويجوز أن يكون ذلك مرضاً شاغلاً يمنعهم من المصير إليه والتفرغ له، لا أنه حصل هناك كن للقلب ووقر في الأذن. الثاني: قال الكعبي: إن القوم لشدة امتناعهم عن قبول دلائل محمد صلى الله عليه وسلم صاروا كأنه حصل بينهم وبين تلك الدلائل حجاب مانع وساتر، وإنما نسب الله تعالى ذلك الحجاب إلى نفسه لأنه لما خلاهم مع أنفسهم، وما منعهم عن ذلك الإعراض صارت تلك التخلية كأنها هي السبب لوقوعهم في تلك الحالة، وهذا مثل أن السيد إذا لم يراقب أحوال عبده فإذا ساءت سيرته فالسيد يقول: أنا الذي ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك مع رأيك وما راقبت أحوالك. الثالث: قال القفال: إنه تعالى لما خذلهم بمعنى أنه لم يفعل الألطاف الداعية لهم إلى الإيمان صح أن يقال: إنه فعل الحجاب السائر. واعلم أن هذه الوجوه مع كلمات أخرى ذكرناها في سورة الأنعام وأجبنا عنها، فلا فائدة في الإعادة. ثم قال تعالى: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفورا} واعلم أن المراد أن القوم كانوا عند استماع القرآن على حالتين، لأنهم إذا سمعوا من القرآن ما ليس فيه ذكر الله تعالى بقوا مبهوتين متحيرين لا يفهمون منه شيئاً، وإذا سمعوا آية فيها ذكر الله تعالى وذم الشرك بالله ولوا نفوراً وتركوا ذلك المجلس، وذكر الزجاج في قوله: {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُوراً } وجهين: الأول: المصدر والمعنى ولوا نافرين نفورا، والثاني: أن يكون نفوراً جمع نافر مثل شهود وشاهد وركوع وراكع وسجود وساجد وقعود وقاعد. ثم قال تعالى: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } أي نحن أعلم بالوجه الذي يستمعون به وهو الهزؤ والتكذيب. و {بِهِ } في موضع الحال، كما تقول: مستمعين بالهزؤ و {إِذْ يَسْتَمِعُونَ } نصب بأعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون {وَإِذَا هُمْ نَجْوَىٰ } أي وبما يتناجون به إذ هم ذو نجوى: {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } بدل من قوله: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ... إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } وفيه مباحث: الأول: قال المفسرون: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أن يتخذ طعاماً ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين، ففعل علي عليه السلام ذلك ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد وقال: قولوا لا إله إلا الله حتى تطيعكم العرب وتدين لكم العجم فأبوا عليه ذلك، وكانوا عند استماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم القرآن والدعوة إلى الله تعالى يقولون: بينهم متناجين هو ساحر وهو مسحور وما أشبه ذلك من القول، فأخبر الله تعالى نبيه بأنهم يقولون: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا }. فإن قيل: إنهم لم يتبعوا رسول الله فكيف يصح أن يقولوا: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا }. قلنا: معناه أنكم إن اتبعتموه فقد اتبعتم رجلاً مسحوراً، والمسحور الذي قد سحر فاختلط عليه عقله وزال عن حد الاستواء. هذا هو القول الصحيح، وقال بعضهم: المسحور هو الذي أفسد. يقال: طعام مسحور إذا أفسد عمله وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها. قال أبو عبيدة: يريد بشراً ذا سحر أي ذا رئة. قال ابن قتيبة: ولا أدري ما الذي حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة، وقال مجاهد: {مَّسْحُورًا } أي مخدوعاً لأن السحر حيلة وخديعة، وذلك لأن المشركين كانوا يقولون: إن محمداً يتعلم من بعض الناس هذه الكلمات وأولئك الناس يخدعونه بهذه الكلمات وهذه الحكايات، فلذلك قالوا: إنه مسحور أي مخدوع، وأيضاً كانوا يقولون: إن الشيطان يتخيل له فيظن أنه ملك فقالوا: إنه مخدوع من قبل الشيطان. ثم قال: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ } أي كل أحد شبهك بشيء آخر، فقالوا: إنه كاهن وساحر وشاعر ومعلم ومجنون، فضلوا عن الحق والطريق المستقيم فلا يستطيعون سبيلاً إلى الهدى والحق.

القرطبي

تفسير : عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: حديث : لما نزلت سورة {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} أقبلت العَوْرَاءُ أمُّ جميل بنت حرب ولها وَلْوَلة وفي يدها فِهْر وهي تقول:شعر : مُذَمَّماً عَصَيْنَا * وأمْرَه أبَيْنَا * وَدِينَه قَلَيْنَا حديث : والنبيّ صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد ومعه أبو بكر رضي الله عنه؛ فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، لقد أقبلتْ وأنا أخاف أن تراك! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها لن تراني» وقرأ قرآناً فاعتصم به كما قال. وقرأ {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً }. فوقفت على أبي بكر رضي الله عنه ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبا بكر، أخبِرتُ أن صاحبك هجاني! فقال: لا ورَبِّ هذا البيت ما هجاك. قال: فولّت وهي تقول: قد علمتْ قريش أني ابنة سيدِهاتفسير : . وقال سعيد بن جُبير رضي الله عنه: حديث : لما نزلت {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} جاءت امرأة أبي لهب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فقال أبو بكر: لو تَنَحّيْتَ عنها لئلا تُسمِعَك ما يؤذيك، فإنها ٱمرأة بذِيّة. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنه سيحال بيني وبينها» فلم تره. فقالت لأبي بكر: يا أبا بكر، هجانا صاحبك! فقال: واللَّهِ ما ينطق بالشعر ولا يقوله. فقالت: وإنك لمصدّقه؛ فاندفعت راجعة. فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، أمَا رأتك؟ قال: «لا. ما زال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت»تفسير : . وقال كعب رضي الله عنه في هذه الآية: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يستتر من المشركين بثلاث آيات: الآية التي في الكهف {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} تفسير : [الكهف: 57]، والآية التي في النحل {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} تفسير : [النحل: 108]، والآية التي في الجاثية {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} تفسير : [الجاثية: 23] الآية. فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قرأهن يستتر من المشركين. قال كعب رضي الله تعالى عنه: فحدّثت بهن رجلاً من أهل الشأم، فأتى أرض الروم فأقام بها زماناً، ثم خرج هارباً فخرجوا في طلبه فقرأ بهن فصاروا يكونون معه على طريقه ولا يبصرونه. قال الثعلبي: وهذا الذي يروُونه عن كعب حدّثت به رجلاً من أهل الريّ فأسر بالدَّيْلَم، فمكث زماناً ثم خرج هارباً فخرجوا في طلبه فقرأ بهن حتى جعلت ثيابهم لتلمس ثيابه فما يبصرونه. قلت: ويزاد إلى هذه الآي أوّلُ سورة يۤس إلى قوله «فهم لا يبصرون». فإن في السيرة في هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم ومقامِ عليّ رضي الله عنه في فراشه قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حَفْنَة من تراب في يده، وأخذ الله عز وجل على أبصارهم عنه فلا يَرَوْنه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس: {أية : يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} تفسير : [يسۤ:1-5]. ـ إلى قوله ـ {أية : وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [يسۤ: 9]. حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه تراباً، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب. قلت: ولقد ٱتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا. وذلك أني هربت أمام العدوّ وٱنحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ أول سورة يسۤ وغير ذلك من القرآن؛ فعبرا عليّ ثم رجعا من حيث جاءا وأحدهما يقول للآخر: هذا دِيَبْلُه؛ يعنون شيطاناً. وأعمى الله عز وجل أبصارهم فلم يروني، والحمد لله حمداً كثيراً على ذلك. وقيل: الحجاب المستور طَبْعُ اللَّهِ على قلوبهم حتى لا يفقهوه ولا يدركوا ما فيه من الحكمة؛ قاله قتادة. وقال الحسن: أي أنهم لإعراضهم عن قراءتك وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب في عدم رؤيته لك حتى كأن على قلوبهم أغطية. وقيل: نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن، وهم أبو جهل وأبو سفيان والنضر بن الحارث وأم جميل ٱمرأة أبي لهب وحُوَيطب؛ فحجب الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن أبصارهم عند قراءة القرآن، وكانوا يمرّون به ولا يرونه؛ قاله الزجاج وغيره. وهو معنى القول الأوّل بعينه، وهو الأظهر في الآية، والله أعلم. وقوله: {مَّسْتُوراً} فيه قولان: أحدهما: أن الحجاب مستور عنكم لا ترونه. والثاني: أن الحجاب ساتر عنكم ما وراءه؛ ويكون مستوراً بمعنى ساتر.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَابًا } يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم. {مَّسْتُورًا } ذا ستر كقوله تعالى: {أية : وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} [مريم: 61] تفسير : وقولهم سيل مفعم، أو مستوراً عن الحس، أو بحجاب آخر لا يفهمون ولا يفهمون أنهم لا يفهمون نفى عنهم أن يفهموا ما أنزل عليهم من الآيات بعدما نفي عنهم التفقه للدلالات المنصوبة في الأنفس والآفاق تقريراً له وبياناً لكونهم مطبوعين على الضلالة كما صرح به بقوله:

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: وإذا قرأت يا محمد على هؤلاء المشركين القرآن، جعلنا بينك وبينهم حجاباً مستوراً. قال قتادة وابن زيد: هو الأكنة على قلوبهم، كما قال تعالى: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } تفسير : [فصلت: 5] أي: مانع حائل أن يصل إلينا مما تقول شيء. وقوله: {حِجَابًا مَّسْتُورًا} بمعنى ساتر؛ كميمون ومشؤوم بمعنى: يامن وشائم؛ لأنه من يَمنهم وشأمَهم، وقيل: مستوراً عن الأبصار فلا تراه، وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى، ومال إلى ترجيحه ابن جرير رحمه الله. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو موسى الهروي إسحاق بن إبراهيم، حدثنا سفيان عن الوليد بن كثير، عن يزيد بن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها قالت: لما نزلت: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}تفسير : [المسد: 1] جاءت العوراء أم جميل، ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول: مذمماً أتينا - أو أبينا -، قال أبو موسى: الشك مني، ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأبو بكر إلى جنبه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال: «حديث : إنها لن تراني» تفسير : وقرأ قرآناً اعتصم به منها {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا} قال: فجاءت حتى قامت على أبي بكر، فلم تر النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني، قال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك، قال: فانصرفت وهي تقول: لقد علمت قريش أني بنت سيدها. وقوله: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} وهي جمع كنان الذي يغشى القلب {أَن يَفْقَهُوهُ} أي: لئلا يفهموا القرآن {وَفِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} وهو الثقل الذي منعهم من سماع القرآن سماعاً ينفعهم ويهتدون به. وقوله تعالى: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ} أي: إذا وحدت الله في تلاوتك، وقلت: لا إله إلا الله، {وَلَّوْا} أي: أدبروا راجعين {عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُوراً} ونفور جمع نافر، وكقعود جمع قاعد، ويجوز أن يكون مصدراً من غير الفعل، والله أعلم. كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} تفسير : الآية [الزمر: 45]، قال قتادة في قوله: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ} الآية؛ إن المسلمين لما قالوا: لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون، وكبرت عليهم، وضاقها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها ويعليها وينصرها ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج، ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجريزة من المسلمين التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها، ولا يقرون بها. (قول آخر في الآية) روى ابن جرير: حدثني الحسين بن محمد الذارع، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، وحدثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُوراً} هم الشياطين، وهذا غريب جداً في تفسيرها، وإلا، فالشياطين إذا قرىء القرآن أو نودي بالأذان أو ذكر الله، انصرفوا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا } أي ساتراً لك عنهم فلا يرونك، نزل فيمن أراد الفتك به صلى الله عليه وسلم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وإذا قرأت القرآن جلعنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً} فيه وجهان: أحدهما: أي جعلنا القرآن حجاباً ليسترك عنهم إذا قرأته. الثاني: جعلنا القرآن حجاباً يسترهم عن سماعه إذا جهرت به. فعلى هذا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم لإعراضهم عن قراءتك كمن بينك وبينهم حجاباً في عدم رؤيتك. قاله الحسن. والثاني: أن الحجاب المستور أن طبع الله على قلوبهم حتى لا يفقهوه، قاله قتادة. الثالث: أنها نزلت في قوم كانوا يؤذونه في الليل إذا قرأ، فحال الله بينه وبينهم من الأذى، قاله الزجاج. {مستوراً} فيه وجهان: أحدهما: أن الحجاب مستور عنكم لا ترونه. الثاني: أن الحجاب ساتر عنكم ما وراءه، ويكون مستور بمعنى ساتر، وقيل إنها نزلت في بني عبد الدار.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية تحتمل معنيين: أحدهما أن الله تعالى أخبر نبيه أنه يحميه من الكفرة أهل مكة الذي كانوا يؤذونه في وقت قراءته القرآن وصلاته في المسجد ويريدون مد اليد إليه، وأحوالهم في هذا المعنى مشهورة مروية، والمعنى الآخر أنه أعلمه أنه يجعل بين الكفرة وبين فهم ما يقرأه محمد عليه السلام حجاباً، فالآية على هذا التأويل في معنى التي بعدها، وعلى التأويل الأول هما آيتان لمعنيين، وقوله {مستوراً} أظهر ما فيه أن يكون نعتاً للحجاب، أي مستوراً عن أعين الخلق لا يدركه أحد برؤية كسائر الحجب، وإنما هو من قدرة الله وكفايته وإضلاله بحسب التأويلين المذكورين، وقيل التقدير مستوراً به على حذف العائد وقال الأخفش {مستوراً} بمعنى ساتر كمشؤوم وميمون فإنهما بمعنى شائم ويامن. قال القاضي أبو محمد: وهذا لغير داعية إليه، تكلف، وليس مثاله بمسلم، وقيل هو على جهة المبالغة كما قالوا شعر شاعر، وهذا معترض بأن المبالغة أبداً إنما تكون باسم الفاعل ومن اللفظ الأول، فلو قال حجاباً حاجباً لكان التنظير صحيحاً، وقوله {وجعلنا على قلوبهم أكنة} الآية، الأكنة جمع كنان، وهو ما غطى الشيء، ومنه كنانة النبل، و"الوقر" الثقل في الأذن المانع من السمع، وهذه كلها استعارات للإضلال الذي حفهم الله به، فعبر عن كثرة ذلك وعظمه بأنهم بمثابة من غطى قلبه وصمت أذنه، وقوله {وإذا ذكرت} الآية، يريد إذا جاءت مواضع التوحيد في القرآن أثناء قراءتك فرَّ كفار مكة من سماع ذلك إنكاراً له واستشباعاً، إذ فيه رفض آلهتهم واطراحها، وقال بعض العلماء: إن ملأ قريش دخلوا على أبي طالب يزورونه فدخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ ومر بالتوحيد، ثم قال "حديث : يا معشر قيرش قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم"تفسير : ، فولوا ونفروا، فنزلت الآية، وأن تكون الآية وصف حال الفارين عنه في وقت توحيده في قراءته أبين وأجرى مع اللفظ، وقوله {نفوراً} يصح أن يكون مصدراً في موضع الحال، ويصح أن يكون جمع نافر كشاهد وشهود، لأن فعولاً من أبنية فاعل في الصفات، ونصبه على الحال، أي نافرين، وقوله {أن يفقهوه} {أن} نصب على المفعول أي "كراهة أن"، أو "منع أن"، والضمير في {يفقهوه} عائد على {القرآن}، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: إنما عنى بقوله: {ولوا على أدبارهم نفوراً} الشياطين وأنهم يفرون من قراءة القرآن، يريد أن المعنى يدل عليهم وإن لم يجر لهم ذكر في اللفظ، وهذا نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له خصاص" تفسير : . وقوله {نحن أعلم بما يستمعون به} الآية، هذا كما تقول فلان يستمع بحرص وإقبال، أو بإعراض وتغافل واستخفاف، فالضمير في {به} عائد على {ما}، وهي بمعنى الذي، والمراد بالذي ما ذكرناه من الاستخفاف والإعراض، فكأنه قال: نحن أعلم بالاستخفاف والاستهزاء الذي يستمعون به، أي هو ملازمهم، ففضح الله بهذه الآية سرهم، والعامل في {إذ} الأولى وفي المعطوفة عليها {يستمعون} الأول، وقوله {وإذ هم نجوى} وصفهم بالمصدر، كما قالوا: قوم رضى وعدل، وقيل المراد بقوله: {وإذ هم نجوى} اجتماعهم في دار الندوة ثم انتشرت عنهم، وقوله {مسحوراً} الظاهر فيه أن يكون من السحر، فشبهوا الخبال الذي عنده بزعمهم، وأقواله الوخيمة برأيهم، بما يكون من المسحور الذي قد خبل السحر عقله وأفسد كلامه، وتكون الآية على هذا شبيهة بقول بعضهم {أية : به جنة} تفسير : [المؤمنون: 25] ونحو هذا، وقال أبو عبيدة: {مسحوراً} معناه ذا سحر، وهي الرية يقال لها سحر وسُحر بضم السين، ومنه قول عائشة رضي الله عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري ومنه قولهم للجبان: انتفخ سحره، لأن الفازع تنتفخ ريته، فكأن مقصد الكفار بهذا التنبيه على أنه بشر أي ذا رية، قال: ومن هذا يقال لكل من يأكل ويشرب من آدمي وغيره: مسحور ومسحر، ومنه قول امرىء القيس: [الوافر] شعر : ونسحر بالطعام وبالشراب تفسير : وقول لبيد: بالطويل] شعر : فإن تسألينا فيمَ نَحْنُ فإننا عصافيرُ من هذا الأنام المسحَّر تفسير : ومنه السحور، وهو إلى هذه اللفظة أقرب منه إلى السحر، ويشبه أن يكون من السحر، كالصبوح من الصباح، والآية التي بعد هذا تقوي أن اللفظة التي في الآية من السِّحر، بكسر السين، لأن حينئذ في قولهم ضرب مثل له وأما على أنها من السحر الذي هو الرية ومن التغذي وأن تكون الإشارة إلى أنه بشر فلم يضرب له في ذلك مثل بل هي صفة حقيقة له.

ابن عبد السلام

تفسير : {حِجَاباً مَّسْتُوراً} شبههم في إعراضهم بمن بينهم وبينه حجاب، أو نزلت في قوم كانوا يؤذونه إذا قرأ ليلاً فحال الله ـ تعالى ـ بينهم وبين أذاه.

ابن عادل

تفسير : لمَّا تكلَّم في الآية المتقدمة في إثبات الإلهيَّة، تكلَّم في هذه الآية في تقرير النبوَّة، وفيها قولان: الأول: أنَّ هذه الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على الناس. روي أنه - عليه السلام - كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه وعن يساره أحزاب من ولد قصيٍّ يصفقون، ويصفِّرون، ويخلطون عليه بالأشعار. "حديث : وروى سعيد بن جبير عن أسماء رضي الله عنها قالت: كَانَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم جالساً، ومعه أبُو بكرٍ - رضي الله عنه -، فنزلت سورة {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] فجاءت امرأة أبي لهبٍ، ومعها حجرٌ، تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: [الرجز] شعر : 3425 - مُذمَّماً أبَيْنَا ودِينَهُ قَلَيْنَا وأَمْرَهُ عَصَيْنَا حديث : ولم تَرهُ فقال أبو بكرٍ - رضي الله عنه - يا رسول الله معها حجرٌ، أخشى عليك، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقالت لأبي بكرٍ: قد علمت أنِّي ابنة سيِّد قريش، وأنَّ صاحبك هجاني، فقال ابو بكرٍ - رضي الله عنه -: والله، ما ينطق بالشِّعر، ولا يقوله، فرجعت، وهي تقول: قد كنتُ جئت بهذا الحجر؛ لأرضخ رأسه. فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: ما رأتك يا رسول الله؟ قال: لا، لم يزل ملك بيني وبينها يسترني ". تفسير : وروى ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه - أنَّ أبا سفيان والنضر بن الحارث وأبا جهل وغيرهم، كانوا يجالسون النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون إلى حديثه، فقال النَّضر يوماً: ما أدري ما يقول محمدٌ، غير أنِّي أرى شَفَتيْهِ تتحركان بشيءٍ، فقال أبو سفيان: إنِّي أرى بعض ما يقوله حقًّا. وقال أبو جهلٍ: هو مجنونٌ. وقال أبو لهبٍ: كاهنٌ، وقال حويطب بن عبدِ العزَّى: هو شاعرٌ، فنزلت هذه الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن، قرأ قبلها ثلاث آياتٍ، وهي قوله في سورة الكهف {أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} تفسير : [الأنعام: 25]. وفي النحل: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} تفسير : [النحل: 108]. وفي الجاثية: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : الآية [الجاثية: 23]. فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات، عن عيون المشركين، فكانوا يمرُّون به، ولا يرونه. قوله تعالى: {مَّسْتُوراً} أنَّ الله تعالى يخلق حجاباً في عيونهم يمنعهم ذلك الحجاب عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وهو شيء لا يرى، فكان مستوراً من هذا الوجه. واحتجُّوا بهذه الآية على أنَّه يجوز أن تكون الحاسَّة سليمة، ويكون المرئيُّ حاضراً، مع أنَّه لا يراه الإنسان؛ لنَّ الله تعالى يخلق في عينه مانعاً يمنعه عن رؤيته، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حاضراً، وكانت حواس الكفَّار سليمة، ثمَّ إنهم كانوا لا يرونه، وأخبر الله تعالى أن ذلك إنما كان لأجل أن جعل بينه وبينهم حجاباً مستوراً، ولا معنى للحجاب المستور إلاَّ ما يخلقه الله في عيونهم بمنعهم من رؤيته. وقيل: مستور على النسب، أي: ذو سترٍ، كقولهم: مكانٌ مهولٌ، وجارية مغنوجة، أي: ذو هولٍ، وذات غنجٍ، ولا يقال فيهما: هلت المكان، ولا غنجت الجارية. وقيل: وكذلك قولهم: رجلٌ مرطوبٌ: أي ذو رطوبةٍ، ولا يقال: رطبة، هو وصف على جهة المبالغة؛ كقولهم: "شعرٌ شاعرٌ" ورد هذا: بأنَّ ذلك إنَّما يكون في اسم الفاعل، ومن لفظ الأول. وقال الأخفش وآخرون: المستورُ ها هنا بمعنى السَّاتر والمفعول قد يرد بمعنى الفاعل؛ كقولهم: مشئوم وميمون بمعنى: شائم ويامن، وهذا كما جاء اسم الفاعل بمعنى مفعول كماءٍ دافقٍ. القول الثاني: أنَّ الحجاب هو الطَّبع الذي على قلوبهم والطبع المنع الذي منعهم عن أن يدركوا لطائف القرآن ومحاسنه وفوائده، فالمراد من الحجاب المستورِ ذلك الطبع الذي خلقه في قلوبهم. ثم قال تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} وهذه الآية مذكورة بعينها في سورة الأنعام. قوله: "وحدهُ" فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الحال، وإن كان معرفة لفظاً، لأنه في قوة النكرة إذ هو في معنى منفرداً، وهل هو مصدر، أو اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع الحال، فوحده وضِعَ مَوْضِعَ إيحَادٍ، وإيحادٌ وضعَ مَوْضِعَ موحدٍ. وهو مذهب سيبويه، أو هو مصدر على حذف الزوائد، إذ يقال: أوْحدهُ يُوحِدهُ إيحَاداً، أو هو مصدر بنفسه لـ "وَحَد" "ثُلاثِياً". قال الزمخشري: "وحَدَ يَحِدُ وحْداً وحِدَة، نحو: وعَدَ يَعِدُ وعْداً وعِدَة، و "وحْدَهُ" من باب "رَجَعَ عودهُ على بَدْئهِ"، و "افعله جهدك وطاقتك" في أنه مصدر سادٌّ مسدَّ الحال، أصله: يَحِدُ وحْدَهُ، بمعنى واحِداً". قلت: وقد عرفت أنَّ هذا ليس مذهب سيبويه. والثاني: أنه منصوب على الظرف وهو قول يونس، واعلم أن هذه الحال بخصوصها، أعني لفظة "وحْدهُ"، إذا وقعت بعد فاعل ومفعول، نحو: "ضَربَ زيدٌ عمراً وحْدَهُ"، فمذهب سيبويه أنه حال من الفاعل، أي: موحداً له بالضرب، ومذهب المبرد أنه يجوز أن يكون حالاً من المفعول. قال أبو حيان: "فعلى مذهب سيبويه يكون التقدير: وإذا ذكرت ربك موحداً لله تعالى. قال المفسرون: معناه: إذا قلت: لا إله إلا الله في القرآن وأنت تتلوه. وعلى مذهب المبرد يجوز أن يكون التقدير: موحداً بالذكر". ثم قال: "ولَّوا على أدبارهم نفوراً" وفي "نفوراً" وجهان: أحدهما: أنه مصدر على غير المصدر، لأن التولّي والنفور بمعنى. قال الزجاج رحمه الله: بمعنى ولوا كافرين نفوراً. والثاني: أنه حال من فاعل "ولَّوا" وهو حينئذ جمع نافرٍ، كـ "قَاعدٍ"، وقُعودٍ، وجَالسٍ، وجُلوسٍ. والضمير في "ولَّوا" الظاهر عوده على الكفار، وقيل: يعود على الشَّياطين، وإن لم يجْرِ لهُم ذِكرٌ. قال المفسرون: إن القوم كانوا في استماع القرآن على حالتين، سمعوا من القرآن ما ليس فيه ذكر لله تعالى فبقوا مبهوتين متحيرين؛ لا يفهمون منه شيئاً وإذا سمعوا آيات فيها ذكر لله تعالى، وذم المشركين ولوا نفوراً وتركوا ذلك المجلس.

البقاعي

تفسير : ولما قرر في سياق التوحيد أنهم في الحضيض من الغباوة، التفت إلى سيد أولي الفهم، فقال مشيراً إلى النبوة عاطفاً على {لا تفقهون} منبهاً على أنهم لا يفهمون لسان القال فضلاً عن لسان الحال: {وإذا قرأت القرءان} الذي لا يدانيه واعظ، ولا يساويه مفهم، وهو تبيان لكل شيء {جعلنا} أي بما لنا من العظمة {بينك} وبينهم، ولكنه أظهر هذا المضمر بالوصف المنبه على إعراضهم عن السماع على الوجه المفهم فقال تعالى: {وبين الذين لا يؤمنون} أي لا يتجدد لهم إيمان {بالآخرة} أي التي هي قطب الإيمان {حجاباً} مالئاً لجميع ما بينك وبينهم مع كونه ساتراً لك عن أن يدركوك حق الإدراك على ما أنت عليه {مستوراً *} عنهم وعن غيرهم، لا يراه إلا من أردنا، وذلك أبلغ في العظمة وأعجب في نفود الكلمة {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة {على قلوبهم أكنة} أي أغطية، كراهة {أن يفقهوه} أي يفهموا القرآن حق فهمه {وفي ءاذانهم وقراً} أي شيئاً ثقيلاً يمنع سماعهم السماع النافع بالقصور في إدراكهم لا في بيانه، فرؤيتهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حال التلاوة غير صحيحة كما أن سمعهم وإدراكهم لما يقرأه كذلك كما قال تعالى {أية : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} تفسير : [البقرة: 7] {وإذا ذكرت ربك} أي المحسن إليك وإليهم {في القرءان} حال كونه {وحده} مع الإعراض عن آلهتهم {ولوا} وحقق المعنى وصوره بما يزيد في بشاعته تنفيراً عنه فقال: {على أدبارهم نفوراً *} مصدر من غير اللفظ مؤكد لأنه محصّل لمعناه، أو جمع نافر كقاعد وقعود. ومادة "وقر" بجميع تقاليبها عشر تدور على الجمع كما مضى في آخر يوسف وأول الحجر، فالوقر - بالفتح: ثقل في الأذن أو ذهاب السمع كله - لأن ذلك يوجب اجتماعاً في النفس وسكوناً يحمل على الوقار الذي هو السكينة بفقد بعض ما كان يشعّب الفكر من السمع، ومن ذلك ذلك الوقر - بالكسر: الحمل مطلقاً أو الثقيل، أو لأن الحمل جامع لما فيه والأذن جمعت ما سدها، فكأنه جمع خرقها فصيرها صلداً كالصخرة الصماء لا ينفذ فيها شيء، ولذلك يسمى الطرش الصمم ونخلة موقرة، أي مستجمعة حملاً، واستوقرت الإبل: سمنت أي جمعت الشحم واللحم، ووقر كوعد: جلس - لاستجماع بعض أعضائه إلى بعض، والوقير: القطيع من الغنم أو صغارها أو خمسمائة منها أو عام، أو الغنم بكلبها وحمارها وراعيها كالقرة - لاستجماع بعضها إلى البعض، والوقري - محركة: راعي الوقير أو مقتني الشاء وصاحب الحمير وساكنو المصر، والقرة - كعدة: العيال والثقل والشيخ الكبير - لأن الكبر والثقل يثمران الوقار الناشىء عن استجماع النفس والعزم وترك الانتشار بالطيش، وما قبلهما واضح في الجمع، والموقر - كمعظم: المجرب العاقل قد حنكته الدهور - لأن ذلك يثمر استجماع العقل، ووقرت الرجل توقيراً: بجلته ورزنته، والدابة: سكنتها - فكان كأنه جمع إليها حمل ثقيل، والتيقور فيعول من الوقار تاءه مبدلة من واو، يقال: وقر في بيته يقر، أي جمع نفسه فيه لاجتماع همه، والموقر - كمجلس: الموضع السهل عند سفح الجبل - لعله شبه بالرجل الوقور المطمئن الساكن النفس، والحامل الذي يوطئه الحمل، والوقرة: وكتة - أي حفرة - تكون في الحافر والعين والحجر - لأن من شأن الحفرة أن تجمع ما تودعه، ومنه توقير الشيء: أن تصير له وقرات، أي آثاراً، والوقر: الصدع في الساق وكالوكتة أو الهزمة تكون في العظم والحجر والعين، وأوقر الله الدابة: أصابها بوقرة، وفقير وقير، أي مكسور العظام أو الفقار، أو تشبيه بصغار الشاء أو اتباع، أو المعنى أن الدين أوقره، والوقير: النقرة العظيمة في الصخرة تمسك الماء - وهو واضح في الجمع. والروق: القرن - لشدة اجتماعه لصلابته واستدارته، ولأنه يجمع إقدام صاحبه وعزمه، والروق أيضاً: عزم الرجل وفعاله - لجمعهما أمره، والروق من الليل: طائفة - لاجتماع ساعاتها، والروق من البيت: رواقه، أي شقته التي دون الشقة العليا - لأنها تكمل جمعه لما يقصد منه من الستر، ورواق البيت - ككتاب وغراب. ما أطاف به، قال القزاز: وقيل: الرواق كالفسطاط يحمل على عمود واحد في وسطه، قال في القاموس: أو سقف في مقدم البيت وحاجب العين - ولعله شبه بالستر، ومن الليل: مقدمه وجانبه - شبه بجانب البيت، والروق من الشباب: أوله كالريق بالفتح، والريق ككيس، وأصله ريوق - لأنه ينبني عليه ما بعده ويجتمع إليه كأنه الأصل الذي يجمع جميع الفروع، والريق أيضاً أن يصيبك من المطر شيء يسير - كأنه أول المطر، والروقة: الشيء اليسير، وهي من ذلك، والروق أيضاً: العمر - لأنه الجامع للحال، وراقني الشيء: أعجبني - لأن الفكر يجمع الخواطر لأجله فلا يظهر له وجه ما صار به معجباً، ووصيف روقة - إذا أعجبك، وجارية روقة وغلمان روقة، جمع رائق، والروقة: الشيء الجميل جداً، والروق - بالفتح العجب والإعجاب بالشيء، ومن الخيل: الحسن الخلق يعجب الرائي، والجمال الرائق، والريق والروق والرواق: الستر - لأنه يجمع البصر والهم عما وراءه، وهو أيضاً موضع الصائد - لأنه يجمعه على ما يريد ويوصله إليه، والروق: الرواق ومقدم البيت والشجاع لا يطاق - لاجتماع همه لما يريد، والفسطاط والسيد - لجمع الفضائل، والصافي من الماء وغيره - لأن الصفاء أجدر باجتماع الأجزاء، والروق: الجماعة والحب الخالص ومصدر راق عليه، أي زاد عليه فضلاً - لأن الزيادة لا تكون إلا عن جمع، والروق: البدن من الشيء - لجمعه له، والحية - لتحويها أي تجمعها، وداهية ذات روقين، أي عظيمة مشبهة بالثور، ورمى بأرواقه على الدابة: ركبها، أي بجميع أعضائه، ورمى بأرواقه عنها: نزل، وألقى أرواقه: عدا فاشتد عدوه - كأنه خرج من جميع أعضائه - فعدا روحاً بلا بدن فصار أعظم من الطائر، أي غلبت روحه على بدنه، وألقى أوراقه: أقام بالمكان مطمئناً؛ قال في القاموس: كأنه ضد - انتهى. والمفعول فيه في هذا محذوف، كأنه قال: في مكان كذا، ومن المعلوم أن بدنه إذا كان في مكان وهو حي فقد أقام به، وألقى عليك أرواقه، وهو أن تحبه شديداً، والمعنى أنه ألبسك بدنه فصارت روحك مديرة له فصرت إياه. وتعبير القزاز بقوله "وهو أن تحبه حتى تستهلك في حبه" يدل على ذلك، وألقت السحابة أرواقها، أي مطرها ووبلها أو مياهها الصافية - وذلك هو مجموع ما فيها، وأرواق الليل: أثناء ظلمته بأرواقه - إذا قام وثبت، وقيل: أرواقه: مقاديمه، وأسلبت العين أرواقها: سالت دموعها، أي جميع ما فيها - كأن ذلك كناية عن اشتداد البكاء، وروق الفرس: الذي يمده الفارس من رمحه بين أذنيه - تشبيه له بقرن الثور، وذلك الفرس أروق، ومنه الروق - محركة، وهو طول الأسنان - تشبيهاً لها بالروق أي القرن - قال القزاز: وقيل: الروق: طول الأسنان وانثناءها إلى داخل الفم، وإشراف العليا على السفلى، والقوم روق - إذا كانوا كذلك، وهو يصلح لأن يكون تشبيهاً بما ذكر، ولأن يكون من الجمع من أجل الانثناء، ومنه أكل فلان روقه - إذا أسن فطال عمره حتى تتحات أسنانه - المشبهة بالقرن، والترويق: التصفية - وقد تقدم أن الشيء إذا خلص من الأغيار كانت أجزاؤه أشد تلاصقاً، والترويق: أن يبيع سلعة ويشتري أجود منها - مشبهة بالتصفية، والراووق: المصفاة يروق بها الشراب بلا عصر والكأس بعينها، والباطية وناجود الشراب الذي يروق به - لأنها تجمع الشراب. والقرو: القصد والتتبع كالاقتراء والاستقراء والطعن وهو واضح في الجمع، والقرو: حوض طويل ترده الإبل، وعبارة القزاز: شبه حوض ممدود مستطيل إلى جنب الحوض، يفرغ منه في الحوض الأعظم، ترده الإبل والغنم، وكذا إن كان من خشب. والقرو: الأرض لا تكاد تقطع - كأنها حمت اجتماع أجزائها عن أن يفرقها أحد، والقرو: مسيل المعصرة ومثعبها - لاجتماع ما يسيل فيه، وأسفل النخلة ينقر فينتبذ فيه أو يتخذ منه المركن والإجانة للشرب، وقدح أو إناء صغير، وميلغة الكلب، وحق عليه طبق، ومنقع الماء، والعرب تقول: أصبحت الأرض قرواً واحداً - إذا كثر الخصب والمطر، وكل ذلك واضح في الجمع، وأن يعظم جلد البيضتين لريح أو ماء، أو نزول الأمعاء كالقروة، وذلك إما لشبههما بالقدح أو لجمعهما ما أوجب كبرهما، وقرّى كفعلى: ماء بالبادية - لجمعه الناس، والقرى: القرع يؤكل - لأنه صالح لأن يجعل إناء، والقرا: الظهر - لجمعه الأعضاء، وناقة قرواء: طويلة السنام، والمقروري: الطويل الظهر، وأقرى: اشتكى - إما أن يكون من شكاية القرا، وإما أن يكون للسلب، أي أزال اجتماع همه وعزمه، والقرواء: العادة - لجمعها أهلها، والدبر - لجمعها ما فيها، وأقرى: طلب القرى، ولزم القرى، وأقرى الجل على الفرس: ألزمه، والمقاري: رؤوس الإكام - لأنها تجمع، وتركتهم قرواً واحداً على طريقة واحدّة - أي مجتمعين وشاة مقروة: جعل رأسها في خشبة لئلا ترضع نفسها - أي جمع فكاها، وقروة الرأس: طرفه، وعبارة القزاز: وقروان الرأس وقروة الرأس: أعلاه - كأنه مجتمع أمره لأنه موضع المفكرة، وقروة الأنف: طرفه - لأنه آخر جامع لجماله، واستقرى الدمل: صارت فيه المدة - أي اجتمعت، والقيروان: معظم العسكر ومعظم القافلة - وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية المادة في {أية : بورقكم هذه} تفسير : في [الكهف:19].

السلمي

تفسير : قال بعضهم: من تحصن بالحق فهو فى أحصن حصن، ومن تحصن بكتابه فهو أحسن حصن، والمضيع لوقته من تحصن بعمله أو بنفسه أو بحسبه فيكون هلاكه من موضع أمنه.

القشيري

تفسير : أي أدخلناك في إيواءِ حفِظْنَا، وضربنا عليك سرادقاتِ عصمتنا، ومنعنا الأيدي الخاطئةَ عنك بلطفنا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً} معنى الاية اذا قرات القران جعلنا بين فهم الكتاب وشرفك المذكور فى القران مع معانى حقائقه وبين قلوبهم وعقولهم وارواحهم حجابا من غيرتنا حتى لا يرون بابصار اسرارهم عرائس الصفات ولا يسمعون بآذان قلوبهم لطائف حكم الخطاب واذا كان عليه السّلام قرأ القران صار منورا بنور الصفات موشحا بتجليها مزينا بحقائقها من حيث كان شربه من سواقى الصفات وحظه من مشاهدات الذات واذا بلغ الى ذلك المقامات فى قرأته وتلارته وحسن صورته غار الحق عليه ان ينظر الى وجه احد غيره ولو راه احد بهذا الوصف طاش عقله وطار روحه من هيبته الله يدل عليه قوله تعالى {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} واذا استترت باستار كلامنا صرت مستورا عن اعين المبطلين ومحصونا عن تناول المبغضين والمنكرين وربّ صادق فر من العدو الى ستر القران فكان مستورا من جميع الضرر مثل انه يقول بسم الله فيكون مستورا عن اعين الخلق وهذا وصف الاخفياء الاتقياء قال بعضهم من تحصن بالحصن فهو فى احصن حصن ومن تحصن بكتابه هو فى احسن حصن والمضيع لوقته من تحصن بعمله او بنفسه او بجنسه فيكون هلاكه من موضع امنه وكان ابو يزيد اذا قرأ هذه الآية قال لاصحابه تدرون ما ذلك الحجاب هو حجاب الغيرة قال النبى صلى الله عليه وسلم لا احدا غير من الله وتصديق ما ذكرنا فى حقيقة الآيتين قوله سبحانه {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} اذا ذكر الحق بصفات الحق بنعت الوحدة وافراد قدمه عن الكون بحيث انفرد الحبيب بفردانية الحبيب وتوحد بوحدانيته واتصف بصفته وشاهد افراد ذاته صار وجوده وحدانيا ربانيا الوهيا جبروتيا ملكوتيا يزول كل ما قورن به من الحدثان ويفارق منه كل شيطان وسلطان.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا قرأت القرآن} [وجون مى خوانى قرآنرا] {وجعلنا بينك}[مى سازيم ومى آريم ميان تو} {وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة} وهم كفار قريش وكانوا منكرى البعث {حجابا} يحجبهم من ان يدركوك على ما انت عليه من النبوة ويفهمون قدرك الجليل ولذلك اجبترأوا على ان يقولوا ان تتبعون الا رجلا مسحورا {مستورا} عن الحس بمعنى غير حسى مشاهد فمستور علىموضعه او ذا ستر فصيغة مفعول للنسبة كقولهم سيل مفعهم اى ذو افعام من افعمت الاناء اى ملأته هذا ما ذهب اليه المولى ابو السعود رحمه الله فى هذه الآية. وقال فى الكواشى كان المشركون يؤذون النبى صلى الله عليه وسلم مصليا وجاءت ام لهب بحجر لترضخحه فزل انتهى فيكون معنى قوله واذا قرأت القرآن واذا صليت عبر عن الصلاة بالقرآن لاشتمالها عليه كما عبر عن الخطبة به على بعض الاقوال فى قوله تعالى {أية : واذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا}تفسير : الآية فيلزم ان تحمل الآية علىخصوص المادة فهم اذا لم يروا الحجاب فلا يرون المحتجب به فيسلم من اذاهم ولم يكن كذلك دائما كما يدل عليه القواطع. وقال سعدى المفتى لعل الاولى ان يحمل على ما روى انها نزلت فى ابى سفيان والنضير وابى جهل وام جميل امرأة ابى لهب كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قرأ القرآن فحجب الله ابصارهم اذا قرأ وكانوا يمرون به ولا يرونه انتهى. وهو ذهول عما بعد الآية من قوله تعالى {أية : نحن اعلم بما يستمعون به}تفسير : كما يأتى مع ما فيه من الرواية وهو اللائح بالضمير فى هذا المقام الخطير. وفى الآية اشارة الى ان من قرأ القرآن حق قراءته ارتقى الى اعلى مراتب القرب كما جاء فى الاثر (ان عدد آى القرآن على عدد درج الجنة فمن استوفى جميع آى القرآن استولى على اقصى درج الجنة) واستيفاء جميع آى القرآن فى الحقيقة هو التخلق باخلاق القرآن فالقرآن من اخلاق الله وصفاته والمتخلق باخلاقه يكون متخلقا باخلاق الله وهذا يكون بعد العبور عن الحجب الظلمانية والنورانية تمكنا فى مقعد صدق عند مليك مقتدر فهو الذى جعل بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ولم يقل ساترا لان الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل بالحجاب مستورا عن المنقطع كمافى التأويلات النجمية. وفيه اشارة ايضا الى ان من تحصن بكتابه فهو فى حصن حصين والمضيع لوقته من تحصن بعلمه او بنفسه فيكون هلاكه فى موضع امته شعر : هركه او بييرون شد ازحصن خدا جان او آخر شد از جسمش جدا مرد حق بين كى كندتكيه بغير هر قضا جون از خدا آيد بسير

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أن يفقهوه}: مفعول من أجله، أي كراهة أن يفقهوه، و {نفورًا}: مصدر في موضع الحال. والضمير في {به}: يعود على "ما"، أي: نحن أعلم بالأمر الذي يستمعون به من الاستهزاء والسخرية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإِذا قرأتَ القرآنَ} الناطق بالتنزيه والتسبيح، ودعوتهم إلى العمل بما فيه؛ من التوحيد، ورفض الشرك، وغير ذلك من الشرائع، {جعلنا} بقدرتنا ومشيئتنا المبنية على دواعي الحِكَمِ الخفية {بينَك وبين الذين لا يُؤمنون بالآخرة}، خَصَّ الآخرة بالذكر من بين سائر ما كفروا به؛ دلالة على أنها معظم ما أمروا بالإيمان به، وتمهيدًا لما سينقل عنهم من إنكار البعث، أي: جعلنا بينك وبينهم {حجابًا} يمنعهم عن فهمه والتدبر فيه، {مستورًا} عن الحس، خفيًا، معنويًا، وهو الران الذي يَسْبَحُ على قلوبهم من الكفر، والانهماك في الغفلة. أو: ذا ستر، كقوله: {أية : وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} تفسير : [مريَم: 61]، أي: آتيًا، فهو ساتر لقلوبهم عن الفهم والتدبر. نَفَى عنهم فقه الآيات، بعد ما نفى عنهم فقه الدلالات المنصوبة في الأشياء؛ بيانًا لكونهم مطبوعين على الضلالة، كما صرح به في قوله: {وجعلنا على قلوبهم أَكِنَّةً}؛ أغطيةً تكنها، وتحول بينها وبين إدراك الحق وقبوله. فعلنا ذلك بهم؛ كراهة {أنْ يفقهوه}، {و} جعلنا {في آذانهم وقرًا}؛ ثقلاً وصممًا يمنعهم من استماعه. ولمَّا كان القرآن معجزًا من حيث اللفظ والمعنى، أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ. قاله البيضاوي. {وإِذ ذكرتَ ربك في القرآن وحده} أي: واحدًا غير مشفوع به آلهتهم، {وَلَّوْا على أدبارهم نُفورًا}؛ هَرَبا من استماع التوحيد، والمعنى: وإذا ذكرت في القرآن وحدانية الله تعالى، فرَّ المشركون عن ذلك؛ لما في ذلك من رفض آلهتهم وذمها. قال تعالى: {نحن أعلم بما يستمعون به} أي: بالأمر الذي يستمعون به؛ من الاستهزاء، وكانوا يستمعون القرآن على وجه الاستهزاء، {وإِذْ هم نجوى} أي: ونحن أعلم بغرضهم، حين همَّ جماعة ذات نجوى، يتناجون بينهم ويخفون ذلك. ثم فسر نجواهم بقوله: {إذْ يقول الظالمون}، وضع الظالمين موضع الضمير؛ للدلالة على أن تناجيهم بقولهم هذا محض ظلم، أي: إذ يقولون: {إِن تتبعون إِلا رجلاً مسحورًا}؛ مجنونًا قد سُحر حتى زال عقله. {انظر كيف ضربوا لك الأمثال}، مثلوك بالساحر، والشاعر، والكاهن، والمجنون، {فضلُّوا} عن الحق في جميع ذلك، {فلا يستطيعون سبيلاً} إلى الهدى، أو إلى الطعن فيما جئتَ به بوجه؛ فهم يتهافتون، ويخبطون، كالمتحير في أمره لا يدري ما يفعل. ونزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه من الكفار. {وقالوا أئذا كنا عظامًا ورُفاتًا أئنا لمبعوثون خلقًا جديدًا}، أنكروا البعث، واستبعدوا أن يجعلهم خلقًا جديدًا، بعد فنائهم وجعلهم ترابًا. والرفات: الذي بلي، حتى صار غبارًا وفتاتًا. و "أئذا": ظرف، والعامل فيه: ما دل عليه قوله: {لمبعوثون}، لا نفسه؛ لأن ما بعد "إن" والهمزة، لا يعمل فيما قبله، أي: أنُبعث إذا كنا عظامًا... الخ. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم في سورة "الأنعام" تفسير الأكنة التي تمنع من فهم القرآن والتدبر فيه، والتي تمنع من الشهود والعيان، فراجعه، إن شئت. وفي الآية تسلية لمن أوذي من الصوفية فرُمِيَ بالسحر أو غيره. وبالله التوفيق. ثمَّ أمر نبيه بالجواب كما أنكروه من البعث

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ..} عن انظارهم او حجاباً مستوراً به اى ساتراً لك عن انظارهم والمعنى الاوّل تأسيس والثّانى تأكيد والمقصود جعلنا جثّتك مستورة عنهم لا يرونها كما قيل: انّ جمعاً من قريش حجبوا محمّداً (ص) عن انظارهم وقت قراءة القرآن كانوا يمرّون عليه ولا يرونه وجعلنا حقيقتك مستورة عنهم لا يرونها ولو رأوها لما كذّبوك ولمّا نفروا عن قراءتك.

الأعقم

تفسير : {وإذا قرأت القرآن} يا محمد {جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً}، قيل: معناهم عند قراءتك، وجعلنا بينك وبينهم حجاباً مستوراً يعني ساتراً، وقيل: عن العيون، وقيل: هو ذمٌّ لهم وتشبيه أي كان بينك وبينهم حجاباً، وقيل: جعلنا بينك وبين مشركي قريش حجاباً مانعاً أن ينالوك {وجعلنا على قلوبهم أكنة} غطاء {أن يفقهوه} فيعلموه، يعني جعلنا بالحكم أنهم بهذه المنزلة {وفي آذانهم وقراً} أي ثقلاً للقرآن {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفوراً} أي أعرضوا عنك مدبرين فارّين {نحن أعلم بما يستمعون به} وعد لهم وتسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعني هؤلاء يسمعون ويتناجون دونك ونحن أعلم بهم {إذ يستمعون إليك} إلى قراءتك القرآن {وإذ هم نجوى} وتناجيهم أن بعضهم قال: هو مجنون، وبعضهم قال: ساحر، وبعضهم قال: كاهن، وبعضهم قال: أساطير الأولين {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلّوا} بهذا القول عن الحق بأن قالوا: ساحر، وقالوا: مجنون، وقالوا: كاهن {فلا يستطيعون سبيلاً} أي لا يجدون حيلة وطريقاً في تكذيبك إلى البهت، وقيل: ضلوا عما طلبوا في بطلان أمره فلم يجدوا إلى ذلك سبيلاً {وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً} نزلت في مشركي قريش في إنكارهم البعث، الرفات هو ما تكسر وبلي من كل شيء، وقيل: تراباً، وقيل: غباراً {قل} يا محمد لهم {كونوا حجارة أو حديداً} وهذا ليس أمراً ولا إباحة ولكن معناه لو كنتم حجارة أو حديداً في الشدة، لم يفت الله وسيحييكم من بعد الموت كما أنشأكم أول مرة {أو خلقاً مما يكبر في صدوركم}، قيل: أي شيء استعظمتموه في الخلق ويكبر في صدوركم، وقيل: السماوات والأرض والجبال، وعن ابن عباس: هو الموت وهو أكبر الأشياء، قال الثعلبي: البعث {فسيقولون من يعيدنا} بعد الموت {قل} يا محمد {الذي فطركم أول مرة}، قوله تعالى: {فسينغضون إليك رؤوسهم} فسيحركونها تعجباً واستهزاء {قل} يا محمد {عسى أن يكون قريباً}: عسى من الله واجبٌ، والمعنى أن يكون قريباً في حكم الله {يوم يدعوكم} أي من قبوركم، وقيل: هو النداء بالخروج إلى أرض المحشر {فتستجيبون} أي تجيبون مضطرين صاغرين {بحمده} أي حامدين الله على نعمه، وقيل: تحمدونه حيث لا ينفعكم الحمد، قال جار الله: والدعاء والاستجابة كلاهما مجاز والمعنى يوم يبعثكم فتنبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعوا، وقوله: {بحمده} حال منهم أي حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث {وتظنون إن لبثتم إلاَّ قليلاً} في الدنيا والقبر وإنما هو تقرير الوقت كما قال الحسن: كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل، وقيل: إن لبثتم إلا قليلاً بطول لبثكم في الآخرة.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاخِرَةِ} وهم منكرو البعث {حِجَاباً} ساتراً يستر عن فهم ما تقرأ فلا يفهمونه فهماً معتبراً وهو الحقيقى المتبوع بالعمل ولو فهموه بعض فهم، إِذ كان بلغتهم، وذلك الجعل ليس جبراً تعالى الله عنه ولكن تخليتهم وأنفسهم وما يختارون. {مَّسْتُوراً} عن الأَعين أى لا تراه الأَعين لأَنه حجاب غير حسى أو مستور بحجاب آخر، وذلك أن اختيارهم الضلالة حجاب ساتر لهم عن فهم ما يقرأه عليهم، فهم لا يفهمونه، وهذا الحجاب أحاط به حجاب آخر هو أنهم لا يعلمون أنهم غير فاهمين ولو علموا أن الحق فيما يقرأ وأنهم لم يفهموا لالقوا أفهامهم إِليه لعلهم يفهمون أو حجاباً مستوراً ما جعل حجاباً عنه عن أن يدرك فكأَنه قيل حجباً مستوراً محجوبه فحذف المضاف، ومستوراً فى ذلك كله اسم مفعول ويجوز أن يكون المعنى حجاباً ساتراً فيكون النعت للتوكيد، ومستور على هذا إِما مجاز مرسل لعلاقة الاشتقاق وإِن شئت فقل لعلاقة التعلق إِذ أطلق اسم مفعول على معنى فاعل لاجتماعهما فى مادة واحدة فى الاشتقاق أو تعلق الحجب بالمحجوب كتعلقه بالحاجب، وإما مجاز فى الإسناد حيث أسند للمفعول وهو المحجوب عنه والذى له هو كونه مستوراً إِلى الفاعل وهو الحجاب، رويت فى التلخيص سيل مفعم بفتح العين أى مملوء وإِنما المملوء الوادى لا السيل وإِما للنسب أى ذا ستر، كما قيل فى قوله عز وعلا: وعده مأتيا فإِن مأَتيا اسم مفعول أصله مأتوى كمنصور ومرحوم اجتمعت الواو والياء وسكنت السابقة فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فى الياء وقلبت الضمة كسرة أى ذا إتيان فكأَنه قيل إتياء، ويأْتى كلام فيه إِن شاء الله وقيل الآية فى حفظ الله سبحانه وتعالى نبيه عمن أراد به سوءاً من قتل أو جرح، إِذا قرأ القرآن منعه الله به من ذلك وجعل بينه وبين مريد ذلك حجاباً مستوراً، أى حجاباً محجوباً عن الأَعين أو حاجباً ونحو ذلك مما أمكن من الأَوجه السابقة. حديث : روى سعيد بن جبير أنه قال: لما نزلت {تبت يدا أبى لهب} جاءت امرأة أبى لهب ومعها حجر والنبى - صلى الله عليه وسلم - مع أبى بكر فلم تره. فقال له: أين صاحبك، لقد بلغنى أنه هجانى. فقال أبو بكر: والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله. فرجعت تقول كنت جئت بهذا الحجر لأُرضخ رأْسه، فقال أبو بكر: ما رأتك يا رسول الله. فقال: لم يزل ملك بينى وبينهاتفسير : ، والحديث مذكور فى سير الغزوات وغيرها وفى الهمزية وشروحها ذكره، وقد توجه أناس للفتك به فمنعهم الله وكان يقرأ فى المسجد الحرام ويصلى فيه ظاهراً محفوظاً بحفظ الله جل جلاله ويؤيد التفسير الأَول قوله عز وعلا: {وَجَعَلْنَا عَلىَ قُلُوبِهِمْ} الخ.. فيكون هذا وذلك فى معنى واحد وعلى التفسير الثانى يختلف هذا مع ما قبله فيكون مستأْنفاً أو عطف قصة على أخرى، وذكر الواحدى أن الآية نزلت فى قوم يؤذون النبى - صلى الله عليه وسلم - وإِذا قرأ القرآن فحجبه الله جل وعلا عن أعينهم عند قراءة القرآن حتى كانوا يمرون به ولا يرونه، وهذا من القول الثانى {أكِنَّةَّ} جمع كنان وهو الغطاء والستر ووزنه أفعله أصله كننة بإِسكان الكاف وكسر النون الأُولى نقل كسرها للكاف وأدغمت فى الثانية. {أن يَفْقَهُوهُ} أى لئلا يفقهوه أو كراهة أن يفقهوه أى جعلنا على قلوبهم أغطية تحول بينها وبين إِدراك الحق وزعم بعضهم أنه يجوز أن يكون مفعولا لمحذوف دلت عليه جملة جعلنا على قلوبهم أكنة أى منعناهم أن يفقهوه. {وَفِى آذَانِهِمْ وَقْراً} ثقل سمع يمنعهم عن استماعه لما كان القرآن معجزاً من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وهو أكنة على قلوبهم وما يمنع عن إِدراك اللفظ وهو الوقر فى آذانهم، وهذا كناية عن أنهم لا يسمعون أصلا بأَن لا يجمعهم الله مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حال قراءته وذلك بعد قيام الحجة عليهم وسماعهم منه ومن غيره أو كناية عن أنهم ولو سمعوا، لكنهم لا يتأَثر فيهم السماع فكأَنهم لم يسمعوا وقوله تعالى: {وإِذا قرأت القرآن} إِلى قوله: {نفوراً} لطرد المردة والشياطين إِذا تلاها الإِنسان الخائف والذى تتخيل إِليه الخيالات الفاسدات زال ذلك عند بإِذن الله تعالى، وإِذا كتبت فى خرقة صوف أو ورق وعلق على عضد من تبعه الجن زال عنه بإِذن الله تعالى، ومن كتب عشر قافات وثلاث ميمات والآية وحمل ذلك انتصر بإِذن الله تعالى على أعدائه، وفى آذانهم معطوف على قوله على قلوبهم وقراً معطوف على أكنة. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْآنِ وَحْدَهُ} مثل أن تتلو لا إِله إِلا الله أو لا إِله إِلا هو أو إِنما الله إِله واحد وإِنما إِلهكم إِله واحد، ونحو ذلك مما هو فى إِثبات الوحدانية لله سبحانه، ويحتمل أن يكون المراد إِذا ذكرت الله ولم تذكر معه آلهتهم، ووحده مصدر كالوعد وقع حالا يقال وحد يحد حدة ووحد كوعد يعد عدة ووعداً {وَلَّوْا عَلَى أدْبَارِهِمْ نُفُوراً} أى هرباً عن التوحيد وسماعه، كما هو شأْن من بالغ فى إِنكار شئ وهو مفعول لأَجله، ويجوز أن يكون بمعنى تولية فيكون مفعولا مطلقاً كقعدت جلوساً وهو مصدر على الوجهين، ويجوز كونه وصفاً جمع نافر بمعنى هارب كرجل قاعد ورجال قعود فيكون حالا والمراد النفور بالقلب ولو لم يزولوا عن أماكنهم فكنى عن إعراض قلوبهم وإِنكارها بذهاب الرجل إِلى خلفه وعلى بمعنى إِلى ويجوز إِبقاؤها على أصلها لأَن التولية مشى إِلى خلف والمشى يتعدى بعلى وغيره يقال مشى على كذا.

اطفيش

تفسير : أى جعلنا بين قراءتك وبينهم مانعًا عن أن يفهموها فهم تدبر، أو بين فهم قراءتك لا بين سماع قراءتك، ولا بين رؤيتك، لأنهم يسمعونه ويرونه ومستوراً بمعنى ذا ستر أو ساتراً كمكان مهول أى هائل أو ذا هول، وجارية مغنوجة أى غنجة أو ذات غنج، ورجل مرطوب أى رطب أو ذو رطوبة "أية : كان وعده مأتيًّا"تفسير : [مريم: 61] أصله مأتويا بوزن مفعول قلبت الواو ياء وأدغمت، وكسر ما قبلها أى أتيا أو ذا إتيان، والأولى إبقاؤه على المفعولية، أى يأتيه الخلق ويلقونه وسيل مفعم بفتح العين أى مفعم بكسر أى مالئ أو ذو إنعام وميمون ومشئوم بمعنى يا من وشائم، أو ذو يمن وشأم. يجوز إبقاء مستوراً على ظاهره بمعنى أنه حجاب معقول غير حسى لا يرى، ومن لازم المستور ومسببه أن لا يرى ولا يحسن تفسير الآية بحجب جبريل له صلى الله عليه وسلم حين جاءت أم جميل بحجر تضر به صلى الله عليه وسلم بجناحيه حتى ذهبت، لأن مثل هذا ولو تعدد قليل، والمطرد ما فسرنا به الآية، ولا يصح ما قيل إنه يقرأ قوله تعالى فى الكهف: "أية : جعلنا على قلوبهم"تفسير : [الكهف: 57] إلى أن قرأ: "أية : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم"تفسير : [النحل: 108، محمد 16] فى البخل و "أية : أفرأيت من اتخذ.." تفسير : [الجاثية: 23] إلخ فى الجاثية كلما أراد قراءة القرآن عليهم، فلا يروه، فإن الحق أنهم يرونه ويجادلونه، أو المراد وصفهم بالجهل المركب، بمعنى أنهم منعوا بحجاب، ومن الفهم وبحجاب آخر عن فهم كونهم لا يفهمون الدلالات المنصوبة فى الآفاق، وفى أنفسهم فهم مطبوعون على الغواية.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ} الناطق بالتسبيح والتنزيه ودعوتهم إلى العمل بما فيه {جَعَلْنَا} بقدرتنا ومشيئتنا المبنية على الحكم الخفية. {بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ} وهم المشركون المتقدم ذكرهم. وأوثر الموصول على الضمير ذماً لهم بما في حيز الصلة ويتم به مع ما سبق الإشارة إلى كفرهم بالمبدأ والمعاد. وفي «إرشاد العقل السليم» إنما خص بالذكر كفرهم بالآخرة من بين سائر ما كفروا به من التوحيد ونحوه دلالة على أنها معظم ما أمروا بالإيمان به في القرآن وتمهيداً لما سينقل عنهم من إنكار البعث واستعجاله ونحو ذلك اهـ. وفي كون الآخرة معظم ما أمروا بالإيمان به في القرآن تردد وربما يدعى أن ذلك هو التوحيد فالأولى / الاقتصار على أنه للتمهيد {حِجَاباً} يحجبهم من أن يدركوك على ما أنت عليه من النبوة وجلالة القدر ولذلك اجترؤا على التفوه بالعظيمة وهي قولهم: {أية : إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا} تفسير : [الإسراء: 47] وأصل الحجاب كالحجب المنع من الوصول فهو مصدر وقد أريد به الوصف أي حاجباً {مَّسْتُورًا} أي ذا ستر فهو للنسب كرجل مرطوب ومكان مهول وجارية مغنوجة ومنه {أية : وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} تفسير : [مريم: 61] وكذا سيل مفعم بفتح العين والأكثر مجىء فاعل لذلك كلابن وتامر، وجوز أن يكون الإسناد مجازياً كما اشتهر في المثال الأخير، وعن الأخفش أن مفعول يرد بمعنى فاعل كميمون ومشؤم بمعنى يامن وشائم كما أن فاعل يرد بمعنى مفعول كماء دافق فمستور بمعنى ساتر أو مستوراً عن الحس فهو على ظاهره ويكون بياناً لأنه حجاب معنوي لا حسي أو مستوراً في نفسه بحجاب آخر فيكون إيذاناً بتعدد الحجب أو مستوراً كونه حجاباً حيث لا يدرون أنهم لا يدرون، وقيل: إنه على الحذف والإيصال أي مستوراً به الرسول صلى الله عليه وسلم.

ابن عاشور

تفسير : عطف جملة على جملة وقصة على قصة، فإنه لما نوّه بالقرآن في قوله: {أية : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} تفسير : [الإسراء: 9]، ثم أعقب بما اقتضاه السياق من الإشارة إلى ما جاء به القرآن من أصول العقيدة وجوامع الأعمال وما تخلل ذلك من المواعظ والعبر عاد هنا إلى التنبيه على عدم انتفاع المشركين بهدي القرآن لمناسبة الإخبار عن عدم فقههم دلالةَ الكائنات على تنزيه الله تعالى عن النقائص، وتنبيهاً للمشركين على وجوب إقلاعهم عن بعثتهم وعنادهم، وتأميناً للنبيء من مكرهم به وإضمارهم إضراره، وقد كانت قراءته القرآن تغيظهم وتثير في نفوسهم الانتقام. وحقيقة الحجاب: الساتر الذي يحجب البصر عن رؤية ما وراءه. وهو هنا مستعار للصرفة التي يصرف الله بها أعداء النبي عليه الصلاة والسلام عن الإضرار به للإعراض الذي يعرضون به عن استماع القرآن وفهمه. وجعل الله الحجاب المذكور إيجادَ ذلك الصارف في نفوسهم بحيث يهمون ولا يفعلون، وذلك من خور الإرادة والعزيمة بحيث يخطر الخاطر في نفوسهم ثم لا يصممون، وتخطر معاني القرآن في أسماعهم ثم لا يتفهمون. وذلك خلق يسري إلى النفوس تديجياً تغرسه في النفوس بادىءَ الأمر شهوةُ الإعراض وكراهية المسموع منه ثم لا يلبث أن يصير ملكة في النفس لا تقدر على خلعه ولا تغييره. وإطلاق الحجاب على ما يصلح للمعنيين إما للحمل على حقيقة اللفظ، وإما للحمل على ما له نظير في القرآن. وقد جاء في الآية الأخرى {أية : ومن بيننا وبينك حجاب}تفسير : [فصلت: 5]. ولما كان إنكارهم البعث هو الأصل الذي استبعدوا به دعوة النبي حتى زعموا أنه يقول محالاً إذ يخبر بإعادة الخلق بعد الموت {أية : وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مُزّقتم كل ممزق إنكم لفي خَلْق جديد أفترى على الله كذباً أم به جنة}تفسير : [سبأ: 7 - 8] استحضروا في هذا الكلام بطريق الموصولة لما في الصلة من الإيماء إلى علة جَعل ذلك الحجاب بينه وبينهم فلذلك قال: {وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة}. ووصف الحجاب بالمستور مبالغة في حقيقة جنسه، أي حجاباً بالغاً الغاية في حجب ما يحجبه هو حتى كأنه مستور بساتر آخر، فذلك في قوة أن يقال: جعلنا حجاباً فوق حجاب. ونظيره قوله تعالى: {أية : ويقولون حجراً محجورا}تفسير : [الفرقان: 22]. أو أريد أنه حجاب من غير جنس الحجب المعروفة فهو حجاب لا تراه الأعين ولكنها ترى آثار أمثاله. وقد ثبت في أخبار كثيرة أن نفراً هموا الإضرار بالنبي فما منهم إلا وقد حدَث له ما حال بينه وبين همه وكفى الله نبيئه شرهم، قال تعالى:{أية : فسيكفيكهم الله}تفسير : [البقرة: 137] وهي معروفة في أخبار السيرة. وفي الجمع بين {حجاباً} و{مستوراً} من البديع الطباقُ.

الشنقيطي

تفسير : في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير: الأول - أن المعنى: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً. أي حائلاً وساتراً يمنعهم من تفهم القرآن وإدراكه لئلا يفقهوه فينتفعوا به. وعلى هذا القول - فالحجاب المستور هو ما حجب الله به قلوبهم عن الانتفاع بكتابه. والآيات الشاهدة لهذا المعنى كثيرة. كقوله: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ}تفسير : [فصلت:5]، وقوله: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ}تفسير : [البقرة:7] الآية، وقوله: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ}تفسير : [الكهف:57] الآية. إلى غير ذلك من الآيات، وممن قال بهذا القول في معنى الآية: قتادة والزجاج وغيرهما. الوجه الثاني في الآية - أن المراد بالحجاب المستور أن الله يستره عن أعين الكفار فلا يرونه. قال صاحب الدر المنثور في الكلام على هذه الآية. أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وصححه. وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل حديث : عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: لما نزلت {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} [المسد:1] أقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول: *مذمما أبينا*... *ودينه قلينا*... *وأمره عصينا* ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، وأبو بكر رضي الله عنه إلى جنبه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك؟ فقال: "إنها لن تراني"تفسير : وقرأ قرآنا اعتصم به. كما قال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً}. فجاءت حتى قامت على أبي بكر رضي الله عنه فلم تر النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني!؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: لا ورب هذا البيت ما هجاك. فانصرفت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها. إلى غير ذلك من الروايات بهذا المعنى. وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية، بعد أن ساق بعض الروايات نحو ما ذكرنا في هذا الوجه الأخير ما نصه: ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا. وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من القرآن، فعبرا علي ثم رجعا من حيث جاءا، وأحدهما يقول للآخر: هذا ديبله (يعنون شيطاناً) وأعمى الله عز وجل أبصارهم فلم يروني اهـ وقال القرطبي: إن هذا الوجه في معنى الآية هو الأظهر. والعلم عند الله تعالى. وقوله في هذه الآية الكريمة: {حِجَاباً مَّسْتُوراً} قال بعض العلماء: هو من إطلاق اسم المفعول وإرادة اسم الفاعل. أي حجاباً ساتراً، وقد يقع عكسه كقوله تعالى: {أية : مِن مَّآءٍ دَافِقٍ}تفسير : [الطارق:6] أي مدفوق {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}تفسير : [الحاقة:21] أي مرضية. فإطلاق كل من اسم الفاعل واسم المفعول وإرادة الآخر أسلوب من أساليب اللغة العربية. والبيانيون يسمون مثل ذلك الإطلاق "مجازاً عقلياً" ومن أمثلة إطلاق المفعول وإرادة الفاعل كالقول في الآية - قولهم: ميمون ومشؤوم، بمعنى يامن وشائم. وقال بعض أهل العلم: قوله {مَّسْتُوراً} على معناه الظاهر من كونه اسم مفعول، لأن ذلك الحجاب مستور عن أعين الناس فلا يرونه. أو مستوراً به القارىء فلا يراه غيره. واختار هذا أبو حيان في البحر. والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: حجابا مستورا: أي ساتراً فلا يسمعون كلام الله تعالى. وجعلنا على قلوبهم أكنة: أي أغطية على القلوب فلا تعي ولا تفهم. وفي آذانهم وقراً: أي ثقلاً فلا يسمعون القرآن ومواعظه. ولو على أدبارهم نفوراً: أي فراراً من السماع حتى لا يسمعوا. بما يستمعون به: أي بسببه وهو الهزء بالنبي صلى الله عليه وسلم. وإذ هم نجوى: أي يتناجون بينهم يتحدثون سراً. رجلاً مسحوراً: أي مغلوباً على عقله مخدوعاً. ضربوا لك الأمثال: أي قالوا ساحر، وقالوا كاهن وقالوا شاعر. فضلوا: أي عن الهدى فلا يستطيعون سبيلاً. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ} يخبر تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إنه إذ قرأ القرآن على المشركين ليدعوهم به إلى الله تعالى ليؤمنوا به ويعبدوه وحده جعل الله تعالى بينه وبين المشركين حجاباً ساتراً، أو مستوراً لا يُرى وهو حقاً حائل بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يسمعوا القرآن الذي يقرأ عليهم فلا ينتفعون به. وهذا الحجاب ناتج عن شدة بغضهم للرسول صلى الله عليه وسلم وكراهيتهم لدعوته فهم لذلك لا يرونه ولا يسمعون قراءته. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} جمع كنان وهو الغطاء حتى لا يصل المعنى المقروء من الآيات إلى قلوبهم فيفقهوه، وقوله: {وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} أي وجعل تعالى في آذان أولئك المشركين الخصوم ثقلاً في آذانهم فلا يسمعون القرآن الذي يتلى عليهم، وهذا كله من الحجاب الساتر والأكنة، والوقر في الآذان عقوبة من الله تعالى لهم حرمهم بها من الهداية بالقرآن لسابقة الشر لهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين ببغضهم للرسول وما جاء به وحربهم له ولما به من التوحيد والدين الحق، وقوله تعالى: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ} بأن قلت لا إله إلا الله، أو ما أفهم معنى لا إله إلا الله ولى المشركون على أدبارهم نفوراً من سماع التوحيد لحبهم الوثنية وتعلق قلوبهم بالشرك. وقوله تعالى {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ} يقول تعالى لرسوله نحن أعلم بما يستمع به المشركون أي بسبب أنهم يستمعون من أجل الاستهزاء بك والسخرية منك ومما تتلوه لا أنهم يستمعون للعلم والمعرفة ولطلب الحق والاهتداء إليه. وقوله: {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} أي يناجي بعضهم بعضاً {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ} أي المشركون {إِن تَتَّبِعُونَ} أي لا تتبعون {إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} أي مخدوعاً مغلوباً على أمره، فكيف تتبعونه إذاً؟. وقوله تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} أي انظر يا رسولنا كيف ضرب لك وهؤلاء المشركون المعاندون الأمثال فقالوا عنك: ساحر، شاعر، وكاهن ومجنون فضلوا في طريقهم {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} إنهم عاجزون عن الخروج من حيرتهم هذه التي أوقعهم فيها كفرهم وعنادهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير قاعدة حبك الشيء يعمى ويصم: فإن الحجاب المذكور في الآية وكذا الأكنة والثقل في الآذان هذه كلها حالت دون سماع القرآن من أجل بغضهم للرسول صلى الله عليه وسلم وللقرآن وما جاء به عن الدعوة إلى التوحيد. 2- بيان مدى كراهية المشركين للتوحيد وكلمة الإِخلاص لا إله إلا الله. 3- بيان مدى ما كان عليه المشركون من السخرية والاستهزاء بالرسول والقرآن. 4- بيان اتهامات المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم بالسحر مرة والكهانة ثانية والجنون ثالثاً بحثاً عن الخلاص من دعوة التوحيد فلم يعثروا على شيء كما قال تعالى: {فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً}.

القطان

تفسير : حجابا مستورا: مانعا ساترا. اكنة: جمع كنان وهي الأغطية. وفي آذانهم وقرا: صمما. نفورا: بعدا. مسحورا: مخبول العقل. {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ.....}. واذا قرأت ايها الرسول القرآن على هؤلاء المشركين جعلنا بينك وبينهم حجابا يمنع قلوبهم ان تؤمن بهذا الكلام الواضح مع انهم كانوا يتأثرون بالقرآن بفطرتهم، ولكنهم بكفرهم وعنادهم بعيدون عنه، فجعل الله بينهم وبين الرسول حجابا خفيا لا يظهر للعيون، فلا يهتدون. ثم بين السبب في عدم فهمهم لمدارك القرآن فقال: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً}. فقد جعل الله في قلوبهم ما يشغلهم عن سمع القرآن، كأن عليها اغطية من الكفر والعناد كما قال تعالى: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} تفسير : [فصلت: 5] السجدة. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً}. ينفرون من التوحيد وهم مشركون ويحبون ان تذكر آلهتهم مع الله سبحانه وتعالى، ولقد كانوا يتسمعون سرا الى تلاوة القرآن ويدركون معانيه، ولكن كبرياءهم يدفعهم عن التسليم والاذعان. يقول ابو جهل: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرفَ: أطعموا فاطعمنا، وحملوا فحملنا، وأَعطوا فاعطينا، حتى اذا تساوينا وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به ابدا ولا نصدقه. فلم تقصر افهامهم عن القرآن ولكنه العناد والكبرياء. {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً}. نحن اعلم بالسبب الذي يدعوهم للاستماع اليك، وهو الاستهزاء بك وبالقرآن، ونحن اعلم ايضا اذ هم يتناجون، اذا يقول الظالمون إن تتبعون الا رجلاً مسحورا قد ذهب عقله. {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً}. انظر كيف ضربوا لك الامثال فمثّلوك بالشاعر والساحر والكاهن فضلوا في جميع ذلك، فلا يستطيعون الوصول الى الحق.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقُرآنَ} {بِٱلآخِرَةِ} (45) - وَإِذَا قَرَأْتَ، يَا مُحَمَّدُ، القُرْآنَ عَلَى هؤلاءِ المُشْرِكِينَ، جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ حِجَاباً مَسْتُوراً عَنِ الأَبْصَارِ، يَمْنَعُ وُصُولَ الهُدَى إِلَى قُلُوبِهِمْ، وَذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَاقْتِرَافِهِمِ المُنْكَرَ وَالمَعَاصِيَ، التِي تَجْعَلُ القُلُوبَ مُظْلِمَةً، وَتَضَعُ عَلَيْهَا أَغْشِيَةً تَحْجُبُ عَنْهَا الهُدَى. حِجَاباً مَسْتُوراً - حِجَاباً سَاتِراً، أَوْ مَسْتُوراً عَنِ الحِسِّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى يعدل الأشياء تنفيذاً لأشياء أخرى، ويصنع أحداثاً أوّلية لتكون بمثابة المقدمة والتمهيد لأحداث أخرى أهم منها. وكفار مكة ما ادَّخروا وُسْعاً، وما تركوا وسيلة من وسائل الإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتنكيل به إلا فعلوها. ومع ذلك لم يُفَاجأ بها رسول الله، ولم تُثبِّط من عزيمته، لماذا؟ لأنه كان مُتوقِّعاً لكل هذا الإيذاء، ولديه من سوابق الأحداث ما يعطيه الحصانة الكافية لمقابلة كل الشدائد. فالمسألة لم تُفاجىء رسول الله؛ لأنه عرفها حتى قبل أن يُبعث، فحينما جاءه جبريل للمرة الأولى في الغار، وعاد إلى السيدة خديجة فَزِعاً ذهبتْ به إلى ابن عمها ورقة بن نوف، فطمأنه بأن هذا هو الناموس الإلهي، وأنه صلى الله عليه وسلم سيكون مبعوث السماء إلى الأرض، وأنه نبيُّ هذه الأمة، وقال فيما قال: ليتني أكون حياً حين يُخرِجك قومك، فقال صلى الله عليه وسلم: "أَمُخرجيّ هم؟". قال: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئتَ به إلا عودِي، وإنْ يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. إذن: فالحق سبحانه وتعالى حَصَّن رسوله صلى الله عليه وسلم ضد ما سيأتي من أحداث؛ لكي يكون على توقُّع لها، ولا تحدث له المفاجأة التي ربما ولدتْ الانهيار، وأعطاه الطُّعْم المناسب للداء قبل حدوثه؛ لتكون لديه المناعة الكافية عند وقوع الأحداث، واليقين الثابت في نصر الله له مهما ادْلهَمتْ الخطوب، وضاق الخناق عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه. والحديث عن الذين لا يؤمنون بالآخرة، وما داموا كذلك فليس لهم إلا الدنيا، هي فرصتهم الوحيدة، لذلك يحرصون على استنفاد كل شهواتهم فيها، ولا يؤخرون منها شيئاً، فإنْ أجَّل المؤمن بعض مُتَعِه وشهواته انتظاراً لما في الآخرة فإلامَ يؤجل الكفار مُتعتهم؟ إذن: الذي يجعل هؤلاء يتهافتون على شهواتهم في الدنيا أنهم غير مؤمنين بالآخرة. فإذا جاء رسول بمنهج ليعدل حركة الناس لتنسجم مع الكون، فلا بُدّ أن يثور هؤلاء الكفار الحريصون على شهواتهم ومكانتهم، لا بُدَّ أنْ يُصادموا هذه الدعوة، ويقاوموها في ذات الرسول وفي منهجه، في ذاته بالإيذاء، وفي دعوته ومنهجه بصَرْف الناس عنه، ألم يقل الكفار لمن يَرَوْن عنده مَيْلاً للإسلام: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}تفسير : [فصلت: 26]. وقولهم: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ..}تفسير : [فصلت: 26] شهادة منهم بصدق القرآن الكريم، وأنه ينفذ إلى القلوب ويؤثر فيها، وإلا لما قالوا هذا القول. وقولهم:{أية : وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ..}تفسير : [فصلت: 26] أي: هرِّجوا وشَوِّشوا عليه حتى لا يصل إلى آذان الناس، إذن: هم واثقون من صدق رسول الله وصدق دعوته، وقد دَلَّتْ تصرفاتهم على ذلك، فحينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلى الكعبة، ويجلس بجوارها يُدندِن بآيات القرآن كان صناديد الكفر في مكة يتعمدون سماع القرآن، والتلذُّذ بروعته وبلاغته. فقوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً} [الإسراء: 45]. يُرْوَى أن أبا جهل، وأبا سفيان، وأبا لهب، وأم جميل كانوا يتابعون رسول الله، ويتنصتون عليه وهو يقرأ القرآن ليروْا ما يقول، وليجدوا فرصة لإيذائه صلى الله عليه وسلم، فكان الحق سبحانه يصمُّ آذانهم عن سماع القرآن، فالرسول يقرأ وهم لا يسمعون شيئاً، فينصرفون عنه بغيظهم. وكأن الحق سبحانه يريد من هذه الواقعة أن تكون تمهيداً لحدث أهم، وهو ما كان من رسول الله ليلة الهجرة، ليلة أنْ بيَّتوا له القتل بضربة رجل واحد، فتحرسه عناية الله وتقوم له: اخرج عليهم ولا تخف، فإن الذي جعلك تقرأ وجعل بينك وبينهم حجاباً فلا يستمعون إليك، هو الذي سينزل على أعينهم غشاوة فلا يرونك. ومع إحكام خيوط هذه المؤامرة لم يخرج الرسول من بينهم صامتاً يحبس أنفاسه خَوْفاً، بل خرج وهو يقول "حديث : شاهت الوجوه"تفسير : وهو لا يخشى انتباههم إليه، وأكثر من ذلك: يأخذ حفنة من التراب ويذروها على وجوههم، إنها الثقة واليقين في نصره وتأييده. وقوله: {حِجَاباً مَّسْتُوراً} [الإسراء: 45]. الحجاب: هو المانع من الإدراك، فإنْ كان للعين فهو مانع للرؤية، وإنْ كان للأذن فهو مانع للسمع. وكلمة {مَّسْتُوراً} اسم مفعول من الستر، فلم يقل الحق سبحانه وتعالى (ساتراً)، وهذا من قبيل المبالغة في الستر والإخفاء، فالمعنى أن الحجاب الذي يمنعهم من سماعك أو رؤيتك هو نفسه مستور، فإن كان الحجاب نفسه مستوراً، فما بالُكَ بما خلفه؟ ولا شكَّ أن الذِّهْن سينشغل هنا بالحجاب المادي، لكن هذا الحجاب الذي يتحدث عنه الحق سبحانه حجاب معنويّ ولا يراه أحد، كما في قوله تعالى: {أية : رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ..}تفسير : [الرعد: 2]. فلو قال: بغير عمد وسكت فقد نفى وجود عَمَد للسماء وانتهت المسألة، وأدخلناها تحت قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ ..}تفسير : [فاطر: 41] فالأمر قائم على قدرة الله دون وجود عَمَدٍ تحمل السماء. لكن قوله سبحانه: {تَرَوْنَهَا} تجعل المعنى صالحاً لأنْ نقول بغير عَمَد، وأنتم ترونها كذلك، فننظر هنا وهناك فلا نجد للسماء عمداً تحملها، أو نقول: إن لها عمداً لكِنَّا لا نراها، فهي عَمَد معنوية، فلا ينصرف ذهنك إلى ما نقيمه نحن من عَمد المسلح أو الرخام أو الحديد. وفي هذا ما يدُكُّ الغرور في الإنسان، ليعلم أنه لا يدرك إلا ما أذن الله له في إدراكه، وأن حواسَّ الإدراك لديه قد تتوقف عن هذا الإدراك، فليس معنى أنها مدركة أن تظل مدركة دائماً، فليس لها طلاقة لتفعل ما تشاء، بل الحق سبحانه وتعالى يعطيها هذه القدرة، أو يسلبها إياها. فالقدرة الإلهية هي التي تُسيِّر هذا الكون، وتأمر كل شيء بأن يُؤدِّي مهمته في الحياة، وإنْ شاء عطّلها عن أداء هذه المهمة؛ لذلك نرفض قول الفلاسفة أن الحق سبحانه وتعالى زاول سلطانه في مُلْكه مرة واحدة، بأن جعل فيه النواميس والقوانين، وهي التي تحكم العالم وتُسيِّره. ففي قصة موسى - عليه السلام - أنه سار بجيشه، يطارده فرعون وجنوده حتى وصل إلى شاطئ البحر فأصبح البحر من أمامه، وفرعون من خلفه حتى قال أصحاب موسى:{أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ..}تفسير : [الشعراء: 61]. فأين المفر، وها هو البحر من أمامنا، والعدو من خلفنا؟ وهذا كلام منطقي مع واقع الحدث البشري، لكن الأمر يختلف عند موسى - عليه السلام - فقال بملء فيه: {أية : قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62]. فهل قالها موسى برصيد بشري؟ لا، بل بما عنده من ثقة في ربه، وهكذا انتقلت المسألة إلى ساحة الخالق سبحانه، فقال لنبيه موسى: {أية : فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الشعراء: 63]. فخرق الله لموسى قانون سيولة الماء واستطراقه، ويتجمد الماء، ويصير كالجبل ويتحول البحر إلى يابسة، ويعبر موسى وقومه إلى الناحية الأخرى، وتنشرح صدورهم بفرحة النجاة، ويأخذ موسى - عليه السلام - عصاه ليضرب البحر ليعود إلى طبيعته، وحتى لا يعبره فرعون ويلحق به، لكن الحق سبحانه يأمره، أن يتركه على حاله: {أية : وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ}تفسير : [الدخان: 24]. فعندما نزل فرعون وجنوده البحر واكتمل عددهم في قاعه أطلق الخالق سبحانه للماء قانون سيولته، فأطبق على فرعون وجنوده، وكانت آيةً من آيات الله، شاهدة على قدرته سبحانه، وأنه إنْ شاء أنجى وأهلك بالشيء الواحد، وشاهدة على قيوميته تعالى على خَلْقه، فليس الأمر - كما يقولون - أمر قانون أو ناموس يعمل، ويدير حركة الكون، فكل المعجزات التي مرَّتْ في تاريخ البشرية جاءت من باب خرق النواميس. ثم يقول الحق سبحانه: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن إعجاز القرآن بالبرهان بقوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً} [الإسراء: 45] يشير إلى أن من قرأ القرآن حق قراءته ارتقى إلى أعلى المراتب كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقال - يعني: لصاحب القرآن - اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها ". تفسير : قال أبو سليمان الخطابي: "جاء في الأثر أن عدد أي القرآن على عدد درج الجنة فمن استوفى جميع آب القرآن استولى على أقصى درج الجنة". قلت: واستيفاء جميع آي القرآن في الحقيقة هو التخلق بأخلاق القرآن، فالقرآن من أخلاق الله وصفاته والمتخلق بأخلاقه يكون متخلقاً بأخلاق الله، وهذا يكون بعد العبور عن حجب الظلماني والنوراني متمكناً {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 55] فهو الذي جعل بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً. وإنما قال: {حِجَاباً مَّسْتُوراً} [الإسراء: 45] ولم يقل ساتراً؛ لأن الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل بالحداب مستوراً عن المنقطع، والله أعلم. وفي قوله: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً} [الإسراء: 46] إشارة إلى انحراف مزاج قلوب أهل الشرك وحصول المرض فيها وإزالة الصحة والسلامة عنها إذ يتفرقون عند استماع ذكر الواحد الأحد بالوحدانية والوحدة ولا يجدون حلاوة التوحيد؛ بل يجدون فيه المرارة لسوء المزاج. {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} [الإسراء: 47] لأنا خلقناهم مستعدين لذلك كقوله: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} تفسير : [الملك: 14] وأنهم يستمعون بالهوى فيسمعون الأساطير والسحر والشعر، ولو استمعوا بالله لاستمعوا كلام الله وصفاته {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} [الإسراء: 47].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن عقوبته للمكذبين بالحق الذين ردوه وأعرضوا عنه أنه يحول بينهم وبين الإيمان فقال: { وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ } الذي فيه الوعظ والتذكير والهدى والإيمان والخير والعلم الكثير. { جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } يسترهم عن فهمه حقيقة وعن التحقق بحقائقه والانقياد إلى ما يدعو إليه من الخير. { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أي: أغطية وأغشية لا يفقهون معها القرآن بل يسمعونه سماعا تقوم به عليهم الحجة، { وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } أي: صمما عن سماعه، { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآن } داعيا لتوحيده ناهيا عن الشرك به. { وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } من شدة بغضهم له ومحبتهم لما هم عليه من الباطل، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ }. تفسير : { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ } أي: إنما منعناهم من الانتفاع عند سماع القرآن لأننا نعلم أن مقاصدهم سيئة يريدون أن يعثروا على أقل شيء ليقدحوا به، وليس استماعهم لأجل الاسترشاد وقبول الحق وإنما هم متعمدون على عدم اتباعه، ومن كان بهذه الحالة لم يفده الاستماع شيئا ولهذا قال: { إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى } أي: متناجين { إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ } في مناجاتهم: { إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا } فإذا كانت هذه مناجاتهم الظالمة فيما بينهم وقد بنوها على أنه مسحور فهم جازمون أنهم غير معتبرين لما قال، وأنه يهذي لا يدري ما يقول. قال تعالى: { انْظُرْ } متعجبا { كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ } التي هي أضل الأمثال وأبعدها عن الصواب { فَضَلُّوا } في ذلك أو فصارت سببا لضلالهم لأنهم بنوا عليها أمرهم والمبني على فاسد أفسد منه. { فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا } أي: لا يهتدون أي اهتداء فنصيبهم الضلال المحض، والظلم الصرف.

همام الصنعاني

تفسير : 1572- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {حِجَاباً مَّسْتُوراً}: [الآية: 45]، قال: هي الأكنّة.