١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} «أكِنة» جمع كِنان، وهو ما ستر الشيء. وقد تقدم في «الأنعام». {أَن يَفْقَهُوهُ} أي لئلا يفقهوه، أو كراهية أن يفقهوه، أي أن يفهموا ما فيه من الأوامر والنواهي والحِكم والمعاني. وهذا ردّ على القدرية. {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} أي صمماً وثقلاً. وفي الكلام إضمار، أي أن يسمعوه. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ} أي قلت: لا إلٰه إلا الله وأنت تتلو القرآن. وقال أبو الجَوْزاء أوْس بن عبد الله: ليس شيء أطْرَدَ للشيطان من القلب من قول لا إلٰه إلا الله، ثم تلا {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً}. وقال علي بن الحسين: هو قوله بسم الله الرحمٰن الرحيم. وقد تقدم هذا في البسملة. {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} قيل: يعني بذلك المشركين. وقيل: الشياطين. وَ«نُفُوراً» جمع نافر؛ مثل شهود جمع شاهد، وقعود جمع قاعد، فهو منصوب على الحال. ويجوز أن يكون مصدراً على غير الصدر؛ إذ كان قوله «وَلَّوْا» بمعنى نفروا، فيكون معناه نفروا نفوراً.
البيضاوي
تفسير : {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} تكنها وتحول دونها عن إدراك الحق وقبوله. {أَن يَفْقَهُوهُ} كراهة أن يفقهوه، ويجوز أن يكون مفعولاً لما دل عليه قوله: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أي منعناهم أن يفقهوه. {وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا} يمنعهم عن استماعه. ولما كان القرآن معجزاً من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ} واحداً غير مشفوع به آلهتهم، مصدر وقع موقع الحال وأصله يحد وحده بمعنى واحداً وحده. {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُوراً} هرباً من استماع التوحيد ونفرة أو تولية، ويجوز أن يكون جمع نافر كقاعد وقعود.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أغطية {أَن يَفْقَهُوهُ } من أن يفهموا القرآن أي فلا يفهمونه {وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} ثقلاً فلا يسمعونه { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً} عنه.
القشيري
تفسير : صَرَّح بأنه خالقُ ضلالتهم، وهو المبيت في قلوبهم ما استكنَّ فيها من فرط غوايتهم. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ} أحبوا أن تذكر آلهتهم، قد ختم الله على قلوبهم فلا حديثَ يُعْجِبُهم إلاَّ مِمَّنْ لهم شَكْلٌ ومِثْلٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجعلنا على قلوبهم اكنة} اغطية كثيرة جمع كنان وهو الغطاء {ان يفقهوه} مفعول له اى كراهة ان يفهموا القرآن على كنهه ويعرفوا انه من عند الله تعالى وهو على رأى الكوفيين ولا يرضاه البصريون لقلة حذف لا بالنسبة الى حذف المضاف وهذا تمثيل لتجافى قلوبهم عن الحق ونبوها عن قبوله واعتقاده كأنها فى غلف واغطية تحول بينهما وبينه وتمنع من نفوذه فيها كما فى بحر العلوم. يقول الفقير ذلك التجافى والنبو انما هو من تراكم الحجب المعنوية على القلب والفطرة الاصلية وان كانت مقتضيته للفقه والادراك والخروج الى نور العلم لكن ظلمة تلك الحجب مانعة عن ذلك فالكلام وان كان واردا فى صورة التمثيل لكنه على حقيقته فى نفس الامر {وفى آذانهم وقرا} صمما ونقلا مانعا عن سماعه اللائق به وهو تمثيل لمج اسماعهم للحق ونبوها عن الاصغاء اليه كأن بها صمما يمنع عن سماعه ولما كان القرآن معجزا من حيث اللفظ والمعنى اثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى حق فهمه وادراك اللفظ حق ادراكه {واذا ذكرت ربك فى القرآن وحده} اى واحدا غير مشفوع به آلهتهم اى اذا قلت لا اله الا الله وهو مصدر وقع موقع الحال اصله تحده وحده بمعنى واحدا وحده اى منفردا فحذف الفعل الذى هو الحال واقيم المصدر مقامه {ولوا على ادبارهم} [باز كردند كافران بربشتهاى خود] اى هربوا ونفروا {نفورا} هو مصدر كالقعود او جمع نافر اى اعرضوا ورجعوا حال كونهم هربوا ونفروا {نفورا} هو مصدر كالقعود او جمع نافر اى اعرضوا ورجعوا حال كونهم نافرين والنفور {برميدن] كما فى التهذيب.
الطوسي
تفسير : معنى قوله {وجعلنا على قلوبهم أكنة} أي حكمنا بأنهم بهذه المنزلة ذمّاً لهم على الامتناع من تفهم الحق، والاستماع اليه، لتأمل معانيه، مع الإعراض عنه عداوة له ونفوراً منه. وقال الجبائي: إِنه تعالى منعهم من ذلك وحال بينهم وبينه في وقت مخصوص، لئلا يؤذوا النبي صلى الله عليه وسلم وإِنما قال {وجعلنا} ولم يقل وجعلناهم {على قلوبهم أكنة} لأنه ابلغ في الذمّ مع قيام الدليل من جهة التكليف أنه ليس على جهة المنع، وانما لم يجز المنع والحيلولة بينهم وبين ان يفقهوه، لأن ذلك تكليف ما لا يطاق، وذلك قبيح لا يجوز ان يفعله الله تعالى، على انه لا يصح ان يريد تعالى ما يستحيل حدوثه، وإِنما يصح ان يراد ما يصح ان يحدث او يتوهم ذلك منه، لأن استحالته صارفة عن ان يراد، ولا داع يصح أن يدعو إِلى ارادته، وتجري استحالة ذلك مجرى استحالة ان يريد كون الشيء موجوداً معدوماً في حال واحده. (والأكنة) جمع كنان، وهو ما ستر. وقوله {وفي آذانهم وقراً} أي وجعلنا في آذانهم وقراً. (والوقر) - بفتح الواو - الثقل في الأذن، وبالكسر الحمل. والأصل فيه الثقل إِلا انه خولف بين البنائين للفرق. وقوله {وإِذا ذكرت ربك في القرآن وحده} يعني إِذا ذكرته بالتوحيد وانه لا شريك له في الإلهية {ولوّا} عنك ولم يسمعوه {على أدبارهم نفوراً} نافرين عنك. وقال بعضهم: إِذا سمعوا بسم الله الرحمن الرحيم ولّوا. ثم اخبر تعالى عن نفسه انه {أعلم} من غيره {بما يستمعون به} في حال ما {يستمعون إليك} اي يصغون إِلى سماع قراءتك ويعلم أي شيء غرضهم فيه وقوله: {وإِذ هم نجوى} معناه اذ يتناجون بأن يرفع كل واحد سره الى الآخر، ووصفوا بالمصدر، لأن نجوى مصدر، ونجواهم زعمهم انه مجنون، وانه ساحر وانه اتى بأساطير الأولين - في قول قتادة - وكان من جملتهم الوليد بن المغيرة. وقوله {إِذ يقول الظالمون إِن تتبعون إِلا رجلاً مسحوراً} قيل في معناه قولان: أحدهما - إِنكم ليس تتبعون إِلا رجلاً قد سحر، فاختلط عليه أمره، يقولون ذلك للتنفير عنه، كما يقال: سحر فلان، فهو مسحور إِذ اختلط عقله. وقيل {مسحوراً} أي مصروفاً عن الحق، يقال: ما سحرك عن كذا؟ أي ما صرفك. الثاني - ان له سحراً أي رئة، لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو مثلكم. والعرب تقول للجبان: انتفخ سحره قال لبيد: شعر : فان تسلينا فيم نحن فإِننا عصافير من هذا الأَنام المسحر تفسير : وقال آخر: شعر : ونسحر بالطعام وبالشراب تفسير : وقيل: إِن {نفوراً} جمع نافر، كقاعد وقعود، وشاهد وشهود، وجالس وجلوس. وقيل: مسحور معناه مخدوع. ومعنى الآية البيان عما يوجبه حال الجاحد للحق المعادي لأهله وذمه بأن قلبه كأنه في أكنَّة عن تفهمه، وكأن في أذنيه وقراً عن استماعه فهو مولٍّ على دبره، نافر عنه بجهله يناجي بالانحراف عنه جهالاً مثله، قد تعبوا بالحجة حتى نسبوا صاحبها إلى أنه مسحور، لما لم يكن إِلى مقاومة ما أتى به سبيل، ولا على كسره دليل. وقوله {انظر} أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن ينظر {كيف ضربوا لك الأمثال} أي كيف ضرب هولاء المشركون له المثل بالمسحور وغير ذلك، فجاروا بذلك عن طريق الحق، فلا يسهل عليهم ولايخف الرجوع اليه ولا اتباع سبيل الدين، ويحتمل أن يكون المعنى إِنهم لا يقدرون على تكذبيك، وإِن ما ذكروه فيك من قولهم مسحور وكذاب صرفهم ولا يستطيعون على ذلك.
الجنابذي
تفسير : {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} جمع الكنان بمعنى ما يستر به {أَن يَفْقَهُوهُ} كراهة ان يفقهوه او كنّة مانعة من ان يفقهوه {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} ان يسمعوه اى يسمعوا مقصوده والاّ فلفظه مسموع لهم ولذلك قال {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} لانّهم يسمعون لفظه ولا يدركون مقصوده ويرونه مخالفاً لمعتقدهم ويمكن ان يراد بالقرآن القرآن المعهود الّذى هو فى ولاية علىّ (ع) وان يراد بربك الرّبّ المضاف وهو الرّبّ فى الولاية وهو علىّ (ع) بعلويّته، وفى الاخبار فى الجملة اشعار بما ذكر ونفوراً جمع نافر حال من الفاعل او مصدر نفر حال منه او مفعول مطلق نوعىّ من غير لفظ الفعل.
فرات الكوفي
تفسير : {وإذا ذكرت ربّك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفوراً46} [قال: حدثنا. ب] فرات [بن إِبراهيم الكوفي. أ، ب. قال: حدثني يحيى بن زياد. ر، أ] معنعناً: عن عمرو بن شمر قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام: إني أؤم قومي فأجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، قال: نعم فاجهر بها قد جهر بها رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] ثم قال: إن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ب، ر] كان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن فإذا قام [من. ر] الليل يصلي جاء أبو جهل والمشركون يستمعون قراءته فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم وضعوا أصابعهم في آذانهم وهربوا، فإذا فرغ من ذلك جاؤوا فاستمعوا [قال. أ، ب]: وكان أبو جهل يقول: إن ابن أبي كبشة ليردد اسم ربه [إنه. خ، ر] ليحبه. فقال جعفر [عليه السلام. ب]: صدق وإن كان كذوباً. قال: فأنزل [ب، أ: وأنزل] الله: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً} وهو: بسم الله الرحمن الرحيم.
الهواري
تفسير : {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} أي: لئلا يفقهوه { وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} وهو مثل قوله: (أية : وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) تفسير : [الجاثية:23]. وكل هذا إنما فعله الله بهم لفعلهم الكفر الذي كان منهم. قال بعضهم: {حِجَاباً مَّسْتُوراً} وهو أكنة على قلوبهم بأن لا يفقهوه. أي: إنما جعل الله الكفر حِجَاباً على أهله لا يفقهون معه الحق ولا يقبلونه لتديّنهم بالكفر وتعلّقهم به. قوله: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القُرْءَانِ وَحْدَهُ} أي: إذا قلت لا إله إلا الله { وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} أي: أعرضوا. وقال بعضهم: إن المسلمين لما قالوا لا إله إلا الله أنكر ذلك المشركون وكبرت عليهم وضاق بها إبليس وجنوده. وهو كقوله: (أية : أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) تفسير : [سورة ص:5]. قوله: {وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} أي: أعرضوا عنه ونفرت منه قلوبهم، وما برحت أبدانهم من أماكنها، وإنما نفروا بقلوبهم بالإِعراض والتكذيب. قوله: { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} أي: يتناجون في أمر النبي عليه السلام. { إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ} أي: المشركون {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً}. قال بعضهم: بلغنا أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة في رهط من قريش قاموا من المسجد إلى دار أهل الصفا فيها نبي الله يصلي، فاستمعوا. فلما فرغ نبي الله من صلاته قال أبو سفيان لعتبة: يا أبا الوليد، أناشدك الله هل تعرف شيئاً مما يقول؟ فقال عتبة: اللهم أعرف بضعاً وأنكر بعضاً. فقال أبو جهل: وأنت يا أبا سفيان؟ قال أبو سفيان: اللهم نعم. فقال أبو سفيان لأبي جهل: يا أبا الحكم هل تعرف شيئاً مما يقول؟ قال أبو جهل: لا والذي جعلها بَنِيّة، يعني الكعبة، ما أعرف مما يقول قليلاً ولا كثيراً وإن يتبعون إلا رجلاً مسحوراً، يعني المؤمنين اتبعوا رجلاً مسحوراً. وقال بعضهم: [نجواهم أن زعموا أنه] مجنون وأنه ساحر، وقالوا أساطير الأولين.
اطفيش
تفسير : {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أغطية تمنعهم عن فهم ما يسمعون {أَنْ يَفْقَهُوهُ} لئلا يفقهوه، أو كراهة أن يفقهوه، أو متعلق بأكنة أى أغطية عن أن يفقهوه، وتغطية الشئ منع له، وهذا يكفى عن تقدير منعناهم أن يفقهوه. {وَفِى آذانِهِمْ وَقْرًا} ثقل سمع أو صمماً يمنعهم عن استماع لفظ القرآن، والمراد لا يسمعون ألفاظه فى الجملة، فضلا عن إدراك معانيها، وإن سمعوه فكأنهم صم ويجوز أن يكون هذا الكلام استعارة تبعية. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْآنِ} فى هذا الكتاب المنزل، أو فى قراءتك {وَحْدَهُ} لم تذكر أصنامهم التى يعبدونها قال سيبويه وحده اسم وضع موضع المصدر الموضوع موضع الوصف الذى هو حال فوحده وضع موضع اتحاد، واتحاد وضع موضع متحد، أراد أنه فى الأصل اسم مصدر خماسى وعبارة بعض عنه أنه فى الأصل إيجاد مصدر أوحد الرباعى بالهمزة، ومعناه الآن موحد بكسر الحاء اسم مفعول، والمشهور أنه مصدر وحد يحد، كوعد يعد استعمل بمعنى منفرد، فهو حال، ولو أضيف لمضمر. {وَلَّوْا} عنك أى عن القرآن {عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} حال مؤكدة على أنه جمع نافر كقعود جمع قاعد، وشهود جمع شاهد، أو منفرد مفعول مطلق لَوَلَّوا، كأنه قيل نفروا نفوراً أو ولَّوا تولية، والعلة محذوفة أى لكراهتهم مجلس الذكر، أو مفعول من أجله، أى وَلَّوا لنفورهم أى كراهتهم الذكر لما فيه التوحيد، فهم إذا سمعوا من القرآن ما فيه ذكر الله تحيَّروا، ولم يتعلقوا بشئ، وإذا سمعوا ذكر الله وحده دون أصنامهم، أو مع ذم الشرك هربوا، وأكد الله هروبهم بذكر الأدبار، وذكر النفور.
الالوسي
تفسير : {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أغطية جمع كنان، والمراد بمعونة المقام التكثير أي أكنة كثيرة. {أَن يَفْقَهُوهُ} مفعول له بتقدير مضاف أي كراهة أن يقفوا على كنهه ويعرفوا أنه من عند الله تعالى أو مفعول به لفعل مقدر مفهوم من الجملة أو من {أَكِنَّةً} لا أن {جَعَلْنَا} أو شيئاً مما ذكر قد ضمنه كما يتوهم أي منعناهم فقهه والوقوف على كنهه {وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْرًا} صمماً وثقلاً عظيماً مانعاً من سماعه اللائق به فإنهم كانوا يسمعونه من غير تدبر، وهذه كما قال بعض المحققين تمثيلات معربة عن كمال جهلهم بشؤون النبـي صلى الله عليه وسلم وفرط نبو قلوبهم عن فهم القرآن الكريم ومج أسماعهم له جىء بها بياناً لعدم فقههم فصيح المقال إثر بيان عدم فقههم دلالة الحال وفيه إيذان بأن ما تضمنه القرآن من التسبيح في غاية الظهور بحيث لا يتصور عدم فهمه إلا لمانع قوي يعتري المشاعر فيبطلها وتنبيه على أن حالهم هذه أقبح من حالهم السابقة، وحمل الآية على ما ذكر من لم يجعل التسبيح فيما سبق لفظياً وعلى جعله لفظياً لا يحسن حملها على ذلك كما لا يخفى. هذا وقال بعضهم: المراد بالحجاب ما يحجبهم عن فهم ما يقرؤه عليه الصلاة والسلام فقد أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن قتادة أنه قال: الحجاب المستور أكنة على قلوبهم أن يفقهوه وأن ينتفعوا به وإلى ذلك ذهب الزجاج، وتعقب بأنه لا يلائم {أية : بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ} تفسير : [الإسراء: 45] الخ إلا بتقدير مضافين أي جعلنا بين فهم قراءتك، وأيضاً يلزم عليه التكرار من غير فائدة جديدة، وأجيب بأن الظاهر أنه لا يقدر فيه وإنما يلزم لو كان حقيقة وهذا تمثيل لهم في عدم إسماع الحق بمن كان وراء جدار وحجاب كما أن الأكنة كذلك، وأما حديث التكرار من غير فائدة فمدفوع بأن قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا} الخ تصريح بما اقتضاه نفي فصيح المقال بعد نفي فهم دلالة الحال من كونهم مطبوعين على الضلال ولا يخفى على المنصف أولوية ما تقدم. وعن الجبائي أن المراد بالحجاب ما يحجبهم عن إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم كانوا يقصدونه إذا قرأ ليؤذوه فآمنه الله تعالى وذكر له عليه الصلاة والسلام أنه جل شأنه جعل بينه وبينهم حجاباً عند القراءة فلا يمكنهم الوصول إليه، وهو عندي مما لا بأس به وأن ذكره في معرض التفصي عن استدلال أصحابنا بالآية على أن الله تعالى يمنع عن الإيمان من شاء كما يهدي إليه من شاء نعم هو دون الأول عند من يتأمل. / وقيل: المراد حجاب منعهم رؤية شخص النبـي صلى الله عليه وسلم وذاته الكريمة. فقد أخرج أبو يعلى وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي معاً في «الدلائل» عن أسماء بنت أبـي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: حديث : لما نزلت{تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ} [المسد: 1] أقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول:شعر : مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا حديث : ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأبو بكر إلى جنبه فقال أبو بكر: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك فقال: إنها لن تراني، وقرأ قرآناً اعتصم به كما قال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلاْخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا} [الإسراء: 45] فجاءت حتى قامت على أبـي بكر فلم تر النبـي عليه الصلاة والسلام فقالت: يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك فانصرفت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدهاتفسير : . وجاء في رواية حديث : أنها حين ولت ذاهبة قال أبو بكر: يا رسول الله إنها لم ترك فقال النبـي صلى الله عليه وسلم حال بيني وبينها جبريل عليه السلام تفسير : . وذكر الإمام «أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن تلا قبلها ثلاث آيات قوله تعالى: في سورة الكهف [57] {أية : إنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْراً} تفسير : . وقوله سبحانه في النحل [108]: {أية : أُولَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} تفسير : وقوله جل وعلا في سورة حم الجاثية [23] {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : الآية فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين وهو المراد من قوله سبحانه: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ جَعَلْنَا} تفسير : [الإسراء: 45] الخ واحتج أصحابنا بذلك على أنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة ويكون المرئي حاضراً مع أنه لا يرى بسبب أن الله تعالى يخلق في العين مانعاً يمنع من الرؤية قالوا: إن النبـي عليه الصلاة والسلام كان حاضراً وحواس الكفار سليمة وكانوا لا يرونه وقد أخبر سبحانه أن ذلك لأجل أنه جعل بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم حجاباً مستوراً ولا معنى للحجاب المستور إلا المعنى الذي يخلقه في عيونهم ويكون مانعاً لهم من الرؤية» انتهى. وقال بعض المحققين: إن حمل الحجاب على ما روي من حديث أسماء مما لا يقبله الذوق السليم ولا يساعده النظم الكريم، وكأنه أراد أن حمله في الآية على الحجاب المانع من الرؤية كذلك فهو وارد على ما نقل عن الإمام أيضاً ويعلم منه حال احتجاج الأصحاب مع ما يرد على قولهم فيه ولا معنى للحجاب الخ من أنه مخالف لما في الرواية السابقة التي ذكر فيها حيلولة جبريل عليه السلام والخبر الذي أخرجه الدارقطني وغيره عن ابن عباس أن النبـي عليه الصلاة والسلام قال: كان بيني وبينها ملك يسترني بجناحيه حتى ذهبت فإن كلا الخبرين ظاهر في أن المانع لم يكن في عيونهم بل هو إما جبريل عليه السلام أو ملك آخر حال بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم فلم يروه لكن يبقى الكلام في أن منع اللطيف الرؤية خلاف العادة أيضاً وهو بحث آخر فليتدبر، ثم إن ما روي عن أسماء ليس نصاً في أن الحجاب في الآية هو الحجاب المانع عن الرؤية كما لا يخفى على من أمعن النظر وهذا القول إنما يحتاج إليه إن اعتبر تصحيح الحاكم أو نص على صحته من اعتبر تصحيحه من المحدثين أما إذا لم يكن ذلك فأمره سهل. وجعل الزمخشري ما تقدم حكاية لما قالوا {أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}تفسير : [فصلت: 5] على معنى جعلنا على زعمهم ولم يرتضه شيخ الإسلام لأن قصدهم بذلك إنما هو الإخبار بما اعتقدوه في حق القرآن والنبـي صلى الله عليه وسلم جهلاً وكفراً من اتصافهما بأوصاف مانعة من التصديق والإيمان ككون القرآن سحراً وشعراً وأساطير وقس عليه حال النبـي عليه الصلاة والسلام لا الإخبار بأن هناك أمراً وراء ما أدركوه / قد حال بينهم وبين إدراكه حائل من قبلهم، ولا ريب في أن ذلك المعنى مما لا يكاد يلائم المقام انتهى، وقد يقال: حيث كان الكلام مسوقاً لتعداد قبائحهم والإنكار عليهم فالملاءمة مما لا ريب فيها، نعم اختيار الزمخشري هذا الوجه مما لا يخلو عن دسيسة اعتزالية ولا أظنها تخفى عليك. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءانِ وَحْدَهُ} أي غير مقرون بذكره ذكر شيء من آلهتهم التي يزعمونها كما كانوا يقولون بالله تعالى واللات مثلاً ويصدق هذا بذكره سبحانه مع نفي الآلهة، و {وَحْدَهُ} عند الزمخشري مصدر الثلاثي يقال وحده يحده وحداً وحدة كوعده يعده وعداً وعدة وهو ساد مسد الحال بمعنى واحداً، وقيل: هو مصدر أوحد على حذف الزوائد وأصله إيحاد، ومذهب سيبويه أنه ليس بمصدر بل هو اسم موضوع موضع المصدر وهو إيحاد الموضوع موضع الحال وهو موحد. ومذهب يونس أنه منصوب على الظرفية، وتحقيق الأقوال فيه في «الرفدة» كما قدمنا، وذكر أنه على الحالية إذا وقع بعد فاعل ومفعول كما هنا جاز كونه حالاً من كل منهما أي وإذا ذكرت ربك موحداً له أو موحداً بالذكر {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ} هربوا أو نفروا {نُفُورًا} فهو مفعول مطلق منصوب بولوا لتقارب معناهما. وجوز أن يكون مفعولاً لأجله أي ولوا لأجل النفور والانزعاج وأن يكون حالاً على أنه جمع نافر أي ولوا نافرين من ذلك والضمير للمشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة، وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس ما ظاهره أنه للشياطين ولا يكاد يصح عن الحبر إلا بتأويل.
ابن عاشور
تفسير : {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا} عطف جعل على جعل. والتصريح بإعادة فعل الجعل يؤذن بأن هذا جعل آخر فيرجّح أن يكون جعل الحجاب المستور جعل الصرفة عن الإضرار، ويكون هذا جعل عدم التدبر في القرآن خلقة في نفوسهم. والقول في نظم هذه الآية ومعانيها تقدم في نظيرها في سورة الأنعام. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} لما كان الإخبار عنهم قبل هذا يقتضي أنهم لا يفقهون معاني القرآن تبع ذلك بأنهم يُعرضون عن فهم ما فيه خير لهم، فإذا سمعوا ما يبطل إلهية أصنامهم فهموا ذلك فولوا على أدبارهم نفوراً، أي زادهم ذلك الفهم ضلالاً كما حرمهم عدمُ الفهم هدياً، فحالهم متناقض. فهم لا يسمعون ما يحق أن يسمع، ويسمعون ما يَهْوَوْنَ أن يسمعوه ليزدادوا به كفراً. ومعنى «ذكرت ربك وحده» ظاهره أنك ذكرته مقتصراً على ذكره ولم تذكر آلهتهم لأن {وحده} حال من {ربك} الذي هو مفعول {ذكرت}. ومعنى الحال الدلالة على وجود الوصف في الخارج ونفسسِ الأمر، أي كان ذكرك له، وهو موصوف بأنه وحده في وجود الذكر، فيكون تولي المشركين على أدبارهم حينئذٍ من أجل الغضب من السكوت عن آلهتهم وعدم الاكتراث بها بناءً على أنهم يعلمون أنه ما سكت عن ذكر آلهتهم إلا لعدم الاعتراف بها. ولولا هذا التقدير لما كان لتوليهم على إدبارهم سبب، لأن ذكر شيء لا يدل على إنكار غيره فإنهم قد يذكرون العُزى أو اللاتَ مثلاً ولا يذكرون غيرها من الأصنام لا يظن أن الذاكر للعزى منكر منَاةَ، وفي هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة} تفسير : [الزمر: 45]. ويحتمل أن المعنى: إذا ذكرت ربك بتوحيده بالإلهية وهو المناسب لنفورهم وتوليهم، لأنهم إنما ينكرون انفراد الله تعالى بالإلهية، فتكون دلالة {وحده} على هذا المعنى بمعونة المقام وفِعل {ذكرت}. ولعل الحال الجائية من معمول أفعال القول والذكر ونحوهما تحتمل أن يكون وجودُها في الخارج، وأن يكون في القول واللسان، فيكون معنى «ذكرت ربك وحده» أنه موحد في ذِكرك وكلامك، أي ذكرتَه موصوفاً بالوحدانية. وتخصيص الذكر بالكون في القرآن لمناسبته الكلام على أحوال المشركين في استماع القرآن، أو لأن القرآن مقصود منه التعليم والدعوة إلى الدين، فخلو آياته عن ذكر آلهتهم مع ذكر اسم الله يفهم منه التعريض بأنها ليست بآلهة فمن ثم يغضبون كلما ورد ذكر الله ولم تذكر آلهتهم، فكونه في القرآن هو القرينة على أنه أراد إنكار آلهتهم. وقوله: {وحده} تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : أجئتنا لنعبد الله وحده}تفسير : في [الأعراف: 70]. والتولية: الرجوع من حيث أتى. وعلى أدبارهم تقدم القول فيه في قوله تعالى: {أية : ولا ترتدوا على أدباركم}تفسير : في سورة العقود [المائدة: 21]. و{نفوراً} يجوز أن يكون جمع نافر مثل سُجود وشُهود. ووزن فُعول يطرد في جمع فاعل فيكون اسم الفاعل على صيغة المصدر فيكون نفوراً على هذا منصوباً على الحال من ضمير {ولوا}، ويجوز جعله مصدراً منصوباً على المفعولية لأجله، أي ولوا بسبب نفورهم من القرآن.
الشنقيطي
تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه جعل على قلوب الكفار أكنة، (جمع كنان) وهو ما يستر الشيء ويغطيه ويكنه، لئلا يفقهوا القرآن. أو كراهة أن يفقهوه لحيلولة تلك الأكنة بين قلوبهم وبين فقه القرآن. أي فهم معانيه فهماً ينتفع به صاحبه. وأنه جعل في آذانهم وقراً أي صمماً وثقلاً لئلا يسمعوه سماع قبول وانتفاع. وبين في مواضع أخر سبب الحيلولة بين القلوب وبين الانتفاع به، وأنه هو كفرهم، فجازاهم الله على كفرهم بطمس البصائر، وإزاغة القلوب والطبع والختم والأكنة المانعة من وصول الخير إليها، كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم}تفسير : [الصف:5] الآية، وقوله: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِم}تفسير : [النساء:155]، وقوله: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الأنعام:110]، وقوله: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}تفسير : [البقرة:10] الآية، وقوله: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}تفسير : [التوبة:125]، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه في هذه الآية الكريمة - الرد الواضح على القدرية في قولهم: إن الشر لا يقع بمشيئة الله، بل بمشيئة العبد. سبحان الله وتعالى علواً كبيراً عن أن يقع في ملكه شيء ليس بمشيئته؟ {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ}تفسير : [الأنعام:107]، {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}تفسير : [السجدة:13] الآية، {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [الأنعام:35] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن نبيه صلى الله عليه وسلم إذا ذكر ربه وحده في القرآن بأن قال "لا إله إلا الله" ولى الكافرون على أدبارهم نفوراً، بغضاً منهم لكلمة التوحيد، ومحبة للإشراك به جل وعلا. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، مبيناً أن نفورهم من ذكره وحده جل وعلا سبب خلودهم في النار، كقوله: {أية : وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}تفسير : [الزمر:45]، وقوله: {أية : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ}تفسير : [غافر:12]، وقوله: {أية : إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوۤ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ}تفسير : [الصافات:35-36]، وقوله: {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}تفسير : [الشورى:13] الاية، وقوله: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا}تفسير : [الحج:72]، وقوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}تفسير : [فصلت:26]. وقوله في هذه الآية: {نُفُوراً} جمع نافر. فهو حال. أي ولوا على أدبارهم في حال كونهم نافرين من ذكر الله وحده من دون إشراك. والفاعل يجمع على فعول كساجد وسجود، وراكع وركوع. وقال بعض العلماء: "نفوراً" مصدر، وعليه فهو ما ناب عن المطلق من قوله {وَلَّوْاْ} لأن التولية عن ذكره وحده بمعنى النفور منه.
د. أسعد حومد
تفسير : {آذَانِهِمْ} {ٱلْقُرْآنِ} {أَدْبَارِهِمْ} (46) - وَجَعَلْنا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَغْطِيَةً (أَكِنَّةً) تَغْشَى عَلَيْهَا فَلاَ يَفْقَهُونَ مِنَ القُرْآنِ الذِي تَقْرَؤُه شَيئاً، وَجَعَلْنَا فِي آذَانِهِمْ صَمَماً ثَقِيلاً يَمْنَعُهُمْ مِنَ السَّمَعِ، وَلِذلِكَ فَإِنَّهُمْ لاَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَإِذا تَلَوْتَ مِنَ القُرآنِ مَا يَتَّحَدَّثُ عَنْ وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى أَدْبَرُوا رَاجِعِينَ نَافِرِينَ مِنْهُ، لأَِنَّهُمْ يُرِيدُونَ سَمَاعَ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ: اللاَّتِ وَالعُزَّى ... أَكِنَّةً - أَغْطِيَةً كَثِيرَةً مَانِعَةً. وَقْراً - صَمَماً وَثِقَلاً فِي السَّمَعِ عَظِيماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومعنى {أَكِنَّةً} جمع كِنَان، وهو الغطاء، وقد حكى القرآن اعترافهم بهذه الأكنة وهذه الحجب التي غلَّفَتْ قلوبهم في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ..}تفسير : [فصلت: 5]. الكون كله خَلْق الله، والإنسان سيد هذا الكون، وخليفة الله فيه وهو مربوب للخالق سبحانه لا يخرج عن مربوبيته لربه، حتى وإنْ كان كافراً لا يزال يتقلّب في عطاء الربوبية، فلا يُحرم منها كافر بكفره ولا عاصٍ بمعصيته، بل كما قال تعالى: {أية : كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ..}تفسير : [الإسراء: 20]. وسبق أنْ فرَّقنا بين عطاء الربوبية المتمثّل في كل نِعَم الحياة وبين عطاء الألوهية، وهو التكليف الذي يقتضي عبداً ومعبوداً، وافعل ولا تفعل. إذن: عطاء الربوبية عام للجميع ودائم للجميع، فكان على الإنسان أن يقف مع نفسه وقفة تأمُّل في هذه النعم التي تُسَاق إليه دون سَعْي منه أو مجهود، هذه الشمس وهذه الأرض وهذا الهواء، هل له قدرة عليها؟ هل تعمل له بأمره، إنها أوليات النعم التي أجراها الله تعالى من أجله، وسخّرها بقدرته من أجله، ألا تدعوه هذه النعم إلى الإيمان بالمنعم سبحانه وتعالى؟ وسبق أنْ ضربنا مثلاً للاستدلال على الخالق سبحانه بما أودعه في الكون من ظواهر وآيات بالرجل الذي انقطعت به السُّبُل في صحراء، حتى أوشك على الهلاك، وفجأة رأى مائدة عليها ما يشتهي من الطعام والشراب، ألاَ تثير في نفسه تساؤلاً عن مصدرها قبل أن تمتدَّ إليها يده؟ وكذلك الكافر الذي يتقلَّب في نِعَم لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، وقد طرأ على الكون فوجده مُعدّاً لاستقباله مُهَيئاً لمعيشته، فكان عليه أنْ يُجري عملية الاستدلال هذه، ويأخذ من النعمة دليلاً على المنعِم. والحق تبارك وتعالى لا يمنع عطاء ربوبيته عَمَّنْ كفر، بل إن الكافر حين يتمكَّن الكفر منه ويُغلق عليه قلبه يساعده الله على ما يريد، ويزيده مما يحب، كما قال تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً ..}تفسير : [البقرة: 10]. إذن: فقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ..} [الإسراء: 46] لم تَأْتِ من الله ابتداءً، بل لما أحبُّوا هم الكفر، وقالوا عن أنفسهم: قلوبنا في أكنة، فأجابهم الله إلى ما أرادوا وختم على قلوبهم ليزدادوا كفراً، وطالما أنهم يحبونه فَلْنُزدهم منه. ثم يقول تعالى: {أَن يَفْقَهُوهُ ..} [الإسراء: 46]. أي: كراهية أنْ يفقهوه؛ لأن الله تعالى لا يريد منهم أن يفهموا القرآن رَغْماً عنهم، بل برضاهم وعن طيب خاطر منهم بالإقناع وبالحجة، فالله لا يريد منا قوالبَ تخضع، بل يريد قلوباً تخشع، وإلا لو أرادنا قوالبَ لما استطاع أحد منا أنْ يشذَّ عن أمره، أو يمنع نفسه من الله تعالى، فالجميع خاضع لأمره وتحت مشيئته. وفي سورة الشعراء يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}تفسير : [الشعراء: 3-4]. فالأعناق هي الخاضعة وليست القلوب؛ لأنك تستطيع أن تقهر قالب خصمك فتجبره على فعل أو قول، لكنك لا تستطيع أبداً أن تجبر قلبه وتكرهه على حبك، إذن: فالله تعالى يريد القلوب، يريدها طائعة محبة مختارة، أما هؤلاء فقد اختاروا الأكِنّة على قلوبهم، وأحبُّوها وانشرحت صدورهم بالكفر، فزادهم الله منه. ثم يقول تعالى: {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً..} [الإسراء: 46]. {وَقْراً} أي: صَمم، والمراد أنهم لا يستمعون سماعاً مفيداً؛ لأنه ما فائدة السمع؟ واللغة وسيلة بين متكلم ومخاطب، ومن خلالها تنتقل الأفكار والخواطر لتحقيق غاية، فإذا كان يستمع بدون فائدة فلا جدوى من سمعه وكأن به صَمماً. وقوله تعالى: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً ..} [الإسراء: 46]. لماذا ولو على أدبارهم نفوراً؟ لأنك أتيتَ لهم بما يُخوِّفهم ويُزعجهم، وبالله لو أن قضيةَ الإيمان ليست فطرية موجودة في الذات وفي ذرّات التكوين، أكان هؤلاء يخافون من ذكر الله؟ فَمِمّا يخافون وهم لا يؤمنون بالله، ولا يعترفون بوجوده تعالى؟ إذن: ما هذا الخوف منهم إلا لانقهار الطبع، وانقهار الفطرة التي يعتريها غفلة، فإذا ذُكِر الله تعالى أمامهم، فإذا بهم يُولُّون مدبرين في خَوْفٍ ونُفور. ثم يقول الحق سبحانه: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} أي صَمَماً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):