١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} قيل: الباء زائدة في قوله «به» أي يستمعونه. وكانوا يستمعون من النبيّ صلى الله عليه وسلم القرآن ثم ينفرون فيقولون: هو ساحر ومسحور؛ كما أخبر الله تعالى به عنهم؛ قاله قتادة وغيره. {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} أي متناجون في أمرك. قال قتادة: وكانت نجواهم قولهم إنه مجنون وإنه ساحر وإنه يأتي بأساطير الأوّلين، وغير ذلك. وقيل: نزلت حين دعا عُتْبة أشرافَ قريش إلى طعام صنعه لهم، فدخل عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله؛ فتناجوا؛ يقولون ساحر ومجنون. وقيل: أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم عليًّا أن يتخذ طعاماً ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين؛ ففعل ذلك عليّ ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد، وقال: «حديث : قولوا لا إلٰه إلا الله لتطيعكم العرب وتدين لكم العجم»تفسير : فأبَوْا، وكانوا يستمعون من النبيّ صلى الله عليه وسلم ويقولون بينهم متناجين: هو ساحر وهو مسحور؛ فنزلت الآية. وقال الزجاج: النَّجْوَى اسم للمصدر؛ أي وإذ هم ذو نجوى، أي سرار. {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ} أبو جهل والوليد بن المُغِيرة وأمثالهما. {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} أي مَطْبُوباً قد خبله السحر فاختلط عليه أمره، يقولون ذلك لينفروا عنه الناس. وقال مجاهد: «مسحوراً» أي مخدوعاً؛ مثلُ قوله: {أية : فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 89] أي من أين تخدعون. وقال أبو عبيدة: «مسحوراً» معناه أن له سَحْراً، أي رِئة، فهو لا يستغني عن الطعام والشراب؛ فهو مثلكم وليس بمَلَك. وتقول العرب لِلجبان: قد انتفخ سَحْره. ولكل من أكل من آدمي وغيره أو شرب مسحور ومُسَحَّر. قال لبيد:شعر : فإن تسألينا فِيم نحن فإنّنا عصافيرُ من هذا الأنام المُسَحَّرِ تفسير : وقال امرؤ القيس: شعر : أَرَانَا مُوضِعين لأمر غَيْبِ ونُسْحَر بالطعام وبالشّرابِ تفسير : أي نُغَذَّى ونُعَلّل. وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: مَن هذه التي تُساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تُوُفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سَحْرِي ونَحْرِي.
البيضاوي
تفسير : {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ } بسببه ولأجله من الهزء بك وبالقرآن. {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } ظرف لـ {أَعْلَمُ} وكذا. {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } أي نحن أعلم بغرضهم من الاستماع حين هم مستمعون إليك مضمرون له وحين هم ذوو نجوى يتناجون به، و {نَجْوَىٰ } مصدر ويحتمل أن يكون جمع نجى. {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } مقدر باذكر، أو بدل من {إِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} على وضع {ٱلظَّـٰلِمُونَ} موضع الضمير للدلالة على أن تناجيهم بقولهم هذا من باب الظلم، والمسحور هو الذي سُحِرَ فزال عقله. وقيل الذي له سحر وهو الرئة أي إلا رجلاً يتنفس ويأكل ويشرب مثلكم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بما يتناجى به رؤساء قريش حين جاؤوا يستمعون قراءته صلى الله عليه وسلم سراً من قومهم بما قالوا من أنه رجل مسحور من السحر على المشهور، أو من السحر وهو الرئة، أي: إن تتبعون إن اتبعتم محمداً إلا بشراً يأكل، كما قال الشاعر:شعر : فإنْ تَسْألينا فيمَ نحنُ فإنَّنا عصافيرُ من هذا الأنامِ المُسَحَّرِ تفسير : وقال الراجز:شعر : ونُسحر بالطَّعامِ وبالشَّرابِ تفسير : أي: نغذي، وقد صوب هذا القول ابن جرير، وفيه نظر؛ لأنهم أرادوا ههنا أنه مسحور له رئُّيٌّ يأتيه بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه، ومنهم من قال: شاعر. ومنهم من قال: كاهن. ومنهم من قال: مجنون. ومنهم من قال: ساحر، ولهذا قال تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} أي: فلا يهتدون إلى الحق، ولا يجدون إليه مخلصاً، قال محمد بن إسحاق في السيرة: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري: أنه حدث: أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، حتى إذا جمعتهم الطريق تلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا وجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قاله أول مرة، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. قال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ } بسببه من الهزء {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } قراءتك {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } يتناجون أي يتحدّثون {إِذْ } بدل من «إذ» قبله {يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ } في تناجيهم {إِن} ما {تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } مخدوعاً مغلوباً على عقله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى} في هذه النجوى قولان: أحدهما: أنه ما تشاوروا عليه في أمر النبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة. الثاني: أن هذا في جماعة من قريش منهم الوليد بن المغيرة كانوا يتناجون بما ينفّرون به الناس عن اتباعه صلى الله عليه وسلم. قال قتادة: وكانت نجواهم أنه مجنون، وأنه ساحر، وأنه يأتي بأساطير الأولين. {إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجُلاً مسحوراً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه سحر فاختلط عليه أمره، يقولون ذلك تنفيراً عنه. الثاني: أن معنى مسحور مخدوع، قاله مجاهد. الثالث: معناه أن له سحراً، أي رئة، يأكل ويشرب فهو مثلكم وليس بملك، قاله أبو عبيدة، ومنه قول لبيد: شعر : فَإِنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا عَصَافِيرُ مِنْ هذَا الأَنَامِ الْمُسَحَّرِ
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى}: كان جماعة من قريش منهم الوليد بن المغيرة يتناجون بما ينفر الناس عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فنجواهم قولهم: إنه ساحر أو مجنون أو يأتي بأساطير الأولين {مَّسْحُوراً} سُحر فاختلط عليه أمره، أو مخدوعاً، أو له سَحَرُ يعنون يأكل ويشرب فهو مثلكم وليس بملك.
النسفي
تفسير : {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ } أي نحن أعلم بالحال أو الطريقة التي يستمعون القرآن بها، فالقرآن هو المستمع وهو محذوف و{به} حال وبيان لـ «ما» أي يستمعون القرآن هازئين لا جادين والواجب عليهم أن يستمعوه جادين {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } نصب بـ {أعلم} أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } وبما يتناجون به إذ هم ذوو نجوى {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } بدل من {إذ هم} {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } سحر فجن {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ } مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون، {فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } أي فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في التيه طريقاً يسلكه فلا يقدر عليه فهو متحير في أمره لا يدري ما يصنع. {وَقَالُواْ } أي منكرو البعث {أَءذَا كُنَّا عِظَـٰماً وَرُفَـٰتاً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } أي مجدداً و{خلقاً} حال أي مخلوقين {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ } أي السماوات والأرض فإنها تكبر عندكم عن قبول الحياة {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ } يعيدكم {ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } والمعنى أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم ويرده إلى حال الحياة بعدما كنتم عظاماً يابسة مع أن العظام بعض أجزاء الحي بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه سائره فليس ببدع أن يردها الله بقدرته إلى الحالة الأولى، ولكن لو كنتم أبعد شيء من الحياة وهو أن تكونوا حجارة أو حديداً لكان قادراً على أن يردكم إلى حال الحياة {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ } فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاءً {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ } أي البعث استبعاداً له ونفياً {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا } أي هو قريب و«عسى» للوجوب .
الخازن
تفسير : {نحن أعلم بما يستمعون به} أي من الهزء بك وبالقرآن وقيل: معناه نحن أعلم بالوجه الذي يستمعون به وهو التكذيب {إذ يستمعون إليك} أي وأنت تقرآ القرآن {وإذ هم نجوى} أي بما يتناجون به في أمرك، وقيل: معناه ذوو نجوى بعضهم يقول: هو مجنون وبعضهم يقول هو كاهن وبعضهم يقول ساحر أو شاعر {إذ يقول الظالمون} يعني الوليد بن المغيرة وأصحابه {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} أي مطبوباً وقيل مخدوعاً وقيل: معناه أنه سحر فجن. وقيل: هو من السحر وهو الرئة، ومعناه أنه بشر مثلكم يأكل ويشرب قال الشاعر: شعر : أرانا موضعين لأمر غيب ونسخر بالطعام وبالشراب تفسير : أي يغذى بهما {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} أي الأشباه فقالوا: ساحر شاعر كاهن مجنون {فضلّوا} أي في جميع ذلك وحاروا {فلا يستطيعون سبيلاً} أي إلى طريق الحق {وقالوا أئذا كنا عظاماً} أي بعد الموت {ورفاتاً} أي تراباً وقيل: الرفات هي الأجزاء المتفتتة من كل شيء تكسر {أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً} فيه أنهم استبعدوا الإعادة بعد الموت والبلى. فقال سبحانه وتعالى رداً عليهم {قل} أي قل يا محمد {كونوا حجارة} أي في الشدة {أو حديداً} أي في القوة وليس هذا بأمر إلزام بل هو أمر تعجيزي أي استشعروا في قلوبكم، أنكم حجارة أو حديد في القوة {أو خلقاً مما يكبر في صدوركم} قيل: يعني السماء والأرض والجبال لأنها أعظم المخلوقات. وقيل: يعني به الموت لأنه لا شيء في نفس ابن آدم أكبر من الموت، ومعناه لو كنتم الموت بعينه لأميتنكم ولأبعثنكم {فسيقولون من يعيدنا} أي من يبعثنا بعد الموت {قل الذي فطركم} أي خلقكم {أول مرة} فمن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة {فسينغضون إليك رؤوسهم} أي يحركونها إذا قلت لهم ذلك مستهزئين بما تقول {ويقولون متى هو} يعني البعث والقيامة {قل عسى أن يكون قريباً} أي هو قريب {يوم يدعوكم} أي من قبوركم إلى موقف القيامة {فتستجيبون بحمده} قال ابن عباس: بأمره وقيل بطاعته وقيل مقرين بأنه خالقهم وباعثهم ويحمدونه حين لا ينفعهم الحمد، وقيل: هذا خطاب مع المؤمنين فإنهم يبعثون حامدين {وتظنون إن لبثتم} أي في الدنيا وقيل في القبور {إلا قليلاً} وذلك لأن الإنسان لو مكث في الدنيا وفي القبر ألوفاً من السنين، عد ذلك قليلاً بنسبة مدة القيامة والخلود في الآخرة، وقيل: إنهم يستحقرون مدة الدنيا في جنب القيامة. قوله سبحانه وتعالى {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} وذلك أن المشركين كانوا يؤذون المسلمين، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل. وقل لعبادي يقولوا يعني للكفار التي هي أحسن، أي لا يكافئوهم على سفههم بل يقولون لهم يهديكم الله وكان هذا قبل الإذن في القتال والجهاد. وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب وذلك أنه شتمه بعض الكفار، فأمره الله بالعفو. وقيل: أمر الله المؤمنين أن يقولوا ويفعلوا الخلة التي هي أحسن وقيل الأحسن كلمة الإخلاص لا إله إلا الله {إن الشيطان ينزغ بينهم} أي يفسد ويلقي العداوة بينهم {إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً} أي ظاهر العداوة. قوله عز وجل: ربكم أعلم بكم {إن شاء يرحمكم} أي يوفقكم للإيمان فتؤمنوا {أو إن يشأ يعذبكم} أي يميتكم على الشرك فتعذبوا، وقيل معناه إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة، وإن يشأ يعذبكم أي يسلطهم عليكم {وما أرسلناك عليهم وكيلاً} أي حفيظاً وكفيلاً قيل: نسختها آية القتال {وربك أعلم بمن في السموات والأرض} يعني أن علمه غير مقصور عليكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات والمعدومات ومتعلق بجميع ذات الأرضين والسموات، ويعلم حال كل أحد ويعلم ما يليق به من المصالح والمفاسد وقيل: معناه أنه عالم بأحوالهم واختلاف صورهم وأخلاقهم ومللهم وأديانهم {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} وذلك أنه اتخذ إبراهيم خليلاً وكلم موسى تكليماً، وقال لعيسى: كن فكان وآتى سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده وآتى داود زبوراً وذلك قوله تعالى {وآتينا داود زبوراً} وهو كتاب أنزله الله على داود يشتمل على مائة وخمسون سورة، كلها دعاء وثناء على الله تعالى وتحميد وتمجيد ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود ولا أحكام. فإن قلت: لم خص داود في هذه الآية بالذكر دون غيره من الأنبياء؟ قلت: فيه وجوه: أحدها أن الله ذكر أنه فضل بعض النبيين على بعض ثم قال تعالى: وآتينا داود زبوراً وذلك أن داود أعطي من النبوة الملك، فلم يذكره بالملك وذكر ما آتاه من الكتاب تنبيهاً على أن الفضل المذكور في هذه الآية المراد به العلم لا الملك والمال. الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى كتب له في الزبور أن محمداً خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم فلهذا خصه بالذكر. الوجه الثالث: أن اليهود زعمت أن لا نبي بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة فكذبهم الله بقوله: وآتينا داود زبوراً ومعنى الآية أنكم لن تنكروا تفضيل النبيين، فكيف تنكرون تفضيل النبي صلى الله عليه سلم وإعطاءه القرآن وأن الله آتى موسى التوراة، وداود الزبور وعيسى الأنجيل فلم يبعد أن يفضل محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} وهذا خطاب مع من يقر بتفضيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قوله عز وجل {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه} وذلك أن الكفار أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف، فاستغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم فقال الله عز وجل: قل ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دونه {فلا يملكون كشف الضر عنكم} أي الجوع والقحط {ولا تحويلاً} أي إلى غيركم أو تحويل الحال من العسر إلى اليسر، ومقصود الآية الرد على المشركين، حيث قالوا ليس لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله فنحن المقربين إليه، وهم الملائكة. ثم إنهم اتخذوا لذلك الملك الذي عبدوه تمثالاً وصورة وقد اشتغلوا بعبادته فاحتج على بطلان قولهم بهذه الآية وبين عجز آلهتهم ثم قال تعالى {أولئك الذين يدعون} أي الذين يدعون المشركون آلهة {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} أي القربة والدرجة العليا. قال ابن عباس: هم عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم. وقال عبد الله بن مسعود: نزلت هذه الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم أولئك الجن، ولم يعلم الإنس بذلك فتمسكوا بعبادتهم فعيرهم الله وأنزل هذه الآية. قوله تعالى {أيهم أقرب} معناه، ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به، وقيل: أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله، ويتقرب إليه بالعمل الصالح وازدياد الخير والطاعة {ويرجون رحمته} أي جنته {ويخافون عذابه} وقيل: معناه يرجون ويخافون كغيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنهم آلهة {إن عذاب ربك كان محذوراً} أي حقيقاً بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب، ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم من الخلائق.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} يعني كفَّارَ مكَّة و{حِجَابًا مَّسْتُورًا} يحتمل أن يريد به حمايةَ نبيِّه منهم وقْتَ قراءته وصلاتِهِ بالمَسْجد الحرام؛ كما هو معلوم مشهورٌ ويحتمل أنه أراد أنه جعل بين فَهْم الكفرة وبَيْنَ فَهْم ما يقرؤه صلى الله عليه وسلم حجاباً، فالآية على هذا التأويل: في معنى التي بعدها. وقال الواحديُّ: قوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ...} الآية: نزلَتْ في قومٍ كانوا يؤذون النبيَّ صلى الله عليه وسلم، إِذا قرأ القرآن فحَجَبَه اللَّه عن أعينهم عنْدَ قراءة القرآن، حتى يكونوا يَمُرُّونَ به ولا يَرَوْنَه. وقوله: {مَّسْتُورًا } معناه ساتراً انتهى. «والأكنَّة» جمع كِنَان، وهو ما غطى الشيء، «والوَقْرُ»: الثِّقَل في الأُذُن، المانِعُ من السمعِ، وهذه كلُّها استعاراتٌ للإِضلالِ الذي حَفَّهم اللَّه به. وقوله سبحانُهُ: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ...} الآية: هذا كما تقولُ: فلان يستمعُ بإِعراضٍ وتغافلٍ واستخفافٍ، «وما» بمعنى «الذي»، قيل: المراد بقوله: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} اجتماعُهم في دار الندوة، ثم انتشرتْ عنهم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {بِمَا يَسْتَمِعُونَ}: الباء في "بما" متعلق بـ "أعْلَمُ". وما كان من باب العلم والجهل في أفعل التفضيل، وأفعل في التعجب تعدَّى بالباء؛ نحو: أنت أعلمُ به، وما أَعلمك به!! وهو أجهل به، وما أجهله به!! ومن غيرهما يتعدَّى في البابين باللام؛ نحو: أنت أكسى للفقراء، و "مَا" بمعنى الذي، وهي عبارةٌ عن الاستخفاف والإعراض، فكأنه قال: نحن أعلم بالاستخفاف، والاستهزاءِ الذي يستمعون به، قاله ابن عطيَّة. قوله: "به" فيه أوجه: أحدها: أنه حال، فيتعلق بمحذوف. قال الزمخشري: "وبه في موضع الحالِ، كما تقول: يستمعون بالهزءِ، أي: هازئين". الثاني: أنها بمعنى اللامِ، أي: بما يستمعون له. الثالث: أنها على بابها، أي: يستمعون بقلوبهم أو بظاهر أسماعهم، قالهما أبو البقاء. الرابع: قال الحوفيُّ: "لم يقلْ يستمعونه، ولا يستمعونك؛ لمَّا كان الغرضُ ليس الإخبار عن الاستماعِ فقط، وكان مضمَّناً أنَّ الاستماع كان على طريق الهزء بأن يقولوا: مجنونٌ أو مسحورٌ، جاء الاستماع بالباء وإلى، ليعلم أنَّ الاستماع ليس المراد به تفهُّم المسموعِ دون هذا المقصد" فعلى هذا ايضاً تتعلَّق الباء بـ "يَسْتمِعُونَ". قوله تعالى: {إِذْ يَسْتَمِعُونَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه معمولٌ لـ "أعْلَمُ". قال الزمخشري: "إذ يستمعون نصب بـ "أعْلَمُ" أي: أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون، وبما يتناجون؛ إذ هم ذوو نجوى". والثاني: أنه منصوبٌ بـ "يَسْتمِعُونَ" الأولى. قال ابن عطيَّة - رحمه الله -: "والعامل في "إذ" الأولى، وفي المعطوف "يَسْتمِعُونَ" الأولى". وقال الحوفيُّ: و "إذ" الأولى تتعلق بـ "يَسْتمِعُونَ" وكذا "وإذْ هُمْ نجْوَى" لأن المعنى: نحن أعلم بالذي يستمعون إليك، وإلى قراءتك وكلامك، إنما يستمعون لسقطك، وتتبُّع عيبك، والتماسِ ما يطعنون به عليك، يعني في زعمهم؛ ولهذا ذكر تعديتهُ بالباء و "إلى". قوله - عز وجل -: "نَجْوَى" يجوز أن يكون مصدراً، فيكون من إطلاق المصدر على العين مبالغة، أو على حذف مضاف، أي: ذوو نجوى، كما قاله الزمخشري، ويجوز أن يكون جمع نجيٍّ، كقتيلٍ وقتلى، قاله أبو البقاء. قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ} بدل من "إذ" الأولى في أحد القولين، والقول لآخر: أنَّها معمولة لـ "اذْكُرْ" مقدَّراً. قوله تعالى: "مَسْحُوراً" الظاهر أنَّه اسم مفعول من "السِّحرِ" بكسر السين، أي: مخبول العقل، أو مخدوعه، وقال أبو عبيدة: معناه أنَّ له سَحْراً، أي: رئة بمعنى أنه لا يستغني عن الطَّعام والشَّراب، فهو بشرٌ مثلكم، وتقول العرب للجبان: "قد انتفخَ سَحرهُ" بفتح السين، ولكلِّ من أكل وشرب: مسحورٌ، ومسحرٌ، فمن الأول قول امرىء القيس: [الوافر] شعر : 3426- أرَانَا مُوضَعِينَ لأمْرِ غَيْبٍ ونُسْحِرُ بالطَّعامِ وبالشَّرابِ تفسير : أي: نُغذَّى ونُعَلَّلُ، ومن الثاني قول لبيدٍ: [الطويل] شعر : 3427- فَإنْ تَسْألِينَا فيمَ نَحْنُ فَإنَّنَا عَصَافِيرُ مِنْ هذا الأنَامِ المُسحَّرِ تفسير : وردَّ الناس على أبي عبيدة قوله؛ لبعده لفظاً ومعنًى. قال ابن قتيبة: "لا أدري ما الذي حمل أبا عبيدة على هذا التَّفسير المستكرهِ مع ما فسَّره السَّلف بالوجوهِ الواضحة". قال شهاب الدين: وأيضاً فإن "السَّحْر" الذي هو الرِّئة لم يضرب له فيه مثلٌ؛ بخلاف "السِّحْر" فإنهم ضربوا له فيه المثل، فما بعد الآية من قوله {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الإسراء: 48] لا يناسب إلا "السِّحْر" بالكسرِ. فصل في معنى قوله: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ}. قال المفسِّرون: معنى الآية {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ} أي يطلبون سماعه، {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} وأنت تقرأ القرآن، {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} يتناجون في أمرك، فبعضهم يقول: هذا مجنونٌ، وبعضهم يقول: شاعرٌ {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ} يعني الوليد بن المغيرة وأصحابه: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} مطبوباً. وقال مجاهد - رحمه الله -: مخدوعاً؛ لأنَّ السِّحر حيلة وخديعة، وذلك لأنَّ المشركين كانوا يقولون: إنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم يتعلَّم من بعض النَّاس هذه الكلمات، وأولئك النَّاس يخدعونه بهذه الكلمات، فلذلك قالوا: "مَسْحُوراً" أي: مخدوعاً. وأيضاً: كانوا يقولون: إنَّ الشيطان يتخيَّل له، فيظنُّ أنه ملكٌ، فقالوا: إنه مخدوع من قبل الشَّيطان. وقيل: مصروفاً عن الحقِّ، يقال: ما سحرك عن كذا، اي: ما صرفك، وقيل: المسحور هو الشَّيء المفسود، يقال: طعام مسحور، إذا فسد، وأرض مسحورة، إذا أصابها من المطر أكثر ممَّا ينبغي فأفسدها. فإن قيل: إنَّهم لم يتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يصحُّ أن يقولوا: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً}. فالجواب أنَّ معناه: إن اتَّبعْتُموهُ، فقد اتَّبعْتُمْ رجلاً مسحوراً. ثم قال تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ}، أي: كلُّ أحد شبَّهك بشيءٍ، فقالوا: كاهنٌ، وساحرٌ، وشاعرٌ، ومعلَّمٌ، ومجنونٌ، فضلُّوا عن الحقِّ، فلا يستطيعون سبيلاً، اي: وصولاً إلى طريق الحقِّ.
البقاعي
تفسير : ولما كانوا ربما ادعوا السمع والفهم فشككوا بعض من لم يرسخ إيمانه -، أتبعه تعالى ما يؤكد ما مضى ويثبت السامعين فيه فقال تعالى على طريقة الجواب مهدداً ودالاً على أن مداركهم معروفة: {نحن أعلم} أي من كل عالم {بما يستمعون} أي يبالغون في الإصغاء والميل لقصد السمع {به} من الآذان والقلوب، أو بسببه من إرادة الوقوع على سقطة يجعلونها موضع تكذيبهم واستهزائهم {إذ} أي حين {يستمعون} أي يصغون بجهدهم، وبين بعدهم المعنوي بقوله تعالى: {إليك وإذ} أي وحين {هم} ذوو {نجوى} أي يتناجون بأن يرفع كل منهم سره على صاحبه بعد إعراضهم عن الاستماع: ثم ذكر ظرف النجوى فقال تعالى: {إذ يقول} مبرزاً لضميرهم بالوصف الدال على حملهم على ما تناجوا به، وهم {الظالمون} ومقولهم: {إن تتبعون} أي أيها التابعون له بغاية جهدكم {إلا رجلاً مسحوراً *} مختلط العقل، فامتطوا في هذا الوصف ذروة الظلم، وسيأتي في آخر السورة سر استعمال اسم المفعول موضع اسم الفاعل؛ ثم وصل بذلك الدليل على نسبته سبحانه لهم إلى الجهل الذي كان نتيجة قولهم هذا فقال تعالى: {انظر} ولما كان أمرهم بما يزيد العجب منه وتتوفر الدواعي على السؤال عنه قال تعالى: {كيف ضربوا} أي هؤلاء الضلال {لك الأمثال} التي هي أبعد شيء عن صفتك من قولهم: ساحر وشاعر ومجنون ونحوه {فضلوا} عن الحق في جميع ذلك {فلا} أي فتسبب عن ضلالهم أنهم لا {يستطيعون سبيلاً *} أي يسلكون فيه، إلى إصابة المحن في مثل، أو إحكام الأمر في عمل، وهذا بعد أن نهاهم الله بقوله تعالى { أية : فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون}تفسير : [ النحل:74] فكأن هذا أول دليل على ما وصفناهم به من عدم الفهم والسمع فضلاً عن أن يكون لهم إلى مقاومة هذا القرآن - الذي يدعون أنه قول البشر - سبيل أو يغبروا في وجهه بشبهة فضلاً عن دليل. ولما جرت عادة القرآن بإثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وقدم الدلالة على الأولين، وختم بإثبات جهلهم في النبوة مع ظهورها، أتبع ذلك أمراً جلياً في ضلالهم عن السبيل في أمر المعاد وقرره غاية التقرير، وحرره أتم تحرير، فقال تعالى معجباً منهم: {وقالوا} أي المشركون المنكرون للتوحيد والنبوة والبعث مع اعترافهم بأنا ابتدأنا خلقهم ومشاهدتهم في كل وقت أنا نحيي الأرض بعد موتها: {أإذا} استفهاماً إنكارياً كأنهم على ثقة من عدم ما ينكرونه، والعامل في { إذا} فعل من لفظ { مبعوثون} لا هو. فإن ما بعد {إن} لا يعمل فيما قبلها. فالمعنى: أنبعث إذا {كنا} أي بجملة أجسامنا كوناً لازماً {عظاماً ورفاتاً} أي حطاماً مكسراً مفتتاً وغباراً {أَءِنّا لمبعوثون} حال كوننا مخلوقين {خلقاً جديداً *} فكأنه قيل: فماذا يقال لهم في الجواب؟ فقيل: {قل} لهم: لا تكونوا رفاتاً، بل {كونوا} تراباً، بل كونوا أصلب التراب {حجارة} أي هي في غاية اليبس {أو حديداً *} زاد على يبس الحجارة شدة اتصال الأجزاء {أو خلقاً} غيرهما {مما يكبر} أي يعظم عظمة كبيرة {في صدوركم} عن قبول الحياة ولو أنه الموت، حتى تعلموا حال الإعادة، كيف يكون حالكم في الإجابة إلى ما يريد؟ فإن الكل أصله التراب، فالذي فضل طينكم - الذي خلقتم منه على سائر الطين بالنمو ثم بالحياة ثم بالنطق وفضل بعض الناطقين على بعض بمواهب لا تحصى - قادر أن ينقل تلك الفضيلة إلى الطين الذي نقله طوراً بعد طور إلى أن جعله حجراً أو حديداً {فسيقولون} تمادياً في الاستهزاء: {من يعيدنا} إذا كنا كذلك {قل الذي فطركم} أي ابتدأ خلقكم {أول مرة} ولم تكونوا شيئاً يعيدكم بالقدرة التي ابتدأكم بها، فكما لم تعجز تلك القدرة عن البداءة فهي لا تعجز عن الإعادة {فسينغضون} أي مصوبين بوعد لا خلف فيه مشيرين {إليك رؤوسهم} أي يحركونها من شدة التعجب والاستهزاء كأنهم في شدة جهلهم على غاية البصيرة من العلم بما يقولون؛ والنغض والإنغاض: تحريك بارتفاع وانخفاض {ويقولون} استهزاء: {متى هو} ثم وصل به قوله تعالى: {قل} قول مقتصد غير ممتعض بحالهم ولا ضيق بقولهم: {عسى أن يكون} أي كوناً لا انفكاك عنه {قريباً *} مطرقاً إليه الاحتمال لإمكانه غير جازم، ثم استأنف جازماً بقوله: {يوم} أي يكون ذلك يوم {يدعوكم} أي يناديكم المنادي من قبله بالنفخة أو بغيرها كأن يقول: يا أهل القبور! قوموا إلى الجزاء - أو نحو ذلك {فتستجيبون} أي توافقون الداعي فتفعلون ما أراد بدعائه وتطلبون إجابته وتوجدونها، أو استعار الدعاء والاستجابة للبعث والانبعاث تنبيهاً على سرعتهما وتيسر أمرهما، أو أن القصد بهما الإحضار للحساب {بحمده} أي بإحاطته سبحانه بكل شيء قدرة وعلماً من غير تخلف أصلاً، بل لغاية الإذعان كما يرشد إليه صيغة استفعل، وأنتم مع سرعة الإجابة تحمدون الله تعالى، أي تثبتون له صفة الكمال {وتظنون} مع استجابتكم وطول لبثكم {إن} أي ما {لبثتم} ميتين {إلا قليلاً *} لشدة ما ترون من [الأهوال التي أحاطت بكم والتي تستقبلكم، أو جهلاً منكم بحقائق الأمور كما هي حالكم اليوم كما ترون من - جدة خلقكم وعدم تغيره. ولما أمره سبحانه بإبلاغهم هذا الكلام، وفيه من التهكم بهم والتبكيت لهم والاستخفاف بعقولهم ما لا يعلم مقداره إلا مثلهم من البلغاء والعرب العرباء، وكان لكونه كلام العليم بالعواقب، الخبير بما تجن الضمائر - ربما استن به المؤمنون فخاطبوهم بنحوه من عند أنفسهم، نهاهم عن ذلك لئلا يقولوا ما يهيج شراً أو تثير ضراً، فقال تعالى: {وقل} أي قل لهم ذلك من الحكمة والموعظة الحسنة، وقل {لعبادي} أي الذين هم أهل للإضافة إليّ، واعظاً لهم لئلا يتجاوزوا الحد من شدة غيظهم من المشركين، إن تقل لهم ذلك {يقولوا} الموعظة والحكمة والمجادلة {التي هي أحسن} لأكون معهم لأني مع الذين اتقوا والذين هم محسنون؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إن الشيطان} أي البعيد من الرحمة، المحترق باللعنة {ينزغ بينهم} أي يفسد ويغري ويوسوس، وأصل النزغ الطعن، وهم غير معصومين، فيوشك أن يأتوا بما لا يناسب الحال أو الوقت بأن يذكروا مساوىء غيرهم أو محاسن أنفسهم فيوقع في شر؛ ثم علل هذه العلة بقوله تعالى: {إن الشيطان كان } أي في قديم الزمان وأصل الطبع كوناً هو مجبول عليه {للإنسان عدواً} أي بليغ العداوة {مبيناً *} ثم فسر "التي هي أحسن" مما علمهم ربهم من النصفة بقوله تعالى: {ربكم أعلم بكم} ثم استأنف فقال تعالى: {إن يشأ} رحمتكم {يرحمكم} بأن ييسر لكم أفعال الخير {أو إن يشأ} عذابكم {يعذبكم} بأن ييسركم لأفعال الشر، فإذا قالوا لهم ذلك كانوا جديرين بأن يعرضوا - أو من أراد الله منهم - أفعالهم على ما يعلمونه من الخير والشر فينظروا أيهما أقرب إليها، وربما ردهم ذلك من أنفسهم عن الفساد، لحسم مادة العناد، ويجوز - وهو - عندي أحسن - أن تكون الآية استئنافاً واقعاً موقع التعليل للأمر بقول الأحسن، أي {ربكم} أيها العباد {أعلم بكم} وبما يؤول أمركم إليه من سعادة وشقاوة {إن يشأ يرحمكم} بهدايتكم {أو إن يشأ يعذبكم} بإضلالكم، فلا تحتقروا أيها المؤمنون المشركين فتقطعوا بأنهم من أهل النار فتعيروهم بذلك، فإنه يجر إلى الإحن وحر الصدور وغيظ القلوب بلا فائدة، لأن الخاتمة مجهولة، ولا تتجاوزوا فيهم ما آمركم به من قول وفعل فإنه الأحسن؛ ثم رقى الخطاب إلى أعلى الخلق ورأس أهل الشرع ليكون من دونه أولى بالمعنيّ منه فقال تعالى: {وما} أي فما أرسلناك إلا للدعاء بمثل ذلك على حسب ما نأمرك به، وما {أرسلناك} أي مع ما لنا من العظمة الغنية عن كل شيء {عليهم وكيلاً *} أي حفيظاً وكفيلاً لغيرهم على ما يرضي الله، وإنما أرسلناك بشيراً ونذيراً فدارهم وأمر أصحابك بمداراتهم. ولما أمرهم بأن ينسبوا الأعلمية بهم إليه سبحانه، أخبر بما هو أعم من ذلك فقال تعالى عاطفاً على {ربكم} إعلاماً بأن علمه ليس مقصوراً عليهم، بل هو محيط، قاصراً الخطاب على أعلم الخلق به سبحانه إشارة إلى أنه لا يعلم هذا حق علمه غيره: {وربك} أي المحسن إليك بأن جعلك أكمل الخلق {أعلم} أي من كل عالم {بمن في السماوات} أي كلها {والأرض} منهم ومن غيرهم، بأحوالهم ومقاديرهم وآجالهم وما يستأهل كل واحد منهم، لأنه هو الذي خلقهم وفاوت بينهم في أخلاقهم وهيئاتهم فكيف يستبعدون أن يكون يتيم أبي طالب - على ما كانوا يقولون - نبياً، وأن يكون أصحابه العراة الجياع أفضل منهم. ولما كان قد فهم من هذا السياق تفضيل بعض الأشياء على بعض حتى تصير قابلة الروح الحياة بدءاً وإعادة، بعد أن فهم من أول السورة وآخر التي قبلها اختصاص بعض الأنبياء بفضائل من روح العلم والحكمة لم يحزها غيره، صرح بهذا هنا فقال تعالى عطفاً على ما أرشد إليه سياق الإخبار بالأعلمية، ملتفتاً إلى مقام العظمة الداعي إليه الحال، وهو الوصف بالأعلمية: {ولقد} أي فميزنا بينهم بالرذائل والفضائل تفضيلاً لبعضهم على بعض على حسب إحاطة علمنا بهم وشمول قدرتنا لهم في تأهلهم للسعادة والشقاوة ففضلنا بعض الناس على بعض، ففضلنا العلماء على غيرهم، وفضلنا النبيين منهم على غيرهم، ولقد {فضلنا} أي بما لنا من العظمة {بعض النبيّن} أي سواء كانوا رسلاً أو لا {على بعض} بعد أن جعلنا الكل فضلاء لتقوى كل منهم وإحسانه، فلا ينكر أحد من العرب أو بني إسرائيل أو غيرهم تفضيلنا لهذا النبي الكريم الذي صدرنا السورة بتفضيله على جميع الخلائق، فإنا نفعل ما نشاء، بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل، والحاصل أن من أعظم ثمرات العمل التفضيل بإعطاء كل واحد بل كل شيء ما يستحقه، وبذلك يستدل على تمام - حكمته في شمول علمه وكمال قدرته، فلذلك ذكر التفضيل هنا بعد ذكر العلم المطلق، وصرح بتفضيل أشرف الخلائق وطوى ذكر غيرهم، كما ذكر التفضيل في الدنيا بعد إثبات العلم المقيد بالذنوب في قوله: { من كان يريد العاجلة} - إلى قوله تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض}. ولما كان القصد إلى بني إسرائيل في هذه السورة سابقها ولاحقها ظاهراً، والتعريض بهم في كثير منها بيناً، وكان داود عليه السلام هو المؤسس للمسجد الأقصى الذي وقع الإسراء إليه، وكان قد خص بأن ألين له الحديد الذي أمر المشركون أن يكونوه، لاستبعادهم الإعادة، وكان - مع كونه ملكاً - من أشد الناس تواضعاً، وأكثرهم بكاء، وأبعدهم من المرح في الأرض، قال تعالى: {وءاتينا} أي بما لنا من العظمة {داود} أي الذي هو من أتباع موسى الذي آتيناه الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا يتخذوا من دوني وكيلاً {زبوراً *} لأنهم قاطعون بأن من بين موسى وعيسى من أنبياء بني إسرائيل دون موسى في الرتبة، وكل منهم داعٍ إلى شريعته، عامل بحكم التوراة التي شرفه الله بها، غير خارج عن شيء من سنتها، فكان القياس يقتضي أن يكونوا في الفضيلة سواء، فلم يجر ذلك على مقتضى عقول الناس، بل فاوت سبحانه بينهم على حسب علمه بأحوالهم حتى في الوحي، فخص من بينهم داود عليه السلام بكتاب كله مواعظ، والمواعظ أشد شيء منافاة للمشي في الأرض مرحاً، ونهياً عنه، وأعظم شيء أمراً بالقول الذي هو أحسن من الإخلاص والمراقبة والإحسان، هذا إلى ما ذكر فيه من التسبيح من كل شيء الذي هو من أعظم مقاصد السورة كما تقدم نص الزبور به قريباً، فكان ذكر تفضيله به هنا أنسب شيء لهذا المقام، وفي ذلك أعظم إشارة وأجل تنبيه على فضل بيت المقدس الذي جعله سبباً لتفضيل الأنبياء تارة بالهجرة إليه كإبراهيم عليه السلام وتارة بقصد تطهيره من الشرك وتنويره بالتوحيد كموسى عليه السلام، وتارة بتأسيس بنيانه وتشييد أركانه كداود عليه السلام، وتارة بالإسراء إليه والإمامة بالأنبياء عليهم السلام به والعروج منه إلى سدرة المنتهى والمقام الأعلى، وأما تفضيله وتفضيل ابنه سليمان - على نبينا محمد وعليهما الصلاة والسلام - بالملك وسعة الأمر فدخل في قوله تعالى: { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} وروى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : خفف على داود القراءة فكان يأمر بدوابه لتسرج، فكان يقرأ قبل أن يفرغ تفسير : - يعني القرآن، ومن أعظم المناسبات لتخصيص داود عليه السلام وزبوره بالذكر هنا ذكر البعث الذي هذا مقامه فيه صريحاً، وكذا ذكر النار مع خلو التوراة عن ذلك، أما البعث فلا ذكر له فيها أصلاً، وأما النار فلم يذكر شيء مما يدل عليها إلا الجحيم في موضع واحد، وأما الزبور فذكر فيه النار والهاوية والجحيم في غير موضع، وأما البعث فصرح به، وهو ظاهر في كونه بالروح والجسد، قال في المزمور الثالث بعد المائة: نفسي تبارك الرب، الرب إلهي عظيم جداً، لبس المجد، وعظيم البهاء، وتجلل بالنور كالرداء، ومد السماء كالخباء، جعل الماء أساسها، واستوى على السحاب، ومشى على أجنحة الرياح، خلق ملائكته أرواحاً وخدمه ناراً واقدة، وتجلل بالغمر كالرداء، وعلى الجبال تقف المياه، ومن رجزك قهرت، ومن صوت رعدك تجزع الجبال عالية، والبقاع منهبطة في الأماكن التي أسست، جعلت حداً لا تتجاوزه، لا تعود تغطي الأرض، أرسل الماء عيوناً في الأودية، وبين الجبال تجري المياه لتسقي حيوان البر، وتروي عطاش الوحوش، يقع عليها طائر السماء إلى أن قال: وكل بحكمة صنعت، امتلأت الأرض من خليقتك، هذا البحر العظيم السعة فيه حيتان لا تحصى كبار وصغار، وفيه تسلك السفن، وهذا التنين الذي خلقته ليتعجب منه، والكل إياك يرجون لتعطيهم طعامهم في حينه، فإذا أنت أعطيتهم يعيشون، وعند بسط يدك بالطيبات يشبعون، وحين تصرف وجهك يجزعون، تنزع أرواحهم فيموتون، وإلى التراب يرجعون، ترسل روحك فيخلقون، وتجدد وجه الأرض دفعة أخرى، ويكون مجد الرب إلى الأبد - انتهى. فكأن ذلك جواب لقول من لعله يقول للعرب من اليهود: إن الأمر كما تقولون في أنه لاقيامة - كما يقوله بعض زنادقتهم كما ذكر عنهم في نص الإنجيل وكما نقل عنهم في سورة النساء أنهم قالوا: أنتم أهدى سبيلاً، ودينكم خير من دين محمد، وفي الزبور - كما تقدم في أول السورة عن توراة موسى عليه الصلاة والسلام - ألا تتخذوا من دون الله وكيلاً، وذلك من أعظم مقاصد السورة، قال في المزمور الخامس والأربعين بعد المائة: لا تتوكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر الذين ليس عندهم خلاص، فإن أرواحهم تفارقهم ويعودون إلى ترابهم، في ذلك اليوم تبطل أعمالهم.
ابو السعود
تفسير : {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ} متلبسين به من اللغو والاستخفافِ والهُزْء بك وبالقرآن، يروى أنه كان يقوم عن يمينه عليه الصلاة والسلام رجلان من بني عبد الدار وعن يساره رجلان فيصفّقون ويصفِرون ويخلِطون عليه بالأشعار {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} ظرفٌ لأعلمُ وفائدتُه تأكيدُ الوعيدِ بالإخبار بأنه كما يقع الاستماعُ المزبورُ منهم يتعلق به العلم، لا أن العلمَ يستفاد هناك من أحد وكذا قوله تعالى: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} لكون لا من حيث تعلّقُه بما به الاستماعُ بل بما به التناجي المدلولُ عليه بسياق النظمِ، والمعنى نحن أعلمُ بالذي يستمعون ملتبسين به مما لا خيرَ فيه من الأمور المذكورةِ وبالذي يتناجَوْن به فيما بـينهم، أو الأولُ ظرفٌ ليستمعون والثاني ليتناجَون والمعنى نحن أعلمُ بما به الاستماعُ وقت استماعِهم من غير تأخيرٍ وبما به التناجي وقت تناجيهم، ونجوى مرفوعٌ على الخبرية بتقدير المضافِ أي ذوو نجوى، أو هو جمعُ نَجيّ كقتلى جمع قتيل أي متناجُون {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} بدل من إذ هم، وفيه دليلٌ على أن ما يتناجَون به غيرُ ما يستمعون به وإنما وُضع الظالمون موضعَ المُضمر إشعاراً بأنهم في ذلك ظالمون مجاوزون للحدّ، أي يقول كلٌّ منهم للآخرين عند تناجيهم: {إِن تَتَّبِعُونَ} ما تتبعون إنْ وُجد منكم الاتباعُ فرضاً أو ما تتبعون باللغو والهزء {إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا} أي سُحِر فجُنّ أو رجلاً ذا سَحْر أي رئةٍ يتنفس، أي بشراً مثلَكم. {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} أي مثّلوك بالشاعر والساحر والمجنونِ {فضّلُواْ} في جميع ذلك على منهاج المُحاجّة {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} إلى طعن يمكن أن يقبله أحدٌ فيتهافتون ويخبِطون ويأتون بما لا يرتاب في بطلانه أحد، أو إلى سبـيل الحقِّ والرشاد، وفيه من الوعيد وتسليةِ الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى.
القشيري
تفسير : لَبَّسُوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحوالَهم، وأظهروا الوفاقَ من أنفسهم، فَفَضَحَهم اللَّهُ تعالى، وكَشَفَ أسرارَهم، وبَيَّنَ مقابِحَهم، وهَتَكَ أستارَهم، فما تنطوي عليه السريرة لا بُدَّ أن يَظْهَر لأهل البصيرة بما يبدو على الأَسِرَّة.
اسماعيل حقي
تفسير : {نحن اعلم بما يستمعون} ملتبسين {به} من اللغو والاستخفاف والهزؤ بك وبالقرآن فمحل به حال كما تقول يستمعون بالهزؤ اى هازئين فالباء للملابسة ويجوز ان تكون للسببية اى بسببه ولاجله - ويروى - انه كان يقوم عن يمينه صلى الله عليه وسلم اذا قرأ رجلان من عبد الدار وعن يساره رجلان فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالاشعار {اذ يستمعون اليك} ظرف لا علم وفائدته تأكيد الوعيد بالاخبار بانه كما يقع الاستماع المزبور منهم يتعلق به العلم لان العلم يستفاد هناك من احد وكذا قوله {وإذ هم نجوى} ولكن من حيث تعلقه بما به الاستماع بل بما به التناجى المدلول عليه بسياق النظم. والمعنى نحن اعلم بالذى يستمعون ملتبسين به مما لا خير فيه من الامور المذكورة وبالذى يتناجون به فيما بينهم ونجوى مرفوع على الخبر بتقدير المضاف اى ذووا نجوى {اذ يقول الظالمون} بدل من اذهم ووضع الظالمون موضع المضمر للدلالة على ان هذا القول منهم ظلم وتجاوز عن الحد. وفيه دليل على ان ما يتناجون غير ما يستمعون به اى يقول كل منهم للآخرين عند تناجيهم {ان تتبعون} اى ما تتبعون ان وجد منكم الاتباع فرضا {الا رجلا مسحورا} اى سحر فجنّ فمن ظلمهم وضعوا اسم المسحور موضع المبعوث.
الجنابذي
تفسير : {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ} اى بسببه من الاستهزاء والتّغليظ {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} ذو ونجوى او نجوى جمع نجىٍّ {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} سحره ساحر فجُنّ ولم يبق له عقلٌ.
اطفيش
تفسير : {نَّحْنُ أعْلَمُ بِمَا} الباء للإِلصاق المجازى فإِنك إِذا علمت شيئاً فقد اتصل به إِدراكك. {يَسْتَمِعُونَ بِهِ} الباء للتعليل والسببية وهما واحد وذكرت فى النحو الفرق بينهما عن بعضهم، أى بما يستمعون لأَجله من الهزء بك وبالقرآن، ونحن أعلم بالوجه الذى يستمعون به وهو التكذيب فتكون الباء هذه للتعدية، وليست باء التعدية المعاقبة للهمزة، ويجوز كونها للتعليل والسببية أى يستمعون لأَجل أن ينطقوا بالتكذيب وما ذكرته أولا أولى، وروى أنه كان يقوم عن يمينه إِذا قرأ رجلان من بنى عبد الدار، ورجلان عن يساره فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأَشعار، فهم يسمعون متى يقرأ فيفعلون ذلك {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} أى إِلى قراءتك وإِذ متعلق باعلم وكذا إِذ فى قوله {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} بواسطة عطفه على إِذ الأَول أى نحن أعلم بغرضهم من الاستماع وقت استماعهم إِليك مضمرين لذلك الغرض ووقت تناجيهم بذلك الغرض. روى أنهم يتناجون فى دار الندوة ثم ينتشر مأتيا جوابه، وقيل فى نجواهم إنها قولهم مجنون وقولهم ساحر أو كاهن أو شاعر وهم نجوى مضاف إِليه وألف نجوى للتأْنيث والنجوى الكلام الخفى بين اثنين أو أكثر وهو مصدر للثلاثى أو اسم مصدر لتناجى أخبر به مبالغة أو على تأْويله بالوصف أو بتقدير مضاف ويجوز أن يكون وصفاً جمع نجى كقتيل وقتلى. {إِذْ} بدل من إِذ الثانية على وضع الظالمين موضع الضمير ليدل على أن نجواهم بقولهم مسحوراً ظلم وهو بدل بعض لأَن وقت نجواهم واسع يقولون فيه: إن تتبعون إلا رجلا مسحوراً، ويقولون غير ذلك أو بدل كل على أن المراد هو خصوص وقت قولهم إن تتبعون إلا رجلا مسحوراً ويجوز كونه مفعولا لا ذكر. {يَقُولُ الظَّالِمُونَ} الوليد بن المغيرة وأبو سفيان ابن حرب وأبو جهل وعتبة ورهط من قريش. {إِن تَتَّبِعُونَ} خطاب للمؤمنين {إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} أى عمل له سحر فكانت أشياء تتخيل إِليه لخلل فى عقله بذلك العمل أو جن به، وقيل مخدوع خدعته الشياطين بوساويسها، وقيل ذلك من السحر بضم السين وفتحها وإِسكان الحاء وفتحها وهو الربة، وهى موضع النفس والريح من الآدمى وغيره من الحيوان، أى مجعولا له ذلك فهو يأْكل ويشرب ويتنفس مثلكم يريدون أن لا يكون نبى إِلا ملكاً أو كملك. روى أن المؤمنين لما قالوا لا إِله إِلا الله كبر ذلك على المشركين وشدد عليهم إِبليس الأمر أجعل الآلهة إِلهاً واحداً إِن هذا لشئ عجاب واجتمعوا وهم الوليد بن المغيرة ومن معه إِلى دار فى أصل الصفا فيها نبى الله يصلى فاستمعوه فلما فرغ نبى الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاته، قال أبو سفيان: يا أبا الوليد أنشدك الله هل تعرف شيئاً مما يقول؟ فقال: اللهم أعرف بعضاً وأنكر بعضاً. فقال أبو جهل: فأَنت يا أبا سفيان. قال: لا أعرف. فقال أبو سفيان لأَبى جهل: يا أبا الحكم هل تعرف شيئاً. قال: والذى جعلها بيته يعنى الكعبة لا أعرف لا قليلا ولا كثيراً، ثم خاطب المؤمنين بحيث يسمعون أو غابوا فنزلهم منزلة من حصر إن تتبعون إلا رجلا مسحوراً.
اطفيش
تفسير : {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} يوجهون سمعهم بسببه أو لأجله إليك وهو الهزء بك وبالقرآن، واسم التفضيل يوصل بالباء فى العلم والجهل، وباللام فى غيرهما نحو: زيد أطعم وأكسى الفقراء وبغيرها نحو: زيد مر بعمرو، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم عن يمينه رجلان، وعن يساره رجلان من عبد الدار، يصفقون ويخلطون عليه بالأشعار إذا كان يقرأ القرآن. {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} لا يتعلق بأعلم لمنع العاطف من ذلك، ولا يستمعون لفساد المعنى، بل بأعلم محذوفاً أو يعطف على محذوف تقديره نحن أعلم بما يستمعون به إليك حال استماعهم، وإذ هم نجوى أى وحال إذ هم نجوى، ففى هذا الوجه يتعلق بأَعلم بتوسط العطف أو ذلك عطف على المعنى كعطف التوهم، لأن يتسمعون إليك فى معنى إذ هم مستمعون إليك، ونجوى جمع نجى كمريض ومرضى، أو مصدر على معنى يتناجون نجوى أو ذوو نجوى، واستعماله مصدراً أكثر كقوله تعالى: "أية : وأسروا النجوى"تفسير : [طه: 62، الأنبياء: 3] وهو كلام أحد إلى آخر سراً. {إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُورًا} أزيل عقله كقوله تعالى: "أية : إنْ هو إلاَّ رجل به جِنَّة" تفسير : [المؤمنون: 25] هذا تفسير لما يتناجون به، أى يقولون فى تناجيهم إن تتبعون إلا رجلا مسحوراً إن اتبعتموه، أو تناجون مع ضعف إيمانه، أو مع من صح إيمانه، ولا يؤثرون فيه، أو مسحوراً بمعنى ساحر، كمستور بمعنى ساتر، أو مسحوراً بمعنى مجعول له السَّحْر، أى الرئة ومنها التنفس والعمل فى الطعام والشراب، وكأنه قيل: إلا رجلا يتنفس ويأكل ويشرب مثلكم، كقوله تعالى: "أية : مال هذا الرسول يأكل الطعام" تفسير : [الفرقان: 7] ويأكل فهو وصف من اسم العين كمركوب بمعنى مضروب الركبة، ومعين بمعنى مصاب بالعين، والسحر بمعنى الرئة مفتوح السين ومكسورة ومضمومة، ومسكن الحاء ومفتوحها وإذ بدل من إذ قيل أو منصوب باذكر، والظالمون فى وضع المضمر والأصل، إذ يقولون وذكرهم باسم الظلم تلويحًا بأَن سبب تناجيهم ظلمهم، وأن تناجيهم ظلم.
الالوسي
تفسير : {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ} أي ملتبسين به من اللغو والاستخفاف والهزء بك وبالقرآن. يروى أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم عن يمينه رجلان من [بني] عبد الدار وعن يساره رجلان منهم فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار، ويجوز أن تكون الباء للسببية أو بمعنى اللام أي نحن أعلم بما يستمعون بسببه أو لأجله من الهزء وهي متعلقة بيستمعون، وجَعْلُها على ظاهرها على معنى أيستمعون بقلوبهم أم بظاهر إسماعهم غير ظاهر، والباء الأولى متعلقة بأعلم، وأفعل التفضيل في العلم والجهل يتعدى بالباء وفي سوى ذلك يتعدى باللام فيقال هو أكسى للفقراء مثلاً. والمراد من كونه تعالى أعلم بذلك الوعيد لهم. {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} ظرف لأعلم لا مفعول به، وفائدته كما قال شيخ الإسلام تأكيد الوعيد بالإخبار بأنه كما يقع الاستماع المزبور منهم يتعلق به العلم لا أن العلم المستفاد هناك من أحد، وليس المراد تقييد علمه تعالى بذلك الوقت وكذا قوله تعالى: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} لكن من حيث تعلقه بما به التناجي المدلول عليه بسياق النظم. والمعنى نحن أعلم بما يستمعون به مما لا خير فيه مما سمعت وبما يتناجون به فيما بينهم. وجوز أن يكون الأول ظرفاً ليستمعون والثاني ظرفاً ليتناجون، والمعنى نحن أعلم بما به الاستماع وقت استماعهم من غير تأخير وبما به التناجي وقت تناجيهم والأول أظهر. و {نَجْوَىٰ} مصدر مرفوع على الخبرية وفي ذلك ما في زيد عدل، ويجوز أن يعتبر جمع نجي كقتلى وقتيل أي إذ هم متناجون. {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} بدل من (إذ) الثانية وبيان لما يتناجون به فهو غير ما يستمعون به لا معمول لا ذكر محذوفاً كما قيل. و {ٱلظَّـٰلِمُونَ} من المظهر الذي أقيم مقام المضمر للدلالة على أن تناجيهم باب من الظلم أي يقول كل منهم للآخرين عند تناجيهم {إِن تَتَّبِعُونَ} أي ما تتبعون إن وجد منكم الاتباع فرضاً، وجوز أن يكون المعنى ما تتبعون باللغو والهزء {إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا} أي سحر فجن فهو كقولهم: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ}تفسير : [المؤمنون: 25]، وقيل: جعل له سحر يتوصل بلطفه ودقته إلى ما يأتي به ويدعيه فهو في معنى / قولهم ساحر، وجعل بعضهم {مَّسْحُورًا} بمعنى ساحراً كمستور بمعنى ساتر، وعن أبـي عبيدة أن مسحوراً بمعنى جعل له سحر أو ذا سحر أي رئة، ومن هذا قول امرئ القيس:شعر : أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب تفسير : وأراد نغذى، وقول لبيد أو أمية بن أبـي الصلت:شعر : فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر تفسير : وكنوا بذلك عن كونه بشراً يتنفس ويأكل ويشرب لا يمتاز عنهم بشيء يقتضي اتباعه على زعمهم الفاسد، ولا يخفى ما فيه من البعد حتى قال ابن قتيبة: لا أدري ما الذي حمل أبا عبيدة على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة.
ابن عاشور
تفسير : كان المشركون يحيطون بالنبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام إذا قرأ القرآن يستمعون لما يقوله ليتلقفوا ما في القرآن مما ينكرونه، مثل توحيد الله، وإثبات البعث بعد الموت، فيعجب بعضُهم بعضاً من ذلك، فكان الإخبار عنهم بأنهم جُعلت في قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقر وأنهم يولون على أدبارهم نفوراً إذا ذكر الله وحده، ويثير في نفس السامع سُؤالاً عن سبب تجمعهم لاستماع قراءة النبي ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ، فكانت هذه الآية جواباً عن ذلك السؤال. فالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً. وافتتاح الجملة بضمير الجلالة لإظهار العناية بمضمونها. والمعنى: أنّ الله يعلم علماً حقاً داعي استماعهم، فإن كثرت الظنون فيه فلا يعلم أحد ذلك السبب. «وأعلَم» اسم تفضيل مستعمل في معنى قوة العلم وتفصيله. وليس المراد أن الله أشد علماً من غيره إذ لا يقتضيه المقام. والباء في قوله: {بما يستمعون} لتعدية اسم التفضيل إلى متعلقه لأنّه قاصر عن التعدية إلى المفعول. واسم التفضيل المشتق من العلم ومن الجهل يُعدى بالباء وفي سوى ذينك يعدى باللام. يقال: هو أعظَى للدراهم. والباء في {يستمعون به} للملابسة. والضمير المجرور بالباء عائد إلى (ما) الموصولة، أي نحن أعلم بالشيء الذي يلابسهم حين يستمعون إليك، وهي ظرف مستقر في موضع الحال. والتقدير: متلبسين به. وبيان إبْهام (ما) حاصل بقوله: {إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى}. و (إذ) ظرف لــــ {يستمعون به}. والنجوى: اسم مصدر المناجاة، وهي المحادثة سِراً. وتقدم في قوله: {أية : لا خير في كثير من نجواهم}تفسير : في سورة {النساء: 114]. وأخبر عنهم بالمصدر للمبالغة في كثرة تناجيهم عند استماع القرآن تشاغُلاً عنه. {وإذ هم نجوى} عطف على {إذ يستمعون إليك}، أي نحن أعلم بالّذي يستمعونه، ونحْن أعلم بنجواهم. و{إذ يقول} بَدل من {إذ هم نجوى} بدل بعض من كل، لأن نجواهم غير منحصرة في هذا القوْل. وإنما خص هذا القول بالذكر لأنه أشدّ غرابة من بقية آفاكهم للبون الواضح بين حال النبي صلى الله عليه وسلم وبين حال المسحور. ووقع إظهار في مقام الإضمار في {إذ يقول الظالمون} دون: إذ يقولون، للدلالة على أن باعث قولهم ذلك هو الظلم، أي الشرك فإن الشرك ظلم، أي ولولا شركهم لما مثل عاقل حالة النبي الكاملة بحالة المسحور. ويجوز أن يراد الظلم أيضاً الاعتداء، أي الاعتداء على النبي صلى الله عليه وسلم كذباً.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلظَّالِمُونَ} (47) - وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالوَجْهِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِلَى القُرْآنِ، وَهُوَ الهُزْءُ وَالسُّخْرِيَةُ وَالتَّكْذِيبُ بِهِ حِينَ اسْتِمَاعِهِمْ إِلَيْكَ، وَأَعْلَمُ بِمَا يَتَنَاجَوْنَ بِهِ وَيَتَسَارُّونَ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: مَجْنُونٌ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ، كَاهِنٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: رَجُلٌ مَسْحُورٌ. هُمْ نَجْوَى - يَتَنَاجَوْنَ فِي أَمْرِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ. مَسْحُوراً - مُغْلُوباً عَلَى عَقْلِهِ بِالسِّحْرِ، أَوْ سَاحِراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى لا يَخْفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهذه حقيقة كان على الكفار أنْ ينتبهوا إليها ويُراعوها، ويأخذوها سبيلاً إلى الإيمان بالله، فقد أخبر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [المجادلة: 8]. فكان عليهم أن يتدبروا هذا القول: فهم قالوا في أنفسهم، ولم يقولوا لأحد، فمَنْ أخبر محمداً بهذا القول الذي لم يخرج إلى عالم الواقع، ومَنْ أطلعه عليه؟ أَلاَ يدعوهم هذا الإعلام بما يدور في نفوسهم إلى الإيمان بالله؟ وما دام الحق سبحانه يعلم كل الأحوال، ولا يَخْفَى عليه شيء، فهو أعلم بأحوالهم هذه: الأول: يستمعون إليك. والثاني: وإذ هم نجوى. والثالث: إذ يقول الظالمون. إذن: هم يستمعون ثم يتناجون، ثم يقول بعضهم لبعض. قالوا: إن سبب نزول هذه الآية ما كان عند العرب من حُبٍّ للغة وشغف بأساليب البيان؛ لذلك كانت معجزة النبي صلى الله عليه وسلم من جنس ما نبغ فيه قومه، لتكون أوضح في التحدي، هكذا شأن الحق سبحانه مع كل الرسل. وكان للعرب أسواق للبيان والبلاغة يجتمع فيها أهل الشعر والبلاغة والفصاحة، وفي مكة تصب كل الألسنة في مواسم الحج، فعرفوا صفوة لغات الجزيرة وأساليبها، ومن هنا انجذبوا لسماع القرآن، وشغفوا ببيانه بما لديهم من أذن مُرْهفة للأسلوب وملَكة عربية أصيلة، إلا أن القرآن له مطلوبات وتكاليف لا يقدرون عليها، ولديه منهج سيُقوِّض مملكة السيادة التي يعيشون فيها. ومن هنا كابروا وعاندوا، ووقفوا في وجه هذه الدعوة، وإنْ كانوا مُعْجبين بالقرآن إعجاباً بيانياً بلاغياً بما في طباعهم من مَلَكات عربية. فيُرْوَى أن كباراً مثل: النضر بن الحارث، وأبي سفيان، وأبي لهب كانوا يتسللون بعد أن ينام الناس - ممن كانوا يقولون لهم: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ}تفسير : [فصلت: 26] - كانوا يذهبون إلى البيت يتسمَّعون لقراءة القرآن، ولماذا يحرمون أنفسهم من سماع هذا الضرب البديع من القول، وقد حرموا مواجيدهم وقلوبهم منه، فكانوا عند انصرافهم يرى بعضهم بعضاً مُتسلّلاً مُتخفّياً، فكانوا مرة يكذبون على بعضهم بحجج واهية، ومرة يعترفون بما وقعوا فيه من حُبٍّ لسماع القرآن. فقال تعالى: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ ..} [الإسراء: 47] أي: بالحال الذي يستمعون عليه، إذ يستمعون إليك بحال إعجاب. ثم: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ..} [الإسراء: 47] من التناجي وهو الكلام سِرّاً، أو: أن نَجْوى جمع نجى، كقتيل وقَتْلى، وجريح وجَرْحى. فالمعنى: نحن أعلم بما يستمعون إليه، وإذ هم متناجون أو نجوى، فكأن كل حالهم تناجٍ. وقوله: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ ..} [الإسراء: 47] فيه مبالغة، كما تقول: رجل عادل، ورجل عَدْل. ومِنْ تناجيهم مَا قاله أحدهم بعد سماعه لآيات القرآن: "والله، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعْلَى عليه". ثم تأتي الحالة الثالثة من أحوالهم: {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} [الإسراء: 47]. وهذا هو القول المعْلَن عندهم، أن يتهموا رسول الله بالسحر مرة، وبالجنون أخرى، ومرة قالوا: شاعر. وأخرى قالوا: كاهن. وهذا كله إفلاس في الحجة، ودليل على غبائهم العقديّ. وكلمة {مَّسْحُوراً} اسم مفعول من السحر، وهي تخييل الفِعْل. وليس فعلاً، وتخييل القَوْل وليس قولاً، فهي صَرْف للنظر عن إدراك الحقائق، أما الحقائق فهي ثابتة لا تتغير. لذلك نقول: إن معجزة موسى - عليه السلام - من جنس السحر وليست سِحْراً؛ لأن ما جرى فيها كان حقيقة لا سِحْراً، فقد انقلبتْ العصا حَيَّة تبتلع حبال السحرة وعِصيّهم على وَجْه الحقيقة، لكن لما كانت المعجزة في مجال السحر ظنها الناسُ سِحْراً؛ لأن القرآن قال في سحرة فرعون: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [الأعراف: 116] وقال في آية أخرى: {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}تفسير : [طه: 66]. إذن: فحقيقة الأشياء ثابتة لا تتغير، فالساحر يرى العصا عصا، أما المسحور فيراها حية، وليست كذلك مسألة موسى - عليه السلام - وليؤكد لنا الحق سبحانه هذا المعنى، وأن ما حدث من موسى ليس من سحرهم وتغفيلهم أنه حينما قال له: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 17]. فأطال موسى - عليه السلام - الكلام؛ لأنه أحب الأُنْس بالكلام مع ربه تعالى فأجاب: {أية : قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي ..}تفسير : [طه: 18] ثم أحس موسى أنه أطال فقال موجزاً: {أية : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 18]. فهذا هو مدى عِلْمه عن العصا التي في يده، لكن الله تعالى سيجعلها غير ذلك، فقال له:{أية : قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ}تفسير : [طه: 19-20]. فهل خُيِّل لموسى أنها حيَّة وهي عصا؟ أم أنها انقلبت حيّة فعلاً؟ إنها حية فعلاً على وجه الحقيقة، بدليل قوله تعالى: {أية : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ}تفسير : [طه: 67]. وموسى لم يَخَفْ إلا لأنه وجد العصا حيّة حقيقية، ثم طمأنه ربه: {أية : قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [طه: 68]. لذلك لما رأى السحرة ما تفعله عصا موسى علموا أنها ليست سحراً، بل هي شيء خارج عن نطاق السحر والسحرة، وفوق قدرة موسى عليه السلام، فآمنوا بربِّ موسى القادر وحده على إجراء مثل هذه المعجزة. وقوله تعالى: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} [الإسراء: 47]. أي: سحره غيره. وهذا قوْل الظالمين الذين يُلفِّقون لرسول الله التهمة بعد الأخرى، وقد قالوا أيضاً: ساحر. قال تعالى: {أية : قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [يونس: 2]. فمرّة قُلْتم: ساحر. ومرة قلتم: مسحور. وهذا دليل التخبُّط واللَّجج، فإن كان ساحراً فعندكم من السحرة كثيرون، فلماذا لا يُواجِهونه بسحر مثل سِحْره؟ ولماذا لم يسحركم أنتم كما سحر غيركم وتنتهي المسألة؟ وهل يمكن أن يُسْحر الساحر؟ وإنْ كان مسحوراً سحره غيره، فهل جرَّبْتُم عليه في سحره كلاماً مخالفاً لواقع؟ هل سمعتموه يهذي كما يهذي المسحور؟ إذن: فهذا اتهام باطل وقول كاذب لا أصل له، بدليل أنكم تأبَّيتم عليه، ولم يُصِبْكم منه أذى. فلما أخفقوا في هذه التهمة ذهبوا إلى ناحية أخرى فقالوا: شاعر، وبالله أَمِثْلُكم أيها العرب، يا أربابَ اللغة والفصاحة والبيان - يَخْفى عليه أن يُفرِّق بين الشعر والنثر؟ والقرآن وأسلوب متفرد بذاته، لا هو شعر، ولا هو نثر، ولا هو مسجوع، ولا هو مُرْسل، إنه نسيج وحده. لذلك نجد أهل الأدب يُقسِّمون الكلام إلى قسمين: كلام الله وكلام البشر، فكلام البشر قسمان: شعر ونثر ويخرج كلام الله تعالى من دائرة التقسيم؛ لأنه متفرد بذاته عن كل كلام. فلو قرأت مثلاً في كتب الأدب تجد الكاتب يقول: هذا العدل محمود عواقبه، وهذه النَّبْوة غُمّة ثم تنجلي، ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه، أو تأخر غير ضنين غناؤه، فأبطأُ الدِّلاَء فَيْضاً أحفلُها، وأثقل السحائب مَشْياً أحفلها، ومع اليوم غد، ولكلِّ أجل كتاب، له الحمد على احتباله، ولا عتب عليه في احتفاله. شعر : فإِنْ يَكن الفِعْلُ الذي سَاءَ وَاحِداً فأَفْعالُه الَّلائِي سُرِرْنَ أُلُوفُ تفسير : فلا شكَّ أنك ستعرف انتقالك من النثر إلى الشعر، وسوف تُميِّز أذنك بين الأسلوبين، لكن أسلوب القرآن غير ذلك، فأنت تقرأ آياته فتجدها تنساب انسياباً لا تلحظ فيه أنكَ انتقلتَ من نثر إلى شعر، أو من شعر إلى نثر، واقرأ قول الله تعالى: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [الحجر: 49]. أَجْرِ عليه ما يُجريه أهل الشعر من الوزن، فسوف تجد بها وزناً شعرياً: مستفعل فاعلات .... وكذلك: {أية : وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ}تفسير : [الحجر: 50] تعطيك الشطر الثاني من البيت، لكن هل لاحظتَ ذلك في سياق الآيات؟ وهل لاحظتَ أنك انتقلت من شعر إلى نثر، أو من نثر إلى شعر؟ إذن: فالقرآن نسيج فريد لا يُقال له: شعر ولا نثر، وهذا الأمر لا يَخْفى على العربي الذي تمرَّس في اللغة شعرها ونثرها، ويستطيع تمييز الجيِّد من الرديء. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} أي لَهُ سِحرٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):