Verse. 2077 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوْا لَكَ الْاَمْثَالَ فَضَلُّوْا فَلَا يَسْتَطِيْعُوْنَ سَبِيْلًا۝۴۸
Onthur kayfa daraboo laka alamthala fadalloo fala yastateeAAoona sabeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«انظر كيف ضربوا لك الأمثال» بالمسحور والكاهن والشاعر «فضَلُّوا» بذلك عن الهدى «فلا يستطيعون سبيلاً» طريقا إليه «وقالوا» منكرين للبعث:

48

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} عجّبه من صنعهم كيف يقولون تارةً ساحر وتارة مجنون وتارة شاعر. {فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} أي حِيلة في صدّ الناس عنك. وقيل: ضَلُّوا عن الحق فلا يجدون سبيلاً، أي إلى الهدى. وقيل: مخرجاً؛ لتناقض كلامهم في قولهم: مجنون، ساحر، شاعر.

البيضاوي

تفسير : {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} مثلوك بالشاعر والساحر والكاهن والمجنون. {فُضّلُواْ} عن الحق في جميع ذلك. {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } إلى طعن موجه فيتهافتون ويخبطون كالمتحير في أمره لا يدري ما يصنع أو إلى الرشاد. {وَقَالُواْ أَءذَا كُنَّا عِظَـٰماً وَرُفَـٰتاً } حطاماً. {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} على الإِنكار والاستبعاد لما بين غضاضة الحي ويبوسة الرميم، من المباعدة والمنافاة، والعامل في إذا ما دل عليه مبعوثون لا نفسه لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها و {خَلْقاً } مصدر أو حال. {قُلْ} جواباً لهم. {كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً }. {أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ } أي مما يكبر عندكم عن قبول الحياة لكونه أبعد شيء منها، فإن قدرته تعالى لا تقصر عن إحيائكم لاشتراك الأجسام في قبول الأعراض، فكيف إذا كنتم عظاماً مرفوتة وقد كانت غضة موصوفة بالحياة قبل والشيء أقبل لما عهد فيه مما لم يعهد. {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } وَكُنتم تراباً وما هو أبعد منه من الحياة. {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاء. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا } فإن كل ما هو آت قريب، وانتصابه على الخبر أو الظرف أي يكون في زمان قريب، و {أَن يَكُونَ } اسم {عَسَى } أو خبره والاسم مضمر. {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ} أي يوم يبعثكم فتنبعثون، استعار لهما الدعاء والاستجابة للتنبيه على سرعتهما وتيسر أمرهما، وأن المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجزاء. {بِحَمْدِهِ} حال منهم أي حامدين الله تعالى على كمال قدرته كما قيل إنهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، أو منقادين لبعثه انقياد الحامدين عليه. {وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } وتستقصرون مدة لبثكم في القبور كالذي مر على قرية، أو مدة حياتكم لما ترون من الهول. {وَقُل لِّعِبَادِى } يعني المؤمنين. {يَقُولُواْ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} الكلمة التي هي أحسن ولا يخاشنوا المشركين. {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزِعُ بَيْنَهُمْ} يهيج بينهم المراء والشر فلعل المخاشنة بهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد. {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلإِنْسَـٰنِ عَدُوّا مُّبِينًا } ظاهر العداوة. {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ } تفسير لـ {ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } وما بينهما اعتراض أي قولوا لهم هذه الكلمة ونحوها ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار، فإنه يهيجهم على الشر مع أن ختام أمرهم غيب لا يعلمه إلا الله. {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } موكولاً إليك أمرهم تقسرهم على الإِيمان وإنما أرسلناك مبشراً ونذيراً فدارهم ومر أصحابك بالاحتمال منهم. وروي أن المشركين أفرطوا في إيذائهم فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وقيل شتم عمر رضي الله تعالى عنه رجل منهم فهم به فأمره الله بالعفو. {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وبأحوالهم فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء، وهو رد لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبياً، وأن يكون العراة الجوع أصحابه. {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ } بالفضائل النفسانية والتبري عن العلائق الجسمانية، لا بكثرة الأموال والأتباع حتى داود عليه الصلاة والسلام فإن شرفه بما أوحى إليه من الكتاب لا بما أوتيه من الملك. قيل هو إشارة إلى تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: {وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً} تنبيه على وجه تفضيله وهو أنه خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم المدلول عليه بما كتب في الزبور من أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، وتنكيره ها هنا وتعريفه في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ }تفسير : [الأنبياء: 105] لأنه في الأصل فعول للمفعول كالحلوب، أو المصدر كالقبول ويؤيده قراءة حمزة بالضم وهو كالعباس أو الفضل، أو لأن المراد وآتينا داود بعض الزبر، أو بعضاً من الزبور فيه ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ } بالمسحور والكاهن والشاعر {فَضَلُّواْ } بذلك عن الهدى {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } طريقاً إليه.

ابن عطية

تفسير : ضرب المثل له هو قولهم مسحور، ساحر، مجنون، متكهن، لأنه لم يكن عندهم متيقناً بأحد هذه، فإنما كانت منهم على جهة التشبيه، ثم رأى الوليد بن المغيرة أن أقرب هذه الأمور على تخيل الطارين عليهم هو أنه ساحر، ثم حكم الله عليهم بالضلال، وقوله {فلا يستطيعون سبيلاً} يحتمل معنيين: أحدهما لا يستطيعون سبيلاً إلى الهدى والنظر المؤدي إلى الإيمان، فتجري الآية مجرى قوله {أية : وجعلنا على قلوبهم أكنة} تفسير : [الإسراء: 46] [الأنعام: 25] ونحو هذا، والآخر: لا يستطيعون سبيلاً إلى فساد أمرك وإطفاء نور الله فيك بضربهم الأمثال لك واتباعهم كل حيلة في جهتك، وحكى الطبري أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه، وقوله {إذا كنا عظاماً} الآية، هذه الآية في إنكارهم البعث، وهذا منهم تعجب وإنكار واستبعاد، و "الرفات" من الأشياء: ما مر عليه الزمن حتى بلغ به غاية البلى، وقربه من حالة التراب، يقال: رفت رفتاً فهو مرفوت، وفعال: بناء لهذا المعنى، كالحطام، والفتات، والرصاص، والرضاض، والدقاق، ونحوه، وقال ابن عباس: {رفاتاً} غباراً، وقال مجاهد: تراباً، واختلف القراء في هذين الاستفهامين: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو "أيذا كنا تراباً أينا" جميعاً بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة، ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مدة، وقرأ نافع الأولى مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ الثانية "إنا" مكسورة على الخبر، ووافقه الكسائي في اكتفائه بالاستفهام الأول من الثاني، غير أنه كان يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة: "أإذا أإنا" بهمزتين فيهما، وقرأ ابن عامر "إذا كنا"، مكسورة الألف من غير استفهام "ءإنا" يهمز، ثم يمد، ثم يهمز. ويروى عنه مثل قراءة حمزة، وفي سورة الرعد توجيه هذه القراءات، و {جديداً} صفة لما قرب حدوثه من الأشياء، وهكذا يوصف به المذكر والمؤنث، فيقال ملحفة جديد وقولهم جديدة، لغة ضعيفة، كذا قال سيبويه، وقوله تعالى: {قل كونوا حجارة أو حديداً} الآية، المعنى: قل لهم يا محمد كونوا إن استطعتم هذه الأشياء الصعبة الممتنعة التأتي، لا بد من بعثكم، وقوله {كونوا} هو الذي يسميه المتكلمون التعجيز من أنواع لفظة افعل، وبهذه الآية مثل بعضهم، وفي هذا عندي نظر: وإنما التعجيز حيث يقتضي بالأمر فعل ما لا يقدر عليه المخاطب، كقوله تعالى: {أية : فادرؤوا عن أنفسكم الموت} تفسير : [آل عمران: 168]، ونحوه، وأما هذه الآية، فمعناها: كونوا بالتوهم والتقدير كذا وكذا، الذي فطركم كذلك، هو يعيدكم، وقال مجاهد أراد بـ "الخلق"، الذي يكبر في الصدور: السماوات والأرض والجبال، وقال ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو والحسن وابن جبير والضحاك: أراد الموت، وقال قتادة ومجاهد: بل أحال على فكرتهم عموماً، ورجحه الطبري، وهذا هو الأصح، لأنه بدأ بشيء صلب، ثم تدرج القول إلى أقوى منه، ثم أحال على فكرهم، إن شاؤوا في أشد من الحديد، فلا وجه لتخصيص شيء دون شيء، ثم احتج عليهم عز وجل في الإعادة بالفطرة الأولى، من حيث خلقهم، واخترعهم من تراب، فكذلك يعيدهم إذا شاء، لا رب غيره، وقوله {فسينغضون} معناه: يرفعون ويخفضون يريد على جهة التكذيب، قال ابن عباس: والاستهزاء. قال الزجاج: تحريك من يبطل الشيء ويستبطئه، ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : أنغض نحوي رأسه وأقنعا كأنما أبصر شيئاً أطمعا تفسير : ويقال نغضت السنّ إذا تحركت وقال ذو الرمة: [الطويل] شعر : ظعائن لم يسكن أكناف قرية بسيف ولم تنغض بهن القناطر تفسير : قال الطبري وابن سلام و {عسى} من الله واجبة والمعنى: وهو قريب. قال القاضي أبو محمد: وهذه إنما هي من النبي عليه السلام، ولكنها بأمر الله، فيقربها ذلك من الوجوب، وكذلك قال عليه السلام "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين"تفسير : ، وفي ضمن اللفظ توعد لهم.

القشيري

تفسير : عابوه بما ليس بنقيصةٍ في نفسه حيث قالوا: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} أي ذا سِحْرٍ. وأيُّ نقيصة كانت له إذا كان صلى الله عليه وسلم - من جملة البَشَر؟ والحقُّ سبحانه وتعالى متولٍٍ نصرته، ولم يكن تخصيصه ببنْيَة، ولا بصورة، ولا بِحِرْفةٍ، ولم يكن منه شيء بسببه وإنما بَانَ شرفُه لجملة ما تعلَّقه به لُطْفُه القديم - سبحانه - ورحمتُه.

اسماعيل حقي

تفسير : {انظر كيف ضربوا لك الامثال} اى مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون. قال الكاشفى [بزدند برى تومثلها وترا توصيف كردند بمجنون وساحر وكاهن وشاعر] {فضلوا} فى جميع ذلك عن منهاج المحاجة {فلا يستطيعون سبيلا} الى طعن يمكن ان يقبله احد فيتهافتون ويخطون كالمتحير فى امر لا يدرى ما يصنع ويأتون بما لا يرتاب فى بطلانه احد او فضلوا عن الحق والرشاد فلا يستطيعون سبيلا اليه لانهم بالغوا فى الضلالة والانكار وكانوا مستمعين بالهوى فيستمعون الاساطير والسحر والشعر ولو استعموا بالله لاستمعوا كلام الله وصفاته ولانحراف مزاجهم وحصول المرض فى قلوبهم كانوا يتنفرون عند استماع ذكر الواحد الاحد بالوحدانية والواحدة ولا يجدون حلاوة التوحد بل يجدون منه المرارة لسوء المزاج. ومن هذا القبيل اكباب اهل الهوى فى كل عصر على استماع القصص والاساطير معرضين عن كلام الله الملك العلى الكبير بل واكثرهم لا يريد الا المحادثة الدنيوية والمذاكرة العرفية والتعدى الى اعراض الناس والاتباع الى ما يوسوس به الوسواس الخناس والقدح فى شان اهل الحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. وقد ورد فى التوراة انه تعالى قال. يا عبدى أما تستحيى منى اذا يأتيك كتاب من بعض اخوانك وانت فى الطريق تمشى فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرأه وتتدبره حرفا حرفا حتى لا يفوتك منه شئ وهذا كتابى انزلته اليك انظره كم فصلت لك فيه من القول وكم كررت فيه عليك لتتأمل طوله وعرضه ثم انت معرض عنه أو كنت اهون عليك من بعض اخوانك. يا عبدى يقعد اليك بعض اخوانك فتقبل عليه بكل وجهك وتصغى الى حديثه بكل قلبك فان تكلم متكلم او شغلك شاغل فى حديثه او مأت اليه ان كف وها انا اذن مقبل عليك ومحدث لك وانت معرض بقلبك عنى أفجعلتنى اهون عندك من بعض اخوانك كذا فى الاحياء هركه تعظيم حق كند دائم شود از دل بامراو قائم

الجنابذي

تفسير : {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} بجعلك تارة مسحوراً وتارة مجنوناً وتارة شاعراً وساحراً وكاهناً {فَضَلُّواْ} عن طريق معرفتك الفاء للسّبيبّة المحضة اى صار ضلالهم سبباً لضرب الامثال او للسّببيّة والتّعقيب اى صار الاستهزاء بك وضرب الامثال سبباً لضلالهم عن طريق معرفتك ومعرفة كلامك {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} الى معرفتك والى معرفة الآخرة والمعاد.

الهواري

تفسير : قال الله: { انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ} أي: الأشباه { فَضَلُّوا} بقولهم ذلك { فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} قال مجاهد: مخرجاً [مما قالوا] يعني الوليد بن المغيرة وأصحابه. وقال في قوله: {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}:[هو مثل] قول الوليد بن المغيرة ومن معه في دار النَّدوة. {وَقَالُوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً} أي: تراباً في تفسير مجاهد. {أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} على الاستفهام، أي: لا نبعث. وهو كقوله: (أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُّحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) تفسير : [سورة يس:78]. كان أبيُّ بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم نَخِر ففتَّه، ثم قال: يا محمد، أَيُحيي الله هذا؟ قال الله (أية : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ "مَرَّةٍ ") تفسير : [يس:79].

اطفيش

تفسير : {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ} بالمسحور والساحر والشاعر والكاهن والمجنون. {فَضَلُّوا} عن الحق فى ذلك كله. {فلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} إِلى الحق أو إِلى طعن يقبل عنهم ويكون له وجه فهم كمن تحير فى أمر لا يدرى ما يصنع أو كمن تحير فى التيه يطلب سبيلا ولا يجده.

اطفيش

تفسير : {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ} فيما تقول من الوحى {الأَمْثَالَ} جمع مثل بفتحتين بمعنى شبه أو بكسر فيكون متلوه بالشاعر والكاهن والساحر والمجنون تارة يشبهونه بكذا، وتارة بكذا، وبعض يشبهه بكذا، وبعض بكذا، وكل أرادوا التشبه لا التحقيق، "ولو بالغ بعض حتى أوهم التحقيق، ألا ترى أن الشاعر لا يكون مجنوناً ولا ساحراً، ولا من شأن الكاهن أن يكون شاعراً بل مسجعاً. {فَضَلُّوا} عن الحق فى شأن الرسول ووصفه بغير صفته. {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} طريقاً يوصل إلى صحة ما قالوا فى وصفه صلى الله عليه وسلم فهم يخبطون خبط عشواء، ويتساقطون فى الباطل تساقط الفراش فى النار، أو طريقًا يوصل إلى قبول الناس قولهم، أو طريقًا إلى الحق.

الالوسي

تفسير : وقال ابن عطية: إنه لا يناسب قوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} أي مثلوك فقالوا تارة شاعر وتارة ساحر وتارة مجنون مع علمهم بخلافه {فَضَلُّواْ} في جميع ذلك عن منهاج المحاجة {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} طريقاً ما إلى طعن يمكن أن يقبله أحد فيتهافتون ويخبطون ويأتون بما لا يرتاب في بطلانه من سمعه أو إلى سبيل الحق والرشاد. وفيه من الوعيد وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : جملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً ونظائرها كثيرة في القرآن. والتعبير بفعل النظر إشارة إلى أنه بلغ من الوضوح أن يكون منظوراً. والاستفهام بــــ (كيف) للتعجيب من حالة تمثيلهم للنبيء ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ بالمسحور ونحوه. وأصل (ضرب) وضع الشيء وتثبيته يقال: ضرب خيمة، ويطلق على صوغ الشيء على حجم مخصوص، يقال: ضرب دنانير، وهو هنا مستعار للإبراز والبيان تشبيهاً للشيء المبرز المبين بالشيء المثبت. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً}تفسير : في [البقرة: 26]. واللام في {لك} للتعليل والأجْل، أي ضربوا الأمثال لأجلك، أي لأجل تمثيلك، أي مثلوك. يقال: ضربت لك مثلاً بكذا. وأصله مثلتك بكذا، أي أجِد كذا مثلاً لك، قال تعالى: {أية : فلا تضربوا لله الأمثال}تفسير : [النحل: 74] وقال: {أية : واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية}تفسير : [يس: 13] أي اجعلهم مثلاً لحالهم. وجمع {الأمثال} هنا، وإن كان المحكي عنهم أنهم مثلوه بالمسحور، وهو مثل واحد، لأن المقصود التعجيب من هذا المثل ومن غيره فيما يصدر عنهم من قولهم: هو شاعر، هو كاهن، هو مجنون، هو ساحر، هو مسحور. وسميت أمثالاً باعتبار حالهم لأنهم تحيروا فيما يصفونه به للناس لئلا يعتقدوه نبيئاً، فجعلوا يتطلبون أشبه الأحوال بحاله في خيالهم فيلحقونه به، كمن يدرج فرداً غريباً في أشبه الأجناس به، كمن يقول في الزرافة: إنها مِن الأفراس أو من الإبل أو من البقر. وفُرع ضَلالُهم على ضرب أمثالهم لأن ما ضربوه من الأمثال كله باطل وضلال وقوة في الكفر. فالمراد تفريع ضلالهم الخاص ببطلان تلك الأمثال، أي فظهر ضلالهم في ذلك كقوله: {أية : كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا}تفسير : [القمر: 9]. ويجوز أن يراد بالضلال هنا أصل معناه، وهو الحيرة في الطريق وعدم الاهتداء، أي ضربوا لك أشباهاً كثيرة لأنهم تحيروا فيما يعتذرون به عن شأنك العظيم. وتفريع {فلا يستطيعون سبيلاً} على {فضلوا} تفريع لتوغلهم في الحيرة على ضلالهم في ضرب تلك الأمثال. والسبيل: الطريق، واستطاعته استطاعة الظفر به، فيجوز أن يراد بالسبيل سبيل الهدى على الوجه الأول في تفسير الضلال، ويجوز أن يكون تمثيلاً لحال ضلالهم بحال الذي وقف في فيفاء لا يدري من أية جهة يسلك إلى المقصود، على الوجه الثاني في تفسير الضلال. والمعنى على هذا: أنهم تحيروا كيف يصفون حالك للناس لتوقعهم أن الناس يكذبونهم، فلذلك جعلوا ينتقلون في وصفه من صفة إلى صفة لاستشعارهم أن ما يصفونه به باطل لا يطابقه الواقع.

الواحدي

تفسير : {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} بَيَّنوا لك الأشباه حين شبَّهوك بالسَّاحر والكاهن والشَّاعر {فضلوا} بذلك عن طريق الحقِّ {فلا يستطعيون سبيلاً} مخرجاً. {وقالوا أإذا كنا عظاماً} بعد الموت {ورفاتاً} وتراباً، أَنُبعث ونخلق خلقاً جديداً؟ {قل كونوا حجارة أو حديداً...} الآية. معناها يقول: قدِّروا أنَّكم لو خُلقتم من حجارةٍ أو حديدٍ، أو كنتم الموت الذي هو أكبر الأشياء في صدوركم لأماتكم الله، ثمَّ أحياكم؛ لأنَّ القدرة التي بها أنشأكم بها يُعيدكم، وهذا معنى قوله: {فسيقولون من يُعيدنا قل الذي فطركم} خلقكم {أول مرَّة فسينغضون إليك رؤوسهم} يُحرِّكونها تكذيباً لهذا القول {ويقولون متى هو}؟ أَي: الإِعادة والبعث {قل عسى أن يكون قريباً} يعني: هو قريب. {يوم يدعوكم} بالنداء الذي يُسمعكم، وهو النَّفخة الأخيرة {فتستجيبون} تجيبون {بحمده} وهو أنَّهم يخرجون من القبور يقولون: سبحانك وبحمدك، حمدوا حين لا ينفعهم الحمد {وتظنون إن لبثتم إلاَّ قليلاً} استقصروا مدَّة لبثهم في الدُّنيا، أو في البرزخ مع ما يعلمون من طول لبثهم في الآخرة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 48- انظر كيف ذكر لك الأشباه فشبهوك بالمسحور، والكاهن، والشاعر، فضَلُّوا بذلك عن منهاج الحجة فلا يستطيعون طريقاً إلى الطعن يمكن قبوله، أو فضلوا بذلك عن الهدى فلا يجدون طريقاً إليه. 49- قال المنكرون للبعث: أنبعث إذا صرنا عظاماً نخرة، وقطعاً متفرقة، فنكون خلْقاً جديداً فيه حياة؟ إن هذا ما لا يدخل العقول. 50- فقل لهم - أيها النبى -: لو كنتم حجارة لا تقبل الحياة بحال، أو حديداً وهو أصلب من الحجارة. 51- أو خلقاً آخر غيرهما مما تنكر قلوبكم قبوله الحياة لبعثتم، فسيقولون - مستبعدين -: من يعيدنا؟ فقل لهم: يعيدكم الله الذى أوجدكم أول مرة، فسيحركون إليك رؤوسهم تعجباً ويقولون استهزاء: متى البعث الذى تعدُنا به؟ فقل لهم: أرجو أن يكون قريباً. 52- وسيكون يوم يبعثكم الله فيه من قبوركم فتبعثون حامدين ربكم على كمال قدرته وتظنون أنكم ما لبثتم فى قبوركم إلا زمناً قليلا، تستقصرون المدة الطويلة فى جنب ما أنتم قادمون عليه. 53- وقل - يا أيها النبى - لعبادى المؤمنين: أن يقولوا عند محاربتهم المشركين العبارات التى هى أحسن للإقناع، ويتركوا الكلام الخشن الذى يتسبب عنه الشر والفساد، فإن الشيطان يفسد بين المؤمنين والكافرين، لأنه دائماً عدو للإنسان بيِّن العداوة. 54- ربكم أعلم بعاقبة أمركم إن يشأ يرحمكم بالتوفيق للإيمان، أو إن يشأ يعذبكم بعدمه، وما أرسلناك موكولا إليك أمرهم فتجبرهم على الإيمان، وإنما أرسلناك بشيراً للمصدقين ونذيراً للمكذبين، فدارهم، ومُرْ أصحابك بالاحتمال منهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (48) - وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ الكَرِيمِ: انْظُرْ كَيْفَ يَضْرِبُ هؤُلاءِ لَكَ الأَمْثَالَ، وَقَدْ ضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلى طَرِيقِ الحَقِّ، لِضَلاَلِهِمْ عَنْهُ، وَبُعْدِهِمْ مِنْهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: تعجَّبْ مما هم فيه من تخبُّط ولَجج، فمرَّة يقولون عن القرآن: سحر ومرة يقولون: شعر، ويصفونك بأنك: شاعر، وكاهن، وساحر. ومعلوم أن الرسالة لها عناصر ثلاثة: مُرسِل، وهو الحق سبحانه وتعالى، ومُرسَل وهو النبي صلى الله عليه وسلم ومُرْسَلٌ به وهو القرآن الكريم، وقد تخبّط الكفار في هذه الثلاثة ودعاهم الظلم إلى أن يقول فيها قولاً كاذباً افتراءً على الله تعالى وعلى رسوله وعلى كتابه. وقد سبق أن تحدثنا عن افتراءاتهم في الألوهية وعن موقفهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. وقولهم عن القضية الإيمانية العامة: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32]. أهذه دعوة يدعو بها عاقل؟! فبدل أنْ يقولوا: فاهدنا إليه تراهم يُفضّلون الموت على سماع القرآن، وهذا دليل على كِبْرهم وعنادهم وحماقتهم أمام كتاب الله. لذلك، فالحق سبحانه وتعالى من حبه لرسوله صلى الله عليه وسلم ورِفْعة منزلته حتى عند الكافرين به، يردُّ على الكافرين افتراءهم، ويُطمئِن قلب رسوله، ويتحمل عنه الإيذاء في قوله تعالى: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ ..}تفسير : [الأنعام: 33]. أي: قولهم لك: ساحر، وكاهن، وشاعر، ومجنون {أية : فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}تفسير : [الأنعام: 33]. فليست المسألة عندك يا محمد، فهُمْ مع كفرهم لا يكذبونك ولا يجرؤون على ذلك ولا يتهمونك، إنما المسألة أنهم يجحدون بآياتي، وكُلٌّ تصرفاتهم في مقام الألوهية، وفي مقام النبوة، وفي مقام الكتاب ناشئة عن الظلم. وقولهم عن رسول الله: مجنون قوْلٌ كاذب بعيد عن الواقع؛ لأن ما هو الجنون؟ الجنون أن تُفسِد في الإنسان آلة التفكير والاختيار بين البدائل، والجنون قد يكون بسبب خَلْقي أي: خلقه الله تعالى هكذا، أو بسبب طارئ كأنْ يُضربَ الإنسان على رأسه مثلاً، فيختلّ عنده مجال التفكير. ومن رحمة الله تعالى بالعبد أن أخَّرَ له التكليف إلى سِنَّ البلوغ واكتمال العقل، وحتى يكون قادراً على إنجاب مثله؛ لأنه لو كلّفه قبل البلوغ فسوف تطرأ عليه تغييرات غريزية قد يحتج بها، ومع ذلك طلب من الأب أن يأمر ابنه بالصلاة قبل سِنِّ التكليف لِيُعَوِّده الصلاة من الصغير ليكون على إِلْفٍ بها حين يبلغ سِنّ التكليف، وليألف صيغة الأمر من الآمر. والإنسان لا يشك في حُبّ أبيه وحِرْصه على مصلحته، فهو الذي يُربّيه ويُوفّر له كل ما يحتاج، فله ثقة بالأب المحس، فالحق سبحانه يريد أنْ يُربِّبَ فينا الطاعة لمن نعلم خيره علينا، فإذا ما جاء وقت التكليف يسهل علينا ولا يشق؛ لأنها أصبحتْ عادة. والذي أعطى للأب حَقَّ الأمر أعطاه حَقّ العقاب على ترْكه ليكون التكليف من الرب الصغير، والعقوبة من الرب الصغير لِتُعوِّده بالأُبُوة المحسَّة والرحمة الظاهرة على طاعة الحق سبحانه الذي أنعم عليَّ وعليك. فالعقل - إذن - شرْط أساسي في التكليف، وهو العقل الناضج الحرّ غير المكْره، فإنْ حدث إكراه فلا تكليف. فقوله: {أية : ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ ..}تفسير : [الإسراء: 48] أي: قالوا مجنون، والمجنون ليس عنده اختيار بين البدائل، وقد رَدَّ الحق سبحانه عليهم بقوله: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 1-4]. فنفى الحق سبحانه عن رسوله هذه الصفة، وأثبت له صفة الخُلق العظيم، والمجنون لا خُلقَ له، ولا يُحاسَب على تصرفاته، فهو يشتم هذا ويضرب هذا ويبصق في وجه هذا، ولا نملك إلا أنْ نبتسم في وجهه ونُشفِق عليه. ولقائل أنْ يقول: كيف يسلبه الخالق سبحانه وتعالى نعمة العقل، وهو الإنسان الذي كرّمه الله؟ وكيف يعيش هكذا مجرد نسخة لإنسان؟ ولنعلم الحكمة من هذه القضية علينا أنْ نُقارن بين حال العقلاء وحال المجنون، لنعرف عدالة السماء وحكمة الخالق سبحانه، فالعاقل نحاسبه على كل كبيرة وصغيرة ومقتضى ما تطلبه من عظمة في الكون، ومن جاه وسلطان ألاَ يُعقّب على كلامك أحد، وأنْ تفعلَ ما تريد. أَلاَ ترى أن المجنون كذلك يقول ويفعل ما يريد، ثم يمتاز عنك أن لا يسأل في الدنيا ولا في الآخرة؟ أليست هذه كافية لتُعوِّضه عن فقد العقل؟ فلا تنظر إلى ما سلب منه، ولكن إلى ما أعطاه من مَيْزات في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: {فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} [الإسراء: 48]. أي: لم يستطيعوا أنْ يأتُوا بمثَلٍ يكون صَاداً وصارفاً لمن يؤمن بك أنْ يؤمن، فقالوا: مجنون وكذبوا. وقالوا: ساحر وكذبوا وقالوا: شاعر وكذبوا. وقالوا: كاهن وكذبوا. فَسُدّتْ الطرق في وجوههم، ولم يجدوا مَنْفَذاً لِصَدِّ الناس عن رسول الله. فلما عجزوا عن إيجاد وَصْف يصدُّ مَنْ يريد الإيمان برسول الله، قالوا:{أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ..}تفسير : [الأنفال: 32]. ومنهم مَنْ قال: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. فلم يستطيعوا إيجاد سبيل يُعَوقون به دعوتك، بدليل أنه رغم ضَعْف الدعوة في بدايتها، ورغم اضطهادهم لها تراها تزداد يوماً بعد يوم، وتتسع رُقْعة الإيمان، أما كَيْدهم وتدبيرهم فيتجمّد أو يقلّ. كما في قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ..}تفسير : [الرعد: 41]. فكل يوم تزداد أرض الإيمان، وتِقلُّ أرض الكفر. والحق سبحانه وتعالى في قضية استماع القرآن وقولهم: قلوبنا في أكنة، وقلوبنا غلف يريد أن يُلفِتَ أنظارنا إلى قضية هامة في الوجود ومنتظمة في كل الكائنات، وهي أن الأفعال تقتضي فاعلاً للحدث وقابلاً لفعل الحدث، ومثال ذلك: الفلاح الذي يُقلِّب التربة بفأسه، فتقبل التربة منه هذا الفعل، وتنفعل هي معه، فتعطيه ما ينتظره من محصول .. أما لو فعل هذا الفعل في صخرة فلن تقبل منه هذا الفعل. إذن: فثمرة الحدث تتوقف على طرفين: فاعل، وقابل للفعل. لذلك أتعجب من هؤلاء الذين يقولون: إن الغرب يفتن المسلمين عن دينهم، ويأتي إلينا بالمغْريات وأسباب الانحراف، ويُصدّر إلينا المبادئ الهدامة ويُشككنا في ديننا .. الخ. ونقول لهؤلاء: مَا يضركم أنتم إنْ فعل هو ولم تقبلوا أنتم منه هذا الفعل؟! دَعُوه يفعل ما يريد، المهم ألاَّ نقبلَ وألاَّ نتفاعلَ مع مقولاته ومبادئه. فالخيبة ليست في فعل الغرب بنا، ولكن في تقبُّلنا نحن ولَهْثنا وراء كُلِّ ما يأتينا من ناحيته، وما ذلك إلا لِقلّة الخميرة الإيمانية في نفوسنا، فالغرب يريد أنْ يُثبِّت نفوذه، ويثبت مبادئه، وما عليك إلاّ أنْ تتأبّى على قبول مثل هذه الضلالات. وعلى نظرية الفاعل والقابل هذه تُبنَى الحضارات في العالم كله؛ لأن الخالق سبحانه حينما استدعانا إلى الوجود جعل لنا فيه مُقوِّمات الحياة الأساسية من: شمس، وقمر، ونجوم، وأرض، وسماء، وماء، وهواء. ومن هذه المقوّمات ما يعطيك ويخدمك دون أنْ تتفاعَل معه أو تطلبَ منه، كالشمس والماء والهواء، ومنها ما لا يعطيك إلاَّ إذا تفاعلتَ معه مثل الأرض لا تعطيك إلا إذا تعهدتها بالحرث والسَّقْي والبَذْر. والمتأمل في الكون يجد أن جميع ارتقاءات البشر من هذا النوع الثاني الذي لا يعطيك إلا إذا تفاعلتَ معه، وقد ترتقي الطموحات البشرية إلى أن تجعلَ من النوع الأول الذي يعطيك دون أن تتفاعلَ معه ومن غير سلطان لك عليه، تجعل منه مُنْفَعِلاً بعملك فيه، كما يحدث الآن في استعمال الطاقة الشمسية في مجالات جديدة لم تكُنْ من قبل. إذن: فهذه ارتقاءاتٌ لا يُحْرَم منها مَنْ أخذ بالأسباب وسَعَى إلى الرُّقيّ والتقدم. إذن: إنْ جاء يُشكِّك في دينك نَدَعْهُ، وما يقول فليس بملوم، إنما الملوم أنت إنْ قبلْتَ منه؛ ولذلك يجب علينا وعلى كُلّ قائم على تربية النشء أنْ نُحصِّن أولادنا ضد هجمات الإلحاد والتنصير والتغريب، ونُعلِّمهم من أساسيات الدين ما يُمكِّنهم من الدفاع والردِّ بالحجة والإقناع حتى لا يقعوا فريسة سَهْلة في أيدي هؤلاء. وهذه هي المناعة المطلوبة وما أشبهها بما نستخدمه في الماديات من التطعيم ضد المرض، حتى إذا طرأ على الجسم لا يؤثر فيه. ألاَ ترى الحق سبحانه في قرآنه الكريم يَعْرِض لِشُبَه الكافرين والملاحدة ويُفصِّلها ويُناقشها، ثم يبين زَيْفها، فيقول: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}تفسير : [الكهف: 5]. فلماذا يعرضها القرآن، هل لنأخذ بها ونتعلمها؟ لا بل لكي لا نُفَاجأ بها، فإذا أَتَتْ يكون لدينا المناعة الكافية ضِدّها، ولكي تتربّى فينا الحصانة المانعة من الانزلاق أو الانحراف. إذن: فأصول الحياة فاعل وقابل، وسبق أنْ ضربنا مثلاً فقلنا: في الشتاء ينفخ الإنسان في يده ليدفئها، وكذلك ينفخ في كوب الشاي ليبرده، فالفعل واحد ولكن القابل مختلف. وكذلك حال الناس في سماع القرآن واستقبال كلمات الله، فقد استقبله أحد الكفار في حال هدوء وانسجام، فقال: "والله إنَّ له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغْدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه يعلو ولا يُعْلَى عليه" لقد استمعه بملكَة العربي الشَّغُوف بكل ما هو جميل من القَوْل، لا بملَكِة العناد والكِبْر والغطرسة. وكذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - له حالان في سماع القرآن: حال كفر وشدة وغلظة عند سماع القرآن، وحال إيمان ورِقَّة قلب حينما بلغه نبأ إسلام أخته، فأسرع إليها وهي تقرأ القرآن، فصفَعها بقسْوة حتى أَدْمَى وجهها، فأخذتْه عاطفة الرحم، وتغلبت على عاطفة الكفر عنده، فلما سمع القرآنَ بهذه العاطفة الحانية تأثَّر به، فآمن مِنْ فَوْره؛ لأن القرآن صادف منه قَلْباً صافياً، فلا بد أَنْ يُؤثِّر فيه. فالمسألة - إذن - تحتاج أن يكون لدى القابل استعداد لِتقبُّل الشيء والانفعال به. وقد لخَّص لنا الحق سبحانه هذه القضية في قوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ..}تفسير : [محمد: 16] فيأتي الرد عليهم: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ}تفسير : [محمد: 16]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ..}تفسير : [فصلت: 44]. فالقرآن واحد، ولكن المستقبل مختلف، إذن: فإياك أنْ تلوم مَنْ يريد أن يلويَ الناس إلى طريق الضلال، بل دَعْه في ضلاله، ورَبِّ في الآخرين مناعة حتى لا يتأثروا ولا يستجيبوا له. بعد أن تكلمنا عن موقف الكفار من الألوهية ومن النبوة نتكلم من موقفهم من المنهج الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا المنهج يتضمن قضايا كثيرة وأموراً متعددة، لكن أم هذا المنهج وأساسه أن نؤمن بالآخرة، وما دُمْنَا نؤمن بالآخرة فسوف تنسجم حركتنا في الحياة. فالإيمان بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب هو الحافز لنا على العمل والاستقامة في الدنيا، وما أشبه ذلك بالتلميذ الذي يجتهد ويجدّ؛ لأنه يؤمن بالامتحان آخر العام، وما ينتج عنه من توفيق أو إخفاق. غبيّ مَنْ يظن أن الدنيا هي نهاية المطاف، وأنها الغاية التي ليس بعدها غاية؛ لأن الجميع عبيدٌ لله تعالى متساوون، ومع ذلك نرى مَنْ يموت في بطن أمه، ومَنْ يموت بعد عدة شهور، وآخر بعد عدة أعوام، فلو أن الدنيا هي الغاية لاستوى الجميع في المكْث فيها، فاختلاف الأعمار في الدنيا دليل على أنها ليست غاية. وعجيب في أمر الموت أن نرى الناس يحزنون كثيراً على مَنْ مات صغيراً ويقولون: أُخِذ في شبابه ويُكثِرون عليه العويل، لماذا؟ يقولون: لأنه لم يتمتع بالدنيا، سبحان الله أي دنيا هذه التي تتحدثون عنها، وقد اختاره الله قبل أنْ تُلوّثه آثامها وتُلطّخه ذنوبها، لماذا تحزنون كل هذا الحزن ولو رأيتم ما هو فيه لحسدتموه عليه؟ والناس كثيراً ما يُخطِئون في تقدير الغايات؛ لأن كل حَدَث يُحدِثه الإنسان له غاية من هذا الحدث، هذه الغاية مرحلية وليست نهائية، فالغاية النهائية والحقيقية ما ليس بعدها غاية أخرى، فالتلميذ يذاكر بالمرحلة الابتدائية لينتقل إلى المرحلة الإعدادية، ويذاكر الإعدادية لينتقلَ إلى الثانوية. وهكذا تتوالى الغايات في الدنيا إلى أنْ يصل إلى غاية الدنيا الأخيرة، وهي أن يبني بيتاً ويتزوج ويعيش حياة سعيدة يرتاح فيها بما تحت يديه من خدم، يقضون له ما يريد، هذا على فرض أنه سيعيش حتى يكمل هذه المراحل، ولكن ربما مات قبل أنْ يصلَ إلى هذه الغاية. إذن: فلا بد للإنسان أنْ يتعبَ أولاً، ويبذل المجهود ليصبح مخدوماً، وهذه المخدومية تتناسب مع مجهودك الأول، فَمن اكتفى بالإعدادية مثلاً ليس كمن تخرّج من الجامعة، فلكُلٍّ مرتبته ومكانته؛ لأنك تعيش في الدنيا بالأسباب وعلى قَدْر ما تعطي تأخذ. إذن: فغايتك في الدنيا أن تكون مخدوماً، مع أن خادمك قد يتمرَّد عليك وقد يتركك، أما غاية الآخرة فسوف تُوفّر عليك هذا كله، وليس لأحد علاقة بك إلا ذاتك أنت، فبمجرد أنْ يخطر الشيء على بالك تجده أمامك؛ ذلك لأنك في الدنيا تعيش بالأسباب، وفي الآخرة تعيش بمُسبِّب الأسباب سبحانه وتعالى. وكذلك لو أجريتَ مقارنة اقتصادية بين متعة الدنيا ومتعة الآخرة لرجحَتْ كِفّة الآخرة؛ لأن الدنيا بالنسبة لك هي عمرك فيها فقط، وليس عمر الدنيا كله، كما يحلو للبعض أنْ يُحدِّد عمر الدنيا بعدة ملايين من السنين، فما دَخْلك أنت بكل هذه الملايين؟! فالدنيا - إذن - هي عمري فيها، وهذا العمر مظنون غير مُتيقّن، وعلى فرض أنه مُتيقّن فهو خاضع لمتوسط الأعمار، وسوف ينتهي حتماً بالموت. أَضِفْ إلى ذلك أن نعيمك في الدنيا على قَدْر سَعْيك وأَخْذِك بأسبابها. أما الآخرة فهي باقية لا نهاية لها، فلا يعتريها زوال ولا يُنهيها الموت، كما أن مُدتها مُتيقّنة وليست مظنونة، ونعيمك فيها ليس على قَدْر إمكانياتك، ولكن على قدر إمكانيات خالقك سبحانه وتعالى. فأيّهما أحسن؟ وأيُّهما أَوْلَى بالسَّعْي والعمل؟ ويكفي أنك في الدنيا مهماً توفَّر لك من النعيم، وإنْ كنت في قمة النعيم بين أهلها فإنه يُنغّص عليك هذا النعيمَ أمران: فأنت تخاف أنْ تفوتَ هذا النعيم بالموت، وتخاف أن يفوتك هو بالفقر، فهي نعمة مُكدّرة، أما في الآخرة فلا تخاف أن تفوتها، ولا أن تفوتك، فأيُّ الصفقتين أربح إذن؟ ثم يقول الحق سبحانه عن إنكارهم للبعث بعد الموت: {وَقَالُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً ...}.