Verse. 2078 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَقَالُوْۗا ءَ اِذَا كُنَّا عِظَامًا وَّرُفَاتًا ءَاِنَّا لَمَبْعُوْثُوْنَ خَلْقًا جَدِيْدًا۝۴۹
Waqaloo aitha kunna AAithaman warufatan ainna lamabAAoothoona khalqan jadeedan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا».

49

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما تكلم أولاً في الإلهيات ثم أتبعه بذكر شبهاتهم في النبوات، ذكر في هذه الآية شبهات القوم في إنكار المعاد والبعث والقيامة، وقد ذكرنا كثيراً أن مدار القرآن على المسائل الأربعة وهي: الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر، وأيضاً أن القوم وصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه مسحوراً فاسد العقل، فذكروا من جملة ما يدل على فساد عقله أنه يدعي أن الإنسان بعدما يصير عظاماً ورفاتاً فإنه يعود حياً عاقلاً كما كان، فذكروا هذا الكلام رواية عنه لتقرير كونه مختل العقل. قال الواحدي رحمه الله: الرفت كسر الشيء بيدك، تقول: رفته أرفته بالكسر كما يرفت المدر والعظم البالي، والرفات الأجزاء المتفتتة من كل شيء يكسر. يقال: رفت عظام الجزور رفتاً إذا كسرها، ويقال للتبن: الرفت لأنه دقاق الزرع. قال الأخفش: رفت رفتاً، فهو مرفوت نحو حطم حطماً فهو محطوم والرفات والحطام الاسم، كالجذاد والرضاض والفتات، فهذا ما يتعلق باللغة. أما تقرير شبهة القوم: فهي أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتناثرت وتفرقت في حوالي العالم فاختلط بتلك الأجزاء سائر أجزاء العالم. أما الأجزاء المائية في البدن فتختلط بمياه العالم، وأما الأجزاء الترابية فتختلط بتراب العالم، وأما الأجزاء الهوائية فتختلط بهواء العالم، وأما الأجزاء النارية فتختلط بنار العالم وإذا صار الأمر كذلك فكيف يعقل اجتماعها بأعيانها مرة أخرى. وكيف يعقل عود الحياة إليها بأعيانها مرة أخرى، فهذا هو تقرير الشبهة. والجواب عنها: أن هذا الإشكال لا يتم إلا بالقدح في كمال علم الله وفي كمال قدرته. أما إذا سلما كونه تعالى عالماً بجميع الجزئيات فحينئذ هذه الأجزاء وإن اختلطت بأجزاء العالم إلا أنها متمايزة في علم الله تعالى ولما سلمنا كونه تعالى قادراً على كل الممكنات كان قادراً على إعادة التأليف والتركيب والحياة والعقل إلى تلك الأجزاء بأعيانها، فثبت أنا متى سلمنا كمال علم الله وكمال قدرته زالت هذه الشبهة بالكلية. أما قوله تعالى: {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } فالمعنى أن القوم استبعدوا أن يردهم إلى حال الحياة بعد أن صاروا عظاماً ورفاتاً. وهي وإن كانت صفة منافية لقبول الحياة بحسب الظاهر لكن قدروا انتهاء هذه الأجسام بعد الموت إلى صفة أخرى أشد منافاة لقبول الحياة من كونها عظاماً ورفاتاً مثل أن تصير حجارة أو حديداً، فإن المنافاة بين الحجرية والحديدية وبين قبول الحياة أشد من المنافاة بين العظمية وبين قبول الحياة، وذلك أن العظم قد كان جزءاً من بدن الحي. أما الحجارة والحديد فما كانا ألبتة موصوفين بالحياة، فبتقدير أن تصير أبدان الناس موصوفة بصفة الحجرية والحديدية بعد الموت، فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها ويجعلها حياً عاقلاً كما كان، والدليل على صحة ذلك أن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل إذ لو لم يكن هذا القبول حاصلاً لما حصل العقل والحياة لها في أول الأمر. وإله العالم عالم بجميع الجزئيات فلا تشتبه عليه أجزاء بدن زيد المطيع بأجزاء بدن عمرو العاصي. وقادر على كل الممكنات، وإذا ثبت أن عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكن في نفسه وثبت أن إله العالم عالم بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات، كان عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكناً قطعاً، سواء صارت عظاماً ورفاتاً أو صارت شيئاً أبعد من العظم في قبول الحياة وهي أن تصير حجارة أو حديداً، فهذا تقرير هذا الكلام بالدليل العقلي القاطع، وقوله: {كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } ليس المراد منه الأمر بل المراد أنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله تعالى عن الإعادة، وذلك كقول القائل للرجل: أتطمع في وأنا فلان فيقول: كن من شئت كن ابن الخليفة، فسأطلب منك حقي. فإن قيل: ما المراد بقوله: {أَوْ خَلْقًا }. قلنا: المراد أن كون الحجر والحديد قابلاً للحياة أمر مستبعد، فقيل لهم: فافرضوا شيئاً آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث يستبعد عقلكم كونه قابلاً للحياة وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى أن يتعين ذلك الشيء، لأن المراد أن أبدان الناس وإن انتهت بعد موتها إلى أي صفة فرضت وأي حالة قدرت وإن كانت في غاية البعد عن قبول الحياة فإن الله تعالى قادر على إعادة الحياة إليها، وإذا كان المراد من الآية هذا المعنى فلا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء، وقال ابن عباس: المراد منه الموت، يعني لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها، واعلم أن هذا الكلام إنما يحسن ذكره على سبيل المبالغة مثل أن يقال: لو كنت عين الحياة فالله يميتك ولو كنت عين الغنى فإن الله يفقرك، فهذا قد ذكر على سبيل المبالغة، أما في نفس الأمر فهذا محال، لأن أبدان الناس أجسام والموت عرض والجسم لا ينقلب عرضاً ثم بتقدير أن ينقلب عرضاً فالموت لا يقبل الحياة لأن أحد الضدين يمتنع اتصافه بالضد الآخر، وقال مجاهد: يعني السماء والأرض. ثم قال: {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } والمعنى أنه لما قال لهم: كونوا حجارة أو حديداً أو شيئاً أبعد في قبول الحياة من هذين الشيئين فإن إعادة الحياة إليه ممكنة فعند ذلك قالوا: من هذا الذي يقدر على إعادة الحياة إليه، قال تعالى قل يا محمد: الذي فطركم أول مرة يعني أن القول بصحة الإعادة فرع على تسليم أن خالق الحيوانات هو الله تعالى. فإذا ثبت ذلك فنقول: إن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل وإله العالم قادر لذاته عالم لذاته فلا يبطل علمه وقدرته ألبتة، فالقادر على الابتداء يجب أن يبقى قادراً على الإعادة، وهذا كلام تام وبرهان قوي. ثم قال تعالى: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} قال الفراء يقال: أنغض فلان رأسه ينغضه إنغاضاً إذا حركه إلى فوق وإلى أسفل وسمي الظليم نغضاً لأنه يحرك رأسه، وقال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إنكاراً له قد أنغض رأسه فقوله: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} يعني يحركونها على سبيل التكذيب والاستبعاد. ثم قال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ } واعلم أن هذا السؤال فاسد لأنهم حكموا بامتناع الحشر والنشر بناء على الشبهة التي حكيناها، ثم إن الله تعالى بين بالبرهان الباهر كونه ممكناً في نفسه، فقولهم متى هو كلام لا تعلق له بالبحث الأول، فإنه لما ثبت بالدليل العقلي كونه ممكن الوجود في نفسه وجب الاعتراف بإمكانه، فأما أنه متى يوجد فذاك لا يمكن إثباته من طريق العقل، بل إنما يمكن إثباته بالدلائل السمعية فإن أخبر الله تعالى عن ذلك الوقت المعين عرف وإلا فلا سبيل إلى معرفته. واعلم أنه تعالى بين في القرآن أنه لا يطلع أحداً من الخلق على وقته المعين، فقال: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [لقمان: 34] وقال: { أية : إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي } تفسير : [الأعراف: 187] وقال: { أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } تفسير : [طه: 15] فلا جرم. قال تعالى: {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا } قال المفسرون عسى من الله واجب معناه أنه قريب. فإن قالوا: كيف يكون قريباً وقد انقرض ستمائة سنة ولم يظهر؟ قلنا: إذا كان ما مضى أكثر مما بقي كان الباقي قريباً قليلاً، ثم قال تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } وفيه قولان: الأول: أنه خطاب مع الكفار بدليل أن ما قبل هذه الآية كله خطاب مع الكفار، ثم نقول انتصب يوماً على البدل من قوله {قريباً}، والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم أي بالنداء الذي يسمعكم وهو النفحة الأخيرة كما قال: { أية : يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } تفسير : [ق: 41] يقال: إن إسرافيل ينادي أيتها الأجساد البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت بقدرة الله تعالى وبإذنه وتكوينه، وقال تعالى: { أية : يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْء نُّكُرٍ } تفسير : [القمر: 6] وقوله: {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } أي تجيبون والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه وهي الإجابة إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة فهي أوكد من الإجابة، وقوله: {بِحَمْدِهِ } قال سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون: سبحانك وبحمدك، فهو قوله: {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } وقال قتادة بمعرفته وطاعته، وتوجيه هذا القول أنهم لما أجابوا بالتسبيح والتحميد كان ذلك معرفة منهم وطاعة ولكنهم لا ينفعهم ذلك في ذلك اليوم. فلهذا قال المفسرون: حمدوا حين لا ينفعهم الحمد، وقال أهل المعاني: تستجيبون بحمده. أي تستجيبون حامدين كما يقال: جاء بغضبه أي جاء غضبان وركب الأمير بسيفه أي وسيفه معه وقال صاحب «الكشاف»: {بحمده} حال منهم أي حامدين، وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بعمل يشق عليه ستأتي به وأنت حامد شاكر، أي ستنتهي إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل وهذا يذكر في معرض التهديد. ثم قال: {وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } قال ابن عباس يريد بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزال عنهم العذاب في ذلك الوقت، والدليل عليه قوله في سورة يس: { أية : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } تفسير : [يس: 52] فظنهم بأن هذا لبث قليل عائد إلى لبثهم فيما بين النفختين، وقال الحسن: معناه تقريب وقت البعث فكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل فهذا يرجع إلى استقلال مدة اللبث في الدنيا وقيل المراد استقلال لبثهم في عرصة القيامة؛ لأنه لما كانت عاقبة أمرهم الدخول في النار استقصروا مدة لبثهم في برزخ القيامة. القول الثاني: أن الكلام مع الكفار تم عند قوله: {عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا } وأما قوله: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } فهو خطاب مع المؤمنين لا مع الكافرين لأن هذا الكلام هو اللائق بالمؤمنين لأنهم يستجيبون لله بحمده، ويحمدونه على إحسانه إليهم، والقول الأول هو المشهور، والثاني ظاهر الاحتمال.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً} أي قالوا وهم يتناجَوْن لما سمعوا القرآن وسمعوا أمر البعث: لو لم يكن مسحوراً مخدوعاً لما قال هذا. قال ابن عباس: الرُفات الغبار. مجاهد: التراب. والرفات ما تكسّر وبَلِيَ من كل شيء؛ كالفُتات والحُطام والرُّضاض؛ عن أبي عبيدة والكسائيّ والفَرّاء والأخفش. تقول منه: رُفِتَ الشيء رَفْتاً، أي حُطِم؛ فهو مرفوت. {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} «أئنا» استفهام والمراد به الجَحْد والإنكار. و«خلقاً» نصب لأنه مصدر؛ أي بعثاً جديداً. وكان هذا غايةَ الإنكار منهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد، القائلين استفهام إنكار منهم لذلك: {أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰماً وَرُفَـٰتاً} أي: تراباً، قاله مجاهد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: غباراً، {أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} أي: يوم القيامة بعدما بلينا وصرنا عدماً لا نذكر؛ كما أخبر عنهم في الموضع الآخر: {أية : يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى ٱلْحَـٰفِرَةِ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰماً نَّخِرَةً قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} تفسير : [النازعات: 10 ـ 12]. وقوله تعالى: {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ} تفسير : [يس: 78] الآيتين، فأمر الله سبحانه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم فقال: {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} إذ هما أشد امتناعاً من العظام والرفات، {أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ} قال ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: هو الموت، وروى عطية عن ابن عمر أنه قال في تفسير هذه الآية: لو كنتم موتى لأحييتكم، وكذا قال سعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم، ومعنى ذلك: أنكم لو فرضتم أنكم لو صرتم إلى الموت الذي هو ضد الحياة، لأحياكم الله إذا شاء، فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده. وقد ذكر ابن جرير ههنا حديثاً: «حديث : يجاء بالموت يوم القيامة، وكأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، ثم يقال: يا أهل النار أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت» تفسير : وقال مجاهد: {أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ} يعني: السماء والأرض والجبال، وفي رواية: ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله بعد موتكم، وقد وقع في التفسير المروي عن الإمام مالك عن الزهري في قوله: {أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال مالك: ويقولون: هو الموت. وقوله تعالى: {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا} أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديداً أو خلقاً آخر شديداً {قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئاً مذكوراً، ثم صرتم بشراً تنتشرون، فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27] الآية، وقوله تعالى: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} قال ابن عباس وقتادة: يحركونها استهزاء، وهذا الذي قالاه هو الذي تعرفه العرب من لغاتها، لأن إنغاض هو التحرك من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل، ومنه قيل للظليم، وهو ولد النعامة: نغض؛ لأنه إذا مشى عجل بمشيته، وحرك رأسه، ويقال: نغضت سنُّه إذا تحركت وارتفعت من منبتها، وقال الراجز:شعر : ونَغَّضَتْ مِنْ هَرَمٍ أسنانُها تفسير : وقوله: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ} إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك، كما قال تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} تفسير : [الملك: 25] وقال تعالى: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} تفسير : [الشورى: 18]. وقوله: {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا} أي: احذروا ذلك، فإنه قريب سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت آت. وقوله تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} أي: الرب تبارك وتعالى {أية : بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} تفسير : [الروم: 25] أي: إذا أمركم بالخروج منها، فإنه لا يخالف ولا يمانع، بل كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر: 50] {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} تفسير : [النحل: 40]. وقوله: {أية : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} تفسير : [النازعات: 13 ـ 14] أي: إنما هو أمر واحد بانتهار، فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} أي: تقومون كلكم إجابة لأمره، وطاعة لإرادته. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: فتستجيبون بحمده، أي: بأمره، وكذا قال ابن جريج: وقال قتادة: بمعرفته وطاعته. وقال بعضهم: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} أي: وله الحمد في كل حال. وقد جاء في الحديث: «حديث : ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، كأني بأهل لا إله إلا الله يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون: لا إله إلا الله»تفسير : وفي رواية: يقولون: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِىۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} تفسير : [فاطر: 34] وسيأتي في سورة فاطر. وقوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ} أي: يوم تقومون من قبوركم {إِن لَّبِثْتُمْ} أي: في الدار الدنيا {إِلاَّ قَلِيلاً}، وكقوله تعالى: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} تفسير : [النازعات: 46]، وقال تعالى: {أية : يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً يَتَخَـٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً } تفسير : [طه: 102 ـ 104]، وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } تفسير : [الروم: 55]، وقال تعالى: {أية : قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ ٱلْعَآدِّينَ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } تفسير : [المؤمنون: 112 ـ 114].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالُواْ } منكرين للبعث {أَءِذَا كُنَّا عِظَٰماً وَرُفَٰتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً }.

الشوكاني

تفسير : لما فرغ سبحانه من حكاية شبه القوم في النبوّات حكى شبهتهم في أمر المعاد فقال: {وَقَالُواْ أَءذَا كُنَّا عِظَـٰماً وَرُفَـٰتاً } والاستفهام، للاستنكار والاستبعاد. وتقرير الشبهة: أن الإنسان إذا مات جفت عظامه وتناثرت وتفرقت في جوانب العالم، واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها، ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع، فأجاب سبحانه عنهم بأن إعادة بدن الميت إلى حال الحياة أمر ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ومن رطوبة الحي كالحجارة والحديد، فهو كقول القائل: أتطمع فيّ وأنا ابن فلان؟ فيقول: كن ابن السلطان أو ابن من شئت فسأطلب منك حقي. والرفات: ما تكسر وبلى من كلّ شيء كالفتات والحطام والرضاض، قاله أبو عبيدة، والكسائي، والفراء، والأخفش. تقول منه: رفت الشيء رفتاً، أي: حطم فهو مرفوت. وقيل: الرفات: الغبار، وقيل: التراب {أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } كرّر الاستفهام الدالّ على الاستنكار والاستبعاد؛ تأكيداً وتقريراً، والعامل في "إذا" هو ما دلّ عليه {لمبعوثون}، لا هو نفسه، لأن ما بعد إنّ والهمزة واللام لا يعمل فيما قبلها، والتقدير: {ءإذا كنا عظاماً ورفاتاً} نبعث {ءإنا لمبعوثون}، وانتصاب {خلقاً} على المصدرية من غير لفظه، أو على الحال، أي: مخلوقين، و{جديداً} صفة له. {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً. أَوْ خَلْقًا} آخر {مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ } قال ابن جرير: معناه: إن عجبتم من إنشاء الله لكم عظاماً ولحماً فكونوا أنتم حجارة أو حديداً إن قدرتم على ذلك، وقال علي بن عيسى: معناه: إنكم لو كنتم حجارة أو حديداً لم تفوتوا الله عزّ وجلّ إذا أرادكم. إلاّ أنه خرج مخرج الأمر لأنه أبلغ في الإلزام؛ وقيل: معناه: لو كنتم حجارة أو حديداً لأعادكم كما بدأكم ولأماتكم ثم أحياكم، قال النحاس: وهذا قول حسن، لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حجارة أو حديداً، وإنما المعنى: أنهم قد أقرّوا بخالقهم وأنكروا البعث، فقيل لهم: استشعروا أن تكونوا ما شئتم، فلو كنتم حجارة أو حديداً لبعثتم كما خلقتم أوّل مرة. قلت: وعلى هذا الوجه قررنا جواب الشبهة قبل هذا. {أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ } أي: يعظم عندكم مما هو أكبر من الحجارة والحديد مباينة للحياة فإنكم مبعوثون لا محالة، وقيل: المراد به السمٰوات والأرض والجبال لعظمها في النفوس. وقال جماعة من الصحابة والتابعين: المراد به الموت، لأنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم منه. والمعنى: لو كنتم الموت لأماتكم الله ثم بعثكم. ولا يخفى ما في هذا من البعد، فإن معنى الآية: الترقي من الحجارة إلى الحديد، ثم من الحديد إلى ما هو أكبر في صدور القوم منه، والموت نفسه ليس بشيء يعقل ويحسّ حتى يقع الترقي من الحديد إليه {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا } إذا كنا عظاماً ورفاتاً، أو حجارة أو حديداً مع ما بين الحالتين من التفاوت. {قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي: يعيدكم الذي خلقكم واخترعكم عند ابتداء خلقكم من غير مثال سابق ولا صورة متقدّمة {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءوسِهِمُ } أي: يحركونها استهزاءً، يقال: نغض رأسه ينغض وينغض وينغض نغضاً ونغوضاً أي: تحرك، وأنغض رأسه حركه كالمتعجب، ومنه قول الراجز:شعر : أنغض نحوي رأسه: وأقنعا تفسير : وقول الراجز الآخر:شعر : ونغضت من هرم أسنانها تفسير : وقال آخر:شعر : لما رأتني أنغضت لي رأسها تفسير : {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ } أي: البعث والإعادة استهزاء منهم وسخرية {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا } أي: هو قريب، لأن عسى في كلام الله واجب الوقوع، ومثله {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً }تفسير : [الأحزاب: 63]، وكل ما هو آتٍ قريب {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } الظرف منتصب بفعل مضمر أي: اذكر، أو بدل من {قريباً}، أو التقدير: يوم يدعوكم كان ما كان، الدعاء: النداء إلى المحشر بكلام يسمعه الخلائق، وقيل: هو الصيحة التي تسمعونها، فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في أرض المحشر {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } أي: منقادين له، حامدين لما فعله بكم، فهو في محل نصب على الحال. وقيل: المعنى: فتستجيبون والحمد لله كما قال الشاعر:شعر : وإني بحمد الله لا ثوب فاخر لبست ولا من غدرة أتقنع تفسير : وقد روي أن الكفار عند خروجهم من قبورهم يقولون: سبحانك وبحمدك؛ وقيل: المراد بالدعاء هنا البعث، وبالاستجابة: أنهم يبعثون، فالمعنى: يوم يبعثكم فتبعثون منقادين {وَتَظُنُّونَ إِن لبثتم إِلاَّ قَلِيلاً } أي: تظنون عند البعث أنكم ما لبثتم في قبوركم إلاّ زمناً قليلاً، وقيل: بين النفختين، وذلك أن العذاب يكف عن المعذبين بين النفختين، وذلك أربعون عاماً ينامون فيها، فلذلك {أية : قَالُواْ مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } تفسير : [يۤس: 52]، وقيل: إن الدنيا تحقرت في أعينهم وقلّت حين رأوا يوم القيامة، فقالوا هذه المقالة. {وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } أي قل: يا محمد لعبادي المؤمنين: أن يقولو عند محاورتهم للمشركين الكلمة التي هي أحسن من غيرها من الكلام الحسن كقوله سبحانه: {أية : وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ }تفسير : [العنكبوت: 46]. وقوله: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً } تفسير : [طه: 44] لأن المخاشنة لهم ربما تنفرهم عن الإجابة أو تؤدي إلى ما قال سبحانه: {أية : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 108]. وهذا كان قبل نزول آية السيف، وقيل: المعنى: قل لهم يأمروا بما أمر الله وينهوا عما نهى عنه، وقيل: هذه الآية للمؤمنين فيما بينهم خاصة، والأوّل أولى كما يشهد به السبب الذي سنذكره إن شاء الله {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ } أي: بالفساد وإلقاء العداوة والإغراء. قال اليزيدي: يقال نزغ بيننا أي: أفسد. وقال غيره: النزغ الإغراء {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلإِنْسَـٰنِ عَدُوّا مُّبِينًا } أي: متظاهراً بالعداوة مكاشفاً بها، وهو تعليل لما قبله، وقد تقدّم مثل هذا في البقرة. {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ } قيل: هذا خطاب للمشركين. والمعنى: إن يشأ يوفقكم للإسلام فيرحمكم أو يميتكم عن الشرك فيعذبكم، وقيل: هو خطاب للمؤمنين أي: {إن يشأ يرحمكم} بأن يحفظكم من الكفار {أو إن يشأ يعذبكم} بتسليطهم عليكم؛ وقيل: إن هذا تفسير لكلمة {التي هي أحسن} {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } أي: ما وكلناك في منعهم من الكفر، وقسرهم على الإيمان؛ وقيل: ما جعلناك كفيلاً لهم تؤخذ بهم، ومنه قول الشاعر:شعر : ذكرت أبا أروى فبتّ كأنني بردّ الأمور الماضيات وكيل تفسير : أي: كفيل. {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } أعلم بهم ذاتاً وحالاً واستحقاقاً، وهو أعمّ من قوله: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ } لأن هذا يشمل كل ما في السموات والأرض من مخلوقاته، وذاك خاص ببني آدم أو ببعضهم، وهذا كالتوطئة لقوله: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ } أي: إن هذا التفضيل عن علم منه بمن هو أعلى رتبة وبمن دونه، وبمن يستحق مزيد الخصوصية بتكثير فضائله وفواضله. وقد تقدّم هذا في البقرة. وقد اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وموسى كليماً، وجعل عيسى كلمته وروحه، وجعل لسليمان ملكاً عظيماً، وغفر لمحمد ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وجعله سيد ولد آدم. وفي هذه الآية دفع لما كان ينكره الكفار مما يحكيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ارتفاع درجته عند ربه عزّ وجلّ، ثم ذكر ما فضل به داود، فقال: {وَءاتَيْنَا داود زبورا } أي: كتاباً مزبوراً. قال الزجاج: أي فلا تنكروا تفضيل محمد وإعطاءه القرآن فقد أعطى الله داود زبوراً. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَرُفَـٰتاً} قال: غباراً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَرُفَـٰتاً } قال: تراباً، وفي قوله: {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } قال: ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله كما كنتم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله: {أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ } قال: الموت، لو كنتم موتاً لأحييتكم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، والحاكم عن ابن عباس مثله. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن مثله أيضاً. وأخرج عبد الله بن أحمد، وابن جرير، وابن المنذر عن سعيد بن جبير نحوه، وزاد قال: فكونوا الموت إن استطعتم فإن الموت سيموت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءوسِهِمُ } قال: سيحركونها استهزاءً. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ } قال: الإعادة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } قال: بأمره. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: يخرجون من قبورهم وهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } قال: بمعرفته وطاعته {وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } أي: في الدنيا، تحاقرت الدنيا في أنفسهم، وقلّت حين عاينوا يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن سيرين في قوله: {وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } قال: لا إلٰه إلاّ الله. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: يعفو عن السيئة. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: يقول له يرحمك الله، يغفر الله لك. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: نزغ الشيطان: تحريشه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً} قال: كنا نحدّث أنه دعاء علمه داود، وتحميد وتمجيد لله عزّ وجلّ ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: الزبور: ثناء على الله ودعاء وتسبيح. قلت: الأمر كما قاله قتادة والربيع، فإنا وقفنا على الزبور فوجدناه خطباً يخطبها داود عليه السلام، ويخاطب بها ربه سبحانه عند دخوله الكنيسة، وجملته مائة وخمسون خطبة، كل خطبة تسمى مزموراً بفتح الميم الأولى وسكون الزاي وضم الميم الثاينة وآخره راء، ففي بعض هذه الخطب يشكو داود على ربه من أعدائه ويستنصره عليهم، وفي بعضها يحمد الله ويمجده ويثني عليه بسبب ما وقع من النصر عليهم والغلبة لهم، وكان عند الخطبة يضرب بالقيثارة، وهي آلة من آلات الملاهي. وقد ذكر السيوطي في الدرّ المنثور ها هنا روايات عن جماعة من السلف يذكرون ألفاظاً وقفوا عليها في الزبور ليس لها كثير فائدة، فقد أغنى عنها وعن غيرها ما اشتمل عليه القرآن من المواعظ والزواجر.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وقالوا أئِذا كُنّا عظاماً ورفاتاً} فيه تأويلان: أحدهما: أن الرفات التراب، قاله الكلبي والفراء. الثاني: أنه ما أرفت من العظام مثل الفتات، قاله أبو عبيدة، قال الراجز: شعر : صُمَّ الصَّفَا رَفَتَ عَنْهَا أَصْلُهُ تفسير : قوله عز وجل: {قل كونوا حجارةً أو حديداً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه إن عجبتم من إنشاء الله تعالى لكم عظاماً ولحماً فكونوا أنتم حجارة أو حديداً إن قدرتم، قاله أبو جعفر الطبري. الثاني: معناه أنكم: لو كنتم حجارة أو حديداً لم تفوتوا الله تعالى إذا أرادكم إلا أنه أخرجه مخرج الأمر لأنه أبلغ من الإلزام، قاله علي بن عيسى. الثالث: معناه لو كنتم حجارة أو حديداً لأماتكم الله ثم أحياكم. {أو خَلْقاً ممّا يكبر في صدوركم} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه عنى بذلك السموات والأرض والجبال لعظمها في النفوس، قاله مجاهد. الثاني: أنه أراد الموت لأنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم منه وقد قال أمية ابن أبي الصلت: شعر : نادوا إلههمُ ليسرع خلقهم وللموت خلق للنفوس فظيعُ تفسير : وهذا قول ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص. الثالث: أنه أراد البعث لأنه كان أكبر شيء في صدروهم قاله الكلبي. الرابع: ما يكبر في صدوركم من جميع ما استعظمتموه من خلق الله تعالى، فإن الله يميتكم ثم يحييكم ثم يبعثكم، قاله قتادة. {... فسينغضون إليك رءُوسَهُم} قال ابن عباس وقتادة، أي يحركون رؤوسهم استهزاء وتكذيباً، قال الشاعر: شعر : قلت لها صلي فقالت مِضِّ وحركت لي رأسها بالنغضِ تفسير : قوله عز وجل: {يَوْمَ يدعوكم فتستجيبون بحمده} في قوله تعالى يدعوكم قولان: أحدهما: أنه نداء كلام يسمعه جميع الناس يدعوهم الله بالخروج فيه إلى أرض المحشر. الثاني: أنها الصيحة التي يسمعونها فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في أرض القيامة. وفي قوله: {فتستجيبون بحمده} أربعة أوجه: أحدها: فتستجيبون حامدين لله تعالى بألسنتكم. الثاني: فتستجيبون على ما يقتضي حمد الله من أفعالكم. الثالث: معناه فستقومون من قبوركم بحمد الله لا بحمد أنفسكم. الرابع: فتستجيبون بأمره، قاله سفيان وابن جريج. {وتظنون إن لبثتم إلاّ قليلاً} فيه خمس أوجه: أحدها: إن لبثتم إلا قليلاً في الدنيا لطول لبثكم في الآخرة، قاله الحسن. الثاني: معناه الاحتقار لأمر الدنيا حين عاينوا يوم القيامة، قاله قتادة. الثالث: أنهم لما يرون من سرعة الرجوع يظنون قلة اللبث في القبور. الرابع: أنهم بين النفختين يرفع عنهم العذاب فلا يعذبون، وبينهما أربعون سنة فيرونها لاستراحتهم قليقلة؛ قاله الكلبي. الخامس: أنه لقرب الوقت، كما قال الحسن كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَرُفَاتاً} تراباً، أو ما أرفت من العظام مثل الفتات.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً} الآيات. لما تكلَّم أوَّلاً في الإلهيَّاتِ، ثمَّ أتبعه بذكر شبهاتهم في النبوَّات، ذكر في هذه الآيات شبهاتهم في إنكار المعاد، والبعث، والقيامة، وقد تقدَّم أنَّ مدار القرآن على هذه الأربعة، وهي الإلهيَّات، والنبوّات، والمعاد، والقضاء والقدر، وأيضاً فالقوم وصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه مسحوراً فاسد العقل، فذكروا أن من جملة ما يدلُّ على فساد عقله: أن يدعي أنَّ الإنسان بعدما يصير عظاماً ورفاتاً يعود حيًّا، كما كان. قوله تعالى: {أَءِذَا كُنَّا}: قد تقدم خلاف القرَّاء في مثل هذين الاستفهامين في سورة الرعد، والعامل في "إذَا" محذوفٌ [تقديره:] أنبعثُ أو أنحشر، إذا كُنَّا، دلَّ عليه "المَبْعُوثُونَ" ولا يعمل فيها "مَبعُوثُونَ" هذا؛ لأنَّ ما بعد "إنَّ" لا يعمل فيما قبلها، وكذا ما بعد الاستفهام، لا يعمل فيما قبله، وقد اجتمعا هنا، وعلى هذا التقدير: تكون "إذَا" متمحِّضة للظرفية، ويجوز أن تكون شرطية، فيقدَّر العامل فيها جوابها، تقديره: أإذا كنَّا عظاماً ورفاتاً نبعث أو نعاد، ونحو ذلك، فهذا المحذوف جواب الشَّرط عند سيبويه، والذي انصبَّ عليه الاستفهام عند يونس. والرُّفات: ما بولغَ في دقِّه، وتفْتِيتِه، وهو اسمٌ لأجزاءِ ذلك الشيء المفتت، وقال الفراء: "هو التُّرَابُ" وهو قول مجاهدٍ ويؤيِّده أنه قد تكرَّر في القرآن "تراباً وعظاماً". يقال: رَفَتَهُ يَرْفِتُهُ بالكسرِ [أي: كسره]. وقيل: حطاماً قال الواحدي: الرفت: كسر الشيء بيدك؛ كما يرفت المدر والعظم البالي، يقال: رفت عظام الجَزُورِ رفتاً، إذا كسرها، ويقال للتبن: الرفت؛ لأنَّه دقاق الزَّرْع. قال الأخفش: رفت رفتاً، فهو مَرفُوتٌ، نحو حطم حَطْماً، فهو مَحْطُوم. والفعال يغلب في التفريق كالرُّفات والحطامِ والعظام والدقاق والفتات، والجذاذَ والرضاض. قوله تعالى: "خَلْقاً" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدرٌ من معنى الفعل، لا من لفظه، أي: نبعثُ بعثاً جديداً. والثاني: أنه في موضع الحال، أي: مخلوقين. فصل تقرير شبهة القوم: هو أنَّ الإنسان، إذا جفَّت أعضاؤه، وتناثرت وتفرَّقت في جوانب العالم، واختلطت تلك الأجزاء بسائر أجزاء العالم، فالأجزاء المائيَّة تختلطُ بمياه العالم، والأجزاء الترابيَّة تختلط بالتُّراب، والأجزاء الهوائيَّة تختلط بالهواء، وإذا كان كذلك، فكيف يعقل اجتماعها بأعيانها مرَّة أخرى، وكيف يعقل عود الحياة إليها بأعيانها مرة أخرى؟! هذا تقرير شبهتهم. والجواب عنها: أن هذا الإشكال لا يتمُّ إلاَّ بالقدح في كمال علم الله تعالى، وفي كمال قدرته. أمَّا إذا سلَّمنا كونه تعالى عالماً بجميع الجزئيات، فحينئذٍ، هذه الأجزاء، وإن اختلطت بأجزاء العالم، إلاَّ أنها متميِّزة في علم الله تعالى، ولما سلِّم كونه - تعالى - قادراً على كلِّ الممكنات، كان قادراً على إعادة التأليف والتركيب، والحياة، والعقل، إلى تلك الأجزاء بأعيانها، فمتى سلم كمال علم الله تعالى، وكمال قدرته، زالت هذه الشبهة بالكليَّة. ثم قال تعالى: {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} وذلك أنَّهم استبعدوا أن يردَّهم أحياءً بعد أن صاروا عظاماً ورفاتاً، فإنَّها صفة منافية لقبول الحياة بحسب الظاهر، فقال: ولقد قدرتم أنَّ هذه الأجسام بعد الموت تصير إلى صفة أخرى أشدَّ منافاة لقبول الحياة من كونها عظاماً ورفاتاً؛ مثل أن تصير حجارة أو حديداً؛ فإنَّ المنافاة بين الحجرية والحديدية وبين قبول الحياة اشدُّ من المنافاة بين العظميَّة وبين قبول الحياة؛ لأنَّ العظم كان جزءاً من بدن الحيِّ، وأمَّا الحجارة والحديد، فما كانا ألبتَّة موصوفين بالحياة، فبتقدير أن تصير أبدان الناس حجارة أو حديداً بعد الموت، فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها، ويجعلها حية عاقلة، كما كان، والدليل على صحّة ذلك أن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل؛ إذ لو لم يكن القبول حاصلاً، لما حصل العقل والحياة لها في أوَّل الأمر، وإله العالم عالمٌ بجميع الجزئيَّات، فلا يشتبه عليه أجزاء بدنِ زيد المطيع بأجزاء بدن عمرو العاصي، وقادرٌ على كل الممكنات. وإذا ثبت أنَّ عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكنٌ في نفسه، وثبت أنَّ إله العالم عالمٌ بجميع المعلومات، قادرٌ على كلِّ الممكنات، كان عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكناً قطعاً سواءٌ صارت عظاماً ورفاتاً أو أشياء أبعد من العظم في قبول الحياة، مثل أن تصير حجارة أو حديداً، وهذا ليس المراد منه الأمر، بل المراد أنَّكم لو كنتم كذلك، لما أعجزتم الله تعالى عن الإعادة؛ كقول القائل للرجل: أتطمع فيَّ، وأنا ابنُ فلانٍ؟!! فيقول: كُنْ من شئت كن ابن الخليفة فسأطلب منك حقِّي. ثم قال تعالى: {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} أي: لو فرضتم شيئاً آخر أبعد من قبولِ الحجر والحديد للحياة، بحيث يستبعد عقلكم قبوله للحياة، ولا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء؛ لأنَّ المراد أنَّ أبدان النَّاس، وإن انتهت بعد موتها إلى أيِّ صفة فرضت، وإن كانت في غاية البعد عن قبول الحياة، فإنَّ الله قادرٌ على إعادة الحياة إليها. قال ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، وأكثر المفسِّرين - رضي الله عنهم -: إنَّه الموت؛ فإنَّه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت، أي: لو كنتم الموت بعينه، لأميتنَّكم، ولأبعثنكم، وهذا إنَّما يحسنُ ذكره على سبيل المبالغة، أما نفس الأمر بهذا، فهو محالٌ؛ لأن أبدان النَّاس أجسامٌ، والموت عرضٌ، والجسم لا ينقلب عرضا، وبتقدير أن ينقلب عرضاً، فالموت لا يقبل الحياة؛ لأن أحد الضِّدين يمتنع اتصافه بالضدِّ الآخر. وقال بعضهم: يعني السَّماء والأرض. ثم قال تعالى: {فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَا}، أي: من الذي يقدر على إعادة الحياة، فقال تعالى: {قُلْ} يا محمد: {ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: خلقكم أوَّل مرة، ومن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة. قوله تعالى: {ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ}: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي: الذي فطركم يعيدكم، وهذا التقدير فيه مطابقة بين السؤال والجواب. والثاني: أنه خير مبتدأ محذوف، أي: معيدكم الذي فطركم. الثالث: أنه فاعل بفعل مقدَّر، أي: يعيدكم الذي فطركم، ولهذا صرِّح بالفعل في نظيره عند قوله: {أية : لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [الزخرف: 9]. و "أوَّل مرَّةٍ" ظرف زمانٍ ناصبه "فَطرَكُمْ". قوله تعالى: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ}، أي: يحرِّكونها استهزاء، يقال: أنغض رأسه ينغضها، أي: يحركها إلى فوق، وإلى أسفل إنغاضاً، فهو منغضٌ، قال: [الرجز] شعر : 3428- أنْغضَ نَحْوي رَأسهُ وأقْنَعا كَأنَّهُ يَطلبُ شيئاً أطْمعَا تفسير : وقال آخر: [الرجز] شعر : 3429- لمَّا رَأتْنِي أنغضَتْ لِي الرَّأسَا تفسير : وسمي الظليم نغضاً لأنه يحرك رأسه وقال أبو الهيثم: "إذا أخبر الرجلُ بشيءٍ، فحرَّك رأسه؛ إنكاراً له، فقد أنغضَ". قال ذو الرُّمَّة: شعر : 3430- ظَعائِنُ لمْ يَسْكُنَّ أكْنافَ قَرْيةٍ بِسيفٍ ولَمْ تَنْغُضْ بهنَّ القَناطِرُ تفسير : أي: لم تحرَّك، وأمَّا نغض ثلاثيًّا، ينغَض وينغُض بالفتح والضمِّ، فبمعنى تحرَّك، لا يتعدَّى يقال: نغضتْ سنُّه، أي: تحرَّكتْ، تَنغِضُ نغضاً، ونغوضاً. قال: [الرجز] شعر : 3431- ونَغَضتْ مِنْ هَرمٍ أسْنانُهَا تفسير : ثم قال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ}، أي: البعث والقيامة، وهذا سؤالٌ فاسدٌ؛ لأنَّهم منعوا الحشر والنشر كما تقدَّم؛ ثمَّ بين تعالى بالبرهان القاطع كونه ممكناً في نفسه، فقولهم "مَتَى هُوَ" كلام لا يتعلق بالبعث؛ فإنَّه لما ثبت بالدليل العقليِّ كونه ممكن الوجود في نفسه، وجب الاعتراف بإمكانه، فإنه متى يوجد، فذاك لا يمكن إثباته بالعقل، بل إنما يمكن إثباته بالدَّليل السمعي، فإن أخبر الله تعالى عن ذلك الوقت المعيَّن، عرف، وإلا فلا سبيل إلى معرفته. وقد بين الله تبارك وتعالى في القرآن؛ أنَّه لا يطلع أحداً من الخلق على وقته المعيَّن، فقال جلَّ ذكره: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} تفسير : [لقمان: 34] وقال: {أية : إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} تفسير : [الأعراف: 187] وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} تفسير : [طه: 15] فلا جرم قال تعالى: {عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً}. قال المفسِّرون: "عَسَى" من الله واجبٌ، معناه: أنه قريبٌ، فإن قيل: كيف يكون قريباً، وقد انقرض سبعمائة سنة، ولم يظهر. فالجواب: قال ابن الخطيب: إن كان معنى: "أكثر مَّا بَقِيَ" كان الباقي قليلاً، ويحتمل أن يريد بالقرب أن إتيان السَّاعة متناهٍ، وكل ما كان متناهياً من الزَّمان فهو قليلٌ، بل أقلُّ من القليل بالنسبة إلى الزَّمان الذي بعده؛ لأنَّه غير متناهٍ؛ كنسبة العدد المتناهي إلى العدد المطلقِ؛ فإنَّه لا ينسب إليه بجزءٍ من الأجزاء، ولو قلَّ. ويقال في المثل "كل آت قريب". قوله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَكُونَ} يجوز أن تكون الناقصة، واسمها مستتر فيها يعود على البعث والحشر المدلول عليهما بقوَّة الكلام، أو لتضمُّنه في قوله "مَبْعُوثُونَ" و "أنْ يَكُونَ" خبرها، ويجوز أن تكون التامة مسندة إلى "أنّ" وما في حيزها، واسم "يكون" ضمير البعث؛ كما تقدَّم. وفي "قريباً" وجهان: أحدهما: أنه خبر "كَانَ" وهو وصفٌ على بابه. والثاني: أنه ظرف، أي: زماناً قريباً، و "أنْ يَكُونَ" على هذا تامة، أي: عسى أن يقع العود في زمانٍ قريبٍ. قوله تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ}: فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من "قريباً"، إذا أعربنا "قريباً" ظرف زمان، كما تقدَّم. والمعنى: عَسَى أن يكون يوم البعث يوم يدعوكم، أي بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة، كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ}تفسير : [ق: 41]. الثاني: أنه منصوب بـ "يكُونَ" قاله أبو البقاء. وهذا عند من يجيز إعمال الناقصة في الظرف، وإذا جعلناها تامة، فهو معمولٌ لها عند الجميع. الثالث: أنه منصوب بضمير المصدر الذي هو اسم "يكُون" أي: عسى أن يكون العود يوم يدعوكم، وقد منعه أبو البقاء قال: "لأنَّ الضمير لا يعملُ" يعني عند البصريِّين، وأمَّا الكوفيون، فيعملون ضمير المصدر، كمظهره، فيقولون: "مُرُوري بزيدٍ حسنٌ، وهو بعمرٍو قبيحٌ" فـ "بِعَمْرٍو" عندهم متعلق بـ "هُوَ" لأنه ضمير المرور، وأنشدوا قول زهير على ذلك: [الطويل] شعر : 3432- ومَا الحَرْبُ إلاَّ ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُم ومَا هُو عَنْهَا بالحدِيثِ المُرجَّمِ تفسير : فـ "هُوَ" ضمير المصدرِ، وقد تعلق به الجار بعده، والبصريُّون يؤوِّلونه. الرابع: أنه منصوب بفعل مقدَّر، أي: اذكر يوم يدعوكم. الخامس: أنه منصوبٌ بالبعث المقدر، قالهما أبو البقاء. قوله تعالى: "بِحَمدِه" فيه قولان: أحدهما: أنها حالٌ، أي: تستجيبون حامدين، أي: منقادين طائعين. وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث؛ كقولك لمن تأمرهُ بعمل يشقُّ عليه: ستأتي به، وأنت حامدٌ شاكرٌ، أي: ستأتي إلى حالة تحمدُ الله وتشكر على أن اكتفى منك بذلك العمل، وهذا يذكر في معرض التهديد. والثاني: أنها متعلقة بـ "يَدْعُوكُم" قاله أبو البقاء، وفيه قلقٌ. قوله تعالى: {إِن لَّبِثْتُمْ} "إنْ" نافية، وهي معلقة للظنِّ عن العمل، وقلَّ من يذكر "إن" النافية، في أدواتِ تعليق هذا الباب، و "قليلاً" يجوز أن يكون نعت زمانٍ أو مصدرٍ محذوفٍ، أي: إلا زماناً قليلاً، أو لبثاً قليلاً. فصل في معنى النداء والإجابة المعنى: "يَوْمَ يَدْعوكم" بالنِّداء من قبوركم إلى موقف القيامة، "فتَسْتَجِيبُونَ" أي: تجيبون، والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه، وهي الإجابة، إلاَّ أنَّ الاستجابة تقتضي طلب الموافقةِ، فهي أوكد من الإجابة. وقوله "بِحَمْدهِ" قال ابن عباس: بأمره. وقال قتادة: بطاعته؛ لأنَّهم لما أجابوه بالتَّسبيح والتَّحميد، كان ذلك معرفة منهم وطاعة، ولكنَّهم لا ينفعنم ذلك في ذلك اليوم. وقيل: يُقِرُّون بأنَّه خالقهم وباعثهم، ويحمدونه حين لا ينفعهم الحمد، وهذا خطاب للكفّار. وقيل: هذا خطابٌ للمؤمنين. قال سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم، وينفضون التُّرابَ عن رءوسهم، ويقولون: سبحانك وبحمدك، وهو قوله: {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ}. وقال أهل المعاني: أي تستجيبون حامدين؛ كما تقول: جاء بغضبه، أي: جاء غضبان، وركب الأمير بسيفه، أي: وسيفه معه، ثم قال: {وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} أي: إن لبثتم في الدنيا، أو في القبور {إِلاَّ قَلِيلاً} لأنَّ الإنسان لو مكث ألوفاً من السِّنين في الدنيا أو في القبور، عُدَّ ذلك قليلاً في مدَّة القيامة والخلود. وقال ابن عباسٍ: يريد بين النفختين الأولى والثانية، فإنه يزال عنهم العذاب في هذا الوقت، ويدلُّ عليه قوله تعالى في سورة يس {أية : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}تفسير : [يس: 52] وذلك ظنُّهم بأنَّ هذا اللبث قليل، أي: لبثهم فيما بين النَّفختين. وقيل: المراد استقلال لبثهم في عرصة القيامة؛ لأنَّه لما كان عاقبة أمرهم الدُّخول في النَّار، استقصروا مدة لبثهم في برزخ القيامة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏ورفاتا‏ً} ‏ قال غبارا‏ً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ورفاتا‏ً} ‏ قال‏:‏ ترابا‏ً.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏قل كونوا حجارة أو حديدا‏ً}‏ قال‏:‏ ما شئتم فكونوا فسيعيدكم الله كما كنتم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏أو خلقاً مما يكبر في صدوركم‏} قال‏:‏ الموت‏.‏ قال‏:‏ لو كنتم موتى لأحييتكم‏. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير والحاكم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏أو خلقاً مما يكبر في صدوركم‏}‏ قال‏:‏ الموت‏. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن الحسن رضي الله عنه مثله‏. وأخرج عبد الله بن أحمد وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏أو خلقاً مما يكبر في صدوركم‏} ‏ قال‏:‏ هو الموت ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم من الموت, فكونوا الموت ان استطعتم، فإن الموت سيموت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏فسينغضون إليك رؤوسهم‏} ‏ قال‏:‏ يحركون رؤوسهم استهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج الطستي، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏فسينغضون إليك رؤوسهم‏} ‏ قال‏:‏ يحركون رؤوسهم استهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول الشاعر وهو يقول‏:‏ شعر : اتنغض لي يوم الفخار وقد ترى خيولاً عليها كالأسود ضواريا تفسير : وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ويقولون متى هو‏} ‏ قال‏:‏ الإعادة والله تعالى أعلم‏.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالُواْ أَءذَا كُنَّا عِظَـٰماً وَرُفَـٰتاً} استفهامٌ إنكاريٌّ مفيدٌ لكمال الاستبعادِ والاستنكارِ للبعث بعد ما آل الحالُ إلى هذا المآل لِما بـين غضاضةِ الحيِّ ويُبوسة الرميم من التنافي، كأن استحالةَ الأمر من الظهور بحيث لا يقدر المخاطبُ على التكلم به، والرفاتُ ما بولغ في دقِّه وتفتيته، وقال الفرَّاء: هو التراب، وهو قولُ مجاهدٍ، وقيل: هو الحُطامُ وإذا متمحّضةٌ للظرفية وهو الأظهرُ والعاملُ فيها ما دل عليه قوله تعالى: {أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ} لا نفسُه، لأن ما بعد إن والهمزةِ واللام لا يعمل فيما قبلها وهو نبعث أو نعاد وهو المرجِعُ للإنكار وتقيـيدُه بالوقت المذكور ليس لتخصيصه به فإنهم منكرِون للإحياء بعد الموت وإن كان البدنُ على حاله، بل لتقوية الإنكارِ للبعث بتوجيهه إليه في حالة منافيةٍ له، وتكريرُ الهمزة في قولهم: {أئنا} لتأكيد النكيرِ، وتحليةُ الجملة بأن واللامِ لتأكيد الإنكارِ لا لإنكار التأكيد كما عسى يُتوَّهم من ظاهر النظمِ، فإن تقديمَ الهمزة لاقتضائها الصدارةَ كما في مثل قوله تعالى: { أية : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة، الآية 76] ونظائرِه على رأي الجمهور فإن المعنى عندهم تعقيبُ الإنكارِ لا إنكارُ التعقيب كما هو المشهور، وليس مدارُ إنكارِهم كونَهم ثابتين في المبعوثية بالفعل في حال كونِهم عظاماً ورفاتاً كما يتراءى من ظاهر الجملةِ الاسمية بل كونِهم بعَرَضية ذلك واستعدادِهم له، ومرجعُه إلى إنكار البعثِ بعد تلك الحالةِ وفيه من الدِلالة على غلوّهم في الكفر وتماديهم في الضلال ما لا يزيد عليه {خَلْقاً جَدِيداً} نصْبٌ على المصدر من غير لفظه، أو الحاليةِ على أن الخلق بمعنى المخلوق. {قُلْ} جواباً لهم وتقريباً لما استبعدوه {كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} {أَوْ خَلْقًا} آخرَ {مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ} أي يعظُم عندكم عن قبول الحياة لكمال المباينةِ والمنافاةِ بـينها وبـينه، فإنكم مبعوثون ومُعادون لا محالة {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا} مع ما بـيننا وبـين الإعادةِ من مثل هذه المباعدةِ والمباينة {قُلْ} لهم تحقيقاً للحق وإزاحةً للاستبعاد وإرشاداً لهم إلى طريقة الاستدلال {ٱلَّذِى} أي يعيدكم القادرُ العظيم الذي {فَطَرَكُمْ} اخترعكم {أَوَّلَ مَرَّةٍ} من غير مثالِ يحتذيه ولا أسلوبٍ ينتحيه وكنتم تراباً ما شمّ رائحةَ الحياة، أليس الذي يقدِر على ذلك بقادر على أن يعيدَ العظامَ الباليةَ إلى حالتها المعهودة؟ بلى إنه على كل شيء قدير {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} أي سيحركونها نحوَك تعجباً وإنكاراً {وَيَقُولُونَ} استهزاءً {مَتَىٰ هُوَ} أي ما ذكرتَه من الإعادة {قُلْ} لهم {عَسَىٰ أَن يَكُونَ} ذلك {قَرِيبًا} نُصب على أنه خبرٌ ليكون أو ظرفٌ على أن كان تامةٌ أي أن يقعَ في زمان قريب، ومحلُّ أن مع ما في حيزها إما نصبٌ على أنه خبرٌ لعسى وهي ناقصة واسمُها ضميرٌ عائد إلى ما عاد إليه هو أي عسى كونُه قريباً، أو وقوعُه في زمان قريب.

القشيري

تفسير : أقَرُّوا بأنَّ الله خَلَقَهم، ثم أنكروا قدرته على إعادتهم بعد عَدَمِهم، ولكن.. كما جاز أن يوجِدَهم أولاً وهم في كتم العَدَمِ ولم يكن لهم عين ولا أثر، ولكنهم كانوا في متناول القدرة ومتعلق الإرادة، فَمِنْ حَقِّ صاحبِ القدرة والإرادة أن يعيدَهم إلى الوجود مرة أخرى... وهكذا إذا رَمَدَت عينُ قلبٍ لم يستبصر صاحبه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالوا} اى الكفرة المنكرون للبعث من اهل مكة نسوا بداية خلقهم انهم خلقوا من تراب بل انهم خلقوا من لا شئ كقوله تعالى {أية : خلقتك ولم تك شيئا}تفسير : فقالوا على سبيل الانكار والاستبعاد {رائذا كنا}[آيا آنهنكام كه سويم ما بعد ازمرك بمرور زمان]{عظاما} [استخوانها]{ورفاتا} هو ما بولغ فى دقه وتفتيته {ائنا لمبعوثون} [آيابر انكيخته شد كان شويم]{خلقا جديدا} نصب على المصدر من غير لفظه او على الحالية على ان الخلق بمعنى المخلوق. قوله اذا متمحضة للظرفية وهو الاظهر والعامل فيها ما دل عليه مبعوثون لا نفسه لان ما بعد ان والهمزة واللام لا يعمل فيما قبلها وهو نبعث او نعاد وهو المرجع للانكار اى حياتنا بعد الموت محال منكر لما بين غضاضة الحى ويبوسة الرميم من التنافى وتقييده بالوقت المذكور ليس لتخصيص به فانهم منكرون للاحياء بعد الموت وان كان البدن على حاله بل لتقوية الانكار للبعث بتوجيهه اليه فى حالة منافيه له.

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين أنكروا البعث، والنشور، والثواب والعقاب: أنهم يقولون {أإِذا كنا عظاماً} أي إِذا متنا وأنتثرت لحومنا وبقينا {عظاماً ورفاتاً} قال مجاهد: الرفات التراب. وبه قال الفراء وقال: لا واحد له من لفظه، وهو بمنزلة الدقاق، والحطام، قال المبرد: كل شيء مدقوق مبالغ في دقه حتي انسحق، فهو رفات، يقال: رفت رفتاً، فهو مرفوت إِذا صّير كالحطام. و (إِذا) في موضع نصب بفعل يدل عليه {لمبعوثون} وتقديره أنبعث {إِذا كنا عظاماً. ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً} وصورته صورة الاستفهام وإِنما هم منكرون لذلك متعجبون منه وكل ما تحطم وترضض يجيء أكثره على (فعال) مثل (حطام، ورضاض ودقاق وغبار وتراب) والخلق الجديد: هو المجدد أي يبعثهم الله أحياء بعد أن كانوا أمواتاً، أنكروا ذلك وتعجبوا منه، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل} لهم {كونوا حجارة أو حديداً} أي لو كنتم حجارة أو حديداً بعد موتكم لأحياكم وحشركم ولم تفوتوا الله، إِلاّ أنه خرج مخرج الأمر، لأنه أبلغ في الإلزام، كأن أكثر ما يكون منهم مطلوب حتى يروا أنه هين حقير {أو خلقاً مما يكبر في صدوركم} فقيل في معناه ثلاثة أقوال: قال مجاهد: السموات والأرض والجبال. وقال قتادة: أيُّ شيء استعظموه من الخلق. وقال ابن عباس. وسعيد بن جبير والفراء: انه الموت. قال الفراء قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أرأيت لو كنا الموت من كان يميتنا؟! فأنزل الله {أو خلقاً مما يكبر في صدوركم} يعني الموت نفسه اي ليبعث الله عليكم من يميتكم ثم يحييكم. {فسيقولون من يعيدنا} اخبار منه حكاية عن هؤلاء الكفار انهم يقولون من يعيدنا احياء؟ فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل الذي فطركم أوّل مرة} اي الذي خلقكم ابتداء يقدر على إِعادتكم، لأن أبتداء الشيء اصعب من إِعادته، كما قال {أية : وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه}تفسير : وقال لما قالوا {أية : من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم}تفسير : وإِنما قال لهم ذلك، لانهم كانوا يقرون بالنشأة الأولى. وقوله {فسينغضون إليك رؤوسهم} معناه انهم إِذا سمعوا لهذا حركوا رؤوسهم مستبعدين لذلك. وقال ابن عباس يحركون رؤوسهم مستهزئين، يقال: انغضت رأسي انغضه انغاضاً، ونغض براسه ينغض نغضاً إِذا حركه والنغض تحريك الراس بارتفاع وانخفاض. ومنه قيل للظليم نغض، لانه يحرك رأسه في مشيه بارتفاع وانخفأض قال العجاج: شعر : اصك نغضاً لا يني مستهدجاً تفسير : ونغضت سنه إِذا تحركت من اصلها قال الراجز: شعر : ونغضت من هرم اسنانها تفسير : وقال آخر: شعر : لما رأتني أنغضت لي الرأسا تفسير : {ويقولون} هؤلاء الكفار {متى هو} يعنون بعثهم وإِعادتهم أحياء فقال الله تعالى "قل" لهم يا محمد {عسى أن يكون قريباً} وعسى من الله واجبة، وكل ما هو آت قريب، ومن كلام الحسن انه قال: كأنك بالدنيا لم تكن وكأنك بالآخرة لم تزل.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً} تراباً متناثراً {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} على الانكار والاستبعاد والتّعجّب ولذلك اكّد الاستفهام.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُوا} منكرين للبعث. {أئِذَا كُنَّا عِظَاماً} مجردة عن الجلود واللحوم والعصب وغير ذلك. {وَرُفَاتاً} هو مفرد بمعنى الأَجزاء المتفتتة من أى شئ كانت إِذا بلى وتكسر وقرب من حال التراب لمرور الزمان عليه. وقال مجاهد الرفاة التراب، وعن ابن عباس الرفاة الغبار. {أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} وقرئ أئنا بالاستفهام ومر الكلام على ذلك فى الرعد وإِذا متعلق بما دل عليه مبعوثون لا به لأن ما بعد أن والاستفهام لا يعمل فيما قبلهما كذا قيل، ووجهه أن الاستفهام الثانى على قراءة الاستفهام فى الموضع الثانى تأْكيد للذى قبل إِذا، وأن ومعمولاها فى نية التقديم على إِذا والمجموع دليل جواب إِذا وإِلا فلو كان ذلك هو الجواب لم يمتنع العمل فيم قبل، لأَن أداة الشرط يعمل فيهما الجواب مطلقاً ولو وجد مانع العمل فيما قبل، وليس ذلك جواباً بدليل أنه لم يقرن بالفاء وفى تحقيق همزتى الاستفهام وتسهيلهما ما مر. {خَلْقاً} حال ولو كان مصدراً لأنه بمعنى مفعول ولأَنه منعوت بمشتق أو هو مفعول مطلق لتضمن البعث معنى الخلق. {جَدِيداً} أنكروا رد الرفاة اليابس الجامد طرياً رطباً حيا.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُوا} عطف على ضربوا، والاستفهامات بعده للتعجب. {أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا} مجردة عن الجلود واللحوم {وَرُفَاتًا} مفرد كالجداد والرداد والفتات، بمعنى ما بَلِىَ، وتفتت كالحطام، وهى أيضاً عظام كأنه قيل عظاماً غير متفتتة، وعظاماً مفتتة، ويطلق على ما يلى، وتفتت يابساً من غير الطعام أيضا فقد يريدون ما تكسر وتفتت من جلود ولحوم وعظام، ولعل من فسر الرفات بالتراب - وهو الفراء - أراد أنها دقيقة كالتراب، إذ لا يعرف الرفات بمعنى التراب حقيقة، ومع ذلك قال الله فى آية أخرى: "أية : أئذا متنا كنَّا ترابًا وعظامًا" تفسير : [المؤمنون: 82] فيفسر بالدقة كالتراب، وفسره بعض بالغبار، وبعض بما تكسر وبلى ودق، ويحتمل أن يرجع ترابا حقيقة رجوعا إلى أصله كما قال بعض الأندلسيين: كنا ننسف التراب فى موضع يسمى مقبرة اليهود، فوجدنا ميتا فى قبره، الصورة إنسان والحقيقة تراب حقيق لا فرق بينه وبين ما يليه من تراب الأرض، كأنه جسم مبنى من تراب، وإذا متعلق بمحذوف أى أنصير رطبا غضا أحيا. إذا كنا عظاما ورفاتا يابسة بالية، وإذا خارجة عن الصدر والشرط أو هى على أصلها، فيقدر ذلك مؤخراً لا بمبعوثون، لأن معمول خبر أن لا يتقدم عليها، وإصدار الاستفهام، ومعنى كونهم عظاما ورفاتا أنهم كأنهم صور من رفات من أول غير مسبوقة بلحم وجلد. {أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} البعث متضمن لمعنى الخلق، فخلقا مفعول مطلق لمبعوثون، أى لمخلوقون خلقاً جديداً، أو خلقا ضمن معنى البعث، أى لمبعوثون بعثا جديداً، والبعث الأول هو خلقهم من النطفة، وهذا أولى من كونه حالا بمعنى مخلوقين، أو ذوى خلق، فيتبعه جديداً على لفظه من الإفراد.

الالوسي

تفسير : {وَقَالُواْ أَءذَا كُنَّا عِظَـٰماً وَرُفَـٰتاً} عطف على {أية : ضَرَبُواْ} تفسير : [الإسراء: 48] ولما عجب من ضربهم الأمثال عطف عليه أمراً آخر يعجب منه أيضاً. وفي «الكشف» الأظهر أن يكون هذا إلى تمام المقالات الثلاث تفسيراً لِـ {أية : ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الإسراء: 48] ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً} تفسير : [الكهف: 32] وتفسيره بمثلوك غير ظاهر بل الظاهر مثلوا لك، ولا خفاء أن تجاوب الكلام على ما ذكرنا أتم، وذلك أنه لما ذكر استهزاءهم به صلى الله عليه وسلم وبالقرآن عجبه من استهزائهم بمضمونه من البعث دلالة على أنه أدخل في التعجب لأن العقل أيضاً يدل عليه ولكن على سبيل الإجمال، وأما على تفسير {أية : ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الإسراء: 48] بمثلوك فوجهه أن يكون معطوفاً على قوله سبحانه: {أية : فَضَلُّواْ} تفسير : [الإسراء: 48] لأنه باب من أبواب الضلال أو على مقدر دل عليه {أية : كَيْفَ ضَرَبُواْ}تفسير : [الإسراء: 48] لأن معناه مثلوك وقالوا شاعر ساحر مجنون وقالوا: {أَءِذَا كُنَّا} الخ اهـ. ولا يخفى أنه على التفسير الذي اختاره يكون {قَالُواْ } معطوفاً على {أية : ضَرَبُواْ} تفسير : [الإسراء: 48] أيضاً عطفاً تفسيرياً لكن الظاهر فيه حينئذ الفاء وأنه لا يحتاج على ما ذكرنا إلى تكلف العطف على مقدر والارتباط عليه لا يقصر عن الارتباط الذي ذكره، وعطفه على {أية : فَضَلُّواْ} تفسير : [الإسراء: 48] مما لا يحسن لعدم ظهور دخوله معه في حيز الفاء، والاعتراض على التفسير بمثلوك بأنهم ما مثلوه عليه الصلاة والسلام بالشاعر والساحر مثلاً بل قالوا تارة كذا وأخرى كذا، وأيضاً كان الظاهر أن يقال فيك بدل {أية : لك} تفسير : [الإسراء: 48] ليس بشيء لأن ما ذكروه على طريق التشبيه لتقريعه صلى الله عليه وسلم وعجزهم عن معارضته، و {أية : لك} تفسير : [الإسراء: 48] أظهر من فيك لأنه عليه الصلاة والسلام الممثل له. هذا وأقول: انظر هل ثم مانع من عطف {قَالُواْ} على {أية : يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} تفسير : [الإسراء: 47] وجعل هذا القول مما يتناجون به أيضاً وإعلانهم به أحياناً لا يمنع من هذا الجعل وكذا اختلاف المتعاطفين ماضوية ومضارعية لا يمنع من العطف، نعم يحتاج إلى نكتة ولا أظنها تخفى فتدبر. والرفات ما تكسر وبلى من كل شيء، وكثر بناء فعال في كل ما تحطم وتفرق كدقاق وفتات. وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه التراب وهو قول الفراء، وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس / أنه الغبار، وقال المبرد: هو كل شيء مدقوق مبالغ في دقه وهي أقوال متقاربة. والهمزة للاستفهام الإنكاري مفيدة لكمال الاستبعاد والاستنكار للبعث بعد ما آل الحال إلى هذا المآل كأنهم قالوا: إن ذلك لا يكون أصلاً. ومنشؤه أن بين غضاضة الحي وطراوته المقتضية للاتصال المقتضي للحياة وبين يبوسة الرميم المقتضية للتفرق المقتضي لعدم الحياة تنافياً. و {إِذَا} هنا كما في «الدر المصون» متمحضة للظرفية والعامل فيها ما دل عليه قوله تعالى: {أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} لا نفسه لأن (إن) لها الصدر فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها - وكذا الاستفهام وإن كان تأكيداً مع كون الاستفهام بالفعل أولى - وهو نبعث أو نعاد وهو مصب الإنكار، وتقييده بالوقت المذكور لتقوية إنكار البعث بتوجيهه إليه في حالة منافية له وإلا فالظاهر من حالهم أنهم منكرون للإحياء بعد الموت وإن كان البدن على حاله. وجوز أن تكون شرطية وجوابها مقدر أي نبعث أو نحوه وهو العامل فيها. وقيل الشرط والمعنى أنبعث وقد كنا رفاتاً في وقت وهو مذهب لبعض النحويين غير مشهور ولا معول عليه. وتحلية الجملة بإن واللام لتأكيد الإنكار لا لإنكار التأكيد كما عسى يتوهم من ظاهر النظم. وليس مدار إنكارهم كونهم ثابتين في المبعوثية بالفعل في حال كونهم عظاماً ورفاتاً كما يتراءى من ظاهر الجملة الاسمية بل كونهم بعرضية ذلك واستعدادهم له، ومرجعه إلى إنكار البعث بعد تلك الحالة، وفيه من الدلالة على غلوهم في الكفر وتماديهم في الضلال ما لا مزيد عليه قاله بعض المحققين. {خَلْقاً جَدِيداً} نصب بمبعوثين على أنه مفعول مطلق له من غير لفظ فعله أو حال على أن الخلق بمعنى المخلوق ووحد لاستواء الواحد في المصدر وإن أريد منه اسم المفعول أي مخلوقين.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون جملة {وقالوا} معطوفة على جملة {أية : قل لو كان معه آلهة كما تقولون}تفسير : [الإسراء: 42] باعتبار ما تشتمل عليه من قوله: كما تقولون لقصد استئصال ضلالة أخرى من ضلالاتهم بالحجّة الدامِغة، بعد استئصال الّتي قبلها بالحجة القاطعة بقوله قل لو كان معه آلهة كما تقولون الآية وما بينهما بمنزلة الاعتراض. ويجوز أن تكون عطفاً على جملة{أية : إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً }تفسير : [الإسراء: 47] التي مضمونها مظروف للنجوى، فيكون هذا القول مما تَنَاجَوْا به بينهم، ثم يجهرون بإعلانه ويعُدونه حجتهم على التكذيب. والاستفهام إنكاري. وتقديم الظرف من قوله: {أئذا كنا عظاماً} للاهتمام به لأن مضمونه هو دليل الاستحالة في ظنهم، فالإنكار متسلط على جملة {أئنا لمبعوثون}. وقوة إنكار ذلك مقيد بحالة الكون عظاماً ورفاتاً، وأصل تركيب الجملة: أإنا لمبعوثون إذا كنا عظاماً ورفاتاً. وليس المقصود من الظرف التقييد، لأن الكون عظاماً ورفاتاً ثابت لكل من يموت فيبعث. والبعث: الإرسال. وأطلق هنا على إحياء الموتى، لأن الميت يشبه الماكث في عدم مبارحة مكانه. والعظام: جمع عظم، وهوما منه تركيب الجسد للإنسان والدواب. ومعنى {كنا عظاماً} أنهم عظام لا لحم عليها. والرفات: الأشياء المرفوتة، أي المفتتة. يقال: رفَت الشيء إذا كسره كِسراً دقيقة. ووزن فُعال يدل على مفعول أفعال التجزئة مثل الدقاق والحُطام والجُذاذ والفُتات. و{خلقاً جديداً} حال من ضمير «مبعوثون». وذكر الحال لتصوير استحالة البعث بعد الفناء لأن البعث هو الإحياء، فإحياء العظام والرفات محال عندهم، وكَوْنهم خلقاً جديداً أدخل في الاستحالة. والخلق: مصدر بمعنى المفعول، ولكونه مصدراً لم يتبع موصوفه في الجمع.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتاً: الاستفهام للإِنكسار والاستبعاد والرُّفات الأجزاء المتفرقة. مما يكبر في صدوركم: أي يعظم عن قبول الحياة في اعتقادكم. فطركم: خلقكم. فسينغضون: أي يحركون رؤوسهم تعجباً. متى هو؟: الاستفهام للاستهزاء أي متى هذا البعث الذي تعدنا. يوم يدعوكم: أي يناديكم من قبوركم على لسان إسرافيل. فتستجيبون: أي تجيبون دعوته قائلين سبحانك اللهم وبحمدك. وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً: وتظنون أنكم ما لبثتم في قبوركم إلا قليلا. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير العقيدة ففي الآيات قَبْلَ هذه كان تقرير التوحيد والوحي وفي هذه الآيات تقرير البعث والجزاء الآخر ففي الآية [47] يخبر تعالى عن إنكار المشركين للبعث واستبعادهم له بقوله: {وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً} أي أجزاء متفرقة كالحطام {أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} وفي الآية الثانية [48] يأمر تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم كونوا ما شئتم فإن الله تعالى قادر على إحيائكم وبعثكم للحساب والجزاء وهو قوله تعالى؟ قل كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم أي مما يعظم في نفوسكم أن يقبل الحياة كالموت مثلا فإن الله تعالى سيحييكم ويبعثكم. وقوله تعالى:{فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا}؟ يخبر تعالى رسوله أن منكري البعث سيقولون له مستبعدين البعث: من يعيدنا وعلمه الجواب فقال له قل الذي فطركم أي خلقكم أول مرة وهو جواب مسكت فالذي خلقكم ثم أماتكم هو الذي يعيدكم كما بدأكم وهو أهون عليه. وقوله تعالى {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ}؟ يخبر تعالى رسوله بما سيقوله منكروا البعث له فيقول تعالى {فَسَيُنْغِضُونَ} أي يحركون إليك رؤوسهم خفضاً ورفعاً استهزاء ويقولون: {مَتَىٰ هُوَ}؟ أي متى البعث أي في أي يوم هو كائن. وقوله تعالى: {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً} علمه تعالى كيف يجيب المكذبين. وقوله {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} أي يكون بعثكم الذي تنكرونه يوم يدعوكم بأمر الله تعالى إسرافيل من قبوركم فتستجيبون أي فتجيبونه بحمد الله {وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} أي ما لبثتم في قبوركم إلا قليلا من اللبث وذلك لما تعاينون من الأهوال وتشاهدون من الأحوال المفزعة المرعبة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء وبيان حتميتها. 2- بيان ما كان عليه المشركون من شدة إنكارهم للبعث الآخر. 3- تعليم الله تعالى لرسوله كيف يجيب المنكرين المستهزئين بالتي هي أحسن. 4- بيان الأسلوب الحواري الهادي الخالي من الغلظة والشدة. 5- استقصار مدة اللبث في القبور مع طولها لما يشاهد من أهوال البعث.

القطان

تفسير : ورفاتا: الرفات ما تكسر وبَليَ من كل شيء. يكبر في صدروكم: يستبعد قبوله، ذرأكم: أوجدكم. فسينغضون اليك رؤوسهم: يحركون رؤوسهم تعجبا وسخرية. في هذه الآيات حكاية عن هؤلاء المعاندين المنكرين للحياة الآخرة، وقالوا أإذا كنا عظاما وحطاما هل نبعث في الآخرة خلقا جديدا!! قل ايها النبي: لو كنتم حجارة او حديدا، او خلقا اكبر مما تنكره قلوبكم لبُعثتم، فسيقولون: من يعيدنا؟ قل: يعيدكم الذي خلقكم اول مرة. فسيحركون اليك رؤوسهم تعجبا، ويقولون استهزاء: متى هذا البعث الذي يعدنا به؟ قل لهم: عسى ان يكون قريبا، يوم يبعثكم من قبوركم، بقدرته، ولله الحمد على كل حال، وتظنون ما لبثتم الا قليلا. ان الحياة الآخرة ذات هدف عظيم، هو المجازاة على اعمال الدنيا، خيرا كانت او شرا، فان للانسان ثلاثة أبعاد، يعرف من خلالها، هي: نيته، وقوله، وعمله. وهذه الثلاثة تسجَّل باكملها، فكل حرف يخرج عن لساننا، وكل عمل يصدر من عضو من اعضائنا يسجل في سجل ويمكن عرضه في اي وقت من الاوقات بكل تفاصيله. ان الاكتشافات الجديدة قربت هذه لامور، فان "الكمبيوتر" العقل الالكتروني، يخزن ملايين المعلومات، فكيف بسجل الله القدير؟..

د. أسعد حومد

تفسير : {أَإِذَا} {عِظَاماً} {وَرُفَاتاً} {أَإِنَّا} (49) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَمَّا قَالَهُ الكُفَّارُ، وَهُمُ يَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَ الحَشْرِ وَالمَعَادِ، فَيَسْتَفْهِمُونَ اسْتِفْهَامَ مُنْكِرٍ: هَلْ إِذا صِرْنَا عِظَاماً وَتُرَاباً هَلْ سَنُخْلَقُ مِنْ جَدِيدٍ خَلْقاً آخَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ إِنَّ هَذا لَشَيءٌ لاَ يُصَدِّقُهُ العَقْلُ السَّلِيمُ. رُفَاتاً - أَجْزَاءً مُفَتَّتَةً أَوْ تُرَاباً أَوْ غُبَاراً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الاستفهام في الآية استفهام للتعجّب والإنكار لموضوع البعث يوم القيامة بعد أنْ صاروا رُفَاتاً وعظاماً. والرفات: هو الفتات ومسحوق الشيء، وهو التراب أو الحُطَام، وكذلك كل ما جاء على وزن (فُعال). لقد استبعد هؤلاء البعث بعد الموت؛ لأنهم غفلوا عن بداية الوجود وبداية خَلْق الإنسان، ولو استعملنا علم الإحصاء الذي استحدثه العلماء لوجدناه يخدم هذه القضية الإيمانية، فلو أحصينا تعداد العالم الآن لوجدناه يتزايد في الاستقبال ويقلّ في الماضي، وهكذا إلى أنْ نصل بأصل الإنسان إلى الأصل الأصيل، وهو آدم وحواء، فمن أين أتَيَا إلى الوجود؟ فهذه قضية غيبية كان لا بُدَّ أن يُفكّروا فيها. ولأنها قضية غيبية فقد تولَّى الحق سبحانه وتعالى بيانها؛ لأن الناس سوف يتخبّطون فيها، فينبهنا الخالق سبحانه بمناعة إيمانية عقدية في كتابه العزيز، حتى لا ننساق وراء الذين سيتهورون ويَهْرفون بما لا يعلمون، ويقولون بأن أصل الإنسان كان قرداً، وهذه مقولة باطلة يسهُل رَدُّها بأن نقول: ولماذا لم تتحول القرود الباقية إلى إنسان؟ وعلى فرض أن أصل الإنسان قرد، فمن أين أتى؟ إنها نفس القضية تعود بنا من حيث بدأتْ، إنها مجرد شوشرة وتشويه لوجه الحقيقة بدون مبرر. وكذلك من القضايا التي تخبَّط فيها علماء الجيولوجيا ما ذهبوا إليه من أن السماء والأرض والشمس كانت جميعاً جزءاً واحداً، ثم انفصلت عن بعضها، وهذه أقوال لا يقوم عليها دليل. لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يعطينا طرفاً من هذه القضية، حتى لا نُصغِي إلى أقوال المضلِّلين الذين يخوضون في هذه الأمور على غير هدى، ولتكون لدينا الحصانة من الزَّلَل؛ لأن مثل هذه القضايا لا تخضع للتجارب المعملية، ولا تُؤخَذ إلا عن الخالق سبحانه فهو أعلم بما خلق. يقول تعالى: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ..}تفسير : [الكهف: 51] أي: لم يكن معي أحد حين خلقتُ السماء والأرض، وخلقتُ الإنسان، ما شهدني أحد لِيَصِفَ لكم ما حدث{أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً}تفسير : [الكهف: 51] أي: ما اتخذت من هؤلاء المضللين مُساعِداً أو مُعاوِناً، وكأن الحق سبحانه يقول لنا: احكموا على كل مَنْ يخوض في قضية الخَلْق هذه بأنه مُضلّل فلا تستمعوا إليه. ولكي تُريحوا أنفسكم من مثل هذه القضايا لا تُحمِّلوا العقل أكثر مما يحتمل، ولا تعطوه فوق مقومات وظائفه، وجَدْوى العقل حينما ينضبط في الماديات المعملية، أما إنْ جنح بنا فلا نجني من ورائه إلا الحُمْق والتخاريف التي لا تُجدي. وكلمة "العقل" نفسها من العقال الذي يمنع شرود البعير، وكذلك العقل جعله الله ليضبط تفكيرك، ويمنعك من الجموح أو الانحراف في التفكير. وأيضاً، فالعقل وسيلة من وسائل الإدراك، مثله مثل العين التي هي وسيلة الرؤية، والأذن التي هي وسيلة السمع .. وما دام العقل آلة من آلات الإدراك فله حدود، كما أن للعين حدوداً في الرؤية، وللأذن حدوداً في السمع، فللعقل حدود في التفكير أيضاً حتى لا يشطح بك، فعليك أنْ تضبط العقل في المجال الذي تُجوِّد فيه فقط، ولا تُطلق له العنان في كُلِّ القضايا. ومن هنا تعب الفلاسفة وأتعبوا الدنيا معهم؛ لأنهم خاضوا في قضايا فوق نطاق العقل، وأنا أتحدى أيّ مدرسة من مدارس الفلسفة من أول فلاسفة اليونان أن يكونوا متفقين على قضية إلا قضية واحدة، وهي أن يبحثوا فيما وراء المادة، فَمنِ الذي أخبرك أن وراء المادة شيئاً يجب أن يُبحث؟ لقد اهتديتُم بفطرتكم الإيمانية إلى وجود خالق لهذا الكون، فليس الكون وليد صدفة كما يقول البعض، بل له خالق هو الغيبيات التي تبحثون عنها، وتَرْمَحُون بعقولكم خلفها، في حين كان من الواجب عليكم أنْ تقولوا: إن ما وراء المادة هو الذي يُبين لنا نفسه. ولقد ضربنا مثلاً لذلك - ولله المثل الأعلى - وقلنا: هَبْ أننا في مكان مغلق، وسمعنا طَرْق الباب - فكلنا نتفق في التعقُّل أن طارقاً بالباب، ولكن منا مَنْ يتصور أنه رجل، ومنا مَنْ يتصوّر أنه امرأة، وآخر يقول: بل هو طفل صغير، وكذلك منا مَنْ يرى أنه نذير، وآخر يرى أنه بشير. إذن: لقد اتفقنا جميعاً في التعقُّل، ولكن اختلفنا في التصوُّر. فلو أن الفلاسفة وقفوا عند مرحلة التعقُّل في أن وراء المادة شيئاً، وتركوا لمن وراء المادة أنْ يُظهر لهم عن نفسه لأراحوا واستراحوا، كما أننا لو قُلْنا للطارق: مَنْ؟ لقال: أنا فلان، وجئت لكذا، وانتهتْ المسألة. ولقد رَدَّ عليهم القرآن إنكارهم للبعث وقولهم: {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} [الإسراء: 49] بقوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}تفسير : [يونس: 34]. وبقوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}تفسير : [الأنبياء: 104]. وبقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ..}تفسير : [الروم: 27] فإعادة الشيء أهون من خَلْقه أَوّلاً. وقف الفلاسفة طويلاً أمام قضية البعث، وأخذوا منها سبيلاً لتشكيك الناس في دين الله، ومن مغالطاتهم في هذه المسألة أنْ قالوا: ما الحل إذا مات إنسان مثلاً ثم تحوَّل جسمه إلى رفات وتراب، ثم زُرِعَتْ فوقه شجرة وتغذَّت على عناصره، فإذا أكل إنسان من ثمار هذه الشجرة فسوف تنتقل إليه بالتالي عناصر من عناصر الميت، وتتكوّن فيه ذرات من ذراته، فهذه الذرات التي تكوّنت في الثاني نقُصَتْ من الأول، فكيف يكون البعث - إذن - على حَدِّ قَوْلهم؟ والحقيقة أنهم في هذه المسألة لم يفطِنُوا إلى أن مُشخّص الإنسان شيء، وعناصر تكوينه شيء آخر .. كيف؟ هَبْ أن إنساناً زاد وزنه ونصحه الطبيب بإنقاص الوزن فسعى إلى ذلك بالطرق المعروفة لإنقاص الوزن، وهذه العملية سواء زيادة الوزن أو إنقاصه محكومة بأمرين: التغذية والإخراج، فالإنسان ينمو حينما يكون ما يتناوله من غذاء أكثر مما يُخرِجه من فضلات، ويضعف إن كان الأمر بعكس ذلك، فالولد الصغير ينمو لأنه يأكل أكثر مِمّا يُخرِج، والشيخ الكبير يُخرِج أكثر مِمّا يأكل؛ لذلك يضعف. فلو مرض إنسان مرضاً أَهْزَلَهُ وأنقص من وزنه، فذهب إلى الطبيب فعالجه حتى وصل إلى وزنه الطبيعي، فهل الذرات التي خرجتْ منه حتى صار هزيلاً هي بعينها الذرات التي دخلتْه حين تَمَّ علاجه؟ إن الذرات التي خرجتْ منه لا تزال في (المجاري)، لم يتكون منها شيء أبداً، إنما كميّة الذرّات ومقاديرها هي التي تقوي وتشخص. وربنا سبحانه وتعالى رحمة منه، قال: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}تفسير : [ق: 4] فالحق سبحانه سيجمع الأجزاء التي تُكوِّن فلاناً المشخّص. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى موقف المشركين من القرآن العظيم، وذكر تعاميهم عن فهم آياته البينات، أردفه بذكر شبهاتهم في إنكار البعث والنشور وكرَّ عليها بالإِبطال والتفنيد، ثم ذكر قصة آدم وإبليس للعظة والاعتبار، وأعقبها بذكر نعمه العظيمة على العباد ثم بالوعيد والتهديد إن أصرُّوا على الكفر والجحود. اللغَة: {رُفَاتاً} الرُّفات: ما تكسِّر وبَلِيَ من كل شيء كالفُتات والحُطام والرُّضاض {يُنْغِضُونَ} قال الفراء: يقال أنغض فلانٌ رأسه إذا حرّكه إلى فوق وأسفل كالمتعجب من الشيء قال الراجز: "أَنْغَض نحوي رأسه وأقنعا" {يَنزَغُ} يفسد ويهيِّج الشر والنزغُ: الإِفسادُ والإِغراء {لأَحْتَنِكَنَّ} الاحتناك الأخذ بالكليَّةِ والاستئصال يقال: احتنك الجرادُ الزرعَ إذا ذهب به كلَّه {ٱسْتَفْزِزْ} اخدعْ واستخفَّ يقال: أفزَّه الخوف واستفزّه إذا أزعجه واستخفَّه {وَأَجْلِبْ} أصل الإِجلاب السوقُ بجلبَةٍ من السائق وهو الصياح، والجَلَب والجَلَبَةُ الأصوات {وَرَجِلِكَ} الرَّجِلُ جمع راجل وهو الذي يمشي على قدميه {يُزْجِي} يسوق {حَاصِباً} الحاصب والحصباء هي الحَصَى الصغار {قَاصِفاً} القاصف ما يقصف الشيء أي يكسره والريح الشديدة التي تكسر بشدة من قصف الشيء يقصفه أي كسره بشدة، ورعد قاصف شديد الصوت {تَبِيعاً} طالباً يقال تابع وتبيع وهو النصير والمطالب. سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس حديث : أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن يُنحِّيَ عنهم الجبال فيزرعوا فقيل له: أن شئتَ أن تستأني بهم لعلنا نجتبي منهم، وإن شئتَ نعطيهم الذي سألوا فإن كفروا أُهلكوا، فقال: لا بل أستأني بهم تفسير : فنزلت {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ...} الآية. ب - لما ذكر تعالى شجرة الزقوم في القرآن قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمداً يخوّفكم بشجرة الزقوم، ألستم تعلمون أن النار تُحرق الشجر؟ ومحمد يزعم أن النار تُنْبت الشجر، فهل تدرون ما الزقوم؟ هو التمر والزُّبد، يا جارية ابغينا تمراً وزُبداً، فجاءته به فقال: تزقّموا من هذا الذي يخوّفم به محمد فأنزل الله تعالى {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً}. التفسِير: {وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً} استفهام تعجب وإنكار أي قال المشركون المكذبون بالبعث أئذا أصبحنا عظاماً نخرة، وذراتٍ متفتتة كالتراب {أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} أي هل سنُبعث ونُخْلق خلقاً جديداً بعد أن نبلى ونفنى؟ {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} أي قل لهم يا محمد لو كنتم حجارةً أو حديداً لقدر الله على بعثكم وإحيائكم فضلاً عن أن تكونوا عظاماً ورفاتاً فإن الله لا يعجزه شيء، فالحجارة والحديد أبعد عن الحياة وهي أصلب الأشياء ولو كانت أجسامكم منها لأعادها الله فكيف لا يقدر على إعادتكم إذا كنتم عظاماً ورفاتاً؟ {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} أي أو كونوا خلقاً آخر أوغل في البعد عن الحياة من الحجارة والحديد مما يصعب في نفوسكم تصوُّرُ الحياة فيه فسيبعثكم الله قال مجاهد: المعنى كونوا ما شئتم فستعادون {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا}؟ أي من الذي يردنا إلى الحياة بعد فنائنا {قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي قل لهم يعيدكم القادر العظيم الذي خلقكم وأنشأكم من العدم أول مرة {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ}؟ أي يحركون رءوسهم متعجبين مستهزئين ويقولون استنكاراً واستبعاداً متى يكون البعث والإِعادة؟ {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً} أي لعله يكون قريباً فإن كلَّ ما هو آتٍ قريب {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} أي سيكون بعثكم يوم الحشر الأكبر يوم يدعوكم الرب جل وعلا للاجتماع في المحشر فتجيبون لأمره، وتظنون لهوْل ما ترون أنكم ما أقمتم في الدنيا إلا زمناً قليلاً {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي قل لعبادي المؤمنين يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلمة الطيبة ويختاروا من الكلام ألطفه وأحسنه وينطقوا دائماً بالحسنى {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} أي إن الشيطان يُفسد ويُهيج بين الناس الشرَّ ويُشعل نار الفتنة بالكلمة الخشنة يُفلت بها اللسان {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} أي ظاهر العداوة للإِنسان من قديم الزمان يتلمس سقَطَات لسانه ليُحْدث العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} أي ربكم أيها الناس أعلم بدخائل نفوسكم إن يشأ يرحمكم بالتوفيق للإِيمان، وإن يشأ يعذبكم بالإِماتة على الكفر والعصيان {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} أي وما جعلناك يا محمد حفيظاً على أعمال الكفار كفيلاً عنهم لتقسرهم على الإِيمان إنما أرسلناك نذيراً فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} إنتقالٌ من الخصوص إلى العموم أي ربك جلَّ وعلا أعلمُ بعباده بأحوالهم ومقاديرهم فيخص بالنبوة من شاء من خلقه، وهو أعلم بالسعداء والأشقياء، والآية ردٌّ على المشركين حيث استبعدوا النبوة على رسول الله وقالوا: كيف يكون يتيم أبي طالب نبياً؟ وكيف يكون هؤلاء الفقراء الضعفاء أصحابه دون الأكابر والرؤساء؟ {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي فضلنا بعض الأنبياء على بعض حسب علمنا وحكمتنا وخصصناهم بمزايا فريدة، فاصطفينا إبراهيم بالخُلَّة، وموسى بالتكليم، وسليمان بالمُلْك العظيم، ومحمداً بالإِسراء والمعراج وجعلناه سيّد الأولين والآخرين، وكلُّ ذلك فعل الحكيم العليم الذي لا يصدر شيءٌ إلا عن حكمته {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} أي وأنزلنا الزبور على داود المشتمل على الحكمةِ وفصلِ الخطاب {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين أدعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دونه تعالى قال الحسن: يعني الملائكة وعيسى وعزيراً فقد كانوا يقولون إنهم يشفعون لنا عند الله {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً} أي فلا يستطيعون رفع البلاء عنكم ولا تحويله إلى غيركم {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} أي أولئك الآلهة الذين يدعونهم من دون الله هم أنفسهم يبتغون القرب إلى الله، ويتوسلون إليه بالطاعة والعبادة، فكيف تعبدونهم معه؟ {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} أي يرجون بعبادتهم رحمته تعالى ويخافون عقابه ويتسابقون إلى رضاه {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} أي عذابه تعالى شديد ينبغي أن يُحذر منه ويخاف من وقوعه وحصوله {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً} أي ما من قريةٍ من القرى الكافرة التي عصتْ أمر الله وكذَّبتْ رسله إلا وسيهلكها الله إما بالاستئصال الكلي أو بالعذاب الشديد لأهلها {كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} أي كان ذلك حكماً مسطراً في اللوح المحفوظ لا يتغيَّر {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} قال المفسرون: اقترح المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزاتٍ عظيمة منها أن يقلب لهم الصفا ذهباً، وأن يزيح عنهم الجبال فأخبره تعالى أنه إن أجابهم إلى ما طلبوا ثم لم يؤمنوا استحقوا عذاب الاستئصال، وقد اقتضَت حكمته تعالى إمهالهم لأنه علم أنَّ منهم من يؤمن وأن من أولادهم من يؤمن فلهذا السبب ما أجابهم إلى ما طلبوا أو المعنى ما منعنا من إرسال المعجزات والخوارق التي اقترحها قومك إلاّ تكذيبُ مَنْ سبقهم من الأمم حيث اقترحوا ثم كذبوا فأهلكهم الله ودمَّرهم {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا} أي وأعطينا قوم صالح الناقة آيةً بينة ومعجزةً ساطعة واضحة فكفروا بها وجحدوا بعد أن سألوها فأهلكهم الله {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} أي وما نرسل بالآيات الكونية كالزلازل والرعد والخسوف والكسوف إلا تخويفاً للعباد من المعاصي قال قتادة: إن الله تعالى يخوّف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويرجعون {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} أي واذكر يا محمد حين أخبرناك أن الله أحاط بالناس علماً في الماضي والحاضر والمستقبل فهو تعالى لا يخفى عليه شيءٌ من أحوالهم وقد علم أنهم لن يؤمنوا ولو جئتهم بما طلبوا من الآيات والمعجزات {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} أي وما جعلنا الرؤية التي أريناكها عياناً ليلة المعراج من عجائب الأرض والسماء إلا امتحاناً وابتلاءً لأهل مكة حيث كذبوا وكفروا وارتد بعض الناس لما أخبرهم بها قال البخاري عن ابن عباس: هي رؤيا عينٍ أُريها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ أُسريَ به وليست برؤيا منام {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ} أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن وهي شجرة الزقوم إلا فتنةً أيضاً للناس قال ابن كثير: لما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم كذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكماً: هاتوا لنا تمراً وزُبْداً وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول: تزقّموا فلا نعلم الزقوم غير هذا {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} أي ونخوّف هؤلاء المشركين بأنواع العذاب والآيات الزاجرة فما يزيدهم تخويفنا إلا تمادياً وغياً واستمراراً على الكفر والضلال، فماذا تنفع معهم الخوارق؟ ما زادتهم خارقة الإِسراء والمعراج، ولا خارقة التخويف بشجرة الزقوم إلا استهزاءً وإمعاناً في الضلال، ثم أَشار تعالى إلى أن هذا الطغيان سببه إغواء الشيطان ولهذا ذكر قصته عقب ذلك فقال {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ} أي أذكر يا محمد حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية وتكريم فسجدوا كلهم إلا ابليس استكبر وأبى افتخاراً على آدم واحتقاراً له {قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} استفهامٌ إنكاري أي أأسجد أنا العظيم الكبير لهذا الضعيف الحقير الذي خلقته من الطين؟ كيف يصح للعالي أن يسجد للداني؟ {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} أي قال إبليس اللعين جراءةً على الربّ وكفراً به: أتُرى هذا المخلوق الذي فضَّلته عليَّ وجعلتَه أكرَم مني عندك؟ {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً} أي لئن أنظرتني وأبقيتني حياً إلى يوم القيامة لأستأصلنَّ ذريته بالإِغواء والإِضلال قال الطبري: أقسم عدوُّ الله فقال لربه: لئن أخرتَ إهلاكي إلى يوم القيامة لأستأصلنَّهم ولأستميلنَّهم وأضلنَّهم إلا قليلاً منهم {قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} أي قال الرب جلَّ وعلا: إذهب فقد أنظرتُك وابذل جهدك فيهم فمن أطاعك من ذرية آدم فإن جزاءك وجزاءهم نارُ جهنم جزاء كاملاً وافراً لا ينقص لكم منه شيء قال القرطبي: والأمر في {ٱذْهَبْ} أمرُ إهانة والمعنى اجهد جهدك فقد أنظرناك {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} أي استخفف واستجهل وحرِّكْ من أردتَ أن تستفزَّه فتخدعه بدعائك إلى الفساد قال ابن عباس: صوتُه كلُّ داعٍ يدعو إلى معصية الله تعالى وقال مجاهد: صوته الغناء والمزامير واللهو {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} أي صِحْ عليهم بأعوانك وجنودك من كل راكبٍ وراجل قال الطبري: المعنى اجمع عليهم من ركبان جندك ومشاتهم من يصيح عليهم بالدعاء إلى طاعتك، والصرفِ عن طاعتي قال ابن عباس: خيلُه ورَجِله كلُّ راكبٍ وماشٍ في معصية الله تعالى وقال الزمخشري: الكلام واردٌ مورد التمثيل، مُثِّلَتْ حالُه في تسلطه على من يُغويه بفارسٍ مغوار أوقع على قومٍ فصوَّت بهم صوتاً يستفزهم عن أماكنهم، ويُقلقهم عن مراكزهم، وأجلبَ عليهم بجنده من خيَّالةٍ ورجَّالة حتى استأصلهم {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ} أي اجعل لنفسك شركة في أموالهم وأولادهم، أما الأموال فبكسبها من الحرام وإنفاقها في المعاصي، وأما الأولاد فبتحسين اختلاط الرجال بالنساء حتى يكثر الفجور ويكثر أولاد الزنى {وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} أي عدْهم بالوعود المغرية الخادعة والأماني الكاذبة، كالوعد بشفاعة الأصنام، والوعد بالغِنى من المال الحرام، والوعد بالعفو والمغفرة وسَعَة رحمة الله، والوعد باللذة والسرور في ارتكاب الموبقات كقول الشاعر: شعر : خذوا بنصيبٍ من سرورٍ ولذةٍ فكلٌ وإن طال المدى يتصرَّم تفسير : {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} أي إنَّ عبادي المخلصين ليس لك عليهم تسلطٌ بالإِغواء لأنهم في حفظي وأماني {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً} أي كفى بالله تعالى عاصماً وحافظاً لهم من كيدك وشرك، ثم ذكَّر تعالى العباد بإحسانه ونعمه عليهم وبآثار قدرته ووحدانيته فقال {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي ربكم أيها الناس هو الذي يُسيّر لكم السفن في البحر لتطلبوا من رزقه في أسفاركم وتجاراتكم {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} أي هو تعالى رحيم بالعباد ولهذا سهَّل لهم أسباب ذلك {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} أي وإذا أصابتكم الشدة والكرب في البحر وخشيتم من الغَرَق ذهب عن خاطركم من كنتم تعبدونه من الآلهة ولم تجدوا غير الله مغيثاً يغيثكم، فالإِنسان في تلك الحالة لا يتضرع إلى الصنم والوثن، والمَلك والفَلَك وإنما يتضرع إلى الله تعالى {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} أي فلما نجاكم من الغرق وأخرجكم إلى البَرِّ أعرضتم عن الإِيمان والإِخلاص {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً} أي ومن طبيعة الإِنسان جحود نعم الرحمن، ثم خوَّفهم تعالى بقدرته العظيمة فقال {أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ} أي أفأمنتم أيها الناس حين نجوتم من الغرق في البحر أن يخسف الله بكم الأرض فيخفيكم في باطنها؟ إنكم في قبضة الله في كل لحظة فكيف تأمنون بطش الله وانتقامه بزلزالٍ أو رجفةٍ أو بركان؟ {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} أي يمطركم بحجارة من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً} أي لا تجدوا من يقوم بأموركم ويحفظكم من عذابه تعالى {أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ} أي يعيدكم في البحر مرةً أخرى {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ} أي يرسل عليكم وأنتم في البحر ريحاً شديدة مدمِّرة، لا تَمرُّ بشيءٍ إلا كسرته ودمَّرته {فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ} أي يغرقكم بسبب كفركم {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً} أي لا تجدوا من يأخذ لكم بالثأر منا أو يطالبنا بتبعة إغراقكم. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- الاستفهام الإِنكاري {أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً} وتكرير الهمزة في {أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} لتأكيد النكير وكذلك تأكيده بإنَّ واللام للإِشارة إلى قوة الإِنكار. 2- التعجيز والإِهانة في الأمر {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً}. 3- الطباق بين {يَرْحَمْكُمْ ... يُعَذِّبْكُمْ} وبين لفظ {ٱلْبَرِّ ... ٱلْبَحْرِ}. 4- الإِيجاز بالحذف {وَلاَ تَحْوِيلاً} أي ولا تحويل الضر عنكم حُذف لدلالة ما سبق. 5- المقابلة اللطيفة بين الجملتين {يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ}، {وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}. 6- الإِسناد المجازي {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ} المنع محالٌ في حقه تعالى لأن الله لا يمنعه عن إرادته شيء فالمنع مجاز عن الترك أي ما كان سبب ترك إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين. 7- المجاز العقلي {ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً} لما كانت الناقة سبباً في إبصار الحق والهدى نسب إليها الإِبصار ففيه مجاز عقلي علاقته السببية. 8- الاستعارة التمثيلية {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} مُثِّلَتْ حال الشيطان في تسلطه على من يغويه بالفارس الذي يصيح بجنده للهجوم على الأعداء لاستئصالهم. 9- التذييل {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} لأنه كالتعليل لما سبق من تسيير السفن وتسخيرها في البحر. تنبيه: الغالب في لفظ {ٱلرُّؤيَا} أن تكون منامية وإذا كانت بالعين يقال {رؤية} بالتاء، وقوله تعالى {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} جاءت على غير الغالب لأن المراد بها الرؤية البصرية التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإِسراء والمعراج وقد تقدم قول ابن عباس: "هي رؤيا عين أُريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به" ولو كانت رؤيا منام لما كانت فتنةً للناس ولما ارتد بعضهم عن الإسلام.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {عِظَاماً وَرُفَاتاً} أَي حُطاماً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : فمن ظلمهم وصفوا اسم المسحور موضع المبعوث {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ } [الإسراء: 48] بالسحر والشعر {فَضَلُّواْ} عن طريق العقبى. فلما كان حال البلوغ إلى بيته بقوله: {أية : لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ} تفسير : [النحل: 7] فكيف يكون حال أهل الوصول إليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أوذي نبي مثل ما أوذيت" تفسير : فلما لم يصل أحد مقامه الذي وصل ما أوذي أحد في السير إلى الله والسير في الله والسير بالله مثل ما أوذي النبي صلى الله عليه وسلم، وإيذاء السائرين بإذابة وجودهم في السير ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي السير في الله ذوبان الصفات، وفي السير بالله ذوبان الذات، فافهم جدّاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن قول المنكرين للبعث وتكذيبهم به واستبعادهم بقولهم: { أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا } أي: أجسادا بالية { أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا } أي: لا يكون ذلك وهو محال بزعمهم، فجهلوا أشد الجهل حيث كذبوا رسل الله وجحدوا آيات الله وقاسوا قدرة خالق السماوات والأرض بقدرتهم الضعيفة العاجزة، فلما رأوا أن هذا ممتنع عليهم لا يقدرون عليه جعلوا قدرة الله كذلك. فسبحان من جعل خلقا من خلقه، يزعمون أنهم أولو العقول والألباب مثالا في جهل أظهر الأشياء وأجلاها وأوضحها براهين وأعلاها ليرى عباده أنه ما ثم إلا توفيقه وإعانته أو الهلاك والضلال. {أية : رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ }. تفسير : ولهذا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء المنكرين للبعث استبعادا: { قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ } أي: يعظم { فِي صُدُورِكُمْ } لتسلموا بذلك على زعمكم من أن تنالكم قدرة الله أو تنفذ فيكم مشيئته، فإنكم غير معجزي الله في أي حالة تكونون وعلى أي وصف تتحولون، وليس لكم في أنفسكم تدبير في حالة الحياة وبعد الممات. فدعوا التدبير والتصريف لمن هو على كل شيء قدير وبكل شيء محيط. { فَسَيَقُولُونَ } حين تقيم عليهم الحجة في البعث: { مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } فكما فطركم ولم تكونوا شيئا مذكورا فإنه سيعيدكم خلقا جديدا {أية : كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ }. تفسير : { فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ } أي: يهزونها إنكارا وتعجبا مما قلت، { وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ } أي: متى وقت البعث الذي تزعمه على قولك؟ لا إقرار منهم لأصل البعث بل ذلك سفه منهم وتعجيز. { قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا } فليس في تعيين وقته فائدة، وإنما الفائدة والمدار على تقريره والإقرار به وإثباته وإلا فكل ما هو آت فإنه قريب. { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } للبعث والنشور وينفخ في الصور { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } أي: تنقادون لأمره ولا تستعصون عليه. وقوله: { بحمده } أي: هو المحمود تعالى على فعله ويجزي به العباد إذا جمعهم ليوم التناد. { وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا } من سرعة وقوعه وأن الذي مر عليكم من النعيم كأنه ما كان. فهذا الذي يقول عنه المنكرون: { متى هو } ؟ يندمون غاية الندم عند وروده ويقال لهم: {أية : هذا الذي كنتم به تكذبون }.