Verse. 2080 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

اَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِيْ صُدُوْرِكُمْ۝۰ۚ فَسَيَقُوْلُوْنَ مَنْ يُّعِيْدُنَا۝۰ۭ قُلِ الَّذِيْ فَطَرَكُمْ اَوَّلَ مَرَّۃٍ۝۰ۚ فَسَيُنْغِضُوْنَ اِلَيْكَ رُءُوْسَہُمْ وَيَقُوْلُوْنَ مَتٰى ہُوَ۝۰ۭ قُلْ عَسٰۗي اَنْ يَّكُوْنَ قَرِيْبًا۝۵۱
Aw khalqan mimma yakburu fee sudoorikum fasayaqooloona man yuAAeeduna quli allathee fatarakum awwala marratin fasayunghidoona ilayka ruoosahum wayaqooloona mata huwa qul AAasa an yakoona qareeban

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أو خلقا مما يكبر في صدوركم» يعظم عن قبول الحياة فضلا عن العظام والرفات فلا بد من إيجاد الروح فيكم «فسيقولون من يعيدنا» إلى الحياة «قل الذي فطركم» خلقكم «أول مرة» ولم تكونوا شيئا لأن القادر على البدء قادر على الإعادة بل هي أهون «فسينغضون» يحركون «إليك رءوسهم» تعجبا «ويقولون» استهزاء «متى هو» أي البعث «قل عسى أن يكون قريبا».

51

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ } يعظم عن قبول الحياة فضلاً عن العظام والرفات، فلا بد من إيجاد الروح فيكم {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا } إلى الحياة؟ {قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ } خلقكم {أَوَّلَ مَرَّةٍ } ولم تكونوا شيئاً لأن القادر على البدء قادر على الإِعادة، بل هي أهون {فَسَيُنْغِضُونَ } يحرّكون {إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ } تعجباً {وَيَقُولُونَ } استهزاء {مَتَىٰ هُوَ } أي البعث {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا }.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ} السماوات والأرض والجبال، أو الموت "ع"، أو البعث لأنه أكبر شيء عندهم، أو جميع ما تستعظمونه من خلق الله ـ تعالى ـ فإن الله يميتكم ثم يحييكم {فَسَيُنْغِضُونَ} يحركون رؤوسهم استهزاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {او خلقا مما يكبر فى صدوركم} يعظم عندكم من قبول الحياة لكونه ابعد شئ منها فانكم مبعوثون ومعادون لا محالة اى فان قدرته تعالى لا تقصر عن احيائكم لاشتراك الاجسام فى قبول الاعراض فكيف اذا كنتم عظاما مرفوته وقد كانت غضة موصوفة بالحياة قبل والشئ اقبل لما عهد فيه مما لم يعهد والامر وارد على التمثيل يعنى فى المثل [كرديد بتن خود سنك يا آهن] كما فى تفسير الكاشفى. وقال فى الكواشى هو امر تعجيز وتوبيخ لا امر الزام. وقال فى بحر العلوم ليس الامر ههنا على حقيقته بل على المجاز لان المقصود اهانتهم وقلة المبالاة بهم لا طلب كونه حجارة او حديدا لعدم قدرتهم على ذلك وما يكبر فى صدورهم السموات والجبال والجمهور على انه الموت اذ ليس فى النفس شئ اكبر من الموت اى لو كنتم الموت بعينه لأميتكم ولأبعثكم {فسيقولون}[بس زود باشدكه كويند] {من} [كيست كه] {يعيدنا} يبعثنا بعد الموت. يعنى [زنده سازد مارا بس ازمرك] وقد نسوا مبدئهم فلزمهم نسيان معيدهم {قل الذى فطركم} اى يعيدكم القادر العظيم الذى اخترعكم وانشأكم {اول مرة} من غير مثال وكنتم ترابا ما شم رائحة الحياة فهو المبدئ والمعيد. يعنى [بس آنكه خاك را تواند جان داد در بدايت هم خاك را زنده تواند ساخت درنهايت] {فيسنغضون اليك رؤسهم} انغض حرك اى سيحرّ كونها نحوك تعجبا وانكارا {ويقولون} استهزاء {متى هو} اى ما ذكرت من الاعادة فهو سؤال عن وقت البعث بعد تعيين الباعث {قل} لهم {عسى ان يكون} ذلك {قريبا} فان كل آت قريب او لانه مضى اكثر الزمان وبقى اقله. قال فى بحر العلوم اى هو قريب لان عسى فى الاصل للطمع والاشفاق من الله تعالى واجب يعنى انه قرب وقته فقد قرب ما يكون فيه من الحساب والعقاب.

الالوسي

تفسير : {أَوْ خَلْقًا} أي مخلوقاً آخر {مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ} أي مما يستبعد عندكم قبوله الحياة لكونه أبعد شيء منها وتعيينه مفوض إليكم فإن الله تعالى لا يعجزه إحياؤكم لتساوي الأجسام في قبول الأعراض فكيف إذا كنتم عظاماً بالية وقد كانت موصوفة بالحياة قبل والشيء أقبل لما عهد مما لم يعهد، وقال مجاهد: الذي يكبر السمٰوات والأرض والجبال. / وأخرج ابن جرير وجماعة عن ابن عباس وابن عمر والحسن وابن جبير أنهم قالوا: ما يكبر في صدورهم الموت فإنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم من الموت، والمعنى لو كنتم مجسمين من نفس الموت لأعادكم فضلاً عن أصل لا يضاد الحياة إن لم يقتضها، وفيه مبالغة حسنة وإن كان اللفظ غير ظاهر فيه {فَسَيَقُولُونَ} لك {مَن يُعِيدُنَا} مع ما بيننا وبين الإعادة من مثل هذه المباعدة والمباينة {قُلْ} لهم تحقيقاً للحق وإزاحة للاستبعاد وإرشاداً إلى طريقة الاستدلال {ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ} أي القادر العظيم الذي اخترعكم {أَوَّلَ مَرَّةٍ} من غير مثال يحتذيه ولا أسلوب ينتحيه وكنتم تراباً ما شم رائحة الحياة أليس الذي يقدر على ذلك بقادر على أن يفيض الحياة على العظام البالية ويعيدها إلى حالها المعهودة بلى إنه سبحانه على كل شيء قدير. والموصول مبتدأ خبره يعيدكم المحذوف لدلالة السؤال عليه أو فاعل به أو خبر مبتدأ محذوف على اختلاف في الأولى كما فصل في محله. و {أَوَّلَ مَرَّةٍ} ظرف (فطركم). {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءوسَهُمُ} أي سيحركونها نحوك استهزاء كما روي عن ابن عباس وأنشد عليه قول الشاعر:شعر : أتنغض لي يوم الفخار وقد ترى خيولاً عليها كالأسود ضواريا تفسير : ومثله قول الآخر:شعر : انغض نحوي رأسه وأقنعا كأنه يطلب شيئاً أطمعا تفسير : وفي «القاموس» نَغَضَ كنَصَرَ وضَرَبَ نَغْضَاً ونُغُوضَاً ونَغَضَانَاً ونَغَضَاً محركتين تحرك واضطرب كأنغض [وتنغض] وحرك كأنغض. وفسر الفراء الانغاض بتحريك الرأس بارتفاع وانخفاض، وقال أبو الهيثم: من أخبر بشيء فحرك رأسه إنكاراً له فقد أنغض رأسه فكأنه سيحركون رؤسهم إنكاراً {وَيَقُولُونَ} استهزاء {مَتَىٰ هُوَ} أي ما ذكرته من الإعادة، وجوز أن يكون الضمير للعود أو البعث المفهوم من الكلام. {قُلْ} لهم {عَسَىٰ أَن يَكُونَ} ذلك {قَرِيبًا} فإن ما هو محقق إتيانه قريب، ولم يعين زمانه لأنه من المغيبات التي لا يطلع عليها غيره تعالى ولا يطلع عليها سبحانه أحداً، وقيل: قربه لأن ما بقي من زمان الدنيا أقل مما مضى منه؛ وانتصاب {قَرِيبًا} على أنه خبر كان الناقصة واسمها ضمير يعود على ما أشير إليه، وجوز أن يكون منصوباً على الظرفية والأصل زماناً قريباً فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه فانتصب انتصابه وكان على هذا تامة وفاعلها ذلك الضمير أي عسى أن يقع ذلك في زمان قريب وأن يكون في تأويل مصدر منصوب وقع خبراً لعسى واسمها ضمير يعود على ما عاد عليه اسم (يكون) وجوز أن يكون مرفوعاً بعسى وهي تامة لا خبر لها أي عسى كونه قريباً أو في وقت قريب. واعترض بأن عسى للمقاربة فكأنه قيل: قرب أن يكون قريباً ولا فائدة فيه، وأجيب بأن نجم الأئمة لم يثبت معنى المقاربة في عسى لا وضعاً ولا استعمالاً، ويدل له ذكر {قَرِيبًا} بعدها في الآية فلا حاجة إلى القول بأنها جردت عنه فالمعنى يرجى ويتوقع كونه قريباً.

د. أسعد حومد

تفسير : {رُؤُوسَهُمْ} (51) - وَقُلْ لَهُمْ: أَوْ كُونُوا أَيُّ شَيءٍ، مِمَّا تَعْتَقِدُونَهُ عَظِيماً فِي أَنْفُسِكُمْ كَالجِبَالِ وَالأَرْضِ، فَإِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَبْعَثَكُمْ أَحْيَاءً. وَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا إِذا كُنَّا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً آخَرَ مِمَّا يُسْتَبْعَدُ قَبُولُهُ لِلْحَيَاةِ؟ فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: يُعِيدُكُم الذِي خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ (فَطَرَكُمْ) وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئاً مَذْكُوراً، ثُمَّ صِرْتُمْ بَشَراً تَنْتَشِرُونَ، فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِكُمْ، وَلَوْ صِرْتُمْ عَلَى أَيِّ حَالٍ، وَلَنْ يُعْجِزَهُ إِحْيَاؤُكُمْ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ الكَافِرِينَ حِينَمَا يَسْمَعُونَ هذا الجَوَابَ مِنْ رَسُولِ اللهِ سَيُحَرِّكُونَ رُؤُوسَهُمْ حَرَكَةَ اسْتِهْزَاءٍ، وَيَقُولُونَ: مَتَى يَكُونُ هَذا الحَشْرُ وَالمَعَادُ؟ اسْتِبْعَاداً مِنْهُمْ لِوُقُوعِهِ. وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ يُجِيبَهُمْ: إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَرِيباً فَلْيَحْذَرُوا ذلِكَ، فَإِنَّهُ قَرِيبٌ إِلَيْهِمْ وَسَيَأْتِيهِمْ لاَ مَحَالَةَ. يَكْبُرُ - يَعْظُمُ عَنْ قُبُولِ الحَيَاةِ كَالسَّمَاوَاتِ. فَطَرَكُمْ - أَبْدَعَكُمْ وَأَحْدَثَكُمْ. فَسَيُنْغِضُونَ - يُحَرِّكُونَ رُؤُوسَهُمْ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلٍ وَمِنْ أَسْفَلٍ إِلَى أَعْلَى حَرَكَةَ اسْتِهْزَاءٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ..} [الإسراء: 51] أي: هاتوا الأعظم فالأعظم، وتوغّلوا في التحدِّي والبُعْد عن الحياة، فأنا قادر على أنْ أهبَ له الحياة مهما كان بعيداً عن الحياة على إطلاقها. وقوله: {مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ..} [الإسراء: 51]. يكبر: أي يعظُم مِنْ كَبُر يكْبُر. ومنه قوله تعالى: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ..}تفسير : [الكهف: 5] أي: عَظُمت. والمراد: اختاروا شيئاً يعظم استبعادُ أن يكون فيه حياة بعد ذلك، وغاية ما عندهم في بيئتهم الحجارة والحديد، فَهُما أبعد الأشياء عن الحياة، وقد اتفقوا على ذلك فليس في محيط حياتهم ما هو أقسى من الحجارة والحديد. ولكن الحق سبحانه وتعالى ارتقى بهم في فَرْضية الأمر إلى أنْ يختاروا وتجتمع نفوسهم على شيء، يكون أعظمَ استبعاداً من الحجارة والحديد. ونلاحظ في قوله تعالى: {مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ..} [الإسراء: 51] جاء هذا الشيء مُبْهَماً؛ لأن الشيء العظيم الذي يعظُم عن الحجارة والحديد استبعاداً عن أصل الحياة مختلفٌ فيه، فإن اتفقوا في أمر الحجارة والحديد فقد اختلفوا في الأشياء الأخرى، فجاءت الآية مُبْهمة ليشيع المعنى في نفس كل واحد كُلّ على حَسْب ما يرى. بدليل أنهم حينما سألوا الإمام علياً - رضي الله عنه، وكرّم الله وجهه - عن أقوى الأجناس في الكون، وقد علموا عن الإمام عليّ سرعة البديهة والتمرُّس في الفُتْيَا، فأرادوا اختباره بهذا السؤال الذي يحتاج في الإجابة عليه إلى استقصاء لأجناس الكون وطبيعة كل منها. دخل عليهم الإمام علي وهم مختلفون في هذه المسألة، منهم من يقول: الحديد أقوى. ومنهم من يقول: بل الحجارة. وآخر يقول: بل الماء، فأفتاهم الإمام في هذه القضية، وانظر إلى دِقّة الإفتاء واستيعاب العلم، فلم يَقُل: أقوى جنود الله كذا وكذا ثم يكمل كما اتفق له ويذكر ما يخطر بباله، لا بل حصرها أولاً، فقال: أشد جنود الله عشرة. فالمسألة ليست ارتجالية، بل مسألة مدروسة لديه مُسْتَحضرة في ذِهْنه، مُرتَّبة في تفكيره، فبسط الإمام لمستمعيه يده وفَردَ أصابعه، وأخذ يعدّ هذه العشرة، وكأنه المعلم الذي استحضر درسه وأعدَّه جيداً. قال: "أشد جنود الله عشرة، الجبال الرواسي، والحديد يقطع الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب المسخّر بين السماء والأرض يحمل الماء، والريح يقطع السحاب، وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب أو بالشيء ويمضي لحاجته، والسُّكرْ يغلب ابن آدم، والنوم يغلب السُّكْر، والهمّ يغلب النوم، فأشد جنود الله في الكون الهمّ". فهذه الأجناس هي المراد بقوله تعالى: {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ..} [الإسراء: 51] فاختاروا أيّاً من هذه الأجناس، فالله تعالى قادر على إعادتكم وبعثكم كما كنتم أحياء. ثم يقول تعالى: {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..} [الإسراء: 51]. أي: أن الذي خلقكم بدايةً قادرٌ على إعادتكم، بل الإعادة أَهْوَن من الخَلْق بدايةً، ولكن الجواب لا يكون مُقنِعاً إلا إذا كانت النتيجة التي يأتي بها الجواب مُسلّمة. فهل هم مقتنعون بأن الله تعالى فطرهم أوّل مرة؟ نعم، هم مؤمنون بهذه الحقيقة رغم كُفْرهم، بدليل قولهم: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}تفسير : [الزخرف: 87] فهم مقتنعون بذلك، ولكنهم نقلوا الجدل إلى قضية أخرى فقالوا: مَنْ يُعيدنا؟ فإنْ قلت لهم: الذي فطركم أول مرة. {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ ..} [الإسراء: 51]. معنى يُنغِض رأسه: يهزُّها من أعلى لأسفل، ومن أسفل لأعلى استهزاءً وسخريةً مما تقول، والمتأمل في قوله {فَسَيُنْغِضُونَ} يجده فِعْلاً سيحدث في المستقبل ويقع من مُختارٍ، والمقام مقام جَدلٍ بين الكفار وبين رسول الله، وهذه الآية يتلوها رسول الله على أسماعهم ويخبر أنه إذا قال لهم: {ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..} [الإسراء: 51] فسينغضون رؤوسهم. فكان في وُسْع هؤلاء أنْ يُكذِّبوا هذا القول، فلا يُنغِضون رؤوسهم لرسول الله ويمكرون به في هذه المسألة، ولهم بعد ذلك أنْ يعترضوا على هذا القول ويتهموه، ولكن الحق سبحانه غالبٌ على أمره، فها هي الآية تُتْلىَ عليهم وتحْتَ سَمْعهم وأبصارهم، ومع ذلك لم يقولوا، مما يدلُّ على غباء الكفار وحُمْق تفكيرهم. وما أشبه هذا الموقف منهم بموقفهم من حادث تحويل القبلة حينما قال الحق سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ..}تفسير : [البقرة: 144]. ثم أخبره بما سيحدث من الكفار، فقال: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ..}تفسير : [البقرة: 142]. وهذا قَوْلٌ اختياريّ في المستقبل، وكان بإمكانهم إذا سمعوا هذه الآية أَلاّّ يقولوا هذا القول ويجدوا بذلك مَأْخَذاً على القرآن، ولكنهم مع هذا قالوا ما حكاه القرآن؛ لأن الحق سبحانه يعلم أنهم سيقولون لا محالة: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ..} [الإسراء: 51]. والاستفهام هنا كسابقه للإنكار والتعجُّب الدالّ على استبعاد البعث بعد الموت، ولاحظ هنا أن السؤال عن الزمن، فقد نقلوا الجدل من إمكانية الحدث إلى ميعاد الحدث، وهذا تراجعٌ منهم في النقاش، فقد كانوا يقولون: مَنْ يُعيدنا؟ والآن يقولون: متى؟ فيأتي الجواب: {عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً} [الإسراء: 51]. عسى: كلمة تفيد الرجاء، والرجاء أمر مُتوقّع يختلف باختلاف الراجي والمرجو منه، فإذا قُلْت مثلاً: عسى فلاناً أنْ يعطيك كذا، فالرجاء هنا بعيد شيئاً ما؛ لأنه رجاء من غيري لك، أما لو قلْت: عسى أنْ أُعطيك كذا، فهي أقرب في الرجاء؛ لأنني أتحدَّث عن نفسي، وثقة الإنسان في نفسه أكثر من ثقته في الآخرين، ومع ذلك قد يتغير رأييِّ فلا أعطيك، أو يأتي وقت الإعطاء فلا أجد ما أعطيه لك. لكن إذا قُلْتَ: عسى الله أن يعطيك فلا شكَّ أنها أقربُ في الرجاء؛ لأنك رجوت الله تعالى الذي لا يُعجِزه شيء في الأرض ولا في السماء. وإنْ كان القائل هو الحق سبحانه وتعالى، فالرجاء منه سبحانه مُحقَّق وواقع لا شكَّ فيه؛ فالرجاء من الغير للغير رتبة، ومن الإنسان لغيره رتبة، ومن الله تعالى للغير رتبة. وقد شرح لنا الرسول صلى الله عليه وسلم مسألة القرب فقال: "حديث : بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"تفسير : وأشار بالسَّبابة والوسطى؛ لأنه ليس بعده رسول، فهو والقيامة متجاوران لا فاصلَ بينهما، كما أننا نقول: كُلُّ آتٍ قريب، فالأمر الآتي مستقبلاً قريب؛ لأنه قادم لا محالةَ. ثم يقول الحق سبحانه: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} فالخَلقُ: السِّحرُ ومعنى يَكبرُ: يَعظُمُ. تفسير : وقوله تعالى: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} معناه: يُحرِّكونَها. استهزاءً مِنهُم. تفسير : وقوله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً} قالَ الإِمامُ عليه السلام: عَسَى من الله وَاجبةٌ فِي كُلِّ القُرآنِ. وكُلُّ شَيءٍ دُونَ السَّاعةِ فَهْوَ قَرِيبٌ.

همام الصنعاني

تفسير : 1573- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ}: [الآية: 51]، قال: لو كنتم الموت لأماتكم. 1574- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، قال: بلغني عن سعيد بن جبير أنه قال: هو الموت. 1575- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال مجاهد: السماء والأرض والجبال. 1576- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ}: [الآية: 51]، قال: يحركون به رؤوسهم.